نُهِىَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ: الْمُلاَمَسَةِ والْمُنَابَذَةِ. أَمَّا المُلاَمَسَةُ فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ. وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الآخَرِ، وَلَمْ يَنْظُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ.
ــ
فأما المتعاقدان، فمن حقهما أن يكونا مطلقى اليد والاختيار. فقولنا: يكونا مطلقى اليد احترازاً ممن يحجر عليه، وهم أربعة أصناف:
أحدهم: من يحجر عليه بحق نفسه وهو السفيه، ويدخل فيه المجنون والصغير والعاقل البالغ الذى لا يميز أمور دنياه.
والثانى: من يحجر عليه لحق غيره ممن ملك أعيان ما فى يديه كالسيد مع عبده. والثالث: من يحجر عليه لمن يخاف أن يملك عن ما فى يديه كالمريض مع ورثته، وقد تلحق به الزوجة مع زوجها، والمرتد مع المسلمين.
والرابع: من يحجر عليه لحق من يملك ما فى ذِمَّته كالمديان مع غرمائه. ولكن طرق الحجر تختلف مع هؤلاء ونستقصى كل فصل فى موضعه إن شاء الله.
والسفيه يمنع من البيع رأساً. وكذلك العبد إذا شاء سيده، وكذلك المرتد، والمديان إذا ضرب على أيديهما، والمريض والزوجة يمنعان إذا حييا محاياةً (*) تزيد على ثلثهما. وعندنا اختلافٌ فى السفيه إذا كان مهملاً، فقيل: تمضى بياعاته، وقيل تُردَّ، وقيل: تُردَّ إن كان ظاهرَ السفه، وتمضى إن كان خفيَّه.
وكان المحققون من شيوخنا يختارون الردَّ؛ لأن السفيه المحجورَ [عليه] (١) رُدَّ بيعه اتفاقًا. فكان المحققين رأوا أن الرد من مقتضى السفه، فردوا أفعال المهمل، ورأى بعض أصحاب مالك الرد من مقتضى الحجر، فاجازوا أفعاله؛ إذ لا حجر عليه. والأصح عند شيوخنا أنه من مقتضى السفه؛ لأن الحجرَ كان عن السفه، ولم يكن السفه عن الحجر، واذا كان [الحجر عن السفه] (٢) ومن مقتضاه وجب أن يكون الرد فى السفيه المحجور عليه لأجل السفه لا لأجل الحجر.
وكان شيخى ﵀ يقول: فإن السفه عِلَّةٌ فى رد الأفعال، بدليل الاتفاق على رد أفعال الصغير، والمجنون، ومن بلغ سفيهًا ولمَ يبلغ الخمسة والعشرين عامًا، فإن الاتفاق على رد فعل هؤلاء إذا كانوا فى الحجر وإذا ثبت رشدُ السفيه وجب تسليمُ ماله إليه، فدل ذلك على أنَّ العلَّةَ وجود السفه، والعلة حيثما وجدت اقتضت حكمها، هذا المعنى
стр. 2732
٣ - (١٥١٢) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ - قَالَا:
ــ
الذى كان يشير إليه.
وكذلك اختلف المذهب فى المحجور عليه إذا رشد ولم يُفَكَّ الحجرُ عنه، هل تمضى أفعاله، وهو عكس السفيه المهمل؟ والنظر عند شيخنا يقتضى جواز أفعاله، لوجود علة الجواز وهى الرشد، وارتفاع علة الرفض وهى السفه، وهكذا يجرى الاختلاف فى المرتد إذا باع قبل الحجر عليه، قياسًا على السفيه المهمل. والرشد عندنا المطلوب هاهنا فى تدبير الدنيا وإصلاحها لا فى إصلاح الدين.
وقال بعض أصحابنا: بل الرشد إصلاحهما جميعاً، والأول أولى، إذا كان الفاسق ممسكاً لماله مُنَحيًا له لا يتلفه فى المعاصى، ولا أعظم فسقًا من الكافر، وفسقه لم يوجب ردَّ بياعاته إذا تحاكم إلينا، وقد باع على الصحة من مسلم. وقد حد ﷺ الزناة، وقطع السُراق، وضرب شُرَّاب الخمر، ولم ينقل إلينا أنه ﷺ حجر عليهم، وهذا هو الأصح لهذا الذى قلناه ولغيره.
وأما قولنا: " مطلق الاختيار " فلأن المكره المقصور الاختيار لا يلزمه عقده؛ لأن الله - سبحانه - أباح إظهار كلمة الكفر للإكراه، فدلَّ على أن الإكراه يُصيِّر المكره كغير القاصد، ومن لا قصد له لا يلزمه بيعه، وقد ألزمه المخالف طلاقه وعتقه. وهذا التعليل يرد قوله، ويرده - أيضاً - قوله ﷺ : " رفع عن أمتى خطؤها ونسيانها وما استكرهوا عليه " (١).
وأما السكران، فإن الحدود تلزمه (٢). وقد حكى بعض الناس الإجماع على أنه إذا قَتل قُتل. وقال بعض الناس: إنما فارق المجنونَ فى ذلك لأنه متعدِّ فى شرب ما أزال عقله، ومكتسبٌ لما أدى إلى ذلك، فكانت أفعاله كأفعال المكتسب، القاصد، وقال بعضهم: فإن رَفْعَ التكليف عن المجنون رخصةٌ وتخفيف، وهذا عاصٍ بشربه، والعاصى لا يُرخَّصُ له.
وأما عقوده، فإن كان طلاقًا أو عتاقًا فالمشهور عندنا لزوم ذلك؛ لأن ذلك من ناحية الحدود، فألحق بها فى الحكم، وقد رويت عندنا رواية شاذة فى طلاقه أنه لا يلزم قياسًا
стр. 2733
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ وَلِبْسَتَيْنِ: نَهَى عَنِ الْمُلاَمَسَةِ
ــ
على المجنون، وسلَّم بعض أصحابنا أنه لو صب فى حلقه الخمرُ حتى ذهب عقله أن طلاقه لا يلزم حينئذ، لأنه غير متعد فى الشرب.
وأما بياعتُه، ففيه عندنا قولان: جمهور أصحابنا على أنها لا تلزمه؛ لأنه بسكره يقصُر ميزه فى معرفته بالمصالح عن السفيه، والسفيه لا يلزمه بيعه، وإن كان يقام الحدُّ عليه كما يقام على السكران. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه تلزمه بياعته كما تلزمه الحدود. وأما هباته فتجرى على القولين فى بياعته.
وهذا حكم أحد الأركان، وهو المتعاقدان.
وأما المعقود به والمعقود عليه، فحكمهما واحد، وإنما تحسين التقسيم أدى إلى إفرادهما بالذكر، وإلا فكل معقود به معقود عليه؛ فيجب أن تعلم أن ما لا منفعة فيه أصلاً لا يجوز العقد له ولا عليه؛ لأن ذلك يكون من أكل المال بالباطل، ولم يقصد بالخمر ما ينتفع به إلى الهبة فيجوز له. وهذا الذى لا منفعة فيه أصلاً لا يصح ملكه إذا كان مما نهى الشرع عن تملكه كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، والخمر، إلا أن الخمر إذا أجزنا تخليلها فقد سهل فى إمساكها للتخليل بعض أصحابنا.
وأما ما فيه منفعة مقصودة فلا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون سائر منافعه محرمة. والثانى: أن يكون سائر منافعه محللة. والثالث: أن يكون بعضها محللاً وبعضها محرمًا. فإن كانت سائر منافعه محرمة صار هو القسم الأول الذى لا منفعة فيه كالخمر والميتة وإن كانت سائر منافعه محللة جاز بيعه إجماعًا، كالثوب والعبد، والعقار، والثمار، وغير ذلك من ضروب الأموال.
فإن كانت منافعه مختلفة فهذه المواضع المشكلات فى الأفهام ومذلة الأقدام، وفيه ترى العلماء يضطربون وأنا أكشف لك عن سره إن شاء الله ليهون عليك اختلافهم فيه. فاعلم أنه قد تقدم لك أصلان: جواز البيع عند تحليل سائر المنافع وتحريمه عند تحريم جميعها، فإذا اختلفت عليك فانظر فإن كان جل المنافع والمقصود فيها محرمًا حتى صار المحلل من المنافع كالمطرح فإن البيع ممنوع، وواضح إلحاق هذا بأحد الأصلين المتفق عليهما؛ لأن المطرح من المنافع كالعدم، وإذا كان كالعدم صار كان الجميع محرم. وإن كان الأمر بعكس ذلك كان الحكم بعكسه، وهو أن يكون المقصود من المنافع وجلها مباحًا والمحرم مطرحًا فى المقصود، فواضح إلحاق هذا بالأصل الثانى. وهو ما حل سائر منافعه، وأشكل من هذا القسم أن يكون فيه منفعة محرمة مقصودة مراده، وسائر منافعه سواها
стр. 2734
وَالْمُنَابَذَة فِى البَيْعِ. وَالمُلامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدهِ بِالليْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ، وَلا يُقَلِبُهُ إِلا بِذَلِكَ. وَالمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ وَيَنْبِذَ الآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ.
ــ
محلل مقصود، فإن هذا ينبغى أن يلحق [فيه] (١) بالقسم الممنوع؛ لأن كون هذه المنفعة المحرمة مقصودة تؤذن بأن لها حصة من الثمن، وأن العقد اشتمل عليها، كما اشتمل على سائر المنافع سواها. وهو عقد واحد على شىء واحد لا سبيل إلى تبعيضه، والمتعاوض على المحرم منه ممنوع. فمنع الكل لاستحالة التميز، وأن الباقى من المنافع المباحة يصير ثمنه مجهولاً لو قدر جواز انفرداه بالتعاوض.
وربما وقع فى هذا النوع مسائل تشكل على العالم فيلحظ المسألة بعين فكرته، فيرى المنفعة المحرمة ملتبسًا أمرها، هل هى مقصودة أم لا؟ ويرى ما سواها منافع مقصودة محللة فامتنع من التحريم لأجل كون المقصود من المنافع محللاً ولا ينشط لإطلاق الإباحة لأجل الإشكال فى تلك المنفعة المحرمة أهى مقصودة أم لا؟ فيقف هاهنا المتورع ويتساهل آخر فيقول بالكراهة، ولا يمنع ولا يحرم، ولكنه يكره لأجل الالتباس. فاحتفظ بهذا الأصل فإنه من مذهبات العلم ومن قتله علمًا هان عليه جميع مسائل الخلاف الواردة فى هذا الباب وأفتى [وهو] (٢) على بصيرة فى دين الله.
ويكفيك من أمثلة هذا الباب على اتساعها وكثرتها ما وقع لأصحابنا من الاختلاف فى بيع كلب الصيد، فإنه من لم يسمع فيه حديثًا فى النهى عن بيعه، واستعمل هذا الأصل خرج له حكمه فيه، فيقول: فى الكلب من المنافع كذا وكذا، ويعدد سائر منافعه، ثم ينظر هل جميعها محرم فيمنع البيع؟ أو محلل فيجيز البيع؟ أو مختلفة فينظر هل المقصود المحرم أو المحلل، ويجعل الحكم للغالب على ما بسطناه؟ أو يكون منفعةٌ واحدة محرمة خاصة وهى مقصودة فيمنع على ما بيناه أو ملتبس كونها مقصودة فينف أو يكره على ما بيناه؟ والعرض على هذا الأصل هو سبب اضطراب أصحابنا فيه وكذلك بيع النجاسات ليذبل بها النبات ما وقع فيه فى المدونة، وفى الموازية ولابن القاسم ولأشهب على هذا الأصل يعرض ومنه يعرف الحق فيه.
وقد نبه ﷺ بأحسن عبارة، وأقرب اختصار على هذا المعنى الذى بسطناه بقوله: ﷺ فى الخمر: " إن الذى حرم شراءها حرم بيعها "، ومن كلامه ﷺ اقتضينا هذا الذى هو الأصل العظيم، وذلك أنه أشار إلى أن المنفعة المقصودة من الخمر هى الشرب لا أكثر،
стр. 2735
(...) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
ــ
فإذا حرمت حرمت المعاوضة؛ لأن المشترى منعه الشرع من الانتفاع بها، فإذا بذل ماله وهو مطيع للشرع فى ألا ينتفع بها، فقد سفه وضل رشده، وصار من أكل المال بالباطل، وهكذا - أيضاً - نبه على هذا فى الحديث الآخر؛ الذى لعن فيه اليهود لما حرم عليهم الشحم فباعوه وأكلوا ثمنه (١)؛ لأن الشحم المقصود منه الأكل، فإذا حَرُم حَرم الثمن، فهذا من وضوحه كاد يلحق بالعقليات؛ ولهذا قال: " لعن اليهود حرمت عليهم الشحوم " الحديث.
وقد نبه ﷺ على القسم الآخر المشكل لأنه لما قيل له فى شحم الميتة: يا رسول الله، إنما نطلى بها السفن (٢)، فأورد ما دل على المنع من البيع ولم يعذرهم بذلك، ولا أباح البيع لاعتلالهم له، ولحاجتهم إليه فى بعض المنافع. فهذا على طريقة من يجيز استعمال ذلك فى مثل هذه المواضع، فتكون بعض المواضع محللة. ولكن المقصود الذى هو الأصل محرم، فلم يرخص فى البيع لذلك. ويلحق بهذا المعنى بياعات العزر لأنه قد لا يحصل المبيع فتصير المعاوضه على غير منتفع به ويلحق بالقسم الأول الذى هو المعاوضة على ما لا منفعة فيه أصلاً وقد تقدم، ولكن ذلك يكون عدم المنفعة فيه تحقيقًا، وهذا يكون عدم المنفعة فيه تقديرًا وتجويزًا.
وأما العقد فمن شرطه أن يخلص عن المنهيات كلها، وهى محصورة فيما تقدم وفيما شذ منه مما يرجع إلى أصول أخر؛ كالنهى عن العقد عند صلاة الجمعة، إلى غير ذلك مما نبه عليه إن شاء الله عند وروده فى أحاديث هذا الباب، نستقصى كل فصل فى موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 2736
(٢) باب بطلان بيع الحصاة، والبيع الذى فيه غرر
٤ - (١٥١٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَالَلَّفظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِى أَبُو الزِّنَاد، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْع الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ.
ــ
قال الإمام: وقوله: " نهى ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر "، وفى حديث آخر: " نهى عن بيع حبل الحبلة " [وفسره ابن عمر فى الحديث] (١) أن أهل الجاهلية كانوا يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وهو أن تنتج الناقة ثم تحمل التى نتجت، فنهاهم ﵇ عن ذلك.
قال القاضى: وهذا من الغرر فى الأصل، وهذا تأويل مالك والشافعى فى الحديث، وقد جاء فيه بتفسيره مأخوذ أن يبيع حبل الحبلة نفسه إلى نتاج النتاج قد يكون - أيضًا - من هذا، أو من بيع ما ليس عنده له ومن بيع الأجنة وبيع أمها الحامل بمعرفته، وهو تأويل أحمد وإسحاق، وأبى عبيد، وهو الذى يدل عليه الحديث الآخر.
والنهى عن الملاقيح والمضامين، وحبل الحبلة، قال أبو عبيد (٢): المَجْر ما فى بطن الناقة، والثانى حبل الحبلة، وقيل: هو بيع الأجنة، وما فى بطون الأمهات وهو الحبلة، جمع حبلة، والحبل يختص ببنى آدم وفى غيرهم حمل. قال أبو عبيد: لا يقال لشىء من الحيوان حبل، إلا ما جاء فى هذا الحديث. وقال المبرد: معنى " حبل الحبلة " عندى: حمل الكرمة قبل أن تبلغ، والحبلة الكرمة بسكون الباء وفتحها. قال الأخفش الحبلة جمع حابل يقال: حبلت المرأه فهى حابل، ونهى عن بيع حمل الحوامل. وقال ابن الأنبارى: الهاء فى حبلة للمبالغة، كقولهم: مسخرة. ورواه بعضهم حبل الحبلة بسكون الباء، والصواب الفتح فى الاسم والمصدر.
قال الإمام: تضمنت هذه الأحاديث النهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر، وعن بيع حبل الحبلة: فأما الغرر فهو اسم جامع لبياعات كثيرة، منها هاتان البيعتان: بيع الحصاة وحبل الحبلة، على أحد التأويلات فيها، فأما الغرر وبما تردد فبين السلامة والعطب وما فى معنى ذلك؛ وذلك أنه يلحق بمعنى إضاعة المال لأنه قد لا يحصل المبيع، ويكون بذل
стр. 2737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ماله باطلاً. وقد نبه ﷺ على هذه العلة بقوله فى بيع الثمرة قبل الزهر: " أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه ".
وقد رأينا العلماء أجمعوا على فساد بعض بياعات الغرر وأجمعوا على صحة بعضها، واختلفوا فى بعضها. فيجب أن يبحث عن الأصل الذى يعرف منه اتفاقهم واختلافهم، فنقول: إنا لما رأيناهم أجمع على منع بيع الأجنة، والطير فى الهواء، والسمك فى الماء، ثم رأيناهم أجمعوا على جواز بيع الجبة وإن كان حشوها مغيبًا عن الأبصار، ولو بيع حشوها على انفراده لم يجز، وأجمعوا على جواز إجارة الدار مشاهرة، مع جواز أن يكون الشهر ثلاثين أو تسعًا وعشرين، وأجمعوا على دخول الحمام، مع اختلاف الناس فى استعمال الماء وطول لبثهم فى الحمام، وعلى الشرب من الساقى، مع اختلاف عادات الناس فيه - أيضاً - قلنا: يجب أن يفهم عنهم أنهم منعوا بيع الأجنة لعظم غررها وشدة خطرها، وأن الغرر فيها مقصود يجب أن يفسد العقود. ولما رأيناهم أجمعوا على جواز المسائل التى عددناها، قلنا: ليس ذلك إلا لأن الغرر فيها نزر يسير غير مقصود، وتدعو الضرورة إلى العفو عنه.
فإذا أثبت هذا ووضح ما استنبطناه من هذين الأصلين المختلفين قلنا: يجب أن ترد جميع مسائل الخلاف الواقعة بين فقهاء الأمصار فى هذا المعنى إلى هذا الأصل، فمن أجاز قدر أن الغرر فيما سئل عنه غير مقصود، وقاسه على ما تقدم. ومن منع قدر أن الغرر مقصود، وقاسه على ما تقدم أيضاً.
وأما بيع الحصاة فاختلف فى تأويله اختلافًا كثيرًا. وأحسن ما قيل عنه تأويلات منها: أن يكون المراد أن يبيع من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة. ولا شك أن هذا مجهول لاختلاف قوة الرامى، وعوائق الرمى. وقيل: معناه: أى ثوب وقعت عليه حصاة رمى فهو المبيع. وهذا - أيضاً - مجهول، كالأول. وقيل: معناه: ارم بالحصاة، فما خرج كان لى بعدده دنانير أو دراهم، وهذا - أيضاً - مجهول. هذه ثلاث (١) تأويلات تتقارب وكلها يصح معها المنع.
وقد قيل تأويل رابع وخامس، قيل: معناه: أنه إذا أعجبه الثوب ترك عليه حصاة. وهذا إذا كان بمعنى الخيار، وجعل ترك الحصاة علمًا على الاختيار لم يجب أن يمنع، إلا أن تكون عادتهم فى الجاهلية أن يضيفوا لذلك أمورًا تفسد البيع، ويكون ذلك عندهم معروفًا ببيع الحصاة، مثل أن يكون متى ترك حصاه - وإن كان بعد عام - وجب له البيع فهذا فاسد. وقيل - أيضاً -: كان الرجل يسوم الثوب وبيده حصاة، فيقول: إذا سقطت
стр. 2738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من يدى فقد وجب البيع، وهذا - أيضاً - إن كان معناه: إذا سقطت باختياره وجب البيع، فهذا بيع الخيار، إذا وقع على صفة بيع الخيار، من مراعاة أجله وغير ذلك، إلا أن يكون الثمن لم يقدراه، وسقوطها من يده أو بوضعه إياها على التأويل الذى قبله يجب البيع، ولكن على القيمة وهى مجهولة فيمنع هذا للجهالة بالثمن. وقد يكون هذا هو المعنى فى القولين الآخرين.
стр. 2739
(٣) باب تحريم بيع حبل الحبلة
٥ - (١٥١٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ.
٦ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ. وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِى نُتِجَتْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ.
ــ
وأما بيع حبل الحبلة، فقيل فيه تأويلان:
أحدهما: أن المراد ما حكاه مسلم من تفسير ابن عمر - رضى الله عنه - أن البيع إلى نتاج نتاج الناقة، فيكون ذلك تنبيهاً على أن الثمن - وإن كان معلومًا فى نفسه وجنسه - فإنه تؤثر فيه الجهالة ببعض صفاته، ويصير هذا أصلاً فى النهى عن البيع بثمن إلى أجل مجهول. وقد اختلف المذهب عندنا فى مسائل كالبيع إلى العطاء، وهو خلاف فى حال لا خلاف فى فقه، فمن أجاز البيع إلى العطاء رآه معلومًا فى العادة، ومن أباه رآه يختلف فى العادة.
والتأويل الثانى: أن يكون المراد ببيع نتاج نتاج الناقة، فيكون ذلك جهلاً بالمبيع وصفته وفيه - أيضاً - الجهالة بزمن تسليمه، وكل ذلك ممنوع. والهاء فى حبل الحبلة للمبالغة. قاله ابن الأنبارى وغيره.
стр. 2740
(٤) باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه وتحريم النجش، وتحريم التصرية
٧ - (١٤١٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ".
٨ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلا أَنْ يَأذَنَ لَهُ ".
٩ - (١٥١٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ".
١٠ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الصَّمَد، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْعَلاَء وَسُهَيْلٍ عَنْ أَبِيِهِمَا، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىَّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى
ــ
قال القاضى: ذكر مسلم حديث النهى عن سوم الرجل على سوم أخيه، والخطبة على خطبته، وعن النجش، وعن بيع حاضرٍ لباد، وعن سؤال المرأة طلاق أختها. وقد تقدم الكلام على هذا فى النكاح فسبق هناك.
وقوله فى الباب: نا أحمد بن إبراهيم الدورقى، نا عبد الصمد، نا شعبة عن العلاء، وسهيل عن أبيهما. كذا الرواية عند جميع شيوخنا بكسر الباء، وليس بصواب، إذ ليسا بأخوين، ووقع فى بعض الروايات: " عن أبويهما "، وهو الصواب. قال بعضهم: " لعله عن أبيهما " لغة بعضهم فى تثنية أب، وقد سبق مثله فى كتاب النكاح. وبعده: وحدثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الصمد، نا شعبة، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، عن النبى ﵇. وبعده حديث عبد الله بن معاذ، ثبت هنا فى الحديث، هكذا قيل حديث عبيد الله للسمرقندى، والطبرى والسجزى وسقط لغيرهم.
(٥) باب تحريم تلقى الجلب
١٤ - (١٥١٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ - ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُتَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى تَبْلُغَ الأَسْوَاقَ. وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ نُمَيْرٍ. وَقَالَ الآخَرَانِ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّلَقِّى.
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِىٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ.
١٥ - (١٥١٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُبَارَكٍ، عَنِ التَّيْمِىِّ،
ــ
فأما التلقى، فإن النهى عنه معقول المعنى، وهو ما يلحق الغير من الضرر، ولكن يقدح هاهنا فى نفس المتأمل معارض فنقول: المفهوم من منع بيع الحاضر للبادى ألا يتلقى للبادى وأن يؤجر السبيل لغبنه، والمفهوم من النهى عن التلقى: ألا يغبن البادى، بدليل قوله هاهنا: " فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار ". والإشكال عن هذا: أنا كنا قدمنا أن الشرع فى مثل هذه المسألة وأخواتها بنى على مصلحة الناس، والمصلحة تقتضى أن ينظر للجماعة عن الواحد، ولا يقتضى أن ينظر للواحد على الواحد.
ولما كان البادى إذا باع بنفسه انتفع سائر أهل السوق، فاشتروا ما يشترونه رخيصًا وانتفع به سائر سكان البلد تضطر لأهل البلد عليه. ولما كان إنما ينتفع بالرخص المتلقى خاصة، وهو واحد فى قبالة الواحد الذى هو البادى، لم يكن فى إباحة التلقى مصلحة، لاسيما وتضاف إلى ذلك علة ثانية؛ وهى لخوف الضرر بأهل السوق فى انفراد المتلقى عنهم بالرخص، وقطع المواد عنهم أكثر من المتلقى فنظر لهم عليه، وعادت المسألة إلى المسألة الأولى، فصار واحدًا، وانقلب ما ظنه انطلق فى هذا من التناقض بأنه صارا مثلين يؤكد بعضها بعضًا. وقد اختلف المذهب عندنا فيمن لم يقصد التلقى ولم يبرز إليه خارج المدينة، بل مر به على بابه بعض البُداة، هل يشترى منه ما يحتاج إليه قبل وصوله إلى السوق؟ قيل بالمنع لعموم الحديث، وقيل: الجواز لأن هذا لم يقصد الضرر ولا الاستبداد دون أهل السوق، فلم يمنع، وقد جعل له فى بعض هذه الطرق هاهنا الخيار إذا جاء السوق ولم يفسخ البيع، لما كان النهى لحق الخلق لا لحق الله سبحانه.
وقوله: ثبت عنده هذه الزيادة، ورأى أن النهى يدل على فساد المنهى عنه فسخ البيع.
стр. 2743
عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَلَقِّى البُيُوعِ.
١٦ - (١٥١٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُتَلقَى الْجَلَبُ.
١٧ - (...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا بْنُ هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى هِشَامٌ الْقُرْدُوسِىُّ عَنِ ابْنِ سِيريِنَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ ".
ــ
وفى ذلك اضطراب فى المذهب. وفى هذا الحديث من الفوائد أيضاً إثبات الخيار للمغبون؛ لأنه إذا ثبت أن النهى عن التلقى لا لئلا يغبن الجالب، لم يكن لأثبات الخيار له معنى إلا لأجل الغبن، أو لأنه يرجو الزيادة فى السوق.
قال القاضى: وقوله فى الحديث الآخر: " نهى أن يتلقى الجلب " بمعنى الأول، ما يجلب للأمصار غيرها. واختلف أبو حنيفة فى هذا، فلم يأخذ بهذا الحديث، وأجازوا التلقى إلا أن يضر بالناس فيكره، وقال الأوزاعى مثله. واختلف فيه إذا وقع، فعن مالك وبعض أصحابه: أنه ينهى ولا تنتزع منه شىء، ورأى بعض أصحابنا فسخ بيع التلقى. والشافعى وأحمد يريان للبائع الخيار كما جاء فى الحديث. ومال إليه بعض أصحابنا، والمشهور عن مالك، وأكثر أصحابه، أو يعرض على أهل السوق فإذا لم يكن سوق قليل المصر يشترك فيها من شاء. وقال الإصطخرى: إنما يكون البائع بالخيار إذا اشتريت بأقل من ثمنها.
واختلف عندنا فى حد التلقى الممنوع، فعن مالك: قوامة ذلك على مسيرة يومين. وعن مالك تخفيفه وإباحته على ستة أميال، ولا خلاف فى منعه إذا كان قرب الضرر وأطرافه. وقال بعض المتأخرين: وكذلك يجوز تلقيها فى أول السوق لا فى خارجه، وكذلك إذا لم تكن فى السلعة عيوب فشراؤها إذا دخلت البلد جائز وإن لم يبلغ أسواقه فلا.
(٧) باب حكم بيع المصراة
٢٣ - (١٥٢٤) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ مُوسَى ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَلْيَنْقَلِبْ بِهَا، فَلْيَحْلُبْهَا، فَإِنْ رَضِىَ حِلاَبَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِلَّا رَدَّهَا وَمَعَهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ ".
٢٤ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىِّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " مَنِ ابْتَاعَ شَاةً مُصَرَّاةً فَهُو فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، إِن شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ".
ــ
وقوله: " ولا تصروا الإبل " كذا ضبطنا هذا الحرف على المتقنين من شيوخنا: " تُصَرّوا " بضم التاء وفتح الصاد المهملة وتشديد الراء وواو وألف وفتح لام " الإبل " (١) على المفعول. وكان بعضهم - وهو شيخنا أبو محمد بن عتاب - وحكاه لنا عن أبيه يقول: " التصرية " ليقرب نهمه على الطلبة، مثل: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُم﴾ (٢)، وهو الصواب على مذهب الكافة فى شرح المصراة واشتقاقها.
وذِكْره فى الحديث الآخر التصرية، يدل أنها من الجمع من الصرر، من صرى لا من صر. وقد رويناه عن بعضهم فى غير مسلم: " تَصُروا الإبل " بفتح التاء وضم الصاد من الصر. وعن بعضهم بضم لام " الإبل " و " تصر " بغير واو بعد الراء على ما لم يسم فاعله من الصر أيضاً، وهو لذلك على تفسير الشافعى ومن اتبعه.
قال الإمام: معناه: لا تجمعوا اللبن فى ضرعها حتى يعظم، ومنه: صريت الماء فى الحوض، أى جمعته. والصراة: المياه المجتمعة، وصرر الماء فى الظهر: إذا حبسه سنين لا يتزوج. وأهل اللغة يقولون: لا تصروا. وقد اختلف عن مالك، فقيل عنه مثل هذا، وما وقع فى الحديث الذى ذكرناه من ذكر المحفلة. والمحفلة: هى المصراة بعينها، سميت محفلة لأن اللبن جعل فى ضرعها، وكل شىء كثرته فقد حفلته، ومنه قيل: احتفل القوم: إذا كثروا أو اجتمعوا.
قال القاضى: قال الخطابى: اختلف أهل العلم واللغة فى تفسير المصراة، ومن أين أخذت واشتقت، فقال الشافعى: التصرية: أن تربط أحلاب الناقة والشاة ويترك حلبها
стр. 2746
٢٥ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِى الْعَقَدِىَّ - حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَنِ اشْتَرَى شَاةً
ــ
اليومين والثلاثة حتى يجتمع لبنها، فيزيد مشتريها فى ثمنها؛ لما يرى من ذلك. وقال أبو عبيد: إنه من صرى اللبن فى ضرعها، بمعنى حفيه فيه. وأصل التصرية حبس الماء وجمعه. قال أبو عبيد: ولو كان الربط لكانت مصرورة أو مصررة.
قال الخطابى: وقول أبى عبيد: حسن. وقول الشافعى صحيح، والعرب تصر ضروع المحلوبات، ويسمى ذلك الرباط صرارًا. واستشهد محتجًا لقول الشافعى بقولهم: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلب والصر. وبقول مالك بن نويرة:
فقلت لقومى هذه صدقاتكم ... مصررة أخلافها لم تُحَرَّدِ
قال: وقد يحتمل أن تكون المصراة أصلها: مصررة، أبدل إحدى الرائين ياء، كقوله: تفضى البادى، وإنما هو: تفضض، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (١)، كرهوا اجتماع ثلاثة حروف من جنس واحد.
قال الإمام: وأما التصرية، فإن النهى عنها - أيضًا - لحق الغير. وهى أصل فى تحريم الغش، وفى الرد بالعيب. وقد كان شيخنا أبو محمد عبد الحميد ﵀ يجعلها أصلاً فى النهى إذا كان لحق الخلق لا يوجب فساد البيع؛ لأن الأمة أجمعت على تحريم الغش فى البيع، ووقع النهى عنه هاهنا ثم خيره ﷺ بعد ذلك فى أن يتماسك بالبيع، والفاسد لا يصح التماسك به. وفى هذا الحديث دلالة على أن التدليس محرم، ويوجب الخيار للمشترى وإن كان لتحسين المبيع الذى يؤدى إلى الخدع والغرور، وأن الفعل يقوم مقام النطق فى مثل هذا؛ لأن قصارى ما فيه أن المشترى رأى ضرعًا مملوءًا، فقدر أن ذلك عادتها. فحل ذلك محل قول البائع: إن ذلك عادتها، فجاء الأمر بخلافه، وصار البائع لما دلس كالقائل لذلك. وقد قال بعض الناس: لو كان الضرع مملوءًا لحمًا وظنه المشترى لبنًا لم يكن له خيار من هذه الجهة؛ لأجل أن البائع لم يدلس عليه.
وأما رد الصاع من التمر فقد ذكره أهل العراق، ومال إليه بعض أصحابنا؛ لأنه جاء عندى بخلاف الأصول من الغرامة عن اللبن تمرًا، ومتلف الشىء إنما يغرم مثله أو قيمته، وأما جنسًا آخر من العروض فلا. وأيضًا فإن الأصل [ليس] (٢) أن الخراج بالضمان، وأن المغتل لا يرد الغلة إذا رد بالعيب، وهذا قد أمرها هنا بالرد.
стр. 2747
مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ ".
ــ
وجواب الجمهور من أصحابنا عن هذا: أن يقولوا: أما الرد للتمر عن اللبن فإنما ذلك لأنه قوت بلدهم حينئذ، وكأنه ﷺ رأى أن اللبن كانوا يريدونه للقوت، وهذا يحل محله، وهو أصل كسبهم للقوت، فقضى به، وإن كان عيش بعض البلاد غيره من الطعام قضى بالغالب من عيشهم. وقد روى عنه ﷺ : " من ابتاع محفلة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها ردها مثل أو مثلى لبنها قمحًا " (١).
وقد ذكر مسلم هاهنا: " صاعًا من طعام لا سمراء ". وهذا يدل على ما قلناه من مراعاة حال قوت أهل البلد.
وأما اقتصاره ﷺ على الصاع مع اختلاف لبن الشاة والناقة، واختلاف لبن النوق فى نفسها، مع أنه لا يصح أن يلزم المتلف للكثير مثل ما يلزم المتلف اليسير، فقال بعض أهل العلم: إنما ذلك لأنه ﷺ أراد أن يكون ذلك حداً يرجع إليه؛ ليرتفع الخصام ويزول التنازع والتشاجر.
وقد كان ﷺ حريصًا على رفع التشاجر عن أمته، وهذا كما قضى فى الجنين بالغرة، ولم يفصل بين الذكر والأنثى، مع اختلافهما فى الديات؛ لأن هذه المواضع لما كان يتعزر ضبطها عند البينات كثر التنازع فيها، فرفعه ﷺ بأن جعل القضاء فى ذلك واحدًا. وقد مر أبو يوسف وابن أبى ليلى على مقتضى القياس وقالا: يرد قيمة اللبن وحملا الحديث على أنه وقع بحكم الاتفاق لكون القيمة وقت قضائه ﷺ بذلك صاع من تمر.
وقد قال بعض أهل العلم: إذا علا الصاع حتى صار يستبشع القضاء به عوض اللبن؛ لكونه مقاربًا بالقيمة الشاة كلها، فإنه حينئذ لا يقضى، وإن عزم المشترى قيمة أعلى ما يرى أنه كان فيها من اللبن، لم يكن عليه أكثر من ذلك. واستلوح هؤلاء أن النبى ﷺ إنما قضى بصاع واحدٍ فى لبن الشاة والناقة مع اختلافهما؛ لأنه وإن قل لبن الشاة فهو أجود، وإن كثر لبن الناقة فهو أدنى، فصارا بهذا كالمتساويين، فلا يكون فى هذا حجة للأولين الذين جعلوا القضية بالصاع ضربة لازب.
وأما رد عوض اللبن مع كون الخراج بالضمان، وأن المشترى لا يرد الغلة إذا رد بالعيب؛ فلأن المصراة كان فيها لبن حين البيع، ولم تكن غلة حينئذ فتكون للمشترى، بل هو على ملك البائع كأحد أعضاء الشاة، فردها إذا رد بالعيب واجب قلنا: استحال رده بعينه كاختلاطه بما يحدث عند المشترى، وجب أن يرد العوض عنه ويصير كالفائت،
стр. 2748
٢٦ - (...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوْ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا. وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ، لَا سَمْرَاءَ ".
ــ
ويقدر العوض عنه لرفع التنازع فى ذلك كله لما بيناه، ولكن إنما يلزم على هذا أن يقال: فإذا ردها بعيب آخر غير التصرية وجب أن يرد عوض اللبن أيضاً لما قلتموه. وقد قال محمد: لا يرد عوض اللبن إلا إذا رده بالتصرية، قيل: هذا الذى قلتموه يلزم، وقد التزمه بعض شيوخنا، ولم يصوب ما قاله محمد فى هذا. وكأن محمداً رأى أنه شرع جاء فى التصرية خاصة، فلم يتعد فيه ما ورد الشرع به.
واختلف أيضاً إذا كانت الغنم التى صريت كثيرة، هل يرد لجميعها صاعًا واحدًا، أو لكل شاة صاعًا؟ والأصوب أن يكون حكم الكثير منها خلاف حكم الواحد؛ لأنه من المستبشع فى القول على مقتضى الأصول؛ أن يغرم متلف لبن ألف شاة، كما يغرم متلف لبن شاة واحدة، وإن احتج علينا بأنه ﷺ ساوى بين لبن الشاة والناقة مع كون لبن الناقة أكثر، قلنا: تقدم الجواب عن ذلك والانفصال عنه.
قال القاضى: اختلف قول مالك فى الأخذ بحديث المصراة على ما ورد، فمشهور قوله الأخذ به. وقال: أو آخذ فى هذا الحديث رأى، وهو قول الليث، والشافعى، وأبى ثور وأبى يوسف، وابن أبى ليلى فى إحدى الروايتين عنه، وفقهاء أصحاب الحديث. ومرة لم يقل به. وقال: ليس بالموطأ ولا الثابت، يريد العمل به، قال: وقد جاء الخراج بالضمان وهو قول أبى حنيفة والكوفيين، وقالوا: هو منسوخ. ورأى مالك أن الأصول تخالفه من الغلة بالضمان، وهو قوله فى العتبية. ويختص ابن عبد الحكم واختلافه فيه على اختلاف أصحاب الأصول فى تقدمة خبر الواحد على قياس الأصول المتفق عليها، وهو مشهور مذهب مالك وأصحابه، وعامة الفقهاء والأصوليين. أو تقدمة القياس عليها إذا اختلفت الأصول، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه، وحكم بعض أئمتنا البغداديين على المذهب وعلى هذا الأصل حمل اختلاف قوله فى الأخذ بحديث غسل الإناء من ولوغ الكلب (١) والقرعة والعربة، ومثل هذا من أخبار.
стр. 2749
٢٧ - (...) وحدّثناه ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " مَنِ اشْتَرَى مِنَ الْغَنَمِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ ".
ــ
ثم اختلف الكوفيون، فذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن فى حديث المصراة: أنه ليس له ردها، وليس التصرية بعيب وتمليكها. وحكى الخطابى عن أبى حنيفة: أنه يرجع بأرْش التصرية وقال زُفر: يرد صاعًا من تمر أو نصف صاع من بر. ثم اختلف الآخرون بهذا الحديث ممن تقدم، فذهب مالك إلى أن صاع التمر إنما هو حيث هو عيش قوم، فأما فى كل بلد فيخرج من غالب قوتهم صاعًا، وقاله الطبرى. وأما الشافعى والباقون فقالوا: لا يخرج إلا بالصاع تمرًا، وإن عدم عندهم ثم أخرج قيمته. وتقدم قول أبى يوسف وابن أبى ليلى بإخراج القيمة. وروى عن مالك قولة شاذة: يؤدى له قدر مكيلة ما حلب من اللبن تمرًا أو قيمته.
وحجة أبى حنيفة ومذهبه: أن حديث المصراة منسوخ بحديث الغلَّة بالضمان. ومخالفته عنده الأصول من وجوه:
منها: مخالفة الأصل من أن الغلَّة بالضمان، وقد مضى الجواب عنه من أنها ليست بغلة إنما كان مجملاً فيها فلزم رده. وأيضًا فيكون هذا خاصًا فيه. ومسألتنا، وحديث الخراج بالضمان عام، والخاص يقضى على العام.
ثانيها: تقدير القيمة. وقد اختلف المذهب عندنا، ومضى الجواب عنه - أيضاً - بقطع التشاجر كدية الشجاج، وهى مختلفة فى الكبير والصغير، فقد تكون موضحة تستوفى جلدة الرأس وأخرى لم توضح من العظم لها فرد مدخل مسألة، وكذلك المأمومة وغيرها؛ ولهذا أمثلة فى الشرع كثيرة.
وثالثها: كون القيمة تمرًا وقيم المتلفات فى الأصول إنما هى بالعين، وقد تقدم الجواب عليه. وقد وجدنا الشرع جعل الديات على أهل الإبل إبلاً؛ إذ هى جل أموالهم، وجعل فى الجنين غرة.
ورابعها: دفع الطعام عن الطعام غير يد بيد، وهذا غير لازم هاهنا؛ إذ ليس فى هذا مبايعة وهى الممنوعة فى الباب، وإنما هو حكم أوجبه الشرع ليس باختيارهما (١) فيتهمهما بالذريعة فيه.
خامسًا: إن جزم للمكيل أو الموزون بمثله، وقد عدل هنا عن المثل، والجواب: إنا
стр. 2750
٢٨ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ
ــ
لو دفعنا عن اللبن لبنًا خفنا التفاضل والمزابنة؛ لأن ما كان فى ضرعها لا يتحقق تقديره بالصاع المردود لو كان لبنًا، ولو رد جميع ما حبس منها لخفنا فيه الزيادة بما تولد عنده من الغلة.
وقد أجمعوا أنه لا يرده مع لبن التصرية إلا ما اختلف فيه أصحابنا، إذا رضى بائعها بقبولها بلبنها، فأجازه بعضهم وقال: هى إقالة. وقال غيره: لا يجوز لأن اللبن غير متعين، ولو تعين جاز. وفى هذا اعتراض من وجوه: أحدها: أن حقيقة لبن التصرية مما تولد فى الضرع بعد الشراء لا يتحقق، فكيف تصح منها الإقالة، ولا يدرى تحقيق الزيادة فيه ولا قدرها؟ وقوله فى إحدى الروايات: " صاعًا من طعام " يحتج به من قال بظاهره أو عند عدم التمر. وقال الداودى: معناه: تمرًا فسره الحديث الآخر.
وقوله فى الحديث: " فهو بالخيار ثلاثة أيام " دليل على صحيح المذهب أن الحلبة الثالثة لا تقطع الرد وتمنعه، وهو قول مالك، وظاهر المدونة خلاف ظاهر كتاب محمد؛ من أن الحلبة الثالثة رضًا، لكن مالكًا لا يأخذ بذكر الثلاثة الأيام؛ إذ لم يكن فى روايته، ولكن فى معناها الثلاث الحلبات؛ لأن الأولى هى الدلسة والثانية فيها ظهرت الدلسة، والثالثة فيها تحققها. إذ قد يظن فى الثانية أن اختلافها من الأولى لاختلاف مرْعاها ... وما يعتيرها من إمساكها مرة التشوف بها وبقاء لبنها الأول غير محلوب فيعتل الضرع فى الحلبة الثانية للأولى. وهذه الحجة هنا أن الحلبة الثالثة ليست برضًا.
وجعل المخالفون هذا اللفظ أصلاً فى ضرب أجل الخيار، وأنه لا زيادة فيه على ثلاثة أيام، وهو قول أبى حنيفة والشافعى. وقال ابن أبى ليلى، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: قليل الخيار وكثيره جائز. ومالك لا يرى للخيار أجلاً محدودًا لا يتعدى، بل قدر ما يختبر فيه المشترى واختلف فى ذلك باختلافها لتيسر اختبار الثوب كاختيار العبد وسكنى الدار. وبيع الخيار عندنا جائز ضرب له أجل أم لا، ويضرب الحاكم للمبيع من الأجل قدر ما يختبر فيه مثلهما، خلافًا لأبى حنيفة والشافعى فى إبطاله إذا لم يضرب له أجل وهو رخصة خاصة من الأصل للضرورة الداعية للبحث عن المشترى، وتقصى معرفته وأخذ رأى من يريد مشورته فيه، وسيأتى الكلام على بيع الخيار بعد هذا.
وحديث المصراة أصل فى الرد بالعيب، كان فى ذات المبيع وغلته، وأن التدليس لا يفسد البيع، وأنه يوجب الخيار، خلافًا لأبى حنيفة فى حكمه برد قيمة العيب دون المعيب، وأصل فى كل ما يشتريه من هاهنا وغلته فيه ظاهرة كالصوف على ظهور الغنم، والتمر فى رؤوس النخل، إنه إن ردها أنه يرده معها. وليس حكمه حكم إلغائها، فإن
стр. 2751
مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا مَا أَحَدُكُمْ اشْتَرَى لِقْحَةً مُصَرَّاةً أَوْ شَاةً مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا. إِمَّا هِىَ، وَإِلاَّ فَلْيَرُدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ".
ــ
أصله رد مثله إن عرف قدره أو قيمته، بوقوع حصة من الثمن عليه، بخلاف ما توالد عنده. وقد استدل بعضهم من هذا الحديث على كون الاستطهار بعد الحيض ثلاثًا، وعلى أن أقل مدة الحيض فى العدد والاستبراء ثلاث، وهو استدلال بعيد فيه نظر.
وقوله: " لا سمراء " أى [برًا] (١)، وأما البيضاء والشعير فأثبته هنا بمعنى الحنطة أو الحبة. وفى الباب: نا ابن أبى عدى عن ابن عون عن محمد، عن أنس، ونا ابن مثنى، نا معاذ، نا ابن عون، عن محمد، قال: قال أنس بن مالك: " نهينا أن يبع حاضر لباد ". ثبت هذا للكافة من الرواة، وسقط للسمرقندى، وتقدم الكلام على معناه.
стр. 2752
(٨) باب بطلان بيع المبيع قبل القبض
٢٩ - (١٥٢٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتكىُّ وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوفِيَهُ ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَىءٍ مِثْلَهُ.
(...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ وَأَحْمدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ - وَهُوَ الثَّوْرىُّ - كِلَاهُمَا عَنْ
ــ
وقوله: " من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه ": قال ابن عباس: " وأحسب كل شىء مثله "، وفى بعض طرقه: " حتى يقبضه "، وفى بعضها: " حتى يستوفيه ويقبضه " وهما بمعنى واحد. وكان هذا فى كتاب أبى بحر: " حتى يستوفيه يقبضه " بغير واو، وفى بعضها: " حتى يكتباه "، قال ابن عباس: ألا تراهم يبتاعون بالذهب والطعام، مرجاً، أى مؤخرًا، بهمزة وبغير همزة، وقرئ بهما جميعًا. وعن ابن عمر: " كنا نبتاع الطعام فى زمن النبى ﵇ فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذى ابتعناه فيه، إلى مكان سواه قبل أن نبيعه "، وفى حديث آخر: " كانوا يضربون على عهد النبى ﵇ إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه فى مكانه حتى يحولوه "، وفى رواية: " حتى يؤووه إلى رحالهم "، وفى حديث آخر: " وكنا نشترى الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه "، جعل الراوى هذا الحديث مفسرًا لغيره مما لم يأت مبينًا، وأن ذلك فى الجزاف فيما تلقى من الركبان؛ بدليل رواية: " من قام حتى ينقله حيث يباع الطعام " وأن ذلك الرفق بأهل الأسواق وعامة الناس، وفيه حجة لمن لا يرى فسخ ما تلقى من البيع على ما تقدم الخلاف فيه.
ومعنى " جزافًا ": أى بغير كيلٍ، ظاهره أن النهى فيما اختص بالبيع، وفى حكمه ما أخذ عن معاوضة فى صداق أو خلع أو ثوب هبة، أو إجارة، أو صلح عزم، وكذلك إن كان من بيع فلا يجوز دفعه فى شىء من هذه الأمور، بخلاف قبضه أو دفعه هبة أو صدقة، هذا مذهب مالك والشافعى والسفيانين ومحمد بن الحسن بقوله: " من ابتاع "، وقوله: " فلا يبعه ". وذهب أبو حنيفة إلى أن كل ما أخذ فى مهر، أو خلع، أو جعل
стр. 2753
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٣٠ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا معْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَىْءٍ بِمَنْزِلةِ الطَّعَامِ.
٣١ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ - عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ ".
فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟ فَقَالَ: أَلَا تَرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ، والطَّعَامُ مُرْجأ؟
ــ
فيجوز بيعه قبل قبضه، بخلاف ما ملك بشراء أو إجارة.
قال الإمام: اختلف الناس فى جواز بيع المشتريات قبل قبضها، فمنعه الشافعى فى كل شىء، وانفرد عثمان البتى فأجازه فى كل شىء. ومنعه أبو حنيفة فى كل شىء إلا العقار وما لا ينتقل، ومنعه آخرون فى سائر المكيلات والموزونات [ومنعه مالك فى سائر المكيلات والموزونات] (١) إذا كانت طعامًا، فتعلق من منع على الإطلاق بقوله: " نهى عن ربح ما لم يضمن " (٢)، ولم يفرِّق، وعضد ما قاله - أيضًا - بما ذكره ابن عمر هاهنا من منع بيع الطعام الجزاف حتى يؤووه إلى رحالهم، واستثنى أبو حنيفة ما لا ينقل لتعزر الاستيفاء فيه، المشار إليه فى قوله: " نهى عن بيع الطعام حتى يُستوفى ".
وأما القولان الآخران فمأخوذان من قوله: " نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى " فنقول: من منع سائر المكيلات يقتضب من هذا علة فلا يصح التعليل إلا بالكيل. وقد نبه عليه بقوله: " حتى يكتاله "، فأجرى سائر المكيلات مجرىً واحدًا. ويقول مالك: فإن دليل خطاب الحديث يقتضى جواز غير الطعام، ولو كان سائر المكيلات ممنوعًا بيعهما قبل قبضها لما خص الطعام بالذكر، فلما خصه دل على أن ما عداه بخلافه، ويمنع من تعليل
стр. 2754
وَلَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ: مُرْجأ.
٣٢ - (١٥٢٦) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ".
٣٣ - (١٥٢٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ
ــ
هذا الحديث بالكيل؛ لأنه تعليل ينافى دليل الخطاب المعلل، والدليل كالنطق عند بعض أهل الأصول.
وقد أشار بعض أصحاب مالك إلى أن العلة العينة، واستدل بقول ابن عباس الذى ذكرناه لما سئل، فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ، أى مؤخرٌ، وكأنهم قصدوا إلى أن يدفعوا ذهبًا فى أكثر منه والطعام محلل، وفى البخارى عنه: " دراهم بدراهم والطعام مرجأ " (١)، وقد ترجح بعض أصحابنا فى الطعام إذا أمن فيه من العِينة التى هى سبب المنع على ما قال ابن عباس، هل يمنع بيعه قبل قبضه لظاهر الخبر أو يسهل فيه؟ ورأيته يميل للتسهيل فى مقتضى كلامه إذا وقع البيع فيه بالنقد، وما أظن أن عثمان البتى سلك فى إجازته بيع كل شىء قبل قبضه إلا هذه الطريقة، وإن كان مذهبنا انفرد به، وهذا شاذ عند العلماء، أضرب عن ذكره كثير منهم.
وإذا وضح مأخذ كل مذهب من هذه المذاهب فيتفصل أصحابنا عن تعلق الشافعى بقوله: " نهى عن ربح ما لم يضمن " بجوابين:
أحدهما: أن يحمل على بيع الخيار، وأن يبيع المشترى قبل أن يختار.
والثانى: أن يحمل ذلك على الطعام [ويخص عموم هذا إذا حملناه على الطعام] (٢) بإحدى طريقتين؛ إما دليل الخطاب من قوله: " عن بيع الطعام حتى يستوفى "، فدل على أن ما عداه بخلافه، أو يخص ما ذكره ابن عمر من أنهم كانوا يبيعون الإبل بالدراهم ويأخذون عنها ذهبًا، أو بالذهب ويأخذون عنها دراهم، وأضاف إجازة ذلك إلى النبى ﷺ ، وهذه إجازة ربح ما لم يضمن فى العين، ونقيس عليه ما سوى الطعام، ويخص به النهى عن ربح ما لم يضمن، ويحمل قول ابن عمر الذى قدمناه على الاستحباب، والرواية التى فيها ذكر ضربهم تحمل على أنه فعل ذلك حماية للذريعة، أو على أنهم اتخذوا ذلك عينة ممنوعة.
стр. 2755
عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا فِى زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِى ابْتَعْنَاهُ فِيهِ، إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ، قَبْلَ أَنْ نَبِيَعُه.
٣٤ - (١٥٢٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - واللَّفْظ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيهُ ".
(١٥٢٧) قَالَ: وَكُنَّا نَشْتَرِى الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جِزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ.
ــ
وقول أبى هريرة لمروان: " أحللت بيع الصكاك " يريد صكوك الجاد المذكورة فى المدونة، وهى كتب يكتب لهم فيها طعام يأخذونه. والصكاك والصكوك جمع صك، وهو الكتاب.
قال القاضى: الذى نهى عنه من بيع صكوك الجار، عند أهل العلم من أئمتنا وغيرهم، أن يبيعها مشترى ما فيها لا الذى خرجت له فى أرزاقه ليقبضها فى الجار؛ لأن الذى خرجت فى أرزاقه ليس حكمه حكم المشترى وهو كمن وهبت له، ورافعها من أرضه، فله بيعها قبل كيلها وقبضها، وإنما كانوا يبيعونها من غيرهم ثم يبيعها المشترى من غيرهم قبل قبضها، فمنعوا من ذلك، وهكذا جاء فى الحديث مفسرًا فى الموطأ؛ أن صكوكًا خرجت للناس فى زمان مروان من طعام الجار فيتبايع الناس ذلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها (١)، وذكر الحديث وهو فى مسلم مختصر. وفى الموطأ - أيضاً - ما هو أبين؛ أن حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر بن الخطاب للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فبلغ ذلك عمر فرده عليه، وقال: " لا تبع طعامًا ابتعته حتى تستوفيه "، وقد ذكر بعضهم أنه يحتمل أنه فسخ البيعتين بقوله آخر الحديث فى الموطأ: بيعة مروان، الحرس ينتزعونها من أيدى الناس ويردونها [إلى أهلها ولو كان إنما نقص بيعة المشترين الآخرين لقال: أتردونها] (٢) إلى من ابتاعها من أهلها.
قال القاضى: ولفظه يحتمل أن يريد بأهلها، فيستحق رجوعها إليه وأما قوله فى الحديث: " كنا نشترى الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه " فقد اختلف العلماء فيما بيع من الطعام جزافًا، هل هو مثل ما بيع على الكيل والعدد والوزن، يجوز بيعه قبل استيفائه ونقله أم لا؟ فمشهور مذهب مالك جوازه؛
стр. 2756
٣٥ - (١٥٢٦) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَيَقْبِضَهُ ".
٣٦ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ جَعْفَرٍ، وَقَالَ عَلىٌّ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ".
٣٧ - (١٥٢٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُمْ كَانَوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذَا
ــ
لأنه بتمام العقد صار فى ضمان البائع، فخرج من النهى عن ربح ما لم يضمن، وتأول هذا الحديث أنه فيما بيع بكثرة، بل معناه فى تلقى الركبان. وبجوازه قال عثمان وسعيد ابن المسيب والحسن والحكم، وبهذا على وإسحاق. وذهب الكوفيون والشافعى وأبو ثور وأحمد وداود إلى منعه على إضرابهم فى منعه فى كل شىء، لها ما استثناه بعضهم إلى ما تقدم ومما يزيد بيانًا وحكاه الوقار عن مالك على أصله فى اختصاصه فى المطعومات. وقال ابن عبد الحكم: هو استحسان من قوله، ونحوه فى العتبية. وقال أحمد: هى أن يؤخذ بالحديث وذكره. وحجتهم ظاهر هذه الأحاديث. وقد تقدم التأويل لها والجمع بينها.
واختلف عندنا فى تعليل بيع قبل قبضه، هل هو شرع غير معلل أو علته العينة وهو إشارة. قال ابن عباس: إنهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ، وعليه يدل إدخال مالك أحاديث الباب فى باب العينة فى الموطأ (١). وقد بقى من الخلاف فى أصل المسألة ما روى عن مالك أن ذلك يختص فيما لا يجوز فيه التفاضل والطعام. ورواه عنه ابن وهب إن كان قد ذكر غير واحد أن العلماء لم يختلفوا فى منع ذلك فى جميع الطعام، وقد تقدم قول عثمان البتى، والمشهور عن مالك عمومه فى جميع المطعومات، وهو قول أحمد، وأبى ثور فى كل ما يقع عليه اسم مطعوم. وذهب الشافعى إلى عموم ذلك فى أنواع المبيعات، ووافقه أبو حنيفة، واستثنى العقار وحده. وقال آخرون: كل بيع على الكيل والوزن - طعام أو غيره - فلا يباع حتى يقبض. وروى عن عثمان، والحسن، والحكم، وداود، وسعيد بن المسيب، وقال به سحنون من أصحابنا. وقال أبو عبيد: وهو قول يحيى بن سعيد وربيعة وعبد العزيز، وقالوه فى العدد، وقاله ابن حبيب. واستثنى العلماء من هذا
стр. 2757
اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا، أَنْ يَبِيعُوهُ فِى مَكَانِهِ حَتَّى يُحَوِّلوهُ.
٣٨ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذَا ابْتَاعُوا الطَّعَامَ جِزَافًا، يُضْرَبُونَ فِى أَنْ يَبِيعُوهُ فِى مَكَانِهِمْ، وَذَلِكَ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَشْتَرِى الطَّعَامَ جِزَافًا، فَيَحْمِلُهُ إِلىَ أَهْلِهِ.
٣٩ - (١٥٢٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنِ الضَّحَاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ ". وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ: " مَنِ ابْتَاعَ ".
ــ
الأصل الإقالة والشرك والتولية واتفق مالك، والشافعى، وأبو حنيفة على إجازته فى الإقالة، ومشهور قول مالك جوازه فى الشرك والتولية وخالفاه فيهما. وقد روى عنه منعه فى الشرك.
وفى قوله: " حتى يقبضه ويكتاله " دليل على أنه لا يلزمه كيله ثانية للمشترى، وبهذا يقول مالك: أنه يجوز أن يبيعه بالكيل الأول ولا يحتاج إلى كيل ثانٍ إذا حضر المشترى أو صدقه، إلا أن يكون باعه منه بنسيئة، فلا يجوز على التصديق مخافة وقع السلف والتأخير، وذهب أبو حنيفة والشافعى، وأحمد وإسحاق، إلى أنه لابد من أن يكتاله على المشترى ثانيًا، وروى مثله عن الحسن وابن سيرين، واحتجوا بما روى فى بعض طرق هذا الحديث: " حتى يجرى فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشترى "، وفى حديث ابن عمر: " أنهم كانوا إذا اشتروا طعامًا جزافًا يضربون أن يبيعوه فى مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم "، وجواز بيع الجزاف إذ لم ينهوا عن شرائه، وإنما نهوا عن بيعه قبل نقله، وقد تقدم تأويله، وهو جائز فى القليل والكثير من المعدود والموزون؛ لأن التحرى [يحده ويحصره] (١)، [وإنما جاز] (٢) لأنه ليس فى كل حين يحضر الكيل والميزان.
стр. 2758
٤٠ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِىُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا. فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصكَاكِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى. قَالَ: فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ، فَنَهَى عَنْ بَيْعِهَا.
قَالَ سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِى النَّاسِ.
٤١ - (١٥٢٩) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا ابْتَعْتَ طَعَامًا، فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ ".
ــ
وكذلك ما كثر من العدد. وأما ما قل منه فلا يجوز بيعه جزافًا؛ لأنا نصل إلى حقيقة معرفته دون جهالة تبقى ولا ضرورة تمنع فيه.
وقد أدخل مسلم فى الباب حديث ابن عمر: أنه كان يشترى الطعام جزافًا، فيحمله إلى إماء ليرى العمل به من راوى الحديث.
стр. 2759
(٩) باب تحريم بيع صبرة التمر المجهولة القدر بتمر
٤٢ - (١٥٣٠) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى ابْنُ جُرَيْجٍ؛ أَنَّ أَبَا الْزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْع الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ مَكِيَلتُهَا، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ.
(...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رسُولُ اللهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: مِنَ التَّمْرِ فِى آخِرِ الْحَدِيثِ.
ــ
وقوله: " نهى عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر ". قال الإمام: [إنما نهى عن] (١) هذا لأنه قد يقع فى الربا، ولا فرق بين تحقق التفاضل أو تجويزه فى منع العقود، وهو أيضًا نوع من المزابنة، وسنتكلم على المزابنة فيما بعد إن شاء الله.
стр. 2760
(١٠) باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين
٤٣ - (١٥٣١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الْبَيِّعَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ".
(...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ
ــ
وقوله ﷺ : " البيعان كل واحد منهما على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار " فى غير حديث مالك بعد قوله: " ما لم يتفرقا ": " وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع "، قال القاضى: هذا حديث متفق على صحته والعمل به، لكن اختلف فى تأويله، فذهب الشافعى والثورى - فى أحد قوليه - والليث، وربيعة والأوزاعى وأهل الظاهر وسفيان بن عيينة وابن المبارك وهما أصحاب الحديث [وفقهاء أصحاب الحديث] (١) إلى الأخذ بظاهره، وإلى أن المراد منه الافتراق بالأبدان، وهو قول سعيد بن المسيب والزهرى وابن أبى ذئب من المدنيين وجماعة من الصحابة والتابعين، وأن المتبايعين إذا عقدا بينهما بالخيار ما داما فى مجلسهما. وترك العمل به مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف والثورى - فى رواية - وربيعة، وروى عن النخعى، قال بعضهم: ومعنى التفرق بالأقوال وإنما إذا عقد البيع بينهما ولم يكن لأحد منهما خيار، وقال طائفة من أصحابنا وغيرهم: إنه على ظاهره، لكن على الندب والترغيب لا على الوجوب، كما جاء فى الحديث الآخر: " من أقال نادمًا بيعته أقال الله عسرته " (٢)، وكان ذلك قبل التفرق أخف وبعده أصعب لاختلاف الأحوال بعد التفرق بالزيادة والنقصان واغتباط النفس به وألفها له. وهذا التأويل لا يساعده لفظ الحديث ويبعد منه.
стр. 2761
وَعَلَىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
ــ
واختلف القائلون بشرط الافتراق للأبدان، فأخذه مذهب الأوزاعى إلى أنه يتوارى أحدهما عن صاحبه. وقال الليث: هو أن يقوم أحدهما، وقال الباقون: هو افتراقهما عن مجلسيهما ومقامهما.
قال الإمام: اختلف الناس فى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فأخذ به الشافعى وجماعة غيره من الأئمة، ورأوا أن خيار المجلس ثابت فى البيع، ولم يأخذ مالك به، واعتذر أصحابه عن مخالفته إياه مع أنه رواه بنفسه بمعاذير، منها: أنهم قالوا: لعله حمل التفرق هاهنا على التفرق بالأقوال، فيكون معنى قوله: " المتبايعان " أى المتساومان مكانهما بالخيار، ما داما يتساومان حتى يفترقا بالإيجاب والقبول، فيجب البيع وإن لم يفترقا بالأبدان، قالوا: الافتراق بالأقوال تسميته غير مستنكرة، وقد قال تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ (١) يعنى المطلق، والطلاق لا يشترط فيه فرقة الأبدان. واستدلوا على هذا لما وقع فى الترمذى والنسائى وأبى داود من قوله: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله " (٢) ولو كان له الفسخ قبل التفرق جبرًا لم يحتج إلى أن يستقيله، ولا وجه لحمل الاستقالة على الفسخ؛ لأن ذلك بعيد عن مقتضاها فى اللسان، ولأنه - أيضاً - إذا قال أحدهما لصاحبه: اختر، فاختار، وجب البيع. ولا فرق بين [هذا] (٣) الالتزام الثانى والالتزام الأول؛ لأن المجلس لم يفترقا عنه، فإذا وجب بالقول الثانى وجب بالقول الأول.
واعتذر آخرون بان قالوا: العمل إذا خالف الحديث وجب الرجوع إلى العمل؛ لأن من تقدم لا يتهمون بمخالفة هذا الحديث الظاهر، إلا أنهم علموا الناسخ له فتركوه لأجله. وقال آخرون: لعل المراد به الاستحثاث على قبول استقالة أحد المتبايعين وإسعاده بالفسخ، وتكون الإقالة فى المجلس سنة بهذا الحديث، وبعد الافتراق من المجلس تفضلاً واستحبابًا. وهذه التأويلات عندى لا يصح الاعتماد عليها.
أما استعمال التفرق فى الأقوال، فلا شك أن استعماله فى الأبدان أظهر منه، والأخذ بالظاهر أولى، وأيضاً فإنه المتساومين لم يكن بينهما عقد ولا إيجاب فيعلم أنهما بالخيار، وإنما يعلم الخيار بعد الإيجاب بهذا الحديث.
стр. 2762
حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
ــ
وأما قول بعض أصحابنا إنه مخالفة للعمل فلا يعول عليه - أيضاً - لأن العمل إذا لم يرد به عمل الأمة بأثرها، أو عمل من يجب الرجوع إلى عمله، فلا حجة فيه؛ لأن قصارى ما فيه أن يقول عالم لآخر: اترك علمك لعلمى، وهذا لا يلزم قبوله إلا ممن تلزم طاعته فى ذلك، وكذلك حمل هذا على الندب بعيد، لأنه نص على إثبات الخيار فى المجلس من غير أن يذكر استقالة ولا علق ذلك بشرط.
وأمثل ما وقع لأصحابنا فى ذلك عندى: اعتمادهم على قوله: " ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله " فإن الاستقالة فيما قالوه أظهر منها فى الفسخ بالجبر الذى يقوله المخالف، وإنما يبقى النظر فى طريق هذه الزيادة وثبوتها، ثم يجمع بينها وبين ما تقدم ويبنى بعضها على بعض، أو يستعمل الترجيح إن تعذر البناء وجهلت التواريخ.
هذا هو الإنصاف والتحقيق فى هذه المسألة وقد يتعلق أصحابنا بحديث اختلاف المتبايعين أنهما حكم فيهما بالتحالف والتفاسخ، ولم يفرق بين المجلس وغيره، فلو كان لهما ما احتاجا إلى التحالف، ويحمل هذا عند المخالف على التحالف فى الثمن فى بيع وجب واستقر حتى لا يمكن فسخه، وحديثهم أخص من هذا، فيكون بيانًا له، مع أن الغرض فى حديث اختلاف المتبايعين تعليم حكم الاختلاف فى الثمن، والغرض فى البيعين بالخيار تعليم مواضع الخيار وأخذ الأحكام من المواضع المقصود فيها تعليمها أولى من أخذها، مما لم يقصد فيه ذلك.
قال القاضى: لا خفاء أن مقتضى قوله: " لا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله " ظاهره الوجوب على ما جاء فى بعض الروايات، لكن ترك معظم السلف وأهل المدينة ممن روى الحديث وبلغه العمل به من أقوى ما يتمسك به فى أنه غير واجب.
وهذا ابن عمر - وإن كان قد عمل به - قد خالف مقتضى هذه الزيادة مما ذكره عنه مسلم بعد هذا، ورجوعه القهقرى عند مبايعته لعثمان، مخافة أن يستقيله، ثم قال فى حديث ذلك: " وكانت السُنة يومئذ أن البيعين بالخيار ما لم يفترقا "، فدل أن السنة حين تحدث بهذا لم تكن كذلك، ولا كان يعمل بها، ولو كان الأمر واجبًا لأنكر هذا ابن عمر، وحملت أولاً على الوجوب لما تركت.
وقوله: " إلا بيع الخيار ": أصل فى جواز بيع الخيار المطلق والمقيد [ولا خلاف] (١) فيه على الجملة. واختلف هل يجوز إذا أطلق وإذا قيد؟ وهل البائع والمشترى سواء فى
стр. 2763
ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاك، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ.
ــ
اشتراطه؟ وهل له حد لا يتعداه أم لأحد له إلا ما [ضرياه] (١)؟ أم حده بمقدار ما تختبر فيه السلعة؟ فذهب مالك فى المشهور عنه إلى أنه لا حد له لا يتعدى، لكن يجوز أن يضرب لكل سلعة من الأجل مقدار ما تختبر فيه بالثوب اليوم واليومان، والعبد إلى الجمعة، وروى عن ذلك شهر، والدابة تركب اليوم وشبهه، والدار الشهر ونحوه. قال الداودى: وقيل: الشهران والثلاثة [وشبهه] (٢)، وحكى عنه الخطابى فى الضيعة (٣) السُّنةُ. قال بعض أصحابنا: وهذا معنى قول مالك فى الموطأ فى حديث " البيعين بالخيار ما لم يتفرقا " لهذا عندنا حد. معروف ولا أمر معمول به فيه (٤)، وإن هذا اللفظ راجع إلى قوله فى آخر الحديث: " إلا بيع الخيار " وهو أولى ما تأول على مالك لا سواه. قال [بعض] (٥) أصحابنا: وهذا إن كان خيارهما للاختبار، وإن كان خيارهما للشورى فهذان قول مالك فى الموطأ ما يشاورون فيه (٦). وعلى هذا المعنى يترتب عند أصحابنا مدة الخيار فى طولها وقصرها، وهذا يصح كله فى المشترى.
وأما خيار البائع فهو - أيضاً - مقدار ما يحتاج فيه الخيار فى أخذ الرأى والمشاورة، فإن ضرب فى الآجل أبعد ما تقدم بكثير فسخ البيع عند مالك، وأجاز الثورى اشتراط عشرة أيام فى الخيار للمشترى، ولا يجوز شرطه للبائع، فإن شرطه فسد البيع. وأجاز الأوزاعى اشتراط الخيار شهرًا وأكثر، وروى مثله لمالك، ونحوه قول ابن أبى ليلى والعنبرى والحسن بن صالح وأبى يوسف ومحمد بن الحسن وإسحاق وأبى ثور وفقهاء أصحاب الحديث وداود؛ أن الشرط لازم إلى الوقت الذى شرطاه.
وذهب أبو حنيفة والشافعى وزفر والأوزاعى - فى أحد قوليه - إلى أن الخيار لا يعدو
стр. 2764
٤٤ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيَّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ".
٤٥ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ زهُيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَمْلَى عَلِىَّ نَافِعٌ؛ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَايعَانِ بِالْبَيْعِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونُ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ، فَإِذَا كَانَ يَبْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ، فَقَدْ وَجَبَ ".
زَادَ ابْنُ عُمَرَ فِى رِوَايَتِهِ: قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلاً فَأَرَادَ أَلا يُقِيلَهُ، قَامَ فَمَشَى
ــ
ثلاثة أيام ولا تجوز الزيادة عليه، فإن زاد فسخ البيع، وحجتهم حديث منقذ بن حبان، وحديث المصراة، وفيه ذكر ثلاثة أيام (١) قال الشافعى: ولولا ما جاء فيه ما زاد ساعة (٢).
وكذلك اختلفوا إذا أطلق الخيار وتبايعا عليه ولم يسميا مدة، فعند مالك أن البيع جائز ويضرب للسلعة: مقدار ما تختبر فيه كما لو ضرباه وبيناه. وقال إسحاق وأحمد: يجوز البيع ويلتزم الشرط وله الخيار أبدًا حتى يرد أو يأخذ. قال ابن أبى ليلى والأوزاعى: البيع جائز والشرط باطل، ويسقط الخيار. وقال أبو حنيفة وصاحباه والثورى والشافعى: البيع فاسد، قال أبو حنيفة: إلا فى هذه الثلاث فيجوز، ولا يجوز بعد الثلاث، وقال صاحباه: يجوز متى أجازه، وقال الشافعى: لا يجوز وإن أجازه فى الثلاث. وقال الطبرى: البيع صحيح، والثمن حال ويوقف، فإما أجازه فى الحين أورده.
وقوله: " فإن خَيَّرَ أحدهما الآخَرَ فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وَجَبَ البيعُ ": كل من أوجب الخيار للمتبايعين يقول: إذا خيره فى المجلس فاختار، فقد وجب البيع وإن لم يفترقا، فالمقتضى هذا اللفظ لاستثناء النبى ﷺ بيع الخيار من تخير المتبايعين قبل الافتراق، وزيادته هذا البيان.
وقوله عن ابن عمر: " وكان إذا بايع رجلاً فأراد ألا يقبله مشى هنيهة ثم رجع إليه ":
стр. 2765
هُنَيَّةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ.
٤٦ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ - قَالَ يَحْيَى ابْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَار؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعُ الْخِيَارِ ".
ــ
أى مشى شيئًا يسيرًا ليقع الافتراق، وهذا يدل على أخذ ابن عمر بالحديث، وأن التفرق بالأبدان، وهو معنى قوله فى الحديث الآخر: " ما لم يتفرقا وكانا جميعًا " والهنيهة: الشىء القليل، تصغير هنية، وهى كلمة يعبر بها عن كل شىء، وأظهر تضعيف الهاء فيها عند التصغير.
(١٢) باب من يخدع فى البيع
٤٨ - (١٥٣٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ - قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِى الْبُيُوعِ. فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلاَبةَ ".
فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ.
(...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبِدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا
ــ
وقوله ﵇ للذى كان يُخْدَعُ فى البيوع: " إذا بايعت فقل لا خلابة "، وكان إذا بايع يقول: " لا خيابة ": كذا هى الكلمة الأخيرة بياء باثنتين من تحتها بدل اللام عند أكثر شيوخنا فى هذا الحديث فى مسلم وغيره، وهو الصحيح؛ لأنه كان أنفع، وعبر بعضهم: " لا خيانة " بالنون، وهو تصحيف، وفى بعض الروايات فى غير مسلم: وكان يقول: " لا خذاب " بالذال المعجمة.
قال الإمام: غبن المسترسل وهو المستسلم لبيعه ممنوع، وإذا وقع فله القيام ولا يلزمه الغبن، وإن لم يستسلم لبيعه وماكَسه، وكان بصيرًا بالقيمة عارفاً بها فلا قيام له؛ لأنه يكون حينئذ كالواهب لما غبن فيه. وإن كان غير بصير بالقيمة فهذا موضع اختلاف الأئمة، وقد تجاذبوا الاستدلال بالكتاب والسنة، واستدلوا أجمعون بقوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُم﴾ (١)، فقال من أثبت الخيار بالمغابنة: إن أمضاها عليه أكل المال بالباطل فقد نهت عنه هذه الآية، وقال: من أمضى البيع عليه فإن ذلك عن تراض، وقد استثنته هذه الآية. وكذلك - أيضاً - تجاذبوا هذا الحديث، فقال بعضهم: فإنه ﵇ أثبت له الخيار فى بعض طرق هذا الحديث. وذلك يدل على ما قلناه من إثبات الخيار للمغبون. وقال من أمضى عليه المغابنة: لو كان له ذلك مجرد الغبن ما افتقر إلى الشرط وهو قوله: " لا خلابة ".
ورجح من أثبت الخيار مذهبه بما قدمناه فى حديث النهى عن تلقى الركبان؛ لأنه -
стр. 2768
الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَيْسَ فِى حَدِيِثهِمَا: فَكَانَ: إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ.
ــ
﵇ أثبت للجالب الخيار إذا جاء إلى السوق، قالوا: وليس ذلك إلا للغبن، وقد تقدم كلامنا على هذا الحديث فى موضعه. وإذا قلنا بإثبات الخيار بالمغابنة، فإنها ذلك فيما خرج عن المعتاد منها، الذى لا يكاد تسلم منه البياعات. وقد حده بعض أصحابنا بالثلث؛ لأن أكثر البياعات لا تكاد تسلم من الغبن اليسير؛ ولهذا انتصب التجار، وعليه تقع أكثر البياعات. فكأن المغبون على ذلك دخل.
وقد قال بعض الناس: فى هذا الحديث دلالة على أن الكبير إذا سفه لا يحجر عليه. وقال بعضهم: وهذا لا تعلق لهم فيه؛ لأنه لا يجب الحجر على المغبون وانتزاع ماله من يده إذا كان ممسكًا له، ولكنه ينهى عن التجارة المؤدية لإضاعته.
وقوله: " كان الرجل إذا بايع يقول (١): لا خيابة ": أشار بعضهم إلى أنه كان ألثغ؛ فلهذا غير الكلمة.
قال القاضى: وهذا الرجل هو حبان بن منقذ بن عمرو الأنصارى، والد يحيى، وواسع بن حبان، شهد أحدًا، وقيل: بل هو منقذ أبوه، وكان قد أتى عليه مائة وثلاثون سنة، وكان شج فى رأسه فى بعض مغازيه مع النبى ﵇ على بعض الحصون بحجر مأمومة، تغير منها لسانه وعقله، وذكر الدارقطنى: أنه كان ضرير البصر، وروى أن النبى ﵇ جعل له هذه الثلاث، وكان أكثر مبايعته بالدقيق شهر فيها وتبين غبنه. وقد روى - أيضًا - أن النبى ﵇ جعل له مع هذا خيار ثلاثة أيام فيما اشتراه، أو فى كل سلعة ابتعاها.
وقد اختلف الناس فى معنى هذا الحديث، فبعضهم جعله خاصًا لهذا الرجل وغيره، وأن المغابنة بين الناس ماضية وإن كثرت وهو قول مالك والشافعى وأبى حنيفة، وقيل: للمغبون الخيار لهذا الحديث إذا كثرت، وإليه ذهب البغداديون من المالكيين وحددوها بالثلاث، وصار الحديث عامًا متعديًّا.
وقد اختلف الأصوليون فى قضايا الغبن، هل تعدى أم تقصر إلا بدليل؟ وقد اختلف المذهب عندنا فيمن يخدع فى البيوع، هل يضرب على يديه أم لا؟ وقال بعضهم: فيه حجة على إمضاء بيع من لا يحسن النظر لنفسه وشرائه ما لم يحجر عليه، وفى مذهبنا فى ذلك وغيره اختلاف معلوم.
وقوله: " ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع فى البيوع "، وفى حديث آخر: " شكا "
стр. 2769
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يدل أنه ممن لم يبعد ميزه ولا النظر لنفسه بالكلية، ولعله إنما كان يعتريه هذا ويلبس عليه، وأنه تبين له ذلك إذا ثبت فيه، أما الذى يضرب على يديه ممن لا يتهم ذلك من نفسه أو من لا يعد المال شيئًا ولا يرجع عن شهوته.
стр. 2770
(١٣) باب النهى عن بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها بغير شرط القطع
٤٩ - (١٥٣٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُو صَلاَحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ.
(...) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
٥٠ - (١٥٣٥) وحدّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بيع النَّخْلِ حَتَّى
ــ
وقوله: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر حتى يطيب "، وفى حديث آخر: " حتى يبدو صلاحه "، وفى بعض طرقه: " عن بيع النخل حتى يزهو " كذا رويناه هنا: " وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة "، وفى رواية أخرى: " وتذهب عنه الآفة " - وهما بمعنى - وفى حديث آخر: " حتى يأكل منه أو يؤكل وحتى يوزن "، وفسر فى الحديث معنى " يزن " أى يخرج، قال الإمام: قال ابن الأعرابى: يقال: زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وأزها: إذا احمر أو اصفر. قال غيره: يزهو خطأ فى النخل، إنما هو يُزْهِى.
قال القاضى: قال الأصمعى: لا يقال فى النخل: أزهى، وإنما يقال: زها، وحكاه أبو زيد معًا. وقال الخليل: أزها الثمر: بدا صلاحه. قال غيره: هو ما احمر واصفر، وهو الزّهو والزُهو معًا.
قال الإمام: بيع الثمر قبل الزهو على التبقية ممنوع، وعلى القطع جائز، وفيه خلاف إذا وقع على الإطلاق، فحمل بعض شيوخنا على المدونة الجواز، وحمل عبد الوهاب على المذهب المنع، وذكر أن الإجازة هى مذهب المخالف، واحتج للمنع بإطلاق النهى، وهو قوله: " لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه "، ولم يفرق. فخص شرط الجد بالاتفاق على جوازه، وبقى الباقى على عمومه، وتعلق من أجاز بأنه علل المنع بما وقع فى بعض الأحاديث من قوله: " أرأيت إن منع الله الثمرة، فيما يأخذ أحدكم مال أخيه؟ " (١) وإذا