← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَ اللهِ، لأَنَا أَغَيْرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغَيْرُ مِنِّى، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلا شَخْصَ أَغَيْرُ مِنَ اللهِ، وَلا شَخْصَ أَحَبُّ إِليْهَ العُذْرُ مِنَ الله، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ المُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمَنْذِرِينَ، وَلا شَخْصَ أَحَبُّ إِليْهَ المِدْحَةُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الجَنَّةَ ". ــ من أوصافه هو ﵇ وخلقه، وأنه أغير منه بحسب منيف منزلته، وأخبر أن الله أغير من الكل، وفَسَّر [ذلك] (١) بقوله: " من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن "، وهذا هو حقيقة الغيرة من المنع الذى قدمناه. وقد جاء فى حديث آخر مفسَّراً، قال: " وغيرة الله أن يأتى المؤمن ما حرّم الله " (٢)، لكنها فى البشر يقترن بها تغير حال وصفات بطش وانزعاج زائد على مجرد المنع. إذ هم محلّ التغيير واختلاف الحال، والله تعالى لا يليق به شىء من ذلك. وقوله: " لا شخص أغير من الله ": قيل يحتمل أن يكون معناه: لا ينبغى لشخص أن يكون أغير من الله، وهو تعالى لم يعجل ولم يبادر عقوبة عباده فى اقترافهم ما نهاهم عنه ومنعهم. منه، بل حذرهم وأنذرهم وأعذر إليهم وأمهلهم، فينبغى أن يتأدب بأدبه، ويستن بسنته، وكان هذا ردّ لقول سعد: أأمهله حتى آتى بأربعة شهداء؟ وقوله: " لضربته بالسيف غير مصفح " فصحح هذا التأويل. وقوله: " ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ": أى الإعذار والإنذار لخلقه، قبل أخذهم بالعقوبة، وعلى هذا لا يكون فى ذكر الشخص هنا ما يشكل، وقد يكون ذكر الشخص تجوّزاً، والله تعالى متعال عن التشخص، وإنما وقع الشخص على غيره على معنى شىء واحد، وقيل: قد يكون الشخص بمعنى المرتفع: أى لا مرتفع أرفع من الله؛ لأن الشخص ما شخص وظهر ونما وارتفع. وقوله: " ولا أحب إليه المدحة من الله "، قال الإمام: المِدحة، بكسر الميم، لا تكون إلا مع إدخال الهاء للتانيث، فإذا ذهبت الهاء وبقى لفظ التذكير فتحت الميم، فيقال: هو المدح وهى المدحة. قال القاضى: وقوله: " من أجل ذلك وعد الجنة ": معناه - والله أعلم -: أنه لما وعدها ورغب فيها، أكثر السؤال له، والطلب إليه، والثناء عليه، ولا يحتج بهذا على

стр. 2697

(...) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ. وَقَالَ: غَيْرَ مُصفَحٍ، وَلَمْ يَقُلْ عَنْهُ. ــ جواز استجلاب الإنسان الثناء على نفسه ومدحه، فهذا مذموم قصده منهىّ عنه، فأما حبه بالقلب، فما لا يجد المرء منه بداً، والله تعالى مستحق للمدح ومستوجب له، والعباد فالنقص لهم لازم، وإن استحقوا المدح من جهة ما، مع أن المدح يفسد قلوبهم، ويعظمهم فى نفوسهم حتى يستحقروا غيرهم؛ ولهذا قال ﵇: " احثوا التراب فى وجوه المداحين " (١)، وقال: " لو سمعها ما أفلح "، وقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (٢). وقوله: " لو كنت راجماً بغير بينة لرجمت هذه "، وذكر امرأة كانت تظهر السوء فى الإسلام، وفى الرواية الأخرى: " أعلنت ": فيه حجة ألاَّ تقام الحدود بكثرة السماع، وغلبة الظنون، إذا لم يكن على أصل شرعى، من بينة أو إقرار أو ما يقوم مقام ذلك. وقوله: يا رسول الله، مالى، قال: " لا مال لك " (٣). الحديث: صداق الملاعنة واجب بالإجماع. قال ابن المنذر: وفيه دليل على أنه لا رجوع عليه بالمهر وإن أقرت بالزنا، لقوله: " وإن كنت صادقاً عليها، فبم استحللت من فرجها " (٤). قالوا: وحديث هذا الباب يوجب الصداق بالدخول. واختلف فى الملاعنة إذا لم يدخل بها، فعند جماعة فقهاء الأمصار: أنها كغيرها لها نصف صداقها، وقاله مالك، قال الزهرى: لا صداق لها جملة؛ لأنه فسخ، وحكاه البغداديون عن المذهب، وهو على أصل المذهب أنه فسخ، وليس إيجاب نصف الصداق بالذى يقتضى أنه ليس بفسخ على ما أشار إليه بعضهم، بل لتعارض أيمانهما التى قامت مقام تعارض الشهادات فى وجوب الصداق أو إسقاطه، فقسم بينهما لاستواء دعواهما فيه على أصلنا، أو مراعاة لاختلاف العلماء، هل هو فسخ أو طلاق؟ وقال الحكم وحماد وأبو الزناد: لها الصداق كله؛ إذ ليس بطلاق. وقوله: " سألت أنساً وأنا أرى عنده علماء، فقال: إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا البراء بن مالك من أمه ". وفى رواية السمرقندى: " وكان أخاه لأمه " (٥) قد شكل هذا ويظن أنه راجع إلى أنس بن مالك؛ إذ البراء بن مالك أخوه،

стр. 2698

١٨ - (١٥٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ - وَاللفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلاً منْ بَنِى فَزَارَةَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِى وَلدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " هَلْ لَكَ مِنْ إِبْلٍ؟ " قَالَ نَعَمْ. قَالَ: " فَمَا أَلوَانُهَا؟ ". قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: " هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: إِنَّ فِيهَا لوُرْقًا. قَالَ: " فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ ". قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: " وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ ". ١٩ - (...) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ مَعْمَرٍ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلدَتِ امْرَأَتِى غُلامًا أَسْوَدَ، وَهُوَ حِينَئذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ. وَزَادَ فِى آخِرِ الحَدِيثِ: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِى الانْتِفَاءِ مِنْهُ. ٢٠ - (...) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى - وَاللفْظُ لِحَرْمَلةَ - قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِى وَلدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّى أَنْكَرْتُهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " مَا أَلوَانُهَا؟ " قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: " فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَأَنَّى هُوَ؟ " ــ وقد وهم فى هذا ابن خيثمة فذكرهما فى الأخوة للأم، ولعله من ظاهر هذا الحديث وَهم واتبعه أبو عمر فيه، وليس كذلك، إنما هو أخوه لأبيه لا من أمه. كذا قال البخارى والعُصْفرى وغيرهما فيه، وإنما أراد بذلك شريك بن سحماء هو أخو البراء بن مالك لأمه، وهو ظاهر فى الحديث بيّن. وشريك بلوىّ حليف للأنصار وقول ابن جبير: " فرق المصْعَب بين المتلاعنين "، كذا لابن الحذاء، ولغيره: " لم يفرق " (١) قيل: صوابه " لِمَ فرق ". وقوله للذى أنكر لون ولده: " ألك من الإبل؟ " قال: نعم - الحديث، إلى قوله: " هل فيها من أورق؟ "، قال الإمام: هو الأسمر، وهو من الورقة، ومنه قيل للرماد: أورق، وللحمامة ورقاء.

стр. 2699

قَالَ: لعَلهُ يَا رَسُولَ اللهِ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " وَهَذَا لعَلهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ ". (...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: بَلغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. ــ قال القاضى: فى هذا الحديث حجة للقول بالقياس، والاعتماد وضرب الأمثال والأشباه لتقريب الأفهام، وعرض الغامض المشكل على البيّن الظاهر. ومعنى قوله: " فلعل عرقاً نزعه ": أى أشبهه وأظهر لونه. والعرق هنا: الأصل من النسب، شبه بعرق الثمرة، يقال: فلان مُعْرِق فى الحسب وفى اللؤم والكرم. وأصل النزع: الجذب، كأنه جذبه لشبهه به، يقال منه: نزع [ينزع، وهو مما شذ عن الأصل مما جاء على فَعَل يَفْعلُ فيما عينه من حروف الحلق أو لامه، وأصله المطرد فَعل يفعَلُ، يقال منه: نزع] (١) الولد لأبيه، ونزع إليه، ونزعه أبوه إليه كله. وفى هذا الحديث أن التعريض اللطيف إذا لم يقصد به المشاتمة، وكان لمعنى وضرورة أو شكوى أو استفتاء فلا حد فيه، وقد استدل به من لا يرَى الحد فى التعريض والكناية، وهو مذهب الشافعى، ولا فى قول القائل: ليس هذا الولد منى، وهو مذهب الخطابى. ولا حجة له فى هذا الحديث؛ إذ ليس فيه شىء من ذلك وإنما فيه إنكاره لونه، لا إنكاره الولد ونفيه له. تم الجزء الثالث، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل. نتلوه فى الرابع - إن شاء الله - كتاب العتق. ومن الفراغ من نسخه الثالث والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة سبعين وستمائة.

стр. 2700

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٠ - كتاب العتق ١ - (١٥٠١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِى عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ ". (...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ بْنُ حَازِمٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الْرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالا: ــ كتاب العتق قوله ﵇: " من أعتَق شِرْكًا [له] (١) فى عبد (٢)، فكان (٣) له مالٌ يبلغ ثمن العبدِ قُوِّم عليه (٤) قيمة العدْل، [وأعطى شركاؤه] (٥) حِصَصَهُم، وعتق عليه العبدُ "، وفى الرواية الأخرى: " من أعتق شِقْصًا له فى عبدٍ فَخلاصُه فى ماله إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مال استُسْعِى العبدُ غير مشقوق عليه "، وفى الرواية الأخرى: "إن لم يكن له مالٌ قُوِّمَ عليه العبدُ قيمة عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعى فى نصيب الذى لم يُعْتِقْ "، وفى الرواية الأخرى - فى المملوك بين الرجلين فَيُعْتق أحدُهما - قال: " يضمنُ "، قال القاضى: فى ذكر الاستسعاء هاهنا خلافٌ. قال أبو الحسن الدارقطنى: روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة - وهما أثبت - فلم يذكرا فيه الاستسعاءَ، ووافقهما همامٌ وَفَصَل الاستسعاء من الحديث، فجعله من [رأى] (٦) قتادة، وعلى هذا أخرجه البخارى (٧) وهو الصواب، وسمعت أبا بكر النيسابورى يقول: ما أحسن ما رواه همام وضبطه، ففصل قول قتادة.

стр. 2701

حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اْلوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ. (١) باب ذكر سعاية العبد ٢ - (١٥٠٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ - فِى الْمَمْلُوكِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا - قَالَ: " يَضْمَنُ ". ٣ - (١٥٠٣) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشيِرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ــ قال القاضى: وقال الأصيلى وابن القصار وغيرهما: من أسقط السِّعاية أولى ممن ذكرها؛ لأنها ليست فى الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر. قال أبو عمر بن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها (١). قال غيره: وقد اختلف فيه عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة، فمرَّةً ذكر فيه السِّعَاية ومَرَّةً لم يذكرها (٢)، فدل أنها ليست عنده من متن الحديث كما قال غيره. ومعنى الاستسعاء فى هذا الحديث: تكليفه الاكتساب والطلب لقيمة شقص الآخر على قول الأكثرين، وقيل: يخدم سيده بقدر ماله من الرق، فعلى هذا تتفق الأحاديث.

стр. 2702

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِى عَبْدٍ، فَخَلاَصُهُ فِى مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، اسْتُسْعِىَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ". ــ وقوله: " غير مشقوق عليه ": أى غير مكلف ما فيه مشقة. وقوله: " شقصاً "، قال الإمام: الشقص: النصيب، ومثله الشقيص، وكذلك قوله: " من أعتق شركاً "، الشرك: النصيب، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْك﴾ (١)، أى من نصيب، ويكون الشرك فى غير هذا الشريك، قال الله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (٢)، ويكون الشرك - أيضاً - الإشراك، يقال: شركته فى الأمر أشركه شركًا، ومنه حديث معاذ: " أجاز بين أهل اليمن الشرَك "، أراد الاشتراك فى الأرض. وقوله: " فقد عتق منه ما عتق ": قال: عتَقَ العبدُ فى نفسه: إذا سار حرّا وأعتقه سيّده. قال القاضى: قوله: " من (٣) أعتق شِرْكًا له فى مملوك ": لفظه عام فى كل معتِق من ذكر أو أنثى، ممن يقع عليه الخطاب أو ينتهى حكمه إليه، وكذلك ألزمنا التقويم (٤) إذا كان العبد كافرًا بين مسلمين أو بين مسلم ونصرانى، فأعتق المسلم نصيبَه لحق الشريك معه، ولتوجه الخطاب للمسلم. وقد اختلف عندنا إذا أعتق النصرانىُّ، هل يُقوَّمُ عليه لحق شريكه المسلم، أم لا؟ إذ هو حق الله تعالى [أو بين المعتِقُ والمعتقُ وهما نصرانيان لا يتوجه لهما الخطاب، وكذلك اختلف عندنا إن كان العبد مسلماً بين نصرانيين فأعتق أحدهما نصيبه، أو بين نصرانى ومسلم، فأعتق النصرانى نصيبه على الخلاف هل الحق للشريك فى تبعيض عبده عليه أو للعبد فى حقه تكملة عتقه؟ والله أعلم] (٥). قال القاضى أبو محمد: فيه ثلاثة حقوق: حق لله - تعالى - وللشريك، وللعبد، فعلى مراعاة هذه الحقوق وقع الخلاف، وتصوير الصور فى المسألة على ما تَقدَّم، ويأتى إن

стр. 2703

٤ - (...) وحدّثناه عَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ - عَنْ سَعِيدِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: " إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيَمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ ــ شاء الله تعالى. وقوله: " قُوِّم عليه ": محمولٌ على الوجوب، ولا تخيير فى الرضا يعم تبعيض العتق لا للعبد ولا للشريك، مراعاة لحق الله - تعالى - فى ذلك. واختلف عندنا، هل للشريك التخيير فى أن يعتق نصيبه أو يُقَوَّمُ؟ وهو المشهور، أو ليس له إلا التقويم فى هذا، وأنه قد وجب عتق جميعه على معتق نصيبه بحكم السراية (١)؟ على ما سيأتى من اختلاف العلماء والمذاهب فى هذا، ولا خلاف فى بقاء عتق نصيب المعتق بكل حال بين علماء الأمصار، إلا ما روى عن ربيعة من إبطال عتق المعتق لنصيبه معسراً كان أو موسرًا (٢)، وهذا قول لا أصل له مع مخالفته جميع الأحاديث. واختلفوا فى الحكم فى نصيب شريكه إذا كان المعتق موسرًا على ستة أقوال: أحدها: أن العبد عتيق نفسه، ويقوَّم نصيبُ صاحبه عليه بكل حال. وولاؤه كله له، هذا قول الثورى والأوزاعى، وابن أبى ليلى، وابن شبرمة، وأبى يوسف، ومحمد ابن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وحكى مثله رواية عندنا فى المذهب (٣)، وقاله الشافعى فى الجديد، وأن حرية بعضه قد سرت فى جميعه، وحكمه من يومئذ حكم الحر فى الوراثة وسائر أحكام الأحرار، وليس للشريك فيه غير قيمته على المعتق، كما لو قتله، وأنه إذا عتق نصيبه كان عتقه باطلاً (٤)، وأن المعتق إن أعسر قبل أخذه بالقيمة أتبعه الشريك بها ديناً، وكذلك لو مات المعتق قبل نهاية عتق جميعه قُوِّم عليه، ولو استغرق تركته. القول الثانى: أنه لا يعتق بالسراية وإنما يعتق بالحكم، وأن العبد بحكم العبودية فى نصيب الشريك حتى يحكم بالتقويم، وأن المعتِق إن مات قبل التقويم لم يُقوَّم عليه ولا على ورثته، وأن الشريك بعد عتقه مخير فى نصيبه إن شاء قومَّه عليه وإن شاء أعتقه،

стр. 2704

يُسْتَسْعَى فِى نَصِيبِ الَّذِى لَمْ يُعْتِقْ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ". ــ فإن أعتقه كان الولاء بينهما، وإن كان المعتق معدماً بقى الشريك على نصيبه فى العبد ولم يعتق منه غيرُ حصةِ العبد، وإن كان المعتِق موسراً بقيمة بعض نصيب شريكه (١) قُوِّم عليه منه بقدر ذلك، وَهذا مشهور قول مالك وأصحابه (٢) " وقول الشافعى فى القديم، وبه قال داود وأهل الظاهر، ثم اختلفوا هل بمجرد التقويم يكون حرًّا أو لا بتمام الحكم؟ والأول هو الصحيح من مذهبنا. القول الثالث: قول أبى حنيفة: إن الشريك مخيَّر، إن شاء استسعى العبدَ فى نصف قيمته، وإن شاء أعتق نصيبه والولاء بينهما، وإن شاء قَوَّم على شريكه نصيبَه، ثم يرجع المعتق بما دفع إليه العبد يستسعيه فى ذلك، والولاء كله له، قال: والعبد فى هذه السعاية بمنزلة المكاتب فى جميع أحكامه. القول الرابع: قول عثمان البتى (٣): لا شىء على المعتق إلا أن تكون جارية رابعة (٤) تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على صاحبه فيها من الضرر. القول الخامس: حكاه ابن سيرين؛ أن القيمة فى بيت المال. وهذان القولان شاذان مخالفان للحديثين جميعًا، حديث ابن عمر وحديث أبى هريرة، وكذلك مذهب أبى حنيفة، لم يقل بواحد من الحديثين، وهذه سنة خارج عنها (٥). القول السادس: حكى عن إسحاق بن راهويه؛ أن هذا الحكم فى الذكور من العبيد دون الإناث، ولم يذكر فى الحديث، وهذا أشد الأقوال. هذا حكم الموسر. وكذلك اختلفوا فى المعسر على أربعة أقوال: فقول مالك والشافعى وأحمد وأبى (٦) عبيد: لا يتبع بشىء، وينفذ عتق نصيبه الذى أعتق، كما جاء فى حديث ابن عمر وغيره، ولا سعاية عليه، وعلى هذا جمهور علماء الحجاز؛ لقوله فى

стр. 2705

(...) حدّثنى هَارُونُ بن عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، وَذَكَرَ فِى الْحَدِيثِ: قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدلٍ. ــ الحديث: " وكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم عليه " إلى قوله: " وإلا فقد عتق منه ما عتق "، وهذا اللفظ ثابت من رواية مالك وغيره فى الحديث، وسقطت هذه اللفظة عند القعنبى وابن بكير فى رواية، وسقوطها عند الحفاظ وهم ممن سقطت عليه، والمعروف لكافة رواة نافع ورواة مالك عنه ثباتها وصحتها. واختلف فى قول مالك فى مراعاة العُسْرِ، هل بمجرد يوم العتق؟ أو باتصاله إلى يوم الحكم؟ وقال الكوفيون باستسعاء العبد فى حصته لشريكه (١)، وبه قال الأوزاعى وإسحاق وابن أبى ليلى، وابن شبرمة. ثم اختلفوا فى رجوع العبد يَرُد على المعتق (٢)، فقال ابن أبى ليلى وابن شبرمة: رجع عليه، ولم ير أبو حنيفة وصاحباه الرجوع، وهو عند أبى حنيفة بحكم المكاتب مُدَّة السعاية، وعند الآخرين هو حرٌّ بالسرايا، وقال زفر: يُقوَّم على المعتق، كان معسراً أو موسراً، يؤديها فى العسر متى أيسر (٣)، وقاله بعض البصريين، وقال آخرون: إذا كان معسرًا بطل عتقه. وهذان القولان شاذان مخالفان للأقوال كلها أيضاً، وفى هذا الحجة القوية: أن من أعتق بعض عبده أنه يكمل عليه عتقه، وهل يجبر ذلك بالحكم أو بالسراية فن ذلك؟ فيه عندنا روايتان، وعلى هذا جماعة علماء أهل الحجاز والعراق دون استسعاء، إلا ما ذهب أبو حنيفة من أنه يستسعى لمولاه فى بقية القيمة، وخالفه صاحباه فى ذلك فقالوا بقول الجماعة، لكنه روى عن ربيعة وطاوُس وحماد والحسن على خلاف عنه نحو قوله، وقاله أهل الظاهر. وذكر عن الشعبى وعبيد الله بن الحسن يعتق الرجل من عبده ما شاء. وقوله: " قيمة عدل ": يريد: لا زيادة ولا نقص. وقوله: " عتق عليه "، وفى كتاب أبى داود: " ثم عتق عليه " (٤): حجة لقول مالك ومن وافقه إن عتقه بعد التقويم والحكم لأبى السراية. قال الإمام: الحكم بالتقويم هاهنا لما يلحق الشريك من الضرر بعيب العتق، ولحق

стр. 2706

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الله - تعالى - فى إكمال الحرية. وإن كان للشريك مال، فهل يعتق نصيب من لم يعتق بالسراية أو بالتقويم؟ فيه اختلاف فى المذهب. وإن كان الشريك معسرًا، فهل لمن لم يعتق اتباعه بالقيمة فى ذمته وإكمال العتق عليه؟ فيه - أيضاً - قولان فى المذهب. وعند أبى حنيفة أن المعتق إن كان موسرًا كان للآخر أن يعتق نصيبه، أو يضمن شريكه، أو يستسعى العبد، وإن كان معسرًا كان لشريكه العتق والاستسعاء، وتعلق مالك فى نفى الاستسعاء، بقوله فى طريق ابن عمر: " والا فقد عتق منه ما عتق "، وظاهر هذا ينفى الاستسعاء وتعلق أبو حنيفة برواية أبى هريرة فى الاستسعاء، وقد قال بعض أصحابنا: إنها زيادة من كلام قتادة تلبس على بعض الرواة فأضافها إلى نفس الحديث، وقد ذكر ابن المنذر ما يصحح ما قاله أصحابنا، وذكر فى سند الحديث على بعض رواته قال: وكان يفتى قتادة، وذكر الاستسعاء على أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: " يستسعى [العبد] (١) فى نصيب الذى لم يعتق "، أى يخدمه بقدر نصيبه لئلا يظن أنه يحرم عليه استخدامه، وإن كان قد وقع فى بعض الروايات فى الاستسعاء فى القيمة، وهذه الرواية تمنع هذا التأويل. وقال بعض أصحابنا: لعل الراوى نقل بالمعنى ولما سمع الاستسعاء فى النصيب عبر عنه بالقيمة على ما فهم، وهذا عندى لا يعول عليه؛ لأنه سوء ظن بالرواة، وتطريق إلى إفساد أكثر الأحاديث. وقد قالوا - أيضًا - هم فى تأويل الحديث الذى تعلقنا به: [إن قوله] (٢): " وإلا فقد عتق منه ما عتق " إنما أراد أن العتق برد واستقر، وأن تعذر الاستكمال لا يرفع ما وقع فيه، والذى قالوه يحتمل، وإنما يبقى النظر فيما قلناه، هل هو الأظهر من المحتملات؟ والظواهر يقع بها الترجيح، ويرجح بعضها على بعض، وقد نبهنا على ما فى روايتهم من الاحتمال وما فى روايتنا، ولم يبق إلا التمسك بالأظهر. وفى غير كتاب مسلم: عن جابر أن النبى ﷺ قال: " من أعتق عبدًا وله فيه شركاء وله وفاء، فهو حر، ويضمن نصيب شركائه بقيمته لما أساء من مشاركتهم، وليس على العبد شىء " (٣). وفى هذا الحديث ثلاث فوائد: العتق بالسراية؛ لقوله: " فهو حر "، والتعليل بحق الشركاء؛ لقوله: " لما سار من مشاركتهم "، ونفى السعاية؛ لقوله: " وليس على العبد شىء ". وقوله هاهنا فى رواية أبى هريرة: " قوم عليه العبد ": إشارة إلى تقويم العبد كاملاً، ويعطى قيمة نصفه بنسبة قيمة الكل إن كان قادرًا على أن يدعو شريكه لبيع جملته، فيحصل له نصف الثمن الحاصل فى الجميع، فإذا منعه من هذا ضمن له ما منعه منه، وقد

стр. 2707

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال هذا بعض أهل العلم. واختلف المذهب فى الشريكين إذا أعتقا وسهامهما مختلفة، ولهما شريك ثالث، هل يضمنان على التساوى لأنهما اشتركا فى الإتلاف؟ ولو انفرد كل واحد منهما فأعتق لضمن جميع نصيب شريكه، من غير أن يعتبر قلة نصيبه أو كثرته، أو يكونان يضمنان بعد أملاكهما؛ لأن كونهما مالكين نفذ لهما العتق، فلمالك إذًا مدخل فى هذا فوقعت الغرامة لعذره، وقد غلط ابن راهويه وذهب إلى أن معتق نصف الأمة لا يضمن بقيمتها؛ لأنه لم يذكر فى الحديث إلا العبد، وأنكر حذاق أهل الأصول هذا، ورأوا أن الأمة فى معنى العبد، وأن هذا لا يلتبس على أحد سمع هذا اللفظ، وقالوا: إذا كان الفرع فى معنى الأصل قطعًا صار كالمنصوص عليه. قال القاضى: وقوله: " وإلا فقد عتق منه ما عتق ": ظاهره أنه من قول النبى ﷺ ، وكذلك رواه مالك وعبيد الله العمرى، ووصلاه بالحديث من قول النبى ﷺ . ورواه أيوب عن نافع، فقال: قال نافع: " وإلا فقد عتق منه ما عتق "، ومرة قال أيوب: لا أدرى أشىء قاله نافع أم هو من الحديث؟ ولهذا قال ابن وضاح: إنه ليس من لفظ الحديث، وما قاله مالك وعبيد الله أولى، وقد جوداه، وهما أثبت فى نافع من أيوب عند أهل هذا الشأن، فكيف وقد شك أيوب - كما تقدم - وقد رواه يحيى بن سعيد عن نافع، وقال فى هذا الموضع: ولهذا جاز ما صنع. فجاء به على المعنى، وهذا كله يرد على من رأى الاستسعاء وإكمال عتقه بكل حال؛ إذ قوله: " فقد عتق فيه ما عتق " إيجاب لما عتق منه، ونفى لما عداه.

стр. 2708

(٢) باب إنما الولاء لمن أعتق ٥ - (١٥٠٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَاْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّها أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِى جَارِيَةً تُعْتقُهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلاَءَهَا لَنَا. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: " لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ". ٦ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُها فِى كِتَابَتهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا. فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِى إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أحَبُّوا أَنْ أَقْضِىَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونَ ــ حديث بريرة ذكر فيه أن عائشة أرادت أن تشترى جارية تعتقها، فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءَها لنا، فذكرت ذلك للنبى ﷺ ، فقال: " لا يمنعك ذلك، فإن الولاء لمن أعتق "، وفى الرواية الأخرى: أنها كانت مكاتبة، وذكر نحوه، وفيه: " ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست فى كتاب الله " الحديث، قال الإمام أبو عبد الله: حديث بريرَة هذا فيه فقه كثير، والذى يحتاج إلى ذكره هاهنا الكلام فى جواز بيعها ابتداءً. وقد اختلفت أقوال العلماء فى بيع المكاتب على الجملة، فأجازه بعضهم ومنعه بعضهم، والجواز على أنه يتأدى منه المشترى لا على أنه تبطل كتابته؛ لأن هذا لم نعلم من يذهب إليه، وكذلك - أيضاً - أجاز مالك بيع كتابته خاصة ويؤدى للمشترى، فإن عجز رق له، منع من ذلك ابن أبى سلمة وربيعة، وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى ورأوا ذلك غرراً وجهلاً بالمشترى؛ لأنه لا يدرى ما يحصل له، هل نجوم أم رقبة؟ وأجاز بعض أهل العلم بيع المكاتب للعتق لا للاستخدام، وإن رضى بالبيع وقد عجز عن الأداء لفقره وضعفه عن التكسب جاز بيعه، وإن كان ظاهر المال ففى رضاه بالعجز [قولان، فمن مكنه منه أجاز بيعه إذا رضى بالعجز والبيع، ومن منعه من ذلك لم يجز بيعه، والقولان فى المذهب عندنا، وكذلك إن لم يكن له مال ظاهر، ولكنه قادر على التكسب، وتحصيل النجوم التى تعتق بها فى رضاه بالعجز] (١) اختلاف فى المذاهب.

стр. 2709

وَلاؤُكٍ لِى، فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرة لأَهْلِهَا، فَأَبَوْا، وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ ــ وفى بيع العبد القن بشرط العتق من مشتريه اختلاف بين الناس، أجازه مالك والشافعى، ومنعه أبو حنيفة، ولكنه قال: إن وقع البيع مضى بالثمن، وخالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فقالا: يمضى بالقيمة. فإذا تقرر هذا كله قلنا بعده: لابد من تطلب تأويل لبيع بريرة وهى مكاتبة عند من منع بيع المكاتب، فيقول من حكينا عنه: إن بيعه جائز للعتق لا للخدمة، إنما جازها هنا لأن عائشة اشترتها للعتق وأنا أجيزه، ومن يجيز بيع كتابة المكاتب يقول: لعلها اشترت كتابتها، ويحتج بقوله هاهنا فى كتاب مسلم: " فإنى أحب أن أقضى عنك كتابتك ". وهذا ظاهره أنها لم تشتر الرقبة، ومن يمنع بيع المكاتب وبيع كتابته يقول: عجزت ورضيت بالبيع؛ فلهذا اشترتها عائشة، وأما شراء العبد القن بشرط الاعتاق فيتعلق بهذا الحديث من يجيزه ويقول: قد اشترتها عائشة بشرط العتق، وقال ﷺ : " ابتاعى وأعتقى "، وهذا يصحح ما ذهبت إليه. ومن يمنع بيع العبد القن بشرط العتق قد ينازع فى هذا، ويمنع من كون عائشة مشترية، وقد يحمله على قضاء الكتابة عن بريرة أو على شراء الكتابة خاصة. وإن كان أحد جمع بين هذين المذهبين؛ منع البيع للعتق وجواز بيع الكتابة، هذا وجه من الكلام على هذا الحديث. وأما الوجه الثانى - وهو المشكل فى هذا الحديث -: فما وقع فى طرق ابن هشام هاهنا، وهو قوله عنه ﵇: " اشتريها وأعتقيها واشترطى لهم الولاء "، فيقال: كيف أمرها رسول الله ﷺ بهذا، وفيه عقد بيع على شرط لا يجوز، وفيه تغرير بالبائعين؛ إذ شرطت لهم ما لا يصح وخدعتهم، ولما صعب الانفصال من هذا على بعض الناس أنكر هذا الحديث أصلاً، يحكى ذلك عن يحيى بن أكثم، وقد وقع فى كثير من الروايات سقوط هذه اللفظة، وهذا مما يشجع يحيى على إنكارها. وأما المحصلون من أهل العلم فطلبوا لذلك تأويلاً، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: "لهم " هاهنا بمعنى " عليهم "، فيكون معناه: اشترطى عليه الولاء، وعبر عن " عليهم " بلفظ " لهم "، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ (١) بمعنى: عليهم، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٢) أى فعليها. وقال آخرون: معنى " اشترطى " هاهنا: أظهرى حكم الولاء. قال أوس بن حجر يذكر رجلاً تَدَلَّى من رأس جبل يحمل إلى بيعه ليقطعها فيتخذ منها قوسًا، واشترط فيها نفسه وهو معهم، وألقى بأسباب له وتوكلاً، ومعناه: جعل نفسه علماً لذاك الأمر. وفيه قيل: أشراط الساعة، بمعنى: علاماتها. ومنه سموا: أصحاب الشرط؛ لأنه كان

стр. 2710

عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ لَنَا وَلاؤُكِ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ــ لهم فى القديم علامات يعرفون بها. ومن الشرط فى كذا، بمعنى: أنه علم عليه. وقال آخرون: إنما المراد بهذا الزجر والتوبيخ؛ لأنه ﷺ بين لهم أن هذا الشرط، فلما أخذوا يتقاحمون على مخالفته قال لعائشة هذا اللفظ بمعنى: لا تبالى بشرطهم لأنه باطل مردود، وقد سبق بيانى لهم ذلك لا على الإباحة لهم والأمر لها بذلك. وقد ترد لفظة " افعل " وليس المراد اقتضاء الفعل، ولا الإذن فيها، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ (١)، ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (٢). وأما الوجه الثالث: فإنه الكلام على قوله: " الولاء لمن أعتق " ولا خلاف بين العلماء فى معتق عبده عن نفسه أن ولاءه له. واختلفوا إذا أعتقه عن غيره رجل بعينه، أو عن جميع المسلمين، فمذهبنا: أن الولاء للمعتق عنه، كان رجلاً بعينه أو جماعة المسلمين. وقال ابن نافع من أصحاب مالك فى المعتق عن جماعة المسلمين: أن الولاء له دونهم، قال بعض شيوخنا: ويلزمه على ما قال أن يقول بمذهب المخالف: إن الولاء للمعتق وإن أعتق عن رجل بعينه. واحتج من رأى الولاء للمعتق وإذا أعتق عن غيره بقوله ﷺ : " الولاء لمن أعتق "، فعمّ، وحمله مالك على أن المراد به: من أعتق عن نفسه، بدليل أن الوكيل إذا أعتق بإذن موكله على العتق، كان الولاء لمن وكله وإن كان هو المعتق. وقد وقع هاهنا سؤال مشكل وهو: لو قال: أنت حر ولا ولاء لى عليك، وأما ابن القصار فالتزم فى هذا السؤال أن يكون الولاء للمسلمين، ونزّل هذا القول منزلة قول القائل: أنت حر عن المسلمين. وكان بعض شيوخنا يخالفه فى هذا، ورأى أن بقوله: أنت حر، استقر الولاء له، واستئنافه بعد ذلك جملة ثانية هى قوله: ولا ولاء لى عليك، لا يغير حكم الجملة الأولى؛ لأنه إخبار على أن حكم الجملة الأولى المستقرة بالشرع على خلاف ما حكم الله به، فيكون إخباره كذبًا وفتواه باطلاً، والباطل والكذب لا يلتفت إليه، ولا يعول فى مثل هذه الأحكام عليه. وأما الوجه الرابع - من الكلام على هذا الحديث - فقوله: " فخيرها رسول الله ﷺ وقد كان زوجها عبدًا ": فلا خلاف بين أهل العلم فى أن الأمة إذا أعتقت تحت عبد أن لها الخيار فى فسخ نكاحه. واختلف الناس فى الحر، هل تخير إذا عتقت تحته؟ فعندنا لا تخير؛ ولأن هذا الحديث قد ذكر فيه هاهنا أن زوجها كان عبدًا، والأصل ثبوت الأنكحة، ولا سبيل إلى إثبات الفسخ عند طريان حوادث إلا بشرع يدل على ذلك، وقد دل هاهنا على العبد، فيبقى الحر على الأصل. وأما المخالف الموجب لها الخيار - وإن كان زوجها

стр. 2711

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ابْتَاعِى فَأَعْتِقِى، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ "، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " مَا بَالُ ــ حرّا - فيتعلق برواية من روى: أن زوجها كان حرًّا، ونحن نرجح مذهبنا عليه بأن نقول: راوى حال هذا الزوج ابن عباس وعائشة، وأما ابن عباس فلم يختلف الرواة عنه أنه قال: كان زوجها عبدًا، وأما عائشة فاختلف الرواة عنها، هل قالت: عبدًا أو حرًّا؟ والذى لا خلاف [فيه] (١) عنه أولى أن يتعلق بروايته ممن اختلف عنه. وأما وجه الخلاف من جهة الاعتبار والمعنى، فإن مالكًا رأى أن العلة ما يدركها من معرة لما صارت حرة يكون زوجها عبدًا، وإذا كان زوجها حرًّا فلا معرة عليها ولا وجه لتخييرها. وأما المخالف فيرى أن العلة كونها معقودًا عليها بالجبر أولاً لحق العبودية، وإذا صارت إلى حال من لا يجبر لملكها نفسها كان لها حل العقد، ويتعلق فى ذلك مما قيل فى بعض الطرق: " وملكت نفسِك فاختارى "، وكما قال، فأشار إلى أن العلة ملكة النفس، وهذا يوجب المساواة بين الحر والعبد، وإذا أثبت لها الخيار فإنها إذا أمكنت الزوج من وطئها سقط خيارها، وإن زعمت أنها جاهلة بحكم الخيار، هذا المعروف من المذهب. وقال بعض أصحابنا: فإن هذا بناءً على أنها ادعت، والآيسة من الجهل بالحكم لاشتهار هذا الحكم عند سائر الإماء، ولو كانت ممن يتبين جهلها - كحديثة العهد، كالسبى من السودان وغيرهم - لجرت على القولين فيمن زنى جاهلاً بحكم تحريم الزنى، هل يحد أَوْ لا؟ وقد تعلق بعض أصحابنا بأن فى بعض الأحاديث على الخيار لها بألا توطأ، ولم يعرف من وطئها جاهلة أو عالمة، والصحيح من هذا أنه إن لم يثبت أثر يسقط تخييرها إذا جهلت الحكم أنها باقية على حقها، ولا معنى لتخريجهم الخلاف فى ذلك، ولأن كل من يثبت له حق فلا يسقط إلا بنصه على إسقاطه، وفعل يقوم مقام النص، وتمكين العالمة بالحكم قائم مقام النص منها على إسقاط حقها فيسقط، وإذا كانت جاهلة لم يصدر عنها ما يدل على سقوط حقها، فبقيت على الأصل فى حقها فى ثبوته. وأما الوجه الخامس: فقوله ﷺ : " كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط ": فيجب أن يعلم أن الشروط المقارنة للبيع لا تخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون من مقتضى العقد كالتسليم، وجواز التصرف فى البيع. وهذا لا خلاف فى جواز اشتراطه؛ لأنه يقضى به وإن لم يشترط. والثانى: ألّا يكون من مقتضاه، ولكنه من مصلحته كالحميل والرهن، واشتراط الخيار، فهذا - أيضًا - يجوز اشتراطه لأنه من مصلحته، وأشبه ما كان من مقتضاه، لكنه

стр. 2712

أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِى كِتَابِ اللهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللهِ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ ". ــ إنما يقضى به مع الاشتراط، وإن لم يشترط فلا يقضى به، وبهذا فارق القسم الأول. والثالث: أن تكون خارجة عن ذلك مما لا يجوز اشتراطه فى العقود، وأن يمنع من مقتضى العقد أو يوقع فيه غررًا، أو غير ذلك من الوجوه الممنوعة. فهذا موضع اضطراب العلماء، ومسائل المذهب مضطربة فيه، ولكن المشهور فيه على الجملة فى القول المطلق: أن البيع والشرط جميعًا ينقضان ويبطلان لقوله ﷺ : " من أحدث فى ديننا ما ليس منه فهو رد " (١)؛ لأنه قد وضع من الثمن لأجل الشرط، فصار له حصة من المعاوضة، فيجب بطلان ما قابله من العوض لفساده، والذى ينويه من العوض مجهول، وهذا يؤدى إلى الجهالة مما يقابل ما سواه فى العوض، فوجب فسخ الكل لذلك. وقد قال بعض العلماء بأن الشرط خاصة هو المختص [بالبطلان لأجل حديث بريرة] (٢). وقد وقع فى المذهب مسائل خرج فيها بعض الشيوخ هذه الطريقة، وجعلها قولاً فى المذهب. ووجه المشهور ما قلناه من الخبر والقياس، وهو مقدم عندهم على هذا الحديث، على أن حديث بريرة لم ينص فيه على صحة البيع، إنما ذكر الشروط خاصة. ففى البيع يؤخذ حكمه من مواضع أخر فى الشريعة. وأما شراء عائشة، فقد ذكرنا وجوهًا من التأويل فى قوله ﷺ : " اشترطى لهم الولاء "، وإذا ثبتت تأويلات الحديث سقط تعلقهم بظاهره. وأما الوجه السادس: فما ذكره من أكله ﷺ مما تصدق به عليها. وقد تقدم الكلام عليه فيما سبق. قال القاضى: حديث بريرة كثير السنن والعلم والأدب. ومعنى قول عائشة: " كانت فى بريرة ثلاث سنن "، وفى حديث ابن عباس: " أربع سنن " وزاد: وأمرها أن تبدأ فى أنها سنت وشرعت بسبب قصة، أو عند وقوع قصتها، وحكم بها فى قصتها وما فيها من غير ذلك، مما كان علم قبل ذلك من غير خبرها وقصتها، ولكن معها الحجج لسنن كثيرة وآداب من الشرع عديدة. وقد كثر كلام الناس فيه وجمع أبو جعفر الطبرى فيه ستة أجزاء فى كتابه، ولأبى بكر بن خزيمة - أيضاً - عليه تأليف

стр. 2713

٧ - (...) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيْرة إِلَى، ــ كبير، ولغيرهما وبلغة بعضهم نحو مائة فائدة، وسنذكر من فوائده مما لم يتقدم ذكره قبل، ومما هو ظاهر لمستفيده إن شاء الله. فى ذلك: جواز كتابة الأنثى وذات الزوج من الإماء، ودخولهن فى الخطاب العام والخبر الشامل من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُم﴾ (١)، وأن الزوج لا يدخل فى كتابتها، وأنه لا حق للزوج فى منعها من الكتابة، وإن آل ذلك إلى فراقها باختيارها إن كان عبدًا على قول الجمهور، أو كيف كان على قول الآخر، وأنه ليس له منعها من السعى. وقد يستدل به [على] (٢) أنه لا حق له فى خدمتها؛ إذ لو كان ذلك لكان له منعها منه. وجواز المكاتبة وإن لم يكن للعبد مال. وجواز كتابة الأمة غير ذات الصنعة ومن لا حرفة له من العبيد إن لم يستعملهم النبى عن شق من ذلك، ولو كان مشترطًا لسأل عنه وبينه. وهذا كله مذهب مالك والثورى والشافعى وجماعة من العلماء وغيرهم. واختلف عن مالك فى كتابة من لا حرفة له، وكرهها الأوزاعى وأحمد وإسحاق، وروى مثله عن ابن عمر، خلافاً لمن قال من السلف: إن المراد به فى الآية المال، وهو عند أكثرهم الدين والأمانة، والقدرة على الكسب عند جميعهم، وبين أن المكاتب غير عتيق، وأنه عبد ما بقى عليه درهم، وهو قول عامة العلماء وفقهاء الأمصار عن بعض السلف، وأنه حر بنفس الكتابة، وهو عديم بالكتابة ولا يرجع إلى الوراء، وحكى مرصد عن امرأته فى عتق منه، وروى عن على بن أبى طالب، وحكى عن بعضهم أنه إذا أدى الشطر من كتابته فهو جائز ويتبع بالباقى. وعن عمر بن الخطاب وابن مسعود وشريح مثل هذا إذا أدى الثلث، وعن عطاء مثله إذا أدى الثلاثة الأرباع، وقال: إذا أدى قيمته فهو حر عديم بالكتابة، وروى عن شريح وعن ابن مسعود إذا أدى قيمته، وأن الكتابة على النجوم جائزة لقولها: " أوقية فى كل سنة "، ولا خلاف فيه، ويجوز عند عامتهم على نجم واحد، ولكن شأنها عند مالك بالتنجيم؛ لأنه إذا لم يسم أجلاً ولا نقدًا نجمت عنده بقدر السعاية وقوته وإن كره السيد، ومنعها الشافعى جملة وقال: ليست بكتابة. وفى قوله: " الله أحق، وشرط الله أوثق ": جواز السجع غير التكلف. وإنما نهى النبى ﷺ عن سجع الكهان وما أشبهه مما فيه من تكلف وبأقسام على مطوى الغيب. قال

стр. 2714

فَقَالَتْ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّى كَاتَبْتُ أَهْلِى عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِى كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ. بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ. وَزَادَ: فَقَالَ: " لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ مِنْهَا، ابْتَاعِى وَأَعْتِقِىِ ". وَقَالَ فِى الحَدِيثِ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى النَّاسِ فَحَمِدَ اللهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ ". ٨ - (...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِى أَبِى، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَىَّ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنَّ أَهْلِى كَاتَبُونِى عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِى تِسْعِ سِنِينَ، فِى كُلِّ سَنَةٍ أُوقيَّةٌ، فَأَعِينِينِى. فَقُلْتُ لَهَا: إِنْ شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً، وَأُعْتِقَكِ، وَيَكُونَ اَلْوَلاَءُ لِى، فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لأَهْلِهَا، فَأَبُوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلاَءُ لَهُمْ. فَأَتَتْنِى فَذَكَرَتْ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَانْتَهَرْتُهَا. فَقَالَتْ: لاَهَا اللهِ إِذًا. قَالَتْ: فَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَسَأَلَنِى فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: " اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِى لَهُمُ الْوَلاَءَ، فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ "، فَفَعَلتُ. قَالَتْ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشِيَّةً، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِى كِتَابِ اللهِ؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِى كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ فُلانًا وَالْوَلاَءُ لِى، إِنَّمَا الْوَلاَء لِمَنْ أَعْتَقَ ". ــ الداودى: وشرط الله هنا أراد - والله أعلم - قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْه﴾ (٢)، وقال فى موضع آخر: هو قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه﴾ الآية (٤). قال القاضى: وعندى أن الأظهر هو ما أعلم به أنه ﵇ من قوله: " إنما الولاء لمن أعتق "، و " مولى القوم منهم "، و " الولاء لحمة كالنسب "، قال: وقوله فى بعض الروايات: " كتاب الله أحق " يحتمل أن يريد حكمه، ويحتمل أن يريد القرآن،

стр. 2715

٩ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ جَرِيرٍ: قَالَ: وَكَان زَوْجُهَا عَبْدًا، فَخَيَّرَهَا رسُولُ اللهِ ﷺ ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَلَوْ كَانَ حُرّا لَمْ يُخَيِّرْهَا، وَلَيْسَ فِى حَدِيثِهِمْ: " أَمَّا بَعْدُ ". ١٠ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فى بَرِيرَةَ ثَلاَثُ قَضِيَّاتٍ: أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا وَلاَءَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ للِنَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ: " اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ ". قَالَتْ: وَعَتَقَتْ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا. قَالَتْ: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِى لَنَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ: " هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ، فَكُلُوهُ ". ١١ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ منْ أُنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَاشْتَرَطُوا الْوَلاَءَ. فَقَالَ رَسُوَلُ اللهِ ﷺ : " الْوَلاءُ لِمَنْ وَلِىَ النِّعْمَةَ "، وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا وَأَهْدَتْ لِعَائِشَةَ لَحْمًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ صَنَعْتُمْ لَنَا مِنْ هَذَا اللَّحْمِ؟ ". قَالَتْ عَائِشَةُ: تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ: " هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ ". ١٢ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِىَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، فَاشْتَرَطُوا وَلاَءَهَا. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " اشْتَرِيهَا ــ ويرجع إلى ما تقدم من قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (١) والآيتين الأخرتين. وفيه جواز إعطاء الصدقات لموالى قريش وإن كانت هذه الصدقة تطوعًا، فقد يحتج به من يرى صدقة التطوع جائزة لمواليهم أو لجميعهم، وإن قلنا لهذا زكاة واجبة، فيحتج به

стр. 2716

وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ ". وَأُهْدِىَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَحْمٌ، فَقَالُوا لِلنَّبِىِّ ﷺ : هَذَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ: " هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ ". وَخُيِّرَتْ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا. قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ زَوْجِهَا فَقَالَ: لَا أَدْرِى. (...) وحدّثناه أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ١٣ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِىُّ وَأَبُو هِشَامٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا. ١٤ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِى بَرِيرَةَ ثَلاَثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ، وَأُهْدِىَ لَهَا لَحْمٌ فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِىَ بِخُبْزٍ وَأُدُمٍ مِنْ أُدُمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: " أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟ " فَقَالَوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ، ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ. فَقَالَ: " هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ ". وقَالَ النَّبِىُّ ﷺ فِيهَا: " إِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ". ــ من لا يرى تحريم ذلك على الموالى منهم، أو يرى اختصاص تحريم الصدقة لبنى هاشم وبنى عبد المطلب لقول عائشة: أهدته لنا بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، ولم يقل لها النبى: وأنت لا تأكليها، وإنما يحتمل أنها هدية للجميع. وفيه جواز الأكل مما أهدى للفقير والتصدق به عليه. وقوله: " ألم أر برمة على النار فيها لحم؟ " فيه سؤال الرجل عما يراه فى بيته، وليس هذا من الذم وغير مكارم الأخلاق الذى جاء فى حديث أم زرع. وقوله: ولا يسأل عما عهد لأن هذا إنما هو بحث عما عهده فى بيته. والسؤال أين ذهب وما صنع به؟ وأما شىء يجده فيقول وما هو هنا فليس منه، مع أى سؤاله ﵇ لهم هنا ليبين لهم ما

стр. 2717

١٥ - (١٥٠٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ ــ جهلوه؛ لأنه ﵇ علم أنهم كانوا لا يبخلون عليه بما يعتقدون جوازه له، وأنهم إنما قدموا له أدم البيت، وتركوا اللحم الذى هو سيد الأدم لأمر اعتقدوه فيه، فيسألهم ليعرف ما اعتقدوه، ويبين لهم ما جهلوه كما كان. وفيه من حسن الأدب والعشرة، قوله ﵇: " ما بال رجال "، ولم يواجههم بالخطاب، ولا حرج بأسمائهم. وفيه جواز الصدقة على العبد؛ لاستسعائها عائشة، ولم ينكر ذلك النبى ﷺ وذلك فى التطوع، وكذلك معونة المكاتب من التطوع. واختلف فى معونته من الفرض. وفيه جواز بيع المرأة وشرائها بغير إذن زوجها. وجواز عتقها لعبدها وأمتها، ما لم ترد على تلف مالها وبرده زوجًا. وفيه دليل على أن بيع الأمة المزوجة ليس بطلاق وكذلك عتقها، خلافًا لابن المسيب الذى يرى بيعها طلاقًا. وفيه جواز اكتساب المكاتب بالسؤال كما فعلت بريرة. وفيه أن البيان بالفعل أقوى منه بالقول؛ ولهذا أمر ﵇ عائشة باشتراط الولاء لهم؛ ليبين لهم ذلك القول والتوبيخ على رأى بعضهم، كما قال ﵇: " إنى لأنسى - أو أنسى - لأسن " (١)، لاسيما على رأى من رأى أنه نسى عمدًا ليبين صورة السهو، وهذا الوجه أظهر التأويلات فى الحديث وهو لفظه، وقد جاء من رواية أيمن عن عائشة: "اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا "، فاشترتها وأعتقتها، وشرط أهلها الولاء. قال محمد بن داود الأصبهانى: أما قول النبى لها: " اشترطى لهم الولاء " إنما معناه: أن ذلك بعد علمهم، والنبى عنى غيرها بذلك، ولا نافع لهم، ولم يأمرها ﵇ باشتراطه، ثم يبطل الشرط ويصحح البيع وهم غير عالمين ببطلانه، وإنما كان هذا منه تهديدًا لمن رغب عن حكمه وخالف أمره. وإليه مال الأصيلى وأبى أنه على ظاهره، وأنه أمرها بذلك ليقع البيع ويصح، ويبطل الشرط ويصح، ويكون ما قابل الشرط من الثمن، وحط له عقوبة فى المال لما خالفوا أمره، كما منع القاتل من الميراث عقوبة له. وقال الطحاوى: رواية الشافعى عن مالك فى هذا الحديث: " اشترطى لهم الولاء " بغير تاء، أى أظهرى لهم حكمه. وعلمهم سنته - كما تقدم - وليس من

стр. 2718

ابْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِى سُهَيْلُ بْنُ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ ــ الاشتراط، وما تقدم أظهر لفظاً ومعنىً. وفيه جواز نكاح العبد الحرة إذا رضيت بذلك لتخييرها. قال بعضهم: وفيه دليل على تعجيز المكاتب نفسه بغير أمر السلطان. وقد اختلف قول مالك فى ذلك، ودليل على رضاه بالعجز على الجملة، إذ لم يأت فى الحديث ذكر عجزها ولا استبهم النبى ذلك من حالها. وقد اختلف أئمتنا فى رضاه تعجيز نفسه وإن كان له مال. وقال ابن شهاب وربيعة وأبو الزناد: إذا رضى بالبيع فهو عجز وجاز بيعه. وقال مالك: لا يجوز ذلك لعجزه عن الأداء، وألا يكون له مال. وقد تأول بعضهم عجز بريرة ولذلك استعانت بعائشة. وفيه مما لم يذكره مسلم: أن المخيرة إذا مكنت زوجها من الاستمتاع بها انقطع خيارها؛ لقوله: " وإن قربك فلا يخار لك "، ذكره أبو داود. وفيه جواز الشفاعة من الحاكم للمحكوم عليه، وللزوج فى رد المطلقة إذا امتنعت، وأنه لا حرج على الزوج فيما يبديه من حبها؛ إذ لم يزجره النبى عن ذلك، وأنه لا حرج على المرأة فى الامتناع إذا كرهته وإن أضر حبها بالزوج؛ لقوله: فرأيته يطوف خائفًا يبكى. وقول النبى ﷺ : " ألا أرجعتيه "، وقولها للنبى: تأمرنى؟ فقال: " إنما أنا شفيع " خرجه النسائى (١). وفيه أن الشفاعة، وطلب الحاجة لا يكون فيما يضر ويشق إلا على وجه الإلزام، بل بالرغبة والتعرض، وفيه جواز خدمة المعتق، وفيه جواز قبول الهدية من الفقير وممن أنعم الرجل عليه العتق بقوله: " وهو لنا هدية "، وفيه إدخال الرجل فى مال من يعلم أنه يسر بإدخاله فيه وطلبه، وأكله له بغير إذنه؛ إذ ليس فى الحديث أن بريرة كانت قد أهدته إلى النبى ﷺ ، فلما أهدته إلى عائشة سأل، فقالوا: لحم تصدق به على بريرة، فقال: " هو لها صدقة ولنا هدية ". قال الإمام: ذكر فى حديث بريرة: " لاها الله لا أفعل ذلك ": فيه لغتان: أحدهما: إثبات الألف، والأخرى: منعها هنا لسكونها وسكون اللام فى القاسم، فيصير اللفظ: هلا الله، بمعنى: والله. قال القاضى: قد جاء فى المعلم، واللفظ الذى فى مسلم فقالت: " لاها الله إذا "، قالت: فسمع رسول الله ﷺ ، فسألنى. وفى اللفظ الأول إشكال؛ إذ يدل أنها هى قالت: إن القائل بريرة وغير عائشة، وإنما هو من قول عائشة فأخبرت عن نفسها بقولها اشترتها، ثم قال المخبر عنها: فقالت: لاها الله؛ ولذلك قال بعضهم: صوابه:

стр. 2719

تَشْتَرِى جَارِيَةً تُعْتِقُهَا، فَأَبَى أَهْلُهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلاَءُ، فَذَكَرَتْ ذَلَكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ". ــ بالله، لكن قد وجهنا تصويب قولها: وقالت: مع أنه المذكور فى جميع النسخ. وأما قولها: " لاها الله إذًا " فهكذا يقول هذا اللفظ المحدثون بمد هاء، وإذا به يصير صوابه: " لاها الله " زائدًا. قال إسماعيل القاضى: وحكاه عن المازنى وغيره من أهل اللسان بالقصر وحذف الألف قبل الذال وغيره خطأ. قال: ومعناه: ذا يمينى. وعلى هذا وقع غيره فى الأم من رواية العذرى والهوزنى، وصوب أبو زيد وغيره بالقصر والمد، قال: و " ذا " صلة فى الكلام، وليس فى كلامهم: أى الله إذ أوى. وفى التاريخ: قال أبو حاتم: يقال: لاهاء الله، فى القسم. والعرب تقوله بالهمزة. والقياس تركه، والمعنى: لا والله أقسم به، فأدخل اسم الله بين ها وذا. وقوله: " إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل " (١): معناه: تفعل ذلك احتسابًا لله، وطلب الأجر لا طلب الولاء. وقوله فى الحديث: " أعدها لهم وأعتقها " ومثله من اللفظ يدل أنه إنما اشترى الرقبة لا الكتابة. قال بعضهم: وظاهره بأنها إنما أرادت أن تشترى منهم الولاء وتولى جميع الكتابه لهم. وفى قوله: " أعدها " قيل: فيه جواز المعاملة بالدنانير والدراهم عمدًا، إذا كانت معروفة العدد والضرب، وهذا مما لاخلاف فيه؛ لكونها استرسال من هذا الحديث فيه بضروب؛ إذ العادة أن العد هنا على الأواقى.

стр. 2720

(٣) باب النهى عن بيع الولاء وهبته ١٦ - (١٥٠٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْع الْوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ. قَالَ مُسْلِمٌ: النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ، عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، فِى هَذَا الْحَدِيثِ. (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةَ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ــ وقوله ﵇: " نهى عن بيع الولاء وهبته " تقدم فى الباب، وتقدم الكلام على قوله: " إنما الولاء لمن أعتق "، وعامة العلماء والسلف، وفقهاء الأمصار على أن الولاء لا يباع ولا يوهب ولا ينتقل، وهو كلحمة النسب، لا ينقل عمن ثبت له، كما لا ينقل النسب وأجاز بعض السلف من الصحابة نقله، ورأى بعضهم أن الحديث لم يبلغهم. وفيه دليل على أن لا ولاء لمن أعتق على يديه وكملتقط اللقيط وهو قول مالك، والشافعى والثورى، والأوزاعى، وأحمد، وداود، وميراث هؤلاء إذا لم يكن لهم وارث لجماعة المسلمين، خلافًا لأبى حنيفة وأصحابه أن من أسلم على يديه رجل فولاؤه له، وهو قول الليث وربيعة، وقال يحيى بن سعيد مثله لا فيمن كان (١) من أهل الذمة، وخلافًا لإسحاق فى قوله: " ولا اللقيط لملتقطه "، وخلافًا لأبى حنيفة - أيضًا - فى أنَّ لكلِّ أحدٍ أن يوالى من شاء فيوارثه، وحجتهما قوله: " الولاء لمن أعتق ". وهى صيغةٌ جلية (٢) عند معظم أهل الأصول فى الخصر بالحكم لمن ذكر ونفيه عمن عداه، ويعبر عنها بعضهم بتحقيق المتصل وتمحيص المنفصل. واختلف العلماء فى ولاء من أعتق سباية، فقيل: هو لجماعة المسلمين، وكأنه أعتق، وهذا قول مالك وجماعة من أصحابه وكثير من السلف، وقيل: بل ولاؤه لمعتقه، وهو قول: الحسن، والشعبى، وغيره من التابعين، وبه قال الشافعى وابن الماجشون، وابن نافع من أصحابنا. وقال جماعة من السلف: إنه يوالى من شاء، فإن مات قبل ذلك

стр. 2721

ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وحَدثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكَ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ - كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ الثَّقَفِىَّ لَيْسَ فِى حَدِيثِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، إِلا الْبَيْعُ، وَلَمْ يَذْكُرِ: الْهِبَةَ. ــ فولاؤه للمسلمين، وقيل: يشترى بتركته رقاب تعتق. واختلف فى ولاء المكاتب، والعبد يشترى نفسه من سيده فقيل: ولاؤه لسيده، وهو قول مالك، وأكثر العلماء. وقيل: لا ولاء عليه.

стр. 2722

(٤) باب تحريم تولى العتيق غير مواليه ١٧ - (١٥٠٧) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَتَبَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ، ثُمَّ كَتَبَ: " أَنَّهُ لَا يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ "، ثُمَّ أُخْبِرْتُ: أَنَّهُ لَعَنَ فِى صَحِيفَتِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. ١٨ - (١٥٠٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىِّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ ". ١٩ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ الْجُعْفِىُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ ". (...) وَحَدّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَمَنْ وَالَى غَيْرَ مَوَالِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ ". ٢٠ - (١٣٧٠) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَأُهُ إِلَّا كِتَابَ اللهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَة - قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِى قِرَابِ سَيْفِهِ - فَقَدْ كَذَبَ، فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ، وَأَشْيَاءٌ مِنَ الْجِرَاحَاتِ. وَفِيهَا: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " الْمَدِينَةُ حَرَمٌ ــ وقوله: " وكتب ﵇ على كل بطن عقوله ": أى دياته، ونهيه عن تولى الرجل قومًا بغير إذن مواليه، ولعنه فاعله، وقد ذهب قوم أن المولى الأعلى إذا أذن للأسفل فى موالاة غيره جاز؛ لظاهر الحديث.

стр. 2723

مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرِ، فَمَنْ أحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلاً، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحدَةٌ يَسْعىَ بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إِلىَ غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ ــ وقوله: " المدينة حرام ما بين عَيْر إلى ثَوْر (١)، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا " وقوله: " لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً ": تقدم الكلام على هذه القضية فى صدر الكتاب وفى كتاب الحج (٢). قال الإمام: خرج مسلم فى باب الولاء حديثًا عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، عن النبى ﵇ ثم قال بعده: وحدثنيه إبراهيم بن دينار، نا عبيد الله ابن موسى، قال: نا شيبان - يعنى النحوى أبا معاوية، وفى نسخة ابن ماهان: حدثنا إبراهيم، نا عبيد الله، قال: نا سفيان، عن الأعمش، [جعل " سفيان " بدل "شيبان "، والصواب: شيبان، ومثله فى المناقب: حدثنا القاسم بن زكريا، قال: نا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش] (٣)، عن مالك بن الحارث، عن

стр. 2724

وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلاً ". ــ أبى الأحوص - الحديث فى مناقب عبد الله بن مسعود (١)، وليس عندهم فى هذا الموضع خلاف.

стр. 2725

(٥) باب فضل العتق ٢١ - (١٥٠٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ، حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ سَعِيدٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِى هِنْدٍ - حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ إِرْبٍ مِنْهَا إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ ". ٢٢ - (...) وحدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ أَبِى غَسَّانَ المُدَنِى، عَنْ زَيْدٍ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةٍ، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِه. ــ قوله: " من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل إرب منها إربًا منه من النار "، قال القاضى: الإرب بكسر الهمزة: العضو، ألا تراه كيف قال: " حتى فرجه بفرجه ". فيه فضل العتق، وأنه من أرفع الأعمال، ومما يوجب الجنة، وينجى من النار، ويكفر الخطايا الموجب عليها العقاب بالنار، وفيه حجة لمن استحب ألا يكون العبد خَصياً، أو ناقص عضو ليكمل عتق أعضاء معتقه. وظاهر قوله: " من أعتق رقبة "، وقوله: " أيما امرئ [مسلم] (١) أعتق امرأ مسلمًا " [فإنه فى كل معتق، لكن أبا داود، والترمذى والنسائى. ذكروا حديثًا عن النبى ﷺ قال: " أيما رجل أعتق رجلاً مسلمًا] (٢) " بمعناه، " وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة " بمعناه، " وأيما رجل أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزى كل عضو منها عظمًا فى عظامه " وصححه الترمذى (٣)، وعلى هذا اختلف العلماء، أيهما أفضل عتق الذكور، أو الإناث؟ فعلى هذا الحديث قد نص على فضل عتق الذكور وجعله كفاء أنثيين.

стр. 2726

٢٣ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِىِّ ابْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدٍ بنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ، عُضْوًا مِنَ النَّارِ. حَتَّى يُعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ ". ٢٤ - (...) وحدّثنى حُمْيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ - وَهُوْ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِىُّ - حَدَّثَنَا واقِد - يَعْنِى أَخَاهُ - حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ - صَاحِبُ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّما امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرأ مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ، عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ ". قَالَ: فَانطَلَقْتُ حِينَ سَمِعْتُ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، فَذَكَرْتُهُ لِعَلِىِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَأَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ ابْنُ جَعْفَرٍ عَشْرَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ. ــ ومن جهة المعنى ما فى الذكر من المعانى العامة المنفعة التى لا توجد فى الإناث من الشهادة، والحكم، والجهاد، وغير ذلك مما يختص بالرجال، إما شرعًا، وإما عادةً، ولأن الغالب أن الطاعة فيهم أوجد، ولأن الرق فى الرجال الكبار أكثر من الجوارى. [ومن الجوارى] (١) من لا يرغب فى العتق وتضيع مع العتق وحجة الآخر من جهة المعنى سراية (٢) الحرية فيمن تلده الأنثى وتنقيله، كيف كان زوجها من حرية أو عبودية. وقوله: " مؤمنة ": يدل أن هذا الفضل ليس إلا لعتق المؤمنين دون غيرهم، ولا خلاف فى جواز عتق المؤمنين والفضل فيه، لكن الفضل التام، فى عتق المؤمنين. وقد روى لمالك أن الأعلى ثمناً أفضل، وإن كان كافرًا (٣)، وخالفه فيهم غير واحد من أصحابه، وغيرهم وهو أصح.

стр. 2727

(٦) باب فضل عتق الوالد ٢٥ - (١٥١٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ". وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ أَبِى شَيْبَةَ: " وَلَدٌ وَالِدَهُ ". (...) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ــ وقوله: " لا يجزى ولد والدًا، إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه " وفى بعض طرقه: " ولد والده "، قال الإمام: اختلف الناس فى عتق الأقارب إذا ملكوا (١)، فأنكره جملةً بعض أهل الظاهر، وتعلقوا بهذا الحديث، وأثبته جمهور الأمة واختلفوا فيمن يثبت ذلك فيه، فعندنا فى المذهب ثلاثة أقوال: المشهور منها عن مالك: أن العتق يختص بعمودى النسب. والإخوة، ويدخل فى قولنا: " عمودى النسب " الآباء والأجداد، والأمهات والجدات وإن علوا، والولد وولد الولد وإن سفلوا. والقول الثانى: إثبات العتق فى عمودى النسب خاصة دون الإخوة، ذكره ابن خويزمنداد. والقول الثالث: عتق ذوى الأرحام المحرمة، ذكره ابن القصار وبما حكاه ابن خويزمنداد قال الشافعى، وبما حكاه ابن القصار قال أبو حنيفة (٢). فأما تعلق من أنكر العتق أصلاً بقوله: " إلا أن يشتريه فيعتق " وتقديره أنه لما أضاف العتق إلى الولد اقتضى أن يكون باختياره، وذلك ينفى عتقه [عليه] (٣) جبرًا (٤)، فإن هذا لا حجة لهم فيه ومحمله عندنا على أن يعتق باشترائه، فأضاف العتق إليه لما كان عن أمر يكتسبه ويفعله وهو الشراء.

стр. 2728

ح وَحَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالُوا: " وَلَا وَالِدَهُ ". ــ وقد خرج الترمذى، والنسائى، وأبو داود، عن سمرة أن النبى ﷺ قال: " من ملك ذا رحم محرم فهو حر " (١) وعند الترمذى: " ذات محرم "، وهذا يمنع من التعلق بالحديث الذى ذكروه، ولو كان الأظهر فى معناه ما قدروه؛ لأن النصوص أولى من الظواهر؛ ولهذا الحديث حملنا قوله: " فيعتقه " على ما قلناه من التأويل، وهو الحجة للقول الذى حكاه ابن القصار، وقد تعلق أصحابنا بقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٢) ورد بهذا إضافة الكفرة الولد إليه ، فدل على منافاة البنوة للعبودية. وتعلقوا فى الأخوة بقوله: ﴿لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ (٣)، فلما استحال ملك نفسه استحال ملك أخيه. وتعلقهم بهذه الآية فى الأخوة ضعيف، ولهذه الآى وقع الاختصار فى المذهب المشهور على عتق عمودى النسب والأخوة لا أكثر، وكان الحديث لم يثبت عنده، ولأجل ضعف التعلق بقوله: لا أملك إلا نفسى وأخى نفى عتق الأخوة وأثبت عتق البنوة لقوة (٤) الظاهر الوارد به فى القرآن، وأثبت عتق الأبوة لقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٥)، وبقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ (٦)، وليس من الإحسان إليها استرقاقهما. فهذه وجوه الأقوال الثلاثة المذكورة فى المذهب التى قال بجميعهما فقهاء الأمصار الثلاثة. وقد اختلف المذهب عندنا، هل يفتقر عتق الأقارب إلى حكم أم لا؟ فقيل: لا يفتقر إلى حكم لقوله ﷺ : " من ملك ذا رحم محرم فهو حر "، وظاهر هذا الاقتصار على مجرد الملك دون الحكم، وقيل: بل يفتقر ذلك إلى حكم لأجل اضطراب العلماء فى هذه المسألة، واختلاف المذهب فيها، فيكون حكم الحاكم رافعًا للخلاف (٧).

стр. 2729

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢١ - كتاب البيوع (١) باب إبطال الملامسة والمنابذة ١ - (١٥١١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ. (...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ أَبِى عُمَر قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلهُ. ــ كتاب البيوع [قال القاضى] (١): بدأ مسلم فيه بحديث مالك عن محمد بن يحيى بن حبان فى النهى عن الملامسة والمنابذة. ووقع عند رواة عبد الغافر الفارسى من الطريقين اللتين انتهت إلينا روايته عنهما، عن أبى عبد الله الطبرى، وأبى الفتح السمرقندى عن مالك، عن نافع، عن محمد بن يحيى بن حبان عنه بزيادة نافع، فيه خطأ محض، والحديث فى الموطأ وغيره معروف (٢). وقول الراوى: " نهى النبى ﷺ عن بيعتين: عن الملامسة والمنابذة " وفسره فى الحديث بما أغنى عن إعادته، لكن فى قوله: " ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض " أى من غير تأمل واختيار يرضيان به بسلعتهما قبل العقد، وقد يكون معنى " تراض " أى أن يكون ذلك على الرضا والخيار عند زوال الظلام، وبنشر الثوب على الإلزام بما فعلاه من نبذ، ولمس، ولو فعلا هذا على أنه ينظر إليها بعد ويتأملها، فإن رضى أمسك [و] (٣) كان جائزًا (٤)، ولم يكن بيعًا منهيًا عنه.

стр. 2730

(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَن حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ سُهَيْلِ ابْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلَهُ. ٢ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مَينَاءَ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: ــ قال الإمام: الأحاديث الواقعة فى البيوع هاهنا كثيرة، ونحن نقدم فصلاً حسناً يشتمل على عقد جيِّد، ونطلع منه على أسرار فى الشرع. واعلم أن العرب لبلاغتها وحكمتها، وحرصها على تأدية المعانى إلى الأفهام بأدنى ضروب الكلام، تخصُّ كل معنىً بعبارة وإن كان مشاركًا للآخر فى أكثر وجوهه، فلما كانت الأملاك تنتقل عن أيدى مالكها بعوض وبغير عوض سموا المتنقل بعوض بيعًا. فحقيقة البيع نقل الملك بعوض (١)، ولكن المعاوضة إن كانت على الرقاب خصوها بتسمية البيع، وإن كانت على المنافع خصوها بتسمية الإجارة، إلا أن تكون المنافع منافع الفروج، فخصُّوها - أيضاً - بتسميتها نكاحًا. وإذا علمت حقيقة البيع ومعانى هذه التسميات فاعلم أن البيع يفتقر إلى أربعة أركان: أحدها (٢): متعاقدان، ومن فى معناهما، وقولنا: " من فى معناهما " احتراز من أب عقد على ولديه أو وصى [عقد] (٣) على يتيمة. والثانى: معقود به. والثالث: معقود عليه. والرابع: العقد فى نفسه.

стр. 2731

نُهِىَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ: الْمُلاَمَسَةِ والْمُنَابَذَةِ. أَمَّا المُلاَمَسَةُ فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ. وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الآخَرِ، وَلَمْ يَنْظُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ. ــ فأما المتعاقدان، فمن حقهما أن يكونا مطلقى اليد والاختيار. فقولنا: يكونا مطلقى اليد احترازاً ممن يحجر عليه، وهم أربعة أصناف: أحدهم: من يحجر عليه بحق نفسه وهو السفيه، ويدخل فيه المجنون والصغير والعاقل البالغ الذى لا يميز أمور دنياه. والثانى: من يحجر عليه لحق غيره ممن ملك أعيان ما فى يديه كالسيد مع عبده. والثالث: من يحجر عليه لمن يخاف أن يملك عن ما فى يديه كالمريض مع ورثته، وقد تلحق به الزوجة مع زوجها، والمرتد مع المسلمين. والرابع: من يحجر عليه لحق من يملك ما فى ذِمَّته كالمديان مع غرمائه. ولكن طرق الحجر تختلف مع هؤلاء ونستقصى كل فصل فى موضعه إن شاء الله. والسفيه يمنع من البيع رأساً. وكذلك العبد إذا شاء سيده، وكذلك المرتد، والمديان إذا ضرب على أيديهما، والمريض والزوجة يمنعان إذا حييا محاياةً (*) تزيد على ثلثهما. وعندنا اختلافٌ فى السفيه إذا كان مهملاً، فقيل: تمضى بياعاته، وقيل تُردَّ، وقيل: تُردَّ إن كان ظاهرَ السفه، وتمضى إن كان خفيَّه. وكان المحققون من شيوخنا يختارون الردَّ؛ لأن السفيه المحجورَ [عليه] (١) رُدَّ بيعه اتفاقًا. فكان المحققين رأوا أن الرد من مقتضى السفه، فردوا أفعال المهمل، ورأى بعض أصحاب مالك الرد من مقتضى الحجر، فاجازوا أفعاله؛ إذ لا حجر عليه. والأصح عند شيوخنا أنه من مقتضى السفه؛ لأن الحجرَ كان عن السفه، ولم يكن السفه عن الحجر، واذا كان [الحجر عن السفه] (٢) ومن مقتضاه وجب أن يكون الرد فى السفيه المحجور عليه لأجل السفه لا لأجل الحجر. وكان شيخى ﵀ يقول: فإن السفه عِلَّةٌ فى رد الأفعال، بدليل الاتفاق على رد أفعال الصغير، والمجنون، ومن بلغ سفيهًا ولمَ يبلغ الخمسة والعشرين عامًا، فإن الاتفاق على رد فعل هؤلاء إذا كانوا فى الحجر وإذا ثبت رشدُ السفيه وجب تسليمُ ماله إليه، فدل ذلك على أنَّ العلَّةَ وجود السفه، والعلة حيثما وجدت اقتضت حكمها، هذا المعنى

стр. 2732

٣ - (١٥١٢) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ - قَالَا: ــ الذى كان يشير إليه. وكذلك اختلف المذهب فى المحجور عليه إذا رشد ولم يُفَكَّ الحجرُ عنه، هل تمضى أفعاله، وهو عكس السفيه المهمل؟ والنظر عند شيخنا يقتضى جواز أفعاله، لوجود علة الجواز وهى الرشد، وارتفاع علة الرفض وهى السفه، وهكذا يجرى الاختلاف فى المرتد إذا باع قبل الحجر عليه، قياسًا على السفيه المهمل. والرشد عندنا المطلوب هاهنا فى تدبير الدنيا وإصلاحها لا فى إصلاح الدين. وقال بعض أصحابنا: بل الرشد إصلاحهما جميعاً، والأول أولى، إذا كان الفاسق ممسكاً لماله مُنَحيًا له لا يتلفه فى المعاصى، ولا أعظم فسقًا من الكافر، وفسقه لم يوجب ردَّ بياعاته إذا تحاكم إلينا، وقد باع على الصحة من مسلم. وقد حد ﷺ الزناة، وقطع السُراق، وضرب شُرَّاب الخمر، ولم ينقل إلينا أنه ﷺ حجر عليهم، وهذا هو الأصح لهذا الذى قلناه ولغيره. وأما قولنا: " مطلق الاختيار " فلأن المكره المقصور الاختيار لا يلزمه عقده؛ لأن الله - سبحانه - أباح إظهار كلمة الكفر للإكراه، فدلَّ على أن الإكراه يُصيِّر المكره كغير القاصد، ومن لا قصد له لا يلزمه بيعه، وقد ألزمه المخالف طلاقه وعتقه. وهذا التعليل يرد قوله، ويرده - أيضاً - قوله ﷺ : " رفع عن أمتى خطؤها ونسيانها وما استكرهوا عليه " (١). وأما السكران، فإن الحدود تلزمه (٢). وقد حكى بعض الناس الإجماع على أنه إذا قَتل قُتل. وقال بعض الناس: إنما فارق المجنونَ فى ذلك لأنه متعدِّ فى شرب ما أزال عقله، ومكتسبٌ لما أدى إلى ذلك، فكانت أفعاله كأفعال المكتسب، القاصد، وقال بعضهم: فإن رَفْعَ التكليف عن المجنون رخصةٌ وتخفيف، وهذا عاصٍ بشربه، والعاصى لا يُرخَّصُ له. وأما عقوده، فإن كان طلاقًا أو عتاقًا فالمشهور عندنا لزوم ذلك؛ لأن ذلك من ناحية الحدود، فألحق بها فى الحكم، وقد رويت عندنا رواية شاذة فى طلاقه أنه لا يلزم قياسًا

стр. 2733

أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ وَلِبْسَتَيْنِ: نَهَى عَنِ الْمُلاَمَسَةِ ــ على المجنون، وسلَّم بعض أصحابنا أنه لو صب فى حلقه الخمرُ حتى ذهب عقله أن طلاقه لا يلزم حينئذ، لأنه غير متعد فى الشرب. وأما بياعتُه، ففيه عندنا قولان: جمهور أصحابنا على أنها لا تلزمه؛ لأنه بسكره يقصُر ميزه فى معرفته بالمصالح عن السفيه، والسفيه لا يلزمه بيعه، وإن كان يقام الحدُّ عليه كما يقام على السكران. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه تلزمه بياعته كما تلزمه الحدود. وأما هباته فتجرى على القولين فى بياعته. وهذا حكم أحد الأركان، وهو المتعاقدان. وأما المعقود به والمعقود عليه، فحكمهما واحد، وإنما تحسين التقسيم أدى إلى إفرادهما بالذكر، وإلا فكل معقود به معقود عليه؛ فيجب أن تعلم أن ما لا منفعة فيه أصلاً لا يجوز العقد له ولا عليه؛ لأن ذلك يكون من أكل المال بالباطل، ولم يقصد بالخمر ما ينتفع به إلى الهبة فيجوز له. وهذا الذى لا منفعة فيه أصلاً لا يصح ملكه إذا كان مما نهى الشرع عن تملكه كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، والخمر، إلا أن الخمر إذا أجزنا تخليلها فقد سهل فى إمساكها للتخليل بعض أصحابنا. وأما ما فيه منفعة مقصودة فلا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون سائر منافعه محرمة. والثانى: أن يكون سائر منافعه محللة. والثالث: أن يكون بعضها محللاً وبعضها محرمًا. فإن كانت سائر منافعه محرمة صار هو القسم الأول الذى لا منفعة فيه كالخمر والميتة وإن كانت سائر منافعه محللة جاز بيعه إجماعًا، كالثوب والعبد، والعقار، والثمار، وغير ذلك من ضروب الأموال. فإن كانت منافعه مختلفة فهذه المواضع المشكلات فى الأفهام ومذلة الأقدام، وفيه ترى العلماء يضطربون وأنا أكشف لك عن سره إن شاء الله ليهون عليك اختلافهم فيه. فاعلم أنه قد تقدم لك أصلان: جواز البيع عند تحليل سائر المنافع وتحريمه عند تحريم جميعها، فإذا اختلفت عليك فانظر فإن كان جل المنافع والمقصود فيها محرمًا حتى صار المحلل من المنافع كالمطرح فإن البيع ممنوع، وواضح إلحاق هذا بأحد الأصلين المتفق عليهما؛ لأن المطرح من المنافع كالعدم، وإذا كان كالعدم صار كان الجميع محرم. وإن كان الأمر بعكس ذلك كان الحكم بعكسه، وهو أن يكون المقصود من المنافع وجلها مباحًا والمحرم مطرحًا فى المقصود، فواضح إلحاق هذا بالأصل الثانى. وهو ما حل سائر منافعه، وأشكل من هذا القسم أن يكون فيه منفعة محرمة مقصودة مراده، وسائر منافعه سواها

стр. 2734

وَالْمُنَابَذَة فِى البَيْعِ. وَالمُلامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدهِ بِالليْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ، وَلا يُقَلِبُهُ إِلا بِذَلِكَ. وَالمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ وَيَنْبِذَ الآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ. ــ محلل مقصود، فإن هذا ينبغى أن يلحق [فيه] (١) بالقسم الممنوع؛ لأن كون هذه المنفعة المحرمة مقصودة تؤذن بأن لها حصة من الثمن، وأن العقد اشتمل عليها، كما اشتمل على سائر المنافع سواها. وهو عقد واحد على شىء واحد لا سبيل إلى تبعيضه، والمتعاوض على المحرم منه ممنوع. فمنع الكل لاستحالة التميز، وأن الباقى من المنافع المباحة يصير ثمنه مجهولاً لو قدر جواز انفرداه بالتعاوض. وربما وقع فى هذا النوع مسائل تشكل على العالم فيلحظ المسألة بعين فكرته، فيرى المنفعة المحرمة ملتبسًا أمرها، هل هى مقصودة أم لا؟ ويرى ما سواها منافع مقصودة محللة فامتنع من التحريم لأجل كون المقصود من المنافع محللاً ولا ينشط لإطلاق الإباحة لأجل الإشكال فى تلك المنفعة المحرمة أهى مقصودة أم لا؟ فيقف هاهنا المتورع ويتساهل آخر فيقول بالكراهة، ولا يمنع ولا يحرم، ولكنه يكره لأجل الالتباس. فاحتفظ بهذا الأصل فإنه من مذهبات العلم ومن قتله علمًا هان عليه جميع مسائل الخلاف الواردة فى هذا الباب وأفتى [وهو] (٢) على بصيرة فى دين الله. ويكفيك من أمثلة هذا الباب على اتساعها وكثرتها ما وقع لأصحابنا من الاختلاف فى بيع كلب الصيد، فإنه من لم يسمع فيه حديثًا فى النهى عن بيعه، واستعمل هذا الأصل خرج له حكمه فيه، فيقول: فى الكلب من المنافع كذا وكذا، ويعدد سائر منافعه، ثم ينظر هل جميعها محرم فيمنع البيع؟ أو محلل فيجيز البيع؟ أو مختلفة فينظر هل المقصود المحرم أو المحلل، ويجعل الحكم للغالب على ما بسطناه؟ أو يكون منفعةٌ واحدة محرمة خاصة وهى مقصودة فيمنع على ما بيناه أو ملتبس كونها مقصودة فينف أو يكره على ما بيناه؟ والعرض على هذا الأصل هو سبب اضطراب أصحابنا فيه وكذلك بيع النجاسات ليذبل بها النبات ما وقع فيه فى المدونة، وفى الموازية ولابن القاسم ولأشهب على هذا الأصل يعرض ومنه يعرف الحق فيه. وقد نبه ﷺ بأحسن عبارة، وأقرب اختصار على هذا المعنى الذى بسطناه بقوله: ﷺ فى الخمر: " إن الذى حرم شراءها حرم بيعها "، ومن كلامه ﷺ اقتضينا هذا الذى هو الأصل العظيم، وذلك أنه أشار إلى أن المنفعة المقصودة من الخمر هى الشرب لا أكثر،

стр. 2735

(...) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ــ فإذا حرمت حرمت المعاوضة؛ لأن المشترى منعه الشرع من الانتفاع بها، فإذا بذل ماله وهو مطيع للشرع فى ألا ينتفع بها، فقد سفه وضل رشده، وصار من أكل المال بالباطل، وهكذا - أيضاً - نبه على هذا فى الحديث الآخر؛ الذى لعن فيه اليهود لما حرم عليهم الشحم فباعوه وأكلوا ثمنه (١)؛ لأن الشحم المقصود منه الأكل، فإذا حَرُم حَرم الثمن، فهذا من وضوحه كاد يلحق بالعقليات؛ ولهذا قال: " لعن اليهود حرمت عليهم الشحوم " الحديث. وقد نبه ﷺ على القسم الآخر المشكل لأنه لما قيل له فى شحم الميتة: يا رسول الله، إنما نطلى بها السفن (٢)، فأورد ما دل على المنع من البيع ولم يعذرهم بذلك، ولا أباح البيع لاعتلالهم له، ولحاجتهم إليه فى بعض المنافع. فهذا على طريقة من يجيز استعمال ذلك فى مثل هذه المواضع، فتكون بعض المواضع محللة. ولكن المقصود الذى هو الأصل محرم، فلم يرخص فى البيع لذلك. ويلحق بهذا المعنى بياعات العزر لأنه قد لا يحصل المبيع فتصير المعاوضه على غير منتفع به ويلحق بالقسم الأول الذى هو المعاوضة على ما لا منفعة فيه أصلاً وقد تقدم، ولكن ذلك يكون عدم المنفعة فيه تحقيقًا، وهذا يكون عدم المنفعة فيه تقديرًا وتجويزًا. وأما العقد فمن شرطه أن يخلص عن المنهيات كلها، وهى محصورة فيما تقدم وفيما شذ منه مما يرجع إلى أصول أخر؛ كالنهى عن العقد عند صلاة الجمعة، إلى غير ذلك مما نبه عليه إن شاء الله عند وروده فى أحاديث هذا الباب، نستقصى كل فصل فى موضعه إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →