(١٢) باب من يخدع فى البيع
٤٨ - (١٥٣٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ - قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِى الْبُيُوعِ. فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلاَبةَ ".
فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ.
(...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبِدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا
ــ
وقوله ﵇ للذى كان يُخْدَعُ فى البيوع: " إذا بايعت فقل لا خلابة "، وكان إذا بايع يقول: " لا خيابة ": كذا هى الكلمة الأخيرة بياء باثنتين من تحتها بدل اللام عند أكثر شيوخنا فى هذا الحديث فى مسلم وغيره، وهو الصحيح؛ لأنه كان أنفع، وعبر بعضهم: " لا خيانة " بالنون، وهو تصحيف، وفى بعض الروايات فى غير مسلم: وكان يقول: " لا خذاب " بالذال المعجمة.
قال الإمام: غبن المسترسل وهو المستسلم لبيعه ممنوع، وإذا وقع فله القيام ولا يلزمه الغبن، وإن لم يستسلم لبيعه وماكَسه، وكان بصيرًا بالقيمة عارفاً بها فلا قيام له؛ لأنه يكون حينئذ كالواهب لما غبن فيه. وإن كان غير بصير بالقيمة فهذا موضع اختلاف الأئمة، وقد تجاذبوا الاستدلال بالكتاب والسنة، واستدلوا أجمعون بقوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُم﴾ (١)، فقال من أثبت الخيار بالمغابنة: إن أمضاها عليه أكل المال بالباطل فقد نهت عنه هذه الآية، وقال: من أمضى البيع عليه فإن ذلك عن تراض، وقد استثنته هذه الآية. وكذلك - أيضاً - تجاذبوا هذا الحديث، فقال بعضهم: فإنه ﵇ أثبت له الخيار فى بعض طرق هذا الحديث. وذلك يدل على ما قلناه من إثبات الخيار للمغبون. وقال من أمضى عليه المغابنة: لو كان له ذلك مجرد الغبن ما افتقر إلى الشرط وهو قوله: " لا خلابة ".
ورجح من أثبت الخيار مذهبه بما قدمناه فى حديث النهى عن تلقى الركبان؛ لأنه -
стр. 2768
الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَيْسَ فِى حَدِيِثهِمَا: فَكَانَ: إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ.
ــ
﵇ أثبت للجالب الخيار إذا جاء إلى السوق، قالوا: وليس ذلك إلا للغبن، وقد تقدم كلامنا على هذا الحديث فى موضعه. وإذا قلنا بإثبات الخيار بالمغابنة، فإنها ذلك فيما خرج عن المعتاد منها، الذى لا يكاد تسلم منه البياعات. وقد حده بعض أصحابنا بالثلث؛ لأن أكثر البياعات لا تكاد تسلم من الغبن اليسير؛ ولهذا انتصب التجار، وعليه تقع أكثر البياعات. فكأن المغبون على ذلك دخل.
وقد قال بعض الناس: فى هذا الحديث دلالة على أن الكبير إذا سفه لا يحجر عليه. وقال بعضهم: وهذا لا تعلق لهم فيه؛ لأنه لا يجب الحجر على المغبون وانتزاع ماله من يده إذا كان ممسكًا له، ولكنه ينهى عن التجارة المؤدية لإضاعته.
وقوله: " كان الرجل إذا بايع يقول (١): لا خيابة ": أشار بعضهم إلى أنه كان ألثغ؛ فلهذا غير الكلمة.
قال القاضى: وهذا الرجل هو حبان بن منقذ بن عمرو الأنصارى، والد يحيى، وواسع بن حبان، شهد أحدًا، وقيل: بل هو منقذ أبوه، وكان قد أتى عليه مائة وثلاثون سنة، وكان شج فى رأسه فى بعض مغازيه مع النبى ﵇ على بعض الحصون بحجر مأمومة، تغير منها لسانه وعقله، وذكر الدارقطنى: أنه كان ضرير البصر، وروى أن النبى ﵇ جعل له هذه الثلاث، وكان أكثر مبايعته بالدقيق شهر فيها وتبين غبنه. وقد روى - أيضًا - أن النبى ﵇ جعل له مع هذا خيار ثلاثة أيام فيما اشتراه، أو فى كل سلعة ابتعاها.
وقد اختلف الناس فى معنى هذا الحديث، فبعضهم جعله خاصًا لهذا الرجل وغيره، وأن المغابنة بين الناس ماضية وإن كثرت وهو قول مالك والشافعى وأبى حنيفة، وقيل: للمغبون الخيار لهذا الحديث إذا كثرت، وإليه ذهب البغداديون من المالكيين وحددوها بالثلاث، وصار الحديث عامًا متعديًّا.
وقد اختلف الأصوليون فى قضايا الغبن، هل تعدى أم تقصر إلا بدليل؟ وقد اختلف المذهب عندنا فيمن يخدع فى البيوع، هل يضرب على يديه أم لا؟ وقال بعضهم: فيه حجة على إمضاء بيع من لا يحسن النظر لنفسه وشرائه ما لم يحجر عليه، وفى مذهبنا فى ذلك وغيره اختلاف معلوم.
وقوله: " ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع فى البيوع "، وفى حديث آخر: " شكا "
стр. 2769
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يدل أنه ممن لم يبعد ميزه ولا النظر لنفسه بالكلية، ولعله إنما كان يعتريه هذا ويلبس عليه، وأنه تبين له ذلك إذا ثبت فيه، أما الذى يضرب على يديه ممن لا يتهم ذلك من نفسه أو من لا يعد المال شيئًا ولا يرجع عن شهوته.
стр. 2770
(١٣) باب النهى عن بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها بغير شرط القطع
٤٩ - (١٥٣٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُو صَلاَحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ.
(...) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
٥٠ - (١٥٣٥) وحدّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بيع النَّخْلِ حَتَّى
ــ
وقوله: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر حتى يطيب "، وفى حديث آخر: " حتى يبدو صلاحه "، وفى بعض طرقه: " عن بيع النخل حتى يزهو " كذا رويناه هنا: " وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة "، وفى رواية أخرى: " وتذهب عنه الآفة " - وهما بمعنى - وفى حديث آخر: " حتى يأكل منه أو يؤكل وحتى يوزن "، وفسر فى الحديث معنى " يزن " أى يخرج، قال الإمام: قال ابن الأعرابى: يقال: زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وأزها: إذا احمر أو اصفر. قال غيره: يزهو خطأ فى النخل، إنما هو يُزْهِى.
قال القاضى: قال الأصمعى: لا يقال فى النخل: أزهى، وإنما يقال: زها، وحكاه أبو زيد معًا. وقال الخليل: أزها الثمر: بدا صلاحه. قال غيره: هو ما احمر واصفر، وهو الزّهو والزُهو معًا.
قال الإمام: بيع الثمر قبل الزهو على التبقية ممنوع، وعلى القطع جائز، وفيه خلاف إذا وقع على الإطلاق، فحمل بعض شيوخنا على المدونة الجواز، وحمل عبد الوهاب على المذهب المنع، وذكر أن الإجازة هى مذهب المخالف، واحتج للمنع بإطلاق النهى، وهو قوله: " لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه "، ولم يفرق. فخص شرط الجد بالاتفاق على جوازه، وبقى الباقى على عمومه، وتعلق من أجاز بأنه علل المنع بما وقع فى بعض الأحاديث من قوله: " أرأيت إن منع الله الثمرة، فيما يأخذ أحدكم مال أخيه؟ " (١) وإذا
стр. 2771
يَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأمَنَ العَاهَةَ. نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِىَ.
ــ
جدها فى البيع على الإطلاق آمن من هذا الذى علل به ﷺ النهى، فوجب الجواز. وسبب الاختلاف من جهة المعنى: أن الأصلين المتقدمين قد اتفقنا فى أحدهما على المنع وفى الآخر على الجواز، فيجب أن يعتبر هذا الفرع المختلف فيه بأى الأصلين يلحق؟ فالأصح عند شيخنا ﵀ إلحاقه بأصل الجواز؛ لأن الإطلاق فى البيع لا يقتضى التبقية؛ لأنها انتفاع بملك آخر لم يشترط ولم يقع البيع عليه، فللبائع أن يمنع من بقائها فى نخله إذا لم يشترط ذلك عليه، ولا هو من مقتضى الإطلاق. [فإن] (١) كان مقتضى الإطلاق القطع - على ما بينا - كان الجواز أولى، وكمن باع صبرة طعام فى داره، فأراد المشترى أن يبقيها فى دار البائع شهرًا، فليس ذلك له باتفاق؛ لأنه ليس من مقتضى الإطلاق، وكذلك مسألتنا، وكان من منع يرى أن العوائد فى الثمار بقاؤها إلى الطياب، فصار ذلك كالمشروط، ولو اشترى صبرة طعام بالليل بحيث يتعذر نقلها قبل الصباح، لم يلزم المبتاع إخراجها من دار البائع فى الوقت الذى لا يمكن الإخراج فيه؛ لأجل أنه كالمستثنى بقاؤها الزمن المعتاد. وإذا كان محمل البيع على التبقية عند هؤلاء وجب المنع بلا شك.
وأما إذا بيعت الثمرة بعد الزهو مطلقًا فعندنا تجب التبقية، وعند أبى حنيفة يجب القطع، وكذلك إذا بيعت بعد الزهو [بشرط التبقية] (٢) فيجوز عندنا، ويمنع عند أبى حنيفة، وكان عنده النماء الحادث بزيادة لم توجد ولم تتحصل، فلا يصح العقد عليها وقد يعارض فى هذا الموضع بأن يقال: إن مذهبكم أنها بعد الزهو على التبقية، وليس ذلك من مقتضى الإطلاق عندكم كما قلتموه فى مسألة بيعها قبل الزهو على الإطلاق. قلنا: كان مالكًا وأصحابه رأوا العادة مطردة فى مشتريها بعد الزهو؛ أنه لا يشتريها إلا للتبقية وحتى تصير إلى حال يمكن ادخارها فيها، فيحمل الإطلاق على المعتاد فى ذلك، ويؤكد جواز اشتراط التبقية بعد الزهو.
قوله: " نهى عن بيع الثمر حتى يزهو ": فجعل غاية النهى الزهو، وإذا وقع الزهو وقعت الإجازة على الإطلاق وبخلاف ما قبل الزهو؛ لأنه نهى عن ذلك - أيضاً - مطلقًا، ولم تجر فى ذلك عادة واضحة فوقع فيه الاضطراب لذلك.
قال القاضى: وقوله: " وعن السنبل حتى يبيض ": دليل على جواز بيعه إذا ابيض فى سنبله واشتد، جاز بيعه قبل حصاده، وهو قول مالك والكوفيين وأكثر العلماء وقال به
стр. 2772
٥١ - (١٥٣٤) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ، وَتَذْهَبَ عَنْهُ الآفَةُ ".
قَالَ: يَبْدُوَ صَلاَحُهُ، حُمْرَتُهُ وَصُفْرَتهُ.
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ، لَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
(...) حدّثنا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
(...) حدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ وَعُبَيْدِ اللهِ.
٥٢ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ويَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ - قَالَ يَحْيَى ابْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوْ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . " لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ شُعْبَةَ: فَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: مَا صَلاَحُهُ؟ قَالَ: تَذْهَبُ عَاهَتُهُ.
ــ
الشافعى مرة، وقال - أيضًا -: لا يجوز حتى يحصد ويدرس ويصفى من تبنه وهو أول قوليه، ولا خلاف لا يجوز إذا اختلط فيه الأندر للدراسى، أو كدس بعضه على بعض قبل تصفيته.
واختلف عندنا إن كان حزمًا أو قفصًا يأخذها الحزر والتحرى، ولا تخفى فى تعيينها على قولين. ولم يختلف عندنا فى جواز بيعه قائمًا فى سنبله فى فداء دينه بعد طيبه ويبسه، وتفريقه ﵇ بين الزرع فى هذا والثمار، فأجاز بيع الثمار بأول طيبها، ولم يجزه فى الزرع حتى يتم طيبه؛ لأن الثمار تؤكل غالبًا، وتستعمل من أول طيبها، وهذا معنى قوله فى رواية: " وتؤكل منه "، والزرع إنما يؤكل ويستعمل غالبًا بعد يبسه وتمامه.
واختلف العلماء فى معنى نهيه ﵇ عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها،
стр. 2773
٥٣ - (١٥٣٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنِ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى - أَوْ نَهَانَا - رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ.
٥٤ - (...) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِىُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ ابْنُ حَاتِمٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ. قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ.
٥٥ - (١٥٣٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِى البَخْتَرِىِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ؟ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ أَوْ يُؤْكَلَ، وَحَتَّى يُوزَنَ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا يُوزَنُ؟ فَقَالَ رَجُل عِنْدَهُ: حَتَّى يحْزَرَ.
٥٦ - (١٥٣٨) حدّثنى أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ أَبِى نُعْمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَارَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا ".
٥٧ - (١٥٣٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - واللَّفْظُ لَهُمَا - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُو صَلاحُهُ، وَعَنْ بَيْع الثَّمَرِ بِالتَّمرِ.
ــ
فذهب أبو حنيفة أن ذلك على الندب لا على الوجوب، وأمضى بيعها إذا ظهرت وإن لم يبد صلاحها، سواء وبرت أو لم توبر، اشترط جذها أو لم يشترطه، وعلى المشترى جذها وقطعها ما لم يشترط تبقيتها إلى الجذاذ، فيفسد به البيع، وهذا كأحد القولين عندنا. وقال جمهور العلماء بفساد البيع إلا أن يشترط الجذ وهو أظهر القولين عندنا، وروى عن الثورى وابن أبى ليلى أنه لا يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها جملة، شرط
стр. 2774
(١٥٣٩) قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِى بَيْعِ الْعَرَايَا. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِى رِوَايَتِهِ. أَنْ تُبَاعَ.
٥٨ - (١٥٣٨) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ - وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ - قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ ".
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلَهُ، سَوَاءً.
ــ
جذها أو لم يشترطه، وقول الجماعة أصح عنهما، وأما إذا بدا صلاحها فجائز عند جميعهم شرط نهايتها، ويلزم الشرط إلا عند أبى حنيفة وأبى يوسف، فيفسد عندهم البيع بهذا الشرط، وعند مالك: أنه يلزم البائع تبقيتها إلى الجذاذ وإن لم يشترط البقاء. وقال ابن حبيب هى على الجذ حتى يشترط البقاء.
стр. 2775
(١٤) باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا فى العرايا
٥٩ - (١٥٣٩) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ. وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْحِ، وَاسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِالْقَمْحِ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ ".
وَقَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ رَخَّصَ بَعْدَ
ــ
وقوله: " ونهى عن المزابنة والمحاقلة ". والمزابنة: أن يباع ثمر النخل بالتمر. والمحاقلة: أن يباع الزرع بالقمح واستكراء الأرض بالقمح، وفى الحديث الآخر: " نهى عن بيع الثمر بالتمر "، وقال: " ذلك الربا " فلغى المزابنة، وفى الحديث الآخر مكان " الربا ": " الزبن " وهو من معنى المزابنة. والخرص بالفتح اسم الفعل، وبكسر الخاء اسم الشىء المخروص، كالذَّبح والذِّبح.
وقوله: " حتى يأمن العاهة " (١) هى الآفة تصيب الثمار والزرع فتفسده. قال الخليل: العاهة: البلية تصيب الزرع والناس، قال غيره: هى الآفة تصيب المال.
قال الإمام: ذكر هاهنا النهى عن المزابنة، وفسرها بتفاسير مختلفة يجمعها عندنا أصل واحد، وإن كان بعضها أوسع من بعض وأبسط، وقال فى طريق: " إنها بيع ثمر النخل بالتمر "، وزاد فى طريق آخر: " الكرم بالزبيب كيلاً "، وفى طريق آخر: " بيع الزرع بالحنطة كيلاً "، وقال فى بعض طرقه: " عن كل ثمر بخرصه ".
وعقد المذهب فى المزابنة عندنا أنها بيع معلوم بمجهول من جنس واحد، أو بيع مجهول بمجهول من جنس واحد أيضاً، فإن كان الجنس مما فيه الربا دخله وجهان من التحريم: الربا والمزابنة.
أما دخول الربا فيه، فلجواز أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، ولا فرق بين تجويز ذلك أو تيقنه فى المنع.
стр. 2776
ذَلِكَ فِى بَيْع الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِى غَيْرِ ذَلِكَ.
٦٠ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
ــ
وأما دخول المزابنة فيه، فلأن أصل الزبن فى اللغة الدفع، ومنه قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (١) يعنى ملائكة النار؛ لأنهم يدفعون الكفرة فيها للعذاب، ومنه قيل للحرب: ذبون؛ لأنها تدفع بنيها للموت، ومنه قول معاوية: ربما زبنت، يعنى الناقة فكسرت أنف حالبها، يقال للناقة إذا كانت عادتها أن تدفع حالبها عن حلبها: زبون، فكان كل واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه، أو إذا وقف أحدهما على ما يكره تدافعا، فحرص على فسخ البيع، وحرص الآخر على إمضائه، وهذا شبيه بتسميته ما يؤخذ عن العيب أرشاً، لما فيه من التنازع والخصومة، يقال: أرشت بين القوم تأريشًا: إذا أفسدت. وألقيت بينهم الشر، والأرش مأخوذ من التأريش، وإذا ثبت أن هذا أصله، وإذا كانت الأشياء متجانسة انصرفت الأغراض إلى القلة والكثرة، فيقول كل واحد: لعل ما آخذه أكثر فأغبن صاحبى، وهذا لا يرتفع حتى يكونا جميعًا معلومين، وأما إن كانا مجهولين أو أحدهما فهذا التدافع حاصل، فمنع لذلك وإن لم يكن ما وقع عليه التبايع فيه الربا. وقوله فى بعض الطرق: " وعن كل تمر بخرصه " يؤكد ما قلنا فى تفسيرها، لكن إذا تباين الفضل أنه فى أحد الجانبين جاز ذلك فيما يجوز فيه التفاضل ويقدر المغبون واهباً للفضل لظهوره له، وإذا كانت الأشياء مختلفة ولا مانع يمنع من العقد عليها لم يدخلها التزابن؛ لصحة انصراف الأغراض؛ لاختلاف المعانى فى الأعواض.
قال القاضى: ما فسر به المزابنة فى الحديث هو أحد أنواعها كما ذكر، ونبه بذلك على غيره، كما فسره مالك فى الموطأ من قوله فى المزابنة: إن كل شىء من الجزاف الذى لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده لا يباع بشىء من المكيل أو الموزون أو المعدود، إلى آخر ما ذكره فى الموطأ (٢) من أنواع المخاطرة فى تقرير المبيع من المطعوم وغيره، وقد عقد فيه قبل ما يكفى. قال ابن حبيب: الزبن والمحاقلة الخطر، وقيل: هو من الزبن وهو الدفع، كأنه دفع عن البيع الشرعى وعن معرفة التساوى. ومعنى قوله: " بيع الزرع بالحنطة كيلاً "، وكذلك قال فى العنب والزبيب والثمر والتمر والظاهر أن الكيل إنما هو فى أحدهما، وهو الذى يتأتى منه الكيل مما يبس ويقع المخاطر فى الآخر، ولذلك نهى عنه؛ إذ لا يدرى مقدار ما يدفع منه، ألا تراه كيف قال فى الحديث: " إن زاد فلى، وإن
стр. 2777
عَنْ زَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرَّيةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخِرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ.
٦١ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
ــ
نقص فعلىَّ "؛ ولهذا قلنا فى غير الطعام الذى لا يجوز فيه التفاضل: لو حقق أن ما وقع إليه أكثر أو أقل لجاز، وقد ارتفع.
وأجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل حصده بالطعام، ولا بيع العنب والنخل قبل جذه بالتمر أو الزبيب. واختلفوا فى بيع رطب ذلك تبايعه مجذوذ، فحمله بعضهم على منعه، لا يجوز متفاضلاً ولا متماثلاً. وأجازه أبو حنيفة متماثلاً، وخالفه صاحباه، ومنعه أصحابنا فى كل رطب ويابس من الثمار، وأجاز بعضهم ذلك فيما يجوز فيه التفاضل إذا تبين الفرق، وهو الصحيح وعليه حمل مجمل قول الآخرين.
قال الإمام: وأما قوله: " والمحاقلة أن يباع الزرع بالقمح واستكراء الأرض بالقمح " هذا الذى وقع فى التفسير فى هذا الحديث، وبعض أهل اللغة يقول: الحقل اسم للزرع الأخضر، والحقل اسم للأرض نفسها التى تزرع فيها. وفى الحديث: " فما تصنعون بمحاقلكم " (١) أى بمزارعكم، يقال للرجل: أحقل، أى أزرع. وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن تغلظ سوقه. فإن كانت المحاقلة مأخوذة من هذا فهو من بيع الزرع قبل إدراكه. قال: والحقلة: المزرعة، ويقال: لا تنبت البقلة إلا الحقلة. وقال أبو عبيد: هو بيع الطعام وهو فى سنبله بالبر مأخوذ من الحقل، وهو الذى يسميه الناس بالعِرَاق: القراح. وقال قوم: هى المزارعة بالجزء مما تنبت الأرض.
قال الإمام: الذى وقع فى الحديث من التفسير يجمع هذا كله؛ لأنَّا إِنْ قلنا: إن ذلك تسميته للزرع الأخضر فكأنه نهى عن بيعه بالبر؛ إذ بيعه بالعروض والعين يجوز إذا كان معلوماً، وكان المحاقلة تدل على ذلك لأنها مفاعلة؛ ولذلك قال أبو عبيد فى تفسيرها: إنها بيع الطعام فى سنبله بالبر، وظن الآخرون أنها بيعه قبل زهوه، فكأنه قال: نهى عن بيع الزرع الأخضر، وهذا يطابق قوله: " نُهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض "، فهذه طريقة من صرف التسمية إلى الزرع الأخضر.
ووقع الاختلاف بينهم هل المراد بيعه وهو أخضر قبل زهوه، أم المراد بيعه فى سنبله بقمح آخر لا يعلم حصول التماثل بينهما؟ والوجهان ممنوعان إذا بيع فى الوجه الأول على التبقية، وطريقة من صرفه إلى الأرض نفسها اختلف - أيضاً - هل المراد اكتراؤها بالحنطة
стр. 2778
أَخْبَرَنِى نَافِعٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِى الْعَرِيَّةِ يَأخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا.
(...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى نَافِعٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
ــ
أم اكتراؤها بالجزء مما تنبت؟ والوجهان - أيضاً - ممنوعان عندنا، وخالفنا فى جواز ذلك غيرنا من العلماء. وسنتكلم عليه فيما بعد إن شاء الله.
قال القاضى: اختلف العلماء فى اكتراء الأرض بالحنطة والطعام، وبما تنبته الأرض، وبالجزء مما يخرج منها. وسيأتى الكلام على هذا مستوعبًا فى بابه إن شاء الله تعالى. وقوله: " ورخص فى بيع العرية بالرطب أو بالتمر " وفى الرواية الأخرى: " رخص فى العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا، يأكلونها رطبًا "، وفى رواية أخرى: " رخص فى العرية يأخذها أهل البيت "، وفى الرواية الأخرى: " والعرية النخلة، تجعل للقوم فيبيعونها بخرصها تمرًا "، وفى الرواية الأخرى: " أن تؤخذ بخرصها "، وفى حديث مالك: " فيما دون خمسة أوسق، أو فى خمسة أوسق "، قال الإمام: اختلف الناس فى حقيقتها، فمذهبنا أنها هبة الثمر ثم اشتراؤه بتمر إلى الجذاذ يفعل ذلك للرفق بمعراها، وحمل المؤنة عنه ويفعل ذلك لنفى تجشم بدخوله وخروجه للحائط. وعند الشافعى أنها النخلة، يبيع صاحبها رطبها بتمر إلى الجذاذ على ما وقع من تفسير يحيى هاهنا فى كتاب مسلم.
وفى بعض الروايات: أنهم شكوا للنبى ﷺ أنهم لا ثمر عندهم، وعندهم فضول أقواتهم من التمر فأرخص لهم أن يشتروا بذلك الرطب لحاجتهم إليه، وعند أبى حنيفة أنها إعطاء التمر هبة كما قال مالك، ولكنه يرى أن للواهب أن يرجع فى هبته قبل القبض، ولا يلزمه إياها، وبأنها باقية على ملكه، فاسترجع ملكه وأعطى للموهوب المرتجع منه تمرًا تفضلاً منه وهبة أخرى. وهذا الذى قاله ساقط من وجوه؛ لأن ذلك لا تحريم فيه على أهله فيعبر عنه بالرخصة.
فإن قيل: إنما عبر عن ذلك لارتجاعه هبته قلنا: الهبة عندكم لا تلزم، والإنسان ليس بممنوع أن يرجع فيما لا يلزم على أن الترخيص بعد ذكر المزابنة، وتفسيرها بأنها: بيع الثمر بالتمر، يشعر بأن فيها معنى من هذا الممنوع وعلى أصلهم لا معنى فيها من هذا الممنوع. وقد وقع فى بعض الطرق: " رخص فى بيع العرايا " فسمى ذلك بيعًا، وعلى أصلهم ليس هناك بيع، إذ لا يبيع الإنسان ملكه بملكه، وأيضاً فإنه حدد الرخصة بخمسة
стр. 2779
٦٢ - (...) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَالْعَرِيَّةُ النَّخْلَةُ تُجْعَلُ للِقَوْمِ فَيَبِيعُونَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا.
٦٣ - (...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ بْنِ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِى بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخِرْصِهَا تَمْرًا.
قَالَ يَحْيَى: الْعَرِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِىَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخَلاَتِ لِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا. بِخَرْصِهَا تَمْرًا.
ــ
أوسق أو دونها. ولا معنى للتحديد على أصله؛ لأن للإنسان عندهم أن يرتجع الهبة قلّت أو كثرت.
وقد اختلف أهل اللغة فى هذه التسمية، فقال بعضهم: ذلك مأخوذ من عروت الرجل: إذا أتيته تسأل معروفه، فأعراه نخله على هذا: أعطاه ثمرها، فهو يعروها، أى يأتيها ليأكل ثمرها (١). وهم يقولون: سألنى فأسألته، وطلبنى فأطلبته، فعلى هذه الطريقة هى التى فسرها بها بعض أهل العلم، وهى التى صوب أبو عبيد فى التفسير وهو من أئمة اللغة، يتضح ما قاله مالك؛ لأن ما قاله الشافعى وأجازه ليس فيه هبة، ولا عطية.
وقد قال بعض أهل اللغة: إنها مأخوذة من كون المعرى قد أخلى ملكه عنها، وأعراها عن ملكه. وعلى هذا يصح صرف العرية إلى إخلائه ملكه من الثمر، أو من بعض الشجر. ويكون لما قاله الشافعى على طريقة هؤلاء فى الاشتقاق وجه. ويؤكد الشافعى - أيضاً - ما قاله بما ذكرناه من التفسير الذى حكاه مسلم فى كتابه.
وأما ما ذكرنا أنه وقع فى بعض الطرق هاهنا: أنه أرخص بعد ذلك فى بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص فى غير ذلك، فهذا مخالف فى ظاهره لما أصلناه؛ لأنه لا يجوز بيعها بالرطب، وإنما هى رخصة فلا تجوز إلا على ما وردت به، وجل الأحاديث لم يذكر فيها إلا شراؤها بالتمر وهذا ينفى الذى وقع هاهنا بالرطب، أو بالتمر، لو تركنا، ومقتضى اللسان لاحتمل أن يكون شكًّا من الراوى هل قال النبى ﷺ بالرطب أم قال بالتمر؟ وشك الراوى يمنع من التعلق به فى الرطب.
وقد وقع فى غير كتاب مسلم: عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه؛ أنه ﷺ رخص فى بيع العرايا بالتمر والرطب (٢). بخلاف ما رواه مسلم عن سالم بن عبد الله عن
стр. 2780
٦٤ - (...) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِى الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً.
٦٥ - (...) وحدّثناه ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: أَنْ تُؤْخَذَ بِخَرْصِهَا.
ــ
زيد بحرف " أو "، وقد قال بعض أصحابنا: فى حديث خارجة هو حديث انفرد به راويه، وجاء بخلاف سائر الأحاديث وذلك يقدح فيه، وأشار بعض أصحابنا إلى حمله على الوجه الجائز المطلق لسائر الأحاديث، وأن المراد بهذا اللفظ شراء الرطب ليؤكل بالتمر، ويكون المعنى على قولهم: أنه قصد إلى ذكر الجنسين المتبايع بهما على الجملة، وكان العرايا وقع فيها التبايع بالرطب والتمر أحدهما بالآخر، ولكن الصفة التى يقع ذلك عليها يوجد بيانها من الأحاديث الأخر.
قال القاضى: العرية مشددة الياء، وليست من العارية. واختلف فى اشتقاقها، فقيل: إنه من الطلب كما ذكر، فيكون هنا عرية فعيلة بمعنى مفعولة، أى عطية، وتكون - أيضًا - على هذا المعنى مأتية ومطروقة؛ لأن الذى أعطيها يختلف إليها من عرو فى الرجل إذا ألممت به، وقيل: لأنها أعريت من السوم عند البيع للتمر، فتكون فى كل هذا اسمًا للثمرة، وقد تكون بمعنى أن النخل عريت [عن الثمر بهذه الهبة، وقيل: لأن مالكها أخلى ملكه منها، فعلى هذين القولين الأخيرين يصح ما فسرها به الشافعى من النخلة، وهى على هذا لاشتقاق فعيلة بمعى فاعلة] (١)، وقيل: لأنها عريت من جملة التحريم وعلة المزابنة، وقيل: هى النخلة للرجل فى نخل الغير، فيتأذى به صاحب النخل، فرخص له فى شرائها منه بخرصها ومضى مذهب الانفراد، يقال: أعريت هذه النخلة: إذا أفردتها بالبيع، أو بالهبة، وقيل: هو شراء من لا نخل له ثمر النخلة من صاحب النخل لها كلها هو وعياله رطبًا. وعليه يدل ظاهر تفسيرها فى حديث زيد: " النخلة يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا " على ما ذهب إليه المخالف. وهذا يأتى على معنى إفرادها من البيع المتقدم. وقيل: مرادها التمرة إذا أرطبت سميت بذلك؛ لأن الناس يعرونها أى يأتونها لالتقاط ثمرها، ولا فرق فى المعنى، واسمها عطية أو هبة، أو منحة، أو عرية.
стр. 2781
٦٦ - (...) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنِيهِ عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِى بَيْعِ العَرَايَا بِخِرْصِهَا.
ــ
وأما فى الحكم المرخص فيه فيها فلم يحكم لها جل أصحابنا به إلا إن منحها بلفظ العرية، وعرفها خصوصاً لا بغيرها من الأسماء. وابن حبيب منهم لا يراعى الاسم ويجرى الحكم فيما منح بهذه الألفاظ.
قال القاضى: ومعنى قوله: " بخرصها ": قال مالك: إنما صاع العرايا بخرصها من التمر بتمر ذلك، ويخرص فى رؤوس النخل، وليست له مكيلة، وإنما رخص فيه لأنه أنزل بمنزلة التولية، والإقالة والشركة، وقد ذهب أحمد بن حنبل فى تأويل العرايا إلى ما ذهب إليه مالك (١)، إِلا أنه خالفه فى جواز بيعها من ربها وغيره. وهو قول الأوزاعى لظاهر إطلاق الحديث، وعموم بيعها، ومشهور مذهب مالك قصر جواز بيعها من ربها لخرصها تمرًا إلى الجذاذ، وذلك بعد صلاح العرية، وروى عنه: لا يجوز بخرصها ويجوز بغيره، وروى عنه: أنها تجوز بخرصها، وبغيره وبالعروض، وبالطعام يريد على الجذ، وروى عنه: أنه لا يجوز شراؤها إلا بخرصها، ولا يجوز بيعه من دنانير أو دراهم أو غير ذلك؛ لأنه من باب العود فى الهبة وبالخرص رخصة لا تتعدى قبل اختلاف قوله فى ذلك على اختلاف الأصل فى تقديم خبر الواحد على القياس على الأصول، وتقديمها عليه، وعلى الأصل فى أن الرخص لا يتعدى بها معها، فإذا منع بالخرص يقدم القياس على الأصل فى النهى عن بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً، مع اختلاف الناس فى تفسير الحديث، لكن هذا القول ضعيف وشاذ من قوله؛ لأن فى تفسير هذا الحديث هذا الاستثناء، وليس الأخذ لبعضها أولى من الأخذ بنا فيه.
وأما مشهور قوله بأنها لا تجوز إلا بخرصها إلى الجذاذ، فلم ير تعدى الرخصة عن وجهها وهو أظهر، ورأى فى قوله عموم شرائها بكل شىء بالقياس على الرخصة بالخرص، وأنه إذا جاز به كان أولى بغيره، مع أنها هبة منافع. والحديث فى منع الرجوع فى الهبة إنما جاء فى الرقاب وما لم يبق فيه للواهب تعلق. وشراء العرية هنا زيادة معروف لكفايته المؤونة وضمانه المنفعة، ولدفع المضرة عن نفسه. وقد روى ابن نافع فى تفسير العرية عن مالك (٢) غير المعروف من قوله أنها النخلة، تكون للرجل فى حائط الآخر يريد صاحب الحائط شراءَها إذا أزهت بخرصها تمرًا عند الجذاذ، وهذا نحو قوله فى المدونة من
стр. 2782
٦٧ - (١٥٤٠) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَان - يَعْنِى ابْنِ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ - مِنْهُمْ سَهْلُ بْنُ أَبِى حَثْمَةَ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ. وَقَالَ: " ذَلِكَ الرِّبَا، تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ "، إِلا أَنَّهُ رخَّصَ فِى بَيْعِ العَرِيَّةِ، النَّخْلَةِ والنَّخَلَتَيْنِ، يَأخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخِرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا.
ــ
رواية ابن القاسم فى هذه المسألة: لا بأس بذلك إذا كان على وجه الرفق والكفاية، لا على وجه دفع الضرر وعكس هذا الجواب والتعليل عند الملك، وهذا كله نحو قول الشافعى، إلا أنه يجيز بيعها من رب الحائط وغيره، ولا يجيز تأخير التمر. وذهب أبو حنيفة (١) وأبو يوسف فى تفسير العرية أنها النخلة يهب صاحبها ثمرها للرجل فلا يقبلها، ثم يبدو لصاحبها أن يمسكها ويعوضه ثمرها خرصها تمرًا.
وقوله فى الحديث فى تفسير العرية: أنها النخلة (٢) تجعل للقوم: يدل على ما ذهب إليه مالك فى مشهور قوله، وجمهور العلماء موافقون لمالك أنها لا تباع بخرصها إلا بعد الزهو. وشرط مالك فى ذلك كون الخرص إلى الجذاذ، وهو قول جل أصحابه، ولم يجيزوا بالنقد، وأجازه بعضهم إذا وقع، ومنع الشافعى وأحمد التأخير فى ذلك وقالا: لا يجوز بالنقد ونصه على النخلة فى نفسها، وكذلك استثناؤه العرية من بيع ثمر النخل بالتمر.
وقوله: " بخرصها ": يدل على اختصاصها بالنخل وما فيه الخرص، وكذلك قصرها مالك على النخل والعنب؛ لأنه الذى فيه الخرص، وهو قول الشافعى. وأجازها مرة فى كل ما يبقى ويدخر من الثمار، ويحتج بقوله: " نهى عن بيع كل ثمر بخرصه "، ثم استثنى العرية. وقال بعض أصحابنا: هى جائزة فى كل ثمرة مدخرة أو غير مدخرة، وقاله الأوزاعى (٣)، وقال الليث: لا تجوز إلا فى النخل خاصة.
وفى قوله: " أرخص فى العرايا ": ما يدل على أنها رخصة مخصوصة، وقد أبان العلة بقوله: " يأكلها أهلها رطبًا "، فدل أن علتها الرفق وهو أحد عللها عندنا، وقيل: رفع الضرر، وقيل بهما جميعًا. وعلى هذا اختلف عندنا فى فروع من مسائلها. وإذا كانت الرخصة معللة بحديث وهو الصحيح، وكثيراً ما يقول كثير من العلماء: أن الرخص لا تعدى ولا يقاس عليها، وهذا فيما لم يشر الشرع إلى علته. وبحسب هذا وقع الاختلاف فى قصر العرية على النخل أو تعديتها إلى غيرها، وفى شراء غير المعرى من
стр. 2783
٦٨ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُمْ قَالُوا: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا.
٦٩ - (...) وحدّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِنْ أَهْلِ دَارِهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى. غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ وَابْنَ الْمُثَنَّى جَعَلاَ مَكَانَ " الرِّبَا ": " الزَّبْنَ ". وَقَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: الرِّبَا.
(...) وحدّثناه عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
ــ
المعرى، أو شراء المعرى ممن اشتراها من المعرى، أو شراء بعضها، ونحو ذلك من فروع الباب.
والعرية رخصة مستثناة عندنا من أربعة أصول: من المزابنة، والغرر - وهو شراء الجزاف بالمكيل، والرطب باليابس على ما تفسر - ومن بيع الطعام بالطعام متفاضلاً، ومن بيع الطعام بالطعام إلى أجل ومن الرجوع فى الهبة.
وجوازها عندنا بشروط عشرة، ستة متفق عليها: أن يكون مشتريها هو معْرِيها من معْرَاها، وأن تكون قد طابت، وألا يشترى إلا بخرصها، ولا يكون إلا بنوعها، ولا يكون إلا باليابس منه لا برطبه، وأن يكون مؤخرًا إلى الجذاذ، لا نقدًا، خلافًا للشافعى فى قوله: أيكون التمر إلا حالاً. وبقولنا قال أحمد وإسحاق، والأوزاعى.
وأربعة مختلف فيها: ألا تكون إلا مما كان باسم العرية، وأن يكون خمسة أوسق فأدنى من جملة ماله، وأن يكون المشترى جملتها لا بعضها، وأن يكون مما يخرص أو مما ييبس ويدخر جملة. وتحصيل المذهب فى العرية وخصوصا بذلك كله عندنا من غيرها أو مما يختص من ذلك عند غيرهم. وقاس (١) يحيى بن عمر من أصحابنا [على حديث ابن عمر، فرخص لصاحب العرية أن يبيعها] (٢) كلها بخرصها إذا طابت إلى الجذاذ وشذ فى ذلك شذوذًا [متركًا ومتباينًا من تناهى ما هو] (٣) مخالف للحديث فى النهى عن المزابنة، وقد فسرها فى الحديث بهذا الذى أجازه هو، وأجمع العلماء.
стр. 2784
سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
٧٠ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِى حَارِثَةَ؛ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وَسَهْلَ ابْنَ أَبِى حَثْمَةَ حَدَّثَاهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ. إِلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا. فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ.
٧١ - (١٥٤١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنُ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِى سُفْيَانَ - مَوْلَى ابْنِ أَبِى أَحْمَدَ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِى بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِى خَمْسَةِ - يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ -؟ قَالَ: نَعَمْ.
٧٢ - (١٥٤٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ - وَالْمُزَابَنَةِ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً.
ــ
وقوله: " فيما دون خمسة أوسق، أو فى خمسة أوسق " مما يدق أنه يختص بما يوسق ويكال، ويحتج به بأحد القولين اختصاص ذلك بالتمر والزبيب ومما فى معناه مما ييبس ويدخر ويأخذه الكيل. وقد ذكر أبو داود عن أبى هريرة الحديث، وفيه: " مما دون خمسة أوسق "، فقد قصر ﵇ الرخصة والحكم فى العرية على هذا القدر المذكور فى الحديث فلا يزاد عليه، وكان الخمسة الأوسق هو أول مقادير المال الكثير الذى تجب فيه الزكاة من هذا الجنس، فقصر المرفق بمن لا مال له وأجيز له تيسير العرية على التأويل الواحد، أو بيعها على التأويل الآخر على هذا القدر، فاستخف فى هذا القدر للمرفق والمتفكّه.
فإذا زاد على هذا القدر وخرج عن القليل إلى حد المال الكثير وما يطلب فيه البحر وتنمية المال، منع فيه لكثرة الغرر والمزابنة فيه، بكثرته وخروجه عن فقد المرفق لقصد التنمية، ويمكن أن يكون هذا القدر الذى جرى عندهم العرف زمان الإعراء فيه غالبًا.
وقد اختلف قول مالك فى إجراء حكم العرية فى خمسة أو سنن، وقال به فى مشهور قوله اتباعًا، كما وجد عليه العمل عندهم بالمدينة وقال - أيضاً - لا يجوز فى الخمسة وتجوز فيما دونها؛ لأنه المحقق فى الحديث، والخمسة مشكوك فيها. وبهذا قال الشافعى، إلا
زَرْعًا، أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَفِى رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ: أَوْ كَانَ زَرْعًا.
(...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ؛ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنِى الضَّحَّاكُ. ح وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
ــ
بروايته فى تحديد مقدار ما دون الخمسة الأوسق، ولكن وقع فى بعض الروايات: " أربعة أوسق " (١) فوجب الانتهاء إلى هذا المتيقن وإسقاط ما زاد عليه، وإلى هذا المذهب مال ابن المنذر، وألزم المزنى الشافعى أن يقول به.
стр. 2787
(١٥) باب من باع نخلاً تمر
٧٧ - (١٥٤٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ".
٧٨ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَيُّمَا نَخْلٍ اشْتُرِىَ أُصُولُهَا وَقَدْ أُبِّرَتْ، فَإِنَّ ثَمَرَهَا لِلَّذِى أَبَّرَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الَّذِى اشْتَرَاهَا ".
ــ
وقوله: " أيما نخل اشترى أصولها وقد أبرت، فإن ثمرها للذى أبرها، إلا أن يشترط الذى اشتراها " قال القاضى: الإبار فى النخل والتذكير لها، وهو أن يجعل فى طلعها أول ما يطلع من طلع فحل النخل ويعلق عليه لئلا يسقط، وهو اللقاح - أيضاً - يقال: أبَرت النخل، أبره أبره مخفف وأبرته أيضًا وقال ابن حبيب: الإبّار: شق الطلع عن التمرة. وفى قوله ﵇ جواز الإبّار والتذكير للنخل وغيره من الثمار، ولا خلاف فى هذا. وقد كان ﵇ قال للأنصار: ما عليكم ألا تفعلوا فتركوا التذكير فنقصت ثمارهم فقال ﵇: " أنتم أعلم بأمر دنياكم " قال: " وما حدثتكم عن الله فهو حق " (١). والإبار فى غير النخل من الثمار عقد ثمره وثبات ما يثبت منه، وسقوط ما يسقط من نوره إلا ما يذكر منه، فحكمه حكم النخل. واختلف فى الزرع، هل إباره الظهور من الأرض أو الإفراك؟ ويسرى هذا الحديث فى موضعه.
قال الإمام [قد] (٢) نص فى هذا الحديث على كونها مع الإطلاق للبائع بعد الإبار، إلا أن يشترط، ودليل هذا الخطاب أنها قبل الإبّار للمشترى، وهذا مذهبنا. وخالف فى ذلك أبو حنيفة ورأى أنها قبل الإبار للبائع كما هى له بعد الإبار. وسبب الاختلاف بين الفقيهين أن مالكًا يرى أن ذكر الإبار هاهنا القصد به تعلق الحكم عليه ليدل على أن ما
стр. 2788
٧٩ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِىّ ﷺ قَالَ: " أَيُّمَا امْرِئٍ أَبَّرَ نَخْلاً، ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا، فَلِلَّذِى أَبَّرَ ثَمَرُ النَّخْلِ، إِلا أَنْ يشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ".
ــ
عداه بخلافه، ويرى أبو حنيفة أن تعلق الحكم به إما للتسمية به على ما يؤبر ولغير ذلك، ولم يقصد به نفى الحكم على من سوى المذكور. وقال بعض أصحابنا: هذا منه دعوى، إذ لا يمكن التنبيه بالمؤبر على ما لم يؤبر، وإنما نبه بالأدنى على الأعلى، وبالمشكل على الواضح، وهذا خارج عن هذين القسمين، مع أن الذى قاله مالك له شبه فى الشرع، وذلك أن الثمرة قبل الإبار تشبه الجنين قبل الوضع، وبعد الإبّار تشبه الجنين بعد الوضع. فلما كانت الأجنة قبل وضعها للمشترى وبعد وضعها للبائع وجب أن يجرى الثمر هذا المجرى.
وأما إذا لم تؤبر وظهر أنها للمشترى - كما بيناه - فهل يجوز للبائع أن يشترطها؟ المشهور فى المذهب عندنا أن ذلك لا يجوز، وعلى إحدى الطريقتين عندنا أن المستثنى منها يجوز ذلك، هكذا بناه بعض شيوخنا وبالإجازة قال الشافعى.
وتلخيص مآخذ اختلافهم من الحديث أن أبا حنيفة استعمل الحديث لفظًا ومعقولاً، واستعمله مالك والشافعى لفظًا [و] (١) دليلاً، ولكن الشافعى استعمل دلالته من غير تخصيص، ويستعملها مالك مخصصة. وبيان ذلك: أن أبا حنيفة جعل التمر للبائع فى الحالين، وكأنه رأى أن ذكر الإبّار تنبيه على ما قبل الإبار للمبتاع، إلا أن يشترطها البائع، وخص مالك بعض هذا الدليل بأنها قبل الإبّار على إحدى الطرق التى ذكرنا عنه وهذا المعنى يسمى فى الأصول معقول الخطاب.
واستعمله مالك والشافعى على أن المسكوت عنه حكمه غير حكم المنطوق به، وهذا يسميه أهل الأصول دليل الخطاب، فإذا كان النطق: من باع ثمرًا بعد الإبار فهى للبائع إلا أن يشترطها المشترى (٢)، كان دليله أنها قبل الإبار للمبتاع، إلا أن يشترطها البائع. وخص مالك بعض هذا الدليل بأنها قبل الإبار تشبه الأجنة، فلا يجوز اشتراطها، وتقوى هذه الطريقة مع القول بأن المستثنى مشترى وإن أبر بعضها ولم يؤبر بعض، بأن كانا متناقضين، بل كل واحد منهما حكم نفسه، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر فقيل الحكم كذلك أيضاً، وقيل: الأقل تبع للأكثر ولو كان المبيع أرضًا يزرعها وهو لم يظهر، وفيه
стр. 2789
(...) وحدّثناه أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوَبَ، عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٨٠ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِى بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ. وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِى بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ".
ــ
قولان: قيل: للمشترى كالثمر إذا لم يؤبر، وقيل: بل هو للبائع لأنه من الجنس الذى لا يتأبَّر ولا يتكرر، فأشبه ما دفن فى الأرض وخالف الثمر.
قال القاضى: بظاهر هذا الحديث وما قاله مالك قال الشافعى والليث، وأن الثمرة إذا لم تشترط تبقى لصاحبها إلى جذاذها إذا كانت مأبورة. وكما جاز استثناؤها فى الشراء عند مالك جاز شراؤها بعد شراء الأصل، إذا لم يشترطها فى شراء الأصل فى مشهور قوله، وعنه أنه لا يجوز له إفرادها بالشراء ما لم تطب، وهو قول جماعة من كبراء أصحابه، وقول الشافعى والثورى وأهل الظاهر وفقهاء أصحاب الحديث. وأبو حنيفة يراها إذا لم يشترطها المشترى قبل الإبار وبعده إذا كانت قد ظهرت للبائع، إلا أن عليه قلعها لحينه، وليس له تركها للجذاذ والقطاف، فمتى اشترط بقاءها فسد عنده البيع. قال ابن الحسن: إلا أن يكون بدا صلاحها فيجوز له اشتراط بقائها. وقال ابن أبى ليلى: سواء أبرت أو لم تؤبر الثمر للمشترى شرط أو لم يشترط. وهذان القولان مخالفان لسنة النبى ﵇. وأما لو اشترط المبتاع بعض هذه الثمرة فلا تجوز عند مالك، وأجازه بعض أصحابه.
وإذا جاز اشتراط المبتاع لها إذا أبرت فهل يجوز اشتراط البائع لها إذا لم تؤبر؟ لم يجز ذلك مالك، ورأى أن البيع إذا وقع على هذا فسد وأنه لما كان مغيبًا كاستثناء الجنين، ورأى أن المستثنى مشترى. وقال أبو حنيفة والشافعى: استثناؤه جائز وإن لم يؤبر، وهذا على أن المستثنى ينبغى على ملك المشترى.
وقوله: " من باع عبده فما له للذى باعه، إلا أن يشترط المبتاع "، قال الإمام: اعلم أن ملك العبد يزول عن سيده على أربعة أوجه:
أحدها: أن يزول بعقد معاوضة كالبيع والنكاح فالمال فى ذلك للسيد، إلا أن يشترط
стр. 2790
(...) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
ــ
عليه، خلافًا للحسن البصرى والزهرى فى قولهما: إن المال يتبع العبد فى البيع، وهذا الحديث يرد عليهما.
والوجه الثانى: العتق، وما فى معناه من العقود التى تفضى إلى العتق، وتسقط النفقة عن السيد كالكتابة، فالمال للعبد إلا أن يشترط، خلافًا لأبى حنيفة والشافعى فى قولهما: إنه للسيد فى العتق، ودليلنا قوله ﷺ : " من أعتق عبدًا وله مال فماله له، إلا أن يشترطه السيد " (١) فيمن يعيد الضمير فى قوله: " له " على العبد لأنه المذكور نطقًا، وإنما ذكر السيد بكناية عنه ترجع إليه عند قوله: " من أعتق " فلابد أن يضمر عقيب قوله: " أعتق " عائد يعود إلى " السيد " بحكم مقتضى لفظة " من "، وعود الضمير والكناية على الصريح أولى من عوده على الكناية والإضمار، ولأن الكناية يملك بها ماله وهى بسبب العتق، فنفس العتق أولى.
والوجه الثالث: الجناية، فالمال فيها يتبع الرقبة، وينتقل بانتقالها.
والوجه الرابع: الهبة والصدقة، وفيهما قولان عندنا، وإنما اختلف فيهما لأخذهما شبهًا من العتق الذى يتبع العبد فيه المال وشبهًا من البيع الذى لا يتبعه فيه، فالبيع خرج من ملك إلى ملك بعوض على جهة الاختيار، والعتق خرج من ملك إلى غير ملك بغير عوض. والهبة خرجت بغير عوض فأشبهت العتق، ومن ملك إلى ملك فأشبهت البيع. ويجوز عندنا أن يشترطه المشترى وإن كان عينًا والثمن عين، وكأنه لا حصة (٢) له من الثمن فلا يدخله الربا، وهذا على أنه اشترطه للعبد وأبقاه على ملكه، فكأنه لم يملك هو عينًا دفع عوضها عينًا أخرى، ولو اشترط لنفسه ما جاز لتحقق الربا حينئذ، وصار كمن اشترى سلعة وذهبًا بذهب، وذلك لا يجوز. قد قال أصحابنا: فى هذا الحديث دلالة على أبى حنيفة والشافعى فى قولهما: إن العبد لا يملك؛ لأنه أضاف المال للعبد بلام الملك، واللام (٣) ترد للملك ولليد والتصرف، كقولهم: الولاية لفلان فى المال، هكذا قيل فى هذا. وعندى فيه نظر؛ لأن الولاية لفلان ضرب من الملك [والتصرف، فلا يعد فيها ثالثًا هذا المثال] (*)، وترد اللام للاختصاص كقولهم: الحركة للحجر، والباب للدار.
стр. 2791
(...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ.
بِمِثْلِهِ.
ــ
وهذا مبسوط فى كتب النحاة.
قال القاضى: ذكر مسلم هذا الحديث من رواية الزهرى عن سالم عن عبد الله بن عمر، عن أبيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من ابتاع نخلاً " الحديث، وفيه: " ومن ابتاع عبدًا فماله للذى باعه، إلا أن يشترطه المبتاع " وثبتت هذه الزيادة عند جميع الرواة، وسقطت من رواية شيخنا أبى محمد الخشنى من طريق أبى عبد الله الباجى عن ابن ماهان، وهى صحيحة ثابتة فى الحديث. وقال أبو الحسن الدارقطنى: خرج البخارى ومسلم هذا الحديث عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه، عن النبى ﵇ " ومن باع عبدًا وله مال "، وخالفه نافع عن ابن عمر. قال النسائى. سالم أجل فى القلب، والقول قول نافع (١).
стр. 2792
(١٦) باب النهى عن المحاقلة والمزابنة، وعن المخابرة وبيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها، وعن بيع المعاومة وهو بيع السنين
٨١ - (١٥٣٦) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يبدُوَ صَلاَحُهُ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إِلَّا الْعَرَايَا.
(...) وحدّثنا عبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِى الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا جَابِرَ بْنَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
٨٢ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْجَزَرِىُّ،
ــ
وذكر فى الحديث الآخر فى الباب النهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمعاومة، والمخابرة، وعن بيع السنين، وعن الثنيا، ورخص فى العرايا، وفى رواية: عن بيع الثمر سنين، قال الإمام: تقدم الكلام عن المزابنة والمحاقلة والعرايا، ونتكلم الآن عن المعاومة والمخابرة والثنيا.
وأما بيع المعاومة، فهو بيع الثمر سنين، وقد فسره فى كتاب مسلم. ووجه المنع فيه بيّن ومأخوذ مما تقدم من النهى عن بيع الثمر قبل زهوه؛ لأنه إذا باع ثمرته سنينًا فمعلوم أن ثمرة السنة الثانية والثالثة لم تخلق، وهى لو خلقت ولم تزهو لم يجز العقد عليها، فإذا لم تخلق أولى أن لا تجوز.
وأما المخابرة: فقد فسرها جابر فى كتاب مسلم بأنها الأرض يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها، ثم يأخذ من الثمر. وفسر المحاقلة ببيع الزرع القائم بالحب كيلاً، وهذا فيه معنى حسن يؤخذ مما تقدم، وذلك أنا قدمنا أن المحاقلة تنطلق على بيع الزرع الأخضر بالحب وعلى كراء الأرض بالجزئى، فلما ذكرت هاهنا مع المخابرة وفسرها بأنها المعاوضة بالجزئى عاد إلى تفسير المحاقلة بأنها بيع الزرع بالحب؛ لئلا يفسرها هنا بالمعنى الآخر فيكون تكريرًا لمعنى المخابرة. وقال أهل اللغة: المخابرة: هى المزارعة على النصيب كالثلث وغيره، والخبرة النصيب قال الشاعر:
إذا ما جعلت الشاة للناس خبرة ... فشأنك إنى ذاهب لشؤونى
стр. 2793
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ؛ أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعِمَ، وَلَا تُبَاعُ إِلَّا بِالدَّرَاهِم وَالدَّنَانِيرِ، إِلَّا الْعَرَايَا.
قَالَ عَطَاءٌ: فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ قَالَ: أَمَّا الْمُخَابَرَةُ فَالأَرْضُ الْبَيْضَاءُ يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيُنْفِقُ فِيهَا، ثُمَّ يَأخُذُ مِنَ الثَّمَرِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ بَيْعُ الرُّطُبِ فِى النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَالْمُحَاقَلَةُ فِى الزَّرْعِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ، يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ بِالْحَبِّ كَيْلاً.
٨٣ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وُمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ، كِلَاهُمَا عَنْ زَكَريَّاءَ، قَالَ ابْنُ أَبِى خَلَفٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّىُّ - وَهُوَ جَالسٌ عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ - عَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةَ والْمُزَابَنَةِ وَالْمُخَابَرَةِ، وَأَنْ تُشْتَرَى الَنَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ - وَالإِشْقَاهُ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَىءٌ وَالْمُحَاقَلَةُ: أَنْ يُبَاع الْحَقْلُ بِكَيْلٍ مِنَ الطَّعَامِ مَعْلُومٍ، وَالْمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ بِأَوْسَاقٍ مِنَ التَّمْرِ، وَالْمُخَابَرَةُ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
قَالَ زَيْدٌ: قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ.
ــ
وقال الأزهرى: الخبر يكون زرعًا ويكونوا إكارًا. وقال ابن الأعرابى: أصل المخابرة مأخوذ من خيبر؛ لأن النبى ﷺ كان أقرها فى أيدى أهلها على النصف، فقيل: خابره، أى عامله فى خيبر. وسنتكلم على معاملة أهل خيبر فى موضعها إن شاء الله.
وأما قوله: " وعن بيع الثنيا "، فمحمله على ثنيا لا تجوز، أو على ما يؤدى إلى الجهالة بالمبيع. وقد اتفق الجميع على جواز بيع الصبرة واستثناء الجزء منها، وأن ذلك سائغ واختلفوا إذا استثنى مكيلة معلومة، فمنعه أبو حنيفة والشافعى؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، وتمسكًا بعموم نهيه عن بيع الثنيا، وأجاز مالك أن يستثنى منها من المكيلة ما يعلم أنه لا يزيد على ثلث جميعه؛ لأن ذلك عنده فى حكم اليسير الذى لا يؤدى إلى الجهالة بالمبيع، فوجب أن يجوز.
قال القاضى: أصل التثنى من الاستثناء، وهو الرجوع إلى ما سلف، ومنه: ثنى
стр. 2794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنانه، وثنية الحديث. وكأن المستثنى رجع إلى بعض ما عم من كلامه قبل. ووقوعه هنا فى الثنى الممنوعة وهى ضروب، كقوله: إن جئتنى بالثمن إلى وقت كذا أو متى جئتنى به رددت عليك مالك. فهذا متى عقد البيع عليه كان فاسدًا. ومنه قول المشترى: إن لم تأت بالثمن يوم كذا فلا بيع بينى وبينك. فاختلف فيه العلماء، فبعضهم أبطل الشرط وصحح البيع، ومنهم من ألزم فاعله ما شرط وجعل الآخر بالخيار، والوجهان مرويان عن مالك. وما كان من ذلك على التطوع بعد العقد لزم الوفاء به. وأما ثنيا المشترى بعض ثمرة النخلة التى باع، فلا يجوز أن يكون على الكيل والجزء أو ثمرة نخلات معينات. فأما النخلات المعينات بلا خلاف فى جواز استثنائه؛ لأنه لم يقع عليهن بيع الجملة. وإن استثنى بعضها على الكيل فمذهب عامة العلماء وفقهاء الفتيا بالأمصار أنه لا يجوز من ذلك قليل ولا كثير، وذهب مالك فى جماعة أهل المدينة الى جوار ذلك ما بينه وبين ثلث الثمرة لا يزيد على ذلك، وإن استثنى جزءًا مشاعًا فيجوز عند مالك وعامة أصحابه قل أو كثر، وذهب عبد الملك إلى أنه لا يجوز استثناء الأكثر، والخلاف فى ذلك مبنى على جواز استثناء الأكثر من الأقل.
وقد اختلف فى ذلك النحاة والأصوليون، وكتاب الله يشهد بجوازه، قال الله تعالى حاكيًا عن إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١)، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِين﴾ (٢)، فقد استثنى كل صنف من الآخر وأحدها أكثر بلا مرية، لاسيما ما وردت به الآثار فى تكثير الغاوين.
وأما بيع الثنى، فقال الهروى: هو أن يستثنى من المبيع شيئًا مجهولاً فيفسد البيع. وقال القتبى: هو أن يبيع شيئًا جزافًا فلا يجوز أن يستثنى منه شيئًا، وفى المزارعة أن يستثنى بعد الجزء شيئًا معلومًا، ومن الثنى اشتراط البائع على المبتاع متى جاءه بالثمن، فالسلعة له.
قال [القاضى] (٣): هذا الذى يسميه الموثقون بيع الثنى.
قال الإمام: خرج مسلم فى هذا الباب حديثًا عن زيد بن أبى أنيسة، قال: حدثنا أبو الوليد المكى عن جابر، ثم أردف عليه: حدثنا عبد الله بن هاشم، نا بهز، ثنا سليم بن حيان، حدثنا سعيد بن ميناء، عن جابر، ثم عطف بعده بحديث حماد بن زيد عن أيوب، عن أبى الزبير، وسعيد بن ميناء عن جابر قال. قال بعضهم: أبو الوليد المكى الذى فى الإسناد الأول هو سعيد بن ميناء، وزعم الحاكم أن أبا الوليد الذى فى هذا الإسناد اسمه يسار وقال مثل ذلك ابن أبى حاتم الرازى ورد ذلك عبد الغنى وقال هو وَهْم،
стр. 2795
٨٤ - (...) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُخَابَرِةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُشْقِحَ.
قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ: مَا تُشْقِحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا.
٨٥ - (...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِىُّ - وَاللَّفْظُ لِعُبَيْدِ اللهِ - قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْمُعَاوَمَةِ وَالْمُخَابَرَةِ - قَالَ أَحَدُهُمَا: بَيْعُ السِّنِينَ هِىَ الْمُعَاوَمَةُ - وَعَنِ الثُّنْيَا، وَرَخَّصَ فِى الْعَرَايَا.
ــ
إنما هو سعيد بن ميناء الذى يروى عنه أيوب السختيانى وابن أبى أنيسة. قال البخارى فى تاريخه: سعيد بن ميناء أبو وليد المكى سمع جابرًا وأبا هريرة، وروى عنه سليم بن حيان وزيد بن أبى أنيسة (١). وتابعه على ذلك مسلم، ولعل الحاكم إنما نقل ذلك فى كتاب أبى حاتم.
وقوله: " نهى عن بيع الثمرة حتى تشقح " (٢): قال الأصمعى: إذا تغير البسر إلى الحمرة قيل: هذه مشقحة، وقد أشقحت.
قال القاضى: قد جاء فى الحديث نفسه فى كتاب مسلم تفسيرها من قول سعيد بن ميناء راوى الحديث عن جابر، قال الراوى عنه: قلت لسعيد: ما تشقحت؟ قال: تحمارّ وتصفارّ ويؤكل منها. قال الخطابى: والشقحة لون غير خالص للحمرة والصفرة إنما هو تغير لونه لهما فى كمودة، ولهذا قال: تحمار وتصفار، لم يرد به اللون الخالص، وإنما يستعمل ذلك فى اللون المتميل، يقال: ما زال يحمار مرة ويصفار أخرى، فإذا أرادوا استقرار لونه قالوا: احمر واصفر. وجاء هذا اللفظ فى الكتاب - أيضًا - وفى حديث عطاء عن جابر: " حتى تشقه، بالهاء، كذا ضبطناه على سفيان بن العاص بسكون الشين، وعلى القاضى الشهيد بفتحها. وتفسيره - أيضًا - فى الحديث، قال: والإشقاه أن يحمر ويصفر ويؤكل منه شىء. قال بعضهم: روى: " تشقنح " بالحاء. وقال غيره: الهاء تبدل من الحاءِ كما قيل: مدحه ومدهه.
стр. 2796
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَلَىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّة - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى الْزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ: بَيْعُ السِّنِينَ هِىَ الْمُعَاوَمَةُ.
ــ
وفيه دليل أنه [لا يشترط فى بدو الصلاح تمام الطيب] (١)، وأنه لا يعتبر بها الوقت الذى جرت عادة الطيب فيه.
وقد ذهب العلماء إلى اعتبار الوقت. وإنما يغير فى غير هذه الثمرة مما تجاورها فتباع بطيها. وأما هى فى نفسها فإن بكرت عن الوقت بيعت ولم يعتبر الوقت.
стр. 2797
(١٧) باب كراء الأرض
٨٧ - (...) وحدّثنى أَبُو كَامِل الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ.
٨٨ - (...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - لَقَبُهُ عَارِمٌ، وَهُوَ أَبُو النُّعْمَانِ السُّدُوسِىُّ - حَدَّثَنَا مَهْدِىُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَلْيزْرَعْهَا أَخَاهُ ".
٨٩ - (...) حدّثنا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ - يَعْنِى ابْنَ زِيَادٍ - عَنِ الأَوْزَاعِىِّ،
ــ
أحاديث كراء الأرض
ذكر مسلم حديث جابر؛ أن النبى ﷺ نهى عن كراء الأرض، ومن رواية أخرى: " من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه "، وفى رواية أخرى " ولا يؤاجرها إياه " ومعنى " يمنحها ": يعطيها إياه ليزرعها سنة، ومن رواية أخرى: " نهى أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ " ومعناه: يمسك، وفى رواية أخرى: " ولا تبيعوها " قال جابر: يعنى الكراء، وفى رواية أخرى: كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ ، فنصيب من القصرى، ومن كذا، فقال رسول الله ﷺ : " من كانت له أرض " الحديث، كذا رويناه عن أكثرهم بكسر القاف والراء وصاد مهملة. وعن الطبرى بفتح القاف والراء مقصور، وعن ابن الحذاء بضم القاف مقصور، والصواب الأول. قال أبو عبيد: القصارة ما يبقى من الحب فى السنبل. وقال ابن دريد: القصارة: ما يبقى فى السنبل بعد ما يدرس. وأهل الشام يسمونه القصرى، ومنهم من يقول: قصرى بكسر القاف، على وزن فعلى، وفى الرواية الأخرى: كنا فى زمان رسول الله ﷺ نأخذ الأرض بالثلث والربع والماذيانات، فقام رسول الله ﷺ فى ذلك فقال: " من كانت له أرض " الحديث، وفى رواية أخرى: كنا نكرى أرضنا ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج. وفى رواية أخرى: نهى عن المزابنة والحقول، وكراء الأرض، وفى بعض طرقه: نهى عن المزارعة، كذا رواية الصدفى والخشنى من شيوخنا. وعند الأسدى: عن كراء المزارع، وذكر حديث أبى سعيد، وفيه النهى عن المحاقلة، قال: والمحاقلة: كراء الأرض.
стр. 2798
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ لِرِجَالٍ فُضُولُ أَرَضِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ كَانَتْ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ ".
٩٠ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، أَخْبَرَنَا الشَّيْبَانِىُّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَس، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُؤْخَذَ للأَرْضِ أَجْرٌ أَوْ حَظٌّ.
٩١ - (...) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَزْرَعَهَا،
ــ
ذكر حديث ابن عمر: كنا لا نرى بالخبر بأسًا، أو الكراء، شك إبراهيم بن مسلم حتى كان عَامَ أول، فزعم رافع أن النبى ﵇ نهى عنه، كذا ضبطناه بالكسر وهو من الأسدى، والصدفى، ورويناه من طريق الطبرى: " الخبر " بالفتح. وفى كتاب التميمى: " لخبر " بالضم، وكله بمعنى المخابرة، ووجهه الكسر والفتح، [كذا قاله أبو عبيد] (١) كذا قال بعد هذا ابن عباس وهو الحقل، وهو بلسان الأنصار: " المحاقلة ".
وفى الرواية الأخرى: أن ابن عمر كان يؤجر الأرض [فأخذ] (٢) حديثًا عن رافع وذكر الحديث. وفى أخرى: فتركه ابن عمر ولم يأجره. كذا جاءت الرواية عند كافتهم، وعند السمرقندى: " يأخذ "، وصوابه " يؤجر " فى الموضعين. وقد يخرج " يأجر " على اللغة الأخرى. فيمن قال: أجرته بغير مد. وفى الرواية الأخرى: فقال ابن عمر: لقد كنت أعلم فى عهد رسول الله ﷺ أن الأرض تكرى، ثم خشى أن يكون رسول الله أحدث فى ذلك شيئًا لم يكن علمه، فترك كراء الأرض.
وذكر حديث رافع: كنا نحاقل الأرض على عهد النبى ﷺ فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، ثم ذكر عن بعض عمومته: نهانا رسول الله ﷺ أن نحاقل الأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو بزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك. وفى رواية أخرى: عن عمه نافع بن ظهير، أن رسول الله ﷺ سألنى: " كيف تصنعون بمحاقلكم؟ " فقلت: نؤاجرها على الربع والأوسق من التمر والشعير قال: " فلا تفعلوا، ازرعوها أو أزْرِعوها ". كذا رويناه من طريق السجزى
стр. 2799
وَعَجَزَ عَنْهَا، فَليَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يُؤَاجِرْهَا إِيَّاهُ ".
٩٢ - (...) وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: سَأَلَ سُليْمَانُ بْنُ مُوسَى عَطَاءَ فَقَالَ: أَحَدَّثَكَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ ليَزْرَعْهَا أَخَاهُ، وَلا يُكْرِهَا "؟ قَالَ: نَعَمْ.
٩٣ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ.
٩٤ - (...) وحدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا تَبِيعُوهَا ". فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: مَا قَولُهُ: وَلَا تَبِيعُوهَا؟ يَعْنِى الْكِرَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
٩٥ - (...) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنُصِيبُ مِنَ الْقِصْرِىِّ وَمنْ كَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ فَلْيُحْرِثْهَا أَخَاهُ، وَإِلَّا فَلْيَدَعْهَا ".
ــ
والفارسى. وعن العذرى وابن ماهان: " الربع " مكان " الربيع ". والربيع الساقية.
وفى رواية أخرى: نهى رسول الله ﷺ عن كراء المزارع (١). قلت: أبالذهب والورق؟ قَال: " أما بالذهب والورق فلا بأس به "، وفى أخرى: إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ الماذيانات، وإقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء لكل هذا، فلذلك. زجر عنه فأما بشىء معلوم مضمون فلا بأس به. وفى رواية أخرى: كنا نكرى على أن لنا هذه ولهم هذه. وذكر حديث ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة، زاد فى آخره: وأمرنا بالمؤاجرة، وقال: لا بأس بها. وذكر حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم ينه عنه قال: " لأن يمنح الرجل أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خرجًا معلومًا ".
(١٨) باب كراء الأرض بالطعام
١١٣ - (١٥٤٨) وحدّثنى عَلِىُّ بْن حُجْرٍ السَّعْدِىُّ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبعِ وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى. فَجَاءَنَا ذَاتَ يُوْمٍ رَجُلٌ مِنْ عُمُومَتِى، فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا - وَطَواعِيَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ أنْفَعُ لَنَا - نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بِالأَرْضِ فَنُكْرِيهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبعِ وَالطَّعَام الْمُسَمَّى، وَأَمَرَ رَبَّ الأَرْضِ إِنْ يَزْرَعَهَا أَوْ يُزْرِعَهَا، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ.
(...) وَحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: كَتَبَ إِلَىَّ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنُ يَسَارٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيِجٍ، قَالَ: كُنَّا
ــ
وقوله: " أمر كان بنا رافقًا ": أى ذا رفق كما قال:
كلينى لهم يا أميمة ناصب
أى: ذا نصب.
وقوله: " فليزرعها هو أو يمنحها أخاه، ويجعلها له مزرعة، فإن أبى فليمسك هذا أرضه، فقلت: ذلك معه " (١)، قال الإمام: اختلف الناس فى منع كراء الأرض على الإطلاق، فقال به طاووس والحسن. أخذًا بظاهر الحديث الذى ذكرناه؛ أنه نهى عن كراء الأرض فعم، وأنه نهى عن المحاقلة، وفسرها الراوى بكراء الأرض، وأطلق أيضًا. وقال جمهور العلماء: إنما يمنع على التفسير دون الإطلاق. واختلفوا فى ذلك، فعندنا أن كراءها بالجزء لا يجوز من غير خلاف، وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى، وقال بعض الصحابة وبعض الفقهاء بجوازه؛ تشبيهًا بالقراض، وأما كراؤها بالطعام مضمونًا فى الذمة فأجازه أبو حنيفة والشافعى لقول رافع فى آخر حديثه: فأما بشىء معلوم مضمون فلا بأس به. وحمل ذلك أصحابنا على تفسير الراوى واجتهاده فلا يلزم الرجوع إليه، وقال ابن رافع من أصحاب مالك: يجوز كراؤها بالطعام أو غيره، كان ينبت فيها أولاً، إلا الحنطة
стр. 2805
نُحَاقِلُ بِالأَرْضِ فَنُكْرِيهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ.
(...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أخْبَرَنَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ.
١١٤ - (...) حدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِى أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ أَبِى النَّجَاشِىِّ - مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - عَنْ رَافِعٍ؛ أَنَّ ظُهَيْرَ بْنَ رَافِعٍ - وَهُوَ عَمُّهُ - قَالَ: أَتَانِى ظُهَيْرٌ فَقَالَ: لَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا. فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَهُوَ حَقٌّ. قَالَ: سَأَلَنِى كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟ فَقُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا، يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى الرَّبِيعِ أَوِ الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الشَّعِيرِ. قَالَ: " فَلَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا - أَوْ أَزْرِعُوهَا - أَوْ أَمْسِكُوهَا ".
(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِى النَّجَاشِىِّ، عَنْ رَافِعٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذَا. وَلَمْ يَذْكُرْ: عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرٍ.
ــ
وأخواتها إذا كان ما تكرى به خلاف ما يزرع فيها. وقال ابن كنانة من أصحاب مالك: لا تكرى بشىء إذا أعيد فيها نبت، ولا بأس بغيره، كان طعامًا أو غيره. وقد أضيف هذا القول إلى مالك. وقد تعلق أصحابنا بما روى أنه نهى عن كراء الأرض بالطعام فَعمّ، وكان الناهى عنها يقرر أنه على ملك رب الأرض، كأنه باعه بطعام فصار كبيع الطعام بالطعام إلى أجل، وكذلك المشهور من مذهبنا النهى عن كرائها بما تنبته وإن لم يكن طعامًا، لما روى أنه نهى عن كراء الأرض بما يخرج منها. وقد قال ابن حنبل: حديث رافع فيه ألوان؛ لأنه مرة حدث به عن عمومته، ومرة عن نفسه. وهذا الاضطراب يوهنه عنده.