رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلا تُزَعْزِعُوا، وَلا تُزَلْزِلُوا، وَارْفُقُوا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعٌ، فَكَانَ يَقْسِمُ لثمَانٍ وَلا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ.
قَالَ عَطَاءٌ: الَّتِى لا يَقْسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىِّ بْنِ أَخْطَبَ.
ــ
وهبت نفسها للنبى ﷺ . وقيل: هى أم شريك، وقيل: زينب بنت خزيمة.
وقوله: " وكان عند رسول الله ﷺ تسع، فكان يقسم لثمان، ولا يقسم لواحدة ": هذا مما خص به النبى ﵇ أيضاً. قال الشافعى: إن الله تعالى لما خص به رسوله ﷺ من وحيه، وأبان بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته، افترض عليه أشياء، خففها على خلقه، ليزيد بها قربة إليه، وأباح له أشياء حظرها على خلقه، زيادة فى كرامته، وتبييناً لفضيلته، فمن ذلك؛ أن كل من ملك زوجة فليس يخيّرها، وأمره الله أن يخير نساءه فاخترنه، وقال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْد﴾ (١). قالت عائشة: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء التى حظرت عليه، وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِي﴾ الآية (٢)، وقال: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ الآية (٣)، فأبانهن من النساء، وخصه بأن جعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم.
وقال الخطابى كلاماً معناه: أن الله ، اختار لنبيه ﵇ من الأمور أفضلها، وجمع له الفضائل التى يزداد بها فى نفوس العرب جلالة وفخامة، وكانت العرب تفاخر بقوة النكاح، وكان ﵇ من قوة البنية، واعتدال المزاج، على ما شهدت له الأخبار، ومن هو بهذه الصفة من كمال الخلقة، كان دواعى هذا أغلب عليه، وكان ما عداها منسوباً إلى نقص الجبلة، وضعف النجيزة، فأبيح له الزيادة على أربع، ومنع غيره من أمته ذلك، لغلبة الخوف ألا يعدلوا فيهن، ولا يقوموا بحقوقهن، وأمن ذلك منه ﵇ ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية إلى قوله: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ (٤) فعلق الحكم بالعلة المقرونة بالذكر، وهى من خوف ألا يعدلوا، وكانت العلة مرتفعة فى حقه ﵇.
قال: ويبين ذلك إباحته من الإماء كان بغير حد ولا عدد، بقوله: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ إذ لم يكن للإماء من الحق ما للحرائر من التسوية والتعديل.
قال: وأيضاً فإن النبى ﷺ لا يجوز عليه مواقعة ما لا يحل من الاستمتاع ولا تطلّع
стр. 2592
٥٢ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: قَالَ عَطَاءٌ: كَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوْتًا؛ مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ.
ــ
النفس إلى ما فى أيدى رجال أمته، ولم يتسع أولاً حاله لاقتناء الإماء ليستكثر منهن، فوسع عليه فى الحرائر، واختير له أفضل النوعين. ولهذا قال بعض السلف: إنه لم يكن يجوز له ﵇ نكاح حرائر الذميات بخلاف أمته، قال غيره: لئلا تكون كافرة أماً للمسلمين. قال الخطابى: ولأنه ﵇ حض على النكاح، ونهى عن التبتل، فكان ﵇ أولاهم باستيفاء ما دعى إليه، والاستكثار فيه، ليفتدى به الإماء، إلا ما خص به من ذلك.
وقول عطاء: التى لا يقسم لها صفية بنت حيى، كذا جاء فى هذا الحديث. قال الطحاوى: وهو وهم، وصوابه: سودة كما تقدم، فى الأحاديث المتقدمة إذ وهبت يومها لعائشة، وإنما غلط فيه ابن جريج، وهو راوى هذا الحديث عن عطاء.
قال القاضى: قد ذكر غيره فى قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية (١): كان ممن آوى إليه عائشة وأم سلمة وزينب وحفصة وكان قسمه من نفسه وماله فيهن بالسواء. وكان ممن أرجأ سودة وجويرة وصفية وأم حبيبة وميمونة، فكان يقسم لهن ما شاء، فهذا يدل أن القسم فى حقه ﵇ غير واجب، ولعل رواية ابن جريج هنا صحيحة، وأخبر عن آخر أمره ﵇ وأنه توفى وقد آوى جميعهن إلا صفية، فأرجأها ولم يقسم لها، إذ كان قد جعل الله له أن يؤوى إليه من يشاء ويرجى من يشاء.
وقوله: " قال عطاء: كانت آخرهن موتاً، ماتت بالمدينة ": ظاهره أنه أراد ميمونة المذكورة وَفَاتُهَا، وقد ذكر أول الحديث أنها توفيت بسرف، وسرف عنى ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة، وقيل: اثنا عشر ميلاً. ولا خلاف أن ميمونة توفيت بسرف، فقوله: " بالمدينة " على هذا وهم. وهى آخرهن موتاً، فقيل: إنها ماتت سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ست وستين، وقد قيل: إنها توفيت سنة إحدى وخمسين قبل عائشة، فإن عائشة توفيت بعد هذا سنة سبع، وقيل ثمان وخمسين، وأما صفية فتوفيت سنة خمسين، وزينب توفيت آخر أيام عمر بن الخطاب.
стр. 2593
(١٥) باب استحباب نكاح ذات الدين
٥٣ - (١٤٦٦) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ".
ــ
وقوله: " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك "، قال الإمام: فى ظاهر هذا حجة لقولنا: إن المرأة إذا دفع لها فى الصداق الزوج ليسارها، ولأنها تسوق إلى بيته من الجهاز ما جرت عادة أمثالها به، وجاء الأمر بخلافه، فإن للزوج مقالاً فى ذلك، ويحط من الصداق الزيادة التى زادها لأجل الجهاز، على الأصح عندنا على أصلنا، إذا كان المقصود من الجهاز فى حكم التبع، لاستباحته البضع، كمن اشترى سلعتين فاستحقت الأدنى منهما، فإنه إنما ينقضى البيع فى قدر المستحقة خاصة.
وقوله: " لحسبها ": قال الهروى: احتاج أهل العلم لمعرفة الحسب؛ لأنه مما يعتبر فى مهر مثل المرأة، قال شمر: الحسب: الفعال الحين للرجل وآبائه، مأخوذ من الحساب، إذا حسبوا مناقبهم، وذلك أنهم إذا تفاخروا عدّ كل واحد منهم مناقبه، ومآثر آبائه، وحسبوا. فالحسب: العدد، المعدود حسبٌ، كالنَّقْضِ والنَّقَضِ، والخَبْطِ والخَبَطِ. وفى حديث آخر: " كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه " (١).
وللحسب معنى آخر، وهو عدد ذوى قرابته. بيان ذلك حديثه ﵇ لما قدم عليه وفد هوازن يكلمونه فى سبيهم، قال لهم رسول الله ﷺ : " اختاروا: إما المال، وإما السبى "، فقالوا: أما إذ خيرتنا بين المال والحسب، فإنا نختار الحسب، فاختاروا أبناءهم ونساءهم (٢) وفى حديث سماك: " ما حسبوا ضيفهم " أى ما أكرموه، وفى حديث
стр. 2594
٥٤ - (٧١٥) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: تزَوَّجْتُ امْرَأَةً فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَقِيتُ النَّبِىَّ ﷺ . فَقَالَ: " يَا جَابِرُ، تَزَوَّجْتَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " بِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟ ". قُلْتُ: ثَيِّبٌ. قَالَ: " فَهَلا بِكْرًا تُلاعِبُهَا؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِى أَخَواتٍ، فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِى وَبَيْنَهُنَّ. قَالَ: " فَذَاكَ إِذَنْ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا، وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ".
ــ
طلحة: هذا ما اشترى طلحة [من فلان] (١) بكذا وكذا درهماً. والحسب الطيب، أى الكرامة وطيب النفس، وحسبت الرجل: أجلسته على الحسبانة، وهى الوسادة.
قال القاضى: ظاهر كلامه إباحة النبى ﷺ النكاح للمال والحسب وبقية الأوصاف، وهو كما قال، لكنه آثر ﵇ مقصد الدين، وحض عليه وأغرى به وقال الداودى فى معناه: إنما أخبر ﵇ بما يفعله الناس، ليس أنه أمر بذلك، وقد تقدم القول على قوله: " فعليك بذات الدين تربت يداك "، وقول من قال: افتقرت وتعبت إن لم تفعل، وقول من قال: معناه: لله درك إن فعلت ما أمرتك به، وغير ذلك من معانى " تربت يداك " فى كتاب الطهارة.
واختلف العلماء فى مراعاة الكفاءة فى النكاح، وما هى؟ فعند مالك: الكفاءة: الدين، والمسلمون بعضهم لبعض أكفاء، والمولى كفء للقرشية، وروى مثله عن عمر وابن مسعود وجماعة من الصحابة والتابعين. وقال غيره: الكفاءة معتبرة فى الحال والنسب، فعند أبى حنيفة: قريش كلهم أكفاء، وليس غيرهم من العرب لهم بكفء وكذلك العرب أكفاء بعضهم لبعض، وليس الموالى لهم بأكفاء، وممن له من الموالى آباء فى الإسلام بعضهم لبعض أكفاء، وليس المعتق نفسه بكفء لمن له الآباء فى الإسلام.
وقال الشافعى: ليس نكاح غير الكفء بمحرّم فأردّه، وإنما هو حق للمرأة والأولياء، فإن تراضى جميعهم بغير كفء جاز. وقال الثورى: يفرق بين العربية والمولى، ويشدّد فى ذلك. وقال أحمد: قال الخطابى: الكفاءة فى قول أكثر العلماء فى أربعة: الدين والنسب والحرية والصناعة. واعتبر بعضهم السلامة من العيوب واليسار.
قال بعض شيوخنا: الكفآء فى الدين: المتشاكلون كان كان بينهم تفاضل، وكذلك يكون أيضًا المراعاة فى الحال والنسب والمال، لا أنه يكون بقدر واحد وغير متقارب، بل
стр. 2595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكونان ممن ينطلق عليه اسم الشرف واسم الحسب أو المال، وإن كان بعضهم أعلى درجة فيه من بعض، إلا أن يكون إحداهما خالياً منه بالكلية.
وفى قوله: " تنكح لمالها " قال بعضهم: فيه دليل أن للرجل الاستمتاع بمال الزوجة وأنه يقصد لذلك، وإلا فكانت كالفقيرة، ولم يكن بهذا الكلام فائدة، فإن طابت به نفسها فهو حلال وإن منعت فله بقدر ما بذلك من الصداق. وعلى هذا اختلفوا فى إجبارها على التجهيز بصداقها، فألزمها ذلك مالك ولم يجز لها منه قضاء دين ولا نفقته لغير جهازها، إلا أن تنفق اليسير من الكثير. وقال الكوفيون: لا تجبر على شىء، وهو مالها تفعل فيه ما تشاء.
стр. 2596
(١٦) باب استحباب نكاح البكر
٥٥ - (...) حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَقَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ ". قُلْتُ: نَعَم. قَالَ: " أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ ". قُلْتُ: ثَيِّبًا. قَالَ: " فَأَيْنَ أَنَتَ مِنَ العَذَارَى وَلِعَابِهَا؟ ".
قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ جَابِرٍ. وَإِنَّمَا قَالَ: " فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ؟ ".
ــ
وقول النبى ﷺ لجابر: " فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك "، قال الإمام: قال بعضهم: يحتمل أن يكون أراد بقوله: " تلاعبها " من اللعاب، ويدل عليه ما فى بعض طرق مسلم: " فأين أنت من العذارى ولعابها "، وما جاء فى الحديث الآخر: " أنهن أطيب أفواهاً، وأنتق أرحاماً " (١)، ورواية أبى ذر فى البخارى، من طريق المستملى: " ولعابها " بالضم (٢).
قال القاضى: أكثر المتكلمين على الحديث حملوا الملاعبة، من اللعب، بدليل قوله فى الحديث: " تضاحكها وتضاحكك "، وفى كتاب أبى عبيد: " تداعبها وتداعبك "، وروايتنا فى كتاب مسلم: " لِعابها " بكسر اللام، وهو مصدر لاعب، من الملاعبة، كالقتال من المقاتلة.
وفى الحديث فضل تزويج الأبكار، ولاسيما للشباب. وفيه سؤال الإمام رعيته عن أمورها، وتفقده مصالحها، وأن مرغوب النكاح الاستمتاع والاستلذاذ، وبقدر ذلك تكون الألفة، وذلك فى الأبكار أوجد. وفيه جواز ملاعبة الأهل والترغيب فيها، وقد مدح الله تعالى نساء أهل الجنة فقال: ﴿عُرُبًا أَتْرابًا﴾ (٣). قيل: العُرب: المتحببات لأزواجهن، وقيل: الحسنة التبعل، وهو من هذا.
وقول جابر فى اعتذاره عن زواج الثيب ما ذكر من قيامها على أخواته، وتصويب النبى ﷺ ذلك له، ما هو الأولى من إيثار مصلحة الحال والنفس والآل على شهواتها ولذاتها. وفيه ما يلزم المرأة من القيام بمصالح زوجها، وما تندب إليه من برّ إليه، والقيام
стр. 2597
٥٦ - (...) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ - أَوْ قَالَ: سَبْعَ - فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً ثَيِّبًا. فَقَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا جَابِرُ، تَزَوَّجْتَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " فَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ؟ " أَوْ قَالَ: " تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ - أَوْ سَبْعَ - وَإِنِّى كَرِهْتُ أَنْ آتِيَهُنَّ أَوْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَجِىءَ بِامْرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ. قَالَ: " فَبَارَكَ اللهُ لَكَ "، أَوْ قَالَ لِى خَيْرًا. وَفِى رِوَايَةِ أَبِى الرَّبِيعِ: " تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ ".
(...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَلْ نَكَحْتَ يَا جَابِرُ؟ "، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ قَالَ: " أَصَبْتَ "، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٥٧ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى غَزَاةٍ، فَلَمَّا أَقْبَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِى قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِى رَاكِبٌ خَلْفِى، فَنَخَسَ بَعِيرِى بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بَعِيرِى كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الإِبِلِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " مَا يُعْجِلُكَ يَا جَابِرُ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ؛ فَقَالَ: " أَبِكْرًا تَزَوَّجْتهَا أَمْ ثَيِّبًا؟ ". قَالَ:
ــ
على أموره وإن لم يجب ذلك عليها.
وقوله: " تعجلت على بعير لى قَطُوفٍ ": هو البطىء المشى، قاله أبو زيد. وقال الخليل: هو البطىء المتقارب الخطو، وقد جاء فى الرواية الأخرى مفسراً من قوله: " فأبطأ بى جملى "، وفى الأخرى: " على ناضحٍ، إنما هو فى أخريات الناس ". والناضح: الجمل، سمّى بذلك لأنه ينضح عليه الماء! أى يستقى به.
قال الإمام: القطوف: الذى يقارب الخطو فى سرعة، قال الثعالبى: إذا جاء الفرس يمشى وثباً وثباً فهو قطوف، فإن كان يرفع يديه ويقوم على رجليه فهو شبوب، فإذا كان يلتوى براكبه حتى يسقط عنه فهو قموص، فإذا كان مانعاً ظهره فهو شموس.
وقوله: " فنخس بعيرى بعنزة ": قَال أبو عبيد فى مصنفه: هى قيد نصف الرمح أو أكبر شىء، وفيها زج مثل زج الرمح، قال الثعالبى: فإن طالت شيئًا فهى نيزك،
стр. 2598
قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا. قَالَ: " هَلا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ؟ ".
قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ. فَقَالَ: " أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلاً - أَى عِشَاءً - كَىْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ ".
قَالَ: وَقَالَ: " إِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ ".
(...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِىَّ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى غَزَاةٍ فَأَبْطَأَ بِى جَمَلِى، فَأَتَى عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِى: " يَا جَابِرُ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " مَا شأنُكَ؟ ". قُلْتُ: أَبْطَأَ بِى جَمَلِى وَأَعْيَا فَتَخَلَّفْتُ. فَنَزَلَ فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنِهِ. ثُمَّ قَالَ: " ارْكَبْ "، فَرَكِبْتُ، فَلَقدْ رَأَيْتُنِى أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " أَتَزَوَّجْتَ؟ ".
ــ
ومِطْرد، فإذا زاد طولها وفيها سنان عريضة فهى آلة وحربة.
قال القاضى: جاء فى الرواية الأخرى: " فحجنه بمحجن ": أى نخسه به، والمحجن عصا فيها تعقف، يلتفظ بها الشىء من الأرض، وتلوى بها عنق الشاة، وتحبس إذا ندَّت.
وقوله: " فلقد رأيتنى أكفه ": أى أحبسه، وفى الرواية الأخرى: " فانطلق بعيرى كأجود ما أنت راء من الإبل ": فيه معجزة من معجزاته، وعلامة من علامات نبوته، وبركة من بركات لمسه ويده ﵇.
وقوله: " فلما أقفلنا ": كذا لابن ماهان، ولابن سفيان: " أقبلنا " ووجه الكلام: " قفلنا " ثلاثى، يقال: قفل الجيش والرفقة، وأقفلهم الأمير وقفلهم وقفّلهم أيضاً، قيل: لعله " قفلنا "، وقد يحتمل على الرواية أن يكون " أقفلنا " بفتح اللام، أى أقفلنا النبى ﵇ المذكور قبل، وأقفلنا على ما لم يسقى فاعله، أو يكون: أقفل بعضنا بعضاً بأمر النبى ﷺ بذلك.
وقوله: " أمهلوا حتى ندخل ليلاً - أى عشاء - كى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة "، قال الإمام: الاستحداد: استفعال من الحديد، يعنى الاستحلاق به، وقد تقدم ذكره. والمغيبة: التى غاب عنها زوجها، يقال: [غابت المرأة، أى غاب عنها زوجها] (١) فهى مغيبة بالهاء، وأشهدت إذا حضر زوجها، فهى مُشْهد بغير هاء.
стр. 2599
فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: " أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ ". فَقُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ. قَالَ: " فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ؟ ". قُلْتُ: إِنَّ لِى أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ. قَالَ: " أَمَا إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ ". ثُمَّ قَالَ: " أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. فَاشْتَرَاهُ مِنِّى بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجَدِ. فَقَالَ: " الآنَ حِينَ قَدِمْتَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " فَدعْ جَمَلَكَ وَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ". قَالَ: فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَمَرَ بِلالاً أَنْ يَزِنَ لِى أُوقِيَّةً، فَوَزَنَ لِى بِلالٌ، فَأَرْجَحَ فِى الْمِيزَانِ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ. فَلَمَّا وَلَّيْتُ قَالَ: " ادْعُ لِى جَابِرًا "، فَدُعِيتُ، فَقُلْتُ: الآنَ يَرُدُّ عَلَّى الْجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ أَبْغَضَ إِلَى مِنْهُ. فَقَالَ: " خذْ جَمَلَكَ، وَلَكَ ثَمَنُهُ ".
٥٨ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا فِى مَسِيرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ، إِنَّمَا هُوَ فِى أُخْرَياتِ النَّاسِ. قَالَ: فَضَرَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . أَوْ قَالَ: نخَسهُ - أُرَاهُ قَالَ - بِشَىءٍ كَانَ مَعَهُ. قَالَ: فَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَقَدَّمُ النَّاسَ، يُتَازِعُنِى حَتَّى إِنِّى لأَكُفُّهُ.
ــ
قال القاضى: قال الداودى فى قوله: " تستحد المغيبة " توقير المرأة منها ذلك مدة مغيب زوجها لتدل على صحتها، وهذا إن كان يشير أنه سنة، فلا أصل له، ولا هو بين من الحديث، وإنما أشار في الحديث إلى ما جرت به عادتهن غالباً. وفيه حضه ﷺ على مكارم الأخلاق، وحسن العشرة، والتأنى وترك العجلة، واستجلاب كل ما يوجب الألفة، ودوام الصحبة، وألا يستغفل أهله ويطرقهم؛ لئلا يجد منهم رائحة وشعثاً يكرهه، ويكون سبب زهده وبغضه فيهن، وإمهالهم هنا حتى يدخلوا ليلاً يسبق خبرهم إلى أزواجهم فيستعدوا لهم.
ولا يعارض هذا النهى عن أن يطرق الرجل أهله ليلاً؛ لأن ذلك إذا لم يتقدمه خبر ليلاً، يستغفلهم، ويرى منه ما يكره من هذا وغيره بل هو موافق له، وقد جاء هذا مبيناً فى حديثه الآخر الذى ذكره فى الجهاد: " كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوة أو عشية " (١).
وقوله: " فإذا قدمت فالكيس الكيس "، قال ابن الأعرابى: الكيس: الجماع،
стр. 2600
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا؟ وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ ". قَالَ: قُلْتُ: هَوَ لَكَ يَا نَبِىَّ اللهِ. قَالَ: " أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَاَ؟ وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ ". قَالَ: قُلْتُ: هُوَ لَكَ يَا نَبِىَّ اللهِ. قَالَ: وَقالَ لِى: " أَتَزَوَّجْتَ بَعْدَ أَبِيكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " ثَيِّبًا أَمْ بِكْرًا؟ ". قَالَ: قُلْتُ: ثَيِّبًا. قَالَ: " فَهَلا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُضَاحِكُكَ وَتُضَاحِكُهَا، وَتُلاعِبُكَ وَتُلاعِبُهَا؟ ".
قَالَ أَبُو نَضْرَةَ: فَكَانَتْ كَلِمَةً يَقُولُهُا الْمُسْلِمُونَ، افْعَلْ كَذَا وَكَذَا، وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ.
ــ
والكيس: العقل، فكأنه جعل طلب الولد عقلاً، ومنه الحديث: " أى المؤمنين أكيس " (١) أى أعقل.
وقوله حين قدم: " ادخل فصلِّ ركعتين ": سنة فى صلاة القادم من السفر. ودفعه له ثمن الجمل من مكارم أخلاقه ﵇. سيأتى بقية الكلام على ما فى هذا الحديث فى البيوع.
رَضِىَ مِنْهَا آخَرَ " أَوْ قَالَ: " غَيْرَهُ ".
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا عِمْرَانُ بْنُ أَبِى أَنَسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
ــ
ألا تراه كيف قال: " إن كره منها خلقاً رضى منها آخر ". وأصل الفَرْك إنما هو فى النساء، واستعمل فى الرجال قليلاً وتجوزاً، كما جاء هنا، وكما قال فى الخبر المعروف: "حسناً فلا تفرك ": أى لا تبغض.
стр. 2604
(١٩) باب لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر
٦٤ - (١٤٧٠) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بَنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو ابْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ - مَوْلَى أَبِى هُرَيْرَةَ - حَدَّثَهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَوْلا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ ".
٦٥ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ. مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْلا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ، وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ. وَلوْلا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ ".
ــ
وقوله: " لولا حواء لم تخن أنثى زوجها ": يعنى أنها أمهن فأشبهنها بالولادة ونزع العرق، لما جرى لها فى قصة الشجرة مع إبليس، وأن إبليس إنما بدأ بحواء فأغواها وزين لها، حتى جعلها تأكل من الشجرة، ثم أتت آدم فقالت له مثل ذلك حتى أكل أيضاً هو. وقوله: " ولولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام، ولم يخنز اللحم "، قال الإمام: يقال: خنز اللحم، بفتح النون فى الماضى، وبكسرها فيه أيضاً، والمصدر فيه خنزاً وخنوزاً، إذا تغير وأنتن، ومثله خزن بكسر الزاى، يخزن خزناً وخزناً، قال طرفة:
نحن لا يخزن فينا لحمنا ... إنما يخزن لحم المدخر
ويروى:
إنما يخنز لحم المدخر
قال القاضى: تفسيره: لما نزل على بنى إسرائيل المن والسلوى، كان المن يسقط عليهم فى مجالسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، كسقوط البلح، فيؤخذ منه بقدر ما يكفى ذلك اليوم، إلا يوم الجمعة فيأخذون منه للجمعة والسبت، فإن تعدوا إلى أكثر فسد.
стр. 2605
شَرْحُ صَحِيح مُسْلِم لِلقَاضِى عِيَاض
المُسَمَّى
إِكْمَال المُعلِم بِفَوَائِدِ مُسْلِم
لِلإمَام الحَافظ أبى الفضل عيَاض بن مُوسَى بن عيَاض اليَحْصَبِى
ت ٥٤٤ هـ
تحْقِيق
الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل
الجزءُ الخَامِسُ
стр. 2606
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤١٩هـ - ١٩٩٨م
دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - ج. م. ع - المنصورة
الإدارة: ش الإمام محمد عبده المواجه لكلية الآداب ص. ب ٢٣٠
ت: ٣٤٢٧٢١/ ٣٥٦٢٢٠/ ٣٥٦٢٣٠ فاكس ٣٥٩٧٧٨
المكتبة: أمام كلية الطب ت ٣٤٧٤٢٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨ - كتاب الطلاق
(١) باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، وأنه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها
١ - (١٤٧١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمىَّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِىْ حَائِضٌ فِى عَهْدِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللِه ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ
ــ
كتاب الطلاق
حديث ابن عمر، وأمر النبى ﷺ له، لما طلق امرأته وهى حائض أن يراجعها، ثم يتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وان شاء طلق -[الحديث] (١)، قال الإمام: الطلاق فى الحيض محرم، ولكنه إن وقع لزم، وقد ذكرها هنا ابن عمر، أنه اعتد بها، وذهب بعض الناس ممن شذ أنه لا يقع الطلاق، وذكر فى هذا الحديث، أنه لم يعتد بها، ورواية مسلم ها هنا أصح، وهكذا ذكر بعض الناس أيضاً أنه طلقها ثلاثاً وذكر مسلم عن ابن سيرين أنه أقام عشرين سنة يحدثه من لا يهتم، أنه طلقها ثلاثاً، [وذكر مسلم] (٢): حتى لقى الباهلى وكان ذا ثبت، فحدثه عن ابن عمر، أنه طلقها تطليقة، وقد نص مسلم على أنها تطليقة واحدة، من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر، وأمره بمراجعتها واجب عندنا، خلافاً لأبى حنيفة والشافعى، ولا حجة لهما إن قالا: فإن الآمر لابن عمر بالمراجعة أبوه - رضى الله عنه - وليس لأبيه أن يضع الشرع، لأن أباه إنما أمره بأمر النبى ﷺ ، فهو مبلغ [إليه] (٣) أمر النبى ﷺ .
ومما يسأل عنه فى هذا الحديث، أن يقال: لم أمره ﷺ أن يؤخر الطلاق إلى طهر آخر بعد [هذا] (٤) الطهر الذى يلى حيضة الطلاق، وأجاب الناس عن هذا بأجوبة كثيرة:
أحدها: أن الطهر الذى يلى الحيض والحيضة التى قبلها الموقع فيها الطلاق، كالقرء
стр. 2609
بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ ".
ــ
الواحد، فلو طلق فيه لصار كموقع طلقتين فى قرء واحد، وهذا ليس هو طلاق السنة.
والجواب الثانى: أنه عاقبه بتأخير الطلاق تغليظاً عليه، جزاء عما فعل من المحرم عليه وهو الطلاق فى الحيض. وهذا معترض؛ لأن ابن عمر لم يكن ليعلم الحكم ولا تحقق التحريم فتعمد ركوبه، وحاشاه من ذلك، فلا وجه لعقوبته.
والجواب الثالث: إنه إنما أمره بالتأخير لأن الطهر الذى يلى الحيضة الموقع الطلاق فيها ينبغى أن ينهى عن الطلاق فيه حتى يطأ فيه فيتحقق الرجعة لئلا يكون إذا طلق فيه قبل أن تمس كمن ارتجع للطلاق لا للنكاح. واعتُرض هذا بأنه يوجب أن ينهى عن الطلاق قبل الدخول، لئلا يكون نكح أيضاً للطلاق لا للنكاح.
والجواب الرابع: أنه إنما نهى عن الطلاق فى هذا الطهر، ليطول مقامه معها،
والظن [من] (١) ابن عمر أنه لا يمنعها حقها من الوطء، فلعله إذا وطئها ذهب ما فى نفسه منها من الكراهة وأمسكها، ويكون ذلك حرصاً على ارتفاع الطلاق، وحضاً على استقبال الزوجة.
وذكر هاهنا فى الحديث: " وإن شاء طلق قبل أن يمس ": والطلاق فى الطهر، يكره إذا مسّ فيه، والعلة فى ذلك: أنه فيه تلبيس، فلا يدرى هل حملت فتكون عدتها بوضع أم لم تحمل فتكون عدتها الأقراء، وقد تظهر حاملاً، فيندم على الفراق، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه إن فعل أمر بالرجعة، كما يؤمر بها من طلق فى الحيض.
واختلف المذهب عندنا إذا لم يرتجعها [المطلق فى الحيض] (٢)، حتى جاء الطهر الذى أبيح له الطلاق فيه، فل يجبر على الرجعة فيه لأنه حق عليه، فلا يزول بزوال وقته؟ أم لا يجبر على ذلك لأنه قادر على إيقاع الطلاق فى الحال، فلا معنى للارتجاع؟.
قال القاضى: وقول مسلم: " جوّد الليث فى قوله: تطليقة واحدة ": يعنى أنه حفظ وأتقن ما لم يتقنه غيره من ذلك، ممن لم يفسّر كم الطلاق، أو من غلط فيه ووهم ممن قال: إنه طلقها ثلاثاً، وقد بين ذلك مسلم ﵀ فى أحاديثه.
وقوله: " فتلك العدة التى أمر الله أن يطلق لها النساء ": واختلف العلماء فى صفة
стр. 2610
(...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْحٍ - وَاللفظُ لِيَحْيَى - قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ - وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ - عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِىَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُرَاجَعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ منْ حَيْضَتِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ.
وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِى رِوَايَتِهِ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ لأَحَدِهِمْ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِى بِهَذَا، وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ، وَعَصَيْتَ اللهَ فِيمَا أَمَرَكَ مِنْ طَلاقِ امْرَأَتِكَ.
قَالَ مُسْلِمٌ: جَوَّدَ اللَّيْثُ فِى قَوْلِهِ: تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً.
٢ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهْىَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيَدَعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجاَمِعَهَا، أَوْ يُمْسِكْهَا، فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ ".
قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا صَنَعَتِ التَّطْلِيقَةُ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ اعْتَدَّ بِهَا.
ــ
طلاق السنة، فقال مالك وعامة أصحابه: هو أن يطلق الرجل امرأته تطليقة واحدة فى طهر لم يمسها فيه، ثم يتركها حتى تحل عدتها، وقاله الليث والأوزاعى. وقال أبو حنيفة وأصحابه: هذا أحسن الطلاق، وله قول آخر: [أنه] (١) إن شاء يطلقها ثلاثاً طلقها فى كل طهر مرّة، وكلاهما عند الكوفيين طلاق سنة، وقاله ابن مسعود. واختلف فيه قول أشهب، فقال مرة مثله، وأجاز أيضاً ارتجاعها ثم يطلق ثم يرتجع ثم يطلق فيتم
стр. 2611
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ عُبَيْدِ اللهِ لِنَافِعٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى فِى رِوَايَتِهِ: فَلْيَرْجِعْهَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَلْيُرَاجِعْهَا.
٣ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِىَّ ﷺ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا، ثمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ يَقُولُ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا. وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلاقِ امْرَأَتِكَ. وَبَانَتْ مِنْكَ.
٤ - (...) حدّثنى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِى يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ - وَهْوَ ابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ - عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ
ــ
الثلاث، وليس هذا عند غير هؤلاء طلاق سنة بل هو مكروه.
وقال الشافعى وأحمد وأبو ثور: ليس فى عدد الطلاق سنة ولا بدعة، وإنما ذلك فى الوقت، وما جاء من قوله هنا فى الحديث يدل على أن ما عدا ما وصف فيه طلاق بدعة. لكن أجمع أئمة الفتوى على لزومه إذا وقع إلا من لا يعتد به من الخوارج والروافض وحكى عن أبى علية.
وفى قوله: " فليراجعها ": دليل أن الطلاق غير البائن، لا يحتاج إلى ولىّ ولا رضا المرأة، قاله الخطابى، وليس ببين. قال بعض علمائنا: وجه الحكمة فى الطلاق فى طهر لم يمسّ فيه لتكون الحيضة براءة للرحم قبل الطلاق، مبالغة فى البراءة، كما أن مالكاً قد استحسن ذلك فى الجارية المبيعة قبل بيعها، وإن لم تجز مشتريها، وكما أن الثنتين من الثلاث بعد الطلاق للمبالغة والبراءة واقعة للواحدة بعد الطلاق، بدليل أنها إذا تزوجت بعد حيضة، فالولد من الثانى، فدل أن الواحدة هى للبراءة وقبلها من الأول، وإن كان ممكن أنها إذا تزوجت بعد حيضة منهما جميعاً لمدة فراق الأول ونكاح الثانى،
стр. 2612
قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِى وَهْىَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرَ للنَّبِىِّ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: " مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى
ــ
فدل أن الواحدة هى للبراءة، وتمييز الأنساب، وما بعدها مبالغة، كذلك ما قبلها، وقبل الطلاق. وذهب بعض شيوخنا إلى أن الحيضتين الأخريين عبادة، والاستبراء حاصل بالأولى كحكم الأربعة أشهر وعشر للمتوفى، وكونها عبادة، فألزمت من استبرأ لها، من صغيرة وغير مدخول بها، حتى أن الحسن وعطاء فى أخرى رأوا إلزامهن الأربعة الأشهر وعشراً، من حين تصح عندهن الوفاة، وإن تقدمت قبل ذلك، لكونها عبادة، وروى مثله عن على بن أبى طالب، وفقهاء الفتيا.
ومعظم السلف من الصحابة والتابعين لا يرون ذلك وأنها تلزم من يوم الموت، فإن لم يعلم به حتى انقضت لم يلزمها شىء، وإن بقى منها شىء فما بقى لا غير.
وذكر يحيى بن إسحاق فى كتابه عن ابن أبى حازم والمغيرة أن المطلقة فى طهر مُسَّت فيه لا يعتد به فى أقرائها، وتستأنف ثلاثة أطهار غيره على أصولهم.
قال الإمام: فيه دلالة لقول مالك أن الأقراء التى تعتد بها المرأة، هى الأطهار، خلافاً لأبى حنيفة فى قوله: إنها الحيض؛ لأنه قال: " فأن شاء طلق "، يعنى عند طهرها، ثم قال: " فتلك العدّة التى أمر الله أن يطلق لها النساء "، ومعنى " لها ": أى فيها، فأثبت ﵇ الطهر عدة، ولا تعلق لهم بقوله: " فتلك " وأن هذا لفظ تأنيث فتحمل على الحيضة، وأنه لو كان المراد به الطهر لقال فذلك؛ لأن المراد هاهنا تأنيث الحالة أو تأنيث العدة.
وكذلك تعلق أيضاً من تعلق من أصحابنا، بدخول الهاء فى الثلاث، فى قوله سبحانه: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوء﴾ (١) أنه دلالة على أن المراد [فى القرآن] (٢) بالأقراء: الأطهار، ولو أراد الحيضة لقال عز من قائل: " ثَلاث قُرُوء "؛ لأن العرب تدخل التاء فى عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة، وتحذفها من المؤنث، فإثباتها فى قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوء﴾ يدل على أن المراد الأطهار، وهذا غلط؛ لأن العرب قد تراعى فى التذكير والتأنيث اللفظ المقرون به العدد، فتقول: ثلاثة (٣) منازل، وهى تريد ثلاث ديار، وإن كانت الدار مؤنثة؛ لأن لفظ المنزل مذكر. وقد يعتبر المعنى أحياناً، قال ابن أبى ربيعة:
стр. 2613
حَيْضَتِها الَّتِى طَلَّقَها فِيهَا، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطلِّقها، فلْيُطَلِّقْها طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِها قَبْلَ أَنْ يَمَسُّها، فَذَلِكَ الطَّلاقُ لِلْعَدَّةِ كَما أَمَرَ اللهُ ".
ــ
فكأن مِجَنَّى، دون من كنت أتقى ... ثلاث شخوص كاعِبان ومُعْصِر
فأنث على معنى الشخوص، لا على [معنى] (١) اللفظ، وحكى أبو عمر وابن العلاء أنه سمع أعرابياً يقول: [فلان] (٢) جاءته كتابىّ فاحتقرها، قال: فقلت له القول: جاءته كتابى، فقال: أليس بصحيفة، فأخبر أنه أنّث مراعاة للفظ الصحيفة الذى لم يذكره لما كانت فى المعنى هى الكتاب المذكور، ونحو من هذا قول الشاعر:
أتهجر بيتنا بالحجاز تلفقت به ... الخوف والأعداء أم أنت زائر
أراد المخافة، فأنث لذلك. وقال آخر:
غفرنا وكانت من سجيتنا الغفر
أنث الغفر لأنه أراد المغفرة. وقد تعلق أصحاب أبى حنيفة بأن المصير إلى القول بالأطهار خروج عن ظاهر القرآن؛ لأن القرء فى اللغة يطلق على الطهر وعلى الحيض، وهو من الأسماء المشتركة، فإذا طلّق وقد مضى من الطهر شىء، فعندكم أنها تعتد ببقية الطهر، وهذا يوجب كون العدة قرأين وبعض ثالث. فإذا قلنا بالحيض، كانت العدة ثلاث أقراء كوامل؛ إذ لا يصح الطلاق فى الحيض، وقد أدى بابن شهاب هذا الاعتراض إلى أن ركب أن الطهر الذى وقع الطلاق فيه، وقد ذهب بعضه لا يعتد به، ويستأنف ثلاث تطهيرات (٣) سواء، وهذا مذهب انفرد به كل من قال بأن الأقراء هى الأطهار، يعتد بالطهر وإن مضى أكثره.
وقال بعضهم - مجيباً عن قول أصحاب أبى حنيفة -: إن القرء: التنقل من حال إلى حال، فالمستحق لهذه التسمية على موجب هذا الاشتقاق، وعلى ما أصّلناه آخر زمن الطهر الذى يليه الحيض، ويعقبه الانتقال من حال إلى حال، فعلى هذا يسقط ما قاله أصحاب أبى حنيفة، ويكون الاعتداد بثلاثة أقراء كوامل، وإن ذهب بعض الطهر.
وأجاب بعض أصحابنا - أيضاً - بجواب آخر، فقال: غير بعيد تسمية الشيئين وبعض الثالث ثلاثة، وقد قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَات﴾ (٤)، وهى شهران وعشرة أيام.
стр. 2614
وَكَانَ عَبْدُ اللهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللهِ
ــ
قال القاضى: اختلف السلف ومن بعدهم من العلماء واللغويين، فى مقتضى لفظة القرء في الآية، هل هو الحيض أو الطهر؟ أو هو منطلق عليهما حقيقة فيهما مشترك اشتراكا لا يظهر رجحان أحدهما على الآخر؟ مع أنه لا خلاف بينهم فى إطلاقه فى اللغة عليهما. وقيل: هو حقيقة فى الحيض، مجاز فى الطهر وقيل: هو مشتق من الوقت، وهو محتمل للوجهين، وقيل: من الجمع والتأليف، وهو ظاهر فى الطهر، وعليه شاهد قولهم: لم تقرأ جَنبنا. وقيل: من الانتقال من حال إلى حال، وهو المراد بالقرء، لا أنه اسم للطهر ولا للحيض، من قولهم: قرأ النجم: إذا أفل، وقرأ إذا طلع، كأنه قال: يتربصن بأنفسهن ثلاثة أدوار وثلاثة انتقالات [وهذا] (١) ظاهر فى الطهر والحيض جميعاً، ويستقيم الكلام بانتقالها من الطهر إلى الحيض.
قلنا: ولا يستقيم بانتقالها من الحيض إلى الطهر؛ إذ السنة الطلاق فى الطهر لا فى الحيض، ويعضد هذا أن براءة الرحم إنما تعرف بالانتقال من الطهر إلى الحيض. ولهذا كانت براءة استبراء الإماء إذا دل مجىء الحيض غالباً على براءة الرحم، ولا يستدل بانتقالها من الحيض إلى الطهر على ذلك؛ إذ قد تحمل الحائض آخر حيضها، فكانت الثلاث فى الحرائر كالواحدة فى استبراء الإماء. حكاه القاضى إسماعيل عن أبى عبيدة، وهذا اختيار الإمام أبى القاسم الطبرى والشافعى، ومتأخرى محققى أصحابنا، وهو حسن دقيق.
ثم اختلف القائلون: إنها الحيض، متى تنقض بها العدة؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه: حتى تغتسل من الثالثة، أو يذهب وقت صلاة، وهو قول جماعة من البصريين. وقال الثورى وزفر: حتى تغتسل من الثالثة، وقاله جماعة أيضاً، منهم: عمر وعلى وعبيد الله وإسحاق وأبو عبيد. وقال الأوزاعى في آخرين: بانقطاع الدم حلت، وعن إسحاق إذا طلعت فى الثالثة انقطعت الرجعة، ولكن لا تتزوج حتى تغتسل، مراعاة واحتياطاً للخلاف.
واختلف القائلون أيضاً: إنها الأطهار، متى تحل؟ هل بأول قطرة من دم تراها بعد انقضاء أمر آخر الأطهار؟ أم حتى يستمر حيضها مستقيمة؟ والقولان عندنا معروفان فى ذلك، وعلى هذا اختلافهم فى أقل الحيض كم هو.
стр. 2615
كَما أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
(...) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
ــ
وقوله: " مرهُ فليراجعها ": اختلف العلماء، هل هذا الأمر على الوجوب المطلق فى الحيض؟ وهو قول مالك وأصحابه، أو على الترغيب والحض؟ وإليه ذهب الأوزاعى والكوفيون والشافعى وأحمد وفقهاء أصحاب الحديث، قالوا: يؤمر ولا يجبر، ليقع الطلاق سنة.
قال الإمام: الرجعة تصح فى كل طلاق تقاصر عند نهاية ما يملك منه وليس معه فداء، ووقع بعد وطء المرأة بعقد صحيح ووطء جائز، وهى تصح عندنا بالقول ولا خلاف فى ذلك وتصح عندنا - أيضاً - بالفعل الحال محل القول، الدال فى العادة على الارتجاع بالوطء والتقبيل واللمس، بشرط القصد إلى الارتجاع به، وأنكر الشافعى صحة الارتجاع بالفعل أصلاً، وأثبته أبو حنيفة وإن وقع من غير قصد، وهو قول ابن وهب من أصحابنا فى الواطئ بغير قصد، وهذه المسألة مبنية عندى على مسألة قبلها وهى المطلقة طلاقاً رجعياً، هل يوصف وطؤها بأنه محرم أم لا؟ فعندنا وعند الشافعى: أنه محرم، وأبى ذلك أبو حنيفة.
وتجاذب المختلفون فى هذا قوله تعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِك﴾ (١)، فقال الحنفيون: قوله تعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ﴾ يدل (٢) على إثبات الزوجة والزوجية، فإذا ثبتت يستحيل معها تحريم الوطء، ولا دليل يلجئ إلى أن المراد: من كان بعلاً لهن؛ لأن ذلك مجاز وتعلق المالكيون بقوله تعالى: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ والردّ لا يكون إلا لما ذهب، ولا ذاهب (٣) إلا تحليل الوطء.
وتجاذبوا (٤) - أيضاً - طرق الاعتبار؛ لأن المطلقة طلاقاً رجعياً يثبت لها التوارث، وتستحق النفقة، كمن لم يطلق، وتجب عليها العدة وتسرى إلى البينونة، بخلاف الزوجة، فكل واحد من المختلفين مدها إلى الأجل الموافق لمذهبه.
وإذا ثبتت هذا، وصح بناء المسألة التى أشرنا إليها عليه، قلنا: إذا كان الوطء عند أبى حنيفة غير محرم فلا معنى لقصد الإستباحة بالأفعال؛ إذ الفعل فى نفسه غير محرم فيستباح، وإذا قلنا بأن الوطء محرم فلا يستباح الشىء نفسه، وإنما يستباح بغيره، فماذا
стр. 2616
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكون هذا الغير؟ قصره الشافعى على الأقوال النطقية وقصرها أصحابنا على المقصود. وأشار بعض المتأخرين من شيوخنا إلى ترك التعويل على القصد بمجردة دون أن يضامه قول نفسى، وهو إيجاب الارتجاع فى النفس، فيكون الاختلاف على طريقة هذا الشيخ بيننا وبين الشافعى فى تعيين القول، ونحن متفقون على إثبات أصله، لقول الشافعى: القول النطقى، ونحن نقول: القول النفسى إذا صدر عنه ما يدل عليه من الأحوال التى أشرنا إليها، ويختلف معه فى الفعل على حسب ما قدمناه.
والإشهاد على الرجعة اختلف الناس فيه أيضاً، هل يجب أم يستحب؟ ومدار الاختلاف على قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُم﴾ (١)، فالأمر بالشهادة ورد بعد جملتين، فهل تعود إلى قربهما إليه أو إليهما جميعًا؟ على اختلاف أهل الأصول فى هذا الأصل فمن رأى عَوْد مثل هذا على أقرب المذكورات، إن لم يكن فى الآية دلالة على إثبات الإشهاد [على الرجعة] (٢) فضلاً عن تفصيل حكمه، ومن رأى أن مثل هذا يعود إلى سائر الجمل، وقال: بأن الأمر مجردة على الندب، استحب الإشهاد على الرجعة، ومن قال: مجردة على الوجوب، أوجب الإشهاد على الرجعة. وإن عورض أن الإشهاد على الطلاق، وهو أقرب المذكورين على الندب، قال: خروجه بدليل لا يوجب خروج الجملة الأولى عن الأصل.
وقوله فى بعض طرقه: " ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً ": فيه دلالة على جواز طلاق الحامل على الإطلاق دون التفصيل، وهو أحد القولين عندنا فى طلاقها وهى حائض، وقد منعه بعض أصحابنا، كما منع أيضاً طلاق من لم يدخل بها وهى حائض، وأجازه الآخرون، وهذا راجع إلى الاختلاف فى النهى عن الطلاق فى الحيض، فمن رأى أنه معلّل بتطويل العدَّة، أجازه فى الحامل وفى التى لم يدخل بها؛ إذ الحامل من عدتها الوضع، ولا تطويل فيها، ومن لم يدخل بها لا عدة عليها أصلاً، فتوصف بطولٍ أو قصر، ومن رآه غير معلّل، منع الطلاق فى المسألتين جميعاً.
هكذا أورد شيوخنا فى التدريس، وفيه نظر؛ لأن قضية ابن عمر [قضية] (٣) فى عين، فإذا قلنا: إن النهى غير معلّل، افتقر المنع فى المسألتين إلى دليل على القول بأن القضايا فى الأعيان لا تتعدى، وكون مجرد النهى غير معلل لا يوجب الحكم فى المسألتين بالمنع.
وأما الطريقة الأخرى - وهو إثبات التعليل - فإنما يصح ما قالوه فيها - أيضاً - على
стр. 2617
حَرْبٍ، حَدَّثَنِى الزُّبَيْدِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَاجَعْتُهَا، وَحَسَبْتُ لَهَا التَّطْلِيقَةَ الَّتِى طَلَّقْتُهَا.
٥ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظ لأَبِى بَكْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مَوْلَى آل طَلْحَةَ - عَنْ سَالِمٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهىَ حَائِضٌ. فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ للنَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ: " مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ ليُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلاً ".
٦ - (...) وحدّثنى أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيم الأَوْدِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ - وَهْوَ ابْنُ بِلالٍ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ. فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهَ ﷺ . فَقَالَ: " مُرْه فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحيِضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَ بَعْدُ أَوْ يُمْسِك ".
٧ - (...) وحدّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
ــ
القول بأن العلة إذا ارتفعت، ارتفع حكمها، وهذا فيه تفصيل وتحقيق.
قال القاضى: " وفى قوله مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ": دليل على صحة ما أوقع من الطلاق؛ إذ لا تكون رَجِعة إلا بعد فراق، ويؤكده قوله بعد فى حديث: " ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق ".
قال الإمام: وقوله: " أرأيت إن عجز أو استحمق ": فى الكلام حذف، وتقديره: أفيرتفع عنه الطلاق، إن عجز أو استحمق.
قال القاضى: معناه: إن عجز عن الرجعة، وفعل فعل العجاز أو فعل الحمقى، وقيل: " أرأيت إن عجز فى المراجعة التى أمر بها ": يعنى حين فاته وقتها بتمام عدتها، أو ذهاب عقله فلم يمكنه بعد فى الحالتين مراجعة، أتبقى معلقة لا ذات زوج ولا مطلقة؟ فلابد من احتسابه بذلك الطلاق الذى أوقعه على غير وجهه، كما لو عجز عن بعض فرائضه فلم يقمه، أو استحمق فضيّعه، أكان يسقط عنه؟ وهذا إنكار كثير، وحجة على من قال: لا يعتد به، وقائله راوى القصة، وصاحب النازلة، وقد جاء مفسراً فى حديث آخر: " أرأيت إن كان ابن عمر عجز واستحمق، فما يمنعه أن يكون طلاقاً "، وقوله فى
стр. 2618
أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: مَكَثْتُ عِشْرِينَ سَنةً يُحَدِّثُنِى مَنْ لا أَتَّهِمُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا وَهىَ حَائِضٌ، فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَجَعَلْتُ لا أَتَّهِمُهُمْ، وَلا أَعْرِفُ الْحَدِيثَ، حَتَّى لَقِيتُ أَبَا غَلابٍ يُونُسَ بْنَ جُبَيْرٍ البَاهِلِىَّ - وَكَانَ ذَا ثَبتٍ - فَحَدَّثَنِى؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيْقَةً وَهىَ حَائِضٌ فَأُمِرَ أَنْ يَرْجِعَهَا. قَالَ: قُلْتُ: أَفَحُسِبَتْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَمه، أَوَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ؟.
(...) وحدّثناهُ أَبُو الرَّبِيعِ وَقُتَيْبَةُ قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِىَّ ﷺ ، فَأَمَرَهُ.
٨ - (...) وحدّثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِى الْحَدِيثِ: فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاع. وَقَالَ: " يُطَلِّقُهَا فِى قُبُلِ عِدَّتِهَا ".
٩ - (...) وحدّثنى يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرقِىُّ، عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتهُ وَهى حَائِضٌ. فَقَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتهُ وَهىَ حَائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِىَّ ﷺ فَسَأَلَهُ؟ فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا، ثُمَّ تَسْتَقْبِلَ عِدَّتهَا. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتهُ وَهىَ حَائِضٌ، أَتعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ فَقَالَ: فَمَه،
ــ
الحديث [الآخر] (١): " وحسبت لها التطليقة التى طلقها "، وقول نافع: " اعتد بها ".
وقوله: " فَمه ": [استفهام] (٢)، معناه التقرير: أى فمما يكون إن لم يحتسب بتلك التطليقة، أهى؟، هل يكون إلا ذلك؟ فأبدل من الألف هاء كما قالوا: مهما، وإنما هى مَامَا، أى: أى شىء.
وقوله: " أما أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين، فإن رسول الله ﷺ أمرنى بهذا ": يعنى الرجعة، هذا لفظ مشكل، قيل: معنى " أما أنت " بفتح الهمزة: أى إن كنت، فحذفوا الفعل الذى يلى أن، وجعلوا " ما " عوضاً من الفعل، وفتحوا " أن " وأدغموا النون فى " ما " وجاءوا " بأنت " مكان العلامة فى " كنت "، يدل عليه قوله بعد: " وإن
أَخْبَرَنِى ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ فَقَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللهِ بْنِ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا، فَذَهَبَ عُمَرُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا. قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ لأَبِيهِ.
١٤ - (...) وحدّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرِيْجٍ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنُ أَيْمَنَ - مَوْلَى عَزَّةَ - يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ ذَلِكَ: كَيْفَ تَرَى فِى رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ فَقَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهىَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ الله ﷺ ؟ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " لِيُرَاجِعْهَا " فَرَدَّهَا. وَقَالَ: " إِذَا طَهَرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ ".
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِىُّ ﷺ : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِى قُبُلٍ عِدَّتِهِنَّ ".
(...) وحدّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ.
ــ
وقوله فى حديث ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه؛ أنه سمع ابن عمر الحديث، وفى آخره: قال: لم أسمعه يزيد على ذلك لأبيه، كذا رويناه وهو مشكل، فيه تلفيف، حتى قرأه بعضهم: " لابنه " مكان " لأبيه "، وهو تصحيف، والكلام الأول مستقبل، وتفهيمه وتقويم الكلام: أن القائل: " لم أسمعه يزيد على ذلك " هو ابن طاووس، يعنى: لم يسمع أباه يزيد على ما رواه من الحديث ولا ذكر زيادة غيره، والهاء فى " لم أسمعه " عائدة على أبيه طاووس، وبين ذلك ابن جريج بقوله: " لأبيه "، والهاء فى " لأبيه " عائدة على ابن طاووس.
وقول ابن عمر: " وقرأ النبى ﷺ : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِى قُبُلٍ عِدَّتِهِنَّ "، وفى غيره: " لقبل عدتهن ": أى فى استقبال عدتهن، وهذه قراءة ابن عمر وابن عباس، وفى قول ابن مسعود: " لقبل طهرهن "، قال القشيرى وغيره: وهذه قراءة
стр. 2621
(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ - مَوْلَى عُرْوَةَ - يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ؟ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ. بِمِثْلِ حَدِيثِ حَجَّاجٍ. وَفِيهِ بَعْضُ الزِّيَادَةِ.
قَالَ مُسْلِمٌ: أَخْطَأَ حَيْثُ قَالَ: عُرْوَةَ. إِنَّمَا هُوَ مَوْلَى عَزَّةَ.
ــ
على التفسير لا على التلاوة، وهو يصحح أن المراد بالأقراء الأطهار؛ إذ لا تستقبل عدة الحيض عند الجميع؛ إذ لا يجتزى بها عند أحد من الطائفتين.
وقوله: " فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً ": فيه أن طلاق الحامل طلاق سنة أى وقت شاء من الحمل، ما لم تقرب ويضر فى حد المرض، وهو قول كافة العلماء. قال الشافعى: ويكون الطلاق فيه عليها متى شاء، حتى يتم الثلاث على الصلة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجعل بين التطليقتين شهراً. قال مالك ومحمد [ابن الحسن] (١) وزفر: لا يوقع فيها أكثر من واحدة حتى تضع.
وقوله فى سند هذا الحديث: عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة، كذا هو فى حديث هارون عند جميع الرواة، ووقع عند العذرى: مولى عروة، وهذا غلط، وقد بينه مسلم بعد هذا فى حديث محمد بن رافع، وروايته فيه: مولى عروة.
وقول مسلم فيه " أخطأ حيث قال: عروة، وإنما هو مولى عزة " على أنه وقع عند السمرقندى والشنتجالى والطبرى فى حديث ابن رافع: " عزة "، هو غلط فى الرواية عنه، وإن كان هو الصواب؛ إذ قد بين مسلم أنه غلط فيه كما تقدم.
стр. 2622
(٢) باب طلاق الثلاث
١٥ - (١٤٧٢) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الطَّلاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَسَنَتْين مِنْ خِلافِةِ عُمَرَ، طَلاقُ الثَّلاثِ وَاحِدَةً. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجلُوا فِى أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ. فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ.
١٦ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوحُ بْنُ عبَادَةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُريْجٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُريْجٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتِ الثَّلاثُ تُجْعَلُ وَاحِدةً عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ، وَثَلاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ.
١٧ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ ابْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ؛ أَنَّ أَبَا الصَّهْباءِ قَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ: هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ، أَلَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ الثَّلاثُ علَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلمَّا كَانَ فِى عَهْدِ عُمَرَ تَتَابَعَ النَّاسُ فِى الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ.
ــ
وقول ابن عباس: " كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر - وعند الطبرى: سنين من خلافة عمر - طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم "، وفى طريق أبى الصهباء أنه قال لابن عباس: " أتعلم أنها كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وثلاثاً من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم " وفى طريق آخر عن أبى الصهباء: " ألم يكن طلاق الثلاث على عهد النبى ﷺ وأبى بكر واحدة؟ قال:
стр. 2623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قد كان ذلك، فلما كان فى عهد عمر - رضى الله عنه - تتابع الناس فى الطلاق، فأجازه عليهم "، وفى كتاب أبى داود نحو هذا عن أبى الصهباء، إلا أنه قال: " كان الرجل إذا طلق امرأته قبل أن يدخل بها، جعلوه واحدة "، قال الإمام: طلاق الثلاث فى مرة واحدة واقع لازم عند كافة العلماء، وقد شذ الحجاج بن أرطاة وابن مقاتل فقالا: لا يقع، وتعلقا فى ذلك بمثل هذا الخبر، وبما قلناه؛ أنه واقع فى بعض الطرق أن ابن عمر طلقها ثلاثاً فى حيض، لكنه لم يحتسب به، وما وقع فى حديث ركانة أنه طلقها ثلاثاً، وأمره رسول الله ﷺ برجعتها.
والرد على هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١)، يعنى أن المطلق قد يكون له ندم، فلا يمكن تلافيه لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع أصلاً، لم يكن طلاق يبتدأ يقع إلا رجعياً فلا معنى للندم. وأما حديث ركانه فصحيحة أنه طلق امرأته البتة فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: إلا واحدة، فقال: " ما أردت؟ "، قال: واحدة. قال: " آلله "، قال: والله، قال رسول الله ﷺ : "هو على ما أردت " فلو كانت الثلاث لا تقع، لم يكن لتحليفه معنى، وهذه الرواية أصح من روايتهم؛ أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً؛ لأن رواتها أهل بيت ركانة وهم أعلم بقصة صاحبهم.
وإنما روى الرواية الأخرى بنو رافع ولم يسمَّوا، ولعلهم سمعوا أنه طلقها البتة، وهم يعتقدون أن البتة هى الثلاث، كرأى مالك فيها، فعبروا عن ذلك بالمعنى، وقالوا: طلقها ثلاثاً، لاعتقادهم أن البتة هى الثلاث.
وأما حديث ابن عمر، فقد ذكرنا أن الصحيح منه أنها واحدة، وقد ذكر مسلم من طريقتين.
وأما قول ابن عباس: " كان الطلاق الثلاث واحدة، على عهد النبى ﷺ " فقال بعض العلماء البغداديين: المراد به أنه كان المعتاد فى زمن النبى ﷺ تطليقة واحدة، وقد اعتاد الناس الآن التطليق بالثلاث، فالمعنى: كان الطلاق الموقع الآن ثلاثاً، يوقع واحدة فيما قبل، إنكاراً لخروجهم عن السنة.
ورواية أبى الصهباء فى أحد الطريقين: " تعلم أنها كانت الثلاث تجعل واحدة " يحتمل - أيضاً - هذا المعنى الذى قاله هؤلاء، وإن كان هذا اللفظ الثانى أبعد من الأول قليلاً لقوله: " كانت الثلاث تجعل واحدة "، ولكن يصح أن يريد: كانت الثلاث الموقعة الآن تجعل واحدة، بمعنى: يوقع واحدة.
وقال آخرون: يمكن أن يكون المراد به فيمن كرر لفظ الطلاق، فقال: أنت طالق،
стр. 2624
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنت طالق، فإنها كانت عندهم محمولة فى القديم على التأكيد، فصار الناس الآن يحملونها على التحديد، فألزموا ذلك لقصدهم له.
وقد زعم بعض من لا خبرة له بالحقائق، أن ذلك كان ثم نسخ. وهذا غلط فاحش لأن عمر - رضى الله عنه - لا ينسخ، ولو نسخ - وحاشاه منه - لبادرت الصحابة إلى إنكار ذلك عليه، وإن كان يريد أنه نسخ فى حياة النبى ﷺ ، فمعنى ما أراد صحيح، لكنه يخرج عن ظاهر الخبر فى قوله: " كان على عهد النبى ﷺ وأبى بكر "؛ لأنه إذا نسخ فى عهد النبى ﷺ لم يصدق الراوى فيما قال، فإن قال: كان الصحابة قد تجتمع على النسخ، فيسمع ذلك منها، قلنا: صدقت، ولكن يستدل بإجماعها على أن عندها نصّاً نسخت به نصّاً آخر، ولم ينقل إلينا الناسخ اكتفاء باجتماعها، وإما أن تنسخ من تلقاء نفسها، فمعاذ الله؛ لأنه إجماع على الخطأ، وهى معصومة منه.
ولو قدر أن النسخ ظهر لهم فى أيام عمر، وقد أجمع عصر أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - على خلاف حكم الناسخ، لم يصح ذلك، ولأنه لا يكون إجماعاً على الخطأ، ونحن لا نراعى انقراض العصر، وهو مذهب المحققين من أهل الأصول.
وأما رواية أبى داود عن أبى الصهباء؛ أن ذلك كان فيمن لم يدخل بها، فقد ذهب إلى هذا المذهب قوم من التابعين، من أصحاب ابن عباس، ورأوا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها؛ لأنها بالواحدة تبين، وبقوله: أنت طالق، بانت. وقوله ثلاثاً، كلام وقع بعد البينونة فلا يعتد به، وهذا باطل عند جمهور العلماء؛ لأن قوله: أنت طالق، أعناه: ذات طلاق، وهذا اللفظ يصلح للواحدة كما ذكر. وقولهم: " ثلاثاً " تبين لمعنى قوله: ذات طلاق، فلا يصح إطراحه.
قال القاضى: قوله: " كانت لهم فيه أناة ": أى مهلة وبقية استمتاع وانتظار للرجعة، كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١).
وقوله: " فلما كانت فى عهد يتايع الناس فى الطلاق، فأجازه عليهم ": كذا روايتنا عن أكثرهم: " يتايع " بياء باثنتين تحتها، وكان عند ابن أبى جعفر: " تتابع " بياء واحدة، وهما بمعنى، إلا أن الياء باثنتين إنما تستعمل فى الشر، وهى أليق بهذا المعنى.
ومعنى: " هات من هناتك ": أى من أخبارك وأمورك، وكأنها هنا فيما يستغرب وينكر، كأنه قال: من فتواك المنكرة وأخبارك المكروهة، يقال: فى فلان هنات: أى أشياء منكرة. وهى جمع هنة، ولا يستعمل هكذا إلا فيما يكن عنه. وأما الهنة والهنات تحملا فى غير هذا، فيستعمل فى كل شىء، ويكنى عن كل أمر وقد تقدم من شرحه.
стр. 2625
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن إيقاع الثلاث واحدة، وهو مذهب طاووس؛ أخذًا بظاهر الحديث. وقيل: هو مذهب الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق، وقد روى عنهما، أنه لا يلزم منها شىء. وهذان قولان لم يقل بهما أحد من فقهاء الأمصار وأئمة الفتوى.
стр. 2626
(٣) باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ولم ينو الطلاق
١٨ - (١٤٧٣) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ - يَعْنِى الدَّسْتَوائِىَّ - قَالَ: كَتَبَ إِلَىَّ يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِى الْحَرَامِ: يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١).
١٩ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِىُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلامٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ؛ أَنَّ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهِىَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
٢٠ - (١٤٧٤) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُريْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يُخْبِرُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُخْبِرُ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً. قَالَتْ: فَتَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ؛ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِىُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إِنِّى أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: " بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ " فَنَزَلَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾.
ــ
قال الإمام: ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول فى الحرام: " يمين يكفرها "، وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وذكر حديث سب نزول قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ (٢)، وتواطؤ عائشة وحفصة على قولهما: " أجد منك ريح مغافير "، قال الإمام: إذا قال لزوجته: أنت علىّ حرام، فاختلف المذهب فى ذلك. فالمشهور أنها ثلاث تطليقات، يكون كما قيل فى غير المدخول بها خاصة، ولعبد الملك فى المبسوط: لا ينوى فى أقل وإن لم يدخل، وعند أبى مصعب ومحمد بن عبد
стр. 2627
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِن تَتُوبَا﴾ (١) لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٢) لِقَوْلِهِ: " بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً ".
٢١ - (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعُلا وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ. فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُنَّ. فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِى: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمَهَا عُكَّة مِنْ عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْهُ شَرْبَةً. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللهِ، لَنَحتالَنَّ لَهُ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ، وَقُلْتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ،
ــ
الحكم: هى لمن لم يدخل بها واحدة، وللمدخول بها ثلاث. وذكر ابن خويز منداد عن مالك: أنها واحدة بائنة، وإن كانت مدخولاً بها، وحكى ابن سحنون عن عبد العزيز ابن أبى سلمة أنها واحدة رجعية.
وقد اختلفت أجوبة مالك وأصحابه، فى كنايات الطلاق، فسلكوا فيها طرقاً مختلفة، ففى بعضها يحمل اللفظ على الثلاث، ولا ينوى فى أقل، وفى بعضها [ينوى فى أقل وفيه] (٣) يحمل على الواحدة حتى ينوى أكثر منها، وفى بعضها: ينوى قبل الدخول ولا ينوى بعده، وبعضها فيمن لم يدخل بها واحدة، وفى الدخول بها ثلاث.
هذا جملة ما يقولونه فى ذلك، ويختلفون فى بعض الألفاظ من أى هذه الأقسام هو تفصيل ذلك، وذكر الروايات فيه وتعديد الألفاظ فيه طول، ولكنا نعقد أصلاً يرجع إليه جميع ما وقع فى الروايات على كثرتها، ويعلم منه سبب اختلافهم، فيما اختلفوا فيه، ووجه تفرقتهم فيما فرقوا فيه، ووجه التنويه فى [بعض] (٤) دون بعض.
فاعلم أن الألفاظ الدالة على الطلاق، إما أن تدل عليه بحكم وضع اللغة، وبحكم عرف الاستعمال، أو لا تكون لها دلالة عليه أصلاً، وإن لم يكن لها دلالة عليه فلا فائدة فى ذكرها ها هنا، وإن كانت لها دلالة عليه فلا تخلو إما أن تكون دلالتها عليه فى اللغة أو فى الاستعمال تتضمن البينونة والعدد بقولهم: أنت طالق ثلاثاً فهذا لا يختلف فى وقوع الثلاث وأنه لا ينوى، ولا يفترق الجواب فى المدخول بها وغير المدخول بها، ويكون
стр. 2628
فَقُولِى لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لا. فَقُولِى لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ - وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ - فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكَ: سَقَتْنِى حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ. فَقُولِى لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ. وَسَأَقُولُ ذَلِكَ لَهُ، وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ. قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالَّذِى لا إِلَهَ إِلا هُوَ، لَقَدْ كَدْتُ أَنْ أُبَادِئَهُ بِالَّذِى قُلْتِ لِى، وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ، فَرَقًا مِنْكَ. فَلمَّا دَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: " لا ". قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: " سَقَتْنِى حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ ". قَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَىَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَالَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ
ــ
دلالتها على البينونة وانقطاع الملك خاصة، فينظر فى ذلك، هل يصح انقطاع الملك والبينونة بالواحدة أو لا يصح فى الشرع إلا بالثلاث؟ وهذا أصل مختلف فيه، إذا لم تكن معه معاوضة، أو يكون يدل على عدد غالباً قد يسمتعمل فى غيره نادراً، فيحمل مع عدم القصد على الغالب، ومع وجود القصد على النادر إذا قصد إليه وجاء مستفتياً فيه، وإن كانت عليه بينة، فتختلف فروع هذا القسم، وإن كان يستعمل فى الأعداد استعمالاً متساوياً وقصد إلى أحد الأعداد، قبل منه، جاء مستفتياً أو قامت عليه بينة، وإن لم يكن له قصد فهذا موضع الاضطراب.
فمن أصحابنا من يحمله على أقل الأعداد واستصحاباً لبراءة الذمة، وأخذاً بالمتيقن ودون ما زاد، ومنهم من يحمله على أكثر الأعداد أخذاً بالاحتياط، واستظهاراً فى صيانة الفروج، ولا سيما على قولنا: إن الطلقة الواحدة تحرّم، فكان الاستباحة بالرجعة مشكوك فيها هنا، ولا تستباح الفروج بالشك.
فاضبط هذا، فإنه من أصرار العلم، وإليه ينحصر جميع ما قاله العلماء المتقدمون فى هذه المسائل، وبه تضبط مسائل الفتوى فى هذا الفن، وأقرب مثال يوضح لك هذه الجملة، ما نحن فيه من مسألة القائل: الحلال علىّ حرام، فقولهم فى المشهور أنها ثلاث، وينوى فى غير المدخول بها فى أقل، بناء على أن هذا اللفظ وضع لإبانة العصمة، وأنها لا تبين بعد الدخول بأقل من ثلاث، وتبين قبل الدخول بواحدة، ولكنها فى العدد غالباً فى الثلاث، ونادراً فى أقل منه، فحملت قبل الدخول على الثلاث، ونوى فى أقل.
وقول عبد الملك: لا ينوى فى أقل وإن لم يدخل بها، بناء على أنها موضوعة للثلاث، لقوله: أنت طالق ثلاثاً، ويلحق بأول الأقسام التى ذكرنا.
وقول أبى مصعب: هى فى التى لم يدخل بها واحدة، والمدخول بها ثلاث، بناء
стр. 2629
عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: " لا حَاجَةَ لِى بِهِ ". قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ. قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِى.
(...) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بَنْ بِشْرِ بْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، بِهَذَا سَوَاءً. وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
على أنها لا تفيد عدداً، وإنما تفيد البينونة لا أكثر، والبينونة تصح فى غير المدخول بها بواحدة، ولا تصح فى المدخول بها إلا بالثلاث، على إحدى الطريقتين التى ذكرنا.
وقول ابن خويزمنداد عن مالك: أنها واحدة ثابتة، وإن كانت مدخولاً بها، بناء على أنها لا تفيد عدداً، كطريقة أبى مصعب، ولكن عنده أن البينونة تصح بعد الدخول بواحدة. فمن هاهنا افترقت طرقهم.
وقول ابن أبى سلمة، بناء على أنها تفيد انقطاع الملك على صفة، ولا تستعمل غالباً فى الثلاث، فحكم. لكونها واحدة لصحة معنى اللفظ فى الواحدة، وهى كونها محرمة عندنا وإن كانت الطلقة رجعية، وهكذا محتمل قول عبد الملك وربيعة فى الخلية والبرية، والبائنة: أنها فى غير المدخول بها واحدة، مأخوذ من إحدى هذه الطرق التى ذكرنا.
وتنويه أشهب فى الخلية والبرية وإن كانت مدخولاً بها على ما حكى عنه أبو الفرج، يؤخذ - أيضاً - من إحدى هذه الطرق التى قدمنا.
وعلى هذا يخرج من المسائل ما لا يحصى كثرة فاحتفظ به فإنه عقد حسن.
وقد كثر اختلاف الصحابة فى مسألة القائل: الحلال علىّ حرام ومن سواهم من العلماء، هل هو ظهارٌ أو يمين تكفر، ولا يلزم فيه شىء إلا فى الزوجة كما قال مالك: والذى يلزم فى الزوجة فيه الخلاف الذى ذكرناه وفى بعض ما أوردناه كفاية.
قال القاضى: للعلماء خلاف كثير فى الحرام، فمنها هذه الأقوال المتقدمة الخمسة، ومشهور قول مالك منها بقول جماعة، منهم: على وزيد والحسن والحكم، وبقول عبد الملك، قال ابن أبى ليلى، وفيها ثمانية أقوال أُخر، منها قول ابن شهاب: أن له نيته ولا تكون أقل من واحدة. وقول سفيان: إن نوى ثلاثاً فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى يميناً فيمين، وان لم ينو شيئاً فلا شىء، هى كذبة. وقول الأوزاعى وأبى ثور مثله، إلا أنه قال: وإن لم ينو شيئاً فكفارة يمين.
وقول الشافعى: إن نوى الطلاق فما أراد من عدده وإن كان نوى واحدة فهى رجعية،
стр. 2630
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروى مثله عن أبى بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين، وإن أراد تحريمها فكفارة يمين، وليس بمُولٍ.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن نوى الطلاق فواحدة بائنة، إلا أن ينوى ثلاثاً، فإن نوى اثنتين فهى واحدة، وإن لم ينو شيئاً فهى يمين وهو مول، وإن نوى الكذب، فليس بشىء، وقال مثله زفر إلا أنه قال: إذا نوى اثنتين لزمتاه، وقال إسحاق: فيها كفارة الظهار، وقال بعض التابعين: هى يمين يكفرها ما يكفر اليمين، وذكره مسلم عن ابن عباس، وقيل: هى كتحريم الماء والطعام، لا يلزمه فيه شىء، وهو قول الشعبى ومسروق وأبى سلمة، وهو قول أصبغ.
وهذا فى الحرائر، وأما فى الإماء فلا يلزم التحريم فيهن عند مالك، كالطعام، وذلك لغو فيما عدا الأزواج، وذهب عامة العلماء إلى أن عليه كفارة يمين لمجرد التحريم، وقال أبو حنيفة: إذا قال ذلك حرم عليه ما قاله فيه من طعام وغيره، ولا شىء عليه، حتى إذا تناوله لزمته كفارة يمين، وأم الولد كالأمة على ما تقدم.
وقوله: " إنى أجد منك ريح مغافير "، قال الإمام: المغافير جمع مغفور، وهو صمغ حلو كالناطف، وله رائحة كريهة، ينفخه شجر يقال له: العرفط وهو بالحجاز.
وقوله: " جَرسَتْ نَحْلُه ": أى أكلت، قال أبو عبيد فى مصنفه: يقال: جرست النحل تجرس جرساً: إذا أكلت لتعسل. قال الهروى: ويقال: النحل جوارس، بمعنى: أواكل.
قال القاضى: وقع فى الأصل: " مغافر " بغير ياء التعويض، والصواب إثباتها؛ لأنها عوض من الواو أتى فى المفرد، وإنما جاءت محذوفة فى ضرورة الشعر. وقال بعضهم: العرفط نبات له ورقة عريضة تفترش على الأرض له شوكة حجناء، وثمرة بيضاء كالقطن، مثل زر القميص، خبيث الرائحة، وتخبث رائحة راعيه ورائحة ألبانها، حتى يتأذى منه الناس، وزعم المهلب أن رائحة المغافير والعرفط حسنة، وهو خلاف ما يقتضيه الحديث، وما قاله الناس، قال أهل اللغة: العرفط من شجر العضاة، وهو كل شجر له شوك، وقيل: رائحته تشبه رائحة النبيذ، وكان النبى ﵇ يكره أن يوجد منه رائحة تكره.
وقوله: " عكة من عسل ": هى أصغر من القربة.
وقولها: " فكدت أن أبادئه فَرَقاً مِنْكِ ": أى ابتداؤه بالكلام قبل أن تدنو منى خوفاً منك، وفى رواية ابن الحذاء: " أناديه " من النداء، وليس بشىء.