١٦ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ شِهَابٍ كَتَبَ يَذْكُرُ؛ أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ زَينَبَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ حَدَّثَتهُ؛ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ حَدَّثَتْهَا؛ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، انكِحْ أُخْتِى عَزَّةَ. فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " أَتُحِبِّينَ ذَلِك؟ ". فَقَالَتْ. نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِى فِى خَيْرٍ، أُخْتِى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَإِنَّ ذَلِكِ لا يَحِلُّ لِى ". قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةُ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ. قَالَ: " بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ؟ ". قَالَت: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِى فِى حَجْرِى مَا حَلَّتْ لِى، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِى وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْن عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أَخَوَتِكُنَّ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ عبدُ المَلِكِ بْنُ شُعيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِى يَعُقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، كِلاهُمَا - عَنِ الزُّهْرِىِّ. بِإِسْنَادِ ابْنِ أَبِى حَبِيبٍ عَنْهُ. نَحْوَ حَدِيثِهِ. وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِى حَدِيثِهِ عَزَّةَ، غَيْرُ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ.
ــ
الأختين، ولا من تحريم نكاح الربيبة - والله أعلم. وكذلك على - رضى الله عنه - فى ذكره له بنت حمزة، يحتمل أَنَّه لم يعلم حينئذ حكم تحريم لبن الفحل، أو لم يكن عنده علم من كون حمزة أخاً للنبى ﷺ من الرضاعة.
وقوله: " لا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن ": إشارة إلى المرأتين المذكورتين فى الحديث؛ عزة أخت أم حبيبة ودُرة بنت أم سلمة وأمثالهما، وعزة هذه لا تعرف فى بنات أبى سفيان، ولا تعلم إلا من هذا الحديث.
стр. 2557
(٥) باب فى المصة والمصتان
١٧ - (١٤٥٠) حدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيم. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. ح وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ سُوَيْدٌ وَزهُيْرٌ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ -: " لا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ "
ــ
وقوله: " لا تحرم المصة ولا المصتان "، وفى الرواية الأخرى: " الإملاجة والإملاجتان "، وفى الأخرى: هل تحرم الرضعة؟ فقال: " لا "، قال الإمام: اختلف الناس فى القدر الواقع به الحرمة من الرضاعة، فمذهب مالك: أنه يقع مما قل أو كثر مما وصل إلى الجوف، لقوله سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١)، والمصة توجب تسمية المرضعة أماً من الرضاعة، وقد قالوا فى الجواب عن هذا: إنما يكون ما قلتموه دليلاً لو كان صيغة اللفظ: واللاتى أرضعنكم أمهاتكم. فيثبت كونها أماً بما قال من الرضاعة. قلنا: مفهوم الكلام: وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم لأجل أنهن أرضعنكم، فيعود هذا إلى معنى ما قالوه، وتوجب تعليق الحكم بما يسمى رضاعاً.
وذهب داود إلى اعتبار ثلاث رضعات لأجل هذا الحديث، وقد نص فيه على سقوط الحرمة بالرضعة والرضعتين. ونقول: لو سلمت كون القرآن ظاهراً فيما قلتم لكان هذا مبيناً له، وبيان السنة أحق أن يتبع.
وقد وقع فى بعض الأحاديث: " إنما الرضاع ما فتق الأمعاء " (٢) ووقع: ما أنشز اللحم بالراء والزاى، فبالراء معناه: شدّهُ وأنماه، وأنشر الله الميت: أى أحياه. وبالزاى معناه: زاد فيه وعظمه، مأخوذاً من النشز وهو الارتفاع، وقرئ فى السبع: ﴿إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ (٣) بالراء والزاى، وهذا يقوى عند داود نفى الحرمة بالمصة والمصتين؛ إذ لا يفتقان الأمعاء ولا ينشزان العظم، وهذا لم يسلمه له أصحابنا، وزعموا أن للمصة الواحدة قسطاً فى فتق الأمعاء ونشز العظم.
стр. 2558
١٨ - (١٤٥١) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْمُعْتَمِرِ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ، قَالَتْ: دَخَلَ أَعْرَابِىٌّ عَلَى نَبِىِّ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِى بَيْتِى. فَقَالَ: يَا نَبِى اللهِ، إِنِّى كَانَتْ لِى امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجْتُ عَلَيْهَا أُخْرَى، فَزَعَمَتِ امْرَأَتِى الأُولَى أَنَّهَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتِى الْحُدْثَى رَضْعَةً أَوْ رَضْعَتَيْنِ. فَقَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " لَا تُحَرِّمُ الإِمْلاجَة وَالإِمْلاجَتَانِ ". قَالَ عَمْرٌو فِى رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ.
ــ
وعند الشافعى: لا تقع الحرمة بأقل من خمس رضعات، وحجته فى ذلك: ما رواه مسلم بعد هذا عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت: " كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نُسخن خصى معلومات، فتوفى رسول الله ﷺ وهى فيما يقرأ من القرآن " (١). وقد شذ بعض الناس - أيضاً - ورأى التحريم لا يقع إلا بالعشر، وهذا الحديث لا حجة فيه؛ لأنه محال على أنه قرآن، وقد ثبت أنه ليس من القرآن الثابت، ولا تحل القراءة به ولا إثباته فى المصحف؛ إذ القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد، وهذا خبر الواحد فيسقط التعلق به.
فإن قيل: هاهنا وجهان: أحدهما: إثباته قرآناً، والثانى: إثبات العمل به فى عدد الرضعات، فإذا امتنع إثباته قرآناً نفى (*) الآخر وهو العمل به لا مانع يمنع منه؛ لأن خبر الواحد يدخل فى العمليات، وهذا منها.
قلنا: هذا قد أنكره حذاق أهل الأصول وإن كان قد مال إليه بعضهم، واحتج المنكرون له بأن خبر الواحد إذا توجهت عليه القوادح واستريب توقف عنه، وهذا جاء آحاداً، وإنما جرت العادة أنه لا يجىء إلا تواتراً، فلم يوثق به كما وثق بأخبار الآحاد فى غير هذا الموضع، وإن زعموا أنه كان قرآناً ثم نسخ، ولهذا لم يشتغل به أهل التواتر. قيل: قد كفيتم مؤنة الجواب؛ إذِ المنسوخ لا يعمل به، وعليه يحمل عندنا قول عائشة: " فتوفى رسول الله ﷺ وهى فيما تقرأ من القرآن "، يعنى من القرآن المنسوخ، فلو أرادت: فيما تقرأ من القرآن الثابت لاشتهر عند غيرها من الصحابة كما اشتهر سائر القرآن.
وقوله: " الإملاجة والإملاجتان ": قال أبو عبيد: يعنى المصة والمصتين. والملجُ: المص، يقال: ملجَ الصبى أمه يملجُها وملجَ يملجُ، وأملجَت المرأة صبيها، والاملاجَة: أن يمص لبنها مرة واحدة، وأما " الرضاعة " فقال ابن السكيت وغيره: فيها لغتان؛ كسر
стр. 2559
١٩ - (...) وحدّثنى أَبُو غَسَّانَ الْمَسِمَعِىُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِى مَرْيَمَ أَبِى الْخَلَيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِى عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ قَالَ: يَا نَبِىَّ اللهِ، هَلْ تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ الْوَاحِدَةُ؟ قَالَ: " لا ".
٢٠ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ حَدَّثَتْ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ، أَوِ الْمَصَّةُ أَوِ الْمَصَّتَانِ ".
٢١ - (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. أَمَّا إِسْحَاقُ فَقَالَ كَروَايَةِ ابْنِ بِشْرٍ: " أَوِ الرَّضْعَتَانِ أَوِ المَصَّتَانِ " وَأَمَّا ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ فَقَالَ: " وَالرَّضْعَتَانِ وَالْمَصَّتَانَ ".
٢٢ - (...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا تُحَرِّمُ الإِمْلاجَةُ وَالإِمْلاجَتَانِ ".
ــ
الراء وفتحها، وكذلك الرِضاع، وقد رضَعَ بفتح الضاد وبكسرها لغتان، ورضُع بضم الضاد إذا كان لئيماً فهو راضع، وجمعه رُضع، ومنه قول ابن الأكوع:
واليوم يوم الرضع
أى بعد هلاك اللئام.
وقوله ﷺ : " الرضاعة من المجاعة " (١): أى أن الذى يعنى من الجوع اللبن هو الرضيع الذى له حرمة.
قال القاضى: تكلم أصحابنا على حديث المصة والمصتين، قالوا: لعل هذا حين كان يعتبر فى التحريم العسر والعدد قبل نسخه، وأما من قال: إنه من قول عائشة فلا يسلم له؛ إذ قد روى عنها مرفوعاً من طرق صحاح وعن الزبير وغيرهما.
وذكره مسلم من رواية أم الفضل أيضاً، وعلله بعضهم بالاضطراب عن عائشة فى أحاديث الرضاع، وأن ابن الزبير قال فى حديثها هذا مرة عنها، ومرة عن أبيه، ومرة عن
стр. 2560
٢٣ - (...) حدَّثنى أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِى الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ، سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِىَّ ﷺ : أَتُحَرِّمُ المَصَّةُ؟ فَقَالَ: " لا ".
ــ
النبى ﷺ ، وأنه لما اضطرب رجعنا إلى عموم ظاهر القرآن ومفهوم الاعتبار وتنزيل النبى ﷺ له منزلة تحريم النسب، وليس لذلك عدد إلا مجرد الوجود فكذلك الرضاع، وقياساً على تحريم الوطء بالصهر وغير ذلك، ولا اعتبار فيه بعدد.
قال الإمام: وأخرج مسلم فى الباب: ثنا حبان، عن همام. وحبان هذا بحاء مهملة مفتوحة وباء منقوطة بواحدة، وهو حبان بن هلال الباهلى البصرى (١)، يكنى أبا حبيب، يروى عن همام بن يحيى وشعبة وغيرهما.
(٧) باب رضاعة الكبير
٢٦ - (١٤٥٣) حدَّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى أَرَى فِى وَجْهِ أَبِى حُذَيْفَةَ مِن دُخُولِ سَالِمٍ - وهُوَ حَلِيفُهُ - فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " أَرْضِعِيهِ ". قَالَتْ: وَكيَفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: " قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ ". زَادَ عَمْرٌو فِى حَدِيثِهِ: وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ أَبِى عُمَرَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
ــ
وقوله فى حديث سالم: " أرضعيه، فقالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ ". الحديث، قال الإمام: اختلف الناس فى رضاع الكبير، فجمهور العلماء على أنه لا يؤثر. وذهب داود إلى أنه يؤثر لأجل هذا الحديث، وقد قال فيه: " أرضعيه تحرمى عليه "، وحمله الجمهور على أن ذلك من خصائص سهلة، وقد ثبت أن أم سلمة وسائر أزواج النبى ﷺ منعن أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدٌ، وقلن لعائشة: إنه خاص فى رضاعة سالم وحده.
ولنا على داود قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَة﴾ (١) وتمامها بالحولين على [ظاهر القرآن يمنع أن يكون حكم ما بعد الحولين كحكم الحولين، وهذا ينفى] (٢) رضاعة الكبير. وقد قال ﷺ فى كتاب مسلم بعد هذا: " إنما الرضاعة من المجاعة " لما وجد رجلاً عند عائشة، فقالت: يا رسول الله، أخى من الرضاعة، فقال: " أنظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة " (٣)، وفى بعض الأحاديث فى [غير] (٤) كتاب مسلم: " لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء والثدى وكان قبل الفطام " (٥) وهذا ينفى رضاعة الكبير.
وعندنا فى الرضاع بعد الحولين اضطراب فى المذهب، هل الأيام اليسيرة حكمها حكم الحولين أو الشهر؟ وقيل غير ذلك فى المذهب، وهذا كله راجع عندى إلى خلاف فى حال، وهو القدر الذى جرت العادة فيه باستغنائه بالطعام عن الرضاع. وقد قال أبو حنيفة: أقصاه ثلاثون شهراً، وليس كما قال.
وقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ (٦) أمر تضمن أقل الحمل وأكثر
стр. 2563
٢٧ - (...) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِىِّ، قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ أَبِى حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ فِى بَيْتِهِمْ. فَأَتَتْ - تَعْنِى ابْنَةَ سُهَيْلٍ - النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ، وَعقَلَ مَا عَقَلُوا، وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَإِنِّى أَظُنُّ أَنَّ فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ : " أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِى عَلَيْهِ، وَيَذْهَبِ الَّذِى فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ "، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: إِنِّى قَدْ أَرْضَعْتُهُ، فَذَهَبَ الَّذِى فِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ.
٢٨ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ؛ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِى بَكْرٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو جَاءَتِ النَّبِىَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ سَالِمًا - لِسَالِمِ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ - مَعَنَا فِى بَيْتِنَا، وَقَدْ بَلغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَلِمَ مَا يَعْلَمُ الرِّجَالُ. قَالَ: " أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِى عَلَيْهِ ". قَالَ: فَمَكَثْتُ سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا لا أُحَدِّثُ بِهِ وَهِبْتُه، ثُمَّ لَقِيتُ الْقَاسِمَ فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ حَدَّثْتَنِى حَدِيثًا مَا حَدَّثْتُهُ بَعْدُ. قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: فَحَدِّثْهُ عَنِّى؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِيهِ.
ــ
الرضاع، فلا معنى لاعتباره فى الرضاع وحده. وقال زفر: ثلاث سنين. والتحقيق فى ذلك ما قلناه أولاً؛ من اعتبار حال استغنائه بالرضاع عن الطعام على أصل المذهب.
وتضمن أيضاً قوله: " إنما الرضاع ما فتق الأمعاء "، و " إنما الرضاعة من المجاعة " الرد على داود فى قوله: لا يحرم الرضاع حتى يلتقم الثدى، ورأى أن قوله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١) إنما ينطلق على ملتقم الثدى. وقد نبه ﷺ على اعتبار ما فتق الأمعاء، وهذا يوجد فى اللبن الواصل إلى الجوف صباً فى الحلق أو التقاماً للثدى، ولعله هكذا كان رضاع سالم، يصبه فى حلقه دون مسه ببعض أعضائه ثدى امرأة أجنبية.
قال القاضى: قوله فى الحديث: " أرضعيه يذهب ما فى نفس أبى حذيفة "، وفى الطريق الآخر: " تحرمى عليه ": قد حملها أزواج النبى ﷺ على الخصوص كما تقدم، بدليل الكتاب لقوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَة﴾ (٢)، وبدليل الحديث الآخر، قوله:
стр. 2564
٢٩ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدٌ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْغُلامُ الأَيْفَعُ الَّذِى مَا أَحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَىَّ. قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا لَكِ فِى رَسُولِ اللهِ ﷺ أسْوَةٌ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةَ أَبِى حُذَيْفَةَ قَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَىَّ وَهُوَ رَجُلٌ، وَفِى نَفْسِ أَبِى حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَىْءٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَرْضِعِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ ".
٣٠ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ - وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ - قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ نَافِعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ تَقُول: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ تَقُولُ لِعَائِشَةَ: وَاللهِ،
ــ
" لا رضاع بعد فطام " (١) وقوله: " إنما الرضاعة من المجاعة " (٢)، ولأن الخطاب فى سالم قضية فى عين لم يأت فى غيره، وسبق له تبنّ وصفة لا توجد بعد فى غيره، فلا تقاس عليه، مع ما لأمهات المؤمنين من شدة الحكم فى الحجاب واختصاصهن بالتغليظ فى ذلك، وقد جاء فى الموطأ والبخارى وغيرهما: أن أبا حذيفة كان تبناه فى الجاهلية (٣) وهو سالم ابن معقل مولى سلمى بنت يعار الأنصارية، زوج أبى حذيفة قبل سَهْلَة بنت سهيل. وقيل فى اسمها غير هذا، ودليل مذهب عائشة عند بعضهم: أنها إنما أخذت بذلك فى الحجاب خاصة دون التحريم، ألا ترى قولها: " فكانت تأمر بذلك من يجب أن يدخل عليها من الرجال ".
قال ابن حبيب: وقد رأى كثير من العلماء رضاعة الكبير فى الحجاب به لأزواج النبى ﷺ [جائزة] (٤)، وفيما بين المسلمين محرمة. وأجمعوا على أن تحريمها فى النكاح ليس كتحريمها فى الحجاب والحرمة، قال ابن المواز: لو أخذ بهذا فى الحجابة لم أعبْهُ وتركه أحب إلىَّ، وَمَا عَلمت من أخذ به عاماً إلا عائشة. قال الباجى: قد انعقد الإجماع على خلاف التحريم برضاعة الكبير (٥)، يعنى: لأن الخلاف إنما كان فيه أولاً ثم انقطع، وهو معنى قول ابن حبيب. قال بعضهم: وحملوا ما جاء فى ذلك من حديث سالم على الخصوص أو على النسخ.
стр. 2565
مَا تَطِيبُ نَفْسِى أَنْ يَرَانِى الغُلامُ قَد اسْتَغْنَى عَنِ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَتْ: لِمَ؟ قَدْ جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ إِنِّى لأَرَى فِى وَجْهِ أَبِى حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَرْضِعِيهِ "، فَقَالَتْ: إِنَّهُ ذو لِحْيَةٍ. فَقَالَ: " أَرْضِعِيهِ، يَذْهَبْ مَا فِى وَجْهِ أَبِى حُذَيْفَةَ ".
فَقَالَتْ: وَاللهِ، مَا عَرَفْتُهُ فِى وَجْهِ أَبِى حُذيفَةَ.
٣١ - (١٤٥٤) حدّثنى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ؛ أَنَّ أُمَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ: أَبى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَقلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللهِ، مَا نَرَى هَذَا إِلا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ، وَلا رَائِينَا.
ــ
وقول ابن أبى مليكة فى حديثه عن القاسم: فمكثت سنة أو قريباً منها لا أحدث به رهبة: أى من خوفه ومن أجل خشيته. وانتصب على عدم الخافض.
وقول أم سلمة لعائشة: " يدخل عليك الغلام الأيفع "، قال الإمام: هو الذى شارف الاحتلام ولما يحتلم، وجمعه أيفاع، وقد أيفع الغلام فهو يافع، ويفع الغلام أيضاً لغة، وغلام يافع ويفعة. فمن قال: يافع ثنّى وجمع، ومن قال: "يفعة" كان فى الاثنين والجمع بلفظ الواحد. ويروى ابن شهاب بعد هذا حديثاً عن أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أمه زينب. قال بعضهم: أبو عبيدة هذا لا يوقف على اسمه، وهو أبو عبيدة بن عبد الله ابن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصى.
قال القاضى: وقوله: " فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة، ولا رائينا ": أحد مرفوع بدل من هو على مذهب نحاة أهل البصرة، وقد يكون فاعلاً بداخل على مذهب أهل الكوفة، ويكون هو هنا بمعنى الأمر والثبات.
(٩) باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبى
٣٣ - (١٤٥٦) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ، أَبِى الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِى عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايا. فَكَان نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِى ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) أَىْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتهُنَّ.
ــ
وقوله فى سبى أوطاس: فكان ناساً تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله تعالى فى ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: معنى " تحرجوا ": خافوا الحرج والإثم.
وقوله فى الحديث الآخر: " تجوبوا ": بمعناه: أى خافوا الجوب وهو الإثم. كذا رواه فى حديث يحيى بن حميد: عبد الله بن سعيد، ورواه السمرقندى: " تحرجوا " مثل الأول، وعند غيرهم: " تخوفوا " وكله بمعنى. وغشيانهن: أى جماعهن.
قال الإمام: السبى عندنا فى المشهور يهدم النكاح بهذه الآية، وسواء سُبى الزوجان معاً أو مفترقين. وقال ابن بكير عن مالك: إن سبيا جميعاً واستبقى الرجل أقرا على نكاحهما. ووجه المشهور من جهة الاعتبار أن بسبيها ملكت منافعها ورقبتها، فسقط ملك الزوج عن ذلك؛ لاستحالة ملك واحد بين مالكين هاهنا، وكأنه رأى - أيضاً - أنها إذا جاءت بأمان ثم سبى الزوج، كان تمكينه منها عيب على سيده، ولسيده أن يمنعه كما يعيبه. فلهذا لم يفترق الحال فى المذهب المشهور.
ورواية ابن بكير اعتل لها فى كتابه بأنهما إذا سبيا معاً واستبقى الرجل فقد صار له علينا عهد للموضع، هذا العهد وجب أن يكون أحق بها من المالك. هذا الذى اعتل به
стр. 2568
٣٤ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى الْخَلِيلِ؛ أَنَّ أَبَا عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِىَّ حَدَّثَ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىّ حَدَّثَهُمْ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ سَرِيَّةً. بِمَعْنَى حَدِيثِ يَزِيدَ ابْنِ زُرَيْعٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْهُنَّ فَحَلالٌ لَكُمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ: إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ.
(...) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَاَدَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
ابن بكير. ويحتمل عندى أن يحمل على أنهما لما أقرّا لزم إقدار ما فى يد الزوج من العصمة؛ لأن إقرار الزوج إقرار لما يملك حتى ينتزع منه فى ثانى حال، وهذا الملك لا يصح انتزاعه فى ثانى حال.
وقد اختلف الناس - أيضاً - فى الأمة إذا بيعت وهى تحت زوج، هل يكون بيعها فسخاً لنكاحها؛ فأبى من ذلك مالك وجمهور الفقهاء، وذهب بعض الصحابة إلى أن ذلك فسخ للنكاح؛ أخذاً بعموم هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١)، ولم يفرق بين ما ملكت أيماننا سبى أو شراء، وهذا على عمومه عندهم.
وتحقيق القول فى هذه المسألة: أن هذا عموم خرج على سبب، فمن رأى قصر العموم إذا خرج على سبب لم تكن فيه حجة على جمهور الفقهاء؛ لأنه كأنه قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) بالسبى. وإن قلنا: إن العموم إذا خرج على سبب يجب حمله على مقتضى اللفظ فى التعميم، اقتضى ذلك فسخ نكاح الأمة بالشراء كما ينفسخ بالبيع، لكن حديث بريرة فى شراء عائشة لها ثم لم يفسخ ذلك نكاحها، بل خيّرها ﵇ لما عتقت فى فسخ النكاح (٢)، ذلك على أن البيع لا يفسخ نكاح الأمة ذات الزوج، ولكن هذا خبر واحد فى تخصيص عموم القرآن، فهل تختص به أم لا؟ فيه خلاف بين أهل الأصول، فعلى هذا يخرج اختلاف العلماء فى ذلك.
وقد قال بعض أهل العلم مفرقًا بين السبى والشراء، بأن السبى حدوث ملك لم يكن أو كأنه لم يكن، والشراء انتقال ملك إلى ملك، فكأن الأول أثر نقصاً فأثر فى النكاح نقصاً، والثانى لم يحدث ملكاً ولم يكن فلم يؤثر.
стр. 2569
٣٥ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَة، عَنْ أَبِى الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ. قَالَ: أَصَابُوا سَبْيًا يَوْمَ أَوْطَاسٍ، لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَخَوَّفُوا، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١).
(...) وحدّثنى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
قال القاضى: وقوله: " فهن حلال لكم إذا انقضت عدتهن ": دليل صحة أنكحة أهل الشرك ولحوق الأنساب بها، ولولا ذلك لم يحتج إلى العدة.
ووقع فى بعض الروايات: " يوم خيبر " وهو خطأ، والصواب: " يوم حنين "، كما فى أكثر النسخ، وكذا عند عامة شيوخنا، وهو يوم أوطاس.
قال الإمام: خرج مسلم هذا الحديث من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة، عن أبى الخليل، عن أبى علقمة الهاشمى، عن أبى سعيد الخدرى، ثم أردفه بحديث شعبة عن قتادة، عن أبى الخليل، عن أبى سعيد. فلم يذكر أبا علقمة فى حديث شعبة، وقال بعضهم: كذا فى نسخة الجلودى وابن ماهان، وكذلك خرجه أبو مسعود الدمشقى، وأما فى نسخة ابن الحذاء ففيها ذكر أبى علقمة بن أبى الخليل وأبى سعيد، ولا أدرى ما صحته.
قال القاضى: هذا قول الجيانى، وقد قال غيره: إن إثباته الصواب.
стр. 2570
(١٠) باب الولد للفراش، وتوقى الشبهات
٣٦ - (١٤٥٧) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زمْعَةَ فِى غَلامٍ. فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ أَخِى، عُتْبَةُ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَىَّ أَنَّهُ ابْنُهُ. انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِى يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِى مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ.
ــ
وذكر مسلم أحاديث اختصام سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة فى ابن وليدة زمعة؛ وقول سعد: " ابن أخى عهد إلى أنه ابنه، انظر إلى شبهه "، وقول عبد: " أخى، ولد على فراش أبى من وليدته "، وقوله: " فرأى ﷺ شبهاً بيناً بعتبة "، وقوله: " هو لك يا عبد، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبى منه يا سودة "، قالت: فلم ير سودة قط، قال الإمام: يتعلق بهذا الحديث فصول، منها: بماذا تكون الأمة فراشًا؟ [وبماذا تكون الحرة فراشاً؟] (١) وما الفرق بين الحرة والأمة فى ذلك؟ فأما الحرة فتكون فراشًا بالعقد وهذا متفق عليه.
قال القاضى: هذا لشريطة إمكان الوطء ولحوق الولد فى مدة يلحق الولد من مثلها، هذا قول عامتهم، وشذ أبو حنيفة فشرط مجرد العقد وقال: لو طلق عقيب العقد من غير إمكان وطء، فجائت بولد لستة أشهر من حينئذ لحق به.
قال الإمام: وأما الأمة فإنها تكون فراشاً بالوطء عندنا، فإذا جاءت بولد بعد اعتراف سيدها بوطئها وثبوت ذلك عليه إن أنكره لحق به الولد إلا أن ينفيه بعد دعوى الاستبراء فينتفى منه. واختلف فى يمينه ذلك على قولين.
وقال أبو حنيفة: إنما يكون فراشاً إذا ولدت ولداً سيلحقه، فما جاءت به بعد ذلك فهو ولده إلا أن ينفيه، وتعلق في ذلك بأن الأمة لو كانت فراشاً بالوطء لكانت فراشاً بالعقد كالحرة، وبأن ذلك يوجب أن يتعلق بها ما يتعلق بالحرة من الأحكام على صاحب الفراش، وهذا الذى قاله غير صحيح؛ لأن الحرة إنما تراد للوطء خاصة، فالعقد على نكاحها أُنزل فى الشرع منزلة وطئها. ولما كان هذا المقصود به والأمة تشترى لأشياء كثيرة غير الوطء، فلم يجعل العقد عليها يصيّرها فراشاً، فإذا حصل الوطء ساوت الحرة هاهنا فكانت فراشاً.
стр. 2571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا هو الجواب عن السؤال الثالث الذى ذكرناه وهو التفرقة بين الحرة والأمة فى الفراش. وهذا التعليل قاد بعض شيوخنا إلى زعم أن الشاب العزب إذا اشترى [جارية عليه] (١) لا تراد غالباً إلا للتسرى، وفُهم أن ذلك غرضه منها، وظهر من الحال أنه يسلك بها مسلك السرية، فإنها تكون فراشاً وإن لم يثبت وطئها، ورأى أن هذه الأوصاف تلحقها بالحرة وترتفع منها العلة المفرقة بين الحرة والأمة.
وتعلق بعض الشيوخ فى نصرة هذا المذهب، كما وقع فى كتاب العدة من المدونة فى أم الولد إذا مات زوجها وسيدها، ولم يدر أولهما موتاً، فإن عليها أقصى الأجلين مع حيضة إذا كان بين الموتين أكثر من شهرين وخمس ليال، ورأى أنه إذا أمكن أن تحل لسيدها علق على ذلك الحكم المتعلق بوطئها. وانفصل بعضهم عن ذلك بان أم الولد قد صارت كخزانة لسيدها بما تقدم من استيلادها فبهذا لم يعتبر اعترافه بالوطء بعد رجوعها إليه عن عصمة زوجها بخلاف الأمة التى لم تلد قط.
وقد تنازع فى هذا الحديث أصحاب أبى حنيفة وأصحاب مالك، فقال أصحاب مالك: فإن الولد هاهنا ألحق بِزمعة ولم يثبت أن هذه الأمة ولدت منه فيما قبل، فدل ذلك على بطلان قول أبى حنيفة: أن الولد لا يلحق إلا إذا تقدمه ولد مستلحق. وقال أصحاب أبى حنيفة: فإن هذا الحديث لا حجة لكم فيه؛ لأنه لم يذكر - أيضاً - أن زمعة اعترف بوطئها، وإنما ذكر أنه ﷺ ألحقه بزمعة، وهذا الظاهر لم يقل به أحد منا ولا منكم فوجب ترك التعلق بهذا الحديث.
والجواب عن هذا: أن مجمله على أن زمعة علم ﷺ فعلته بها باعترافه عنده ﵇ أو باستفاضة ذلك عنه. وهذا التأويل يضطرنا إليه ما ذكرتموه من اتفاقنا على منع إلحاق ولدها بالميت إلا بعد سبب ما. ولكن اختلافنا فى السبب ما هو؟ فقلنا: اعترافه بالوطء، وقلتم: استلحاق ولد قبل هذا وولد قبل هذا، معلوم أنه لم يكن، واعتراف زمعة بالوطء لا يصح دعوى العلم بأنه لم يكن، فامتنع تأويلكم وأمكن تأويلنا، فوجب حمل الحديث عليه.
ويتعلق بهذا الحديث فصل آخر وهو: استلحاق الأخ لأخيه، وعندنا أن ذلك لا يصح، وعند الشافعى أنه يصح إذا لم يكن وارث سواه. ويتعلق الشافعى بظاهر هذا الحديث، فإنه لم يثبت أن زمعة ادعاه ولداً، ولا أنه اعترف بوطئه، فدل ذلك على أنّ المعول عليه كان على استلحاق أخيه له.
وهذا لا نسلمه، لما قدمناه من أنه يمكن أن يكون ﷺ ثبت عنده وطء زمعة فألحق الولد لأجل ذلك، ومن ثبت وطؤه لا يفتقر عندنا إلى اعترافه، وإنما يصعب هذا على
стр. 2572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أصحاب أبى حنيفة ويعسر عليهم الانفصال عما قاله الشافعى؛ لما قررناه من أن ولداً سابقاً لم يكن والوطء لا يعتبرونه، فلم يبق لهم إلا تسليم ما قاله [الشافعى] (١) لما ضاقت عليهم الحيل فى هذا الحديث لما قررناه.
قال بعضهم: فإن الرواية فى هذا الحديث: " هو لك عبد "، وأسقط حرف النداء الذى هو " يا "، قالوا: وإنما أراد ﷺ أن الولد لا يلحق بزمعة، وأنه ابن أمته و " عبد " هو وارثه، فيرث هذا الولد وأمه. وهذه الرواية التى ذكروها غير صحيحة ولو صحت لرددناها إلى الرواية المشهورة وقلنا: ليس الأمر كما فهمتم، وإنما يكون المراد: يا عبد، فحذف حرف النداء كما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ (٢) فحذف حرف النداء، ولأجل الاشتراك وقع عليهم الغلط، هل المراد عبد بمعنى: قن؟، أو المراد عبد اسم لهذا الرجل منادى بحذف حرف النداء؟
وكذلك دعواهم فى بعض الطرق: أنه لما أمر سودة بالاحتجاب، قال: " ليس بأخ لك " رواية لا تصح وزيادة لا تثبت. فإن قيل: لو لم تكن ثابتة لما أمرها بالاحتجاب. قيل: ذلك على جهة الاحتياط، لما رأى الشبه بعتبة، وقد جعله بعض أصحابنا أصلاً فى الحكم بالشىء بحكم واحد بين الحكمين لأنه ألحقه بزمعة، وذلك يقتضى ألا يكون تحتجب سودة منه، وأمر سودة بالاحتجاب، وذلك يقتضى ألا يكون ولداً لزمعة ولا أخاً لسودة، ولكنه قضى فى الالحاق لحكم الفراش وقضى فى الاحتجاب بحكم الاحتياط.
وقد كان عارض من أصحابنا الشافعى فيما عول عليه بأن سودة بنت زمعة، فلم يثبت استلحاق عبد لهذا الولد دونها، والولد إنما يستلحق إذا استلحقه جميع الورثة، وعبد ليس لجميع الورثة. وانفصلت الشافعية عن هذا بأن زمعة مات كافراً وسودة مسلمة لم ترثه، فصارت كالعدم. فانحصر الأمر إلى [ولد و] (٣) عبد، فصار كأنه جميع الورثة، وأجاب أصحابنا بأنها ابنته، وإنما منعت ميراثه لاختلاف الدينين، فكان الواجب اعتبار رضاها بهذا النسب، وألا تلحق عليها أخوها ما لم ترضه. وقد سلم ابن القصار عنا أنا نقول: إن جميع الورثة إذا اعترفوا بإلحاق النسب بالميت وإن لم يكونوا عدولاً، وزعم أن ذلك مذهبنا. قال: والقياس خلافه. وهذا عندى وهم منه على المذهب، وإنما هذا مذهب الشافعى كما قدمناه عنه.
ورأى الشافعى أن الورثة إذا أجمعوا حلوا محل الميت، وإذا اختلفوا لم يصح أن يحلوا محل الميت، مع اختلافهم. ولعل ابن القصار رأى شيئاً فى المذهب تأول منه على المذهب هذا الذى ذكرناه عنه.
стр. 2573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد قال بعض أصحابنا فى الرد على الشافعى: لو كان جميع الورثة إذا أجمعوا على إلحاق نسب بالميت لحق به وحلوا محل الميت، للزم إذا أجمعوا على نفى حمل أمة وطئها أن ينتفى عن الميت حملها، ويحلون محل الميت فى ذلك كما حلوا فى استلحاق النسب، فيجب أن يحلوا محله فى نفى النسب، وهذا لا يلزمه لأن هذا الحمل أحد الورثة ومن أصله [مراعاة] (١) إجماع جميع الورثة، فإِجماعهم فى استلحاق يمكن، وفى هذا النفى يستحيل، فلهذا افترقا.
وقد تعلق بهذه المسألة التى نحن فيها اعتراف بعض الورثة بوارث؛ مثل أن يعترف أحد الأخوين بأخ ثالث، وهذه مسألة اختلاف أيضاً. فعندنا أن المقر يعطيه ما فضل فى يده، مما لو قسمت التركة على الجميع لاستحقه هذا المقر له من يد هذا المقر، وقال بعض أصحابنا: بل يساويه فيما فى يده وتقدر ما أخذ سائر الورثة كأنه لم يكن، وكانّ الجائحة فيه على المقر والمقر له متساوية لتساويهما فى النسب، ولا معنى لتفضيل أحدهما على الآخر، وكأنه فى القول المشهور الذى قدمناه رأى أن الجائحة لا يختص بها هذان الوارثان، وكان المقر إنما اعترف له بالفاضل خاصة فلا يزداد عليه.
وذهب بعض الناس إلى طريقة ثالثة وهى: أن هذه الفضلة التى قالها الأولون لا يختص بها المقر له بل يأخذ لها نصفها، ويأخذ بقية الورثة النصف الآخر. ووجه هذا عندى أن المقر تضمن إقراره شيئين: أحدهما: أن الفضلة لا يستحقها فى نفسه، والثانى: أن مستحقها هذا المقر له، فيقول له بقية الورثة: أنت إذا اعترفت بأنك لا تستحقها عادت على ملك ميتنا، وإذا عادت على ملك ميتنا وجب أن ترثها ورثته، ونحن ورثته، ونحن نستحقها، أو يقول المقر له: بل أنا المستحق لها لاعتراف من سلمتموها له أنها لى دونكم، ولو لم يعترف لم يكن لكم طريق إليها، فيصير ذلك كما لو يتداعاه رجلان، فيقسم بينهما نصفين.
وذهب الشافعى إلى أن المقر له لا يستحق شيئاً، ووجه هذا: أن نسبه لم يثبت، والميراث إنما يكون ثابتاً بعد ثبوت النسب وهو فرع عنه، وإذا سقط الأصل سقط فرعه، وما أبنى عليه. وهذا يضارع طريقة أشهب عندنا إذا شهد له شاهد بالنسب أنه لا يأخذ المال، قال: لأن المال وإن قضى فيه بالشاهد الواحد فالنسب لا يقضى فيه بالواحد، والمال فرع عن النسب، وإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع، وإنما أردنا بما ذكرناه عن أشهب التنبيه على تناسب الطريقين لا إلزامه أن يقول بمذهب واحد فى المسألتين.
وفى قوله فى الحديث: إنه أمرها بالاحتجاب لشبهه بعتبة، دلالة على القضاء بالاشتباه وتقوية القول بالقافة.
стр. 2574
فَقَالَ: " هُوَ لَكَ يَا عبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِى مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ ". قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ. وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَوْلَهُ: " يَا عَبْدُ ".
(...) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْن حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ، كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّ مَعْمَرًا وَابْنَ عُيَيْنَةَ، فِى حَدِيثِهِمَا: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ " وَلَمْ يَذْكُرَا: " وَلَلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ".
ــ
وقوله ﷺ : " وللعاهر الحجر ": العاهر: الزانى، وقيل: معناه: أن الحجر يرجم به الزانى المحصن، وقيل: معناه: الزانى له الخيبة ولا حظ له فى الولد؛ لأن العرب تجعل هذا مثلاً فى الخيبة، كما يقال: له التراب إذا [أرادوا] (١) الخيبة. والعهر: الزنا، ومنه الحديث: " اللهم أبدله بالعهر العفة " (٢) وقد عهر الرجل إلى المرأة يعهر: إذا أتاها للفجور، وقد عهرت وهى تعيهرت: إذا زنت.
قال الإمام: قد أشبعنا الكلام على هذا الحديث، ولم يجمع فيه أحد من المصنفين فيما علمت هذا الفصول كما جمعناه هاهنا، والله الموفق.
قال القاضى: كانت سنة الجاهلية إلحاق النسب بالزنا، وكن يساعين الإماء ويستأجرونهن لذلك، فمن اعترفت الأم أنه ابنه لحق به، فجاءت سنة الإسلام بإبطال ذلك وإلحاق الأنساب بالعقود الصحيحة والأفرشة الثابتة، لا بطريق الزنا. فلما تخاصم سعد وعبد، وقام سعد بما عهد به إليه أخوه عتبة من سيرة الجاهلية إذ مات مشركاً، ولعل إلحاقه به مدة الجاهلية لم يكن قبل، إما لأن الأم لم تعترف له به، أو لأن الدعوى فيه لم تكن إلا بعد الإسلام، أو لأن إلحاقه مع منازعة المالك فيه كان عندهم لا يصح، وإلا فلو صح استلحاقه له قبل ولم ينازع فيه لمضى النسب له على الأصل فى إلحاق أنسابهم وما لاطوه بأنفسهم.
وقد قال ابن كنانة وابن القاسم من أصحابنا: إن دعوى الجاهلية والمتحمل بعد إسلامه ولداً من الزنا يلحق به، وما لم يكن ثمّ دعوى أقوى من فراش زوج أو سيد. واحتج عبد لحكم النبى ﷺ وشريعته من قوله: " أخى ولد على فراش أبى "، فحكم له النبى ﷺ بمقتضى شريعته، وأبطل سنة الجاهلية.
وفى قوله: " الولد للفراش، مع قوله: رأى " شبهاً بينًا ": دليل على أن الشبه
стр. 2575
٣٧ - (١٤٥٨) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الْولَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ".
ــ
وحكم القافة لا يكون إلا عند عدم ما هو أقوى منه من الأدلة، فأما مع وجوده فلا اعتبار له كما يحكم به فى مسألة المتلاعنين. وقد جاء على الشبه المكروه.
ولحكمه بالفراش هنا قيل: وفيه القضاء فى المسألة بحكمين إلحاق الولد بالفراش ثم الحكم بالحجاب للشبه، وهذا - والله أعلم - هنا على الاستحباب وخاصة فى حق سودة لعظم حقوق أزواج النبى ﷺ وزيادتهن على غيرهن فى وجوب الحجاب عليهن وتغليظه فيهن؛ إذ لا يحرم وطء الزنا شيئاً ولا يوجب حكماً ولا يقع به حرمة على صحيح مذهب مالك وقول الشافعى وأبى ثور.
وذهب أهل الرأى والثورى والأوزاعى وأحمد إلى تحريمه بذلك وأنه مجرى الوطء الحلال فى التحريم منه، واحتجوا بهذا الحديث، وأمر النبى ﷺ لسودة بالاحتجاب منه، وهو أحد قولى مالك. وحملوا أمره هنا على الوجوب، والأول حملوه على الاستحباب والاستظهار كما تقدم، إلا ما ذهب إليه جمهورهم من نكاح الإبنة من الزنا. وعبد الملك ابن الماجشون يجيز ذلك طرداً للأصل وإبطالاً لحكم الحرام.
وقال المزنى: يحتمل أن يكون النبى ﷺ أجابهم عن المسألة وأعلمهم بالحكم أنه كذلك يكون، إذا ادعى صاحب الفراش الولد وصاحب الزنا، لا على أنه يلزم عتبة دعوى أخيه سعد، ولا يلزم سعد دعوى ابنه عبْد، وبين ذلك بقوله: " احتجبى منه ".
وإلى هذا ذهب الباجى وقال: هذا أصح الأقوال، وذهب أن قوله: " هو لك يا عبد ": أى [عبد] (١) لما لم يثبت نسبه، وإنما أقر له عبد بالأخوة، فبقى ملكاً له؛ لأنه ابن مملوكة أبيه، فلم يكن بذلك أخاً لسودة، ولا يثبت بينهما بذلك توارث ولا حكم إذ لم يثبت اعتراف زمعة به، قال: ولو كان استلحقه بزمعة لما نهى عنه سودة ولا أمرها بقطع رحمه، وقد خصهن على مداخلة الأخ والعم من الرضاعة وأمر عائشة أن يلج عليها عمها، وقول عائشة فى العلة، لما رأى من شبهه بعتبة تأويل منها، إذ قد يكون على تأكيد المنع، فهذا كله يكون أمره بالاحتجاب عند هؤلاء واجباً لا احتياطاً.
قيل: وفى هذا الحديث أن القضاء بالظاهر لا يحل الأمر في الباطن، كما جاء فى الحديث الآخر المشهور؛ لأنه هنا حكم بالولد لزمعة وأمر أخته بالاحتجاب منه للشبه،
стр. 2576
(...) وحدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ؛ وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ. أَمَّا ابْنُ مَنْصُورٍ - فَقَالَ: عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا عَبْدُ الأَعْلَى فَقَالَ: عَنْ أَبِى سَلَمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَقَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ مَرَّةً عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِى سَلَمَةَ. وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ أَوْ أَبِى سَلَمَةَ. وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ.
ــ
ولو كان الحكم والقضاء يحل ويرفع الحرج لم يحتج إلى هذا.
واختلف فى قوله: " الولد للفراش "، فأصحاب أبى حنيفة يحملونه على أن المراد صاحب الفراش، ولذلك لم يشترطوا، وإن كان الوطء فى الحرة واحتجوا بقول جرير:
باتت تعانفه وبات فراشها ... خلق أتعباه فى التراب قتيلا
يعنى زوجها. وعند الجماعة: أن الفراش هنا كما يعبر به عن الزوج يعبر به عن الزوجة، والأظهر إنما يعبر به عن الفراش المعروف، وأنه المراد به هنا، وهى حالة الافتراش: أى الولد، للحالة التى يكون فيها الافتراش، فيفهم من هذا مقصد تأتى الوطء، وعلى هذا يأتى قوله ﵇ فى ابن وليدة زمعة: " الولد للفراش "؛ أن وطأه وافتراشه لها كان معلوماً قبل - والله أعلم. وقد قيل: إن إيقاع الفراش على الزوج لا يعلم من اللغة.
وقوله هنا: " الولد للفراش ": عموم فى الحرائر والإماء، وقد احتج بظاهر قوله وعمومه: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر " الشعبى ومن قال بقوله فى إلحاق الولد المنفىّ لفراشه، وأنه لا ينتفى بلعان ولا غيره، ولا ينفع أباه نفيه، وهو شذوذ من القول. وقد حكى عن بعض أهل المدينة، ولا حجة فيه؛ لأن النبى ﷺ قال هذا فى نازلة ولد الأمة المدّعى فيه غير سيدها، وقد حكم ﵇ فى ولد الزوجات بخلاف ذلك، ولاعن وألحقه بأمه دون الزوج، على ما سيأتى مبيناً فى اللعان.
стр. 2577
(١١) باب العمل بإلحاق القائف الولد
٣٨ - (١٤٥٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ومُحَمَّدُ بْنُ رمحٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَىَّ مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ. فَقَالَ: " أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ ".
٣٩ - (...) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا. فَقَالَ: " يَا عَائشَةُ، أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِىَّ دَخَلَ عَلَىَّ، فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ".
ــ
وقول عائشة - رضى الله عنها -: إن رسول الله ﷺ دخل علىّ مسروراً تبرق أسارير وجهه [قال] (١): " ألم ترىْ أن مُجزِّزاً نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة، فقال: [إن] (*) بعض هذه الأقدام لمن بعض "، وفى الرواية الأخرى: " فسُرّ رسول الله ﷺ بذلك، وأعجبه "، قال الإمام: " أسارير وجهه ": يعنى الخطوط التى فى جبهته مثل التكسّر، واحدها سرة وسرُر، والجمع أسرار، وأسارير جمع الجمع، وفى صفته ﵇: " ورونق الجلال يطّرد فى أسرّة جبينه ".
قال القاضى: ومعنى ذلك قوله فى الرواية الأخرى: " مسروراً ": لأن المسرور ينطلق وجهه، ويجرى البشر فيها، بخلاف المقطب والحزين. و " مُجزّز ": بفتح الجيم وكسر الزاى الأولى هو المعروف، وكذا ضبطه الحفاظ، وقيدناه عن شيوخنا، واختلف فيه الرواية عن الدارقطنى وعبد الغنى فيما حكيناه عن ابن جريج [فالذى قيدناه عن القاضى الشهيد فى كتاب الدارقطنى وعبد الغنى أن ابن جريج] (٢) كان يقول فيه: " مُجزّز " بفتح الزاى، والذى قيده عنه الجيانى وَأَبُو عمر بن عبد البرّ: " محزرٍ " بحاء مهملة ساكنة وراء مكسورة.
стр. 2578
٤٠ - (...) وحدّثناه منصُورُ بْنُ أَبِى مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ قَائِفٌ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ شَاهِدٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَزَيْدُ ابْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِىُّ ﷺ وَأَعْجَبَهُ، وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ.
(...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ ابْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَابْنُ جرَيْجٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ وَزَادَ فِى حَدِيثِ يُونُسَ: وَكَانَ مُجَزِّزٌ قائِفًا.
ــ
والصواب فيه الأول، وهو من بنى مدلج، وكانت القيافة فيهم وفى بنى أسد، تعترف العرب لهم بذلك. قال الزبير بن بكار: إنما قيل له مُجزّز؛ لأنه كان إذا أخذ أسيراً يحلق لحيته، وقال غيره: جزَّ ناصيته. ومعنى " آنفاً ": أى قبل، وقيل: أول وقت نحن فيه قربت.
قال الإمام: كانت الجاهلية تقدح فى نسب أسامة؛ لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبوه أبيض من القطن، هكذا ذكره أبو داود (١) عن أحمد بن صالح، ولما قضى هذا القايف بإلحاق هذا النسب مع اختلاف اللون - وكانت الجاهلية تصغى إلى قول القافة - سر بذلك رسول الله ﷺ ؛ لكونه كافاً لهم عن الطعن فيه.
قال القاضى: قال غير أحمد: كان زيد أزهر اللون، وكان أسامة شديد الأدمة، زيد ابن حارثة عربى صريح من كلب، أصابه سباء، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، فوهبته للنبى ﷺ ، فتبناه، فكان يدعى زيد بن محمد، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ (٢) فقيل: زيد بن حارثة، وابنه أسامة، أمه أم أيمن بركة، وتدعى أم الظباء مولاة عبد الله بن عبد المطلب، ورابّة النبى ﷺ ، ولم أر لأحد أنها كانت سوداء، إلا أن أحمد بن سعيد الصدفى ذكر فى تاريخه من رواية عبد الرزاق عن ابن سيرين؛ أن أم أيمن هذه كانت سوداء، فإن كان هذا فلها خرج [أسامة] (٣) لكن لو كان هذا صحيحاً لم ينكر الناس لونه لمعرفتهم بأمّه؛ إذ لا ينكر أن يلد الأبيض أسود من سوداء، وقد نسبها الناس فقالوا: أم أيمن بركة بنت محصن بن ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة ابن عمرو بن النعمان.
стр. 2579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد ذكر مسلم فى كتاب الجهاد عن ابن شهاب؛ أن أم أيمن كانت من الحبشة، وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب أبى النبى ﷺ . وكذا ذكره الواقدى، وأما زوجها عبيد قبل [ذلك] (١) فكان حبشياً، إلا أن يكون معنى قول ابن شهاب " حبشية ": أى من مهاجرة الحبشة فمحتمل، فقد كانت منهن، كما قال عمر لأسماء بنت عميس: الحبشية هذه، والمعروف أنه كانت للنبى ﷺ بركة أخرى حبشية، كانت تخدم أم حبيبة، فلعله اختلط أمرهما لاشتباه اسمهما.
وقد قال أبو عمر بن عبد البر: وأظنها أم أيمن، وذكر بعض المؤرخين، أن أم أيمن هذه، من سبى جيش أبرهة صاحب الفيل، لما انهزم عن مكة، أخذها عبد المطلب من فَلّ عسكره - والله أعلم. وهذا يؤكد - أيضاً - ما ذكر عن ابن سيرين - والله أعلم.
قال الإمام: اختلف الناس فى القول بالقافة، فنفاه أبو حنيفة، وأثبته الشافعى، ونفاه مالك فى المشهور عنه فى الحرائر وأثبته فى الإماء، وقد روى الأبهرى عن الرازى عن ابن وهب عن مالك؛ أنه أثبته فى الحرائر والإماء جميعاً.
والحجة فى إثباته حديث مجزّز هذا ولم يكن ﷺ ليسرّ بقول الباطل، وما تقدم - أيضاً - فى حديث عبد بن زمعة أنه ﷺ لما رأى شبهه بعتبة، أمر سودة بالاحتجاب منه، ولأن الفراش إنما قضى به من جهة الظاهر، ولا يقطع منه على أن الولد لصاحب الفراش، فإذا فقدنا الفراش المؤدى لغلبة الظن، تطلبنا الظن من وجه آخر، وهو الشبه.
واحتج من نفاه بأنه ﷺ لاعن فى قصة العجلانى، ولم يؤخر حتى تضع (٢)، ويرى الشبه، وقد ذكر - أيضاً - فى قصة المتلاعنين، إن جاءت به على صفة كذا، فهو لفلان، ثم لم ينقض حكمه لما جاءت به على الصفة المكروهة ولا حدّها، فدل ذلك على أن الشبه غير معتبر، وانفصل عن هذا بأن هاهنا فراشاً يرجع إليه، وهو مقدم على الشبه، فلم ينقض الحكم المبنى عليه بظهور ما يخالفه، مما ينحط عن درجته، كما لم ينقض الحكم بالنص، إذا ظهر فيما بعد أن القياس بخلافه.
وحجة التفرقة، أن الحرائر لهن فراش ثابت يرجع إليه، ويعول فى إثبات النسب عليه، فلم يلتفت إلى تطلب معنى آخر سواه أخفض منه رتبة، والأمة لا فراش لها، فافتقر إلى مراعاة الشبه.
قال القاضى: جمهور العلماء على الأخذ بهذا إلا ما حكاه عن أبى حنيفة والثورى وأصحابهما وإسحاق. ثم أختلف القائلون، هل هو عموم فى أولاد الحرائر والإماء، أم يختص بالإماء على ما تقدم؟ ثم اختلفوا؛ هل يحتاج فيه إلى اثنين، وأنه بمعنى الشهادة،
стр. 2580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو [قول] (١) مالك والشافعى، أو يكتفى فيه بواحد، وهو قول ابن القاسم من أصحابنا.
ولا خلاف بين القائلين بذلك فيما قالوه أنه إنما يكون ذلك فيما أشكل من الفراشين الثابتين، كالمشترى والبائع يطآن الأمة فى طهر واحد، قبل الاستبراء من الأول فتحمل، فتأتى بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء الثانى، وأقل من أقصى أمد الحمل من وطء الأول، وإن كان هذا الوطء الآخر ممنوعاً منه صاحبه، فله شبهة الملك، وصحة عقده؛ ولهذا فرق مالك فى مشهور قوله بين النكاح والملك فى هذا، إذ لا يصح عقد النكاح في العدة، بخلاف عقد الشراء والاستبراء، ولم يعذره بالجهل والغفلة، لوجوب البحث والتقصى، وتفريطه فى ذلك يرجح العقد الصحيح والوطء الصحيح دون غيره، ورأى فى القول الآخر: أن الجهل بحكم النكاح فى العدة أو النسيان عذر والعقد على ذلك شبهة، توجب للفراش حكماً، كما لو لم يكن فراش متقدم مع فساد العقد وتحريم الوطء فى لحوق الولد لشبهة العقد.
واختلفوا إذا ألحقته القافة بمدعييه معاً، هل يكون ابناً لهما؟ وهو قول سحنون، وأبى ثور، وقيل: يترك حتى يكبر، فيوالى من شاء منهما، وهو قول عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - وقاله مالك والشافعى. وقال عبد الملك بن الماجشون ومحمد بن مسلمة: يلحق بأكثرهما له شبهاً، قال ابن مسلمة: إلا إن علم الأول فيلحق به.
وكذلك اختلف الآبون من القول بالقافة، فى حكم ما أشكل وتنوزع فيه، فقال أبو حنيفة: يلحق الولد بالرجلين إذا تنازعا فيه، وكذلك بامرأتين، وقال أبو يوسف: يلحق برجلين ولا يلحق بامرأتين، وقال محمد بن الحسن نحوه، يلحق بالآباء وإن كثروا، ولا يلحق إلا بأم واحدة. وقال إسحاق: يقرع بينهم، وقاله الشافعى فى القديم.
стр. 2581
(١٢) باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف
٤١ - (١٤٦٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا. وَقَالَ: " إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكَ سَبَّعْتُ لِنِسَائِى ".
٤٢ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ قَالَ لَهَا: " لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ثُمَّ دُرْتُ ". قَالَتْ: ثَلِّثْ.
ــ
وقوله لأم سلمة: " ليس بك على أهلك هوان ": [ومعناه: لا يلحقك هوان] (١)، ولا يتعلق بك، بل توفى حقك من المقام والتأنيس به، وذلك لما أخذت بثوبه حين أراد الخروج، ففهم منها استقلال مقامه عندها والاستكثار منه، فبين لها ما لها وما عليها من ذلك، وأنه إن زادها على حقها، وجب أن يزيد لنسائه، فيطوّل عليها مغيبته، فآثرت القنوع بحقها من الثلاث، ثم يعطى نساءه من بعدها أيامهن المعلومة، ثم يرجع إليها، فيقرب رجوعه إليها ونوبتها منه.
وفيه لطف ورفق لمن خشى منه كراهة الحق، حتى يتبين له وجه ترجيحه، فيرجع إليه.
والمراد بأهلك هنا: هو نفسه ﵇: أى لا أفعل فعلاً يظهر به هوانك علىّ أو تظنيه بى.
وقوله: " إن شئت سبعت عندك، كان شئت ثلثت، ثم درت "، قالت: ثلّث، وفى بعض طرقه: " إن شئت زدتك وحاسبتك به، للبكر سبع وللثيب ثلاث "، وفى
стр. 2582
(...) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلالٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ بِهِ، لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلاثٌ ".
(...) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٤٣ - (...) حدّثنى أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ - عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَن أُمِّ سَلَمَةَ، ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا. وَذَكَرَ أَشْيَاءَ، هَذَا فِيهِ. قَالَ: " إِنْ شِئْتِ أَنْ أُسَبِّعَ لَكِ وَأُسَبِّعَ لِنِسَائِى، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِى ".
ــ
بعض طرقه: " إن شئت أن أسبع لك وأسبع لنسائى، وإن سبعت لك سبعت لنسائى "، قَالَ الإمام: العدل بين الزوجات مأمور به، قال الله تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآية (١)، وقال ﵇: " من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة شقه مائل " (٢) وفى الترمذى: " وشقه ساقط " (٣)، وكان ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: " اللهم قسمتى فيما أملك، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك " (٤). وعند أبى داود: يعنى القلب، وعندى أن ذلك هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ يعنى فى محبة القلب وميل الطبع الغير مكتسب.
قال القاضى: وجعلوا حكم الجماع مثله، إذا لم يقصد ذلك لاستحسانه لإحداهما دون الأخرى، لكنه إنما ينشط للواحدة أكثر من الأخرى، إذ لا اكتساب له فى هذا أيضاً، ولا خلاف فى القسم فى كونه عندهن ليلاً، وأن يفرد كل واحدة ليلتها، وكذلك قول
стр. 2583
٤٤ - (١٤٦١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثًا. قَالَ خَالِدٌ: وَلَوْ قُلْتُ: إِنَّهُ رَفَعَهُ لَصَدَقْتُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ كَذَلِكَ.
٤٥ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ وخَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الْبِكْرِ سَبْعًا. قَالَ خَالِدٌ: وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ .
ــ
عامة العلماء فى النهار. وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك فى الليل دون النهار، ولا يدخل لإحداهما فى يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة.
واختلفوا فى دخوله لحاجة وضرورة، أو لأخذ ثيابه أو وضعها، أو افتقاد متاعه، أو لعيادتها، والأكثر لمالك وأصحابه وغيرهم جواز ذلك، وقال أيضاً: لا يفعله إلا من عذر لابد منه، ومنعه فى كتاب ابن حبيب.
وكذلك يعدل بينهن فى النفقة والكسوة، إذا كن معتدلات الحال، فلا يلزمه ذلك إذا اختلفت أحوالهما فى المناصب والمناسب، وأجاز مالك أن يفضل إحداهما فى الكسوة على غير وجه الميل.
قال الإمام: والبكر إذا تزوجت أقام عندها سبعاً، وعند الثيب ثلاثاً، لأجل هذا الحديث، ولا قضاء عليه بعد ذلك لمن عنده من النساء، ولا يحاسب هذه الجديدة بهذه الأيام.
وقال أبو حنيفة بأنها تحاسب، ورأى أن العدل والمساواة واجب فى الابتداء كوجوبه فى الاستدامة والاستمرار، وقوله ﵇: " للبكر سبع " يرد ما قال؛ لأن هذه لام التمليك، ومن ملك الشىء لا يحاسب به، ولأنه لا معنى للتفرقة بين البكر والثيب ولا معنى له للاقتصار فى العدد على الثلاث والسبع، إذا كان القضاء واجباً فى جميع الأعداد.
وتعلق أبو حنيفة بالقاعدة الواردة بالعدل، وهى مخصوصة بهذا الحديث، وتعلق أيضاً لقوله لأم سلمة: " وإن سبعت لك سبعت لنسائى "، وهذا ما اختلف المذهب فيه عندنا؛ فمذهب مالك فيما ذكره ابن المواز عنه أنه ليس له أن يسبع عند الثيب، ويمكن عندى أن يكون مالك رأى ذلك من خصائص النبى ﷺ ؛ لأنه خُصَّ فِى النكاح بأمور لم
стр. 2584
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تجز لأمته.
وقال ابن القصار: إذا سبّع للثيب سبّع لبقية نسائه أخذاً بظاهر هذا الحديث، ولا يدل عنده على سقوط الثلاث لها كما قال أبو حنيفة؛ لأنه يحمل على أن الثلاث تجب لها من غير محاسبة، بشرط ألا تختار السبع، وإن اختارت السبع والتوافر عاجلاً حوسبت، وهذا لا إحالة فيه، ولا يعد فى أن يجب للإنسان الحق بشريطة على صفة، ويسقط عند فقدها.
واختلف المذهب عندنا، هل ذلك حق للمرأة، أو حق للزوج؟، فقيل: هو حق للمرأة بقوله: " للبكر سبع "، وهذه لام التمليك، وقيل: هو حق للزوج على بقية نسائه لحاجته إلى اللذة بهذه الجديدة، فجعل له فى الشرع زيادة فى الاستمتاع. وإذا قلنا بأنه حق لها، هل يجبر عليه أو لا؟ اضطرب أهل المذهب فيه أيضاً.
قال القاضى: اختلف العلماء، هل هذا الحق للثيب والبكر خاصة، فيمن له زوجات دون من لا زوجة له إلا هذه المتزوجة، أو هو على العموم فى الجميع؟ قال أبو عمر بن عبد البرّ: عند أكثر العلماء أن هذا واجب لها، كان عند الرجل زوجة أو لا، لعموم قوله: " إذا تزوج البكر أقام عندها سبعاً، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً "، ولم يخص من له زوجة من غيره.
قال غيره: معنى الحديث فيمن له زوجة غير هذه؛ لأن من لا زوجة له مقيم مع هذه دهره، مؤنس لها، مستمتع دون قاطع، فلا معنى للمقام الذى احتيج للبكر لتأنيسها سبعاً متصلاً، حتى يستحكم ويستقر، وليقضى لذته هو منها لجدتها، ولئلا يقطع دورانه على غيرها تأنيسها، ويقطع ذلك عليه مراده وميله لجديدة.
وجعلت دون ذلك للثيب؛ لممارستها الرجال قبل، وأنها إنما تحتاج مع هذا الجديد دون ما تحتاج البكر، وهذا من المعروف الذى أمره الله بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ (١)، وهذا هو الأظهر لقوله فى الحديث نفسه: " إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثاً ". وما تقدم من أنها حقوق لهما، لا يحاسبهما به غيرهما، ويستأنف القسم بعد الثلاث أو السبع، وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد وإسحاق والطبرى وأبى ثور وجماعة العلماء، خلافاً لأهل الرأى والحكَم وحماد، فى أن الثيب والبكر فى القسم سواء، ولذلك الطارئة مع من عنده من النساء سواء، فما جلس عند الطارئة حاسبها به، وجلس عند سائر أزواجه مثله، وإن زاد يوماً واحداً. وللأوزاعى فِى قوله: يجلس عند البكر سبعاً، فإذا تزوج البكر على الثيب مكث ثلاثاً، وإذا تزوج الثيب على البكر، مكث يومين. وهذا قول الحسن وابن المسيب. وقال سفيان كقول أبى حنيفة، إلا أنه قال: إن تزوج البكر على الثيب قعد عندها ليلتين، ثم قسم، والسُّنة المتقدمة تخالفهم.
стр. 2585
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الخطابى: وقوله: " إن شئت سبعت لك وسبعت لنسائى " لا حجة فيه؛ لسقوط حقها إذا لم يسبع لها، وهو الثلاث، ولو كان ذلك لم يكن للتخيير معنى؛ إذ لا يخير الإنسان بين جميع الحق وبعضه، ولم يختلفوا أنه إذا سبّع أنه يسبع لبقية نسائه، وبه قال الشافعى وأحمد بن حنبل، وقاله النخعى والشعبى وأنس بن مالك.
وقوله: " وإن شئت ثلثت ثم درت ": حجة على المخالف، أنها لا تحاسب بالثلاث، ولا البكر بالسبع، لقوله: " درت "، وفرق بين هذا وبين قوله: "وإن شئت سبعت، وإن سبعت لك سبعت لنسائى "، وهو بيّن.
وفى " دُرت " حجة لمن ذهب أن القسم لا يكون إلا يوماً يوماً، وإليه ذهب ابن المنذر، وهو قول مالك. وذهب الشافعى إلى جواز قسمه بينهن ثلاثاً ثلاثًا، ويومين يومين. ولم يختلفوا إذا كان القسم أكثر من يومين بتراضيهن أجمع أنه جائز.
وذكر مسلم فى سند حديث أم سلمة فى الباب رواية يحيى بن سعيد عن سفيان، عن محمد بن أبى بكر، عن عبد الملك بن أبى بكر، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة. كذا صحيحه هنا فى أصولنا، ووقع فيها فى بعض النسخ اختلال لا يلتفت إليه.
قال الدارقطنى: خرجه مسلم متصلاً هنا، وكذلك من حديث حفص بن غياث بعد هذا، وقد أرسله عبد الله بن أبى بكر وعبد الرحمن بن حميد، عن عبد الملك بن أبى بكر، عن أبى بكر بن عبد الرحمن؛ أن رسول الله ﷺ مرسلاً وهو مما تتبعه الدارقطني على مسلم.
قال القاضى: ولا تتبع على مسلم فيه؛ إذ قد بين علته، وهذا يدل على ما ذكرناه أول الكتاب؛ أن ما وعد به من ذكر علل الحديث، قد وفى به وذكره فى الأبواب، خلاف من ذهب إلى أنه مات قبل تمام الكتاب، على ما ذهب إليه أبو عبد الله الحاكم. وقوله فى حديث: ليس فى هذا الحديث السنة، كذلك يلحق بالمسند عند أئمة العلماء؛ لأن الصحابى إذا قال: السنة كذا، فهو مسند، إذ لا يحيل بالسنة إلا على ما عهد من النبى ﵇ وسنته، وقد رفعه غير واحد عن أنس.
وقد اختلف قول مالك: هل المقام هذه المدة عندها إذا كان له امرأة أخرى على الزوج على الوجوب؟ وهى رواية ابن القاسم عنه، أو على الاستحباب؟ وهى رواية ابن الحكم.
стр. 2586
(١٣) باب القسم بين الزوجات، وبيان أن السنة أن تكون لكل واحدة ليلة مع يومها
٤٦ - (١٤٦٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ لِلنَّبِىِّ ﷺ تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَكَانَ إِذَا قَسَمَ بَيْنَهُنَّ لا يَنْتَهِى إِلَى الْمَرْأَةِ الأُولَى إِلا فِى تِسْعٍ، فَكُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِى بَيْتِ الَّتِى يَأتِيهَا. فَكَانَ فِى بَيْتِ عَائِشَةَ، فَجَاءَتْ زَيْنَبُ، فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا. فَقَالَتْ: هَذِهِ زَيْنَبُ. فَكَفَّ النَّبِىُّ ﷺ يَدَهُ، فَتَقَاوَلَتَا حَتَّى اسْتَخَبَتَا، وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ. فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ذَلِكَ، فَسَمِعَ أَصْوَاتَهُمَا.
ــ
وقوله: " كان للنبى ﷺ تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن، لا ينتهى إلى المرأة الأولى إلا فى تسع، فكن يجتمعن كل ليلة فى بيت التى يأتيها ": هذا حجة فى أن الزوج لا يأتى غير صاحبة القسم فى بيتها لغير حاجة كما تقدم؛ وأما مجيئهن عند هذه، فبرضاهن واتفاقهن على هذا، وإلا فمن حق صاحب القسم أن يمنعهن.
وقوله: " وكان فى بيت عائشة، فجاءت زينب فمد يده إليها، فقالت: هذه زينب، فكف يده ": حجة على أنه لا يباح له الاستمتاع بواحدة منهن فى يوم الأخرى، ودلّ أن مد النبى ﷺ يده، إنما كان وهو يظنها عائشة صاحبة اليوم، لكون ذلك ليلاً، ولم تكن لهن مصابيح، لكن البخارى قد روى أنه كان إذا انصرف من العصر، دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن، وذكر حديث حفصة (١).
قال بعضهم: وهذا كان منه فى النادر، إذ لم يكن القسم فرضاً عليه، كما سنذكره، وقد يكون هذا منه بمراضاة صاحبة اليوم أن يستمتع بغيرها فى يومها، ولا خلاف فى جواز ذلك.
وقوله: " فتقاولتا حتى استخبتا ": كذا عند كافة الشيوخ بالخاء المعجمة، بعدها باء بواحدة مفتوحتين، من السَّخب، وهو اختلاط الأصوات وارتفاعها، وتقال بالصاد أيضاً، كما قال: تقاولتا، كثر الكلام بينهما من أجل الغيرة عليه.
ووقع فى رواية السمرقندى: " استحثيا " بسكون. الحاء المهملة، وبعدها ثاء مثلثة وبعدها ياء باثنتين تحتها، ومعناه - إن لم يكن تصحيفاً -: حثت كل واحدة فى وجه
стр. 2587
فَقَالَ: اخْرُجْ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَى الصَّلاةِ، وَاحْثُ فِى أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ. فَخَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ . فَقَالَتْ عَائِشَةُ: الآنَ يَقْضِى النَّبِىُّ ﷺ صَلاتَهُ، فَيَجِىءُ أَبُو بَكْرٍ فَيَفْعَلُ بِى وَيَفْعَلُ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِىُّ ﷺ صَلاتَهُ أَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ. فَقَالَ لَهَا قَوْلاً شَدِيدًا، وَقَالَ: أَتَصْنَعِينَ هَذَا؟
ــ
الأخرى التراب.
فيه ما كان عليه ﵇ من حسن الخلق، ومداراة الجميع، ومن جميل العشرة.
وذكر خروج النبى ﷺ إلى الصلاة بعد هذا، وقد ذكر مدّ يده إلى زوجته، ولم يذكر أنه توضأ، فقد يحتج به الكوفيون فى سقوط الوضوء من الملامسة، كما تقدم فى كتاب الطهارة، ولا حجة له، وليس فى الحديث أنه لمس، وإنما قال: " مدّ يده "، فكان كفاقد اللذة بقلبه، ولم يلمس ولم يلتذ.
وقوله: " واحث فى أفواههن التراب ": مبالغة فى التسكيت لمن لم يسكت عن كلام يكره، ومرَّ مثله فى الجنائز فى خبر معفر (١).
стр. 2588
(١٤) باب جواز هبتها نوبتها لضرتها
٤٧ - (١٤٦٣) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَى أَنْ أَكُونَ فِى مِسْلاخِهَا منْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعَائِشَةَ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِى مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ لِعَاَئِشَةَ يَوْمَيْنِ: يَوْمَهَا، وَيَوْمَ سَوْدَةَ.
ــ
وقوله فى حديث سودة وقول عائشة: " أن أكون فى مسلاخها ": أى فى جلدها، وحقيقة ذلك أن تكون هى؛ لأن أحداً لا يكون فى جلد غيره ولا فى غير جلده.
وقوله: " من امرأة فيها حدة ": من هنا للسان واستفتاح الكلام، والخروج من وصف إلى مخالفه، ولم ترد عائشة بهذا عيبتها، إذ لم تقصد تنقيصها، بل كثير من الناس يتفاخر بها ويحسبها رجلة، وضدها فسولة وضعة، وخير الأمور أوساطها.
وقولها: " فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة ": فيه جواز مثل هذا؛ لأنه حقها، وجائز أن تأخذ منه على هذا مالاً، لتهب حقها فى الوطء أو تعطيه، على أن يمسكها كيف شاء، من أثرة أو غير أثرة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِن امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية (١). واحتج به ابن المنذر أن قسم النبى ﷺ ، إنما كان مُيَاوَمَة، وأنه سنة لا تخالف، وقد تقدم الكلام فيه، وليس ببين.
وفيه أن القسم من حق المرأة، ولها إسقاطه، وأن تراضى الضرات بالتفاضل بينهن جائز عليهن، ومباح للزوج لا حرج عليه فيه، ولا يدخل فى النهى لانه حقها وهبته، لكن لها عند مالك الرجوع فيه متى شاءت، وللزوج - أيضاً - ألا يرضى بجعل يومها لمن وهبته له من ضراتها.
وقوله: " فكان يقسم لعائشة يومين: يومها ويوم سودة ": لا يفهم منه توالى اليومين على ظاهر اللفظ، بل يومها المعلوم ويوم سودة المعلوم، كان ثالثاً فى القسم أو رابعاً، إلا أن تكون كانت تالية لعائشة أو سابقة، فيكون متوالياً، ويحتمل ذلك لأنهما متواليتين فى زواجه لهما، على خلاف من هى منهما قبل صاحبتها، على [ما] (٢) نذكرهُ بعد هذا، فيحتمل أن النبى ﷺ أجرى القسم وترتيبه على رتبة تقدمهن فى النكاح وتواليهن - والله أعلم.
стр. 2589
٤٨ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يُونُسُ ابْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ؛ أَنَّ سَوْدَةَ لَمَّا كَبِرَتْ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ شرِيكٍ: قَالَتْ: وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدِى.
ــ
وأجرى النبى ﷺ حكم العدل بين نسائه، مجرى الحقوق اللازمة، وألزم ذلك نفسه، وإن لم يكن لازماً له، لتقتدى بذلك أمته للزوم ذلك لها، وليظهر العدل بين نسائه، فيطيب قلوبهن، ويحسن معه عشرتهن، ولا يدخل بينهن من التحاسد والعداوة ما يكدر صحبتهن، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ (١) قيل: أى لا يحزن إذا كان هذا منزلاً عليك ويرضين بما فعلت من تقريب أو إرجاء؛ إذ كان العدل بينهن فى حقه غير واجب، قال الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء﴾ (٢). قال قتادة: هذا شىء خص الله به نبيه ﵇ لا ليس لأحد غيره، كان يدع المرأة من نسائه ما يشاء، بغير طلاق، فإذا شاء راجعها، وهو معنى قوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْك﴾ (٣).
وقيل: أرجأ واحدة منهن، ولكن وُهب نسوة لرسول الله ﷺ قسمهن، والظاهر التخيير. قيل: ولا يبعد أن يكون اختار الإيواء لجميعهن إلا سودة، لرضاها بترك يومها، وسيأتى الكلام بعد فى هذا.
وقول عائشة عنها: " وكانت [أول] (٤) امرأة تزوجها بعدى ": كذا ذكره مسلم من رواية يونس عن شريك، وهكذا قال يونس - أيضاً - عن ابن شهاب، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وروى عقيل بن خالد عن ابن شهاب خلافه، وأنه ﵇ تزوج سودة قبل عائشة، قال ابن عبد البر: وهذا قول قتادة وأبى عبيدة.
وذكر مسلم حديث الموهوبة واللائى وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ . هذا من خصائصه ﵇.
وقول عائشة فى ذلك: " أما تستحى المرأة أن تهب نفسها، فأنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية، فقلت: إن ربك ليسارع فى هواك ": اختلف السلف فى هذه الآية، فقيل: هى ناسخة لقوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْد﴾ (٥)، مبيح له أن يتزوج ما شاء. قال زيد بن أسلم: تزوج النبى ﷺ بعد نزول هذه الآية ميمونة ومليكة وصفية وجويرة، وقالت عائشة: ما مات رسول الله ﷺ ، حتى أحل الله له النساء،
стр. 2590
٤٩ - (١٤٦٤) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللاتِى وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ : ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ (١) قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللهِ؛ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلا يُسَارِعُ لَكَ فِى هَوَاكَ.
٥٠ - (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: أَمَا تَسْتَحْيى امْرَأَةٌ تَهبُ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ؟ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ : ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء﴾ فَقُلْتُ: إِنَّ رَبَّكَ لَيُسَارِعُ لَكَ فِى هَوَاكَ.
٥١ - (١٤٦٥) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أخَبَرَنِى عَطَاءٌ، قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ بِسَرِفَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوْجُ النَّبِىِّ ﷺ ، فَإِذَا
ــ
وقيل بعكس هذا، وأن قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْد﴾ ناسخة للأخرى، وناسخة لقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية (٢).
وقيل: هذه الآية محكمة، وكما حرّم عليهن النكاح بعده ﵇ حرّم عليه أن يتزوج على نسائه. وقيل: معناها: لا يحل لك الاستبدال بهن، ولك الزواج عليهن. وقيل: المراد: لا يحل لك النساء من بعد المسلمات، فخرج نكاح الكوافر خاصة.
فى قوله فى الحديث بعد هذا: " فكان رسول الله ﷺ ، بعدما نزلت، يستأذننا إذا كان يوم المرأة منا " (٣): دليل على ما تقدم، من أن قسمه لم يكن واجباً عليه، وإنما كان يقع منه تطييبًا لنفوسهن، وحسن عشرة لهن، وليقتدى به فى ذلك من يجب عليه.
وقول عطاء: " حضرنا جنازة ميمونة بسرف مع ابن عباس ": لا خلاف أنها توفيت بسرف، وفى الموضع الذى بنا بها فيه رسول الله ﷺ ، وفية عقد نكاحها معه، وكان اسمها فيما ذكر: " برّة " فسماها رسول الله ﷺ : ميمونة. قال ابن شهاب: وهى التى
стр. 2591
رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلا تُزَعْزِعُوا، وَلا تُزَلْزِلُوا، وَارْفُقُوا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعٌ، فَكَانَ يَقْسِمُ لثمَانٍ وَلا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ.
قَالَ عَطَاءٌ: الَّتِى لا يَقْسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىِّ بْنِ أَخْطَبَ.
ــ
وهبت نفسها للنبى ﷺ . وقيل: هى أم شريك، وقيل: زينب بنت خزيمة.
وقوله: " وكان عند رسول الله ﷺ تسع، فكان يقسم لثمان، ولا يقسم لواحدة ": هذا مما خص به النبى ﵇ أيضاً. قال الشافعى: إن الله تعالى لما خص به رسوله ﷺ من وحيه، وأبان بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته، افترض عليه أشياء، خففها على خلقه، ليزيد بها قربة إليه، وأباح له أشياء حظرها على خلقه، زيادة فى كرامته، وتبييناً لفضيلته، فمن ذلك؛ أن كل من ملك زوجة فليس يخيّرها، وأمره الله أن يخير نساءه فاخترنه، وقال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْد﴾ (١). قالت عائشة: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء التى حظرت عليه، وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِي﴾ الآية (٢)، وقال: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ الآية (٣)، فأبانهن من النساء، وخصه بأن جعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم.
وقال الخطابى كلاماً معناه: أن الله ، اختار لنبيه ﵇ من الأمور أفضلها، وجمع له الفضائل التى يزداد بها فى نفوس العرب جلالة وفخامة، وكانت العرب تفاخر بقوة النكاح، وكان ﵇ من قوة البنية، واعتدال المزاج، على ما شهدت له الأخبار، ومن هو بهذه الصفة من كمال الخلقة، كان دواعى هذا أغلب عليه، وكان ما عداها منسوباً إلى نقص الجبلة، وضعف النجيزة، فأبيح له الزيادة على أربع، ومنع غيره من أمته ذلك، لغلبة الخوف ألا يعدلوا فيهن، ولا يقوموا بحقوقهن، وأمن ذلك منه ﵇ ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية إلى قوله: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ (٤) فعلق الحكم بالعلة المقرونة بالذكر، وهى من خوف ألا يعدلوا، وكانت العلة مرتفعة فى حقه ﵇.
قال: ويبين ذلك إباحته من الإماء كان بغير حد ولا عدد، بقوله: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ إذ لم يكن للإماء من الحق ما للحرائر من التسوية والتعديل.
قال: وأيضاً فإن النبى ﷺ لا يجوز عليه مواقعة ما لا يحل من الاستمتاع ولا تطلّع
стр. 2592
٥٢ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: قَالَ عَطَاءٌ: كَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوْتًا؛ مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ.
ــ
النفس إلى ما فى أيدى رجال أمته، ولم يتسع أولاً حاله لاقتناء الإماء ليستكثر منهن، فوسع عليه فى الحرائر، واختير له أفضل النوعين. ولهذا قال بعض السلف: إنه لم يكن يجوز له ﵇ نكاح حرائر الذميات بخلاف أمته، قال غيره: لئلا تكون كافرة أماً للمسلمين. قال الخطابى: ولأنه ﵇ حض على النكاح، ونهى عن التبتل، فكان ﵇ أولاهم باستيفاء ما دعى إليه، والاستكثار فيه، ليفتدى به الإماء، إلا ما خص به من ذلك.
وقول عطاء: التى لا يقسم لها صفية بنت حيى، كذا جاء فى هذا الحديث. قال الطحاوى: وهو وهم، وصوابه: سودة كما تقدم، فى الأحاديث المتقدمة إذ وهبت يومها لعائشة، وإنما غلط فيه ابن جريج، وهو راوى هذا الحديث عن عطاء.
قال القاضى: قد ذكر غيره فى قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية (١): كان ممن آوى إليه عائشة وأم سلمة وزينب وحفصة وكان قسمه من نفسه وماله فيهن بالسواء. وكان ممن أرجأ سودة وجويرة وصفية وأم حبيبة وميمونة، فكان يقسم لهن ما شاء، فهذا يدل أن القسم فى حقه ﵇ غير واجب، ولعل رواية ابن جريج هنا صحيحة، وأخبر عن آخر أمره ﵇ وأنه توفى وقد آوى جميعهن إلا صفية، فأرجأها ولم يقسم لها، إذ كان قد جعل الله له أن يؤوى إليه من يشاء ويرجى من يشاء.
وقوله: " قال عطاء: كانت آخرهن موتاً، ماتت بالمدينة ": ظاهره أنه أراد ميمونة المذكورة وَفَاتُهَا، وقد ذكر أول الحديث أنها توفيت بسرف، وسرف عنى ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة، وقيل: اثنا عشر ميلاً. ولا خلاف أن ميمونة توفيت بسرف، فقوله: " بالمدينة " على هذا وهم. وهى آخرهن موتاً، فقيل: إنها ماتت سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ست وستين، وقد قيل: إنها توفيت سنة إحدى وخمسين قبل عائشة، فإن عائشة توفيت بعد هذا سنة سبع، وقيل ثمان وخمسين، وأما صفية فتوفيت سنة خمسين، وزينب توفيت آخر أيام عمر بن الخطاب.
стр. 2593
(١٥) باب استحباب نكاح ذات الدين
٥٣ - (١٤٦٦) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ".
ــ
وقوله: " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك "، قال الإمام: فى ظاهر هذا حجة لقولنا: إن المرأة إذا دفع لها فى الصداق الزوج ليسارها، ولأنها تسوق إلى بيته من الجهاز ما جرت عادة أمثالها به، وجاء الأمر بخلافه، فإن للزوج مقالاً فى ذلك، ويحط من الصداق الزيادة التى زادها لأجل الجهاز، على الأصح عندنا على أصلنا، إذا كان المقصود من الجهاز فى حكم التبع، لاستباحته البضع، كمن اشترى سلعتين فاستحقت الأدنى منهما، فإنه إنما ينقضى البيع فى قدر المستحقة خاصة.
وقوله: " لحسبها ": قال الهروى: احتاج أهل العلم لمعرفة الحسب؛ لأنه مما يعتبر فى مهر مثل المرأة، قال شمر: الحسب: الفعال الحين للرجل وآبائه، مأخوذ من الحساب، إذا حسبوا مناقبهم، وذلك أنهم إذا تفاخروا عدّ كل واحد منهم مناقبه، ومآثر آبائه، وحسبوا. فالحسب: العدد، المعدود حسبٌ، كالنَّقْضِ والنَّقَضِ، والخَبْطِ والخَبَطِ. وفى حديث آخر: " كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه " (١).
وللحسب معنى آخر، وهو عدد ذوى قرابته. بيان ذلك حديثه ﵇ لما قدم عليه وفد هوازن يكلمونه فى سبيهم، قال لهم رسول الله ﷺ : " اختاروا: إما المال، وإما السبى "، فقالوا: أما إذ خيرتنا بين المال والحسب، فإنا نختار الحسب، فاختاروا أبناءهم ونساءهم (٢) وفى حديث سماك: " ما حسبوا ضيفهم " أى ما أكرموه، وفى حديث
стр. 2594
٥٤ - (٧١٥) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: تزَوَّجْتُ امْرَأَةً فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَقِيتُ النَّبِىَّ ﷺ . فَقَالَ: " يَا جَابِرُ، تَزَوَّجْتَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " بِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟ ". قُلْتُ: ثَيِّبٌ. قَالَ: " فَهَلا بِكْرًا تُلاعِبُهَا؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِى أَخَواتٍ، فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِى وَبَيْنَهُنَّ. قَالَ: " فَذَاكَ إِذَنْ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا، وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ".
ــ
طلحة: هذا ما اشترى طلحة [من فلان] (١) بكذا وكذا درهماً. والحسب الطيب، أى الكرامة وطيب النفس، وحسبت الرجل: أجلسته على الحسبانة، وهى الوسادة.
قال القاضى: ظاهر كلامه إباحة النبى ﷺ النكاح للمال والحسب وبقية الأوصاف، وهو كما قال، لكنه آثر ﵇ مقصد الدين، وحض عليه وأغرى به وقال الداودى فى معناه: إنما أخبر ﵇ بما يفعله الناس، ليس أنه أمر بذلك، وقد تقدم القول على قوله: " فعليك بذات الدين تربت يداك "، وقول من قال: افتقرت وتعبت إن لم تفعل، وقول من قال: معناه: لله درك إن فعلت ما أمرتك به، وغير ذلك من معانى " تربت يداك " فى كتاب الطهارة.
واختلف العلماء فى مراعاة الكفاءة فى النكاح، وما هى؟ فعند مالك: الكفاءة: الدين، والمسلمون بعضهم لبعض أكفاء، والمولى كفء للقرشية، وروى مثله عن عمر وابن مسعود وجماعة من الصحابة والتابعين. وقال غيره: الكفاءة معتبرة فى الحال والنسب، فعند أبى حنيفة: قريش كلهم أكفاء، وليس غيرهم من العرب لهم بكفء وكذلك العرب أكفاء بعضهم لبعض، وليس الموالى لهم بأكفاء، وممن له من الموالى آباء فى الإسلام بعضهم لبعض أكفاء، وليس المعتق نفسه بكفء لمن له الآباء فى الإسلام.
وقال الشافعى: ليس نكاح غير الكفء بمحرّم فأردّه، وإنما هو حق للمرأة والأولياء، فإن تراضى جميعهم بغير كفء جاز. وقال الثورى: يفرق بين العربية والمولى، ويشدّد فى ذلك. وقال أحمد: قال الخطابى: الكفاءة فى قول أكثر العلماء فى أربعة: الدين والنسب والحرية والصناعة. واعتبر بعضهم السلامة من العيوب واليسار.
قال بعض شيوخنا: الكفآء فى الدين: المتشاكلون كان كان بينهم تفاضل، وكذلك يكون أيضًا المراعاة فى الحال والنسب والمال، لا أنه يكون بقدر واحد وغير متقارب، بل
стр. 2595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكونان ممن ينطلق عليه اسم الشرف واسم الحسب أو المال، وإن كان بعضهم أعلى درجة فيه من بعض، إلا أن يكون إحداهما خالياً منه بالكلية.
وفى قوله: " تنكح لمالها " قال بعضهم: فيه دليل أن للرجل الاستمتاع بمال الزوجة وأنه يقصد لذلك، وإلا فكانت كالفقيرة، ولم يكن بهذا الكلام فائدة، فإن طابت به نفسها فهو حلال وإن منعت فله بقدر ما بذلك من الصداق. وعلى هذا اختلفوا فى إجبارها على التجهيز بصداقها، فألزمها ذلك مالك ولم يجز لها منه قضاء دين ولا نفقته لغير جهازها، إلا أن تنفق اليسير من الكثير. وقال الكوفيون: لا تجبر على شىء، وهو مالها تفعل فيه ما تشاء.