← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفيه مراعاة الأموال فى النكاح، ولا سيما فى حق الأزواج، إذ بها تقوم حقوق المرأة. وفيه جواز إخراج المعتدة إذا آذت وفحشت على أهل الدار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (١) قال ابن عباس: هى النشوز وسوء الخلق، ونحو منه عن عائشة، وقيل: هو أن تأتى فاحشة فتخرج لإقامة الحد. وقيل: معناه: إلا أن يأتين بفاحشة بخروجهن: أى أن خروجهن هى الفاحشة، فيكون " إلّا " هاهنا بمعنى " لكن ". وقيل: الفاحشة بذاؤها على أهل زوجها، وهو قريب من القول الأول، وقد ذكر فى خبر فاطمة بعض هذا، وهو الإشارة فى كتاب مسلم من قولها: " لا خير لها فى ذكر ذلك ". وفيه حجة لإخراج كل مؤذ لجيرانه عنهم من منزله، لإخراج هذه من حقها [فى] (٢) السكنى. وقد قال مالك وأصحابه فى مثله: إن المنزل يباع عليه أو يكرى. وفيه جواز خروجها إذا خافت من المنزل، أو انتقل أهل الموضع، لقولها: " أخاف أن يقتحم علىّ ". وأما قولهم: فيه جواز التعريض، فبعيد؛ إذ ليس فى قوله ﵇: " لا تسبقينى بنفسك " غير أمرها بالتربص، ولم يُسمّ لها زوجاً. وكذلك قوله: " آذنينى " وإنما يكون التعريض من الزوج أو ممن يتوسط له، بعد تعيينه ومعرفته، وأما فى مجهول فلا يصح فيه التعريض؛ إذ لا يصح فيه مواعدة، ولو أن ولىّ المرأة أو أجنبياً منها قال لها: إذا أكملت عدتك زوجتك، أو لا تتزوجى من أحد إذا أكملت عدتك حتى أعلمه. وتشاورينى فيه، لما كان تعريضاً ولا مواعدة، ولكن فى الحديث حجة على منع التعريض والخطبة والمواعدة فى العدة، إذ لم يذكر لها ﵇ مراده، ولا واعدها عليه ولا خطبها لأسامة. وأجمعوا على أن النكاح فى العدة حرام يفسخ وأن المواعدة فيها حرام كما نص الله عليه فيهما. واختلفوا فى صداق المدخول بها، فجمهورهم أن لها عليه مهر مقدم الصداق بما استحل منها، وذكر عن مسروق أن صداقها فى بيت المال، وروى عن عمر، وروى عنه الرجوع عنه. واختلفوا هل يحل له نكاحها بعد تمام العدة؟ فقال مالك فى مشهور قوله والليث

стр. 2662

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأوزاعى: إذا وطئ فى العدة أو بعدها لا يحل له نكاحها أبداً، قال مالك: ولا يحل له وطؤها بملك يمين. وقد قضى به عمر بن الخطاب. وقال أبو حنيفة والشافعى: لا بأس أن يتزوجها، وهو قول الثورى وعبد العزيز، وقد قضى به على مرويه، قال ابن نافع من أصحابنا فى المبسوطة: وقال المغيرة وغيره: إِنْ وطئ فى العدة حرمت عليه، ولا تحرم عليه بالوطء بعدها وأشار إليه مرة مالك، وقيل: حرم عليه بالعقد وإن لم يطأ، وحكى عن مالك. واختلف أئمتنا فى القبلة والمباشرة فى العدة، هل هى كالوطء أم لا؟ واختلف قول مالك فيمن وعد فى العدة وعقد بعدها، هل يفسخ بقضاء أم لا؟ واختلف عندنا بعد القول بالفسخ إذا وطئ فى هذا العقد هل يتأبد به التحريم أم لا؟ ويجوز له نكاحها وهو مشهور قوله، ولم يختلفوا أنه لا يفسخ نكاح من وعد فى العدة بخلاف من واعد؛ لأن المواعدة منهما جميعاً، والوعد من أحدهما مع كونهما سواء فى المنع ابتداء، لكن الوعد مكروه والمواعدة حرام. واختلف عن مالك إذا تزوجها ووطئها فى العدة عالماً بالتحريم، هل تحرم للأبد ويعاقب؟ وهى إن علمت ويلحق به الولد ويجب عليه الصداق، أو حكمهما حكم الزانيين ويحدان، ولا يلحق بهما ولد ولا يحرم عليه ولا يجب فيه صداق؟ وقوله: " فاتحفتنا برطب ابن طاب وسقتنا سويق سلت ": فيه الكرام الفواضل الرجال والإفضال على الزائرين (*) والقاصدين لطلب العلم، وفيه احتجاج عمر بقوله: " لا ندع كتاب الله لحديث امرأة ". وما ذهب إليه عمر ومسروق وغيرهما حجة لمن رأى من الأصوليين أن العموم فى القرآن لا يخصص بخبر الآحاد. ووجه اختلاف ألفاظها عندى فى سبب خروجها من قولها: " فلم يجعل لى رسول الله ﷺ سكنى " مع قولها: " أخاف أن يقتحم علىّ " وقولها: " إنه قال لها: لا سكنى لك ": أى لهذه العلة التى ذكرت. وفى إنكار عائشة على فاطمة فُتياها فى المسألة على العموم: وجوب الإنكار على من يفتى بما لم يحط به علماً، إذ ظنت فاطمة عموماً طلاقاً وأيًّا كان لعلة (**)، وهذا الذى أنكرت عليها عائشة لا غيره، وكذلك إطلاق الفتيا بغير بيان وتعميمها للعامة بما يجب إنكاره على فاعله لأنه يدخل اللبس. وكذلك إنكار عمر وقوله: " لا ندع كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، لها السكنى والنفقة ": ليس معناه فى وجوب النفقة وإنما يريد فى السكنى. قال الدارقطنى: قوله: " وسنة نبينا " غير محفوظة لم يذكرها جماعة من الثقات، قال القاضى إسماعيل: الذى فى كتاب ربنا النفقة لذوات الأحمال، ونحسب الحديث: ولها السكنى؛ لأن السكنى

стр. 2663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ موجود فى كتاب الله بقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ (١) الآية، وزاد أهل الكوفة فى الحديث عن عُمر: والنفقة. قال القاضى: وفى تخصيص الله تعالى أولات الأحمال بالنفقة، دليل على أنه لا نفقة لغيرها، واحتجاجها بالآية: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِن﴾ (٢) وقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٣)، وقولها هذا لمن كانت له مراجعة بطلاق السبه، وقوله: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ عموم فى المطلقات هذه وغيرها، فأى أمر يحدث بعد الثلاث لا حجة لها ولا يخالف فيه؛ لأن هذه العلة لم تأت للإخراج، وإنما جاءت لعلة النهى عن تعدى حدود الله فى الزيادة على طلاق الواحدة ومخالفته، وكذلك قوله: " فخاصمته فى السكنى " (٤): أى خاصمت فى تركها والخروج عن المنزل فتتفق الأحاديث على هذا، وكذلك قولها: " أمرنى أن أعتدّ فى أهلى " (٥) فوافق لقوله: " انتقلى إلى ابن عمك ابن أم مكتوم " (٦) إذ هو من أهلها. ولا حجة للمخالف فى إنكار عمر وعائشة عليها فى إسقاط النفقة؛ إذ ليس فى ذلك بيان، وإنما أنكر إسقاط السكنى، ويدل عليه قول عمر: " لا ندع كتاب الله وسنة نبيه ". وفى قوله فى أبى جهم: " ضرّاب للنساء " (٧) وفى الرواية الأخرى: " فيه شدّة على النساء " (٨) حجة لصحة أحد التأويلين فى معنى: " لا يَضع عصاه عن عاتقه " (٩) على أنه قد جاء فى حديث آخر ما يدل على التأويل الآخر أن المراد به كثرة أسفاره. وفيه جواز ضرب النساء وتأديبهن إذ أخبر عنه بهذه الصفة، ولم ينه عنه إذ لعله كان يؤدبهن فيما يجب كما أمره الله وذمه بالإكثار منه، لكنه من لا يفعل ذلك ويتخلق بالحلم وأخلاق النبى ﵇ أفضل. قال علماؤنا: ولم يختلف فى ضربهن فيما نص الله عليه من النشوز والامتناع عن الاستمتاع. قال القاضى أبو عبد الله بن المرابط: واختلف فى ضربهن فيما يجب عليهن من خدمة بيوتهن. قال القاضى: وهذا على من أوجب عليهن ذلك، وقد ذكرناه، ولا خلاف أن الإفراط ومجاوزة الحد فى أدبهن ممنوع، والمداومة عليه مكروه. وقد نهى النبى ﵇ عن ذلك جملة؛ إذ ليس من مكارم الأخلاق، وفى حديث آخر.

стр. 2664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: فى معاوية " ترب لا مال له " (١): بمعنى فقير، ترب الرجل: إذا افتقر، ورجل ترب. وقوله: " أبو جهم " وأبو جهيم المعروف على التكبير، ولا ينكر فى التصغير، وهو أبو جهم بن حذيفة القرشى [العذرى] (٢)، وهو صاحب الإبنجانية، وكذا رواه جميع الناس: " أبو جهم " ولم ينسبوه، إلا يحيى بن يحيى الأندلسى، فقال: أبو جهم ابن هشام. وهو غلط لا يعرف فى الصحابة أبو جهم بن هشام، ولم يوافق أحد يحيى ابن يحيى على ذلك من رواة الموطأ وغيرهم. وقوله: " سنأخذ بالعصمة التى وجدنا الناس عليها " (٣): أى بالثقة والأمر القوى الصحيح. ورواه السمرقندى: " بالقضية " وله معنى يتجه، ولكن لاشك أن الأول الصواب. وذكر مسلم: حديثاً فى الباب عن سفيان عن أبى بكر بن أبى الجهم بن صخير. كذا للفارسى والشنتجالى وعند العذرى والهوزانى على التكبير، وعند بعضهم: " حُجير " وهو خطأ والأول الصواب، وبالتصغير ذكره البخارى فى تاريخه (٤). وقولها: " فشرفنى الله بابن زيد وكرمنى بابن زيد ": وكذا لكافة الرواة وعند السمرقندى: " بأبى زيد " (٥) فيهما وثبتت الروايتان عند ابن [أبى] (٦) جعفر، وكل صحيح، وهو أسامة بن زيد، ويكنى بأبى زيد، وقيل: أبو محمد.

стр. 2665

(٧) باب جواز خروج المعتدة البائن، والمتوفى عنها زوجها، فى النهار، لحاجتها ٥٥ - (١٤٨٣) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِى أَبُو الْزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: طُلِّقَتْ خَالَتِى، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: " بَلَى، فَجُدِّى نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِى أَوْ تَفْعَلِى مَعْرُوفًا ". ــ وقوله ﵇ للمعتدة التى سألته الخروج لجداد نخلها: " بلى، فجدى نخلك، فعسى أن تصدقى وتفعلى خيراً ": حجة لمالك والليث فى جواز خروج المعتدة بالنهار، وأن لزوم منزلهن إنما هو بالليل، وهو قول الثورى والليث والشافعى وابن حنبل، وسواء عند مالك كانت رجعية أو مبتوتة. وقال الشافعى: فى الرجعية: لا تخرج ليلاً ولا نهاراً، وإنما تخرج نهاراً المبتوتة. وقال أبو حنيفة: ذلك فى المتوفى عنها، وأما المطلقة فلا تخرج ليلاً ولا نهاراً. وقال محمد بن الحسن: لا يخرج الجميع ليلاً ولا نهاراً، وقد احتج أبو داود بهذا الحديث فى الباب على أنها تخرج بالنهار لقولنا، ووجه استدلالنا: أن الجداد الذى يخرج إليه فى الحديث إنما هو بالنهار عرفاً وشرعاً. وقد نهى النبى ﷺ عن جداد الليل، وأيضاً فإن نخل الأنصار وأموالهم ليست من البعد بحيث يحتاج إلى المبيت فيها إذا خرج بالنهار، فظاهره بكل وجه أن استئذانها إنما لخروج النهار.

стр. 2666

(٨) باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها، بوضع الحمل ٥٦ - (١٤٨٤) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَتَقَارَبَا فِى اللَّفْظِ - قَالَ حَرْمَلَةُ: حَدَّثَنَا - وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهَبٍ - حَدَّثَنِى يُونُسُ بْن يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَرْقَمِ الْزُّهْرِىِّ، يَأَمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الأَسْلَمِيَّةِ، فَيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِهَا وَعَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ اسْتَفْتَتْهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ يُخْبِرُهُ؛ أَنَّ سُبَيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَهُوَ فِى بَنِى عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّىَ عَنْهَا فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهْىَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَك - رَجُلٌ مِنْ بَنِى عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا: مَالِى أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النّكَاحَ، إِنَّكِ، وَاللهِ، مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ ــ حديث [سبعة] (١) الأسلمية قال الإمام: ذكر مسلم حديث سبعة لما توفى عنها زوجها فوضعت حملها، فأخبرها النبى ﵇ أنها خلت. اختلف الناس فى الحامل المتوفى عنها زوجها، فالمشهور عندنا أنها بوضع الحمل تنقضى عدتها وإن وضعت قبل انقضاء أربعة أشهر وعشر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢)، فعم ولم يفرق بين عدة وفاة ولا عدة طلاق لأجل حديث سبيعة هذا. وقد قال بعض أصحابنا: عليها أقصى الأجلين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣) الآية ولم يفرق بين أن تكون حاملاً أو حائلاً، فرأى أن هذه الآية توجب التربص أربعة أشهر وعشراً] (٤)، فإذا انقضت فلابد من طلب الوضع لأجل الآية الأخرى، ولأنه لا يصح نكاح الحامل فأخذ بموجب الاثنين

стр. 2667

سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِى ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَىَّ ثِيَابِى حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَفْتَانِى بِأَنِّى قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِى، وَأَمَرَنِى بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِى. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلَا أَرَى بَأسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِى دَمِهَا، غَيْرَ أَلا يَقْرُبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ. ٥٧ - (١٤٨٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَار؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنَ عَبَّاسٍ اجْتَمَعَا عِنْدَ أَبِى هُرَيْرَةَ، وَهُمَا يَذْكُرَانِ المَرْأَةَ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ. فَقَالَ ــ جميعاً، وقد قال ابن مسعود: آية النساء الصغرى نزلت آخراً [يعنى] (١) سورة الطلاق، وفيها البراءة بالوضع للحمل، فأشار إلى أنها تقضى على آية البقرة. وهذا ترجيح المذهب المشهور، والعمومان إذا تعارضا وجب بناؤهما عند أكثر الأصوليين، وإن لم يكن فى البناء طرق مختلفة طلب الترجيح. وقد حصل هاهنا بحديث سبعة وبما قاله ابن مسعود. قال القاضى: لحديث سبيعة قال جميع العلماء وأئمة الفتوى، إلا ما روى عن على وابن عباس من آخر الأجلين. واختاره سحنون من أصحابنا، وقد روى عن ابن عباس الرجوع عنه والظاهر من الآية أنها معطوفة على المطلقات، إلا أنه عموم نزل على ما قاله ابن مسعود بعد آية المتوفى ولا دليل على التخصيص، فوجب الحكم بالعموم المتأخر، وعضده خبر سبيعة [وهذا أولى من قول من قال هى ... (٢) لآية البقرة ... (٣)] (٤) من آخر حكم النبى ﷺ ؛ لأن قصة سبيعة الأسلمية كانت بعد حجة الوداع. وزوجها المتوفى هو سعد بن خولة المتوفى بمكة حينئذ. وقوله: " قد حللت حين وضعت "، وقول ابن شهاب: " وإن كانت فى دم نفاسها لا أرى بأساً أن تتزوج ": هو الذى عليه جمهور العلماء وأئمة الأمصار أنها بتمام الوضع وإن كان واحداً أو آخر [وضع] (٥) الولدان كان أكثر حلّ، ولو كان زوجها بعد لم يقبر ولا ينتظر طهرها وشذ الحسن والشعبى وإبراهيم وحماد فقالوا: لا تنكح ما دامت فى دم

стр. 2668

ابْنُ عَبَّاسٍ: عِدَّتهَا آخِرُ الأَجَلَيْنِ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ. فَجَعَلا يَتنَازَعَانِ ذَلِكَ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنا مَعَ ابْنِ أَخِى - يَعْنِى أَبَا سَلَمَةَ - فَبَعَثُوا كُرَيْبًا - مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَجَاءهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعَدْ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، وَإِنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ. (...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْن هَارُونَ، كِلاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ اللَّيْثَ قَالَ فِى حَدِيثِهِ: فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمَّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يُسَمِّ كُرَيْبًا. ــ نفاسها. وهذا الحديث وغيره من الأحاديث يرد عليهم، ولعلهم تعلقوا [بقوله] (١) فى حديث سبيعة: " فلما تعلّت من نفاسها " [ومعناه: طهرت من دم نفاسها] (٢). يقال: تعلت المرأة من دم نفاسها فهى تتعلى: إذا طهرت منه. قال الخليل: ولا حجة فيه لأن النبى ﵇ لم يُعلل جواز النكاح لها بذلك بل علله بنفس الوضع، وإنما أخبر عنها هى المخبر؛ أنها حين تعلت من نفاسها فعَلَتْ ما فعلت، وليس فعلها مما يوجب حكماً. وفى ظاهر قوله: " حللت حين وضعت، ولم تفصّل ولداً كاملاً أو سقطاً أو غيره، حجة للكافة من أن ذلك يبريها كيف كان من غير مراعاة لتمام خلقه، بل بكل مضغة وعلقة مما يعلم أنه سقط، خلافاً لأحد قولى الشافعى؛ أنها لا تنقضى عدتها إلا بوضع ولد كامل. وقوله: " أنها ولدت بعد وفاة زوجها بليال فأمرها رسول الله ﷺ أن تتزوج ": يدل أنها لم تنتظر انقطاع الدم. وقول أبى السنابل لها: " والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر ": قيل: إنما قال لها ذلك لتتربص لقوله: حتى يأتى أولياؤها إذا كانوا غُيباً فيتزوجها هو، إذا كان لزمها غرض، وكان رجلاً كبيراً ومالت إلى نكاح غيره كما جاء فى حديث مالك (٣). ويحتمل أنه حمل الآية على العموم لكل متوفى عنها كما حملها غيره، حاملاً كانت أو غير حامل كما تقدم. ولعل الغائب من أوليائها - على التنزيل الأول - كان ممن ترجع إلى رأيه ولا تخالفه؛ إذ لو لم يكن لها ولى حاضر جملة لم يكن بد من انتظاره فى القرب.

стр. 2669

(٩) باب وجوب الإحداد فى عدة الوفاة وتحريمه فى غير ذلك، إلا ثلاثة أيام ٥٨ - (١٤٨٦) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ. قَالَ: قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، حِينَ تُوُفِّىَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا. ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ، مَالِىَ بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: " لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ". (١٤٨٧) قَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّىَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ، مَالِى بِالطِّيبَ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: " لا يَحِلُّ لاِمْرَأَة تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ". ــ وقوله: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدّ على ميت فوق ثلاث [إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً] (١) "، قال الإمام: الحداد: الامتناع من الزينة والطيب، ويقال منه: أحدت المرأة وحدّت، ومنه قيل للبواب: حداد؛ لمنعه الداخل والخارج [إلا بإذن] (٢). ولما نزل قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَر﴾ (٣) قالت الكفرة: ما رأينا سجانين بهذه العدة. فقالت الصحابة: لا تقاس الملائكة بالحداديين، يعنون بالسجانين. ومنه سمى الحديد حديداً للامتناع به، أو لامتناعه على من يحاوله. ومنه حديد النظر بمعنى: امتناع تقلبه فى الجهات، قال النابغة: إلا سليمان إذ قال الإله له قم ... فى البرية فاحددهاعن الفند

стр. 2670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أى فامنعها، وإنما منعت المعتدة فى الوفاة من الزينة والطيب ولم تمنع منع المعتدة فى الطلاق؛ لأن الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح ويوقعان فيه، فنهى عنهما ليكون الامتناع زجراً عن النكاح، لما كان [من] (١) الزوج فى الوفاة معدوماً لا يحامى عن نسبه، ولا يزجر عن زوجته، بخلاف المطلق الذى هو حى، ويحتفظ على المطلقة لأجل نسبه، فاستغنى بوجوده من زاجر آخر. قال القاضى: قال علماؤنا: لهذا ما عم الاعتداد فى جميع نساء الموتى مدخول بها وغيرها بخلاف المطلقات، استظهاراً لحجة الميت الغائبة؛ إذ لعله لو كان حياً لتبين أنه قد دخل بها، كما أنا لا نحكم فيما ثبت عليه من الديون والحقوق إلا بعد تميز الطالب، استظهاراً لحجته لعدمه، قالوا: وهى الحكمة فى الزيادة فى أمر عدتها على عدة المطلقة؛ لأنه لما عُدم استظهرنا له بأتم البراءة وأوضحها، وهو الأمد الذى يظهر فيه يقين الحمل بحركة الجنين وذلك فى الزيادة على الأربعة الأشهر [قال أبو العالية من السلف الصالح: ضمت العشر إلى الأربعة] (٢) لأن فيها ينفخ الروح. قالوا: ولهذا خصت عدة المتوفى - أيضاً - بما تستوى به معرفة الكل من أمد الزمان، ولم يوكّل ذلك إلى أمانة النساء فيجعل بالإقراء كالمطلقات، كل ذلك حَوطَة لموت الزوج، وعدم المحامى عن نسبه، ولما كان الصغار من الأزواج، ومن لم يبلغ حد الوطء والحمل شاذاً فى الزوجات شملهن الحكم، وعمتهن الحوطة حماية للذريعة، واتقاء للشبهة. وفى قوله: " لا تحل لمؤمنة ": حجة لأحد القولين لمالك أن الإحداد يختص بالمؤمنات دون الكتابيات؛ إذ ظاهره اختصاصه بالمؤمنات. وعلى قوله الآخر: أن الإحداد يلزم الكتابيات فيكون هذا القول على التغليظ للمؤمنات. وبالقول الأول قال أبو حنيفة والكوفيون وابن نافع وابن كنانة وأشهب من أصحابنا. وبالثانى قال الشافعى وعامة أصحابنا. وفى عمومه دليل على وجوب الإحداد لجميع الزوجات المدخول بها وغيرها والصغار والكبار والإماء والحرائر. وأجمعوا أنه لا إحداد على أمة أو أم ولد إذا توفى عنهن ساداتهن وهو قول كافة العلماء فى جميع ما ذكرناه، وقال أبو حنيفة: لا إحداد على الأمة ولا على الصغيرة. ولا خلاف فى أن المطلقة واحدة لا إحداد عليها. واختلف فى الإحداد على المطلقات

стр. 2671

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثلاث، فمذهب مالك والليث والشافعى وربيعة وعطاء وابن المنذر لا إحداد عليها، ومذهب أبى حنيفة والكوفيين وأبى ثور والحكم وأبى عبيد؛ أن المطلقة ثلاثاً كالمتوفى عنها فى وجوب الإحداد. قال الشافعى وأحمد وإسحاق: الاحتياط أن تبقى المطلقة الزينة وذهب الحسن البصرى وشذ وحده إلى إبطال الإحداد جملة على المطلقة والمتوفى. وقوله: " إلا على ميت ": يدل على اختصاص ذلك بالأموات دون المطلقات على ما ذهب إليه الجمهور. وقوله هذا محمول عند القائلين به على الوجوب لا على الندب. وقد أشار الباجى أن هذا من باب ورود لفظة " أفعل " بعد الحظر أنها تحمل على الوجوب، على ما ذهب إليه بعض الأصوليين، خلافاً لمن رآها على الإباحة، وليس هذا الحديث من هذا، ولا فيه ورود أمر بعد حظر، وإنما فيه استثناء من عموم الحظر، فلولا الاتفاق على حمله على الوجوب وأدلة الحديث الآخر. وقوله ﵇ فى حديث أم سلمة فى الكحل: " لا " وما يبينه فى حديث أم عطية أكانت الإباحة أظهر فيه؟ وقوله: "أربعة أشهر وعشراً ": وهو لفظ عدد المؤنث ولو كان هذا على ظاهره لاختصت به الليالى. وقال المبرّد: أنّث العشر لأنه أراد به المدة، وقيل: أراد بذلك الأيام بلياليهن، وإلى هذا ذهب كافة العلماء، وأنها عشرة أيام بعد أربعة أشهر. وقال الأوزاعى: والأصح [القول] (١) الأول وأنها تختص بعشر ليال وتحل فى اليوم العاشر. وحجتهم: تأنيث العشرة. وقوله: " أربعة أشهر وعشر ": احتج به قوم على أن ما زاد على هذا العدد إذا كانت حاملاً لا يلزم فيه إحداد. وقد قال أصحابنا: عليها الإحداد حتى تضع وإن تمادى أمرها. وقوله فى هذا الحديث: " خلوق أو غيره ": الخلوق طيب مختلط. وقوله: " ثم مسحت بعارضيها ": قال ابن دريد: عارضا الإنسان له موضعان: أحدهما: صفحة العنق فى بعض اللغات. والثانى: ما بعد الأنياب من الأسنان. وفى كتاب العين عارضة الوجه: ما يبدو منه، والعارضان: شقا الفم، والعوارض: الثنايا. وليس هذا المراد فى الحديث، وإنما هو الأول. وقوله فى حديث أم سلمة فى المشتكية عينيها فى منعها الكحل: " لا، إنما هى أربعة أشهر وعشر ": ظاهر فى وجوب الامتناع من الزينة والإحداد، وقد نص عليه بعد فى حديث أم عطية من قوله: " لا تكتحل، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، ولا تمس طيباً " الحديث، لكنه قد جاء فى حديث أم سلمة الآخر فى الموطأ: " اجعليه بالليل

стр. 2672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وامسحيه بالنهار " (١)، قالوا: ووجه الجمع بين الحديثين أن النهى عنه بالليل لمن اضطر إليه ليس على الإيجاب لكن على الندب لتركه، والكراهة لفعله، وقد اختلف فى ذلك. وقد أجاز الكحل للحادِّ - إذا خافت على عينيها - سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار، وقاله مالك فى المختصر (٢) إذا لم يكن فيه طيب، وقال فى غيره: وإن كان فيه طيب إثمد أو غيره، قال ابن المنذر والأسود وغيره، وقاله الكوفيون والنخعى وعطاء والشافعى قال: وتكتحل ليلاً وتمسحه بالنهار كما جاء فى الحديث. قال الشافعى: وكل كحل فيه زينة للعين فلا تكتحل به الحادِّ إثمد أو غيره، ولا بأس بغيره عند الضرورة كالفارسى إذا [] (٣) بزينة بل لا يزيد العين إلا فتحا عند الاضطرار كما تقدم. وقد حكى الباجى ونحوه عن مالك: كان فيه طيب أو لم يكن، فيه سواد أو صفرة، قال: وإن اضطرت إلى ذلك. قال الإمام: [ويتأول هذا الحديث على مذهبنا من نهيه ﵇] (٤) أنه لم يتحقق الخوف على عينها، وإنما فهم ﵇ أن ذلك على جهة العُذر عنده، لا على أن الخوف ثبت، ولو ثبت الخوف حتى اضطرت [إليه] (٥) لجاز ذلك لها. وقوله: " قد كانت إحداكن ترمى حولاً ": دليل على نسخ الحول فى عدة الوفاة. ولا خلاف فى سقوط حكمه، لكن اختلف فى معناه كيف كان، فقيل: كان لها النفقة من مال المتوفى والسكنى سنة ما لم تخرج، فنسخت النفقة بآية المواريث والحول بقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٦). وقال مجاهد: كانت تعتد عند أهل زوجها سنة واجباً، فانزل الله تعالى: ﴿مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾ الآية (٧)، والعدة كما هى عليها واجبة فجعل الله تعالى لها تمام السنة وصية، إن شاءت سكنت وإن شاءت خرجت. وقال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت. وأكثر العلماء على أن آية الأربعة أشهر وعشر ناسخة لها، وهو مما تأخر منسوخه فى التلاوة فى سورة واحدة وتقدم ناسخه، وليس فى القرآن غير هذه القصة وحدها، وأما

стр. 2673

(١٤٨٨) قَالَتْ زَيْنَبُ: سَمِعْتُ أُمِّى أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَتِى تُوُفِّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَنَكْحلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: لا. ثُمَّ قَالَ " إِنَّمَا هِى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانتْ إِحْدَاكُنَّ فِى الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِىِ بِالْبَعَرَةِ عَلَى رَأسِ الْحَوْلِ ". (١٤٨٩) قَالَ حُمَيْدٌ: قُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِى بِالْبَعَرَة عَلَى رَأسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ، إِذَا تُوُفىَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلا شَيْئًا، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ. ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حَمِارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَىْءٍ إِلا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمِى بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ. ــ تقديم ذلك وتأخير من سورتين موجود والإجماع متفق على أن الحول منسوخ، وأن عدة المتوفى أربعة أشهر وعشر، وبينه هذا الحديث المتقدم، وعلم منه أنه نسخه. وقيل: بل هو خص للأزواج على الوصية بتمام السنة لمن لا يرث من الزوجات، وما تقدم من نسخ الآية أشهر وأعرف. وقوله: " قد كانت إحداكن فى الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول ": فسره فى الحديث. قال الإمام: قال بعض العلماء: معنى رميها بالبعرة إشارة إلى أن طول مقامها فى سوء تلك الحال أسفاً على الزوج هين لما توجبه المراعاة وكرم العشرة، كما يهون الرمى بالبعرة. وقال بعضهم: معناه: أنها رمت بالعدة وراء ظهرها كما رمت بالبعرة. وقوله: " دخلت حفشاً ": الحفش: الخص الحقير. وفى الحديث أنه قال لبعض من وجهه ساعياً [فرجع بمال] (١): " هلا قعد فى حفش أمّه ينتظر، هل يهدى إليه أم لا؟ ". قال أبو عبيد: الحفش: الدرج، وجمعه أحفاش. شبه بيت أمه فى صغره بالدرج. وقال الشافعى: الحفش: البيت الذليل القريب السمك، سمى به لضيقه. والتحفش: الانضمام والاجتماع وكذلك قال ابن الأعرابى.

стр. 2674

٥٩ - (١٤٨٦) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: تُوُفِّىَ حَمِيمُ لأُمِّ حَبِيبَةَ، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَمَسَحَتْهُ بِذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَصْنَعُ هَذَا، لأَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْرًا ". (١٤٨٨/ ١٤٨٧) وَحَدَّثَتْهُ زَيْنَبُ عَنْ أُمِّهَا، وَعَنْ زَيْنَبَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، أَوْ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ . ٦٠ - (١٤٨٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّهَا؛ أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّىَ زَوْجُهَا، فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا، فَأَتُوا النَّبِىَّ ﷺ ، فَاسْتأذَنُوهُ فِى الْكُحْلِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِى شَرِّ بَيْتِهَا فِى أَحْلاسِهَا - أَوْ فِى شَرِّ أَحْلاسِهَا فِى بَيْتِهَا - حَوْلاً، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ فَخَرَجَتْ، أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؟ ". ــ قال القاضى: وقيل: الحفش مثل القفة من الحوض، تجمع المرأة فيه غزلها وأسبابها، وهذا عن قول أبى عبيد: هو الدرج. وقوله: " فى شر بيتها وشر أحلاسها " يفسره قوله فى الحديث الآخر: " [شر] (١) ثيابها "، وهو مأخوذ من أحلاس الدواب، وهى كالمسوح تجعل على ظهورها، وكذلك أحلاس البيوت. قال صاحب العين: هى كالمسوح. وقوله: " ثم تؤتى بدابة فتفتض به، فقلّما يفتض بشىء إلا مات ": كذا روايتنا فى مسلم بالفاء والضاد المعجمة، وهو المعروف فى الحديث. قال الإمام: قال القتبى: سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدة كانت لا تغتسل ولا تمس ماء ولا تقلم ظفراً ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض؛ أى تكسر ما هى فيه من العدة بطائر يمسح به قبلها وتنبذه، فلا يكاد يعيش، وقال غيره: الفض: الكسر والقطع، ومنه: فض الختم. وذكر الهروى أن الأزهرى قال: رواه الشافعى: " فتقبص " بالقاف والباء بواحدة والصاد

стр. 2675

(...) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا: حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِى الكُحْلِ، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُخْرَى مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ تُسَمِّهَا زَيْنَبَ. نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. ٦١ - (١٤٨٨/ ١٤٨٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ حَبِيَبَةَ، تَذْكُرَانِ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ بِنْتًا لَهَا تُوُفِّىَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَاشْتَكَتْ عَيْنُهَا فَهِىَ تُرِيدُ أَنْ تَكْحُلَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَرْمِىِ بِالْبَعَرَةِ عِنْدَ رَأسِ الْحَوْلِ، وَإِنَّمَا هِىَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ". ٦٢ - (١٤٨٦) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُييَنْةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ، قَالَتْ: لَمَّا أَتَى أُمَّ حَبِيبَةَ نَعِىُّ أَبِى سُفْيَانَ، دَعَتْ فِى الْيَوْمِ الثَّالِثِ بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْ بِهِ ذِرَاعَيْهَا وَعَارِضَيْهَا، وَقَالَتْ: كُنْتُ عَنْ هَذَا غَنِيَّةً، سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " لا يَحِلُّ ــ مهملة، وذكر أنه مفسر فى بابه ولم يذكر فى باب القاف [والباء والصاد] (١) إلا القبض وهو الأخذ بأطراف الأصابع، قال: وقرأ الحسن: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (٢)، وفى بعض أحاديث مسلم: " فإذا مر كلب رمت ببعرة "، يريد - والله أعلم -: إذا مر فافتضت به. قال القاضى: قال مالك فى تفسير " تفتض ": تمسح به جلدها كالنشرة. وقال ابن وهب: تمسح بيدها عليه أو على ظهره، وقيل: معناه: تمسح به ثم تفتض: أى تغتسل بالماء العذب. والافتضاض: الاغتسال بالماء العذب للإنقاء وإزالة الوسخ حتى يصير كالفضة. قال الأخفش: تفتض: تتنظف وتنتقى، مأخوذ من الفضة، شبها بنقائها وبياضها. وقيل: تفتض: تفارق ما كانت عليه. وقوله: " توفى حميم لأم حبيبة "، وفى رواية العذرى: " توفى حميمة ": الحميم: القريب والخاصة، وأصله: كل من يُحمك أمره: أى يحزنك، وأصله من الحميم، وهو الماء الحار.

стр. 2676

لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ". ٦٣ - (١٤٩٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِى عُبَيْدٍ حَدَّثَتْهُ عَنْ حَفْصَةَ، أَوْ عَنْ عَائِشَةَ، أَوْ عَنْ كِلتيِهما؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ - أَوْ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ - أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ إِلا عَلَى زَوْجِهَا ". (...) وحدّثناه شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ نَافِعٍ. بِإِسْنَادِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، مِثْلَ رِوَايَتِهِ. ٦٤ - (...) وحدّثناه أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِى عُبَيْدٍ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ تُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ وَابْنِ دِينَارٍ. وَزَادَ: " فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ". (...) وحدّثنا أَبُو الْرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ. ٦٥ - (١٤٩١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا - وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . قَالَ: " لا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا ". ٦٦ - (٩٣٨) وحدّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، ــ قال الإمام: رواه الجلودى وغيره: " حميم لأم حبيبة " وهو الصواب، ووقع فى نسخة ابن الحذاء: " حميم لأم سلمة "، وذكر رواية مالك فى حديث، وفيه ما يدل أن صوابه: " أم حبيبة " والله أعلم.

стр. 2677

عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلا تَكْتَحِلُ، وَلا تَمَسُّ طِيبًا، إِلا إِذَا طَهَرَتْ، نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ ". (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالا: " عِنْدَ أَدْنَى طُهْرَهَا. نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ ". ٦٧ - (...) وحدّثنى أَبُو الْرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حَفْصَةَ، ــ وقوله: " ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب ": إشارة إلى خشن الثياب وما لا كثير زينة فيه من المصبوغ. قال القاضى: قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا يجوز لها لباس المصبغة والمعصرة إلا ما صبغ بالسواد ورخص فى السواد مالك والشافعى وهو قول عروة. وكره ذلك الزهرى وكره عروة والشافعى العصب وهى برود اليمن يعصب غزلها ثم يصبغ معصوباً، ثم ينسج فيتوشى. وأجاز ذلك الزهرى لها، وأجاز مالك غليظه. قال أحمد بن نصر: قوله: " ثوب عصب " يعنى: الخضرة وهى الجبر. وقوله: " الخضرة " ليس بصواب. قال ابن المنذر: ورخص كل من يحفظ عنه العلم فى البياض. قال القاضى: ذهب الشافعى إلى أن كل صبغ زينة فلا تلبسه الحاد، غليظاً كان أو رقيقاً. ونحوه للقاضى أبى محمد عبد الوهاب قال: كل ما كان من الألوان يتزين به النساء لأزواجهن فتمنع منه الحاد، ومنع بعض متأخرى شيوخنا من جيد البيّاض الذى يتزين به ويجمل، وكذلك الرفيع من السواد. وقوله: " ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قُسط أو أظفار ": النبذة: الشىء اليسير، وأدخل فيه الهاء لأنه بمعنى القطعة. وإنما رخص لها فى هذا كما قال فى الحديث: " ورخص للمرأة فى طهرها " لأجل قطع الروائح الكريهة والتنظف، لا على معنى التطيب والتزين، مع أن القُسط والأظفار ليس من مؤنث الطيب المستعمل نفسه فى ذلك، فرخص فى اليسير منه للضرورة، وظاهره [التبخر] (١) بهما. وقال الداودى: معناه: أن تستحق القسط وتلقيه فى الماء آخر غسلها ليذهب برائحة الحيض، كما قال

стр. 2678

عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلا نَكْتَحِلُ، وَلا نَتَطَيَّبُ، وَلا نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَقَدْ رُخِّصَ لِلْمَرْأَةِ فِى طُهْرِهَا، إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضهَا، فِى نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ. ــ للمستحاضة: " خذى فرصة ممسكة فتتبعى بها أثر الدم "، والأول أظهر. والقسط ليس بطيب برائحته إلا فى البخور وكذلك الأظفار، لا سيما مع القسط، فهو بخور مستعمل معروف، والقسط معلوم من الأنواع المستعملة فى البخور، وأكثر ما يستعمل هو والقسط مع غيره لا بمجرده، وقد رواه بعضهم فى كتاب البخارى: " قسط أظفار " (١) وهو خطأ. وعند بعضهم: " قسط ظَفَار ". وظفار مدينة باليمن تنسب إليها. ولهذا وجه، ومن رواه: " وأظفار " أو " أظفار " أحسن - والله أعلم.

стр. 2679

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٩ - كتاب اللعان ١ - (١٤٩٢) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِىَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلانِىَّ جَاءَ إِلى عَاصِمِ بْنِ عَدِىٍّ الأَنْصَارِىِّ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ يَا عَاصِمُ، لَوْ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، أَيَقْتُلهُ فَتَقْتُلونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَسَلْ لِى عَنْ ذَلِكَ يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَلمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأتِنِى بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسْأَلَةَ الَّتِى سَأَلْتُهُ عَنْهَا. قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ، لا أَنْتَهِى حَتَّى أَسْأَلهُ عَنْهَا. فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِه رَجُلاً، أَيَقْتُلهُ فَتَقْتُلونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِى صَاحَبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأَتِ بِهَا ". قَالَ سَهْلٌ: فَتَلاعَنَا - وَأَنَا مَعَ النَّاسِ - عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: ــ أحاديث اللعان ذكر مسلم حديث العجلانى وامرأته وقوله: " يا رسول الله، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه؟ " فيه: يجوز السؤال لئلا يصرح بالقذف فيجب عليه الحد فى الرجل، ولا يخلصه منه لزوجته إلا لعانه، خلافاً للشافعى فى إسقاطه عنه الحد فى الرجل بلعان زوجته؛ لأنه عنده بحكم أشيع (١). قال الخطابى: وذلك إذا دخله فى لعانه، ولأنه فى ترك تسميته لأحد عليه حتى يصرح باسمه، خلافاً للشافعى فى حده وإن لم يسمه إِنْ لم يلتعن، أو لعله كان يعتقد أن ذلك يجب عليه فى زوجته فلذلك لم يصرح، أو

стр. 2680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبهم الأمر حتى يرى كيف يكون الحكم فيه، فيعمل بحسب ذلك من كتمه أو إبدائه. وقوله: " أيقتله فتقتلونه؟ ": يحتمل أن يكون سؤالاً عن هذا الحكم إذا فعله، ويحتمل أنه علم الحكم ولكنه قاله على سبيل التوصل إلى وجه آخر غيره، يصل به إلى شفاء غيظه، وإزالة غيرته، واحتج بعض الشافعية به على أنه لأحد فى التعريض ولا حجة فيه؛ إذا لم يسم المعرَّض به ولا أشار إليه. قال الإمام: وجعله بعض الناس حجة على الزوج إذا قتل رجلاً، وزعم أنه وجده مع امرأته، أنه يقتل به ولا يصدق إلا ببينة؛ لأنه ﵇ لم ينكر عليه ما قال. قال القاضى: قد يكون سكوته ﵇ لئلا يتسبب بذلك أهل الأذى والشر إلى القتل، فيدعون هذا السبب لكل من قتلوه. وقد اختلف العلماء فى هذه المسألة، واختلف فيها فى مذهبنا. فجمهور العلماء على أنه يقتل به إن لم يأت بأربعة شهداء، وهو قول الشافعى وأبى ثور، قالا: ويسعه فيما بينه وبين الله قتله، قال أحمد وإسحاق: يهدر دمه إذا جاء بشاهدين. واختلف أصحابنا، هل يهدر دمه إذا قامت البينة إذا لم يكن المقتول محصناً؟ فهذا ابن القاسم: هما سواء ويهدر دمه، واستحب الدية فى غير المحصن. وقال ابن حبيب: إن كان المقتول محصناً فهذا الذى ينجى قاتله البينة من القتل. وقد اختلف عن عمر فى هدر دم مثل هذا. وروى عن على: يقاد منه. وقوله: " وجد مع امرأته ": دليل أن حكم اللعان إنما هو فيمن رماها برؤية ذلك فى حال الزوجية، لا قبلها ولا بعدها، فعنه وقع السؤال، وفيه جاء الحكم. ولا خلاف فى المذهب فيمن قال لامرأته: زنيت أو رأيتك تزنى قبل أن أتزوجك، أنه لا لعان ويحد، وهو قول جماعة العلماء، خلافاً لأبى حنيفة: أنه تلاعن. وكذلك لو قال لها [بعد] (١) أن بت طلاقها: رأيتك الآن تزنى، حدَّ. بخلاف لو قذفها الآن برؤية وقت الزوجية، أو نفى ولد أو حمل، أو قذفها وهى زوجة، ثم بت طلاقها، فإنه يلاعن عندنا وعند جمهور العلماء. وأبو حنيفة والثورى يقولان: لأحد فى هذا ولا لعان. وقالت طائفة: يحد ولا يلاعن، وأجمعوا أنه لو قذفها ثم تزوجها، أنه يحد ولا يلاعن. وقوله: " فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها ". قيل يحتمل: إنه كره قذف الرجل امرأته ورميها من غير بينة، لاعتقاده أن الحد يجب عليه، وذلك قبل نزول حكم اللعان بذلك، قوله فى الحديث الآخر لهلال بن أمية: " البيِّنة وإلا حدٌّ فى ظهرك " الحديث (٢)،

стр. 2681

كَذَبْتُ عَليْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ــ وفيه فنزل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُم﴾ الآية (١). ويحتمل أنه كره السؤال لما فيه من قُبْح النازلة والفاحشة، وهتك ستر المسلم، أو لما كان من نهيه عن كثرة السؤال، إما سداً لِباب سؤال أهل التشغيب من الجهلة والمنافقين وأهل الكتاب، أو لما يخشى من كثرة السؤال من التضييق عليهم فى الأحكام، التى لو سكتوا عنها لم يلزموها وتركوا إلى اجتهادهم، كما قال: " اتركونى ما تركتكم، فإنما هلك ممن كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبيائهم " (٢)، ولما جاء عنه: " أعظم الناس جُرماً من سأل عما لم يحرم فحرم من أجل مسألته " (٣). قال الإمام: المسائل إذا كانت مما يضطر إليها السائل فلا بأس بها، وقد كان ﵇ يُسأل عن الأحكام فلا يكره ذلك وإن كان على جهة التعنيت فهو منهى عنه. وعاصم هذا إنما سأل لغيره، ولعله لم تكن به ضرورة إلى ذلك. وقوله: " قد أنزل فيك وفى صاحبتك، فاذهب فأت بها "، قال القاضى: يحتمل أن النبى ﷺ عرف أن عويمراً - صاحب المسألة - حين كرر السؤال له عنها إما بما دل عليه من قوله أو حاله بما لم يذكر فى الحديث، أو بوحى أوحى إليه عند نزول آية اللعان. وقوله: " فتلاعنا ": أجمع المسلمون على صحة حكم اللعان بين الزوجين؛ إذا ادعى رؤية، وكذلك قال الجمهور: إذا نفى ولداً. واختلفوا فيما بعد ذلك، فقالت فرقة: لا لعان فى القذف المجرد، وهو أحد قولى مالك وقول الليث وأبى الزناد والبتى ويحيى بن سعيد، وأن فى هذا الحد بكل حال، وقال الكوفيون والشافعى والأوزاعى وفقهاء أصحاب الحديث باللعان فى القذف المجرد، وروى أيضاً عن مالك. واختلفوا إذا أقام الزوج البينة على زناها، فعند مالك والشافعى: يلاعن؛ إذ لا عمل للشهود فى نفى الولد. وقال أبو حنيفة وداود: إنما اللعان لمن لم يأت بأربعة شهداء، فمن أتى بهم فلا لعان. واختلفوا فى اللعان بنفى الحمل وفى وقته، فمذهب الكوفيون (٤) إلى أنه لا لعان إلا أن ينفيه ثانية بعد الولادة، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، كذا حكاه عنه أبو عمر بن عبد البر، وذهب الشافعى إلى أن كل من نفى الحمل يلاعن، وهو قول أحمد وداود وأبى

стр. 2682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثور وحكى عنه أنه لا يلاعن حتى تلد، وهو المعروف عن عبد الملك، وروى عن مالك وعبد العزيز وأشهب. وعن مالك وأصحابه فى ذلك ثلاثة أقوال أيضاً: يلاعن إذا ادْعى رؤية واستبراء معاً، ويلاعن بالجملة دون استفسار، ويلاعن بدعوى الاستبراء ولا يلاعن إن لم يدعه إلا أن تلد لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية، ونحوه عن أبى يوسف وابن الحسن إلا أن يكون مقراً بالحمل، أو رآ فلم ينكره، فلا ينتفى بلعان عندنا فى المشهور، وهو قول العلماء. وذهب الكوفيون إلى أنه يلاعن. وعندنا رواية أخرى: أنه إن ادعى رؤية فله نفيه، ورواية ثالثة: أنه متى أقر بالحمل لم يلاعن للرؤية؛ إذ مقتضى اللعان نفى الحمل، حكاها ابن المواز والبغداديون، ثم اختلف على القول بنفيه فى هذه المسألة إذا كان قد لاعن للرؤية، هل يكفيه لعان الرؤية أم لا ينفيه إلا بلعان ثان؟ وذهب طائفة إلى أن المولود على فراش الرجل لا ينفى بلعان بتة. وكذلك اختلفوا فى لعان المملوك وزوج الكتابية، فعند مالك: اللعان بين كل زوجين عبدين أو حرين، أو أحدهما حر والزوجة كتابية، لكن إنما يكون فى حق زوج الكافرة والأمة فى نفى الحمل لا فى مجرد القذف؛ إذ لأحد على قاذفها ولا يلزم الكافرة لعان أو لأحد عليها إلا أن يشاء لنفى المعرة. وقال الحسن: لا لعان بين المماليك. قال أبو حنيفة: وكذلك إن كان أحدهما مملوكاً أو الزوجة ذمية. وقال البتى: كل قاذف لزوجة يلاعن، ونحوه مذهب الشافعى. قال الإمام: أصل اللعان فى الشريعة: الضرورة لحفظ الأنساب ونفى المعرة عن الأزواج وقد اختلف المذهب فيمن قذف زوجته، هل يلاعن على الجملة؟ أو حتى يتبين وجه دعواه؟ فمن رأى أن نفى الحد عن الزوج إذا رمى زوجته مقصود فى الشرع فى نفسه مكنه من ذلك. وكذلك اضطرب المذهب - أيضاً - إذا ادعى الرؤيا للزنا، هل لا ينتفى الولد حتى يدعى مع ذلك الاستبراء؟ أو ينتفى وإن لم يدع استبراء وإن كان الحمل ظاهراً؟ فأحد الأقوال: أنه ينتفى الولد ولو كان الحمل ظاهراً، وقال بعض شيوخنا: ليس لهذا وجه، إلا أن تكون مشاهدته لزناها الآن علماً عنده على اعتيادها لذلك، ويغلب على ظنه منه أن الولد الذى هو حمل ظاهر من زنى آخر، فأبيح له نفيه بهذا الظن، كما يباح له نفيه بإراقة الدم وإن كان لا يؤدى إلى الظن؛ لأن الحامل قد تحيض. ومن أنكر من أصحابنا أن ينفى الحمل الظاهر قال: فإن الولد للفراش. وقصارى ما فى هذا التجويز أن تكون خانته قبل، ولا ينتفى الفراش وأحكامه بالتجويز المجرد. ومن أصحابنا من لا يوجب الاستبراء ولكنه شرط: ألا يكون الحمل ظاهراً؛ لأن ظهوره مع ثبوت الفراش كالشاهد عليه بأنه منه، وإذا لم يكن ظاهراً فلا شاهد عليه يمنعه من نفيه.

стр. 2683

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ سُنَّةَ المُتَلاعِنَيْنِ. ٢ - (...) وَحَدَّثَنِى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِىُّ؛ أَنَّ عُوَيْمِرًا الأَنْصَارِىَّ مِنْ بَنِى العَجْلانِ، أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِىٍّ. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. وَأَدْرَجَ فِى الحَدِيثِ قَوْلهُ: وَكَانَ فِرَاقُهُ إِيَّاهَا بَعْدُ سُنَّةً فِى المُتَلاعِنَيْنِ. وَزَادَ فِيهِ: قَالَ سَهْل: فَكَانَتْ حَامِلاً، فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللهُ لهَا. ٣ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِى ابْنُ شِهَابٍ عَنِ المُتَلاعِنَيْنِ وَعَنِ السُّنَّةِ فِيهِمَا، عَنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخِى بَنِى سَاعِدَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ جَاءَ إِلى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَته رَجُلاً؟ وَذَكَرَ الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَزَادَ فِيهِ: فَتَلاعَنَا فِى الْمَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ. وَقَالَ فِى الْحَدِيثِ: فَطَلَّقَهَا ثَلاَثًا قَبْلَ أَنْ يَأمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " ذَاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاعِنَيْنِ ". ٤ - (١٤٩٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِى سُلَيْمَانَ، عَنْ ــ وفى بعض طرق الأحاديث: " ما وطيتها مُذ كذا ": فتعلق بهذا أصحابنا من لم يمكنه من النفى إلا بالاستبراء، ومن لم يعتبره من أصحابنا تعلق بظاهر القرآن ولم يذكر فيه استبراء، وكذلك فى [بعض] (١) طرق الأخبار لم يذكر فيه استبراء، وهذا العموم لا يخص بقوله: " ما وطيتها مذ كذا " لأنه لم يذكر الحكم إذ لم يذكر بذلك، فيكون تخصيصاً. وقوله: " فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ "، قال القاضى: فيه أن سنة التلاعن ألا يكون مكتوماً، ويكون مشهوراً بحضرة الناس، وأن سنته أن يكون بحضرة الإمام، أو من يستثنيه الإمام لذلك من الحكام، وهذا إجماع أنه لا يكون إلا بسلطان، وقوله: " فى المسجد ": يبين أن سنة كونه فى المسجد، ولم يختلفوا فى ذلك، إلا قول عبد الملك: أنه يكون فى المسجد أو عند الإمام، وقد يستحب أن يكون بإثر صلاة وبعد العصر أولى، وأى وقت كان جاز.

стр. 2684

سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلتُ عَنِ المُتَلاعِنَيْنِ فِى إمْرَةِ مُصْعَبٍ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ: فَمَضَيْتُ إِلى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ. فَقُلْتُ لِلغُلامِ: اسْتَأذِنْ لِى. قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ. فَسَمِعَ صَوْتِى. قَالَ: ابْنُ جُبَيْرٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ادْخُلْ. فَوَ اللهِ، مَا جَاءَ بِكَ، هَذِهِ السَّاعَةَ إِلا حَاجَةٌ. فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً، مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً حَشْوُهَا لِيفٌ. قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، المُتَلاعِنَانِ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! نَعَمْ. إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِىُّ ﷺ فَلمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِى سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤُلاءِ الآيَاتِ فِى سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (١) فَتَلاهُنَّ عَليْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ ــ وقوله: " كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً، قبل أن يأمرَه رسول الله ﷺ قال الإمام: احتج بهذا [الشاهد] (٢) على جواز الطلاق ثلاث فى كلمة واحدة، وانفصل أصحابنا عن هذا بأنها قد بانت منه باللعان، فوقعت الثلاث على غير زوجة، فلم يكن لها تأثير. قالوا: لأنه خرج النسائى عن محمود بن لبيد قال: أخبر النبى ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام ﷺ غضبان فقال: " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حىّ " وقام رجل آخر فقال: يا رسول الله، ألا أقتله (٣). فالأخذ بالمنع بهذا الحديث أولى من حديث المتلاعنين، مع الاحتمال الذى فيه. وقد اختلف الناس - أيضاً - فى المتلاعنين، هل تقع الفرقة بنفس اللعان، أو حتى يقضى القاضى بالفراق، فقال أبو حنيفة: حتى يقضى القاضى بالفراق، لقوله: " فرق بينهما "، وهذا إشارة للحكم. وعندنا: أنه لا يفتقر إلى حاكم، لقوله ﷺ فى طريق آخر: " أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها "، ولقوله: فَفَارَقها عند النبى ﷺ ، فقال ﷺ : " ذاكم التفريق بين كل متلاعنين "، ولم يعتبر قضية القاضى. وقوله ﷺ : " لا سبيل لك عليها ": حمله جمهور العلماء على العموم، فلا تحل له أبداً، قال بعض أصحابنا: ومن جهة المعنى كأنه أدخل لبساً فى النسب فعوقب

стр. 2685

الآخِرَةِ. قَالَ: لا، وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا كَذَبْتُ عَليْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخَرِةِ. قَالتْ: لا، وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنَّهُ لكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالخَامِسَةُ أَنَّ لعْنَةَ اللهِ عَليْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ. ثُمَّ ثَنَّى بِالمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لمِنَ الكَاذِبِينَ، وَالخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَليْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. (...) وَحَدَّثَنِيهِ عَلِىٌّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ أَبِى سُليْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلتُ عَنِ المُتَلاعِنَيْنِ - زَمَنَ مُصْعَبِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - فَلمْ أَدْرِ مَا أَقُوَلُ: فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ المُتَلاعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ. ٥ - (...) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ للمُتَلاعِنَيْنِ: " حِسَابُكُمَا عَلى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لا سَبِيلَ لَكَ عَليْهَا ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالِى؟ قَالَ: " لا مَالَ لَكَ، ــ بالتحريم المؤبد، كأحد التعليلين عندنا فى الناكح فى العدة، وانفرد البتىُّ فقال: بأن اللعان لا يؤثر فى الفراق، وهذا الحديث حجة عليه. واختلف الناس - أيضاً - القائلون بتأبيد التحريم إذا أكذب نفسه، هل تحل له أم لا؟ فعندنا: لا تحل له، وان أكذب نفسه أخذاً بعموم قوله: " لا سبيل لك عليها " ولم يفرق. وقال أبو حنيفة: إذا أكذب نفسه حلت له لارتفاع [حقيقة] (١) المعنى المانع لإكذابه نفسه. واختلف المذهب عندنا على قولين، مع قولنا بأن بنفس التلاعن يقع التحريم من غير افتقار لحكم، هل يقع التحريم بلعان الزوج وحده، أم حتى يلتعنا جميعاً؟ فقيل: بالتعان الزوج وحده؛ لأن التحريم والفراق أمر مقصور عليه، فيختص بما يكون منه، ولا يفتقر إلى ما يكون من شخص آخر. وقيل: لا يقع ذلك حتى يلتعنا جميعاً؛ لأن هذه الأحاديث إنما وقع فيها الألفاظ الدالة على الفراق بعد التعانهما جميعاً، ولا يتعدى ما وقع فيها. قال القاضى: اختلف العلماء إذا أبى الزوج الالتعان أو إذا التعنَ الزوجُ وأبت هى،

стр. 2686

إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَليْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْللتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَليْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا". ــ فعند الجمهور: يُحَدُّ وتُحَدُّ، وعند أبى حنيفة: يحبسان أبداً حتى يلتعنا. وقول ابن شهاب: " فكانت بعدُ سنة المتلاعنين ": فيه تأويلان: أحدهما: الفرقة بانقضاء اللعان. والثانى: استحباب إظهار الطلاق بعد اللعان عليها. ذهب إليه ابن نافع وعيسى بن دينار من أصحابنا فى هذا الحديث واستحباه، فإن لم يفعل فهو فراق. وفى قوله: " كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها " أيضاً تأويلان: أنه أراد الدعاء بذلك بفضيحة نفسه إن أمسكها. والثانى: إن إمساكى لها بعد ما قلته عنها دليل على كذبى. قال محمد بن أبى صفرة: اللعان لا يقطع العصمة؛ لقول عويمر: " كذبت عليها إن أمسكتها "، فأحدث طلاقاً يقطع العصمة، ونزه نفسه عن أن يقوم عليه دليل كذب بإمساكها، فجعل النبى ﵇ فعله سنة. وتأوله بعض شيوخنا أنه كقول أبى حنيفة، وليس كذلك، بل هو عندى نحو ما تقدم لابن نافع. وقوله: " قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ": يقتضى أن الفرقة تقع بغير حكم، وهو قول كافة العلماء كما تقدم. وقوله: ففارقها، فقال رسول الله ﷺ : " ذاكم التفريق بين كل متلاعنين ": ومعناه عندنا تبيينه ﵇ الحكم لا إيقاع الفراق، بدليل قوله: " قبل أن يأمره رسول الله ﷺ بذلك "، ولقوله: " فكانت تلك سنة المتلاعنين "، وقيل: إشارة إلى تأبيد التحريم، وهو قول كافة العلماء. وقد جاء فى حديث ابن شهاب من رواية ابن وهب: فمضت سنة المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا يجتمعا. وشذ بعضهم فقال: هو ثلاث. قال ابن لبابة: إن لم يطلق هو [ثلاثاً] (١)، طلق عليه الإمام. ولم يمنعه من مراجعتها بعَد زوجٍ، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وعبيد الله بن الحسن: هى واحدة بائنة وتقدم قول البتى: أنه لا فرقة به، وحكاه الطبرى عن جابر بن زيد: فإن أكذب نفسه بعد اللعان والفراق، جُلد الحدّ، ولم ترجع إليه أبداً عند مالك وأهل الحجاز وفقهاء الأمصار، وخالفه أبو حنيفة فقال: يكون خاطباً من الخطاب وتحل له، وقال عبد العزيز نحوه، وروى عن الشعبى: أنها ترد إليه. ولم يختلف فقهاء الأمصار بأن مجرد قذف الرجل لزوجِه لا يحرّمها عليه، إلا

стр. 2687

قَالَ زهُيْرٌ فِى رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: ــ أبا عبيد فقال: إنه يحرم. وقوله فى الحديث الآخر: " وكانت حاملاً، فكان ابنها ابن أمة ": حجة بانتفاء الحمل بلعان الرؤية، وهو مشهور مذهبنا إذا لم يكن الحمل ظاهراً وادعى استبراء، وقيل: يحتاج إلى لعان ثان. وقوله: فى الحديث: " فألحق الولد بأمه ": أى لا أب له، وقيل: بل أقام أمه مقام الأب والأم، وفى الرواية الأخرى: " فكان لأمه مثله ": أى لا يدعى لأب إلا لأمه، أو ليس له أب سوى أمّه، وإنما ينسب إلى قوم أمه أو مواليها إن كانت مولاة، على ما يأتى بعد. وقوله: " ثمّ جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها ": لا اختلاف فى هذا، ولا فى توارثه مع أصحاب الموارثات من قبل أمه؛ كجدته وأخوته، أنهم يتوارثون على أنهم إخوة لأم، وأما توأم ولد الملاعنة، فعلى أنهم أشقاء، وما بقى بعد أصحاب السهام منهم فلموالى أمه إن كانت مولاة، أو لجماعة المسلمين إن كانت عربية، هذا قول مالك والزهرى والشافعى وأبى ثور. وقالت طائفة: يرثه ورثة أمه، وقاله الحكم وحماد، وقال آخرون: عَصَبته عصبة أمه، وروى عن على وابن مسعود وعطاء وابن عمر، وبه قال أحمد بن حنبل، وقالت طائفة: أمه عَصَبة، فما بقى عن أهل السهام فلها، وقال أبو حنيفة: يردّ ما فضل عن ورثته إن كانوا ذوى أرحام. وقوله: " فقال: اللهم افتح، وجعل يدعو " (١): قال الخطابى: معناه: اللهم احكم أو بيّن الحكمة، والفتاح: الحاكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بَالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيم﴾ (٢). وقوله: " فنزلت هذه الآية - يعنى آيات اللعان - فتلاهن عليه، ووعظه " وذكر أنّه دعا المرأة، ففعل بها مثل ذلك: سنة فى وعظ المتلاعنين، وذهب الشافعى أن الإمام يعظ كل واحد بعد تمام الرابعة وقبل الخامسة. قال الطبرى: فيه أنه يجب للإمام أن يعظ كل من يحلفه. وقوله: " بدأ بالرجل ": هى سنة الحكم، البداية به؛ لأنه القاذف الذى يدرأ الحد عن نفسه بشهادته، والذى بدأ الله به، وأيمانه كالشهود على دعواه، ويسقط به عنه ما لزمه من الحد، ويثبت عليها هى الحد، إلا أن الله تعالى جعل لها مخرجاً بأيمانها أيضاً، مقابلة لأيمانه كمعارضة الشهادة، فينتفع بذلك ويسقط بها ما وجب عليها، وهذا ما

стр. 2688

سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ أجمع عليه العلماء. وقوله: " فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ": قال ابن المنذر فى رواية من رواه فى الحديث: " فجاء فشهد "، وكذا ذكره البخارى (١)، دليل على تلاعنهما قائمين. ولا خلاف فى وجوب اللعان بهذا القول، وأنه صفة اليمين، لكن اختلف العلماء فى زيادات وبيانات فى هذه اليمين، حسب دعوى الزوج، من رؤية أو مجرد قذف أو نفى حمل، اختلافاً [لا يؤول إلى تنافر] (٢)، وإنما هو حكمٌ بالتمام والكمال، والأمر المتقارب مما هو معروف فى مذهبنا، مشهور من مذهب غيرنا، هل يقول: أشهد بالله أو أعلم بالله، وهل يزيد بعد قوله: أشهد بالله الذى لا إله إلا هو أم لا؟، وهل تزيد فى دعوى الرؤية بعد قوله: إنى لمن الصادقين، لرأيتها تزنى كالمزود فى المكحلة، كما يقول الشهود، أم يقتصر على قوله: رأيتها تزنى، فقط؟ وهل قوله: إنى لمن الصادقين لازم، أم يكفيه الحلف على نص دعواه الذى فيه تصديقه؟ وكذلك هل يقتصر فى نفى الحمل على قوله: لزنت، أو يزيد: ما هذا الحمل منى؟ هل يزيد: لقد استبرأت أم لا؟ ويكون يمين المرأة على تكذيبه بحسب هذا. وكل هذا مختلف فيه فى مذهبنا. وهل تجزئ اللعنة فى الغضب أم لا؟ وهل يقوم قوله: " ما كذب عليها فى الخامسة " مقام قوله: " إنى لمن الصادقين "؟ وهى أيضاً فى الخامسة أم لا يجزئ إلا ما نص الله تعالى عليه؟. ذهب الشافعى، ونحوه. مذهب الليث والثورى وأبى حنيفة أنه يقول: " أشهد بالله إنى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا " ويشير إليها، وإن كان نفى حملاً زاد: " وما هذا الحمل منى ". وقال زُفر: مثل هذا، إلا أنه قال: إنه يخاطبها وتخاطبه، بقوله: " فيما رميتك به " وتقول هى: " فيما رميتنى به ". وقوله: " ثم ثنى بالمرأة ": هذه سنة هذا الحكم. واختلف عنه ما إذا ابتدأت المرأة باللعان ثم لاعن الزوج، هل يجزيها؟ وهو قول أبى حنيفة أم تعيد اللعان؟

стр. 2689

٦ - (...) وَحَدَّثَنِى أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: فَرَّقَ رسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَخَوَىْ بَنِى العَجْلانِ. وَقَالَ. " اللهُ يَعْلمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ". (...) وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِى عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ اللعَانِ؟ فَذَكَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. ــ وقوله: فى هذا الحديث: " ثم فرق بينهما ": حجة الجماعة على ما تقدم. وقوله: " الله يعلم أن أحدكما كاذب ": ظاهره أنه بعد الملاعنة، وحينئذ تحقق الكذب عليهما جميعاً، ووجبت التوبة. وذهب الداودى أنه إنما قاله النبى ﷺ قبل اللعان لا بعده، تحذيراً لهما ووعظاً، والأول أظهر وأولى بمساق الكلام. وفيه رد على من ذهب من النحاة، أن أحدًا لا تستعمل إلا فى النفى، وقول بعضهم: لا تستعمل إلا فى الوصف، وأنها لا توضع موضع واجب، ولا توقع موقع واحد، وقد أجاز هذا المبرد، وجاء فى هذا الحديث فى غير وصف ولا نفى وبمعنى واحد، وقد قال الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِم﴾ (١). قال الخطابى: وفيه أن البينتين إذا تعارضتا تهاترتا وسقطتا. وقال المهلب: فى حديث المتلاعنين من الفقه: أن المختلفين المتضادين اللذين يعلم أن أحدهما كاذب أنهما لا يعاقبان، لعذر النبى ﷺ المتلاعنين ولم يقم عليهما حداً، وكل واحد مكذب لصاحبه، قال نحوه أبو عبد الله. جاء فى هذه الأحاديث هلال بن أمية [وهو خطأ، والصحيح أنه " عويمر ". وقال الطبرى يستنكر قوله فى حديث هلال] (٢): وانما هو " عويمر " وهو الذى قذفها بشريك ابن سحماء، وكانت هذه القصة فى شعبان سنة تسع من الهجرة، وقال غيره: هما قصتان، ويحتمل أنهما كانتا متفاوتتى الوقت، فنزل القرآن فيهما، وسميت ملاعنة وفيها لعان وغضب؛ لأنها بمعنى من سخط الله وإبعاده من رحمته، وغلب لفظ اللعان؛ لأنه الذى بدأ به فى الآية، والحكم أو لتغليب الرجل. وقول ابن جبير: " سئلت عن المتلاعنين، فما دريت ما أقول "، من إنصاف العلم، وحقيقة الورع، حسب ما كان عليه ابن جبير. وقوله: " ومضيت إلى ابن عمر باحثاً عن المسألة ": فيه ما كانوا عليه من الحرص على العلم والأخذ فيه بالحقيقة.

стр. 2690

٧ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللفْظُ لِلمِسْمَعِىِّ وَابْنِ الْمُثَنَّى - قَالوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ - قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمْ يُفَرِّق المُصْعَبُ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ. قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: فَرَّقَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَخَوَىْ بَنِى العَجْلانِ. ٨ - (١٤٩٤) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللفْظُ لَهُ - قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً لاعَنَ امْرَأَتَهُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا وَأَلحَقَ الوَلدَ بِأُمِّهِ؟ قَالَ نَعَمْ. ٩ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالا: لاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَامْرَأَتِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. (...) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ القَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ. ١٠ - (١٤٩٥) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ــ وقول الغلام له: " أنه قائل ": أى نائمٌ القائلة لوقت نومه فيها. فى ذلك أنه لا يشق على العالم ومن يحتاج إليه فى أوقات راحاتهم ونومهم ويترك لهم أوقات لذلك. وقول ابن عمر لما سمع صوته ابن جبير: " والله ما جاء بك فى هذه الساعة إلا حاجة ": دليل على ما قدمناه، أن عادتهم كانت ألا يقصدوا مثله فى هذا الحين. وقوله: " فوجدته مفترشاً بردعة متوسداً مرفقة حشوها ليف " (١)، فى رواية غير مسلم: " برذعة رحله " (٢): أى رحل بعيره. فيه ما كانوا فيه من الاقتصاد والتقلل من الدنيا، واهتبال ابن عمر من قصده وسؤاله عن حاجته وما جاء به. إذ علم بشاهد الحال أنها مهمّة.

стр. 2691

إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: إِنَّا - ليْلةَ الجُمُعَةِ - فِى المَسْجِدِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً فَتَكَلمَ جَلدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ؛ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. وَاللهِ، لأَسْأَلنَّ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَلمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلهُ. فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً فَتَكَلمَ جَلدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. فَقَالَ: " اللهُمَّ، افْتَحْ "، وَجَعَلَ يَدْعُو. فَنَزَلتْ آيَةُ اللعَانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُم﴾ (١) هَذِهِ الآيَاتُ، فَابْتُلِى بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَلاَعَنَا، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ لعَنَ الخَامِسَةَ أَنَّ لعْنَةَ اللهِ عَليْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ. فَذَهَبَتْ لِتَلَعَنَ، فَقَالَ لهَا رسُولُ اللهِ ﷺ : " مَهْ "، فَأَبَتْ فَلَعَنَتْ. فَلمَّا أَدْبَرَا قَالَ: " لعَلَّهَا أَنْ تَجِىءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا " فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا. (...) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُليْمَانَ، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ١١ - (١٤٩٦) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَأَنَا أَرَى أَنَّ عِنْدَهُ مِنْهُ عِلمًا، فَقَالَ: إِنَّ هِلالَ بْنِ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، وَكَانَ أَخَا البَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لأُمِّهِ، وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ ــ وقوله: " لعلها أن تجىء به أسود جعدٌ " الحديث: فيه دليل أنه لا حكم بالظنون والشبه والدلائل، مع وجود ما هو أقوى منها، كما تقدم فى حديث ابن زمعة. قال الإمام: هذا دليل على جواز لعان الحامل فى حال حملها، وقد قال بعض أصحابنا: إنه إذا لاعن لنفى النسب لا يحل استبرائه ولم يشاهد زنا، فإنه لا يجب أن يلاعن وهى حامل؛ لجواز أن يكون ريحاً يتفشّ، وانفصل عن هذا الآخرون، أن الحمل قد يقطع عليه، والغلط فيه بالريح نادر، وقد علق فى الشرع أحكام على الحمل، منها إيجاب النفقة لها بالحمل، وردها بعيب الحمل ولم يسقط فى الشريعة لاعتبار ذلك. وقوله: " قذف امرأته بشريك بن سحماء " الحديث، قال الإمام: اختلف الناس إذا قذف الرجل زوجته بشخص بعينه، هل يحدّ له أم لا؟ وإن لاعن لزوجته، فعند مالك:

стр. 2692

لاعَنَ فِى الإِسْلام. قَالَ: فَلاعَنَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا قَضِىءَ العَيْنَيْنِ فَهُوَ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ ". قَالَ: فَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ. ــ أنه يحد للرجل؛ لأن الأصل إثبات الحد على القاذف، وإنما سقط عن الزوج بلعانه لأجل الضرورة إلى ذلك، وأنه لا يستغنى عن ذكر زوجته، وأما الزانى بها فلا ضرورة به إلى ذكره، وهو غنى عن قذفه، فبقى على الأصل فى وجوب الحدّ له. وقال الشافعى: لا يُحد للرجل إذا أدخله فى لعانه، وتعلق بأنه ﷺ لم يحد الزوج لشريك بن سحماء وقد سمّاه، وقال بعض أصحابنا: لا حجة له فيه لوجهين: أحدهما: أن شريكًا كان يهودياً. والثانى: أن شريكًا لم يطلب حده، ولا قام بطلب عرضه، فلم يكن فى ذلك تعلق. قال القاضى: لا يصح قول من قال: كان شريك يهودياً، وهو باطل. وهو شريك ابن عبدة بن مغيث، وهو بلوىٌّ حليف للأنصار، وهو أخو البراء بن مالك لأمّه، كما جاء بعد هذا آخر الباب. وقوله لرسول الله: الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله؟ فقال ﷺ : " لا "، فقال سعد: بلى والذى أكرمك بالحق، فقال ﷺ : " اسمعوا ما يقول سيدكم " (١)، قال الإمام: معنى ذلك عندى أن قوله: " بلى " بمعنى: أنه لا تتركه نفسه لذلك، وأن طباعه ربما غلبته، وتستولى عليه الغيرة حتى يقتله، وإن كان عاصياً لك (٢) فى ذلك، لا على أنه ردَّ قول النبى ﷺ ، وقصد مخالفته. وقوله: " إن جاءت به أكحل جعداً أحمش الساقين ": قال الهروى: الجعد فى صفات الرجال يكون مدحاً، ويكون ذماً، فإذا كان مدحاً فله معنيان: أحدهما: معصوب الخلق شديد الأسر، والثانى: أن يكون شعره غير سبط؛ لأن السبوطة أكثرها فى شعور العجم. وأما الجعد المذموم فله معنيان: أحدهما: القصير المتردد، والآخر: البخيل. يقال: جعد اليدين وجعد الأصابع: أى بخيل. وفى حديث آخر: " إن جاءت به جعداً قططاً " (٣): القِطط: الشديد الجعودة،

стр. 2693

١٢ - (١٤٩٧) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ المُهَاجِرِ وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ المِصْرِيَّانِ - وَاللفْظُ لابْنِ رُمْحٍ - قَالا: أَخْبَرَنَا الليْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِىٍّ فِى ذَلِكَ قَوْلاً، ثُمَّ انْصَرَفَ. فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِليْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلاً. فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلا لِقَوْلِى. فَذَهَبَ بِهِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِاَلذِى وَجَدَ عَليْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًا، قَلِيلَ اللحْمِ، سَبْطَ الشَّعَر. وَكَانَ الَّذِى ادَّعَى عَليْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ، خَدْلاً، آدَمَ، كَثِيرَ اللَّحْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمَّ، بَيِّنْ " فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِى ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، ــ يقال: رجل جعد، [وشعر جعد] (١): بيّن الجعودة، وقططٌ: بيّن القطوطة. وقوله: " حمش الساقين ": أى دقيق الساقين. قال الهروى: يقال: امرأة حمشاء الساقين، كرعاء اليدين: إذا كانت دقيقتهما. قال غيره: والحموشة: دقة الساقين. وقوله: " إن جاءت به سبطاً قضىء العين ": السبوطة: استرسال الشعر وانبساطه. ورجل سبْط وسبَط بفتح الباء وكسرها، لغتان من السبوطة، وكذلك شعر سبْط، وسبَط. وقد سبط شعر الرجل سبوطة، وقضىء العين: أى فاسد العين. قال ابن دريد فى الجمهرة: يقال: قضيت عين الرجل: إذا احمرت ودمعت، وقد قضيت القربة تقضّيا وقضاء فهى قضية، على وزن فَعِلة (٢) إذا عضنت وتهافتت، قال ابن ولاد: وسقاء قضى: [إذا طال مكثه فى مكان ففسد وبلى، والقضؤ مقصور مهموز: العيب. قال ابن دريد: [وقضى] (٣) حسب الرجل قضاء وقضوا وقضاة: إذا دخله عيب، وإن فى حسبه لقضاة. ولا تفعل كذا قال فيه: قضاه علىّ. قال الهروىّ: وقضى الثوب: إذا تفزَّر (٤) وتشقق. قال غيره من طُول البلى. وقوله فى صفة الذى وجده عند أهله: " خدلاً، آدم ": الخدل، بخاء معجمة مفتوحة ودال مهملة: الممتلئ الساق والآدم: الشديد السُّمرة، وجمعه أُدْم مثل أحمر وحُمْر، وأما آدم إِذا كان اسماً، فهو مشتق من أدمة الأرض، وأُدمتها: أى وجهها، فسمّى بما خُلق منه، وجمعه آدميون. قال القاضى: وفى قوله ﵇: " إن جاءت به على صفة كذا التى ذكرها

стр. 2694

فَلاعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا. فَقَالَ رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ فِى المَجْلِسِ: أَهِىَ الَّتِى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ رَجَمْتُ أُحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ؟ ". فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِى الإِسْلام السُّوءَ. (...) وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِى سُليْمَانَ - يَعْنِى ابْنَ بِلالٍ - عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِر المُتَلاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ. وَزَادَ فِيهِ - بَعْدَ قَوْلِهِ كَثِيرَ اللَّحْمِ - قَالَ: جَعْدًا قَطَطًا. ١٣ - (...) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللفْظُ لِعَمْرٍو - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ. وَذُكِرَ المُتَلاعِنَانِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ ابْنُ شَدَّادٍ: أَهُمَا اللَّذَانِ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لرَجَمْتُهَا؟ ". فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا، تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلنَتْ. قَالَ ابْنُ ــ فهو لفلان، يعنى زوجها، وإن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان، يعنى الذى رماها به ". وفى الحديث الآخر: " لعلها أن تجىء به كذا على الصفة التى ذكر "، وفى رواية البخارى: " فلا أراها إلا صدقت، وإن جاءت به كذا فلا أحسبه إلا صدق " (١): ظاهره أن النبى ﷺ قال ذلك على التفرس وغلبة الظن بقوله: " لا أراها " و " لعلها "، ولو كان بوحى وإعلام من الله بذلك، لم يقل: أراها وأحسبه. وفيه النظر بالأشباه، والقيافة إنما هى فى الفراشين المشتبهين، وأما الفراش الذى لا شبهة فيه، فلا حكم له بحال، وأن إقامة الحدود ونفى الأنساب وقطعها لا يحتج فيها بمثل هذا، إلا فى القطع واليقين، وفيه أن ذكر الأوصاف المذمومة للضرورة، والتجلية للتعريف ليس بغيبة. قال الإمام: وقوله ﷺ : " اسمعوا إلى ما يقوله سيدكم ". قال ابن الأنبارى وغيره: السيد: الذى يفوقُ فى الفخر قومه، والسيد أيضاً: الحليم، وأيضاً: الحسن الخلق، وأيضاً: الرئيس، قال الشاعر: فإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخلِ وأنشد ابن قتيبة: قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة

стр. 2695

أَبِى عُمَرَ فِى رِوَايَتِهِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ. ١٤ - (١٤٩٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الأَنْصَارِىَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا ". قَالَ سَعْدٌ: بَلى، وَالَّذِى أَكْرَمَكَ بِالحَقِّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اسْمَعُوا إِلى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ ". ١٥ - (...) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِى رَجُلاً، أَأَمْهِلهُ حَتَّى آتِى بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". ١٦ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلدٍ، عَنْ سُليْمَانَ بْنِ بِلالٍ، حَدَّثَنِى سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِى رَجُلاً، لم أَمَسَّهُ حَتَّى آتِىَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَعَمْ ". قَالَ: كَلا، وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالحَقِّ! إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلَهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اسْمَعُوا إِلى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ، إِنَّهُ لغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّى ". ١٧ - (١٤٩٩) حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فَضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الجَحْدَرِىُّ - وَاللفْظُ لأَبِى كَامِلٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ - كَاتِبِ المُغِيرَة - عَنْ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِى لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرُ مُصْفِحٍ عَنْهُ. فَبَلغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " أَتَعْجَبُونَ ــ وقوله: " لضربته بالسيف غير مصفح ": أى غير ضارب بصفح السيف، وصفحا السيف: وجهاه، وغراره: حدّاه. قال القاضى: وقول عاصم: " ما ابتليت بهذا إلا لقولى "، وفى أول الحديث: " فقلت فى ذلك قولاً ": قيل: لعله قال نحو قول سعد، أو غير من امتحن بذلك، أو وبخه على ذكره فعوقب بأن أصاب ذلك رجلاً من قومه، حتى احتاج لسؤال النبى ﷺ عن أمره. وقوله فى خبر سعد: " إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير منى، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن " الحديث، الغيرة: أصلها المنع، فأخبر ﵇ أن سعداً غيور، مانع لحرمته، وأنه من خلق أهل الإيمان والكمال، وأخبر أنها

стр. 2696

مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَ اللهِ، لأَنَا أَغَيْرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغَيْرُ مِنِّى، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلا شَخْصَ أَغَيْرُ مِنَ اللهِ، وَلا شَخْصَ أَحَبُّ إِليْهَ العُذْرُ مِنَ الله، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ المُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمَنْذِرِينَ، وَلا شَخْصَ أَحَبُّ إِليْهَ المِدْحَةُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الجَنَّةَ ". ــ من أوصافه هو ﵇ وخلقه، وأنه أغير منه بحسب منيف منزلته، وأخبر أن الله أغير من الكل، وفَسَّر [ذلك] (١) بقوله: " من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن "، وهذا هو حقيقة الغيرة من المنع الذى قدمناه. وقد جاء فى حديث آخر مفسَّراً، قال: " وغيرة الله أن يأتى المؤمن ما حرّم الله " (٢)، لكنها فى البشر يقترن بها تغير حال وصفات بطش وانزعاج زائد على مجرد المنع. إذ هم محلّ التغيير واختلاف الحال، والله تعالى لا يليق به شىء من ذلك. وقوله: " لا شخص أغير من الله ": قيل يحتمل أن يكون معناه: لا ينبغى لشخص أن يكون أغير من الله، وهو تعالى لم يعجل ولم يبادر عقوبة عباده فى اقترافهم ما نهاهم عنه ومنعهم. منه، بل حذرهم وأنذرهم وأعذر إليهم وأمهلهم، فينبغى أن يتأدب بأدبه، ويستن بسنته، وكان هذا ردّ لقول سعد: أأمهله حتى آتى بأربعة شهداء؟ وقوله: " لضربته بالسيف غير مصفح " فصحح هذا التأويل. وقوله: " ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ": أى الإعذار والإنذار لخلقه، قبل أخذهم بالعقوبة، وعلى هذا لا يكون فى ذكر الشخص هنا ما يشكل، وقد يكون ذكر الشخص تجوّزاً، والله تعالى متعال عن التشخص، وإنما وقع الشخص على غيره على معنى شىء واحد، وقيل: قد يكون الشخص بمعنى المرتفع: أى لا مرتفع أرفع من الله؛ لأن الشخص ما شخص وظهر ونما وارتفع. وقوله: " ولا أحب إليه المدحة من الله "، قال الإمام: المِدحة، بكسر الميم، لا تكون إلا مع إدخال الهاء للتانيث، فإذا ذهبت الهاء وبقى لفظ التذكير فتحت الميم، فيقال: هو المدح وهى المدحة. قال القاضى: وقوله: " من أجل ذلك وعد الجنة ": معناه - والله أعلم -: أنه لما وعدها ورغب فيها، أكثر السؤال له، والطلب إليه، والثناء عليه، ولا يحتج بهذا على

стр. 2697

(...) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ. وَقَالَ: غَيْرَ مُصفَحٍ، وَلَمْ يَقُلْ عَنْهُ. ــ جواز استجلاب الإنسان الثناء على نفسه ومدحه، فهذا مذموم قصده منهىّ عنه، فأما حبه بالقلب، فما لا يجد المرء منه بداً، والله تعالى مستحق للمدح ومستوجب له، والعباد فالنقص لهم لازم، وإن استحقوا المدح من جهة ما، مع أن المدح يفسد قلوبهم، ويعظمهم فى نفوسهم حتى يستحقروا غيرهم؛ ولهذا قال ﵇: " احثوا التراب فى وجوه المداحين " (١)، وقال: " لو سمعها ما أفلح "، وقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (٢). وقوله: " لو كنت راجماً بغير بينة لرجمت هذه "، وذكر امرأة كانت تظهر السوء فى الإسلام، وفى الرواية الأخرى: " أعلنت ": فيه حجة ألاَّ تقام الحدود بكثرة السماع، وغلبة الظنون، إذا لم يكن على أصل شرعى، من بينة أو إقرار أو ما يقوم مقام ذلك. وقوله: يا رسول الله، مالى، قال: " لا مال لك " (٣). الحديث: صداق الملاعنة واجب بالإجماع. قال ابن المنذر: وفيه دليل على أنه لا رجوع عليه بالمهر وإن أقرت بالزنا، لقوله: " وإن كنت صادقاً عليها، فبم استحللت من فرجها " (٤). قالوا: وحديث هذا الباب يوجب الصداق بالدخول. واختلف فى الملاعنة إذا لم يدخل بها، فعند جماعة فقهاء الأمصار: أنها كغيرها لها نصف صداقها، وقاله مالك، قال الزهرى: لا صداق لها جملة؛ لأنه فسخ، وحكاه البغداديون عن المذهب، وهو على أصل المذهب أنه فسخ، وليس إيجاب نصف الصداق بالذى يقتضى أنه ليس بفسخ على ما أشار إليه بعضهم، بل لتعارض أيمانهما التى قامت مقام تعارض الشهادات فى وجوب الصداق أو إسقاطه، فقسم بينهما لاستواء دعواهما فيه على أصلنا، أو مراعاة لاختلاف العلماء، هل هو فسخ أو طلاق؟ وقال الحكم وحماد وأبو الزناد: لها الصداق كله؛ إذ ليس بطلاق. وقوله: " سألت أنساً وأنا أرى عنده علماء، فقال: إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا البراء بن مالك من أمه ". وفى رواية السمرقندى: " وكان أخاه لأمه " (٥) قد شكل هذا ويظن أنه راجع إلى أنس بن مالك؛ إذ البراء بن مالك أخوه،

стр. 2698

١٨ - (١٥٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ - وَاللفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلاً منْ بَنِى فَزَارَةَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِى وَلدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " هَلْ لَكَ مِنْ إِبْلٍ؟ " قَالَ نَعَمْ. قَالَ: " فَمَا أَلوَانُهَا؟ ". قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: " هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: إِنَّ فِيهَا لوُرْقًا. قَالَ: " فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ ". قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: " وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ ". ١٩ - (...) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ مَعْمَرٍ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلدَتِ امْرَأَتِى غُلامًا أَسْوَدَ، وَهُوَ حِينَئذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ. وَزَادَ فِى آخِرِ الحَدِيثِ: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِى الانْتِفَاءِ مِنْهُ. ٢٠ - (...) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى - وَاللفْظُ لِحَرْمَلةَ - قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِى وَلدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّى أَنْكَرْتُهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " مَا أَلوَانُهَا؟ " قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: " فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَأَنَّى هُوَ؟ " ــ وقد وهم فى هذا ابن خيثمة فذكرهما فى الأخوة للأم، ولعله من ظاهر هذا الحديث وَهم واتبعه أبو عمر فيه، وليس كذلك، إنما هو أخوه لأبيه لا من أمه. كذا قال البخارى والعُصْفرى وغيرهما فيه، وإنما أراد بذلك شريك بن سحماء هو أخو البراء بن مالك لأمه، وهو ظاهر فى الحديث بيّن. وشريك بلوىّ حليف للأنصار وقول ابن جبير: " فرق المصْعَب بين المتلاعنين "، كذا لابن الحذاء، ولغيره: " لم يفرق " (١) قيل: صوابه " لِمَ فرق ". وقوله للذى أنكر لون ولده: " ألك من الإبل؟ " قال: نعم - الحديث، إلى قوله: " هل فيها من أورق؟ "، قال الإمام: هو الأسمر، وهو من الورقة، ومنه قيل للرماد: أورق، وللحمامة ورقاء.

стр. 2699

قَالَ: لعَلهُ يَا رَسُولَ اللهِ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " وَهَذَا لعَلهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ ". (...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: بَلغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. ــ قال القاضى: فى هذا الحديث حجة للقول بالقياس، والاعتماد وضرب الأمثال والأشباه لتقريب الأفهام، وعرض الغامض المشكل على البيّن الظاهر. ومعنى قوله: " فلعل عرقاً نزعه ": أى أشبهه وأظهر لونه. والعرق هنا: الأصل من النسب، شبه بعرق الثمرة، يقال: فلان مُعْرِق فى الحسب وفى اللؤم والكرم. وأصل النزع: الجذب، كأنه جذبه لشبهه به، يقال منه: نزع [ينزع، وهو مما شذ عن الأصل مما جاء على فَعَل يَفْعلُ فيما عينه من حروف الحلق أو لامه، وأصله المطرد فَعل يفعَلُ، يقال منه: نزع] (١) الولد لأبيه، ونزع إليه، ونزعه أبوه إليه كله. وفى هذا الحديث أن التعريض اللطيف إذا لم يقصد به المشاتمة، وكان لمعنى وضرورة أو شكوى أو استفتاء فلا حد فيه، وقد استدل به من لا يرَى الحد فى التعريض والكناية، وهو مذهب الشافعى، ولا فى قول القائل: ليس هذا الولد منى، وهو مذهب الخطابى. ولا حجة له فى هذا الحديث؛ إذ ليس فيه شىء من ذلك وإنما فيه إنكاره لونه، لا إنكاره الولد ونفيه له. تم الجزء الثالث، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل. نتلوه فى الرابع - إن شاء الله - كتاب العتق. ومن الفراغ من نسخه الثالث والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة سبعين وستمائة.

стр. 2700

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٠ - كتاب العتق ١ - (١٥٠١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِى عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ". (...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ بْنُ حَازِمٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الْرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالا: ــ كتاب العتق قوله ﵇: " من أعتَق شِرْكًا [له] (١) فى عبد (٢)، فكان (٣) له مالٌ يبلغ ثمن العبدِ قُوِّم عليه (٤) قيمة العدْل، [وأعطى شركاؤه] (٥) حِصَصَهُم، وعتق عليه العبدُ "، وفى الرواية الأخرى: " من أعتق شِقْصًا له فى عبدٍ فَخلاصُه فى ماله إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مال استُسْعِى العبدُ غير مشقوق عليه "، وفى الرواية الأخرى: "إن لم يكن له مالٌ قُوِّمَ عليه العبدُ قيمة عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعى فى نصيب الذى لم يُعْتِقْ "، وفى الرواية الأخرى - فى المملوك بين الرجلين فَيُعْتق أحدُهما - قال: " يضمنُ "، قال القاضى: فى ذكر الاستسعاء هاهنا خلافٌ. قال أبو الحسن الدارقطنى: روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة - وهما أثبت - فلم يذكرا فيه الاستسعاءَ، ووافقهما همامٌ وَفَصَل الاستسعاء من الحديث، فجعله من [رأى] (٦) قتادة، وعلى هذا أخرجه البخارى (٧) وهو الصواب، وسمعت أبا بكر النيسابورى يقول: ما أحسن ما رواه همام وضبطه، ففصل قول قتادة.
следующие страницы →