← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(٢٨) باب بيان قول النبى ﷺ : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " ١١٦ - (٦٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيانِ، وَعَوْنُ بْنُ سَلام، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ أَبِى وَائِل، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " سِبَابُ الْمُسْلِمُ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ". قالَ زُبَيْدٌ: فَقُلْتُ لأبِى وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ يَرْويهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيْد لأَبِى وَائِلٍ. ١١٧ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ــ وقوله: " سباب المسلم فسوق ": أى خروج عن الطاعة وواجب الشرع، وبه سمى الفاسق فاسقاً لخروجه عن ثقاف الإسلام وانسلاخه عن أعمال البر، يقال: فسَقَت الرُطَبةُ إذا خرجت من قشرها. وقوله: " وقتاله كفر ": أى قتاله من أجل إسلامه واستحلال ذلك منه كفر. وقيل: ذلك من أفعال أهل الكفر، أو يكون كفر طاعة وكفر نعمة، وغمطهما بأن جعلهما اللهِ مسلمين، وألف بين قلوبهما، ثم صار هو بعد يقاتله. وقيل: كافر بحق المسلم وجحد له بالمعنى، لإظهاره إباحة ما أنزل الله من تحريم دمه وقتاله، وترك ما أمر به من محبته وإكرامه وصلته، فهو كفر بفعله وعمله لا بقوله واعتقاده. وقد يكون القتال المشارَّةُ (١) والمدافعة، كما قال فى الحديث فى المارّ بين يدى المصلى: " فليقاتله ". وكله منهى عنه، وفاعله جاحدٌ حقَّ أخيه المسلم وحق الله فيه.

стр. 317

(٢٩) باب بيان معنى قول النبى ﷺ : " لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " ١١٨ - (٦٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ - واللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، عَنْ عَلىِّ بْنِ مُدْرِكٍ، سَمِعَ أَبا زُرْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ جَدَّهِ جَرِيرٍ؛ قالَ: قالَ لِى النَّبِىُّ ﷺ فِى حِجَّةِ الْوَدَاعِ: " اسْتَنْصِتِ النَّاسَ " ثُمَّ قالَ: " لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ". ١١٩ - (٦٦) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ــ وقوله: " لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض "، قال الإمام: تعلق بهذا من أنكر حجة الإجماع من أهل [البدع] (١) قال: لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز [اجتماعها] (٢) عليه لما نهاها عنه، وإذا جاز [اجتماعها] (٣) على الكفر [فغيره من الضلالات أولى، وإذا كان ممنوعاً اجتماعُهما عليه لم يصح النهى عنه، وهذا الذى قاله خطأ لأنا إنما نشترط فى التكليف أن يكون متمكناً متأنياً من المكلف، هذا أيضاً على رأى من منع تكليف ما لا يطاق] (٤)، واجتماع الأمة على الكفر وإن كان ممتنعاً، فإنه لم يمنع من جهة أنه لا يمكن ولا يتأتى، ولكن من جهة خبر الصادق عنه أنه لا يقع وقد قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٥) و [الشرك] (٦) قد عصم منه النبى ﷺ ، [وبعد هذا نزل عليه مثل هذا] (٧)، على أن المراد بهذا الخطاب (٨) كل واحد فى عينه أو جمهور الناس، وهذا لا ينكر أحدٌ أن يكون مما يصح حمل هذا الخطاب عليه، فإما أن يكون ظاهراً فيه أو محتملاً [له] (٩)، فيسقط بهذا حجته [وقد ذكر أنه] (١٠) مما يتأول [الحديث] (١١) عليه [أن معنى] (١٢) قوله: " كفاراً ": أى متسلحين، وأصل

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكفر التستر، والمتسلح متستر بسلاحه. قال القاضى: رواه من لم يضبط " يضْرِبْ " بالإسكان، وهو إحالة المعنى (١)، والصواب ضم الباءِ (٢). نهاهم عن التشبيه بالكفار فى حالة قتل بعضهم بعضاً ومحاربة بعضهم لبعض. وهذا أولى مما يتأول عليه الحديث، ويؤيده ما روى مما جرى بين الأنصار بمحاولة يهود وتذكيرهم أيامهم ودخولهم فى الجاهلية، حتى ثار بعضهم إلى بعض فى السلاح فنزلت: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ (٣): أى تفعلون فعل الكفار، أو نهاهم عن إظهار جحد ما أمرهم به من تحريم دمائهم، وكفرهم فى ذلك بقتالهم لا بقولهم واعتقادهم. [أو أن] (٤) يتكفروا فى السلاح (٥) بقتل بعضهم بعضاً، أو عن كفر نعمة الله بتأليف (٦) قلوبهم وتوددهم وتراحمهم الذى به صلاحهم بأن رجعوا إلى ضد ذلك، وعلى سكون الياء فإنها نهى عن الكفر [مجرداً] (٧) ثم يجىء ضرب الرقاب جواب النهى. ومجازات الكفر ومساق الخبر ومفهومه، يدل على النهى عن ضرب الرقاب والنهى عما قبله (٨) بسببه. وقال الخطابى: معناه: لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم بعضاً. وقيل: المراد بالحديث أهل الردة، وهذا القول إنما قاله ﷺ فى خطبة النحر إثر قوله: " إِنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ... " (٩) الحديث، ثم قال: " ليبلغ الشاهدُ الغائبَ، لا ترجعوا بعدى كفاراً ... " (١٠) الحديث، فهو شرح لما تقدم منه ﷺ فى تحريم بعضهم على بعض، ما أقاموا على الإسلام.

стр. 319

١٢٠ - (...) وحدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادٍ الباهِلِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ -: " وَيْحَكُمْ - أَو قالَ: وَيْلَكُمْ - لا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض ". (...) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قالَ: حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّ أَباهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدٍ. ــ قال الطبرى (١): قوله: " بعدى ": أى بعد فراقى من موقفى هذا، ويكون معنى بعدى (٢): خلافى أى لا تخلفونى فى أنفسكم بعد الذى أمرتكم به، أو لأنه حقَّق ﷺ أن هذا لا يكون فى حياته فنهاهم بعد مماته. وقوله: " ويحكم أو قال ويلكم ": كلمتان استعملتهما العرب بمعنى التعجب والتوجع. قال سيبويه: ويل كلمة لمن وقع فى هلكة، وويح ترحم بمعنى ويْل. وحكى عنه: ويح زجر لمن أشرف على الهلكة. قال غيره: ولا يراد بهما الدعاء بإيقاع الهلكة، ولكن للترحم والتعجب، وروى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -: ويحُ كلمة رحمة. وقال الهروى: ويح لمن وقع فى هلكة لا يستحقها فيترحم عليه ويرثى له، وويل للذى يستحقها ولا يترحم عليه. وقال الأصمعى: ويح ترحم، وقال ابن عباس: الويل: المشقة. قال ابن عرفة الويل الحزن، وقيل: الهلاك.

стр. 320

(٣٠) باب إطلاق اسم الكفر على الطعن فى النسب والنياحة ١٢١ - (٦٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَش، عَنِ أَبِى صَالِح، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اثْنَتانِ فِى النَّاسِ هُما بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِى النَّسَبِ، وَالنِّياحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ ". ــ وقوله: " اثنتان فى الناس هما كفرٌ: الطعن فى الأنساب، والنياحة على الميت ": أى من أعمال أهل الكفر وعادتهم وأخلاق الجاهلية، وهما خصلتان مذمومتان محرمتان فى الشرع، وقد كان النبى ﷺ يأخذ على النساء فى بيعتهن ألا ينحن، وقال: " ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية " (١)، وكذلك نهى النبى ﷺ عن السخرية واللمز والنبز والغيبة والقذف، وكل هذا من أعمال الجاهلية (٢)، وقال (٣) النبى ﷺ : " إن الله أذهب عنكم عُبيَّة (٤) الجاهلية ... " الحديث، وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ..﴾ (٥)، فعَّرف نعمته بالأنساب للتعارف والتواصل، فمن تسوَّر (٦) على قطعها والغمض (٧) فيها، فقد كفر نعمة ربه وخالف مراده، وكذلك أمر تعالى بالصبر وأثنى على الصابرين ووعدهم رحمته وصلاته ووصفهم بهدايته، وحَتَم الموتَ على عباده، فمن أبدى السخط والكراهة لقضاء ربه وفعل ما نهاه عنه فقد كفر نعمته فيما أعدَّ للصابرين من ثوابه وتشبه بمن كفر من الجاهلية.

стр. 321

(٣١) باب تسمية العبد الآبق كافرا ١٢٢ - (٦٨) حدّثنا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ جَرِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: " أَيُّما عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ ". قَالَ مَنْصُورٌ: قَدْ وَاللهِ رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَلكِنِّى أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّى هاهُنا بِالْبَصْرَةِ. ١٢٣ - (٦٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِياث، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ جَرِيرٍ؛ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّما عَبْدٍ أَبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ ". ــ وقوله: " أيما عبد أبَقَ من مواليه فقد كفر حتى يرجع ": أى جحد حقه وغطَّاه، وهذا أصل معنى الكفر، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (١). أو يفعل ذلك مستحلاً لما حرم عليه من حق سيّده. وقوله: " برِئت منه الذمَّة ": الذمة: العهد، أى عهد الإيمان، يريد خرج عنه إن فعل ذلك ووجب قتله (٢)، يقال فى هذا وغيره من الأشياء والدَّين وسواه: برى بكسر الراء، ويُهْمَز ويُسَهَّل برأ، ويقال فى المرض: بالوجهين، بكسر الراء وفتحها، والفتح لغة الحجازيين، وتميم تكسر وتهمز ولا تهمز، وجاءت لغة " برؤ " بالضم ومستقبله يبرأَ ويبرؤُ بالفتح والضم على الوجهين المتقدمين. وفى الحديث. " من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذى له ذمةُ الله وذمة رسوله " (٣). أو يكون الذمة التى هى الأمان والضمان الذى جعله الله للمؤمنين من كفاية الأعداء من الجن والإنس فى بعض الحالات، أى أخفر بإباقه هذه الذمة التى هى الأمان والضمان، ومنه سُمى أهل الذمة، لأنهم فى أمان المسلمين وضمانهم، أو يكون هذا لمن كان على غير دين الإسلام من العبيد فيأبقوا إلى بلد العدو، فقد سقطت عنه ذمة الإسلام من حقن دمه بسبب

стр. 322

١٢٤ - (٧٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ؛ قالَ: كَانَ جَرِير ابْنُ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قالَ: " إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ ". ــ استحيائه قبل واسترقاقه، وصار حكمه حكم الحربيين الذين لا ذمة لمن عثر عليهم منهم (١). وقول منصور (٢): أكره أن يروى عنى هذا بالبصرة؛ لما كان فشا بها من الاعتزال والقول بإنفاذ الوعيد والمنزلة بين المنزلتين وسلب اسم الإيمان عن المذنبين والقول بتخليدهم فى النار. وهذا الحديث وأشباهه مما تقدم مما يتمسكون بظواهرها (٣). وقوله: " لم تقبل له صلاة "، قال الإمام: يحتمل أن يحمل على المستحل لذلك فيكفُر باستحلاله فلا تقبل صلاته ولا غير ذلك [من عمله] (٤)، وكنى بالصلاة عن غيرها. وفيه - أيضاً - معنى خفى، وذلك [أنه يحتمل] (٥) أن يكون ذكر الصلاة لأنه منهى عن البقاء فى المكان الذى يصلى فيه لكونه مأموراً بالرجوع إلى سيده فصارت صلاته فى بقعة منهى عن المقام بها تضارع الصلاة فى الدار المغصوبة.

стр. 323

(٣٢) باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء ١٢٥ - (٧١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِك، عَنْ صَالِحِ بَن كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِى: قَالَ: صلَّى بِنا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِى إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقالَ. " هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللهُ ورَسُولُه أَعْلَمُ، قالَ: ــ قال مسلم: ثنا يحيى بن يحيى، قرأت على مالك عن صالح بن كيسان عن الزهرى عن عبيد الله [بن عبد الله حديث: " أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر بى "، قال الإمام: فى الحديث عن مالك عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله، عن زيد: " صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية "] (١)، قال بعضهم: [وقع] (٢) فى نسخة ابن ماهان صالح بن كيسان [عن الزهرى، عن عبيد الله، وإدخال] (٣) الزهرى هنا خطأ، وصالح بن كيسان أسنُّ من الزهرى [وهو يروى هذا الحديث عن عبيد الله دون وساطة] (٤). وقوله: " صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية "، قال القاضى: أكثر رواة الحديث والخبر يُشدِّدون الباء من الحديبية، والحذاق منهم يخففونها، وكذا قرأناها بالوجهين، وبالتخفيف سمعناها من متقنيهم وحفَّاظِهم أبى الحسين بن سراج اللغوى، وأبى عبد الله بن سليمان النحوى، والقاضى الشهيد [الحافظ] (٥) أبى على السَّكونى، والراوية أبى بحر بن العاص (٦) وغيرهم. وحكى لنا أبو الحسين أن الأصمعى يخففها والكسائى يُشَدَّدها.

стр. 324

" قالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكِ مُؤْمِنُ بِى كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ وأَمَّا منْ قالَ: مُطِرنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى مُؤْمِنُ بِالْكَوْكَبِ ". ــ وروى لنا القاضى الشهيد عن إسماعيل القاضى عن ابن المدينى أن أهل المدينة يشدّدونها وأهل العراق يخففونها، وكذلك اختلفوا فى الجِعرانة (١)، فأهل المدينة يكسرون العين ويُشَدِّدون الراء، وأهل العراق يخففون العين والراء، وكذلك اختلفوا فى ابن المسيب، فأهل المدينة يكسرون الياء وأهل العراق يفتحونها، وهذا عن أهل العراق فى الحديبيهَ خلاف ما قاله أبو الحسين. وقوله: " [فى] (٢) أثر سماء ": السماء: المطر، وجمعه أسميَة، وسُمى، والسماء: السحاب، وأصل السماء: [كل ما] (٣) ارتفع فأظل وعلا، وسماء كل شىء ما علا منه، وبه سميت السماء والسحاب، ثم سُمى المطرُ به لمجىء السحاب به، كما سمى مُزْناً، والمزن: السحاب. وقوله: " أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر بى ... " الحديث، قال الإمام: هذا يحمل على أن المراد به تكفير من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب وخلقها (٤) دون أن يكون خلقاً لله، كما يقول بعض الفلاسفة من أن الله تعالى لم يخلق [من] الأشياء إلا (٥) واحداً وهو العقل الأول عندهم، وكان عن العقل الأول غيره، وهكذا عن واحد آخر إلى أن كان عن كل ذلك ما تحته، حتى ينتهى الأمر إلى الأمطار وإلينا، فى تخليط طويل

стр. 325

١٢٦ - (٧٢) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَعَمْرُو بْنُ سَوَادٍ الْعَامِرِىُّ وَمَحْمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ، قالَ الْمُرَادِىُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُس، وَقالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قالَ: حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدُ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ؛ أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَلَمْ تَرَوْا إِلى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِى مَنْ نِعْمَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ. يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ وَبِالْكَوَاكِبِ ". (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخبَرَنا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبا يُونُسَ مَوْلَى أَبِى هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللهُ الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا "، وَفِى حَدِيثِ الْمُرَادِىِّ: " بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا ". ــ ليس هذا موضع ذكره. وأما من اعتقد أن لا خالق إلا الله سبحانه، ولكن جعل فى بعض الاتصالات من الكواكب دلالة على وقوع المطر من خلقه تعالى، [على] (١) عادة جرت فى ذلك فلا يكفر بهذا، إذا عبر عنه بعبارة لا يمنع الشرع منها. والظن بمن قال من العوام: هذا نوءُ الثُرَيّا، ونوْءُ الراعى، أنه إنما يريد هذا المعنى، وقد أشار مالك ﵀ فى موطئه إلى هذين (٢) المعنيين، وأوردهما فى بابين، وأورد فى المعنى الأول: الحديث الذى نحن فيه، و [أورد] (٣) فى المعنى الثانى: " إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عينُ غديقةٍ " (٤). قال القاضى: قال الحربى: إنما جاءت الآثار بالتغليظ؛ لأن العرب كانت تزعم أن ذلك المطر من فعل النجم، ولا يجعلونه من سقى الله تعالى، فأما من نسبه إلى الله وجعل النوء مثل أوقات الليل والنهار، كان ذلك واسعاً كما قال أبو هريرة: " سقانا الله ولم يَسْقِنا النجم ".

стр. 326

١٢٧ - (٧٣) وحدّثنى عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْل، قالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ عَبَّاس قَالَ: مُطِرَ ــ قال القاضى من طريق ابن عباس فى الأم فى هذا الحديث: " أصبح من الناس شاكر وكافر ": فمقابلته لشاكر بكافر يدل أن المراد كفر النعمة وجحدها إذا لم يضفها إلى ربه ويشكره عليها ولا ولى الأمر أهله، واقتصر على ذكر عادةٍ غير مؤثرة، ومخلوقات مسخرة وآلات مُدبرة، وكذلك يدل عليه قوله - أيضاً - فى الحَدِيث الآخر: " ما أنزل الله من السماء من بركة " وفى اللفظ الآخر: " ما أنعمت على عبادى (١) من نعمة إلا أصبح فريق منهم كافرين "، فدل أنه كفر نعمة لا كفر بالله. وإنما يجوز من هذا أن يذكر بمعنى الوقت أو الآلة، كما قال ﷺ : " تلك عين غديقة "، وكما قال عمر: كم بقيا لنوء الثريا. فأما القول: مطرنا بنوء كذا وإن لم يعتقد قائله تأثير النجوم وفعلها، ففيه مشابهة لقول من يعتقد ذلك، والشرع قد حمى (٢) التشبيه بالكفار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ (٣). إذ كانت كلمة اليهود والمنافقين معرضين بها. وورد فى آخر الحديث المتقدم أن فى هذا نزلت: ﴿فَلا أُقْسِمُ بمَوَاقِعِ النُّجُوم﴾ إلى قوله: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون﴾ (٤). وقد اختلف المفسرون فى معنى هذه الآية، ومعنى النجوم فيها، ومعنى الرزق، فذهب الحسن ومجاهد وقتادة: أن النجوم فيها نجوم السماء ومواقعها إما مغاربها وإما مطالعها أو انكدارها أو انتثارها يوم القيامة، على اختلاف تأويلاتهم فى ذلك. وقيل:

стр. 327

النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ ، فَقالَ النَّبِىّ ﷺ : " أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هذِهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَؤْءُ كَذَا وَكَذَا ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون﴾ (١). ــ مواقع النجوم: منازل القرآن (٢)، أنزل نجوماً. وعن مجاهد: مواقع النجوم: محكم القرآن. وعن ابن عباس: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُم﴾ الآية: أى شكركم، فيقولون: مطرنا بنوء كذا ونجم كذا. قال قطرب: الرزق هنا الشكر، وقيل: وتجعلون شكر رزقكم. وتحقيقه عوض شكر ربكم ونعمه قولكم هذا، وإضافة رحمته لكم لغيره. وعن الهيثم بن عدى فى لغة أزد شنوءة: ما رَزَقَ فلانٌ فلاناً، أى ما شكره (٣). وذكر مسلم آخر الباب: ثنا عباس بن عبد العظيم العنبرى. كذا الرواية، وعند العُذرى الغبرى. وهو تصحيف.

стр. 328

(٣٣) باب الدليل على أن حب الأنصار وعلىّ رضى الله عنهم من الإيمان وعلاماته وبغضهم من علامات النفاق ١٢٨ - (٧٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِىّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْر، قالَ: سَمِعْتُ أنَسًا قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " آيَةُ الْمُنَافِقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ، وآيَةُ الْمُؤْمِنِ حُبُّ الأَنْصَارِ ". (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنِ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: " حُبُّ الأَنْصَار آيَةُ الإِيمانِ، وَبُغْضهُمْ آيَةُ النِّفاَقِ ". ١٢٩ - (٧٥) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قالَ: حَدَّثَنِى مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِى الأَنْصَارِ: " لا يُحِبُّهُمْ إِلا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُهُمْ إِلا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ ". قالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لِعَدِىٍّ: سَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاء؟ قالَ: إِيَّاىَ حَدَّثَ. ١٣٠ - (٧٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هَرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ". (٧٧) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلاهُما عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ". ــ وقوله: " آية المنافق بغض الأنصار ... " الحديث، وقوله مثل ذلك فى على - رضى الله عنه - معناه بَيّن؛ لأن من عرف حق الأنصار، ومكانهم من الدين، ومبادرتهم

стр. 329

١٣١ - (٧٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِر، قالَ: قالَ عَلِىٌّ: وَالَّذِى فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ ﷺ إِلَىِّ: " أَلا يُحِبَّنِى إِلا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُنِى إِلا مُنَافِقٌ ". ــ إلى نصره وإظهاره، وقتال كافة الناس دونه وذَبَّهم عن النبى ﷺ [ونصرهم إياه] (١) حبَّهم ضرورة بحكم صحة إيمانه، وحبّه الإسلام وأهله، وعظموا فى نفسه بمقدار عظم الإسلام فى قلبه، ومن كان منافق السريرة غير مسرور بما كان منهم ولا محب فى إظهارهم الإيمان ونصره، أبغضهم لا شك لذلك؛ وكذلك من حقق مكان على من النبى ﷺ وحُبَّه له وَغَناه فى الإسلام وسوابقه، أحبَّه إن كان مؤمناً محباً فى النبى وآله، وإن كان بخلاف ذلك أبغضه بفضل بغضه للنبى ﷺ [وأهل مِلَّته، ومثل هذا قوله ﷺ ] (٢) فى الحديث الآخر فى الصحابة: " فَبِحُبّى أحبَّهم، وببغضى أبغضهم " (٣).

стр. 330

(٣٤) باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله، ككفر النعمة والحقوق ١٣٢ - (٧٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِىُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يَا مَعْشَرَ النسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ، فَإنِّى رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ". فَقَالتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ، جزْلَةٌ: وَمَا لَنا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهلِ النَّارِ. قالَ: " تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذى لُبٍّ مِنْكُنَّ ". قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قالَ: " أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَهذَا نُقْصَانُ العَقْلِ. وَتَمْكُثُ اللَّيالِى مَا تُصَلِى، وَتُفْطِرُ فِى رَمَضَانَ، فَهذَا نُقْصَانُ الدِّينِ ". وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، بهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. (٨٠) وحدّثنى الْحَسَنُ بْنُ عَلِىّ الْحُلْوَانِىُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قالَ: أَخْبَرَنِى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَمرِو بْنِ أَبِى عَمْرو، عَنِ المَقْبُرىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ــ وقوله: " يا معشر النساء تصدَّقن وأكثرن الاستغفار ... " الحديث: حضٌّ على الأمر بالصدقة والاستغفار، وأمره بذلك دليل أن العصاة ليسوا بكفارٍ، وأنهم فى مشيئة الله [تعالى] (١)، وأن الحسنات يذهبن السيئات، وفيه دليل أن كفران العشير (٢) واللعن من الذنوب المتوعد عليها بالنار.

стр. 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفيه: " فقالت امرأةٌ منهنَّ جَزْلةٌ ": أى ذات عقل ودين. قال ابن دريد: الجزالة: الوقار والعقل، وفى العين: امرأة جزيلة، أى ذات عجيزة عظيمة، وأصله العظيم من كل شىء، ومنه عطاء جزل (١). وقوله: " يكثرن اللعن ويكفرن العشير ": اللعن فى اللغة: الطرد والإبعاد، ومعناه فى الشرع: الإبعاد من رحمة الله. والعشير هنا: الزوج، يسمى بذلك الذكر والأنثى؛ لأن كل واحد منهما يعاشر صاحبه، والعشير - أيضاً - الخليط والصاحب. وقد قال الباجى: يحتمل أن يريد به الزوج خاصة، ويحتمل أن يريد به كل من يعاشرهن. ودليل الحديث خلاف ما قاله من شرحه بمعنى الزوج بعد هذا دون غيره، واستحقاقهن النار بكفران إحسان العشير وجحد حقه، يدلُّ أنه الزوج لعظيم حقه عليهن (٢). وإدخال مسلم هذا الحديث فى كتاب الإيمان لفائدتين: إحداها: بيان أن الكفر قد ينطلق على كفر النعمة وجحد الحق وتغطيته وهو أصل الكفر فى اللغة، لكفران العشير المذكور فى الحديث، وكفر الإحسان المذكور فى الحديث فى غير الأم، إذ لا إشكال أنه لم يرد به هنا الكفر بالله، وفسَّر به كل ما أطلق عليه اسم الكفر على أهل المعاصى فيما تقدم من الأحاديث. قال أحمد بن منصور (٣): يكفرن العشير ويكفرن الزوج كلام واحد، أى يكفرن إحسان الزوج. قال: وكفر النعمة من أكبر المعاصى، ولو كان خروجاً من الإيمان لم يمكن الزوج من التمسّك بها وموارثتها. قال القاضى: والثانية: إظهار نقص الإيمان وزيادته بقوله: " ناقصات عقل ودين ". وقوله: " لذى لُبّ ": أى لذى عقل (٤)، ومنه تكرار قول النبى ﷺ قول الأعشى

стр. 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فى امرأته (١): وهن شرَّ غالب لمن غلب. وقول صاحبة أم زرع: " وأغلبه والناس تغلب " (٢)، وقول [معاوية] (٣): يغلبن الكرامَ ويغلبهن اللئام. وقوله: " ناقصات عقل أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل "، قال الإمام: هذا تنبيه منه ﷺ على ما وراءه لأنه ليس فى [هذا] (٤) الوصف بقصور شهادتهما عن شهادة الرجل بمجرده دليل على نقص العقل حتى يتم بما نبَّه الله عليه سبحانه (٥) فى كتابه، منِ أن ذلك لأجل قلة ضبطها (٦)، وذلك قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخرى﴾ (٧). وقد اختلف الناس فى العقل ما هو؟ فقيل: العلم، وهذه طريقة من اتبع حكم اللغة؛ لأن العلم والعقل فى اللسان بمعنى واحد، ولا يفرقون بين قولهم عَقلْت وعلمْت، وقيل: العقل: بعض العلوم الضرورية. وقيل: هو: [قوة] (٨) يُميَّز بها بين حقائق المعلومات.

стр. 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأما على قول من قال: هو العلم، فيكون وصفهن بنقص العقل (١) لأجل النسيان وقلة الضبط على ظاهره؛ لأن ذلك نقص من العلوم. وعلى رأى من رأى أن العقل غير ذلك يكون قلة الضبط والنسيان وشبه ذلك عَلماً على القصور والنقص فى ذلك المعنى الطبيعى، الذى هو شرط فى تلقى التكاليف وكثرة العلوم. وأما وصفه إياهن بنقص الدين لأجل ترك الصلاة فى الحيض، فيصح إذا قلنا: إن العبادات كلها تُسمى ديناً، إلا أنه لا لوم عليهن فى ذلك لأن (٢) تركهن الصلاة حينئذ طاعة، فإن قيل: قد يقلن: نحن كالمسافر فى القصر والفطر وليس بناقص الدين؟ قيل: قد يفرق بأن الحيض يستقذر، ولعل ترك التعبد بالصلاة [فيه] (٣) تنزيه لله تعالى أن يتقرب إليه فى تلك الحالة فيصير النقص من هذه الجهة، على أن السفر أمر يكتسب، وفى وسع الإنسان ألا يسافر فلا تسقط عنه الصلاة، والحيض ليس فى وسع المرأة رفعه، فسقوط الصلاة عنها أمرٌ ضرورى لها، وهذا كله قد لا يُحتاج إليه؛ لأن المسافر لا تَسْقُط عنه الصلاة أصلاً، وإنما تغيَّر عدة الفرض، والمرأة الحائض تسقط عنها بكل حال. قال القاضى: وقد ينكسرُ كلام من قال: منعت من الصلاة للتنزيه بعبادة الله تعالى لأجل الاستقذار الذى ذكرنا بما أباح الله لها من سائر العبادات غير الصوم والصلاة فى تلك الحال، وفيها ما هو من نوع الصلاة كقراءة القرآن ظاهراً على خلاف فيه عندنا، وفى الإقبال على الذكر وسائر أفعال الحج ما خلا الطواف ولالتزام الحائض فى اعتكافها ما كانت تلزمه قبل طروِّ الحيض غير الصوم، ولزوم المسجد على أحد القولين عندنا (٤). وقوله فى سند هذا الحديث: عن عمرو بن أبى عمرو عن المقبرى عن أبى هريرة، قال أبو مسعود الدمشقى (٥): المقبرى هنا هو أبو سعيد والد سعيد. قال الجيَّانى: وهذا فى رواية إسماعيل بن جعفر (٦) عن عمرو بن أبى عمرو. [وقال الدارقطنى: وخالفه

стр. 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سليمان بن بلال (١) فراوه بن عمرو بن أبى عمرو، (٢) وعن سعيد المقبرى: وقول سليمان أصح.

стр. 335

(٣٥) باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ١٣٣ - (٨١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَان يَبْكِى. يَقُولُ: يا وَيْلَهُ - وَفِى رِوَايَةِ أَبِى كُرَيْبٍ: يا وَيْلِى - أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسَّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِىَ النَّارُ ". (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " فَعَصَيْتُ فَلِىَ النَّارُ ". ــ وقوله: " إذا قرأ ابن آدم السجدة (١) اعتزل الشيطان يبكى "، قال الإمام: احتج به أصحاب أبى حنيفة فى أن سجود التلاوة واجب لتشبيه إبليس إياه بسجوده لآدم. قلنا: يحتمل أن يكون لم يرد المشابهة فى الأحكام بل فى كونه سجوداً، فذكر [به] (٢) ما سلف له، ولكن إنما يصح لهم الحجة إذا وجب التعلق بما قال لقوله: أُمِرَ ابن آدم، على قول الأشعرى وغيره: أن المندوب إليه [غيرُ مأمور به] (٣). قال القاضى: أصل السجود فى اللغة الميلُ والخضوع، قال يعقوب: أسجَدَ الرجلُ إذا طأطأ رأسه، وسجد إذا وضع جبهته فى الأرض، وقال ابن دريد: أصل السجود إدامة النظر مع إطراق إلى الأرض وكذلك أسْجد. وقال غيره: سجدت النخلة: مالت، وسجدت الناقة: طأطأت رأسها. وقال المفسرون أيضاً: كان سجود الملائكة لآدم تحية لا عبادة له وطاعة (٤) لله، وقد كان - فيما ذكر قبل - السجودُ للتحية، والتكرمة مباحاً (٥)، وقيل ذلك فى قوله

стр. 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تعالى] (١): ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (٢) أى ليوسف، وقيل: لله، والهاء فى " له " عائدة عليه تعالى. وقيل: أمرهم الله تعالى بالسجود ليظهر فضله عليهم، إذ ظنت الملائكة أنه لا يفضلهم أحد، وقيل: هو معنى قوله: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُون﴾ (٣) ذكر هذا عن قتادة (٤)، فلما خلق الله آدم [وأعلمه من الأشياء بما لم يعلموه] (٥)، بان أنه أعلم منهم، فلما أمرهم بالسجود له بان فضله عليهم. وقول الإمام [﵀] (٦): فى تصحيح الحجة للحنفى على [قول] (٧) الأشعرى (٨): أن المندوب غير مأمور به فلا ينتزع من هذا الحديث جملةً؛ لأن ذلك إنما هو فيما ورد من أمر الله ورسوله، أو حكاه الرسول عن ربه، وأما هذا فإنما هو حكاية عن قول إبليس، وقد يكون مخطئاً فى تعبيره عن ذلك بالأمر، فلا يحتج بقوله، كما أخطأ فى قوله محتجاً لفضيلة (٩)، بزعمه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِين﴾ (١٠)، إلا أن يقول قائل: إن ذكر النبى ﷺ ذلك عنه ولم ينكره كالإقرار له (١١)، فما ذلك ببيّن، فقد حكى الله تعالى وحكى هو عليه ﷺ عن أهل الكفر مقالات كثيرة، ولم يكن ذلك تصويباً لها، وكذلك ليس فى قوله: " فله الجنة " دليل على وجوبها إذ ليس كل ما يدخُل

стр. 337

١٣٤ - (٨٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيانَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشَّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاةِ ". (...) حدّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْن مَخْلَدٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ. أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشَّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ ". ــ بفعله الجنة واجباً، فالمندوب يثابُ عليه بالجنة وليس بواجب. وقوله: " بين الرجل والكفر والشرك ترك الصلاة " (١) معناه: بين المسلم وبين اتسامه باسم الكفار واستحقاقه من القتل ما استحقوه ترك الصلاة وقد يكون معنى الحديث: إن بالصلاة والمواظبة عليها وتكرار ذلك فى يومه وليلته يفترق (٢) المسلم من الكافر، ومن ترك ذلك ولم يهتبل به ولا تميز بسيماء المؤمنين دخل فى سواد أضدادهم من الكفرة والمنافقين. وفيه دليل لمن كفَّر تارك الصلاة من السلف والعلماء وإن كان معتقداً وجوبها. وهو قول على بن أبى طالب - رضى الله عنه - وجماعة من السلف. وذهب إليه فقهاء أهل الحديث أحمد بن حنبل وابن المبارك وإسحاق وابن حبيب من أصحابنا (٣)، وجماعة من العلماء على أنه ليس بكافر، وأكثرهم يرى قتله إن أبى منها، والكوفيون لا يرون قتله ويُعزَّر حتى يصلى، ونحوه (٤) [للمزنى] (٥) ثم اختلفوا فى استتابته. ومن لم يكفره يقتله حدًّا. قال ابن القصار: واختلف أصحابنا فى استتابته، فمن لم يستتبه يجعله كسائر الحدود التى لا تسقطها التوبة [يؤخر حتى يَمُرَّ وقت صلاة، فإن لم يصل قتل] (٦) وكذلك اختلفوا

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فى قتله إذا تركها متهاوناً (١)، وإن قال: أصلى وفى استتابته وتأخيره. فذهب (٢) مالك [﵀] (٣) أنه يؤخَّر حتى يخرجَ الوقتُ، فإن خرج ولم يصل قُتل. والصحيح أنه عاص غير كافر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه لا يَغْفِر أَن يُشْرَكَ بِهِ ويغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (٤)، وأن يُقتل إن أبى منها لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاة﴾ الآية (٥)، ولقوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم " (٦). واختلف العلماء فى أخوات الصلاة كالزكاة والصيّام والحج والوضوء والغسل، هل يقتل الأبىُّ منها المعترفُ بفرضها أو يعاقب؟ وهل [هو] (٧) كافر أو عاص؟ ومذهب مالك فيمن أبى من ذلك فقال: لا أتوضأ ولا أصوم يُستتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل، وإن قال: لا أزكى أخِذت منه كُرهاً، فإن امتنع قوتل، وإن قال: لا أحُج لم يجبر لكون فرضه على التراخى دون الفور (٨). وقال ابن حبيب (٩): من قال عند الإمام: لا أصلى وهو فرضٌ على قُتل ولا يُستتاب، وكذلك من قال عنده: لا أتوضأ ولا أغتسل من جنابة ولا أصوم رمضان. قال ابن حبيب: من ترك الصلاة عامداً (١٠) أو مُفَرِّطاً [فهو] (١١) كافر، ومن ترك أخواتها

стр. 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ متعمداً من زكاة وصوم وحج فهو كافر (١). وقاله الحكم بن عتيبة (٢) وجماعة من السلف. وقال: لا يكفر إلا بجحد هذه الفرائض، وإلا فهو ناقص الإيمان فاسق، واحتجوا بإجماع الصدر الأول على مواربة من لا يصلى ودفنهم مع المسلمين (٣)، وكذا (٤) الخلاف فى الزكاة إذا امتنع بها ولم يقدر أن تأخذ منه، وإلا فمتى منعها أخذت منه كرهاً وجوهد على ذلك إن امتنع. ولا خلاف فى جاحد فرض من هذه الفرائض أنه كافر.

стр. 340

(٣٦) باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال ١٣٥ - (٨٣) وحدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِى مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ. أَخْبَرَنا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِى ابْنِ سَعْدٍ - عَنِ ابْن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَىُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " إِيمانٌ بِاللهِ ". قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللهِ ". قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " حَجٌّ مَبْرُورٌ ". وَفِى رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قالَ: " إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ". وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهَرِىِّ، بِهذَا الإِسْنادِ، مِثْلَهُ. ــ وقوله ﷺ وقد سئل: أى الأعمال أفضل؟ قال: " إيمان بالله " (١): فجعله من العمل، والإيمان غيرُ العمل فى عُرف الكلام، وإن كان فى الحقيقة من الأعمال. وقد فرق بين الإيمان والأعمال فى الكتاب وفى أحاديث أخر، وأطلق اسم الإيمان مجرداً على التوحيد وعمل القلب، والإسلام على النطق وعمل الجوارح. وأطلق الشرع فى غير موضوع الإيمان على العمل. وقد تقدم أن حقيقة الإيمان مجرد التصديق المطابق للقول والعقد، وتمامه بتصديق العمل بالجوارح، فهذا أجمعوا أنه لا يكون مؤمنٌ تام الإيمان إلا باعتقاد وقول وعمل، وهو الإيمان الذى ينجى رأساً من نار جهنم، ويعصم المال والدم. وإذا كان هكذا من الارتباط والاشتراط صلح إطلاق اسم الإيمان على جميعها وعلى بعضها من عقد أو قول أو عمل. وعلى هذا فلا يشك أن التصديق والتوحيد أفضل الأعمال، إذ هو شرط فيها، وقد يحتمل أن يشير بقوله: " أفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله " إلى الذكر الخفى وتعظيم حق الله ورسوله وإدامة ذكر الله وتفهم كتابه وتدبر آياته، وهى من أعمال القلب ومحض الإيمان - كما جاء فى الحديث الآخر -: " خير الذكر الخفى " (٢).

стр. 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما ذكره فى حديث أبى هريرة بعد الإيمان الجهاد ولم يذكر الصلاة والزكاة؛ فلأنهما قرينتا التوحيد، لجمعهما فى القرآن والحديث مع الإيمان بالله (١)، فيكون اسم الإيمان منطلق عليهما، ولعله المراد بالإيمان أولاً، كما وقع فى حديث ابن مسعود فبدأ بالصلاة لميقاتها، ثم ذكر [ما عداها] (٢) فذكر الجهاد والحج، ولم يذكر الحج فى حديث أبى ذرٍّ، وفى حديث ابن مسعود، وبدأ بالصلاة، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد. وقيل: إنما اختلفت الأجوبة فى هذه الأحاديث والأحاديث المتقدمة: " أى الإسلام أفضل " لاختلاف الأحوال، وأعلم كلَّ قوم بما تهمُّ الحاجة إليه، وترك ما لم تدْعُ حاجتهم إليه، أو مما كان علمه السائلُ قبل فأُعْلم بما تدعو الحاجة إليه، أو بما لم يكمله بعد [من] (٣) دعائم الإسلام، ولا بلغه علمه. وقيل: قدَّم فى حديث أبى هريرة فضل الجهاد على الحج؛ لأنه كان [فى] (٤) أول الإسلام ومحاربة أعدائه والجد فى إظهاره. وقوله: " حج مبرور ": قال شمر: هو الذى لا يخالطه شىء من المأثم، كما قال تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَج﴾ (٥)، ومنه: برَّت يمينه إذا سلم من الحنث، وبرَّ بيْعهُ إذا سلم من الخداع والخلابة (٦). وقال الحربى: بُرَّ حَجُّك - بضم الباء - وبَرَّ اللهُ حجَّك - بفتحها - إذا رجع مبروراً مأجوراً. وقيل: المبرور: المتقبل، وفى الحديث: سئل رسول الله ﷺ ما بَرَّ الحج؟ قال: " إطعام الطعام، وطيب الكلام " (٧). فعل هذا يكون من البر الذى هو فعل الجميل فيه والبذل [منه، و] (٨) منه بر الوالدين والمؤمنين، ويكون - أيضاً - فى هذا كله بمعنى الطاعة ويكون بمعنى الصدق، وضده الفجور، ومنه برَّت يمينه، فيكون الحجُّ المبرور الصادق الخالص لله [تعالى] (٩) على هذا.

стр. 342

١٣٦ - (٨٤) حدّثنى أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْد، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. ح وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْد، عَنْ هِشَامِ بْن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى مُرَاوِح اللَّيْثِىِّ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أَىُّ الأَعْمَالِ أَفُضَلُ؟ قَالَ: " الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالْجِهَادُ فِى سَبِيلِهِ " قَالَ: قُلْتُ: أَىُّ الرَّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَناً ". قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: " تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ ". قَالَ: قُلْتُ: ياَ رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: " تَكُفُّ شَرَّك عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّها صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ ". (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنا، وَقَالَ ابْن رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِى مُرَاوِحٍ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " فَتُعِينُ الصَّانِعَ أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ ". ــ وقوله: " تعين صانعاً أو تَصْنَع لأخرق "، قال الإمام: الأخرق هنا (١) الذى لا صنعة له، يقال: رجلٌ أخرق وامرأة خرقاء، فإن كان [رجلاً] (٢) صانعاً حاذقاً قيل: رجلٌ صنَعٌ - بغير ألف - وامرأة صناعٌ - بألف بعد النون. قال أبو ذؤيب فى المُذَكّر: وعليهما مَسْرودتان قضاهما ... داود أو صَنَع السّوَابغ تُبَّعُ (٣) وقال آخر فى المؤنث: صَنَاعٌ بإشفاها حَصَان بِشكْرِها ... جوادٌ يقوت البطْن والعرقُ زاخِرُ (٤) قال المبرد وغيره: الشكرُ: الفَرْجُ. قال القاضى ﵀: روايتنا فى هذا الحديث: " ضايعاً " من طريق هشام أولاً

стр. 343

١٣٧ - (٨٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبانِىّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ العَيْزَارِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِياسٍ أَبِى عَمْرو الشَّيْبانِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ قَالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " الصَّلاةُ لِوَقْتِها " قَالَ: قُلْتُ: ثُمّ أَىٌّ؟ قَالَ: " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ". قَالَ: قُلْتُ: ثُمّ أَىٌّ؟ قَالَ: " الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللهِ "، فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ إِلا إِرْعَاءً عَلَيْهِ. ١٣٨ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ الْمَكِّىُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِىُّ. حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورِ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، عَنْ أَبِى عُمْرِو الشَّيْبانِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِىّ اللهِ، أَىُّ الأَعْمَالِ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " الصَّلاةُ عَلَى مَوَاقِيتِها " قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِىَّ اللهِ؟ قَالَ: " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ " قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِىَّ اللهِ؟ قَالَ: " الْجِهَاد ــ بالضاد المعجمة وبياء بعد الألف، وكذلك فى الحديث الآخر (١) من جميع طرقنا عن مسلم فى حديث هشام والزهرى، إلا من رواية أبى الفتح الشاشى عن عبد الغافر الفارسى، فإن شيخنا أبا بحر حدثنا عنه فيهما بالصاد المهملة كما تقدم، وهو صواب الكلام لمقابلته بأخرق، وإن كان المعنى من جهة معونة الصانع - أيضاً - صحيحاً (٢)، لكن صحة الرواية هنا عن هشام بالضاد (٣)، وكذلك رويناه فى صحيح البخارى (٤). قال ابن المدينى: الزهرى يقول: الصانع بالصاد المهملة، ويرون أن هشاماً صَحَّف [فى] (٥) " ضايعاً ". قال الدارقطنى [عن معمر: كان الزهرى يقول: صحف هشام، قال الدارقطنى] (٦): وكذا أصحاب هشام عنه بالضاد المعجمة، وهو تصحيف، والصواب ما قاله الزهرى. [وفى الموطأ من رواية التنيسى وابن وهب وغيرهما عن الزهرى] (٧): أن تضع لضايع بالمعجمة، وقد تُصحح هذه الرواية أيضاً قوله فى حديث أبى موسى: وأعن ذا الحاجة. وقوله: " فما تركت أن أستزيده إلا إرعاءً عليه ": أى إبقاء عليه لئلا أحرجه أو أكثر عليه بالسُّؤال، وقد قال فى الحديث الآخر: " ولو استزدته لزادنى ".

стр. 344

فِى سَبِيلِ اللهِ ". ١٣٩ - (...) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبا عَمْرِو الشَّيْبانِىَّ قَالَ: حَدَّثَنِى صَاحِبُ هذهِ الدَّارِ - وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَىُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: " الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِها " قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: " ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ " قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: " ثُمَّ الْجِهادُ فِى سَبِيلِ اللهِ ". قَالَ: حَدَّثَنِى بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِى. (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَزَادَ: وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ، وَمَا سَمَّاهُ لَنا. ١٤٠ - (...) حدّثنا عُثْمانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى عَمْرِو الشَّيْبانِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " أَفْضَلُ الأَعْمَالَ - أَوِ الْعَمَلِ - الصَّلاةُ لِوَقْتِها، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ". ــ قال صاحب العين: الإرعاء الإبقاء على الإنسان (١).

стр. 345

(٣٧) باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده ١٤١ - (٨٦) حدّثنا عُثْمانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنا جَرِيرٌ، وَقَالَ عُثْمانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُور، عَنْ أَبِى وَائِل، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرْحَبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: " أَنْ تَجْعَلَ لِلّهِ ندًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ". قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: " ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ". قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: " ثُمَّ أَنْ تُزَانِى حَلِيلَةَ جَارِكَ " ١٤٢ - (...) حدّثنا عُثْمانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِير، قَالَ عُثْمانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبى وَائِل، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: قَالَ عبد الله: قال رَجُلٌ: يَا رَسُولِ اللهِ، أَىٌّ الذَّنْبِ أَكْبر عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: " أَنْ تَدْعُوَ لِلّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلقَكَ ". قَالَ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: " أَنْ تَقْتُل وَلَدَكَ مَخافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ". قَالَ: ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ: " أَنْ تُزَانِى حَليلَةَ جَارِكَ "، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (١). ــ وقوله: وقد سئل أىُّ الذنب أعظمُ عند الله قال: " أن تجعل لله نداً [وهو خلقك، وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، وأن تزانى حليلة جارك وعقوق الوالدين ...] (٢) " الحديث، قال الإمام: قوله: " نداً ": الندُّ هو المثل (٣)، وجمعه أنداد، ومنه قول الله

стр. 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ (١)، وقول: " [وأن تقتل ولدك] (٢) مخافة أن يطعم معك " إشارة إلى معنى ما فى القرآن من قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاق﴾ (٣)، وقوله: ﴿مِّنْ إِمْلاق﴾ (٤) وهما يفيدان معنيين فقوله: ﴿مِّنْ إِمْلاق﴾ خطاب للفقراء (٥)، وقوله: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاق﴾ خطاب للأغنياء (٦)، والذى فى الحديث الأشبه بظاهره مطابقة الآية التى للأغنياء. وقوله: " حليلة جارك ": أى امرأة جارك. قوله: " وعقوق الوالدين ": العقوق قطع البر الواجب. قال الهروى وغيره: أصل العق القطع والشق، وقيل للذبيحة عقيقة؛ لأنها يشق حلقُومها. قال القاضى: قدَّم ﷺ هذه الثلاثة الأشياء (٧) لاعتياد الجاهلية بها؛ من الكفر بالله، وفاحشة الزنا، ووأد البنات. وهى الإشارة بقتل الولد، والله أعلم؛ لأن العرب إنما كانت تئد البنات لوجهين، لفرط الغيرة [ومخافة] (٨) فضيحة السبى والعار بهن، أو لتخفيف نفقاتهن ومؤنتهن، وهو معنى قوله تعالى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاق﴾ الآية. ومعنى قوله ﷺ : " مخافة أن يطعم معك " وكانوا يتحملون ذلك فى الذكور لما يؤملون فيهم من شَدِّ العضد، وحماية الجانب، وكثرة العشيرة، وبقاء النسل والذكر، وقد نبَّه الله تعالى على هذا بقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى﴾ الآية (٩)، ثم ذكر الزنا وخصَّه بحليلة الجار (١٠)؛ لأنه أعظم بابه، إذ لا يزانى الرجل غالباً إلا من يمكنه لقاؤه، ويجاوره فى محله وقرينه. ونبه بإضافة الحليلة إلى الجار على عظيم حقه، وأنه يجب عليه من الغيرة عليه من الفاحشة ما يجب لحليلتك، والحديث الآخر يبينه.

стр. 347

(٣٨) باب بيان الكبائر وأكبرها ١٤٣ - (٨٧) حدّثنى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ الْجُرَيْرِىّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ؟ - ثَلاثًا -: الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ - أَوْ قَوْلُ الزُّورِ "، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَكِئًا فَجَلَسَ، فَما زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ. ١٤٤ - (٨٨) وحدّثنى يَحْيَى بْنُ حَبِيب الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِى بَكْر، عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِىِّ ﷺ ، فِى الْكَبَائِرِ قَالَ: " الشَّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ ". (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَبائِرَ - أَوْ سُئِلَ عَنَ الْكَبائِرِ - فَقَالَ: " الشَّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْس، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْن ". وَقَالَ: " أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبائِرِ؟ " قَالَ: " قَوْلُ الزُّور - أَوْ قَالَ شَهادَةُ الزُّور " قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ ظَنِّى أَنه شَهَادَةُ الزُّورِ. ١٤٥ - (٨٩) حدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ، عَنْ أَبِى هَرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَ: " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقاتِ " قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: " الشرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقتْلُ النَّفسِ الَّتِى حَرَّمَ الله إِلا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيم، وَأَكْلُ الرِّبا، وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ". ــ وذكر فى حديث أبى بكرة (١): الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور أو قول الزور، وزاد فى حديث أنس: قتل النفس، وذكر فى حديث أبى هريرة: السبع

стр. 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الموبقات، فذكر الشرك، والسحر، والقتل، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات. وفى غير [مسلم فى] (١) حديث أيوب تسع (٢)، وزاد عقوق الوالدين، واستحلال بيت الله الحرام، وفى حديث عبد الله بن عمرو: " من الكبائر شتم الرجل والديه " الحديث (٣)، وفى غير مسلم فيه ذكر اليمين الغموس (٤) هذه لتعيين الكبائر وأكبر الكبائر المذكورة هنا (٥)، وقد بقيت كبائر لم تذكر فى هذه الأحاديث (٦). وقد اختلفت الآثار وأقوال السلف والعلماء فى أعداد الكبائر، وقال ابن عباس: كل ما (٧) نهى الله عنه فهو كبيرة. وسئل: أهى سبع؟ فقال: هى إلى السبعين - ويروى إلى سبعمائة - أقرب، وقال - أيضاً -: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب (٨)، ونحوه عن الحسن، وقيل: هى ما أوعد الله عليه بنار أو بِحَدٍّ فى الدنيا، وعدّوا الإصرار على الصغائِر من الكبائر، فروى عن عُمَرَ وابن عباس: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار (٩)، وعن ابن مسعود وجماعة من العلماء: الكبائر جميع ما

стр. 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْه﴾ (١). وقيل: يحتمل ذكر النبى ﷺ لما ذكر من الكبائر أن ثم كبائر أخر لم تُبيَّن؛ ليكون الناس من اجتناب جميع المنهيات على حذر لئلا يواقعوا كبيرة. وإلى ما نحى ابن عباس إليه من أن كل ما عصى الله به كبيرة قال المحققون (٢) به قالوا: واختصاص النبى ﷺ ما سماه من الكبائر وأكبر الكبائر، ليس فيه دليل على أن لا كبيرة سواها. وأما ترتيبه أكبر الكبائر: فأما تقديم (٣) الشرك فلا خفاء به، وترتيب ما رتب بعده بحكم ما يكون أعظم ارتكاباً فى ذلك الوقت وما تخشى مواقعته، وتمس الحاجة إلى بيانه. وليس يقتضى أن لا كبيرة إلا ما نص عليه أو لا كبيرة بعد الإشراك أكبر مما نص على تواليه فى تلك الأحاديث، إذ قد وجدنا اللواط [أعظم من] (٤) الزنا، ولا ذكر له فى الأحاديث، والقتل أعظم من عقوق الوالدين ولم يذكره فى بعض الأحاديث، بل اختلافهما يدل على ما ذكرناه من ذكر الأهم وما تمسُّ الحاجة إليه، كما تقدم فى (٥) ذكر أفضل الأعمال. وقد يكون ما نصّ أكبر الكبائر بعد الشرك من القتل، ثم ذكر بعده فى بعضها (٦) العقوق، وفى بعضها عقوق الوالدين بعد الإشراك، ثم ذكر يمين الغموس فى حديث عبد الله بن عمرو على ترتيب آخر، وهو أن القتل جاء ثانياً للشرك فى حديث، وعقوق الوالدين جاء ثانياً فى حديث آخر، فيفهم من هذا المعنى أن إثمهما واحد ودرجتهما فى العقوبة سواء، ثم كذلك اليمين الغموس مع الزنا فى درجة

стр. 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثالثة. وإلى هذا الجمع نحا أبو جعفر الطحاوى (١). وقيل - أيضاً -: قد يكون القتل ثم الزنا مقدمين على العقوق واليمين الغموس، لكن الراوى لم يحفظهما فذكر ما حفظ. وإليه مال بعض من لقيناه من الجلة. وليس هذا عندى بالسَّديد؛ لأن تحميل الراوى ما لم يرو أو إلزامه الغلط فيما رواه صعبٌ، وباب إن فُتِح دخل منه على الشريعة خطْبٌ. وقد يكون التنبيه بالزنا على اللواط وشبهه، وإن كان بعضه أشد من بعض وأعظم، ولكن درجته واحدة فى باب تشابه جنس المعصية، وإن كانت آثامُ أنواعها مختلفةً، والعقوبات عليها متفاوتة، كما نبَّه بقتل الابن مخافة أن يأكل معه على قتل غيره وعلى جميع أنواع القتل، وإن كان قتل الولد أشد، وبالزنا بالجارة على غيرها من الأجانب، وعن شبَهه من فعل الرجال بالرجال والنساء بالنساء وإن كان بعضها أشد من بعض. ويعضد هذه الإشارة قوله فى الأم آخر الحديث: " فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ [النَّفْس] (٢) الَّتِي حَرَّمَ اللَّهِ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُون ....﴾ الآية (٣) ". فقد عمَّ ما خصَّ (٤). وتأكد أمرُ الجارة لحرمتها وحرمة زوجها أو وليها، ولما ورد فى حديث المقداد: " لأن يزنى الرجلُ بعشر نسوة أيْسر عليه من أن يزنى بامرأة جاره " (٥). وقوله: " الموبقات ": أى المهلكات، يقال: وبَق الرجلُ - بالفتح - يبق ووبق بضم الواو يوبق إذا هلك، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾ (٦): أى من العذاب، وقيل: موعداً، وقيل: محبساً. وعدّه فى الكبائر التولى يوم الزحف حجة لمذهب الجماعة فى ذلك خلاف ما ذهب إليه الحسن: أن ذلك ليس من الكبائر، وأن الآية الواردة فى ذلك فى أهل بدر خاصة (٧)،

стр. 351

١٤٦ - (٩٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهادِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مِنَ الْكَبائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ " قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِديْه؟ قَالَ: " نَعَمْ، يَسُبُّ أَبا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَباهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ ". (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار، جَمِيْعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، ــ وحجة فى الرد على من ذهب [إلى] (١) أن الآية منسوخة بقوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْن﴾ ثم نسخ ذلك وخفف بقوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم﴾ (٢). والصواب كون الآية محكمة (٣)، ثم بيَّن وخفَّف بما جاء فى الآية الأخرى. وقوله: " من الكبائر شتم الرجل والديه .. " الحديث، قال الإمام: يؤخذ من هذا الحديث الحجة لأحد القولين فى منع بيع ثياب الحرير لمن يلبسها وهى لا تحل له، وبيع العنب لمن يعصره خمراً ويشربها؛ لأنه ذكر فيه أن من فعل السبب فكأنه الفاعل لذلك الشىء مباشرة. قال القاضى: جعل هذا من الكبائر لأنه سببٌ لشتمهما وشتمهما من العقوق، وقد

стр. 352

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلاهُما، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهذَا الإِسْنادِ، مِثْلَهُ. ــ تقدَّم أن عقوقهم من أكبر الكبائر. وفيه: حجةٌ لقطع الذرائع (١) ومنعها، ومثله (٢) قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم﴾ (٣).

стр. 353

(٣٩) باب تحريم الكبر وبيانه ١٤٧ - (٩١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلِ الْفُقَيْمِىِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِىِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ". قَالَ ــ وقوله: " لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرةٍ من كبر ": قال الخطابى (١): يتأوَّل على وجهين: أحدهما: أنه أراد كبر الكفر، يعنى الكبر عن الإيمان، بدليل قوله آخر الحديث: " ولا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان " فقابل الإيمان بالكفر. والثانى: أن كل من يدخل الجنة ينزع ما فى قلبه من كبر وغل. قال: وقوله: " لا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة (٢) من إيمان ": أى دخول خلود. قال القاضى: وكذلك - أيضاً - يتأول: " لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر": أى دون مجازاة إن جازاه الله تعالى بكبره، وأما التأويل الثانى فيبعد فى هذا الحديث ومفهومه خلافه، بدليل قوله: " ولا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ". وذكر مثقال الذرة هنا من الإيمان وهو لا يتجزأ، إذا أريد به حقيقته (٣) من المعرفة وتصديق القلب، ومعناه هنا - إن شاء الله - التمثيل بأقل درجات الإيمان، وهو مجرد التصديق بأقل مثاقيل الوزن، أو يكون الإشارة بالتجزىء إلى ما زاد على ذلك من أذكار القلب وإيمانه بما زاد على التوحيد ومفهوم الشهادتين وغير ذلك، وسيأتى بسط هذا فى أحاديث الشفاعة. وقوله: " قال رجل ": إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنةً. قال: " إن الله جميل يحب الجمال ": [الرجلُ مالك بن مُرَّارة الرهاوى] (٤).

стр. 354

رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحبُ أَن يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: " إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ. الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ". ــ قال الإمام: أطلق فى هذا الحديث تسمية البارى تعالى جميلاً، ويحتمل أن يكون سماه بذلك لانتفاء النقص عنه؛ لأن الجميل مِنّا من حسنت صورته، ومضمون حُسْنِ الصورة انتفاءُ النقائص (١) والشين عنها، ويحتمل أن يكون جميل ها هنا بمعنى مُجمل أى محسن، كما أن كريماً بمعنى مكرم. وأما الحديث الذى فيه: إن ترك الصلاة كفْر، ومذهب من تعلق به فقد تقدم الكلام عليه (٢). قال القاضى: ذكر أبو القاسم بن هوازن القشيرى (٣) أن جميلاً بمعنى جليل، وحكى الخطابى أنه بمعنى ذى النور والبهجة، أى مالكها وربها، وذكر أبو بكر الصوفى أن معناه: جميل الأفعال بكم (٤) والنظر لكم، يكلفكم اليسير ويعين عليه ويثيب عليه الجزيل، ويشكر عليه، فهو يحب الجمال منكم، أى التجمل فى قلة إظهار الحاجة إلى غيره. قال القاضى: ورد فى هذا الحديث تسميتُه بهذا، وكذلك فى حديث الأسماء المأثورة من رواية عبد العزيز بن حصين بن الترجمان (٥)، وهو ضعيف. واختلف أهل العلم والنظر من أهل السنة فى تسمية الله تعالى ووصفه من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما لم يرد به شرعٌ ولا منعه، فأجازه بعضهم ومنع آخرون، إلا أن يرد به شرع من نص كتاب أو سنة متواترة أو أجمعت على إطلاقه الأمة. ثم اختلفوا إذا ورد به شرع غير مقطوع به بخبر الاحاد، فأجازه بعضهم، ورأى أن الدعاء به والثناء والذكر [به] (٦) من

стр. 355

١٤٨ - (...) حدّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِىُّ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُما عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُسْهِرِ، قَالَ مِنْجَابٌ: أَخْبَرَنا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِياءَ ". ــ باب العمل الذى يستند إلى خبر الواحد (١)، ومنعه آخرون لأنه راجع إلى اعتقاد ما يحب ويجوز ويستحيل على الله، وباب هذا القطع، والصواب جوازه لاشتماله على العمل ولقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الآية (٢). والجمال المذكور فى هذا الحديث وغيره هو الحسن، والجميل: الحسنُ من كل شىء (٣). وقوله: " الكبر بَطَرُ الحق وغمُط الناس ": وفى رواية أخرى: " وغمص الناس "، قال: ومعنى " بَطر الحق ": إبطاله، مأخوذ من قول العرب: ذهب دمه بَطْراً وبَطَراً، أى: باطلاً. قال الهروى: قال الأصمعى: البَطرُ: الحيْرَة، ومعناه: أن يتحير عن (٤) الحق فلا يراه حقاً. وقال الزجاج: البَطرُ أن يتكبر عند (٥) الحق فلا يقبله. وقوله: " وغمط الناس " معناه: استحقارهم واستهانتهم. يقال: غمط الناس - بطاء غير معجمة - وغمصهم - بصاد غير معجمة - ومعناهما واحد، وكذلك غَمْط النعمةِ وغمْصُها.
следующие страницы →