(٣) باب وجوب الكفارة على من حرّم امرأته ولم ينو الطلاق
١٨ - (١٤٧٣) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ - يَعْنِى الدَّسْتَوائِىَّ - قَالَ: كَتَبَ إِلَىَّ يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِى الْحَرَامِ: يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١).
١٩ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِىُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلامٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ؛ أَنَّ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهِىَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
٢٠ - (١٤٧٤) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُريْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يُخْبِرُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُخْبِرُ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً. قَالَتْ: فَتَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ؛ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِىُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إِنِّى أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: " بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ " فَنَزَلَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾.
ــ
قال الإمام: ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول فى الحرام: " يمين يكفرها "، وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وذكر حديث سب نزول قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ (٢)، وتواطؤ عائشة وحفصة على قولهما: " أجد منك ريح مغافير "، قال الإمام: إذا قال لزوجته: أنت علىّ حرام، فاختلف المذهب فى ذلك. فالمشهور أنها ثلاث تطليقات، يكون كما قيل فى غير المدخول بها خاصة، ولعبد الملك فى المبسوط: لا ينوى فى أقل وإن لم يدخل، وعند أبى مصعب ومحمد بن عبد
стр. 2627
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِن تَتُوبَا﴾ (١) لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٢) لِقَوْلِهِ: " بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً ".
٢١ - (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعُلا وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ. فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُنَّ. فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِى: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمَهَا عُكَّة مِنْ عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْهُ شَرْبَةً. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللهِ، لَنَحتالَنَّ لَهُ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ، وَقُلْتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ،
ــ
الحكم: هى لمن لم يدخل بها واحدة، وللمدخول بها ثلاث. وذكر ابن خويز منداد عن مالك: أنها واحدة بائنة، وإن كانت مدخولاً بها، وحكى ابن سحنون عن عبد العزيز ابن أبى سلمة أنها واحدة رجعية.
وقد اختلفت أجوبة مالك وأصحابه، فى كنايات الطلاق، فسلكوا فيها طرقاً مختلفة، ففى بعضها يحمل اللفظ على الثلاث، ولا ينوى فى أقل، وفى بعضها [ينوى فى أقل وفيه] (٣) يحمل على الواحدة حتى ينوى أكثر منها، وفى بعضها: ينوى قبل الدخول ولا ينوى بعده، وبعضها فيمن لم يدخل بها واحدة، وفى الدخول بها ثلاث.
هذا جملة ما يقولونه فى ذلك، ويختلفون فى بعض الألفاظ من أى هذه الأقسام هو تفصيل ذلك، وذكر الروايات فيه وتعديد الألفاظ فيه طول، ولكنا نعقد أصلاً يرجع إليه جميع ما وقع فى الروايات على كثرتها، ويعلم منه سبب اختلافهم، فيما اختلفوا فيه، ووجه تفرقتهم فيما فرقوا فيه، ووجه التنويه فى [بعض] (٤) دون بعض.
فاعلم أن الألفاظ الدالة على الطلاق، إما أن تدل عليه بحكم وضع اللغة، وبحكم عرف الاستعمال، أو لا تكون لها دلالة عليه أصلاً، وإن لم يكن لها دلالة عليه فلا فائدة فى ذكرها ها هنا، وإن كانت لها دلالة عليه فلا تخلو إما أن تكون دلالتها عليه فى اللغة أو فى الاستعمال تتضمن البينونة والعدد بقولهم: أنت طالق ثلاثاً فهذا لا يختلف فى وقوع الثلاث وأنه لا ينوى، ولا يفترق الجواب فى المدخول بها وغير المدخول بها، ويكون
стр. 2628
فَقُولِى لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لا. فَقُولِى لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ - وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ - فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكَ: سَقَتْنِى حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ. فَقُولِى لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ. وَسَأَقُولُ ذَلِكَ لَهُ، وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ. قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالَّذِى لا إِلَهَ إِلا هُوَ، لَقَدْ كَدْتُ أَنْ أُبَادِئَهُ بِالَّذِى قُلْتِ لِى، وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ، فَرَقًا مِنْكَ. فَلمَّا دَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: " لا ". قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: " سَقَتْنِى حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ ". قَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَىَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَالَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ
ــ
دلالتها على البينونة وانقطاع الملك خاصة، فينظر فى ذلك، هل يصح انقطاع الملك والبينونة بالواحدة أو لا يصح فى الشرع إلا بالثلاث؟ وهذا أصل مختلف فيه، إذا لم تكن معه معاوضة، أو يكون يدل على عدد غالباً قد يسمتعمل فى غيره نادراً، فيحمل مع عدم القصد على الغالب، ومع وجود القصد على النادر إذا قصد إليه وجاء مستفتياً فيه، وإن كانت عليه بينة، فتختلف فروع هذا القسم، وإن كان يستعمل فى الأعداد استعمالاً متساوياً وقصد إلى أحد الأعداد، قبل منه، جاء مستفتياً أو قامت عليه بينة، وإن لم يكن له قصد فهذا موضع الاضطراب.
فمن أصحابنا من يحمله على أقل الأعداد واستصحاباً لبراءة الذمة، وأخذاً بالمتيقن ودون ما زاد، ومنهم من يحمله على أكثر الأعداد أخذاً بالاحتياط، واستظهاراً فى صيانة الفروج، ولا سيما على قولنا: إن الطلقة الواحدة تحرّم، فكان الاستباحة بالرجعة مشكوك فيها هنا، ولا تستباح الفروج بالشك.
فاضبط هذا، فإنه من أصرار العلم، وإليه ينحصر جميع ما قاله العلماء المتقدمون فى هذه المسائل، وبه تضبط مسائل الفتوى فى هذا الفن، وأقرب مثال يوضح لك هذه الجملة، ما نحن فيه من مسألة القائل: الحلال علىّ حرام، فقولهم فى المشهور أنها ثلاث، وينوى فى غير المدخول بها فى أقل، بناء على أن هذا اللفظ وضع لإبانة العصمة، وأنها لا تبين بعد الدخول بأقل من ثلاث، وتبين قبل الدخول بواحدة، ولكنها فى العدد غالباً فى الثلاث، ونادراً فى أقل منه، فحملت قبل الدخول على الثلاث، ونوى فى أقل.
وقول عبد الملك: لا ينوى فى أقل وإن لم يدخل بها، بناء على أنها موضوعة للثلاث، لقوله: أنت طالق ثلاثاً، ويلحق بأول الأقسام التى ذكرنا.
وقول أبى مصعب: هى فى التى لم يدخل بها واحدة، والمدخول بها ثلاث، بناء
стр. 2629
عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: " لا حَاجَةَ لِى بِهِ ". قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ. قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِى.
(...) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بَنْ بِشْرِ بْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، بِهَذَا سَوَاءً. وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
على أنها لا تفيد عدداً، وإنما تفيد البينونة لا أكثر، والبينونة تصح فى غير المدخول بها بواحدة، ولا تصح فى المدخول بها إلا بالثلاث، على إحدى الطريقتين التى ذكرنا.
وقول ابن خويزمنداد عن مالك: أنها واحدة ثابتة، وإن كانت مدخولاً بها، بناء على أنها لا تفيد عدداً، كطريقة أبى مصعب، ولكن عنده أن البينونة تصح بعد الدخول بواحدة. فمن هاهنا افترقت طرقهم.
وقول ابن أبى سلمة، بناء على أنها تفيد انقطاع الملك على صفة، ولا تستعمل غالباً فى الثلاث، فحكم. لكونها واحدة لصحة معنى اللفظ فى الواحدة، وهى كونها محرمة عندنا وإن كانت الطلقة رجعية، وهكذا محتمل قول عبد الملك وربيعة فى الخلية والبرية، والبائنة: أنها فى غير المدخول بها واحدة، مأخوذ من إحدى هذه الطرق التى ذكرنا.
وتنويه أشهب فى الخلية والبرية وإن كانت مدخولاً بها على ما حكى عنه أبو الفرج، يؤخذ - أيضاً - من إحدى هذه الطرق التى قدمنا.
وعلى هذا يخرج من المسائل ما لا يحصى كثرة فاحتفظ به فإنه عقد حسن.
وقد كثر اختلاف الصحابة فى مسألة القائل: الحلال علىّ حرام ومن سواهم من العلماء، هل هو ظهارٌ أو يمين تكفر، ولا يلزم فيه شىء إلا فى الزوجة كما قال مالك: والذى يلزم فى الزوجة فيه الخلاف الذى ذكرناه وفى بعض ما أوردناه كفاية.
قال القاضى: للعلماء خلاف كثير فى الحرام، فمنها هذه الأقوال المتقدمة الخمسة، ومشهور قول مالك منها بقول جماعة، منهم: على وزيد والحسن والحكم، وبقول عبد الملك، قال ابن أبى ليلى، وفيها ثمانية أقوال أُخر، منها قول ابن شهاب: أن له نيته ولا تكون أقل من واحدة. وقول سفيان: إن نوى ثلاثاً فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى يميناً فيمين، وان لم ينو شيئاً فلا شىء، هى كذبة. وقول الأوزاعى وأبى ثور مثله، إلا أنه قال: وإن لم ينو شيئاً فكفارة يمين.
وقول الشافعى: إن نوى الطلاق فما أراد من عدده وإن كان نوى واحدة فهى رجعية،
стр. 2630
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروى مثله عن أبى بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين، وإن أراد تحريمها فكفارة يمين، وليس بمُولٍ.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن نوى الطلاق فواحدة بائنة، إلا أن ينوى ثلاثاً، فإن نوى اثنتين فهى واحدة، وإن لم ينو شيئاً فهى يمين وهو مول، وإن نوى الكذب، فليس بشىء، وقال مثله زفر إلا أنه قال: إذا نوى اثنتين لزمتاه، وقال إسحاق: فيها كفارة الظهار، وقال بعض التابعين: هى يمين يكفرها ما يكفر اليمين، وذكره مسلم عن ابن عباس، وقيل: هى كتحريم الماء والطعام، لا يلزمه فيه شىء، وهو قول الشعبى ومسروق وأبى سلمة، وهو قول أصبغ.
وهذا فى الحرائر، وأما فى الإماء فلا يلزم التحريم فيهن عند مالك، كالطعام، وذلك لغو فيما عدا الأزواج، وذهب عامة العلماء إلى أن عليه كفارة يمين لمجرد التحريم، وقال أبو حنيفة: إذا قال ذلك حرم عليه ما قاله فيه من طعام وغيره، ولا شىء عليه، حتى إذا تناوله لزمته كفارة يمين، وأم الولد كالأمة على ما تقدم.
وقوله: " إنى أجد منك ريح مغافير "، قال الإمام: المغافير جمع مغفور، وهو صمغ حلو كالناطف، وله رائحة كريهة، ينفخه شجر يقال له: العرفط وهو بالحجاز.
وقوله: " جَرسَتْ نَحْلُه ": أى أكلت، قال أبو عبيد فى مصنفه: يقال: جرست النحل تجرس جرساً: إذا أكلت لتعسل. قال الهروى: ويقال: النحل جوارس، بمعنى: أواكل.
قال القاضى: وقع فى الأصل: " مغافر " بغير ياء التعويض، والصواب إثباتها؛ لأنها عوض من الواو أتى فى المفرد، وإنما جاءت محذوفة فى ضرورة الشعر. وقال بعضهم: العرفط نبات له ورقة عريضة تفترش على الأرض له شوكة حجناء، وثمرة بيضاء كالقطن، مثل زر القميص، خبيث الرائحة، وتخبث رائحة راعيه ورائحة ألبانها، حتى يتأذى منه الناس، وزعم المهلب أن رائحة المغافير والعرفط حسنة، وهو خلاف ما يقتضيه الحديث، وما قاله الناس، قال أهل اللغة: العرفط من شجر العضاة، وهو كل شجر له شوك، وقيل: رائحته تشبه رائحة النبيذ، وكان النبى ﵇ يكره أن يوجد منه رائحة تكره.
وقوله: " عكة من عسل ": هى أصغر من القربة.
وقولها: " فكدت أن أبادئه فَرَقاً مِنْكِ ": أى ابتداؤه بالكلام قبل أن تدنو منى خوفاً منك، وفى رواية ابن الحذاء: " أناديه " من النداء، وليس بشىء.
стр. 2631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفى هذا الحديث إفشاء السر ذنب تجب التوبة منه، لقوله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ (١)، وكذلك التظاهر على الزوج وعلى المؤمن فيما يضر به، ويتأذى منه، ويقطع منفعة عنه. وفيه كرامة نبينا ﵇ وهذه الأمة، بأن الله لم يلزمها ما حرمته على نفسها، كما فعل بمن تقدم من الأنبياء والأمم.
وقوله: فنزل: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ (٢): قد اختلف فى سبب نزولها، فجاء عن عائشة: أنه فى هذه القصة، وعن زيد بن أسلم: أنها نزلت فى تحريمه عليه مارية جاريته، وحلفه ألا يطأها.
ولا حجة لمن أوجب فى التحريم بظاهر الآية كفارة يمين بقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُم﴾ (٣) لما روى أنه قال: " والله لا أطؤها "، ثم قال: " هى علىّ حرام "، وروى مثل ذلك من حلفه على شربه العسل المذكور وتحريمه، ذكره ابن المنذر فى رواية البخارى: " لن أعود له وقد حلفت، لا تخبرى بذلك أحداً " (٤).
وقال الطحاوى: قال النبى ﷺ فى شرب العسل: لن يعود إليه، ولم يذكر يميناً، لكن قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُم﴾ يوجب أن يكون قد كان هناك يمين.
قال القاضى: قد ذكرنا ما فى كتاب البخارى من قوله: " قد حلفت، لا تخبرى بذلك أحداً "، فهذه يمين إن نوى بها الحلف بالله، وهو ظاهره. وقد استدل بعض العلماء بقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ على أن ما عدا الزوجات لا يحرم بلفظ التحريم من الإماء وغيرهن على ما تقدم لإباحة ذلك فى الحرة بالطلاق.
وقوله: " كان ﵇ يحب الحلواء والعسل ": حجة فى استعمال مباحات الدنيا، وأكل لذيذ الأطعمة. والحلواء هنا: كل طعام مستحلى.
ودورانه المذكور فى الحديث بعد العصر على نسائه إما لأن حكمه فى القسم بخلاف غيره كما تقدم فإن العدل غير واجب، لكنه كان مع هذا يعدل، فيفعل هذا فى كل واحدة، ليسوى بينهن فى نفسه، وأما على وجوب القسم، فإنما لكل واحدة يومها، ولا يسوع مثل هذا معهن إلا برضى جميعهن؛ لأنها مشاركة فى يومها لهن، وقد يحتج بهذا من يرى العدل إنما يختص بالمبيت لا فى الزيادة، وقد تقدم هذا وقد جاء فى الأم: " كان رسول الله ﷺ يستأذننا إذا كان فى يوم المرأة منا "، وهذا يوضح صحة ما تأولناه قبل، وقال الداودى: كان جعل ما بعد العصر ملغى، كأنه يشير إلى ما تقدم، أن جعله وقتاً مشتركاً لجميعهن.
وذكر فى حديث حجاج عن ابن جريج؛ أن التى شرب عندها العسل زينب، وأن
стр. 2632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المتظاهرتين عائشة وحفصة، وكذلك جاء فى حديث ابن عباس وعمر؛ أن المتظاهرتين هما. وذكر مسلم - أيضاً - من رواية أبى أسامة عن هشام أن حفصة هى التى شرب عندها العسل، وأن عائشة وسودة وصفية هن اللواتى تظاهرن عليه، والأول أصح.
قال النسائى فى حديث حجاج: إسناد جيد صحيح غاية. قال الأصيلى: حديث الحجاج أصح طرقه، وهو أولى بظاهر كتاب الله وأكمل فائدة، يريد بقوله: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْه﴾ (١)، فهما اثنتان لا ثلاثة كما جاء فى رواية أبى أسامة، وأن المتظاهرتين عائشة وحفصة كما قال فيه، واعترف به عمر - رضى الله عنه - وانقلبت الأسماء فى الرواية الأخرى.
كما أنه الصحيح فى أمر العسل، لا فى قصة أم إبراهيم، كما جاء فى غير الصحيحين (٢)، ولم يأت بتلك القصة طريق صحيح، قال النسائى: حديث عائشة فى العسل إسناده جيد صحيح غاية.
وقوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيَّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٣) لقوله: " بل شربت عسلاً " كذا جاء فى مسلم، وفيه اختصار وتمامه: " ولن أعود إليه وقد حلفت، لا تخبرى بذلك أحداً، على ما رواه البخارى، فهذا أحد الأقوال فى ذلك، وذلك لئلا تبلغ الأخرى الخبر، وأنه فعله ابتغاء مرضاة أزواجه، فيتغير قلبها. وقيل بل ذلك فى قصة مارية، واستكتامه حفصة ألا تخبر بذلك عائشة. قيل: بل أسر إلى حفصة أن الخليفة بعده أبو بكر ثم عمر.
الإِسْنَادِ، وَنَحْوَهُ.
٢٤ - (١٤٧٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْن أَبِى خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ نَعُدَّهُ طَلاقًا.
٢٥ - (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَن مَسْرُوقٍ، قَالَ: مَا أُبَالِى خَيَّرْتُ امْرَأَتِى وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً أَوْ أَلفًا، بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِى. وَلَقَدْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَفَكانَ طَلاقًا؟
٢٦ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَيَّرَ نِسَاءَهُ. فَلَمْ يَكُنْ طَلاقًا.
٢٧ - (...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ وإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ
ــ
وهذا كلّه يعرف وجه التحقيق فيه، من العقد الذى قدمناه قبل هذا، فكأنهم فى المشهور من المذهب، رأوا أن التخيير وضع للبينونة ولا يكون فى المدخول بها بأقل من ثلاث، فلم يمكنوه من المناكرة، ورأى ابن الجهم، أنها تكون بالواحدة البائنة، فمكنه من المناكرة.
وفرق المذهب بين التخيير والتمليك لهذا المعنى أيضاً، وهو أن التخيير جرى الاستعمال فيه بالبينونة، فلم يجر الاستعمال بذلك فى التمليك، فافترق حكمهما، وإذا ملكها عدداً، فلا يخلو - أيضاً - أن نورده بلفظ لا يدل الاقتصار على ما تضمنه، أو لفظ يدل على الاقتصار عليه، فإن كان بلفظ لا يدل على الاقتصار، فقضت بالأقل، فلها ذلك، لأنه ملكها العدد فما دونه، وإن قضت بأكثر، ففى لزوم العدد الذى ملكها خلاف أيضاً، وإن قضت بأقل ففى لزوم ما قضت به أيضاً خلاف.
ووجه الخلاف فى الأكثر إذا قضيت به هل يسقط ما ملكها أو يثبت؟ أن من أسقطه رأى أنه ملكها على صفحة، فقضت بخلافها، فلا يلزمه ما قضت به؛ لأنه إذا ملكها تطليقتين فقضت بالثلاث، فإن الثلاث غير التطليقتين، فلا يلزمه التطليقتان وقد قضت بغيرهما، ووجه القول باللزوم، أن الزائد على ما تملكه كالعدد، فكأنها لم تنطق به واقتصرت على ما تملكه فلزمه.
стр. 2635
عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَاخْتَرْنَاهُ. فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا.
٢٨ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ. فَلَمْ يَعْدُدْهَا عَلَيْنَا شَيْئًا.
(...) وحدّثنى أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَن مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. بِمِثْلِهِ.
٢٩ - (١٤٧٨) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ ابْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ لَمْ يُؤْذَنْ لأَحَدٍ مِنْهُمْ. قَالَ: فَأُذِنَ لأَبِى بَكْرٍ، فَدَخَلَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأذَنَ فَأُذِنَ لَهُ. فَوَجَدَ النَّبِىَّ ﷺ جَالِسًا، حَوْلَهُ
ــ
ووجه الخلاف أيضاً، إذا ملكها عدداً فقضت بأقل، إن من لم يلزمه فلأنها قضت على غير الصفة التى أعطاها، فلا يلزمه ما قضت به، لا سيما وللمُملّك فى الأعداد غرض؛ لأن الأكثر منها يسقط النفقة، ويحل لأخت المطلقة، ولا يلزم خلاف غرضه، وكمن باع منه ثلاث أثواب، فأراد قبول واحد منها، فليس ذلك له.
وقد ألزم ابن القصار إذا ملكها أمرها، وأمر امرأة أخرى معها فطلقت نفسها خاصة، أن ذلك لا يلزمه، ورأى أنه فى معنى من ملك عدداً فقضت عليه بأقل منه. ومسألة ابن القصار هذه للنظر فيها عندى مجال، وتفتقر إلى تفصيل، ووجه القول بأنه إذا قضت بأقل لزم، أنه كمن وهب ثلاثة أثواب، فقبل واحداً منها، وهذا للآخرين أن ينفصلوا منه، ويقولوا: لو صح أن يكون له غرض فى قبوله منه الثلاثة جميعاً، لم يكن الموهوب من قبول واحد.
وقولها: " فلم يعد ذلك طلاقاً ": فيه رد على من يقول: إنه يلزمه الطلاق وإن اختارت الزوج.
قال القاضى: وقولها: " فلم يكن طلاقاً " وفى الرواية الأخرى: " فاخترناه فلم يعد علينا شيئاً ": اختلف العلماء فى التخيير إذا اختارت المرأة نفسها ما يكون؟، فقيل
стр. 2636
نِسَاؤُهُ، وَاجمًا سَاكِتًا. قَالَ: فَقَالَ: لأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِىَّ ﷺ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِى النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأتُ عُنقَهَا. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: " هُنَّ حَوْلِى كَمَا تَرَى، يَسْأَلْنَنِى النَّفَقَةَ. فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهاَ. فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا. كِلاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ. فَقُلْنَ: وَاللهِ، لا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ.
ــ
القولان المتقدمان عندنا: أنها ثلاث بكل حال، وهو مشهور قول مالك، وقاله الليث والحسن.
ثم اختلف عندنا إذا قضت بأقل من ثلاث، فقال مالك: لا يلزمه وسقط ما بيدها، وقال أشهب: ترجع على خيارها. وقال عبد الملك: هى ثلاث بكل حال، وقيل: إنها واحدة بائنة، وهو قول أبى حنيفة، وحكى عن مالك، وروى عن على بن أبى طالب.
وقيل: واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز والشافعى والثورى وابن أبى ليلى وأبى يوسف، وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه، وروى عن عمر وابن مسعود.
وقالت فرقة: هو ما قضت به الزوجة من واحدة أو أكثر، وقيل: هو على ما نواه الزوج، وله مناكرتها فى الخيار كالتمليك، والطلقة بائنة، وهو قول ابن الجهم من أصحابنا وغيره. وقال بعضهم: تكون رجعية.
وقالت فرقة: ليس للمخيرة ولا للمملكة شىء من الطلاق.
واختلفوا إذا اختارت زوجها، فكافتهم على أنه لا يلزم فيه شىء، وهو قول جماعة السلف، وأئمة الفتوى، ومشهور مذهب مالك، وروى عن على وزيد بن ثابت والحسن والليث: أن نفس الخيار طلقة واحدة بائنة، وإن اختارت زوجها، وحكاه الخطابى والنقاش عن مالك، ونحوه عن ربيعة فى - التمليك، قال: وإن اختارت نفسها فثلاث ولا يصح هذا عن مالك، والأحاديث الصحيحة ترده.
وكذلك اختلف شيوخنا: هل إيقاع الخيار مكروه وبدعة، أو مباح وسنة، فقيل: ذلك مكروه لما تضمن من إيقاع الثلاث، وقيل: غير مكروه، فليس بنفس الطلاق الثلاث، وإنما هو تخيير فى الإقامة أو فى الفرقة؛ ولأن النبى ﷺ ، أمر به وفعله. وقيل: إنما أمر الله نبيه بتخيير أزواجه بين الدنيا والآخرة، فمن آثرت الدنيا طلقها بالطلاق الذى أمره الله به، فليس فيه حجة [فى] (١) التخيير فى الطلاق، ولا فى إباحة التخيير،
стр. 2637
ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ حَتَّى بَلَغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ. فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ، إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا، أُحِبُّ أَلا تَعْجَلِى فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِى أَبَوَيْكَ ".
قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَتَلا عَلَيْهَا الآيَةَ. قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَشِيِرُ أَبَوَىَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَلا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِى قُلْتُ. قَالَ: " لا تَسْأَلَنِى امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِى مُعَنِّتًا وَلا مُتَعَنِتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِى مُعَلمًا مُيَسِّرًا ".
ــ
ولا حجة لجواز إيقاع الثلاث.
قال الإمام: وقوله: " وجأت عنقها ": أى دققته، ومنه الحديث: " فليأخذ سبع تمرات فليجأهن " (٢): [أى فأدقهن] (٣).
قال القاضى: هذا أصل الوجاء، وليس كل دق فى العنق وجاء، وإنما هو شبه الطعن والغمز يقال: وجأت البعير: إذا طعنته فى منخره، ووجأت الوتد: ضربته، ووجأته بالسكين: طعنته به.
стр. 2638
(٥) باب فى الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن، وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ (١)
٣٠ - (١٤٧٩) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ سِمَاكٍ أَبِى زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسجِدَ، فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ. فَقَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ: لأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِى بَكْرٍ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأنِكِ أَنْ تُؤْذِى رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَتْ: مَالِى وَمَالَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأنِكِ أَنْ تُؤْذِى رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ واللهِ، لَقَدْ عَلمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يُحِبُّكِ، وَلَوْلا إِنَّا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ. فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: هُوَ فِى خِزَانَتِهِ فِى الْمَشْرُبَةِ.
ــ
وقولها: " فعليك بعيبتك ": تريد ابنته، قيل: العيبة الابنة.
قال الإمام: أى بخاصتك وموضع سرّك، ومنه قوله ﷺ : " الأنصار كرشى وعيبتى " (٢) قال ابن الأنبارى: يعنى " كرشى " أصحابى وجماعتى الذين أعتمد عليهم، وأصل الكيرش فى اللغة: الجماعة، وجعل الأنصار عيبته: خصوصيته إياهم؛ لأنه يطلعهم على أسراره، قال غيره: فمعنى " عيبتى ": خاصتى وموضع سرّى، قال أهل اللغة: والعيبة فى كلام العرب، معناها: ما يجعل فيه الرجل أفضل ثيابه، وحرّ متاعه، وأنفسه عنده.
قال القاضى: كذا رواية العذرى والفارسىّ وكافة الرواة، وهو الصواب على ما تقدم، ورواه بعضهم عن السجزى: " بغيبتك " وليس بشىء، وعند ابن ماهان: " بنفسك ".
وقوله: " هو فى المشرُبة "، قال الإمام: فيها لغتان: فتح الراء وضمها. ورباح المذكور فى هذا الحديث هو بفتح الراء، وباء واحدة تحتها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجاء فى حديث إسحاق: " متكئ على رَمْل حصير، قد أثر فى جنبه ": أى أثر نسجها فى جنبه. و" متكئ " هنا بمعنى: مضطجع، فى الحديث الآخر. وتأثير الرمال فى جنبه يدل عليه. وكل متمكن متكئ، وعليه تأول الخطابى قوله ﵇: " أما أنا فلا آكل متكئًا " (١): أى متمكناً فى قعودى له كالمتربع ونحوه، بدليل قوله آخر الحديث: " بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد "، وكما جاء فى الحديث الآخر: " أنه أكل مقعياً "، وأنكر تأويل من تأول أنه الميل على جنب.
وقوله: " واجماً ساكتاً ": أى مطرقاً كالمغضب. " وأُسكُفة المشربة " بضم الهمزة والكاف: عتبة الباب السفلى. و " فقير الخشب " بتقديم الفاء، فسَّره فى الحديث بالجذع يرقى عليه، وهو الذى جعلت فيه فِقَر كالدرج يصعد عليها، أُخذ من فقار الظهر، ومنه: فقار السيف، فقيل للجذع: فقر، بمعنى مفقور، وفقار الظهر: خرزات عظامه التى بطوله، وفقار السَّيف حزوز بظبتيه فى متنه شبهت بفقار الظهر.
وقوله: " يرتقى إليها بعجلة ": كذا روايتنا عن ابن عيسى، وعند غيره: " بعجلها "، والأول أوجه وأبين. والعجلة: درجة من النخل، قاله القتبى.
وقوله: " حتى تحسر الغضب عن وجهه ": أى زال وانكشف.
وقول النبى ﷺ لعائشة: " لا تعجلى حتى تستأمرى أبويك " وقد علم أن أبوىّ لم يكونا ليأمرانى بفراقه، لكراهته ﵇ فراقها، وخوفه أن تبادر بذلك إذا جعل ذلك إليها، لما فى ظاهره من الزهو بتخييرها، وأنفة النساء عند مثل هذا، مع صغر سنها.
وقولها: " لا تخبر امرأة من نسائك بالذى قلت " غيرة منها، وحرصاً على التفرد بالنبى ﷺ ، والاستكثار منه.
وقوله: " إن الله لم يبعثنى معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثت معلماً ميسّراً ": أصل العنت الشدة وإدخال المشقة: أى لم يبعثنى بهذا لغيرى ولا فى خاصتى، وآخر الحديث يدل عليه، وهو قوله: " ميسّراً "، ورواه بعضهم: " مبتسراً "، والأول أولى، لمطابقته معناه. والقرظ: الصمغ، معروف. والأفيق، بفتح الهمزة: الجلد لم يتم دباغه. والإهاب: ما لم يدبغ، جمعه أُهبٌ وأَهبٌ. و" وينكتون الحصى ": أى يضربون به الأرض، فعل المشغول السّر والواجم. كما قال امرؤ القيس:
أعد الحصى ما تنقضى عبراتى
وتبرَّز: أتى البَراز، بفتح الباء، وهى الأرض البارزة عن البيوت والمساكن، يأتونها
стр. 2645
مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِىِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ. فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ ، فَإِذَا هِىَ قَدْ هَلَكَتْ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: لا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِىَ أَوْسَمُ مِنْكِ وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ مِنْكِ. فَتَبَسَّمَ أُخْرَى. فَقُلْتُ: أَسْتَأنِسُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " نَعَمْ "، فَجَلَسْتُ، فَرَفَعْتُ رَأسِى فِى الْبَيْتِ. فَوَاللهِ، مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ، إِلا أُهَبًا ثَلاثَةً. فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ، وَهُمْ
ــ
لقضاء الحاجة.
وقوله: " أوسم ": أى أجمل، والوسامة: الجمال.
وذكر فى الحديث الأول: أن التى شرب عندها العسل زينب، وفى الحديث بعده: أنها حفصة، والأول الصواب؛ بدليل الأحاديث الأخر فى الباب، والذى بعده أن حفصة إحدى المتظاهرتين عليه.
وفى حديث عمر وإشارته على النبى ﷺ ، لتطليق أزواجه: جواز مثل هذا إذا كان على وجه المصلحة.
فى تأديب عمر وأبى بكر لبنتيهما: جواز ذلك للآباء لكبار الأبناء ومتزوجاتهن. وفيه اهتمام المسلمين لما أهم رسول الله ﷺ ، واجتماعهم لذلك وبكاؤهم واستعظامهم ذلك. وفيه وجوب الاستئذان على المرء فى منزله، وإن عرف أنه وحده، وتكرار الاستئذان إذا لم يؤذن، والعودة لذلك، وسيأتى فى بابه الكلام عليه.
وجواز اتخاذ الأئمة والكبراء الحجاب عند انفرادهم لما يهمهم، وأنه إذا فهم الحاجب بالسكوت المنع لم يستأذن؛ إذ قد سمع النبى ﷺ استئذان عمر فسكت، فنظر إليه الغلام ولم يستأذن ولا أذن لعمر، والغالب من حال النبى ﷺ أنه كان لا يتخذ على بابه بواباً.
وفى فعل عمر من ملاطفة أمر النبى ﵇ وتسليته بعد استئذانه فى الاستئناس وإضحاكه إياه: ما يقتدى به من فعله، وأنه لا بأس بمثل هذا من التلطف بالكلام الحسن المباح، لا بالسخف والمجانة ومحاكاة الناس.
وقوله: " أستأنس ": من هذا المعنى، لينبسط فى الكلام لئلا يأتى بما لا يوافق النبى ﷺ من حديثه، فيزيده هماً وحزناً فلم يرد أن يحدث بغير ما هم فيه حتى يستأذن، وهو من الأدب اللازم بين يدى الأكابر والعلماء. وقال إسماعيل القاضى: معنى يستأنس
стр. 2646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هنا: فى الإذن، واحتج بذلك على قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأنِسُوا﴾ (١).
وفيه ما كان عليه ﵇ من التقلل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالدّون منها. وفيه جواز سكنى الغرف، واتخاذ الخزانة لأثاث المرء. وفيه ما كانوا عليه من الحرص على طلب العلم والتناوب فيه، وحمل بعضهم عن بعض كفعل عمر والأنصارى.
وفى خدمة ابن عباس لعمر ما يجب للأئمة والعلماء وأهل الفضل من الحق، وخدمة الفضلاء بعضهم لبعض، وبر الصغار بالكبار وهبته تلك المدة عن سؤاله عن تفسير الآية، لما كانت إحدى المتظاهرات [على النبى ﷺ ] (٢) حفصة ابنته؛ ولذلك قال له: " واهاً لك يابن عباس ": وهى لفظة توضع للتعجب، كما قال فى الرواية الأخرى: " واعجباً لك يا ابن عباس "، ألا ترى الزهرى كيف قال: كره والله، والله ما أسأله عنه ولم يكتمه، وهذا يرد ما تأوله بعضهم فى هذا أنه إنما تعجب، وأنكر عليه أنه لم يعلم من هما إلى الآن، مع حرصه على العلم.
وفى قوله: " إن كان عتاباً كان خالياً " على ما جاء فى رواية البخارى (٣): ما يدل برفع ابن عباس لذلك.
وفيه ما كان عليه ﵇ من حسن الصحبة وجميل العشرة مع أزواجه والصبر على غيرتهن وأخلاقهن، كما خص عليه ﵇ فى حسن عشرة النساء، والصبر على اعوجاجهن، والاستمتاع بهن على ذلك.
وفيه أن هجرانهن له لم يكن فى منع حق له عليهن، وإنما كان فى ترك الكلام والإعراض وتيسير الوجه بما طبعن عليه من ذلك، وحملتهن عليه الغيرة.
وفيه المخاطبة بأجمل الألفاظ وأحسنها، بقوله: " إن كانت جارتك "، ولم يقل: ضرتك، والعرب تفعل ذلك، لما فى لفظة " الضرة " من الاسم المكروه.
وفيه جواز قرع الباب للاستئذان، وشدة القرع فيه للأمور المهمة. وجواز النظر إلى ما لم يستر فى بيت المزور، لا سيما الصاحب، وقد جاء النهى عن فضول النظر وكراهيته عن السلف.
وفيه هجره ﵇ لهن فى غير بيوتهن تأديباً لهن، قال بعضهم: لما فيه من الرفق؛ إذ هجرانهن مع الكون معهن آلم لقلوبهن.
قال القاضى: الأمر بالعكس أولى، بل بعده عنهن أغيظ لهن وأشد حسرة، وهذا مما اختلف فيه العلماء. وذهب بعضهم أنه لا يكون ذلك إلا فى بيوتهن، وفيه حديث،
стр. 2647
لا يَعْبُدُونَ اللهَ. فَاسْتَوَى جَالِسًا ثُمَّ قَالَ: " أَفِى شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ". فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِى يَا رَسُولَ اللهِ. وَكَانَ أَقْسَمَ أَلا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ، حَتَّى عَاتَبَهُ اللهُ .
٣٥ - (١٤٧٥) قَالَ الزُّهْرِىُّ: فَأَخْبَرَنِى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، بَدَأَ بِى. فَقُلْتُ. يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَلا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ. أَعُدُّهُنَّ. فَقَالَ: " إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ " ثُمَّ قَالَ: " يَا عَائِشَةُ إِنِّى ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلا عَلِيْكِ أَلا تَعْجَلِى فِيهِ حَتَّى تَسْتَأمِرِى أَبوَيْكِ ". ثُمَّ قَرَأَ عَلَىَّ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِك﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿أَجْرًا
ــ
وهذا حجة عليه، وقد نبه عليه البخارى وترجم به (١)، ورجح حديث عمر. وفيه جواز القسم على مثل هذا، وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُن﴾ (٢) الآية. وقد اختلفت فى معنى قوله تعالى هذا، فقيل: هجرانها فى المضجع أن ينام معها ولا يجامعها، وقيل: ينام معها فيه ويوليها ظهره ولا يكلمها، وقيل: يهجرها بلسانه ويغلظ لها بالقول ولا يدع جماعها.
وفى قول عمر: " رغم أنف حفصة ": جواز قول مثل هذا وقاله عمر بن عبد العزيز وابن حبيب، وقد كرهه مالك، ومعناه: ذل أنفها ولصق بالتراب، وهو الرغام، من الذلة.
وفيه قوله: " إن كانت جارتك " يريد: ضرتك، وكانوا يكرهون تسميتها ضرّة لما فى لفظه من الضر.
وقوله: " أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى الدنيا ": يحتج به من يفضل الفقر على الغنى، لما فى مفهوم هذا أن بمقدار ما يتعجل من طيبات الدنيا يفوته من الآخرة ما كان يدخر له لو لم يستعجله، وقد يتأوله الآخرون بأن المراد أن حظ هؤلاء من النعيم ما نالوه فى الدنيا، ولا حظ لهم فى الآخرة لكفرهم.
قال الإمام: ذكر مسلم فى هذا الباب: حدثنا عن سفيان بن عيينة [أبو عبد الله] (٣)، قال البخارى: ولا يصح ابن حنين وهو مولى العباس هكذا يقول ابن عيينة، قال البخارى: ولا يصح قوله، وقال مالك: مولى آل زيد بن الخطاب، وقال محمد بن جعفر
стр. 2648
عَظِيمًا (١). قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ - وَاللهِ - أَنَّ أَبَوَىَّ لَمْ يَكُونَا لِيأمُرَانِى بِفِرَاقِهِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَفِى هَذَا أَسْتَأمِرُ أَبوَىَّ؟ فَإِنَّى أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ.
قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِى أَيُّوبُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّى اخْتَرْتُكَ. فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ : " إِنَّ اللهَ أَرْسَلَنِى مُبَلِّغًا وَلَمْ يُرْسِلْنِى مُتَعَنِّتًا ".
قَالَ قَتَادَةُ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢): مَالَتْ قُلُوبُكُمَا.
ــ
ابن أبى كثير: مولى بنى زريق.
قال القاضى: الصحيح عندهم قول مالك، وحديثه عند أهل المدينة.
وذكر فى الحديث: أنه آلى من نسائه شهراً. الإيلاء: الحلف، وأصله: الامتناع من فعل الشىء. آلى إيلاء، وتَأَلَّى تألّياً وائتلى ائتلاء، وصار فى عرف الفقهاء مختصاً بالحلف على الاعتزال من جماع الزوجات إلا ما حكى عن ابن سيرين من أنه محمول على كل حلف عليهن، من جماع أو كلام أو إنفاق.
ولا خلاف بين العلماء، أن مجرد الإيلاء، لا يوجب فى حينه طلاقاً ولا حكماً. واختلفوا، هل له تقدير ومدة به يجب حكمه الذى نص عليه بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر﴾ (٣) الآية أم لا؟ مذهب علماء الحجاز والمدنيين وجمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم: إلى أن ذلك لمن حلف على أكثر من أربعة أشهر، فمن حلف على أربعة فأقل، فليس بمولٍ. وذهب الكوفيون إلى أن ذلك لمن حلف على أربعة أشهر فأكثر، لا على أقل.
وشذ ابن أبى ليلى وابن شبرمة والحسن فى آخرين منهم، فقال: إن حلف على ألّا يجامعها يوماً أو أقل، ثم تركها حتى مضت أربعة أشهر فهو مولٍ تعلقاً بظاهر الآية.
وروى عن ابن عمر عكس هذا، أن كل من وقت ليمينه وقتاً وضرب مدة وإن طالت، فليس بمول، وإنما المولى من حلف [على] (٤) الأبد. ولا خلاف بينهم أنه لا يقع عليه طلاق قبل الأربعة أشهر، ولا خلاف أنه إن أحنث نفسه قبل تمامها، أن الإيلاء ساقط عنه. ثم اختلفوا اختلافاً آخر: هل بانقضاء الأربعة الأشهر يقع الطلاق؟ وهو قول الكوفيين كلهم ويقدرون الآية: فإن فاؤوا فيهن، أم حتى يوقف الزوج فإمّا فاء وإمّا طلق، أو طلّق عليه السّلطان؟ هو قول علماء الحجاز والمدينة ومصر وكافة فقهاء أصحاب الحديث وأهل الظاهر، وتقدير الآية عند هؤلاء: فإن فاؤوا بعدهن، وهو مشهور قول مالك وأصحابه،
стр. 2649
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحكى عنه مثل قول الكوفيين وقال أشهب من أصحابنا: إن قال: أنا أفئ، أمهل حتى تنقضى عدتها، فإن لم يف بانت منه.
ثم اختلف القائلون بوقوع الطلاق بالقضاء الأربعة الأشهر، هل هو بائن أو رجعى؟ وأما الآخرون فلا خلاف بينهم أنها رجعية، إلا أن مالكاً يقول: لا يصح فيها الرجعة حتى يطأ الزوج فى العدة، ولم يحفظ هذا الشرط لأحد سواه.
وكذلك اختلفوا إذا وقع الطلاق وقد حاضت ثلاثاً فى الأربعة الأشهر، هل تحتاج إلى استئناف عدة؟ وهو قول الكافة، أم لا تحتاج إليها وتلك تُغنيها وتتزوج مكانها؟ وهو قول جابر ببن زيد، وقال به الشافعى فى القديم.
وكذلك اختلفوا: هل يكون غير قاصد الضرر والحالف فى الرضا وعلى غير الغضب، مولياً أو لا؟ فكافتهم على أنه يكون مولياً بكل وجه. وذهب مالك والأوزاعى إلى أنه لا يكون مولياً، إذا حلف لمصلحة ولده حتى تفطمه، وهو قياس قولهم فى شبه هذا، مما لم يقصد به الضرر، وبه قال أبو عبيد، وعن على وابن عباس قالا: إنما يكون مولياً، إذا حلف على وجه الغضب، وأمّا على وجه الرضا فلا يكون مولياً.
وقوله تعالى فى الآية: ﴿فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ (١) يشعر بأن الإيلاء إنما له هذا الحكم، إذا قصد به الإضرار؛ إذ عنه يكون الغفران والرحمة، وقيل: غفور فى اجترامهم بالحلف على ذلك وتحنيث أنفسهم بالفىء رحيم بهم، وقيل: غفور فيما زاد على الأربعة الأشهر؛ إذ قد أباح له التربص فيها فما زاد فهو محظور. وفيه حجة لمشهور قول مالك والكافة. وقوله: " فجلست فأدنى عليه إزاره ": فيه أن مجالسة الرجل لغيره وإن كان ممن يختص به، بخلاف جلوسه وحده من التحفظ والتستر، لما تدعو إليه الضرورة من كشف جسده؛ لأن ذلك من المروءة والسمت.
وفى بداية النبى ﷺ لعائشة: فضيلتها على غيرها وأثرتها عنده، وكذلك بدايته بالدخول عند تمام الشهر عندها، يحتمل أنها كانت نوبتها بعد التى خرج عنها قبل يمينه، ويحتمل أنه ابتدأ القسم الآن فبدأ بها، ويحتمل أنه بدأ بالدخول عندها ثم دخل إلى سائر نسائه فسوّى بينهن واستمر بعدُ قسمه على ما أراد من ذلك.
وقوله فى الحديث من رواية ابن أبى شيبة: " اللتين تظاهرتا على عهد رسول الله ﷺ ": توقيراً لهما، وبِرًا أن يقول فى هذا الحديث: تظاهرتا على رسول الله ﷺ . فكنى بعهده واكتفى به عن غيره، وقد جاء فى الحديث الآخر مبيناً على رسول الله ﷺ ، كما قال: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْه﴾ (٢).
стр. 2650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله لعائشة: " إن الشهر تسع وعشرون ": فيه حجة لابن عبد الحكم، أن من عليه صيام شهر، فصامه بالأيام أنه يجزيه، خلاف قول مالك وأصحابه: أنه يتم ثلاثين؛ إذ ليس فى هذا الحديث صومه للهلال، بل قول عائشة: " أعدّهن عدّا " يدل على ما قلناه.
стр. 2651
(٦) باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها
٣٦ - (١٤٨٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ. فَقَالَ: واللهِ، مَالَكِ عَلَيْنا مِنْ شَىْءٍ. فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: " لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ "، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِى بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: " تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِى، اعْتَدِّى عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِى ". قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ، انْكِحِى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ "، فَكَرِهْتُهُ. ثُمَّ قَالَ: " انْكِحِى أُسَامَةَ "، فَنَكَحْتُهُ. فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ.
٣٧ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى حَازِمٍ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ كِلَيْهِمَا عَنْ أَبِى
ــ
حديث فاطمة بنت قيس
قال الإمام: خرج مسلم فى حديث فاطمة بنت قيس: " أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة "، هكذا يقول ابن شهاب: عن أبى سلمة وعن عبيد الله بن عبد الله؛ أن أبا عمرو بن حفص. وكذا قال مالك: عن عبد الله بن يزيد عن أبى سلمة أبو حفص بن المغيرة، وهكذا قال الأوزاعى. عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة، وقال شيبان وأبان العطار: عن يحيى أن أبا حفص بن عمرو، فقلنا: والمحفوظ ما قالت الجماعة، وذكر الدولابى عن النسائى: أن اسم أبى عمرو هذا " أحمد ".
قال القاضى: الأشهر فى اسمه كنيته.
وقوله: " طلقها ": هذا هو الصحيح والذى جاءت به الرواية من الحفاظ، على اختلاف صفة الطلاق، هل ثلاث أو البتة أو آخر ثلاث تطليقات على ما سيأتى تفسيره.
стр. 2652
حَازِمٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّهُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَكَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةَ دُونٍ فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ قَالَتْ: وَاللهِ، لأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَإِنْ كَانَ لِى نَفَقَةٌ أَخَذْتُ الَّذِى يُصْلِحُنِى، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِى نَفَقَةٌ لَمْ آخُذْ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " لا نَفَقَةَ لَكِ، وَلا سُكْنَى ".
(...) حدّثنا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِى أَنَسٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، فَأَخْبَرَتْنِى؛ أَنَّ زَوْجَهَا الْمَخْزُومِىَّ طَلَّقَهَا، فَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا نَفقَةِ لَكِ، فَانْتَقِلِى، فَاذْهَبِى إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَكُونِى عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَك عِنْدَهُ ".
٣٨ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى - وَهْوَ ابْنُ أَبِى كَثِيرٍ - أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ - أُخْتَ الضَّحَّاكَ ابْنِ قَيْسٍ - أَخْبرَتْهُ؛ أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِىَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى
ــ
وقد جاء فى آخر الكتاب فى حديث الجساسة لفظ يوهم أنه مات عنها، وليس هذا على ظاهره، أو يكون وهماً من راويه، وقد تكلمنا عليه بما يستغرب هناك، فانظره.
قال الإمام: خرج مسلم فى حديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شىء، فجاءت إلى النبى ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال ﵇: " ليس لك عليه نفقة "، فأمرها أن تعتد فى بيت أم شريك، ثم قال: " تلك امرأة يغشاها أصحابى، اعتدى عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فإذا حللت فأذنينى " قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبى سفيان وأبا جهم خطبانى، فقال ﷺ : " أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، فانكحى أسامة بن زيد " فكرهته، ثم قال: " انكحى أسامة بن زيد "، فنكحته فجعل الله فيه خيراً، واغتبطت به، وفى بعض طرقه قال: " لا نفقة لك ولا سكنى "، وفى بعض طرقه: طلقها ثلاثاً [طلاق الماضى فطلق خالد فى فرقه، وقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثاً] (١) فهل
٤٧ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى بَكْرِ ابْنِ أَبِى الْجَهْمِ بْنِ صُخَيْرٍ الْعَدَوِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: إِنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً. قَالَتْ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِى " فَآذَنْتهُ. فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْم وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ لا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ للنِّسَاءِ، وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ". فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا: أُسَامَةُ! أُسَامَةُ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهَ ﷺ : " طَاعَةُ اللهُ وَطَاعَةُ رَسولِهِ خَيْرٌ لَكِ ". قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ فَاغْتَبَطْتُ.
٤٨ - (...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَبِى الْجَهْمِ، قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: أَرْسَلَ إِلَىَّ زَوْجِى - أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَة - عَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ بطَلاَقِى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ بِخَمْسَةِ آصُعِ تَمْرٍ، وَخَمْسَةِ آصُعِ شَعِيرٍ. فَقُلْتُ: أَمَا لِى نَفَقَةٌ إِلا هَذَا؟ وَلا أَعْتَدُّ فِى مَنْزِلِكُمْ؟ قَالَ: لا. قَالَتْ: فَشَدَدْتُ عَلَىَّ ثِيَابِى، وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " كَمْ طَلَّقَكَ؟ ". قُلْتُ: ثَلاثًا. قَالَ: " صَدَقَ، لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ، اعْتَدِّى فِى بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ ضَرِيرُ البَصَرِ، تُلقِى ثَوْبَك عِنْدَهُ. فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَآذِنِينِى ". قَالَتْ: فَخَطَبَنِى خُطَّابٌ، مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ وَأَبُو الْجَهْمِ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " إِنَّ مُعَاوِيَةَ تَرِبٌ خَفِيفُ الْحَالِ، وَأَبُو الْجَهُمِ مِنْهُ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ - أَوْ يَضْرِبُ النِّسَاءَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا - وَلَكِنْ عَلَيْكِ بِأُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ ".
ــ
فرجل ترب لا مال له، وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء "، وفى بعض طرقه: " أن عائشة - رضى الله عنها - قالت: ما لفاطمة بنت قيس خير فى أن تذكر هذا الحديث "، وفى بعض طرقه: " يا رسول الله، طلقنى ثلاثاً وأخاف أن يقتحم علىّ " فأمرها رسول الله ﷺ فتحولت، قال الإمام: اختلف الناس فى المطلقة البائن الحائل هل لها السكنى والنفقة، فقال بعضهم: لها السكنى والنفقة وقد ذكره مسلم عن عمر، وهو قول أبى حنيفة، وقال آخرون: لا سكنى لها ولا نفقة [وهو قول ابن عباس وأحمد، وآخرون: لها السكنى ولا نفقة لها] (١) وهو مذهب مالك.
стр. 2657
٤٩ - (...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ، حَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى الْجَهْمِ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَسَأَلْنَاهَا فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِى عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَخَرَجَ فِى غَزْوَةِ نَجْرَانَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِىٍّ. وَزَادَ: قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ فَشَرَّفَنِى اللهُ بِأَبِى زَيْدٍ، وَكَرَّمَنِى اللهُ بِأَبِى زَيْدٍ.
٥٠ - (...) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِى أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، زَمَنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَحَدَّثَتْنَا؛ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا طَلاَقًا بَاتًّا. بِنَحْوِ حَدِيثِ سُفْيَانَ.
٥١ - (...) وحدّثنى حَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا حَسَنُ ابْنُ صَالِحٍ، عَنِ السُّدِّىِّ، عَنِ الْبَهِىِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: طَلَّقَنِى زَوْجِى ثَلاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ سُكْنَى وَلا نَفَقَةً.
ــ
فأما من أثبت لها السكنى والنفقة، فتعلق بقول الله سبحانه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُم﴾ (١) وأما النفقة فلأنها محبوسة عليه، وهذا عنده توجب لها النفقة.
وقول عمر: " لا ندع كتاب ربنا ": فالذى يظهر فى كتاب ربنا إثبات السكنى خاصة، وفى قول عمر هذا، إشارة إلى ترك تخصيص القرآن بأخبار الآحاد، وإن كان أراد بقوله: " جهلت أو نسيت "، جواز ذلك عليها، وأما إن كان قطع به فلا إشارة فيه لذلك، ويحتمل أن يكون رأى حكم السكن مستقراً، فيكون هذا الخبر نسخاً، والنسخ لا يكون بأخبار الآحاد باتفاق، بعد زمان النبى ﷺ .
وحجة من يقول: لا سكنى لها ولا نفقة ما رواه مسلم ها هنا من قوله: " لا نفقة لك ولا سكنى " وحجة مالك، أن إثبات السكنى مأخوذ من ظاهر القرآن كما قدمنا، وهذا خبر واحد [فقد] (٢) لا يخص به العموم، وقد يعتل بما اعتل به ابن المسيب من قوله: تلك امرأة فتنت الناس أنها كانت لسنة، فوضعت على يد ابن أم مكتوم، وعن ابن المسيب أيضاً -: تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها، فأمرها ﵇ أن
стр. 2658
٥٢ - (١٤٨١) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ: تَزَوَّجَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ، فَطَلَّقَهَا فَأَخْرَجَهَا مِنْ عِنْدِهِ، فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عُرْوَةُ، فَقَالُوا: إِنَّ فَاطِمَةَ قَدْ خَرَجَتْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ فَقَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ خَيْرُ فِى أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الْحَدِيثَ.
٥٣ - (١٤٨٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوْجِى طَلَّقَنِى ثَلاَثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَى. قَالَ: فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ.
٥٤ - (١٤٨١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا لِفَاطَمَةَ خَيْرٌ أَنْ تَذْكُرَ
ــ
تنتقل، أو يكون ذلك لأنها خافت فى ذلك المنزل بدليل ما رواه مسلم من قولها: أخاف أن يقتحم علىّ، وقال: إن المسكن لم يكن لزوجها، ولو كان السكنى ساقطاً، لم يأمرها أن تعتد فى بيت ابن أم مكتوم، ويقصرها على منزل معين.
وأما إسقاط مالك النفقة، فلقول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١)، ودليل هذا الخطاب: أنهن إن يكن حوامل، فلا يلزمنا الإنفاق عليهن، مع التصريح فى حديث فاطمة بإسقاط النفقة، ولا مدخل للتأويل فى هذا، كما دخل فى السكنى، فأكد هذا الخبر دليل خطاب القرآن، فصار مالك إليه.
قال القاضى: ولم يُختلَف فى المتوفى عنهن أزواجهن أنه لا نفقة لهن، والإجماع على وجوب النفقة والسكنى للمبتوتة كما تقدم. واختلفوا فى السكنى لها وفى مقامها فى بيتها، فعامتهم على وجوب المقام عليها كالمعتدة وخالف داود وأهل الظاهر فلم يرووا ذلك عليها، وروى عن بعض السلف، ورأى مالك وجوب السكنى لها على الزوج، إذا كان مسكنه، أو استوجب كراه لمدة على اختلاف بين أصحابه فى التأويل عليه فى اشتراط النقد، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا سكنى عليه جملة، وعن مالك قولة شاذة نحو هذا، وأشار إليه القاضى أبو الحسن بن القصار وقال: هو القياس كالنفقة.
قال الإمام: وفى هذا الحديث فوائد كثيرة، قال بعض العلماء: فيه دلالة على جواز
стр. 2659
هَذَا. قَالَ: تَعْنِى قَوْلَهَا: لا سُكْنَى وَلا نَفَقَةَ.
(...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائَشَةَ: أَلَمْ تَرَىْ إِلَى فُلاَنَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ؛ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ، فَخَرَجَتْ، فَقَالَتْ: بِئْسمَا صَنَعَتْ. فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِى إِلَى قَوْلِ فَاطِمَةَ؟ فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لا خَيْرَ لَهَا فِى ذِكْرِ ذَلِكَ.
ــ
استفتاء المرأة، وسماع المفتى كلامها، وجواز الخطبة على الغير إذا لم يقع تراكن، وجواز أمر المستشار بغير من استشير فيه، وذكر عيوب الرجال للضرورة إلى ذلك عند المشورة، من قوله: " صعلوك "، " ولا يضع عصاه "، وجواز التعريض فى العدة من قوله: " لا تفوتينا بنفسك "، جواز الضرب اليسير للمرأة من قوله: " لا يضع عصاه "، فإنما ذمّه بالكثرة.
وفيه جواز المبالغة فى الكلام، وأن ذلك لا يكون كذباً، ولا فى الأيمان حنثاً، كقوله: " لا يضع عصاه " ومعلوم أنه قد يضعها، وجواز نكاح من ليس بكفء فى النسب؛ لأن أسامة مولى وفاطمة قرشية، ودلالة على زيارة الرجال المرأة إذا أمن عليها، لقوله ﷺ : " تلك امرأة يغشاها أصحابى ".
وزعم بعضهم أن فيه دلالة على جواز الطلاق ثلاثاً، وقد تأول بعضهم أن ما وقع فى بعض الطرق من قوله: " طلقها ثلاثاً "، معناه طلقها آخر تطليقة كانت له فيها، وقد ذكر مسلم فى بعض طرقه: " فطلقها آخر ثلاث تطليقات ".
وقال بعض العلماء: لا يكون فى هذا حجة لأن المطلق غائب فلا يمكن الإنكار عليه، وأما الطرق الذى ذكرها مسلم عن الشعبى عن فاطمة بنت قيس عن النبى ﷺ فى المطلقة ثلاثاً، قال: ليس لها سكنى ولا نفقة، فيحمل هذا عندنا على أن المراد به كما ورد فى الأحاديث المتقدمة، وإن كان ظاهر هذا العموم، والعموم يمنع تأويل ما ذكرناه فى السكنى عن فاطمة، لكن إذا حمل هذا على أن المراد به ما تقدم من الأحاديث، من فتوى فاطمة، صح ما تقدم فيه من التأويل.
قال القاضى: وفى هذا الحديث من الفقه سوى ما تقدم: جواز نظرة الفجأة ومنع ما سواها، لقوله: " يغشاها أصحابى ": أى يلمون بها ويزورونها، فلا يؤمن تكرار نظرهم إليها، وعليها هى أيضاً من المضرة والحرج إن تحفظت وانقبضت على طول مقامهم وتكرارهم ما لا يخفى، ولما يخشى عليها من انكشاف ما لا يجوز للرجل النظر إليه من
стр. 2660
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأجنبية جملة، بكثرة تكرارهم وملازمتهم وتحدثهم عندها، كما جاء فى حديث آخر. وكانت أم شريك هذه قرشية عامرية اسمها: غزية، ويقال: غزيلة وقد ذكرها بعضهم فى أزواج النبى ﷺ ، وقيل فيها: أنصارية، وقد ذكر مسلم أنها من الأنصار بعد آخر الكتاب فى حديث الجساسة، وهناك يأتى الكلام بأتم من هذا.
وذكر هنا عند ابن عمك عمرو بن أم مكتوم وكذلك جاء فى آخر الكتاب: وذلك رجل من بنى فهر، من البطن الذى هى منه، والمعروف خلاف هذا وليسا من بطن واحد، هى من بنى محارب بن فهر، وهو من بنى عامر بن لؤى. واختلف فى اسم ابن أم مكتوم، فقيل: عمرو كما هاهنا، وقيل: عبد الله، وكذا ذكره فى الموطأ وآخر الكتاب، وقيل غيره، والخلاف فى ذلك كثير.
وقال بعضهم: وفيه حجة أن نظر المرأة إلى الرجل وكونها معه إذا لم تنفرد به جائز، وأن ما ينكشف من الرجال للنساء فى تصرفهم لا حرج فيه غير العورات، بخلاف النساء معهم. فقد تقدم هذا فى الكلام على العورات، وهذا يرد الحديث الآخر من قوله ﵇ لميمونة وأم سلمة: " احتجبا منه " (١) يعنى ابن أم مكتوم، قالتا: إنه أعمى فقال: " أفعمياوان أنتما "؛ لأن راوى هذا الحديث نبهان مولى أم سلمة، وهو ممن لا يحتج بحديثه.
قال القاضى: لا يختلف أن على النساء من غض البصر عن الرجال ما على الرجال من غضه عنهن، كما نص الله تعالى [عليه] (٢)، وأمر الكل بذلك، ووجه الجمع بين هذين الحديثين على تسليم صحتهما، وأن غض البصر فى الوجهين عن النظرة الثانية، واجب من الجميع، ثم حديث فاطمة: أمرت بالاعتداد [عندها] (٣) وخُصّ به دون غيره؛ إذ لا يرى ما ينكشف منها، ألا تراه كيف قال: " تضعين عنده ثيابك "، وإذا وضعت خمارك لم يرك وأمن منه لعماه، ما يخشى من غيره من تردد نظره إليها، بحكم الملازمة والمجاورة، أو لكثرة تحفظها هى وإدخال المشقة عليها من غيره ممن له بصر، ممن كان يغشى أُم شريك.
وأما حديث نبهان فتختص بزيادة حرمة أزواج النبى ﷺ ، وأنهن كما غلظ الحجاب على الرجال فيهن، غلّظ عليهن فى حق الرجال - أيضاً - لعظم حرمتهن، وإلى هذا أشار أبو داود وغيره من العلماء.
стр. 2661
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفيه مراعاة الأموال فى النكاح، ولا سيما فى حق الأزواج، إذ بها تقوم حقوق المرأة. وفيه جواز إخراج المعتدة إذا آذت وفحشت على أهل الدار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (١) قال ابن عباس: هى النشوز وسوء الخلق، ونحو منه عن عائشة، وقيل: هو أن تأتى فاحشة فتخرج لإقامة الحد. وقيل: معناه: إلا أن يأتين بفاحشة بخروجهن: أى أن خروجهن هى الفاحشة، فيكون " إلّا " هاهنا بمعنى " لكن ". وقيل: الفاحشة بذاؤها على أهل زوجها، وهو قريب من القول الأول، وقد ذكر فى خبر فاطمة بعض هذا، وهو الإشارة فى كتاب مسلم من قولها: " لا خير لها فى ذكر ذلك ".
وفيه حجة لإخراج كل مؤذ لجيرانه عنهم من منزله، لإخراج هذه من حقها [فى] (٢) السكنى. وقد قال مالك وأصحابه فى مثله: إن المنزل يباع عليه أو يكرى. وفيه جواز خروجها إذا خافت من المنزل، أو انتقل أهل الموضع، لقولها: " أخاف أن يقتحم علىّ ".
وأما قولهم: فيه جواز التعريض، فبعيد؛ إذ ليس فى قوله ﵇: " لا تسبقينى بنفسك " غير أمرها بالتربص، ولم يُسمّ لها زوجاً. وكذلك قوله: " آذنينى " وإنما يكون التعريض من الزوج أو ممن يتوسط له، بعد تعيينه ومعرفته، وأما فى مجهول فلا يصح فيه التعريض؛ إذ لا يصح فيه مواعدة، ولو أن ولىّ المرأة أو أجنبياً منها قال لها: إذا أكملت عدتك زوجتك، أو لا تتزوجى من أحد إذا أكملت عدتك حتى أعلمه. وتشاورينى فيه، لما كان تعريضاً ولا مواعدة، ولكن فى الحديث حجة على منع التعريض والخطبة والمواعدة فى العدة، إذ لم يذكر لها ﵇ مراده، ولا واعدها عليه ولا خطبها لأسامة.
وأجمعوا على أن النكاح فى العدة حرام يفسخ وأن المواعدة فيها حرام كما نص الله عليه فيهما.
واختلفوا فى صداق المدخول بها، فجمهورهم أن لها عليه مهر مقدم الصداق بما استحل منها، وذكر عن مسروق أن صداقها فى بيت المال، وروى عن عمر، وروى عنه الرجوع عنه.
واختلفوا هل يحل له نكاحها بعد تمام العدة؟ فقال مالك فى مشهور قوله والليث
стр. 2662
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأوزاعى: إذا وطئ فى العدة أو بعدها لا يحل له نكاحها أبداً، قال مالك: ولا يحل له وطؤها بملك يمين. وقد قضى به عمر بن الخطاب. وقال أبو حنيفة والشافعى: لا بأس أن يتزوجها، وهو قول الثورى وعبد العزيز، وقد قضى به على مرويه، قال ابن نافع من أصحابنا فى المبسوطة: وقال المغيرة وغيره: إِنْ وطئ فى العدة حرمت عليه، ولا تحرم عليه بالوطء بعدها وأشار إليه مرة مالك، وقيل: حرم عليه بالعقد وإن لم يطأ، وحكى عن مالك.
واختلف أئمتنا فى القبلة والمباشرة فى العدة، هل هى كالوطء أم لا؟ واختلف قول مالك فيمن وعد فى العدة وعقد بعدها، هل يفسخ بقضاء أم لا؟ واختلف عندنا بعد القول بالفسخ إذا وطئ فى هذا العقد هل يتأبد به التحريم أم لا؟ ويجوز له نكاحها وهو مشهور قوله، ولم يختلفوا أنه لا يفسخ نكاح من وعد فى العدة بخلاف من واعد؛ لأن المواعدة منهما جميعاً، والوعد من أحدهما مع كونهما سواء فى المنع ابتداء، لكن الوعد مكروه والمواعدة حرام.
واختلف عن مالك إذا تزوجها ووطئها فى العدة عالماً بالتحريم، هل تحرم للأبد ويعاقب؟ وهى إن علمت ويلحق به الولد ويجب عليه الصداق، أو حكمهما حكم الزانيين ويحدان، ولا يلحق بهما ولد ولا يحرم عليه ولا يجب فيه صداق؟
وقوله: " فاتحفتنا برطب ابن طاب وسقتنا سويق سلت ": فيه الكرام الفواضل الرجال والإفضال على الزائرين (*) والقاصدين لطلب العلم، وفيه احتجاج عمر بقوله: " لا ندع كتاب الله لحديث امرأة ". وما ذهب إليه عمر ومسروق وغيرهما حجة لمن رأى من الأصوليين أن العموم فى القرآن لا يخصص بخبر الآحاد. ووجه اختلاف ألفاظها عندى فى سبب خروجها من قولها: " فلم يجعل لى رسول الله ﷺ سكنى " مع قولها: " أخاف أن يقتحم علىّ " وقولها: " إنه قال لها: لا سكنى لك ": أى لهذه العلة التى ذكرت.
وفى إنكار عائشة على فاطمة فُتياها فى المسألة على العموم: وجوب الإنكار على من يفتى بما لم يحط به علماً، إذ ظنت فاطمة عموماً طلاقاً وأيًّا كان لعلة (**)، وهذا الذى أنكرت عليها عائشة لا غيره، وكذلك إطلاق الفتيا بغير بيان وتعميمها للعامة بما يجب إنكاره على فاعله لأنه يدخل اللبس.
وكذلك إنكار عمر وقوله: " لا ندع كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، لها السكنى والنفقة ": ليس معناه فى وجوب النفقة وإنما يريد فى السكنى. قال الدارقطنى: قوله: " وسنة نبينا " غير محفوظة لم يذكرها جماعة من الثقات، قال القاضى إسماعيل: الذى فى كتاب ربنا النفقة لذوات الأحمال، ونحسب الحديث: ولها السكنى؛ لأن السكنى
стр. 2663
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
موجود فى كتاب الله بقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ (١) الآية، وزاد أهل الكوفة فى الحديث عن عُمر: والنفقة.
قال القاضى: وفى تخصيص الله تعالى أولات الأحمال بالنفقة، دليل على أنه لا نفقة لغيرها، واحتجاجها بالآية: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِن﴾ (٢) وقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٣)، وقولها هذا لمن كانت له مراجعة بطلاق السبه، وقوله: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ عموم فى المطلقات هذه وغيرها، فأى أمر يحدث بعد الثلاث لا حجة لها ولا يخالف فيه؛ لأن هذه العلة لم تأت للإخراج، وإنما جاءت لعلة النهى عن تعدى حدود الله فى الزيادة على طلاق الواحدة ومخالفته، وكذلك قوله: " فخاصمته فى السكنى " (٤): أى خاصمت فى تركها والخروج عن المنزل فتتفق الأحاديث على هذا، وكذلك قولها: " أمرنى أن أعتدّ فى أهلى " (٥) فوافق لقوله: " انتقلى إلى ابن عمك ابن أم مكتوم " (٦) إذ هو من أهلها.
ولا حجة للمخالف فى إنكار عمر وعائشة عليها فى إسقاط النفقة؛ إذ ليس فى ذلك بيان، وإنما أنكر إسقاط السكنى، ويدل عليه قول عمر: " لا ندع كتاب الله وسنة نبيه ".
وفى قوله فى أبى جهم: " ضرّاب للنساء " (٧) وفى الرواية الأخرى: " فيه شدّة على النساء " (٨) حجة لصحة أحد التأويلين فى معنى: " لا يَضع عصاه عن عاتقه " (٩) على أنه قد جاء فى حديث آخر ما يدل على التأويل الآخر أن المراد به كثرة أسفاره. وفيه جواز ضرب النساء وتأديبهن إذ أخبر عنه بهذه الصفة، ولم ينه عنه إذ لعله كان يؤدبهن فيما يجب كما أمره الله وذمه بالإكثار منه، لكنه من لا يفعل ذلك ويتخلق بالحلم وأخلاق النبى ﵇ أفضل. قال علماؤنا: ولم يختلف فى ضربهن فيما نص الله عليه من النشوز والامتناع عن الاستمتاع. قال القاضى أبو عبد الله بن المرابط: واختلف فى ضربهن فيما يجب عليهن من خدمة بيوتهن.
قال القاضى: وهذا على من أوجب عليهن ذلك، وقد ذكرناه، ولا خلاف أن الإفراط ومجاوزة الحد فى أدبهن ممنوع، والمداومة عليه مكروه. وقد نهى النبى ﵇ عن ذلك جملة؛ إذ ليس من مكارم الأخلاق، وفى حديث آخر.
стр. 2664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: فى معاوية " ترب لا مال له " (١): بمعنى فقير، ترب الرجل: إذا افتقر، ورجل ترب.
وقوله: " أبو جهم " وأبو جهيم المعروف على التكبير، ولا ينكر فى التصغير، وهو أبو جهم بن حذيفة القرشى [العذرى] (٢)، وهو صاحب الإبنجانية، وكذا رواه جميع الناس: " أبو جهم " ولم ينسبوه، إلا يحيى بن يحيى الأندلسى، فقال: أبو جهم ابن هشام. وهو غلط لا يعرف فى الصحابة أبو جهم بن هشام، ولم يوافق أحد يحيى ابن يحيى على ذلك من رواة الموطأ وغيرهم.
وقوله: " سنأخذ بالعصمة التى وجدنا الناس عليها " (٣): أى بالثقة والأمر القوى الصحيح. ورواه السمرقندى: " بالقضية " وله معنى يتجه، ولكن لاشك أن الأول الصواب.
وذكر مسلم: حديثاً فى الباب عن سفيان عن أبى بكر بن أبى الجهم بن صخير. كذا للفارسى والشنتجالى وعند العذرى والهوزانى على التكبير، وعند بعضهم: " حُجير " وهو خطأ والأول الصواب، وبالتصغير ذكره البخارى فى تاريخه (٤).
وقولها: " فشرفنى الله بابن زيد وكرمنى بابن زيد ": وكذا لكافة الرواة وعند السمرقندى: " بأبى زيد " (٥) فيهما وثبتت الروايتان عند ابن [أبى] (٦) جعفر، وكل صحيح، وهو أسامة بن زيد، ويكنى بأبى زيد، وقيل: أبو محمد.
стр. 2665
(٧) باب جواز خروج المعتدة البائن، والمتوفى عنها زوجها، فى النهار، لحاجتها
٥٥ - (١٤٨٣) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِى أَبُو الْزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: طُلِّقَتْ خَالَتِى، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: " بَلَى، فَجُدِّى نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِى أَوْ تَفْعَلِى مَعْرُوفًا ".
ــ
وقوله ﵇ للمعتدة التى سألته الخروج لجداد نخلها: " بلى، فجدى نخلك، فعسى أن تصدقى وتفعلى خيراً ": حجة لمالك والليث فى جواز خروج المعتدة بالنهار، وأن لزوم منزلهن إنما هو بالليل، وهو قول الثورى والليث والشافعى وابن حنبل، وسواء عند مالك كانت رجعية أو مبتوتة. وقال الشافعى: فى الرجعية: لا تخرج ليلاً ولا نهاراً، وإنما تخرج نهاراً المبتوتة. وقال أبو حنيفة: ذلك فى المتوفى عنها، وأما المطلقة فلا تخرج ليلاً ولا نهاراً.
وقال محمد بن الحسن: لا يخرج الجميع ليلاً ولا نهاراً، وقد احتج أبو داود بهذا الحديث فى الباب على أنها تخرج بالنهار لقولنا، ووجه استدلالنا: أن الجداد الذى يخرج إليه فى الحديث إنما هو بالنهار عرفاً وشرعاً. وقد نهى النبى ﷺ عن جداد الليل، وأيضاً فإن نخل الأنصار وأموالهم ليست من البعد بحيث يحتاج إلى المبيت فيها إذا خرج بالنهار، فظاهره بكل وجه أن استئذانها إنما لخروج النهار.