← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو؛ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْن جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْخُزَاعِىِّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسن إِلى جَاره، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُل خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ ". ــ عنه، وإمساك لسانه إلا فى خير ينفعه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾ (١). واختلف السلف والعلماء: هل يكتب على العبد جميع ما يتكلم به؟ [أو] (٢) إنما يكتب ما يجازى عليه من خير أو شر دون لغو الكلام، وما يعنى الإنسان منه. وإلى هذا ذهب ابن عباس وغيره فى تفسير الآية (٣).

стр. 282

(٢٠) باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر واجبان ٧٨ - (٤٩) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ كِلاهُما عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهابٍ - وَهذَا حَدِيثُ أَبِى بَكْرٍ - قالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ، يَوْمَ الْعَيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقالَ: الصَّلاةُ قبْل الْخُطْبَةِ، فَقالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنالِكَ. ــ وقوله: " أول من بدأ الخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان " (١). قال القاضى: اختلف فى هذا، فوقع هنا ما تراه، ونحوه فى حديث أبى سعيد. وروى: أول من بدأ بالخطبة فيهما عثمان، وروى: أول من فعل ذلك عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - لما رأى الناس يذهبون عند تمام الصلاة ولا ينتظرون الخطبة، وقيل: بل ليدرك الصلاة من تأخر وبَعُدَ منزلُه، وقيل: أول من فعل ذلك معاوية، وروى: أن ابن الزبير فعله أيضاً، وتأول فى فعل بنى أمية فى ذلك لما أحدثوا من سب علىٍّ فيها - رضى الله عنه - فكان الناس يتفرقون لئلا، يسمعوا ذلك، فأخروا الصلاة ليُجلسوا الناس. والذى ثبت عن النبى ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان وعلى - رضى الله عنهم - تقديم الصلاة، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، وقد عدَّه بعضهم إجماعاً - يعنى والله أعلم - بعد الخلاف، أو لم يلتفت إلى خلاف بنى أمية بعد إجماع الخلفاء والصدر الأول، قال مالك: وهى السُنَّة، قال أشهب (٢): إن بدأ بالخطبة أعادها بعد الصلاة. وقوله: " فقام إليه رجل " ثم قال (٣) بعدُ، فقال أبو سعيد: " أما هذا فقد قضى ما عليه ": يدل أن الرجل غير أبى سعيد، وجاء فى الحديث الآخر (٤): أن أبا سعيد هو

стр. 283

فَقالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هذَا فَقَدْ قَضى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغيِّرْهُ بِيدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذلِكَ أَضعَفُ الإِيمانِ ". ٧٩ - (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ. وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهابٍ، عَن أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، فِى قِصَّةِ مَرْوَانَ، وَحَدِيثِ أَبِى سَعِيدٍ عَنِ ــ الذى جبذ بيد مروان إذ رآه يصعد المنبر وكانا جاءا معاً، فرد عليه مروان بمثل ما قال هذا الرجل، فيحتمل أنهما حديثان، جرى أحدهما لأبى سعيد، والآخر لغيره بحضرته. وقوله: " فقد قضى ما عليه " بمحضر ذلك الجمع، دليل على استقرار السنة عندهم على خلاف ما فعل مروان، وتبينه احتجاجه بقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من رأى منكم منكراً فليغيره " الحديث، ولا يسمى منكرًا ويعتقده هو ومن حضر [إلا] (١) ما استمر به عمل أو مضت به سنة. و (٢) فيه أدل دليل على أنه لم يعمل به خليفة قبل، وأن ما روى فيه عمن ذكرناه لا يصح، إذ لا ينبغى للآمر بالمعروف والناهى عن المنكر أن يحمل الناس على اجتهاده ومذهبه، وإنَّما يغيِّر منه ما اجتمع على إنكاره وإحداثه. واختلف العلماء فيمن قلده السلطان الحسبَة فى ذلك، هل يحمل الناس على رأيه ومذهبه إن كان من أهل الاجتهاد (٣)، أم لا يُغير على غيره ما خالف مذهبه؟ على قولين. وقوله: " فليغيره بيده " أصل فى هذا الباب. والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من واجبات الإيمان ودعائم الإسلام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا خلاف فى ذلك إلا ممن لا يعتد بخلافه من الرافضة (٤). ووجوبه شرعاً لا عقلاً (٥) خلافاً للمعتزلة.

стр. 284

النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَة وَسُفْيَانَ. ٨٠ - (٥٠) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيسَانَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَعْفَر بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَم؛ عَنْ عبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْمِسْوَرِ، عَنْ أَبِى ــ وقوله: " فليغيره بيده فإن لم يستصع فبلسانه " الحديث: أصل فى صفة تغيير المنكر، وعلمٌ على العلم فى عمله، فمن حق المغيّر أولاً أن يكون عالمًا بما يُغيّره، عارفًا بالمنكر من غيره، فقيهًا بصفة التغيير ودرجاته، فيغيره بكل وجه أمكنه زواله به، وغلبت على ظنه منفعة تغييره بمنزعه ذلك من فعل أو قول، فيكسر آلات الباطل، ويريق ظروف المسكر بنفسه، أو يأمر بقوله من يتولى ذلك، وينزع المغصوب من أيدى المتعمدين، بيده أو يأمر بأخذها منهم، ويمكّن منها أربابها، كل هذا إذا أمكنه، ويرفق فى التغيير (١) جهده بالجاهل، أو ذى العزَّة الظالم المخوف شره، إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله، وامتثال أمره، وأسمع لوعظه وتخويفه، كما يستحب أن يكون متولى ذلك من أهل الفضل والصلاح، لهذا المعنى، ويغلظ على المغتِّر (٢) منهم فى غيِّه، والمسرِف فى بطالته، إذا أمن أن يؤثر إغلاظه منكرًا أشد مما غيره، أو كان جانبه محميًا عن سطوة الظالم، فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرًا أشد منه من قتله أو قتل غيره بسببه، كفّ يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ والتخويف، فإن خاف - أيضاً - أن يُسبّبَ قولُه مثل ذلك غير بقلبه، [وكان فى سَعَة، وهذا هو المراد بالحديث إن شاء الله، وإن وَجد من يستعين به على ذلك استعان، ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى من له الأمرُ - إن كان المنكر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه] (٣). هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافاً لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حالٍ وإن قُتِلَ ونيل منه كل أذى.

стр. 285

رَافِع، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ نَبِىِّ بَعَثَهُ اللهُ فِى أُمَّةٍ قَبْلِى، إِلا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأخُذُونَ بِسُنَّتِهِ ويَقْتَدُونَ بِأمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّها تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِم خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ الإيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ". ــ وقوله: فى حديث ابن (١) مسعود: " ما من نبى بعثه الله ... " الحديث، وفيه: " إلا كان له من أمته حواريون .. " (٢)، قال الأزهرى: الحواريون خلصاءُ الأنبياء، ومعناه: الذين أُخلِصوا ونُقُّوا من كل عيب، وحوارِى الدقيق الذى نُخل. وقال يونس: هم خلصاؤهم وخاصتُهم، وقال السُلمى: هم الأَخِلاءُ، وقال ابن الأنبارى: هم المختصون المفضلون، وسُمى خبر الحوارى لأنه أشرف الخبر وأرفعه. وقال غيره: إنما سُمى بذلك أنصار عيسى؛ لأنهم كانوا يغسلون الثياب ويُحوّرونها أى يبيضونها، وقيل: لكل ناصر لسُنَّةٍ (٣): حَوارى تشبيهاً بأولئك. قال ابن الأنبارى: فى الحواريين خمسة أقوال: قال أهل اللغة: هم البيض الثياب، وقيل: هم المجاهدون، وقيل: الصيادون، وقيل: القصارون (٤)، وقيل: الملوك. وقوله: " ويخلفُ من بعدهم خلوف " هو جمع خلْف بالإسكان، وهو الذى يأتى بعد الآخر. قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْف﴾ (٥). ويقال فيه: خَلف بالفتح أيضاً، ومنه الحديث: " يحمل هذا العلم من كل خلفٍ

стр. 286

قالَ أَبُو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ فَأَنْكَرَهُ عَلَىَّ. فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُود فَنَزَلَ بِقَنَاة. فاَسْتَتْبَعَنِى إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ. ــ عدو له " (١)، وحكى الفراء الوجهين فى الذم والفتح فى المدح لا غير. وحكى أبو زيد الوجهين [جميعاً] (٢) فيهما [معاً] (٣)، وقاله الحربى عنه وغيره. وقوله: " من جاهدهم بيده فهو مؤمن " الحديث من معنى الأول، وإن أقل التغيير تغيير القلب، وأضعف مراتب تغيير أهل الإيمان، وإن لم يفعل ذلك ولا أنكره بقلبه فقد رضيه، وليس ذلك من الإيمان (٤). وقوله: " قال صالح: وقد تُحدِّث بنحو ذلك عن أبى رافع ": يريد أن صالح بن كيسان راوى الحديث عن الحارث وهو ابن فضيل الخطمى [عن جعفر بن عبد الله بن الحكم عن عبد الرحمن بن المسور عن أبى رافع عن ابن مسعود قال: إن هذا الحديث تحدث به عن أبى رافع عن النبى ﷺ لم يذكر فيه ابن مسعود، وقد ذكره البخارى فى تاريخه - كذلك - مختصراً عن أبى رافع عن النبى ﷺ ، وقد قال الجيانى عن أحمد بن حنبل أنه قال: الحارث بن فضيل الخطمى] (٥) ليس بمحفوظ الحديث (٦)، وهكذا كلام لا يشبه كلام ابن مسعود، وابن مسعود يقول: " اصبروا حتى تلقونى " (٧).

стр. 287

قَالَ صَالِح: وَقَدْ تُحُدِّثَ بِنَحْوِ ذلِكَ عَنْ أَبِى رَافِعٍ. (...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ. أَخْبَرَنا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى الْحَارِثُ بْنُ الْفُضَيْلِ الْخَطمِىُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الْرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْور بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِى رَافِع مَوْلَى النَّبِىِّ ﷺ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَا كَانَ مِنْ نَبِىٍّ إِلا وَقَدْ كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ يَهْتَدُونَ بِهَدْيهِ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ " مِثْلَ حَدِيثِ صَالِحٍ. وَلَمْ يَذْكرْ قدُومَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاجْتِمَاعَ ابْنِ عُمَرَ مَعَهُ. ــ وقوله: فى هذا الحديث: " فنزل بقناة ": كذا للسمرقندى، وهو الصواب، وقناة واد من أودية المدينة عليه مال من أموالها. وجاء فى رواية الجمهور " بفنائِه " (١) وهو خطأ وتصحيف.

стр. 288

(٢١) باب تفاضل أهل الإيمان فيه، ورجحان أهل اليمن فيه ٨١ - (٥١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِى خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الحَارِثِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ إِسْماعِيلَ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا يَرْوِى عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ. قالَ: أَشَارَ النَّبىُّ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ، فَقالَ: " أَلا إِنَّ الإِيمانَ هاهُنا، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِى الْفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنا الشَّيْطَانِ، فِى رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ". ــ وقوله فى حديث أبى مسعود: " وأشار نحو اليمن، ألا إن الإيمان هاهنا، وإن القسوة وغلظ القلوب فى الفدادين عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان فى ربيعة ومضر "، وفى حديث أبى هريرة: " رأس الكفر قِبَل المشرق (١) والفخر والخيلاء - ويروى والرياء (٢) - فى أصحاب الخيل والإبل الفدادين أهل الوبر، والسكينة فى أهل الغنم - ويروى والوقار فى أصحاب الشاء (٣) "، وفى حديث آخر: " الفخر والخيلاء فى الفدادين أهل الوبر قبل مطلع الشمس " (٤)، ومن طريق آخر: " أتاكم (٥) أهل اليمن هم أرق أفئدة، وأضعف قلوباً - ويروى ألين قلوباً - وأرق أفئدة، الأيمان يمان، والفقه يمان والحكمة يمانية " (٦). وفى حديث جابر: " غلظ القلوب والجفاء فى المشرق، والإيمان فى أهل الحجاز " (٧). قال الإمام: الخيلاء - بالمد - مِشْيةٌ مكروهة هى التبختر فى المشى، وهو من أفعال الجبابرة. قال أبو عبيد: الفدّادوَن المكثرون من الإبل وهم جفاة، أهل خيلاء (٨)،

стр. 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واحدهم فدَّادٌ، وهو الذى يملك من المائتين إلى الألف. قال أبو العباس: [الفدادون] (١): هم الجمَّالون والبَّقارون والحمارون والرُّعيانُ. وقال أبو عمرو (٢) فى الفدادين بتخفيف الدال، واحدهم فدَّان بتشديد الدال، وهى البقر التى يحرث بها، وأهلها أهل جفاء لبعدهم عن الأمصار والناس. قال ابن الأنبارى: أراد فى أصحاب الفدادين، فحذف الأصحاب وأقام الفدادين مقامهم، وأنكر أبو عبيد قول أبى عمرو [هذا] (٣)، وقال: لا أرى أبا عمرو حفظ هذا، وليس [الفدادون] (٤) من هذا بشىء. كذا جاء، وصوابه: الفدادين ولا كانت العرب تعرفها، إنما هذا للروم وأهل الشام، وإنما افتتحت الشام بعد النبى ﷺ ، ولكنهم الفدَّادون بالتشديد، وهم الرجال والواحد [منهم] (٥) فداد. قال الأصمعى: الفدَّادون [مشدّد] (٦) الذين تعلو أصواتهم فى حروثهم وأموالهم ومواشيهم من فدَّ الرجل يفدّ فديداً إذا اشتد صوته (٧). وقوله: " أهل الوبر " يريد أهل ذات الوبر وهى الإبل. قال القاضى: الخيلاء (٨) التكبر فى كل شىء، ومنه قول طلحة لعمر إنا لا نخول عليك. قال الهروى: أى لا نتكبر. يقال: خال الرجلُ واختال فهو خال وذو خال ومخيلة. وقال ابن دريد: الخيلاء التكبر، ولا يكون ذلك إلا مع جرّ الإزار. قال سيبويه: وزن الخيلاء فعلاء اسماً وتكسر الخاء لغة، وحكى ابن الصابونى أنه التجبُّر، والاستحقار للناس.

стр. 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما قوله: الفدادون، فالقول فيه - إن شاء الله تعالى - ما قاله أبو عبيد، من أنه المكثر، لكن لا يختص هنا بالإبل وحدها، بل الإكثار الموجب للخيلاء والكبر والاحتقار لمن لا مال له، ولما كانت الإبل أفضل أموال مكثرى العرب وأعزها - ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَت﴾ (١) - وكان أصحابها أهل بداوة وجفاء وجهالة وغِلَظِ قلوب - وصفهم النبى ﷺ بذلك، وفى الحديث: تقول الأرض للميِّت ربما مشيت علىَّ فداداً. قيل فى تفسيره: أى ذا مال وذا خيلاء، وقيل: ذا وطءٍ شديد، قال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ (٢)، وقد جاء فى تفسير هذه اللفظة عن مالك: سألت عنها فقيل لى: هم أهل الجفاء، وقال ابن درَيد: هو الشديد الوطء من نشاط ومرح، وهذا من الخيلاء، وذكر عن الأصمعى - أيضاً - يقال للرجل إذا كان جافى الكلام: إنّه لفدَّاد، وحكى عن بعضهم أن الفديد من الإبل الكثير (٣)، وهذا حجة لقول أبى عبيد فى الحديث الآخر: " [هلك الفدادون إلا من أعطى] (٤) من نجدتها ورسلها " فهم أصحاب الإبل كما قال. قال القاضى: [﵀] (٥): فالفدادون إذاً الذين عنى النبى ﷺ بهذا الحديث وصفهم بهذه الأوصاف من الجفاء والقسوة وغلظ القلوب والفخر والخيلاء هم كما فسرهم فى الحديث أهل نجد، وأهل الخيل، والإبل، والوبر ومن ربيعة ومضر (٦)، وهو نحو ما قال مالك وأبو عبيد ولا يبعد منه قول الأصمعى والقتبى من أن الفدادين أصحاب الأصوات المرتفعة فى حروثهم وأموالهم ومواشيهم؛ لأن فيه الرياء والخيلاء، ولا يبعد أيضاً قول أبى عَمرو لما ذكره من الجفاء والتبدى، وبالجملة ففى هؤلاء كلهم من الخيلاء والكبر ما قال بسبب كثرة المال، ومن الجفاء والغلظة والقسوة بسبب التبدِّى، والاشتغال بأموالهم وحبِّها والإقبال عليها عن التفقه فى دين الله [تعالى] (٧)، والاهتبال بمصالح دنياهم وأخراهم. وقد يكون القسوة والجفاء من طبيعة هؤلاء الذين أشار النبى ﷺ إليهم، ويكون وصفهم بكونهم أصحاب إبل للتعريف بهم والتعيين لهم. وقوله فيهم: " من حيث يطلع قرنا الشيطان ورأس الكفر قبل المشرق " إشارة إلى ما نبَّه عليه من أهل نجد وربيعة ومضر؛ لأنهم الذين عاندوا النبوة وقسَوا عن إجابة الحق وقبول الدعوة، وهم بالصفة التى وصف أهل خيل وإبل وأصحاب وبر. ونجد شرق من المدينة، أو من تبوك، على ما ذكر أنه قال بعض هذا الحديث بتبوك.

стр. 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمراد برأس الكفر معظمه وشرُّه، وقد تأول بعضهم أنه قال ذلك وأهل المشرق يومئذ أهل كفر، وأن مراده بقوله: " رأس الكفر نحو المشرق " فارس، وما ذكرناه أولى، لقوله فى الحديث: " أهل الوبر قبل مطلع الشمس ". وفارس ليسوا أهل وبر. وقوله: " من ربيعة ومضر " وأن الموصوفين بعد ذلك بالجفاء والخيلاء هم أولى بذلك لا غيرهم، ويؤيده قوله فى الحديث الآخر: " اللهم اشدد وطأتك على مضر "، قال فى الحديث: " وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له " (١)، ويكون هذا الكفر ما كانوا عليه من عداوة الدين والتعصب عليه، ويعضده حديث ابن عمر عنه ﷺ حيث قال: " اللهم بارك لنا فى يمننا وفى شامنا "، قالوا: يا رسول الله، وفى نجدنا، فأظنه قال فى الثالثة: " هناك (٢) الزلازل والطاعون وبها يطلع قرن الشيطان " (٣). وقوله: " قرنا الشيطان ": القرنان ناحيتا الرأس، وهو مثل، كما يقول (٤): يتحرك بحركتهم ويتسلط كالمعين لهم، وهذا على تأويل الحربى فى أن الشمس تطلع بين قرنى الشيطان. وقد يكون القرنان ها هنا ربيعة ومضر، وأضافهما إلى الشيطان لاتباعهما له، ويكون القرن أيضاً هنا بمعنى الجماعة الناجمة والفئة الطالعة كما قال فى الحديث الآخر: " هذا قرن قد طلع " (٥) أى أصحاب بدعة حدثوا، أو يكون القرن القوة، فيكون معناه هنا إضافة قوتهما إلى الشيطان وعونهما له على ما يهم به. وقال الخطابى: القرن يضرب به المثل فيما لا يحمد من الأمور، وقد ذهب بعض المتكلمين على الحديث أن المراد بهذا ما طلع من جهة المشرق ببلاد العراق من الفتن المبيرة فى صدر الإسلام من وقعة الجمل وصفين (٦) وحروراء (٧) وفتون (٨) بنى أمية، وكل ذلك كان بمشرق نجد والعراق، وقد جاء فى حديث الخوارج: " يخرج قوم من

стр. 292

٨٢ - (٥٢) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ أَنْبَأَنَا حَمَّادُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَق أَفْئِدَةً، الإِيمانُ يَمَانٍ، وَالْفِقْهُ يَمانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمانِيةٌ ". ٨٣ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِى. ح وَحَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، كِلاهُما عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ. ٨٤ - (...) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ، قالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيم بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، قالَ: قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَتاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفقْهُ يَمانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيةٌ ". ٨٥ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يْحَيَى قالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزنادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " رَأسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِى أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ، الْفَدَّادِينَ، أَهْلِ الوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِى أَهْلِ الْغَنَمِ ". ٨٦ - (...) وحدّثنى يَحْيَى بْنُ أَيُّوب وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ، قالَ: أَخْبَرَنِى الْعَلاءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الإِيمانُ يَمانٍ، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، وَالسَّكِينَةُ فِى أَهْلِ الْغَنَمِ وَالفَخْرُ وَالرِّياءُ فِى الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْوَبَر ". ــ المشرق " (١)، ثم خروج [دعاة] (٢) بنى العباس أقصى المشرق وارتجاج الأرض فتنة. ويكون الكفر ها هنا كفر النعم، وأكثر الفتن والأحداث والبدع إنما كانت من قبل المشرق. قال: وقد يكون الكفر على وجهه، والمراد برأس الكفر الدجال؛ لأن خروجه من قبل المشرق، [قال: وقد يكون] (٣) على ما ذكره (٤) من قدمناه من أهل فارس، وقد

стр. 293

٨٧ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ؛ قالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ؛ قالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبا هُرَيرَةَ قالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " الْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِى الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِى أَهْلِ الْغَنَمِ ". ٨٨ - (...) وحدّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمىُّ، أَخْبَرَنا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهذَا الإِسْنادِ، مِثْلَهُ. وَزَادَ: " الإِيمان يَمانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمانِيةٌ ". ــ جاء فى الحديث الصحيح فى الموطأ وغيره بمعنى ما تقدم أن النبى ﷺ قال - وهو يشير إلى المشرق -: " إن الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان - أو قال: قرن الشمس " (١) وهو محمول على ما تقدم من الوجوه كلها. ويدل على صحة هذا التأويل أيضاً دعاء النبى ﷺ على مضر فى غير موطن (٢). وقوله: فى حديث حذيفة: " لا تدعُ مضَرُ عبْداً لله مؤمنًا إلا فتنوه أو قتلوه " (٣)، [وقد بينه] (٤) حذيفة حين دخلوا عليه عند قتل عثمان حين ملؤوا حجرته وبيته من ربيعة ومُضَر فقال: " لا تبرح ظَلمةُ مضر كل عبد مؤمن تفتنه وتقتله " (٥). قال الطحاوى: المراد بمضر هنا بعضهم كما بينه حذيفة، والعرب تقول مثل هذا فى الأشياء الواسعة، تضيف ما كان من بعضها إلى جملتها، كما قال تعالى: ﴿وَكذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقّ﴾ (٦) ولم يرد الجميع، وكذلك يحمل على هذا ما ورد فى الحديث المتقدم، والأحاديث يصدق بعضها بعضاً على ما رجحناه من التأويل (٧). وقوله: " الإيمان يمان، والحكمة يمانية ": فعلى قول أبى عبيد أنه أراد مكة وما

стр. 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والاها، لأن منها كان مبتدأ (١) الإسلام، وقيل: ما والاها من تهامة، لأن تهامة من أرض اليمن، وهكذا قال سفيان بن عيينة: أراد تهامة، وقيل: قاله ﷺ وهو بتبوك، ومكة والمدينة بينه وبين اليمن فأشار إليها، ويعضد هذا قوله المتقدم فى حديث جابر: " الإيمان فى أهل الحجاز "، وقيل: أراد بهذا القول الأنصار؛ لأنهم يمانيون وهم نصروا الإسلام، وبادروا إليه ودخلوا فيه طوعاً. ويدل عليه قوله: " أتاكم أهل اليمن " ولأن أهل تهامة أكثرهم مضر وربيعة الذين وصفهم النبى ﷺ بضد هذا، ووصف هؤلاء الآخرين [ ﷺ بلين القلوب ورقة الأفئدة وهو ضد ما وصف به الآخرين] (٢) ربيعة ومضر من قسوة القلوب وغلظها وجفائهم، ثم قال: " الإيمان يمان "، فبيَّن أنه أراد غيرهم، فالحديث يحكم بعضه على بعض، ويبين مُفسَّرُه مشكله، وأن المراد باليمن هنا الأنصار واليمانون النسب الذين استجابوا لله ورسوله [طوعاً] (٣) وبداراً، للين قلوبهم، ورقة أفئدتهم، بخلاف أهل [نجد] (٤) القاسية قلوبهم عن ذكر الله والإيمان به، كما وصف ﷺ الطائفتين فى الحديث نفسه. وإلى نحو ما ذكرناه ذهب الطحاوى وروى فيه حديثاً يفسرّه أنَّ عيينة فضل أهل نجد، فقال له النبى ﷺ : " كذبت، بل هم أهل اليمن، الإيمان يمان " وهو الذى يغلب على الظن ويحلو فى النفس لشواهد الحال من الفريقين، والله أعلم.

стр. 295

٨٩ - (...) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَخْبَرَنا أَبُو الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّب؛ أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُول: " جَاءَ أَهْلُ الْيَمَن، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَضْعَفُ قُلوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيةٌ، السَّكِينَةُ فِى أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِى الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، قِبَلَ مَطْلِع الشَّمْسِ ". ــ ومعنى: " أرق أفئدة وقلوباً وألين وأضعف " متقارب، وكلها راجع إلى ضد القسوة والغلظ، وذلك أَنَّ من رق قلبه ولان قبل المواعظ، وخضع للزواجر، وسارع إلى الخير، وصفى للإيمان (١) والفقه والحكمة، بخلاف من قسا قلبه وغلظ وكثفت حَجُب الكبر والفخر والعجب عليه. وقد يكون ذكر القلوب والأفئدة ها هنا بمعنى واحد، تكررت باختلاف لفظ كما اختلف اللفظ الذى قبلها، وقد يكون بينهما فرق إذ قيل: إن الفؤاد داخل القلب، فوصف القلب باللين والضعف والفؤاد بالرقة، أى أن قلوبهم أسرع انعطافاً وتقلباً للإيمان [من غيرها؛ إذ أفئدتها أرق وأصفى لقبول الإيمان] (٢) والحكمة، وأقل حجباً وأغشية من غيرها، وقد يكون الإشارة بلين القلب إلى خفض الجناح، ولين الجانب، والانقياد والاستسلام وترك الغلو، وهذه صفة الظاهر، والإشارة برقة الأفئدة إلى الشفقة على الخلق والعطف عليهم والنصح لهم، وهذه صفة الباطن، وكأنه (٣) أشار إلى أنهم أحسن أخلاقاً ظاهراً وباطناً.

стр. 296

٩٠ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَلْيَنُ قُلوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الإِيمَانُ يَمانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيةٌ، رَأسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ". (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ بِهذَا الإِسْنادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: " رَأسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ". ٩١ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِى. ح وَحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ: " وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِى أَصْحَابِ الإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِى أَصْحَابِ الشَّاءِ ". ــ وقد يكون الإشارة بلين القلوب ورقة الأفئدة إلى كثرة الخوف والانزعاج للمواعظ والأذكار. ومعنى قوله: " الإيمان يمان ": أى معظم أهله يمانون، والقائمون به يمانون والناصرون له، أو مستقره - إن كان المراد الأنصار - أو مبتدؤه وظهوره عندهم - على ما أشار إليه من قال: إن المراد به مكة والمدينة. وقيل: معناه: أهل اليمن أكمل الناس إيماناً. وقوله: " الحكمة يمانية ": الحكمة عند العرب ما يمنع (١) من الجهل، والحكيم من منعه عقله وحكمته عن الجهل. حكاه ابن عرفة، مأخوذ من حكَمة الدابة، وهى الحديدة التى فى لجامها لمنعها إياها. وقيل فى قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ (٢): إنها الإصابة فى القول والفقه والفهم، وقيل: الحكمة طاعة الله والاتباع له، والفقه فى الدين، وقيل: الحكمة الفهم عن الله من أمره ونهيه، وقال مالك [فى] (٣) الحكمة: الفقه فى الدين يدخله الله فى القلوب. وقيل غير هذا، وقد مَرَّ فى بعض روايات الأم: " الفقه يمان، والحكمة يمانية ".

стр. 297

٩٢ - (٥٣) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِىُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " غِلَظُ الْقُلُوبِ، وَالْجَفَاءُ فِى الْمَشْرِقِ، وَالإِيمانُ فِى أَهْلِ الْحِجَازِ ". ــ وقوله: " والإيمان فى أهل الحجاز ": فى تلك الرواية إشارة إلى ما تقدم، وحجة لمن قال: أراد مكة والمدينة، ولأن المراد مبتدؤه ومستقره وظهوره؛ لأن مكة والمدينة من بلاد الحجاز، وقد قالوا: إِنَّ حدَّ الحجاز من جهة الشام سعفة (١) وبدر، ومما يلى تهامة بدرٌ وعكاظ، قال القتبى: سُمى حجازاً لحجزه بين نجد [وتهامة، وقد قال ابن دريد: لحجزه بين نجد] (٢) والسراة. قال الأصمعى: إذا انحدَرْت من نجد [من] (٣) ثنايا ذات عرق فقد اتهمت إلى البحر، فإذا استقبلتك الجراز وأتت فذلك الحجاز، سميت بذلك لأنها حجزت بالجراز الخمس (٤). وقد يكون المراد بالحجاز هنا المدينة فقط، ويؤيده قوله فى الحديث الآخر: " إن الإيمان ليأرز إلى المدينة ... " الحديث (٥). وفى هذا الحديث دليل على ترجيح فقه أهل الحجاز وأهل المدينة، وترجيح فقه مالك ﵀ وهو يمانى النسب يمانى البلد، والمدينة دار أهل اليمن الذين (٦) نسب إليهم النبى ﷺ الفقه والحكمة. وقوله: " والسكينة والوقار فى أهل الغنم ": السكينة السكون والطمأنينة والوقار، كما جاء فى الحديث نفسه، وهو ضد معنى الفدادين وأهل الخيلاء. وقد يكون السكينة بمعنى الرحمة، حكاه شمِر، فيكون ضد معنى القسوة. والجفاء والغلظ فى وصف الآخر (٧).

стр. 298

(٢٢) باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان وأن إفشاء السلام سبب لحصولها ٩٣ - (٥٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَ لا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَىْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ ". ٩٤ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ بِهذَا الإِسْنادِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا " بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ــ وقوله ﷺ : " لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا (١) حتى تحابوا ": أى لا يتم إيمانكم ولا يكملُ ولا تصلح حالكم فى الإيمان إلا بالتحاب والألفة (٢)، ويعضده قوله بعدُ: " ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم ". وفيه حض على ما تقدم من إفشاء السلام على من عرف ومن لم يعرف، والسلام أول درجات البر، وأول خصال التألف (٣)، ومفتاح استجلاب المودة، وفى إفشائه يمكن (٤) ألفة المسلمين بعضهم ببعض، وإظهار شعارهم المميز لهم بينهم، وإلقاء الأمن

стр. 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والطمأنينة بينهم، وهو معنى السلام، واستدراج محبة كافتهم، كما قال ﷺ ، ودليل التواضع والتواصل بسبب الإسلام، لا لغرض الدنيا، خلاف ما أنذر به ﷺ ، آخر الزمان من كون السلام للمعرفة فيقطع سبب التواصل.

стр. 300

(٢٣) باب بيان أن الدين النصيحة ٩٥ - (٥٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ. قالَ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ: إِنَّ عَمْرًا حَدَّثَنَا عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِيكَ. قَالَ: وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عِنِّى رَجُلاً. قَالَ: فَقالَ: سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِى سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِى، كَانَ صَدِيقًا لَهُ بِالشَّامِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيان عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: " الدِّينُ النَّصِيحَةُ " قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: " لِلهِ وَلِكِتابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِم ". ٩٦ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ سُهَيْلِ ابْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءِ بِنْ يَزِيدَ الْلَّيْثِىِّ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. (...) وحدّثنى أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطام، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْن زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَبا صَالِحٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ــ وقوله ﷺ : " الدين النصيحة "، قال الإمام: النصيحة يحتمل أن تكون مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته، ويحتمل أن تكون من النصْح وهى الخياطة والإبرة المنصَحَة، والنَّصَاح الخيط الذى يخاط به، والنَّاصح الخيَّاط. فمعناه (١): أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تُلم المِنْصَحةُ خَرْق الثوب. قال [نفطويه: يقالُ: نصح الشىء إذا خَلَص، ونصَحَ له القولَ أى أخلصَه له. وهذا الذى قاله] (٢) نفطويه يرجع إلى الاشتقاق الأول؛ لأنه يصفو لأخيه كما يصفو العسل. قال القاضى: قال الخطابى: النصيحة كلمة جامعة يُعَبَّر بها عن جملة إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر عنها بكلمة واحدة تحصُرُها. ومعناها فى اللغة: الإخلاص، من قولهم: نصحت العسل إذا صفيته. وقال أبو بكر الصوفى: النصح: فعل الشىء الذى به الصلاح والملاءمة (٣) مأخوذ من النصاح وهو الخيط.

стр. 301

٩٧ - (٥٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ؛ قالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقامِ الصَّلاةِ، وَإِيتاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. ٩٨ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيان عَنْ زِيادِ بْنِ عِلاقَةَ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ يقُولُ: بايَعْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. ــ وقال نحوه الزجاج. فالنصح لله - تعالى -: صحة الاعتقاد له بالوحدانية، ووصفه بصفات الإلهية، وتنزيهه عن النقائص والرغبة فى محابه والبعد من مساخطه، والإخلاص فى عبادته. ونصيحة كتابه: الإيمان به، والعمل بما فيه، والتخلق بآدابه، وتحسين تلاوته، والخشوع عند ذلك، وتوقيره وتعظيمه، وتفهم معانيه وتدبر آياته، والتفقه فى علومه، والدعاء إليه، والذبُّ عنه من تأويل الغالين، وتحريف المبطلين، وطعن الملحدين. والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوَّته، وطاعته فيما أمر به ونهى عنه ونصرته حياً ومَيِّتًا، ومعاداة من عاداه، ومحاربة من حاربه، وبذل النفوس والأموال دونه فى حياته، وإحياء سنته بعد موته بالبحث عنها، والتفقه فيها، والذب عنها، ونشرها، والدعاء إليها، والتخلق بأخلاقه الكريمة، والتأدب بآدابه الجميلة، وتوقيره، وتعظيمه، ومحبة آل بيته، وأصحابه، ومجانبة من ابتدع فى سُنَّتِه. ونصيحة أئمة المسلمين: طاعتهم فى الحق ومعونتهم عليه، وأمرهم به، وتذكيرهم إياه على أحسن الوجوه، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من أمور المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتأليف قلوب الناس لطاعتهم. والنصح لعامة المسلمين: إرشادهم لمصالحهم، ومعونتهم فى أمر دينهم ودنياهم بالقول والعمل، وتنبيه غافلهم وتعليم جاهلهم، ورفد محتاجهم، وستر عوراتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع فى الدين والدنيا إليهم. وقول سفيان فيه: قلت لسُهيل: إن عمراً أنبأ عن القعقاع عن أبيك، ورجوت أن تُسقط عنى رجلاً، فقال: سمعته ممن سمعه منه أبى، فيه دليلٌ على طلب الأئمة علو

стр. 302

٩٩ - (...) حدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّار، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ جَرِيرٍ؛ قَالَ: بايَعْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَلِى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِى " فِيمَا اسْتَطَعْتَ " وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. قَالَ يَعْقُوبُ فِى رِوَايَتِهِ: قالَ: حَدَّثَنَا سيَّارٌ. ــ الإسناد واختصار الطريق - كما قدمناه - واتفق لسفيان فى هذا سقوط رجلين أكثر مما طلب، لأنه ظن أن سهيلاً سمعه من أبيه، فإذا به سمعه من شيخ أبيه. وقول جرير: " بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم " وفى الرواية الأخرى: " على السمع والطاعة، فلقننى: فيما استطعت "، ومثله فى حديث ابن عمر فى صحيح البخارى، واختلفت ألفاظ بيعة النبى ﷺ ، فروى ما ذكرناه، وفى حديث سلمة أنهم [كانوا] (١) بايعوه يوم الحديبية على الموت، وفى حديث عبادة: " بايعنا النبى ﷺ بيعة الحرب على السمع والطاعة فى المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول - أو نقوم - بالحق .. ". وهذه قصص بحسب اختلاف الأحوال. فأما حديث عُبادة: " فى المنشط والمكره " فهى كانت بيعة الأنصار فى العقبة الثانية على بذل الأنفس والأموال دونه، وكذلك بيعة الشجرة. وأما قوله: " فيما استطعت " فلقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) وذكر جرير الصلاة والزكاة من بين سائر دعائم الإسلام؛ فلكونهما قرينتين، وأهمّ أمور الإسلام وأظهرها، ولم يذكر الصوم وغيره من الشرائع، لأنه داخل فى السمع والطاعة.

стр. 303

(٢٤) باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصى، ونفيه عن المتلبس بالمعصية، على إرادة نفى كماله ١٠٠ - (٥٧) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِىُّ، أَنْبَأَنا ابْنُ وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولانِ: قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ". قالَ ابْنُ شِهَاب: فأَخْبَرَنِى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثَهُمْ هؤُلاءِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ثمَّ يَقُولُ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ: " وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةَ ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، حِينَ يَنْتَهِبُهَا، وَهُو مُؤْمِنٌ ". ١٠١ - (...) وحدّثنى عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى، قالَ: حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. قالَ: قالَ ابْنُ شِهابٍ: أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قالَ: إِنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قالَ: " لا يَزْنِى الزَّانِى " وَاقْتَصَّ الْحَدِيث بِمِثْلِهِ. يَذْكُرُ مَعَ ذِكْرِ النُّهْبَةِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ذَاتَ شَرَفٍ. قالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى بَكْرٍ هذَا، إلا النُّهْبَةَ. ١٠٢ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عِيسى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ وَأَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرَىِّ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَذَكَرَ النُّهْبَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: ذَاتَ شَرَفٍ. ١٠٣ - (...) حدّثنى حَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 304

عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِىِّ ﷺ . (...) حدّثنا قُتَيْبَهُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّراوَرْدِىَّ - عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، كُلُّ هؤُلاءِ بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ. غَيْرَ أَنَّ الْعَلاءِ وَصَفْوَانَ بْنَ سُلَيْم لَيْسَ فِى حَدِيثِهِمَا: " يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ "، وَفِى حَدِيثِ هَمَّام: " يَرْفَعُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْيُنَهُمْ فِيهَا وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ " وَزَادَ: " وَلا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُو مُؤْمِنٌ، فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ ". ١٠٤ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِى عن شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: " لا يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ ". ١٠٥ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيانُ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، رَفَعَهُ؛ قالَ: " لا يَزْنِى الزَّانِى " ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ. ــ وقوله: " لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن " الحديث، قال الإمام: قيل: معنى مؤمن: أى من (١) عذاب الله، [ويحتمل أن يكون معناه] (٢): مستحلاً لذلك، [وقد] (٣) قيل: معناه: [أى] (٤) كامل الإيمان، وهذا [على] (٥) قول من يرى أن الطاعات تسمى إيماناً، وهذه التأويلات تدفع قول الخوارج: إنه كافر بزناه، وقول المعتزلة: إن الفاسق الملّى لا يُسمى مؤمناً - تعلقاً من الطائفتين بهذا الحديث - وإذا احتمل ما قلناه لم تكن لهم فيه حجةٌ.

стр. 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال القاضى: قال أبو جعفر الطبرى: يحكى عن محمد بن يزيد بن واقد بن عمر بن الخطاب (١) إنكار هذا الحديث، وتغليط الرواة فيه، وأن النبى ﷺ إنما قال: " لا يزنى [مؤمن] (٢) حين يزنى، ولا يسرق [مؤمن] (٣) حين يسرق وهو مؤمن ". وعن ابن عباس: لا يفعل ذلك مستحلاً لفعله مؤمن، وقال الحسن: ينزع منه اسم المدح الذى يسمى به أولياء الله المؤمنين، ويستحق اسم الذم الذى يُسمى به المنافقون. واختاره الطبرى، قال: يقال له: زان [و] (٤) سارق [وفاجر وفاسق] (٥)، ويزول عنه اسم الإيمان بالكمال، وحكى البخارى عن ابن عباس: ينزع منه نور الإيمان (٦)، وروى فى ذلك حديثاً عن النبى ﷺ : " من زنا نزع نور الإيمان من قلبه، فإن شاء أن يرده إليه رده ". قال أبو القاسم المهلب: معنى هذا: أن ينزع منه بصيرته فى طاعة الله (٧). وسئل الزهرى عن معنى الحديث، فقال: أمِرُّوا هذه الأحاديث كما أمرَّها من [كان] (٨) قبلكم، فإن أصحاب رسول الله ﷺ أمَرُّوها، ورآها من المشكل. قال القاضى: وقيل: هو على النهى لا على الخبر (٩)، وهذا بعيدٌ لا يعطيه نظم الكلام ولا تساعده الرواية (١٠)، وهو من نحو ما تقدم لابن واقد ولا خلاف بين أهل السنة أن هذا الحديث ليس على ظاهره، وأن المعاصى لا تُخرجُ أحداً من سواد أهل الإيمان - على ما قدمناه - ثم اختلفوا فى تأويله وإمراره على ما جاء بعد تحقيق الأصل المتقدم، ويُفسّره حديث أبى ذرٍ: " من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنا وإن سرق "،

стр. 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومعلوم أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، فالحديث الأول يقطع حجة المرجئة القائلين: إن المعاصى لا تضر المؤمن، والحديث الآخر يقطع حجة المعتزلة والخوارج وبعض الرافضة القائلين بأن المعاصى تخرج من الإيمان وتوجب الخلود فى النار. وأهل السنة والهدى جمعوا بين معانيها، وقرروا الأحاديث على أصولها، واستدلوا من حديث أبى ذر على منع التخليد، ومن هذا الحديث على نقص الإيمان بالمعاصى كما وردت مُفَسرةً فى أحاديث كثيرة وآى من القرآن [منيرة] (١)، [وقد جاء بعد ذلك] (٢) فى [آخر] (٣) الحديث: " ولا تنتهب نُهبة (٤) ذات شرف ": أى يستشرف الناسُ النظر إلى نُهبته ويرفعون أبصارهم إليها (٥) - كما فسَّره فى الحديث - كذا هو شرف بالشين المعجمة عندنا فى الأم. ورواه الحربى " سرف " بالسين المهملة وقال: معناها: ذات [سرف، أى ذات] (٦) قدر كبير ينكره الناس ويستشرفون له، كنهب الفسَّاق فى الفتن الحادثة المال العظيم القدر مما يستعظمه الناسُ بخلاف التمرة والفَلس وما لا خَطَر له. وقد أشار بعض العلماء أن فى هذا الحديث تنبيهاً على جماع (٧) أبواب المعاصى والتحذير منها، فنَبَّه بالزنا على جميع الشهوات. إذ ورد أن جميع الجوارح تزنى، وبالسرقة على الرغبة فى الدنيا والحرص على جميع ما حرَّم الله، وبشُرب الخمر على جميع ما يَصُد عن الله ويوجب الغفلة عن حقوقه، وبالانتهاب الموصوف على الاستخفاف بعباد الله [سبحانه] (٨)، وترك توقيرهم والحياء منهم، وجمع أمور الدنيا من غير وجهها سراً أو علناً بذكر السرقة (٩) والنهبة (١٠).

стр. 307

(٢٥) باب بيان خصال المنافق ١٠٦ - (٥٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوق، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفاقِ حَتَّى يَدَعَها: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ سُفْيانَ: " وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانْت فِيهِ خِصْلة مِنَ النِّفَاقِ ". ١٠٧ - (٥٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظ لِيَحْيَى. قالا: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. قالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سُهَيْلٍ نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ بْنِ أَبِى عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ــ وقوله ﷺ : " أربعٌ من كُن فيه (١) كان منافقاً " وفى بعضها: خالصاً (٢)، وفى الحديث الآخر: " ثلاث " وفى بعضه: " وإن صام وصلى " وذكر مسلم الحديث، قال الإمام: قد توجد هذه الأوصاف الآن فيمن لا يطلق عليه اسم النفاق، فيحتمل أن يكون الحديث محمولاً على زمنه ﷺ ، وكان ذلك علامة للمنافقين من أهل زمانه. ولا شك أن أصحابه كانوا مبرئين من هذه النقائص مطهرين منها، وإنما كانت تظهر فى زمانه فى أهل النفاق، أو يكون ﷺ أراد بذلك من غلب عليه فعل هذه واتخذها عادةً تهاوناً بالديانة، أو يكون أراد النفاق اللغوى الذى هو إظهار خلاف المضمر. وإذا تأملت هذه الأوصاف وجدت فيها معنى ذلك؛ لأن الكاذب يُظهر إليك أنه صدق (٣) ويبطن خلافه، والخَصمُ يظهر أنه أنصف ويُضمر الفجور، والواعد يظهر أنه سيفعل وينكشفُ الباطنُ بخلافه، وقد قال ابن الأنبارى: فى تسمية المنافق مُنافقاً ثلاثة

стр. 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أقوال: أحدها: أنه سُمى (١) بذلك لأنه يستر كفره، فأشبه الداخل للنفق وهو السرب ليستتر (٢) فيه. والثانى: أنه شُبّه باليربوع (٣) الذى له جحر يقال له: النافقاءُ، وآخر يقال له: القاصعاء (٤)، فإذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء [وكذلك المنافق] (٥)؛ لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذى يدخل فيه. والثالث: أنه شُبّه باليربوع - أيضاً - ولكن من جهة أن اليربوع يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهرها أرق التراب، فإذا رابه ريب رفع ذلك التراب برأسه فخرج، فظاهر جحره ترابٌ على وجه الأرض وباطنه حُفر، فكذلك المنافق ظاهره الإيمان وباطنه الكفر. قال القاضى: اختلف تأويل العلماء لهذا الحديث على الوجوه التى ذكرها وغيرها، وأظهرها التشبيه بهذه الخصال بالمنافقين والتخلق بأخلاقهم فى إظهار خلاف ما يبطنون، وهو معنى النفاق. ومعنى: " كان منافقاً خالصاً ": أى فى هذه الخلال المذكورة فى الحديث فقط، لا فى نفاق الإسلام العام، ويكون نفاقه فى ذلك على من حدَّثه ووعده، وائتمنه، وخاصمه، وعاهده من الناس، لا أنه منافق على المسلمين بإظهار الإسلام وهو يُبطن خلافه، وقد قال بعضهم: إن الحديث إنما ورد فى منافقى زمان النبى ﷺ الذين حَدَّثوا بأنهم آمنوا فكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا فى أمر الدين ونصره فأخلفوا. وهو قول عطاء بن أبى رباح فى تفسير الحديث، وإليه رجع الحسن البصرى (٦)، وهو مذهب سعيد بن جبير وابن عمر وابن عباس، [وقد روى فى معناه حديث: أن ابن عمرَ وابن عباس] (٧) أتيا النبى ﷺ ، [فذكرا له ما أهمهما من هذا الحديث، فضحك النبى ﷺ ] (٨) وقال: " مالكم ولهن، إنما خصصت بهن المنافقين، أما قولى:

стр. 309

أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ ". ١٠٨ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَم، أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قالَ: أَخْبَرَنِى الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، موْلَى الْحُرَقَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هرَيْرَةَ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مِنْ عَلاماتِ الْمُنافِقِ ثَلاثَةٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ ". ــ " إذا حدَّث كذب " فذلك فيما أنزل الله علىَّ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون﴾ الآية (١)، أفأنتم كذلك؟ " قلنا: لا، قال: " لا عليكم من ذلك، وأما قولى: إذا وعد أخلف فذلك فيما أنزل الله علىَّ: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِه﴾ الآيات الثلاث (٢). أفأنتم كذلك؟ " قلنا: لا، قال: " لا عليكم، أنتم من ذلك برآء، وأما قولى: إذا اؤتمن خان فذلك فيما أنزل الله علىَّ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ الآية (٣)، فكل إنسان مؤتمن على دينه، فالمؤمن يغتسل من الجنابة فى السر والعلانية، ويصوم ويُصلى فى السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذلك إلا فى العلانية، أفأنتم كذلك؟ " قلنا: لا، قال: " لا عليكم أنتم من ذلك برآء " (٤). إلى هذا المعنى مال كثير من أئمتنا، ورجحه الشيخ أبو منصور (٥) فى كتاب المقنع [وغيره] (٦). وقوله فى حديث ابن عمرو: " وإذا عاهد غَدر " فبمعنى: " إذا اؤتمن خان "؛ لأن الغدر خيانة فيما عليه من عهده. وأما الخصلة الرابعة، قوله: " وإذا خاصم فجر ": أى مال عن الحق وقال الباطل والكذب. قال الهروى وغيره: أصل الفجور الميل عن القصد، ويكون - أيضاً - الكذب. ومعنى " آية المنافق ": أى علامته، وذكره مرة ثلاثاً ومرة أربعاً، ذكر فى بعضها

стр. 310

١٠٩ - (...) حدّثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ العَمِّىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو زُكيْرٍ، قالَ: سَمِعْتُ الْعَلاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ يُحَدثُ بِهذَا الإِسْنادِ، وقالَ. " آيَةُ الْمُنافِقِ ثَلاثٌ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ". ١١٠ - (...) وحدّثنى أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابْنُ سَلَمَة، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلاءِ. ذَكَرَ فِيهِ: " وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ". ــ ما لم يذكر فى الآخر، فقال فى الأربع: " إذا حدث كذب، وإذا وعَد أخلف، وإذا اؤتمن خان " وقال فى الثلاث: " إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان "، فذكر اثنتين من الأربع وزاد واحدة. قال الداودى: فهذه خمس خصالٍ، وذلك يدل أن [ليس ما ذكر] (١) جملة خصال النفاق.

стр. 311

(٢٦) باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر ١١١ - (٦٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قالَ: " إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ باءَ بِهَا أَحَدُهُما ". (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمىُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِىُّ ابْنُ حُجْرِ، جَمِيعًا عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّمَا امْرِئٍ قالَ لأَخِيهِ: يا كَافِرُ، فَقَدْ باءَ بِها أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قالَ. وَإِلا رَجَعَتْ عَلَيْهِ ". ــ وقوله: " إذا كَفَّر الرجلُ أخاه فقد باء بها أحدهما " وفى الحديث الآخر: " إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه " (١)، قال الإمام: يحتمل أن يكون قال ذلك فى المسلم مستحلاً فيكفر باستحلاله، وإذا احتمل ذلك لم يكن فيه حجة لمن كَفَّر بالذنوب، ويحتمل [أيضاً] (٢) أن يكون مراده بقوله: " باء بها ": أى بمعصية الكذب فى حق القائل إن كذب. قال الهروى: أصل البَوْء (٣) اللزوم، وقال فى قوله ﷺ فى دعائه: " أبوء بنعمتك علىَّ ": أي أُقِرُّ بها وألزمه (٤) نفسى. قال ابن أبى زمنين (٥): أصل باء فى اللغة: رجَع، ولا يقال: باء إلا بشرٍ، ذكره

стр. 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فى تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب﴾ (١). وأما قوله: " إلا حار عليه " فمعناه: رجع عليه، والْحَور الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : " أعوذ بالله من الْحَوْرِ بعد الكور " يأتى تفسيره. قال القاضى: يكون باء هاهنا بمعنى رجع، كما جاء فى الحديث نفسه. وقيل: معناه: رجعت (٣) عليه نقيصته (٤) لأخيه كما قال، إذا لم يكن لذلك أهلاً بكذبه عليه. وقيل: إذا قاله لمؤمنٍ صحيحِ الإيمان مثله ورماه بالكفر فقد كفَّر نفسه لأنه مثله وعلى دينه، وقد يكون مراده ﷺ بهذا الخوارج لتكفيرهم المؤمنين. وهذا تأويل مالك ابن أنس (٥).

стр. 313

(٢٧) باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم ١١٢ - (٦١) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمرَ؛ أَنَّ أَبا الأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لَيْسَ مِنْ رَجُل ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، إِلا كَفَرَ. وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَّوأ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، ومَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أَوْ قالَ: عَدُوَّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلا حَارَ عَلَيْهِ ". ١١٣ - (٦٢) حدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ ". ــ وقوله: " من رغِب عن أبيه فقد كفر ": يُريد ترك الانتساب إليه وجحده وانتسب لسواه يقال: رغبت عن الشىء تركته وكرهته، ورغبت فيه أحببته وطلبته. قال الإمام: هذا يتأول على ما تقدم من الاستحلال، أو يكون أراد الكفر اللغوى بمعنى جحد حق أبيه (١) وستره (٢). وقوله: " فالجنة عليه حرام "، قال القاضى: تأويله على ما تقدم من أصول أهل السنة، من أن الذنوب لا تُحرم على أحدٍ الجنة البتَّة، بل إن شاء الله تعالى أخذ (٣) وعاقب وحرَّمها للمذنب مُدَّة ثم يدخلها، وإن شاء عفى، أو يكون تأويل الحديث لفاعله مستحلاً. وقوله: " ليس مِنَّا " على ما تقدَّم، أى ليس مهتدياً بهدينا ولا مستناً بسنتنا. وقوله: " فليتبوأ مقعده من النار ": أى استحق ذلك بقوله، واستوجبه لمعصيته إلا

стр. 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يعفو عنه، وقد تقدَّم قول من قال: إنه دعا على فاعله. وفى الحديث دليل أنه لا يحل لأحد [أخذ] (١) شىء يعلم باطله (٢) وأنه مأثوم حكم له به حاكم [أم لا] (٣)، وأنّ حكم الحاكم به لا يحلله (٤)، كما قال فى الحديث الآخر: " فإنما أقطع له قطعة من النار " (٥)، خلافاً لأبى حنيفة (٦)، ألا ترى قول أبى بكرة فى هذا الحديث بعد حكم معاوية لزياد بما حكم.

стр. 315

١١٤ - (٦٣) حدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنا خَالِدٌ عَنْ أَبى عُثْمَانَ، قالَ: لَمَّا ادُّعِىَ زِيَادٌ، لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِى صَنَعْتُمْ؟ إِنى سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعَ أُذُناىَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: " مَنِ ادَّعَى أَباً فِى الإِسْلامِ غَيْرَ أَبِيهِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ " فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ١١٥ - (...) حدّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِى زَائِدَةَ وَأَبُو مُعَاويَةَ، عَنْ عَاصِم، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ وَأَبِى بَكْرَةَ، كِلاهُمَا يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذَناىَ، وَوَعَاهُ قَلْبِى مُحَمَّدًا ﷺ ، يَقُولُ: " مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ ". ــ وقوله عن سعد (١) يقول: " سمع أذنى سمعت رسول الله ﷺ يقول " (٢): كذا ضبطناه هنا على بعضهم بسكون الميم وفتح العين على المصدر كأنه قال: قال رسول الله ﷺ سمْعَ أذُنَّى، وضبطناه من طريق الجيانى كذا بضم العين (٣) هو الوجْه، وقال سيبويه: العرب تقول: [سمعُ أذنى لكذا أو كذا زيداً يقول ذاك بالرفع] (٤)، وضبطناه على القاضى أبى على " سمع " بكسر الميم فعل ماضى، وما تقدم هو الصواب.

стр. 316

(٢٨) باب بيان قول النبى ﷺ : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " ١١٦ - (٦٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيانِ، وَعَوْنُ بْنُ سَلام، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ أَبِى وَائِل، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " سِبَابُ الْمُسْلِمُ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ". قالَ زُبَيْدٌ: فَقُلْتُ لأبِى وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ يَرْويهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيْد لأَبِى وَائِلٍ. ١١٧ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ــ وقوله: " سباب المسلم فسوق ": أى خروج عن الطاعة وواجب الشرع، وبه سمى الفاسق فاسقاً لخروجه عن ثقاف الإسلام وانسلاخه عن أعمال البر، يقال: فسَقَت الرُطَبةُ إذا خرجت من قشرها. وقوله: " وقتاله كفر ": أى قتاله من أجل إسلامه واستحلال ذلك منه كفر. وقيل: ذلك من أفعال أهل الكفر، أو يكون كفر طاعة وكفر نعمة، وغمطهما بأن جعلهما اللهِ مسلمين، وألف بين قلوبهما، ثم صار هو بعد يقاتله. وقيل: كافر بحق المسلم وجحد له بالمعنى، لإظهاره إباحة ما أنزل الله من تحريم دمه وقتاله، وترك ما أمر به من محبته وإكرامه وصلته، فهو كفر بفعله وعمله لا بقوله واعتقاده. وقد يكون القتال المشارَّةُ (١) والمدافعة، كما قال فى الحديث فى المارّ بين يدى المصلى: " فليقاتله ". وكله منهى عنه، وفاعله جاحدٌ حقَّ أخيه المسلم وحق الله فيه.

стр. 317

(٢٩) باب بيان معنى قول النبى ﷺ : " لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " ١١٨ - (٦٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ - واللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ عَلىِّ بْنِ مُدْرِكٍ، سَمِعَ أَبا زُرْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ جَدَّهِ جَرِيرٍ؛ قالَ: قالَ لِى النَّبِىُّ ﷺ فِى حِجَّةِ الْوَدَاعِ: " اسْتَنْصِتِ النَّاسَ " ثُمَّ قالَ: " لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ". ١١٩ - (٦٦) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ــ وقوله: " لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض "، قال الإمام: تعلق بهذا من أنكر حجة الإجماع من أهل [البدع] (١) قال: لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز [اجتماعها] (٢) عليه لما نهاها عنه، وإذا جاز [اجتماعها] (٣) على الكفر [فغيره من الضلالات أولى، وإذا كان ممنوعاً اجتماعُهما عليه لم يصح النهى عنه، وهذا الذى قاله خطأ لأنا إنما نشترط فى التكليف أن يكون متمكناً متأنياً من المكلف، هذا أيضاً على رأى من منع تكليف ما لا يطاق] (٤)، واجتماع الأمة على الكفر وإن كان ممتنعاً، فإنه لم يمنع من جهة أنه لا يمكن ولا يتأتى، ولكن من جهة خبر الصادق عنه أنه لا يقع وقد قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٥) و [الشرك] (٦) قد عصم منه النبى ﷺ ، [وبعد هذا نزل عليه مثل هذا] (٧)، على أن المراد بهذا الخطاب (٨) كل واحد فى عينه أو جمهور الناس، وهذا لا ينكر أحدٌ أن يكون مما يصح حمل هذا الخطاب عليه، فإما أن يكون ظاهراً فيه أو محتملاً [له] (٩)، فيسقط بهذا حجته [وقد ذكر أنه] (١٠) مما يتأول [الحديث] (١١) عليه [أن معنى] (١٢) قوله: " كفاراً ": أى متسلحين، وأصل

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكفر التستر، والمتسلح متستر بسلاحه. قال القاضى: رواه من لم يضبط " يضْرِبْ " بالإسكان، وهو إحالة المعنى (١)، والصواب ضم الباءِ (٢). نهاهم عن التشبيه بالكفار فى حالة قتل بعضهم بعضاً ومحاربة بعضهم لبعض. وهذا أولى مما يتأول عليه الحديث، ويؤيده ما روى مما جرى بين الأنصار بمحاولة يهود وتذكيرهم أيامهم ودخولهم فى الجاهلية، حتى ثار بعضهم إلى بعض فى السلاح فنزلت: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ (٣): أى تفعلون فعل الكفار، أو نهاهم عن إظهار جحد ما أمرهم به من تحريم دمائهم، وكفرهم فى ذلك بقتالهم لا بقولهم واعتقادهم. [أو أن] (٤) يتكفروا فى السلاح (٥) بقتل بعضهم بعضاً، أو عن كفر نعمة الله بتأليف (٦) قلوبهم وتوددهم وتراحمهم الذى به صلاحهم بأن رجعوا إلى ضد ذلك، وعلى سكون الياء فإنها نهى عن الكفر [مجرداً] (٧) ثم يجىء ضرب الرقاب جواب النهى. ومجازات الكفر ومساق الخبر ومفهومه، يدل على النهى عن ضرب الرقاب والنهى عما قبله (٨) بسببه. وقال الخطابى: معناه: لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم بعضاً. وقيل: المراد بالحديث أهل الردة، وهذا القول إنما قاله ﷺ فى خطبة النحر إثر قوله: " إِنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ... " (٩) الحديث، ثم قال: " ليبلغ الشاهدُ الغائبَ، لا ترجعوا بعدى كفاراً ... " (١٠) الحديث، فهو شرح لما تقدم منه ﷺ فى تحريم بعضهم على بعض، ما أقاموا على الإسلام.

стр. 319

١٢٠ - (...) وحدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادٍ الباهِلِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ -: " وَيْحَكُمْ - أَو قالَ: وَيْلَكُمْ - لا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض ". (...) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قالَ: حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّ أَباهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدٍ. ــ قال الطبرى (١): قوله: " بعدى ": أى بعد فراقى من موقفى هذا، ويكون معنى بعدى (٢): خلافى أى لا تخلفونى فى أنفسكم بعد الذى أمرتكم به، أو لأنه حقَّق ﷺ أن هذا لا يكون فى حياته فنهاهم بعد مماته. وقوله: " ويحكم أو قال ويلكم ": كلمتان استعملتهما العرب بمعنى التعجب والتوجع. قال سيبويه: ويل كلمة لمن وقع فى هلكة، وويح ترحم بمعنى ويْل. وحكى عنه: ويح زجر لمن أشرف على الهلكة. قال غيره: ولا يراد بهما الدعاء بإيقاع الهلكة، ولكن للترحم والتعجب، وروى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -: ويحُ كلمة رحمة. وقال الهروى: ويح لمن وقع فى هلكة لا يستحقها فيترحم عليه ويرثى له، وويل للذى يستحقها ولا يترحم عليه. وقال الأصمعى: ويح ترحم، وقال ابن عباس: الويل: المشقة. قال ابن عرفة الويل الحزن، وقيل: الهلاك.

стр. 320

(٣٠) باب إطلاق اسم الكفر على الطعن فى النسب والنياحة ١٢١ - (٦٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَش، عَنِ أَبِى صَالِح، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اثْنَتانِ فِى النَّاسِ هُما بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِى النَّسَبِ، وَالنِّياحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ ". ــ وقوله: " اثنتان فى الناس هما كفرٌ: الطعن فى الأنساب، والنياحة على الميت ": أى من أعمال أهل الكفر وعادتهم وأخلاق الجاهلية، وهما خصلتان مذمومتان محرمتان فى الشرع، وقد كان النبى ﷺ يأخذ على النساء فى بيعتهن ألا ينحن، وقال: " ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية " (١)، وكذلك نهى النبى ﷺ عن السخرية واللمز والنبز والغيبة والقذف، وكل هذا من أعمال الجاهلية (٢)، وقال (٣) النبى ﷺ : " إن الله أذهب عنكم عُبيَّة (٤) الجاهلية ... " الحديث، وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ..﴾ (٥)، فعَّرف نعمته بالأنساب للتعارف والتواصل، فمن تسوَّر (٦) على قطعها والغمض (٧) فيها، فقد كفر نعمة ربه وخالف مراده، وكذلك أمر تعالى بالصبر وأثنى على الصابرين ووعدهم رحمته وصلاته ووصفهم بهدايته، وحَتَم الموتَ على عباده، فمن أبدى السخط والكراهة لقضاء ربه وفعل ما نهاه عنه فقد كفر نعمته فيما أعدَّ للصابرين من ثوابه وتشبه بمن كفر من الجاهلية.
следующие страницы →