← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ". ٨٢ - (١٥٨٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِىُّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ. فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، الآخِذُ وَالْمُعْطِى فِيهِ سَوَاءٌ ". ــ وقوله فى الحديث الأخر: " فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شتم يداً بيد " وهو قول أصحاب الحديث، وذهب مالك والأوزاعى والليث ومعظم علماء المدينة والشام [من المتقدمين أنها صنف واحد] (١)، وهو قول مروى عن عمر وسعيد وغيرهما من السلف، ولم يختلف قول مالك، إذ الدخن صنف، والذرة صنف، والأرز صنف، وهو قول كافة العلماء. وكذلك العلس عند أكثر المالكية صنف منفرد. وقال الشافعى: هو من أصناف الحنطة، وقاله بعض أصحابنا. واختلف قول مالك فى الفطاتينى، هل هى كلها صنف واحد أو كل جنس منها صنف على حياله؟ وذهب الشافعى إلى أن الشلت صنف مفرد، وقال الليث: الشلت والدخن والذرة والأرز صنف واحد، وقاله ابن وهب، من أصحابنا. وقوله: " وكان فيما غنمناه آنية من فضة. فأمر معاوية ببيعها "، وذكر إنكار عبادة ابن الصامت لهذا، وذكر نهيه ﵇ عن الذهب بالذهب - الحديث: يحتج بهذا من يجيز اقتناء هذه الأوانى، إذْ لو لَمْ يجز ذلك لجاز بيعه. وقد اختلف العلماء فى ذلك مع اتفاقهم على منع استعمالها وتحريم الأكل والشرب منها. فذهب الشافعى إلى جواز اتخاذها واقتنائها، وأشار إليه بعض شيوخنا، وتأوله على مذهبنا، وقال غير واحد من شيوخنا: اقتناؤها حرام، وظاهر قول بعضهم الكراهة. وقوله: " فمن زاد أو استزاد فقد أربى ": أى فعل الربا المنهى عنه. وقوله: " فردَّ الناس ما أخذوا ": يدل على فسخ هذه البيوع الفاسدة، وأنها إذا وقعت على الفساد فسخت، ولم يصح تقويمها على الواجب والصحة إلا بعد فسخها. ويحتمل أن معاوية لم يبلغه هذه السُنة إنما يرى إنكاره لها.

стр. 2872

(...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الرَّبَعِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِىُّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلاً بِمِثْلٍ " فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. ٨٣ - (١٥٨٨) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ. فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، إِلا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ ". (...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِىُّ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: " يَدًا بِيَدٍ ". ٨٤ - (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِى نُعْمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ــ وقوله: " ما بال رجال يتحدثون بأحاديث " إلى قوله: " لم نسمعها " ويحتمل أنه تأول أن النهى فى المصكوك والذى فى منعه من التجارة به والحرص على اقتنائه مصلحة للمسلمين، إذ به التعامل وهو قيم المتعلقات، فإذا كان مملوكاً كان كسائر العروض. وقول معاوية: " لنحدثن بما سمعنا، وإن كره " أو قال: "وإن زعم معاوية ": ما يجب مما أخذ الله على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه وليكونوا قوامين بالقسط شهداء لله، وإغلاظه فى اللفظ لمعاوية لمقابلة له على إنكارهما حرمانه مع تحققهم حلم معاوية وصبره. ومعنى " رغم ": كره، ودل لهذه الكراهة كأنه لصق بالرغام وهى الأرض. وقوله: " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً (١) ": حجة لقول الجمهور فى تحريم التفاضل والنسيئة فى هذه الأصناف، ولا بأس بعضها لبعض على من تعمل فى جواز النسيئة فى ذلك من التكليف كما تقدم. وقد أجمع بعد علماء الأمصار كلهم وأئمة الفتوى على منعها وحجة فى قولهم - أيضاً - فى تحريم النسيئة فيها جميعاً، وإجازة التفاضل فيه، وأن عمر بن علية فى شذوذه بإجازة النسيئة مع إتلافها ولا النسيئة،

стр. 2873

وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا ". ٨٥ - (...) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِى تَمِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الدِّيْنَارُ بِالدِّيْنَارِ لا فَضْلَ بَيْنَهُمَا، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لا فَضْلَ بَيْنهُمَا ". (...) حَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى مُوسَى بْنُ أَبِى تَمِيمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ــ ورد على جميع هؤلاء المخالفين لها، الذى يكاد يقطع أنها لو بلغتهم لما تركوها لفضلهم وعلمهم. واستثنى مالك من هذه الجملة الشعير مع البر لكونه صنفاً واحداً؛ بدليل عمل السلف فى ذلك. وقال أبو حنيفة: تجوز إذا تقابضا بالقرب وإن افترقا، وأما مالك والشافعى والليث والجمهور فيجيزون التقابض فى ذلك فى المجلس مثل الصرف، إلا أن الشافعى يجزئ فى ذلك على مذهبه فى الصرف ما لم يفترقا.

стр. 2874

(١٦) باب النهى عن بيع الورق بالذهب ديناً ٨٦ - (١٥٨٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ، قَالَ: بَاعَ شَرِيكٌ لِى وَرقًا بِنَسِيئَةٍ إِلَى الْمَوْسِمِ، أَوْ إِلَى الْحَجِّ، فَجاءَ إِلَىَّ فَأَخْبَرَنِى. فَقُلْتُ: هَذَا أَمْرٌ لا يَصْلُحُ قَالَ: قَدْ بِعْتُهُ فِى السُّوقِ. فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَىَّ أَحَدٌ. فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَبِيعُ هَذَا الْبَيْعَ. فَقَالَ: " مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ، فَلَا بَأسَ بِهِ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَهُوَ رِبًا "، وَائْتِ زَيْدَ ابْنَ أَرْقَمَ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ تِجَارَةً مِنِّى. فَأَتَيْتُهُ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. ٨٧ - (...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْمِنْهَالِ يَقُولُ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَقَالَ: سَلْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَهُوَ أَعْلَمُ. فَسَأَلْتُ زَيْدًا، فَقَالَ: سَلِ الْبَرَاءَ فَإِنَّهُ أَعْلَم. ثُمَّ قَالَا: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا. ٨٨ - (١٥٩٠) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إلا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرنَا أَنْ نَشْتَرِىَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا، وَنَشْتَرىَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا. قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ؟ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ. (...) حدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِح، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى ــ وقوله: " باع شريك لى ورقاً بنسيئة إلى الموسم "، وقول البراء: قدم النبى ﷺ المدينة ونحن نبيع هذا البيع، فقال: " ما كان يداً بيد فلا بأس، وما كان نسيئة فهو ربا ": ظاهره إن باعها بذهب إلى أجل؛ بدليل الحديث الآخر. ومعنى قوله: " نهى عن بيع الذهب والورق ديناً " أى مؤجلاً. وقوله فى الحديث: " أمرنا أن نشترى الفضة بالذهب كيف شئنا " الحديث، وسؤال

стр. 2875

- وَهُوَ ابْنُ أَبِى كَثِيرٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى إِسْحَاقَ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ. ــ السائل له: يداً بيد، فقال: " هكذا سمعت " فيحتمل أن يرجع على قوله: " يداً بيد " كما جاء فى الأحاديث الأخر، ويحتمل أن يقول: كذا سمعت ما حدثت به بغير زيادة.

стр. 2876

(١٧) باب بيع القلادة فيها خرز وذهب ٨٩ - (١٥٩١) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلانِىُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُلىّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِىَّ يَقُولُ: أُتِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقَلاَدةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ، وَهْىَ مِنَ الْمَغَانِم تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِى فِى القِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ". ــ وقوله: أتى رسول الله وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب من المغانم تباع، فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذى فى القلادة فنزع وحده، ثم قال: " الذهب بالذهب وزناً بوزن "، وفى الرواية الأخرى عن فضالة؛ أنه اشتراها، وفيها اثنا عشر ديناراً، وفيها ذهب وخرز، ففَصَّلها فوجد فيها أكثر من اثنى عشر ديناراً، فذكر ذلك للنبى ﷺ ، فقال: " لا تباع حتى تفصَّل ": كذا عند كافة شيوخنا: " فيها اثنى عشر دينارًا "، وسقطت هذه الجملة من أصل ابن عيسى، وأراها ساقطة عن ابن الحذاء، وسقوطها الصواب. وقال بعضهم: لعله فيها: اثنا عشر، ووجدتها مُصلّحةً عند بعض أصحاب الشيخ أبى على الغسانى باثنى عشر دينارًا، وهذا له وجه حسن، وبه يصح إثبات اللفظ إن شاء الله. هذا حكم ما كان من الحلى منظومًا أن يفصل ويباع على الانفراد؛ ذهبه وعرضه، ولا يجمعان فى عقد واحد على مذهب مالك، إلا أن يكون مع الذهب تبعًا أو مع العرض من الذهب تبعًا، فيباع بخلاف ذلك من العين. ولا يجوز أن يباع بما فيه من العين، فإن كان مصبوغًا بالعرض مربوطًا به لا يفصل فيه إلا بفساد أو نفقة ومؤنة. فإن كان مما لا يجوز اتخاذه كان حكمه حكم ما تقدم. وإن كان مما يجوز اتخاذه كحلى النساء والمصحف والسيف والخاتم وجميع آلة الحرب - على خلاف عندنا فيما عدا السيف - جاز بيعه، بخلاف ما فيه من العين ناجزاً كيف كان من فيه، ما يبين العين أو كثرته، ويجرى فى بيعه مجرى الصرف فيما يحل ويحرم. وأما بيعه بجنس ما فيه من العين فيجوز إذا كان ما فيه من العين تبعاً الثلث، فأدى نقداً عند مالك، وجمهور أصحابه وكافة العلماء. وروى عن عمر وابن عمر منع ذلك،

стр. 2877

٩٠ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ أَبِى شُجَاعِ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِى عِمْرَانَ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِىِّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: اشْتَريْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَىْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَىْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ للنَبِىِّ ﷺ . فَقَالَ: " لا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ ". (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ يَزِيدَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٩١ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ أَبِى جَعْفَرٍ، عَنِ الجُلاحِ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى حَنَشٌ الصَّنْعَانِىُّ، عَنِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ نُبَايِعُ الْيَهُودَ، الْوُقيةَ الذَّهَبَ بِالدِّينَاريْنِ وَالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إلا وَزْنًا بِوَزْنٍ ". ــ وروى عن جماعة من السلف، وقاله محمد بن عبد الحكم من أصحابنا، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه بأكثر مما فيه من الفضة، كثرت فضته أو قلت، ولا يجوز بمثلها أو أقل منها، ويقبض حصة الفضة والسيف على أصلهم فى العين والعرض بعيْن أكثر منها، وهذا قول الثورى والحسن بن حيى، وقال حماد بن أبى سليمان: يجوز بيعه بما فيه، قل أو كثر، وهو منكر من القول لمخالفته السنة. واختلف فيه ثانية، فمنعه مالك وأجازه ربيعة والأوزاعى. وكذلك اختلفوا إذا بيع هذا بغير ما فيه بنسيئة. واختلف قول مالك وأصحابه فى فسخه إذا وقع، ولم يختلف إذا بيع بغير ما فيه نقداً بدنانير. واختلف قول مالك إذا كان محلى [بالنقدين أو مصوغاً منهما، هل يجوز بيعه بأقلهما ولا يجوز إلا بغيرها؟ فإن كان معهما عرض وهما الأقل بيع بأقلهما اتفاقاً، وإن كان ما فى السيف من ذلك تمويهاً أو مسبوكاً فيه مستهلكاً، قال بعض شيوخنا: هو تبع بكل حال، وأجاز بيعه كيفما كان. وعلى هذا قاس شيوخنا جواز بيع الثياب المعلمة بالذهب إذا كان ما فيها من الذهب الثلث من قيمتها فأدنى بالدنانير نقداً، أو بالدنانير والدراهم نسيئة، على الخلاف المتقدم] (١). قال الإمام ﵀: مذهب مالك: أن الذهب إذا كانت معه سلعة فلا يجوز بيعها بذهب، [وكذلك إذا كانت فضة وسلعة فلا يجوز بيعه بفضة] (٢) لأن ذلك يؤدى

стр. 2878

٩٢ - (...) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعَافِرِىِّ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِمَا؛ أَنَّ عَامِرَ بْنَ يَحْيَى الْمَعَافِرِىَّ أَخْبَرَهُمْ عَنْ حَنَشٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فِى غَزْوَةٍ، فَطَارَتْ لِى وَلأَصْحَابِى قِلَادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ وَوَرِقٌ وَجَوْهَرٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهَا، فَسَأَلْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ فَقَالَ: انْزِعْ ذَهَبَهَا فَاجْعَلْهُ فِى كِفَّةٍ، ــ فى التفاضل بين الذهبين. والذهب للمنفرد جميع أجزائه مقابل للذهب والسلعة، فلم يقع التماثل، ولا بيع الذهب بمثله سواء بسواء، ولكن مالك استثنى السيف المحلى إذا كانت حليته تبعاً له، أن يباع بالفضة وإن كانت حليته فضة، وأجاز ذلك؛ لأن الشرع أباح تحليته ونزعه يشق وهو قليل تبع، والاتباع غير مقصودة فى العقود. وأما أبو حنيفة فيجيز ذلك إذا كان الذهب المنفرد، ونحن نمنع فى الحديث فالشرط الذى يكون فى الذهب المنفرد أكثر من الذهب المنظم للسلعة، وإنما يمنع هذا التأويل على المخالف الذى ذكرنا أنه يجيز ذلك على الإطلاق. ورأيت الطحاوى يفصل عن حديث القلادة بأنه إنما نهى عن ذلك لئلا يغبن المسلمون فى المغانم، وأنه ﷺ تخوف من الغبن، وقد ظهر ما تخوف منه؛ لأنه وجد فى ذهبه أكثر من الثمن، وقد تعسف عندى فى هذا التأويل؛ لأنه قد ذكر أنه ﷺ لما أمر بنزع الذهب الذى فيها قال له: " الذهب بالذهب وزن بوزن "، وهذا كالنطق بالعلة، وكأنه ﷺ قال لهم: إنما أمرتكم بذلك حتى يحصل الذهب بالذهب، سواء بسواء، ولو كان إنما أمر بذلك للغبن لقال ﷺ : الغبن لا يجوز فى المغانم، أو ما يكون هذا معناه. قال القاضى: وقوله فى حديث فضالة: " انزع ذهبها فاجعله فى كفة، واجعل ذهبك فى كفة، ثم لا تأخذن إلا مثلاً بمثل ": المراطلة فى الذهبين والفضتين جائزة، كانا مسكوكين، أو مصوغين، أو تبرين، أو أحدهما مخالف لصاحبه، اتفق الذهبان فى الجودة أو اختلفا إذا استوت الكفتان. هذا هو المشهور فى المسألة لشيوخنا، خلافاً فى مراطلته بنفسه أو بغيره؛ إذ لا يجوز بيعه جزافاً حتى يعلم وزن ما فى الكفة أو عدده إذا كان يجزى عدداً. وكذلك إذا اختلفا فى المراطلة بالذهب الجيدة بالرديئة والمغشوشة، ومشهور عندنا مذهب المدونة، ولمالك عند ابن شعبان فهو. كذلك اختلف شيوخنا فى مراطلة المسكوك بالمصوغ أو أحدهما بجنسه لاختلاف الذهبين فى الجودة وبمنع ذلك كله أجيز، والخلاف فى هذه الوجوه مبنى على السكة والصياغة فيهما كالعرضين مع الدنانير أم لا، وهل تجيز

стр. 2879

وَاجْعَلْ ذَهَبَكَ فِى كِفَّةٍ، ثُمَّ لا تَأْخُذَنَّ إِلا مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَأْخُذَنَّ إِلا مِثْلاً بِمِثْلٍ ". ــ الدنانير أم لا؟ وكذلك اختلفوا فى جواز المراطلة بالمثاقيل فقيل: لا تجوز، وقيل: تجوز بالمثاقيل وهذا أكثر وأصوب، [ولكفة، بكسر الكاف، وكل شىء مستدير، وللثوب والصائد، وكل شىء مستطيل بالسهم، وقيل بالوجهين فى الجميع] (١). وقوله: " ثم لا يأخذن إلا مثلاً بمثل ": لا خلاف أنه متى رجح أو زاد [شيئًا - قل أو كثر - فسد] (٢) المراطلة، ودخله التفاضل بين الجنسين. وقوله: كنا نبايع اليهود الأوقية الذهب بالدينارين والثلاثة. فقال رسول الله ﷺ : " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ": يدل أن التحريم لهذا كان لخيبر، وعليه يدل حديث بيع التمر وسنذكره. " ولا تساكنوا اليهود ": هو نهى النبى ﵇ وسنذكره، ويحتمل أنهم تأولوا جواز الربا مع الكفار.

стр. 2880

(١٨) باب بيع الطعام مثلاً بمثل ٩٣ - (١٥٩٢) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدِ حَدَّثَهُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ. فَقَالَ: بِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا. فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ، فَلمَّا جَاءَ مَعْمَرًا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ انْطَلقْ فَرُدَّهُ، وَلَا تَأْخُذَنَّ إِلا مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَإِنِّى كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ ". قَالَ: وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمئِذٍ الشَّعِيرَ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ. قَالَ: إِنِّى أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ. ٩٤ - (١٥٩٣) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ــ وقوله فى حديث معمر بن عبد الله: أنه أرسل غلاماً له بصاع قمح ليبيعه ويشترى بثمنه شعيراً، وأنه أخذ به صاعاً وزيادة، وأن معمراً قال لداود: ولا تأخذن إلا مثلاً بمثل. واحتج بقوله ﵇: " والطعام بالطعام مثلاً بمثل، قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير، فقيل له: إنه ليس بمثله، قال: أخشى أن يضارع: فيه حجة للمالكية فى جعلها صنفاً واحداً. قال الإمام: مذهب مالك: أن الشعير مع القمح صنف واحد، لا يجوز التفاضل به لتقارب المنفعة فيه، وسنبين فى كلامنا على السلم وجه مراعاته المنفعة دون مجرد الذوات، ونوضح ذلك: فإن القمح قد يستدل به فى نفسه فيبين أعلاه وأدناه من التقارب قريب مما بين القمح والشعير، ثم حصل الاتفاق على أن أعلى القمح وأدناه لا يجوز التفاضل بينهما لتقارب الغرض فيهما، وكذلك القمح والشعير. ومذهب الشافعى جواز التفاضل بين القمح والشعير، ومال إليه بعض شيوخنا المحققين، واعتمد على أنه يخالف القمح فى الصورة والتثنية كما يخالف القمح التمر، فوجب أن يكون صنفين، وقد قال ﷺ عقيب الحديث: " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم "، وقد ذكر الترمذى: " بيعوا البر بالشعير كيف شئتم، يداً بيد " (١)، وبهذا احتج الشافعى.

стр. 2881

يُحَدِّثُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَخَا بنى عَدِىٍّ الأَنْصَارِىَّ فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هكَذَا؟ ". قَالَ: لا، وَاللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَشْتَرِى الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْع. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلاً بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بَثَمنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ ". ــ وقوله للذى قدم بتمر جنيب، وذكر أنه اشترى منه الصاع بالصاعين من الجمع: " لا تفعلوا، ولكن مثلاً بمثل، بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان "، قال الإمام: الجنيب: صنف من أعلى التمر، والجمع صنف من أدناه. وقيل: خلط من أنواع التمر. قال القاضى: قيل: الجنيب ليس من التمر، والجمع كل لون لا يعرف اسمه، وقيل: كل لون من التمر جمع، وقد جاء فى مسلم فى نفس الحديث تفسيره: أنه الخلط من التمر، وقد جاء فى حديث أبى سعيد نفسه فى مسلم مكان " الجنيب ": " برانيا " وهو من أعلى التمر وأفضله. قال الإمام: تعلق بعموم هذا الحديث من لا يحمى الذريعة، فيقول: قد أجاز هاهنا أن يبيع الجمع بالدراهم، ثم يشترى به جنيباً. ولم يفرق بين أن يشتريه ممن باع الجمع منه أو من غيره، ولم يتهم على كون الدراهم لغواً، ومن يحمى الذريعة يخصه بأدلة أخر. قال القاضى بجواز ذلك من البائع أو كل. قال الشافعى وأبو حنيفة وكافتهم. وإنما راعى الذريعة فى ذلك مالك، وظاهر فعل هذا أن تحريم التفاضل فى مثل هذا بعد لم يكن فاشياً وإلا قيس، كأن يحصى على فاعله وهو عامل النبى بخيبر، وكان ﵇ والأئمة بعده لا يقدمون على الناس فى أمر إلا من فقه فيه وعلمه، وعلم صلاح حاله؛ ولهذا لم يوبخه النبى ولا أدبه على مخالفة ما نهى عنه، ولا أنكر ذلك عليه أحد من أصحابه، لاسيما على رواية مالك فى الموطأ؛ أن النبى ﷺ لما نهاهم عن بيع التمر بالتمر، قالوا له: إن عاملك على خيبر يأخذ الصاع بالصاعين، وذكر الحديث (١)، فهذا يدل أن الأمر كان أول التحريم، وعليه يدل حديث القلادة المتقدم. وقوله: " وكذلك الميزان ": مما يستروح إليه الحنفى فى علة الربا، لذكره هنا الكيل

стр. 2882

٩٥ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، عَن أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعَملَ رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ ". فَقَالَ: لا، وَاللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَلَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْع بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جِنَيِبًا ". ٩٦ - (١٥٩٤) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِىُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِىُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ - أَخْبَرَنِى يَحْيَى - وهُوَ ابْنُ أَبِى كَثِيرٍ - قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: جَاءَ بِلالٌ بِتَمْرٍ بَرْنِىٍّ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ ". فَقَالَ بِلَالٌ: تَمْرٌ، كَانَ عِنْدَنَا رَدِئٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - عِنْدَ ذَلِكَ -: " أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، لا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِىَ التَّمْرَ فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ ". لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ سَهْلٍ فِى حَدِيثِهِ: عِنْدَ ذَلِكَ. ٩٧ - (...) وحدّثنا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِى قَزَعَةَ الْبَاهِلِىِّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: أُتِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَمْرٍ. فَقَالَ: ــ والميزان وتسميته عليه. ولنا أن نقول: إنما نبه ﵇ أن حكم الميزان فيما لا يجوز التفاضل فيه من المطعومات حكم الكيل. وقوله ﵇ فى الرواية الأخرى: " أوَّه، عين الربا ": هى كلمة تحزن وتوجع، مشددة الواو، ويقال بالمد والضم، وقيل - أيضاً -: " أووه " بضم الواو ومدها. وقد قيل فى قوله: ﴿أَوَّاهٌ مُّنِيب﴾ (١) ابن كثير: التأوه: خوفاً وشفقة، وهو من هذا صحيح. وقوله: " عين الربا ": أى هو الربا المحرمة نفسه من الزيادة، لا ما يشبهه ويغامر عليه.

стр. 2883

" مَا هَذَا التَّمْرُ مِنْ تَمْرِنَا ". فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِعْنَا تَمْرَنَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ مِنْ هَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَذَا الرِّبَا، فَرُدُّوهُ، ثُمَّ بِيعُوا تَمْرَنَا وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا ". ٩٨ - (١٥٩٥) حدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ، فَكُنَاَ نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " لا صَاعَىْ تَمْرٍ بِصَاعٍ، وَلا صَاعَىْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ، ولا دِرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ ". ٩٩ - (١٥٩٤) حدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِىِّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ. فَأَخْبَرْتُ أَبَا سَعِيدٍ. فَقُلْتُ: إِنِّى سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَقَالَ: أَيدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ. قَالَ: فَوَاللهِ، لَقَدْ جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِتَمْرٍ فَأَنْكَرَهُ. فَقَالَ: " كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ منْ تَمْرِ أَرْضِنَا ". قَالَ: كَانَ فِى تَمْرِ أَرْضِنَا - أَوْ فِى تَمْرنَا - الْعَامَ بَعْضُ الشَّىْءِ، فَأَخَذْتُ هَذَا وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ. فَقَالَ: " أَضْعَفْتَ، أَرْبَيْتَ، لا تَقْرَبَنَّ هَذَا، إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَىْء فَبِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِى تُرِيدُ مِنَ التَّمْرِ ". ــ وقوله فى حديث بلال: " ردوه، ثم بيعوا تمرنا، واشتروا لنا من هذا ": دليل على فسخ البيوعات الفاسدة، وردها ورد المثل فى المكيل والموزون، وجواز الوكالة فى بيعه، وجواز مثله من غير البائع الأول. وفى هذا الحديث جواز اختيار طيب الطعام وتفضيله على رديئه. وقول أبى نضرة وابن عمر وابن عباس عن الصرف: فلم يريان بأساً، وقوله: سألت عنه أبا سعيد عن الصرف فقال: هو ربا، وقوله: إنَّا سنكتب إليه فلا يفتيكموه يعنى ابن عباس، وقوله: فأتيت ابن عمر بعد فنهانى، وقوله عن أبى الصَّهباءِ: أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فتركه (١)، قطع للخلاف فى هذا، أو رجوع من ابن عمر وابن عباس عما روى عنهما: لا ربا إلا فى النسيئة.

стр. 2884

١٠٠ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا، فَإِنِّى لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الصَّرْفِ؟ فَقَالَ. مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِمَا. فَقَالَ: لا أُحَدِّثَكَ إِلا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بَصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ، وَكَانَ تَمْرُ النَّبِىِّ ﷺ هَذَا اللَّوْنَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " أَنَّى لَكَ هَذَا؟ ". قَالَ: انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ، فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِى السُّوقِ كَذَا، وَسِعْرَ هَذَا كَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَيْلَكَ! أَرْبَيْتَ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ اشْتَرِ بِسلعَتِكَ أَىَّ تَمْرٍ شِئْتَ ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا أَمِ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟ قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ فَنَهَانِى، وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ. قَالَ: فَحَدَّثَنِى أَبُو الصَّهْبَاءِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ، فكَرِهَهُ. ١٠١ - (١٥٩٦) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ عَبَّادٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِىَّ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أَوَ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا. فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَرَأيْتَ هَذَا الَّذِى تَقُولُ، أَشَىْءٌ سَمِعْتَهُ منْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوْ وَجَدْتَهُ فِى كِتَابِ اللهِ ؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِى كِتَابِ اللهِ، ولَكِنْ حَدَّثَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " الرِّبَا فِى النَّسِيئَةِ ". ١٠٢ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنَ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أَنَّ ــ والمراد بالصرف هنا بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلاً ولهذا، وإلا يداً بيد، ولحجة أبى سعيد بقوله: التمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة بالفضة؟ وهذه الأحاديث تدل أنها لم تبلغ ابن عباس ولا ابن عمر قبل، فلما بلغتهما رجع إليها ولا رأى

стр. 2885

النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّمَا الرِّبَا فِى النَّسِيئَةِ ". ١٠٣ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ". ١٠٤ - (...) حدّثنا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَطَاءُ بْنُ أَبِى رَبَاحٍ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ لَقى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ فِى الصَّرْفِ، أَشَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ أَمْ شَيْئًا وَجَدْتَهُ فِى كِتَابِ اللهِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَلَّا، لا أَقُولُ. أَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ، وَأَمَّا كِتَابُ اللهِ فَلَا أَعْلَمُهُ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَلا إِنَّمَا الرِّبَا فِى النَّسِيئَةِ ". ــ لأحد مع النسيئة ولا قياس بعدها، وإنما كان احتج ابن عباس بعموم حديث أسامة: " لا ربا إلا فى النسيئة " على ما ذكر مسلم، وقد تقدم الكلام على هذا ووجه التأويل فيه. وقيل: هو منسوخ بهذه الآثار، وبه إجماع المسلمين بَعْدُ على ترك الأخذ به برده (*)، ويصحح نسخه إن صح رفعه.

стр. 2886

(١٩) باب لعن آكل الربا ومؤكله ١٠٥ - (١٥٩٧) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: سَأَلَ شِبَاكٌ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنَا عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤكِلَه. قَالَ: قُلْتُ: وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ. قَالَ: إِنَّمَا نُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْنَا. ١٠٦ - (١٥٩٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: " هُمْ سَوَاءٌ ". ــ قال الإمام: خرج مسلم فى " باب أكل الربا " حديثاً عن جرير، عن مغيرة، قال: سألت إبراهيم، فحدثنا عن علقمة. هكذا فى نسخة ابن ماهان، وعند الجلودى: عن جرير، عن مغيرة، قال: سأل شباك إبراهيم، فحدثنا علقمة، فجعل السائل هو شباك، وفى رواية أبى العلاء وابن ماهان: أن السائل هو المغيرة، وشباك هذا هو صبىٌ كوفى مشهور بالرواية عن إبراهيم النخعى. قال القاضى: شِباك هذا، بكسر الشين المعجمة. قال البخارى: شباك الضبى الكوفى عن إبراهيم روى عنه مغيرة فى مسلم. وشباك، بفتح الشين وكسر الباء غيره، هو شباك بن عائز بن المنخل الأزدى، ويقال: هو قيسى بصرى، حدث عنه نصر بن على وهدْبة، ذكره البخارى، والدارقطنى، قال عبد الله: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، قلت - يعنى علقمة -: وكاتبه وشاهديه، قال: إنما نحدث بما سمعنا، وفى حديث جابر: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: " هم سواء "، كذا لعامة شيوخنا، وللطبرى قال: قلت: وشاهديه، قال: " هم سواء " فهذا يحتمل أنه من قول النبى ﷺ ، والسائل جابر، ويحتمل أنه من قول جابر والسائل غيره، لكن ذكر الكاتب والشهيدين فى الحديث، وروى عن ابن المسيب. وقد ذكره البخارى فى الترجمة، ودخل الكاتب والشاهد هنا لمعونته على هذه المعصية ومشاركته فيها.

стр. 2887

(٢٠) باب أخذ الحلال وترك الشبهات ١٠٧ - (١٥٩٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَن الشَّعْبِىِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ -: " إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيَنْهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ ــ قوله ﵇: " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات " الحديث: اختلف الناس فى ذكر المشتبهات، فقيل: مواقعتها حرام، وقيل: حلال، لكنه يتورع عنه لاشتباهه، وقيل: لا يقال فيها: حلال ولا حرام؛ لقوله ﵇: " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات " فلم يحكم لها بشىء من الحكمين. وقوله: " لا يعلمها كثير من الناس ": فقد دل هذا أن ثَمَّ من يعلمها، فمن علمها لابد أن يلحق عنده أحد الوجهين، فيكون لها حكمه. قال القاضى: وما حصل عند العلماء فى هذا الحد فقد خرج من المشتبه إلى البين، وإنما الكلام فيما لم يتبين لا فى طريق رد، أو لم يظهر له دلالة لأحد الوجهين. قال الإمام: هذا الحديث جليل الموقع عظيم النفع فى الشرع، حتى قال بعض الناس بأنه ثلث الإسلام، وذكر حديثين آخرين هما الثلثان الباقيان. قال القاضى: ما أشار إليه ﵀ هو ما روى عن أبى داود السجستانى، قال: كتبت عن رسول الله خمسمائة ألف حديث، الثابت منها أربعة آلاف حديث، وهى ترجع إلى أربعة أحاديث، قوله ﵇: " إنما الأعمال بالنيات "، وقوله: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "، وقوله: " لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه " الحديث، وقوله: " الحلال بين والحرام بين " الحديث. وقد روى فيها مكان حديث: " لا يكون المؤمن مؤمنا " حديث: " ازهد فى الدنيا يحبك الله، وازهد فيما فى أيدى الناس يحبك الناس ". وقد نظمها أبو الحسن طاهر بن مفوز فى بيتين بقوله: عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية اتق الشبهات وازهد ودع ... ما ليس يعنيك وعملن بنيةٍ

стр. 2888

وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِى الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِى الْحَرَامِ، كَالرَّاعِى يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ ــ قال الإمام: وإنما نبه أهل العلم على عظم هذا الحديث؛ لأن الإنسان إنما يعتبر بطهارة قلبه وجسده، فأكثر المذام والمحظورات إنما تنبعث من القلب، فأشار ﷺ لإصلاحه، على أن صلاحه هو صلاح الجسد، وأنه الأصل. وهذا صحيح، يؤمن به حتى من لا يؤمن بالشرع، وقد نص عليه الفلاسفة والأطباء. والأحكام والعبادات التى ينصرف الإنسان عليها بقلبه وجسمه، تقع فيها مشكلات وأمور ملتبسات التساهل فيها، وتعويد النفس الجرأة عليها يكسب فساد الدين والعرض، فنبه ﷺ على تَوقِّى هذه، وضرب لها مثلاً محسوساً؛ لتكون النفس له أشد تصوراً، والعقل أعظم قبولاً، فأخبر ﵇ أن الملوك لهم حمية، لا سيما وهكذا كانت العرب تعرف فى الجاهلية، أن العزيز فيهم يحمى مروجاً وأبنية، فلا تجاسر عليها، ولا يدنى منها، مهابة من سطوته، وخوفاً من الوقوع فى حوزته، وهكذا محارم الله - سبحانه - من ترك منها ما قرب فهو من متوسطها أبعد، ومن تحامى طرف الشىء أمن عليه أن يتوسط، ومن طرف توسط. وهذا كله صحيح، وإنما بقى أن نتكلم على هذه المشتبهات [فنقول: قد أكثر العلماء من الكلام على تفسير المشتبهات] (١)، ونحن ننبهكم على أمثل طريقة، فاعلم أن الاشتباه هو الالتباس، وإنما يطلق فى مقتضى هذه التسمية هاهنا على أمر ما أشبه أصلاً ما، ولكنه مع هذا يشبه أصلاً آخر يناقض الأصل الآخر، فكأنه كثرت أشباهه، وقيل: اشتبه بمعنى اختلط، حتى كأنه شىء واحد من شيئين مختلفين. وإذا أحطت بهذا علماً فيجب أن تطلب هذه الحقيقة، فنقول: قد تكون أصول الشرع المختلفة تتجاذب فرعاً واحداً تجاذباً متساوياً فى حق بعض العلماء، ولا يمكنه تصور ترجيح، ورده لبعض الأصول يوجب تحريمه، ورده لبعضها يوجب تحليله، فلا شك أن الأحوط تجنب هذا، ومن تجنبه وصف بالورع والتحفظ فى الدين، وما أخذه من المسلمين بعيب فاعل هذا، بل المعلوم انتظار الألسنة بالثناء عليه والشهادة له بالورع إذا عرف بذلك. وقد سئل مالك عن خنزير الماء فوقف فيه، وكان شيخنا ﵀ يقول: لما تعارضت الآى عنده فنظر إلى عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِير﴾ (٢) فخاف أن يدخل فى عمومه فيحرم، ونظر إلى عموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ

стр. 2889

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَطَعَامُه﴾ (١) وأمكن عنده أن يدخل فى عموم هذه الآية فيحل، ولم تظهر له طرق الترجيح الواضحة فى أن يقدم آية على آية، ووقف فيه، ومن هذا المعنى أن يعلم أصل الحكم، ولكنه يلتبس وجود شرط الإباحة حتى يتردد بينه وبين شرط التحريم، وذلك أن الإنسان يحل له أن يأكل ملكه أما فى معناه مما أبيح له تملكه، ويحرم عليه أكل ملك غيره وما فى معناه. وقد وجد النبى ﷺ تمرة ساقطة فترك أكلها واعتل بأنه لولا أنه يخاف أن تكون صدقة لأكلها، فلما كانت الصدقة محرمةً عليه وشك، هل حصل هذا التحريم فى هذه التمرة تركها، ولحقت بالمشتبهات، وهذا إذا كان الاشتباه من جهة أصول الشرع بعد نظر صحيح فيها، أو فى القسم الأخير الذى ذكرناه مع فقد أصول ترد إليها، وعدم أمارات وظنون يعول عليها. وأما إذا كان الأمر خلاف ذلك، فليس من الورع التوقف بل ربما خرج بعضه إلى ما يكره، وبيان ذلك بالمثال: أن من أتى إلى ماء لم يجد سواه ليتوضأ منه فقال فى نفسه: لعل نجاسة سقطت فيه قبل أن أرد عليه، وامتنع من الطهارة به، فإن ذلك ليس بممدوح، وخارج عما وقع فى الحديث؛ لأن الأصل طهارة المياه وعدم الطوارى، واستصحاب هذا كالعلم الذى يظن أنه لم يسقط منه شىء، مع أن هذه الفكرة إذا أمر معها تكررت ولم يقف عند حد وأدى ذلك إلى انقطاع عن العبادات. وكذلك لو أن إنساناً اشتهى النساء ثم قال: لعل فى العالم من رضع معى فلا يلقى امرأة إلا والعقل يجوز ذلك فيها إذا كانت فى سنٍّ يمكن أن ترضع معه، فاجتنبت جميع النساء لهذا الخاطر الفاسد لم يكن مصيباً، كمثل ما قلناه فى الماء من استصحاب الحال فى عدم هذه الأمور. وما يقع من الضرر بالإصغاء إلى هذه الخواطر قد يتسع فيها الخرق فقد صارت الشكوك التى لا أصول لها، وتتكرر [على] (٢) نفسه ويعظم الضرر بالمرور على موجبها ساقطةً فى الشرع حتى كانت المداواة عند بعض الفقهاء، والمستحسن إضراب النفس عنها والتغافل عن إخطارها بالبال، كما يقولون فى الموسوس فى الحدث بعد الوضوء: إنه يؤمر بأن ينهى عن ذلك ويعرض عنه، حتى إذا اعتاد الإعراض عنه لم يتكرر عليه. وقد يكون هذا الشك له مستند ولكن الشرع عفى عنه لعظم الضرورة، كمن تحقق أن امرأة أرضعت معه والتبست عليه بنساء العالم، فإنا إن قطعنا عليه شهوته وحرمنا عليه نساء

стр. 2890

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العالم جملة كان ذلك إضراراً عظيماً وكلهن محلل، فلا يغلب حكم محرمة واحدة على مائتى ألوفٍ محللات، ولو اختلطت هذه الرضيعة بنساء محصورات لنهى عن التزوج منهن؛ لأن الشك ههنا له مستند وهو العلم بأن هناك رضيعة وقد شك فى عينها، وله قدرة على تحصيل غرضه، مع القطع بسلامته من الوقوع فى الحرام بأن يتزوج من نساء قوم آخرين، وليس من الحرام فى الدين أن يكون له طريقان فى تحصيل غرضه: أحدهما: محلل هو أسهل وأكثر، فإن وقع فيه قطع على عين التحليل. والطريقة الأخرى، أقل وأندر وإن وقع فيه خاف أن يقع فى عين الحرام، فيعدل عن المتحلل بما يجوز أن يكون محرماً. وبهذا فارقت هذه المسألة التى قبلها؛ لأنه متى اختلطت بنساء العالم لم يقدر على تحصيل غرضه بطريق أخرى، فوجب ألا يكون للشك تأثير، وإنما أريتك بهذه المسألة طريقة تسلكها، وإلا فمسائل هذا النوع لا تحصى كثرة، ولكن أصول جميعها لا تنفك عن الأصول التى مهدت لها، وقد يقل الضرر بالتحريم فى بعض المسائل ويعظم فى أخرى، ويتضح كون الشك له مستند فى بعض المسائل وتخفى فى أخرى، [وقد تكثر أصول بعض المسائل، وقد تتضح مساواة الفرع للأصل وقد تخفى] (١). ومن مجموع هذا كله واختلاف نظر الفقهاء فيه يقع به بينهم التنازع والاختلاف. من ذلك مسائل الشاك فى عدد الطلاق، والشاك هل حنث فى يمينه أم لا؟ والشاك فى زوجته هل هى تحبه أم لا؟ وقد حلف على أنها تحبه والشك فى الإناءين أيهما النجس؟ والشاك هل أصاب ثوبه نجاسة أم لا؟ والشاك فى موضعها مع علمه بإصابتها ثوبه. إلى غير ذلك من المسائل التى كثر اضطراب العلماء فيها، وطريقتهم فيها هى التى نبهناك عليها. وأنت إذا أحطت بهذه الطريقة علماً أغنتك عن اضطراب الفقهاء - أيضًا - فى هذا الحديث، هل المشتبهات المذكورات فيه واجب اجتنابها؟ وهل قوله: " من وقع فى الشبهات وقع فى الحرام " دلالة على أن اجتنابها واجب، أم يكون المراد أنه قد يقع فى الحرام لقوله بعد ذلك: " كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه "، ولم يقل: " يرتع فيه "، فلابد مع وضعه إياها جاز اجتنابها استبراء للدين والعرض، والاستبراء يشير إلى أنها ليست بنفس الحرام الذى يجب أن يجتنب؛ لأن هذه المسائل التى نصصنا على بعضها، وأشرنا إلى بقيتها تختلف طرق الاشتباه فيها على ما أشرنا إليه به، فقد يقتضى بعضها التحريم وأن الاجتناب واجب، وقد تدق طرق الاشتباه وتضعف فيكون الاجتناب حينئذ مستحبًا غير واجب، ولكنه ﷺ أتى بلفظ دال على استحباب التوقى. ولا شك أن استحسان التوقى يعم جميعها ما لم تكن من الشكوك الفاسدة التى أشرنا إليها.

стр. 2891

أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِى الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِىَ الْقَلْبُ ". ــ وقد يقال هذه المشتبهات إمَّا أن تكون حرامًا أو حلالاً، وقد قال ﷺ : " إن الحلال بين، وإن الحرام بين "، فإن كانت محرمة فيجب أن تكون بينة على ظاهر قوله، وإن كانت محللة فيجب أن تكون بينة على ظاهر قوله أيضًا. قيل: قد يقع منها ما هو مكروه وهو كثير فيها فلا يقال: إنه حرام بين، ولا حلال بين لا كراهية فيه. وأيضًا فقد يكون المراد ما استقر عليه الشرع من تحريم وتحليل وما نزل بيانه واضحًا بينًا، وإليه أشار بقوله ﷺ : " الحلال بين، والحرام بين "، ولا شك أن تحريم الربا والميتة والدم ولحم الخنزير بين، ولا شك أن تحليل الأكل من طيبات ما اكتسبنا، وتزويج النساء، حلال بين. وإلى هذا وأمثاله أشار، وإن كانت المشتبهات لها أحكام ما؛ ولهذا قال: " لا يعلمهن كثير من الناس "؛ ولو كانت لا حكم [إلا] (١) لله فيها لم يقل: " لا يعلمهن كثير من الناس "؛ لأن الكل حينئذ لا يعلمونها، وقد يدخل هذا الحديث فى الاستدلال على حماية الذريعة وصحة القول به كما ذهب إليه مالك؛ لقوله ﵇: " كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ". قال القاضى: ما ذكره ﵀ صحيح، لكن قوله فى ذكر الأخت من الرضاعة إذا كانت هى بين من يرضع معه، كلام لا وجه له، ورُبَّ أخوين من الرضاعة يمكن أن يكون أحدهما فى سن أمّى الأخرى أكبر لتقدم رضاع الأكبر لأم الأصغر فى شبابها وأول بطونها وليس من حكم الرضاع عند أحد، أو يكون فى لبن ولادة واحدة وبطن واحدٍ، ولا أعلم ما اضطره إلى ذكر هذه الزيادة التى لا معنى لها وأتيا هنا (٢) خطأ. وقوله: " ألا وإن فى الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى (٣) القلب ": المضغة: القطعة من اللحم، وسميت فى الحديث مضغة إشارة إلى تصغير هذا العضو؛ لأن أصل المضغة قدر ما يمضغه الإنسان فى فيه كالأكلة للقمة. تصغير هذا العضو بهذا اللفظ لإضافته إلى سائر الجسد. قال الإمام: واختلف الناس فى محل العقل من الإنسان، فذهب بعض الأئمة من المتكلمين أنه فى القلب، وإليه صار جمهور الفلاسفة، ويحكى عن أرسطاطاليس - وهو

стр. 2892

(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهَ. (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَبِى فَرْوَةَ الْهَمْدَانِىِّ. ــ رئيس الفلاسفة، وقالت الأطباء: إنه فى الدماغ، ويحكى هذا عن أبى حنيفة. وقد احتج بعض الأئمة من المتكلمين على أنه فى القلب بقوله : ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (١) فأضاف العقل إلى القلب، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْب﴾ (٢)، واحتجوا - أيضاً - بهذا الحديث، وقد جعل النبى ﷺ صلاح الجسد كله وفساده كله تابعًا للقلب [والدماغ من جملة الجسد، فاقتضى ظاهر الحديث كون فساده وصلاحه تبعًا للقلب] (٣)، وهذا يدل على أنه ليس بمحل العقل. وأمَّا الأطباء، فإنما عمدتهم أنَّ الدماغ يفسد فيفسد العقل، ويكون منه الصرع والهوس عندهم، ويتغير مزاجه فيتغير العقل، ويكون فيه عندهم المالنخونيا، وغير ذلك من العلل التى يسمونها، فاقتضى ذلك عندهم كون العقل فى الدماغ. ولا حجة لهم فى هذا؛ لأن الله - سبحانه - قد يُجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ وإن لم يكن العقل فيه، لاسيما على أصولهم فى الاشتراك الذى يذكرونه فى كتبهم بين الدماغ والقلب، نعم وهم يجعلون بين رأس المعدة والدماغ اشتراكًا وينصون (٤) فى كتبهم على أن المالنخونيا على قسمين شرًا سبعية وهى أبخرة عندهم تصعد من نواح قريبة من المعدة، وقد يكون برأس المعدة خلط يبخر لأعلى فيتغير العقل، وهذا منهم نقضٌ لاستدلالهم، والنوع الآخر دماغية وهو من فساد مزاج الدماغ، والعلم عندهم عليهما أن ما دام على وتيرة واحدة وهو من الدماغ وما كان تختلف الأزمان فيه فهو من أسفل البدن، فإذا صعد البخار تحرك وإذا سكن سكن. قال القاضى: تأمل قول النعمان بن بشير فى هذا الحديث: سمعت رسول الله ﷺ يقول، وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، يصحح سماع النعمان بن بشير عن النبى ﵇ كما قال أهل العراق، ويرد ما ذكر يحيى بن معين عن أهل المدينة أنهم لا يصححون له سماعاً من النبى ﷺ . وقد ذكر البخارى (٥) حديثه هذا من طرق، وفى

стр. 2893

ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ - عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ الْنُّعْمَانِ بْنِ بَشِير، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ زَكَرِيَّاءَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَأَكْثَرُ. ١٠٨ - (...) حدّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى هِلَالٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِىِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ نُعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ - صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطبُ النَّاسَ بِحِمْصَ، وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " الْحَلَالُ بَيِّنٌ، والْحَرَامُ بَيِّنٌ ". فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الشَّعْبِىِّ. إِلَى قَوْلِهِ: " يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ ". ــ بعضها: عن النبى ﷺ ، وفى بعضها: فإن النبى قسمها على علة الحديث. وقد جاء فى الحديث الآخر فى صدقة ابن علية وإشهاده النبى له وقول النبى: " متى ذلك؟ " وقد حكاه.

стр. 2894

(٢١) باب بيع البعير واستثناء ركوبه ١٠٩ - (٧١٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ. قَالَ: فَلَحِقَنِى النَّبِىُّ ﷺ ، فَدَعَا لِى وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. قَالَ: " بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ ". قُلْتُ: لا. ثُمَّ قَالَ: " بِعْنِيهِ "، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ. وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِى، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِى ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ فِى أَثَرِى. فَقَالَ: " أَتُرَانِى مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ ". (...) وحدّثناه عَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عَيسَى - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ - عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ. ١١٠ - (...) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَلَاحَقَ بِى، وَتَحْتِى نَاضِحٌ لِى قَدْ أَعْيَا وَلَا يَكَادُ يَسِيرُ. قَالَ: فَقَالَ لِى: " مَا لِبَعِيرِكَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: عَلِيلٌ. قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَىِ الإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ. قَالَ: فَقَالَ لِى: " كَيْفَ تَرَى ــ وذكر مسلم حديث جابر وجمله وبيعه له من النبى ﷺ ، على أن له فقار ظهره إلى المدينة، وزجر النبى ﷺ له وانطلاقه أمام الإبل بعد قد أصابته ببركته ﷺ . وفى قوله: " بل بِعْنِيه " جواز طلب البيع من الرجل سلعته إبراءً وإن لم يعرضها للبيع. وقد مضى الكلام على ما يسمى بأحكام النكاح والخلاف فى معنى قوله: " تُلاعِبُكَ وتلاعِبُها " والحض على ركعتى المسافر إذا قدم. وفيه جواز الزيادة والرجحان فى ثمن المبيع كثر أو قل، كان فى مجلس القضاء أو بعده، وبهذا قال مالك وكافة العلماء، واختلف أصحاب مالك فى الزيادة فى الاقتضاء من السلف فى المجلس، إذا كانت الزيادة عدداً أو زيادة وزن وأجازوه فى غير المجلس، وأجاز ذلك بعض أصحابنا بكل حال فى الوزن والكيل فى المبيع على البائع وفى الثمن على المشترى، إذ توفيه ما يأخذ من كل واحد منهما عليه.

стр. 2895

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الإمام: من الناس من أجاز بيع الدابة واستثناء البائع ركوبها؛ أخذاً بظاهر هذا الحديث، وأما مالك فيجيزه بشرط أن تكون مسافة هذا الركوب قريبة ويحمل هذا الحديث عليه، وأمَّا أبو حنيفة والشافعى فيمنعانه أصلاً لنهيه ﷺ عن بيع الثنيا وعن بيع وشرط، وكأنهما يريان أن هذا لم تكن فيه حقيقة البيع، لأنه أعطاه الجمل والثمن لما وصل إلى المدينة، أو كان شرط الركوب لم يكن مقارناً للعقد، ويرون أن التعلق بنهيه ﷺ عن بيع الثنيا وعن بيع وشرط أولى من هذه الفعلة المحتملة، ونحن نخص الحديثين بهذه الفعلة؛ لأنهما عمومان وهذه أخص منها، والخاص يقضى على العام. ورده الجمل عليه لا يناقض كون الاول بيعاً، وليس من وهب ما اشتراه بعد حجة اشترائه رافعاً لكونه مشترياً له أولاً، ولو ارتفع شراؤه وسقط لارتفعت هبته وسقطت، فلا يصح حمل الحديث على أنه لم يقارن البيع هذا الشرط مع قوله: " فبعته إياه على أن لى فقار ظهره "، وهذا نص فى الاشتراط عند البيع. وقد اختلفت الأحاديث فى الشروط، ومن لم يكن يتفطن ذلك ونيابها اضطرب الأمر عليه. وقد حكى أن رجلاً استفتى أبا حنيفة عن بيع وشرط، فقال: هما باطلان، ثم استفتى ابن شبرمة فقال: هما صحيحان، ثم استفتى ابن أبى ليلى فقال: البيع صحيح والشرط باطل. قال السائل: فقلت: سبحان الله، ثلاثة من فقهاء القرآن اختلفوا على فى مسألة واحدة هذا الاختلاف! وأتى أبا حنيفة فأعلمه بما قال صاحباه، فقال: نهى النبى ﷺ عن بيع وشرط، وأتى ابن شبرمة فاحتج له بحديث جابر هذا، وأتى ابن أبى ليلى فاحتج له بحديث بريرة المتقدم. ونحن نبين الأحاديث فنقول: من الشروط ما يفسد العقد، ومنها مالا يفسده. فما كان منهما من مقتضى العقد - كالتسليم - أو مصلحته - كالرهن والجعل - صح البيع والشرط، وما كان ينافى موجب العقد ويدخل فى الغرر والجهالة بالمبيع فسد العقد والشرط. وكان شيخنا ﵀ يقول: ما لا فائدة فيه ولا يؤدى إلى فساد فى البيع ولا يزاد فى الثمن ولا ينقص منه لأجله، فهذا الذى قد يقول فيه بعض أصحابنا: البيع صحيح والشرط باطل. وقال بعض الناس: قول جابر: " وزن لى ثمن البعير فأرجح لى فيه " دلالة على جواز هبة المجهول. وقوله: " أفقرنى ظهره ": الإفقار فى اللغة: إعارة الظهر للركوب. قال القاضى: [المماكسة] (١) معناها: المكالمة فى النقص من الثمن. وأصلها من النقص، ومنه: مكس العشار، وهو ما ينتقصه ويأخذه من أموال الناس. والناضح:

стр. 2896

بَعِيرَكَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ. قَالَ: " أفَتَبِيعُنِيهِ؟ " فَاسْتَحْيَيْتُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ. قَالَ. فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ ايَّاهُ، عَلَى أَنَّ لِى فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِيَنةَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى عَرُوسٌ، فَاسْتأذَنْتُهُ، فَأَذِنَ لِى، فَتقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى انْتَهَيْتُ. فَلَقِيَنَى خَالِى فَسَأَلَنِى عَنِ الْبَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ، فَلَامَنى فِيهِ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لِى حِينَ اسْتَأَذَنْتُهُ: " مَا تَزَوَّجْتَ؟ أَبِكرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ ". فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيْبًا. قَالَ: " أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا؟ ". فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُوُفِّىَ وَالِدِى - أَوِ اسْتُشْهِدَ - وَلِى أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرَهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ إِلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ، فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ ولَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبُهُنَّ. قَالَ: فَلمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِى ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَىَّ. ١١١ - (...) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ ابْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاعْتَلَّ جَمَلِى. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ لِى: " بِعْ لِى جَمَلَكَ هَذَا ". قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ. قَالَ: " لَا، بَل بِعْنِيهِ ". قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ــ الجمل، ومن تفسيره: ومضى أهل قسيمته بذلك. وفى حديث جابر ابتداء المشترى بذكر الثمن. وقوله: " على أن لى فقار ظهره ": كناية عن الركوب عليه، كما بينه فى الحديث الآخر. وفقار الظهر: مفاصل عظامه. وصرار، بكسر الصاد المهملة وتخفيف الراء، وكذا رواه بعض رواة البخارى: هو موضع قريب من المدينة. وقيده الدارقطنى والخطابى وغيرهما، وكذا عند أكثر شيوخنا، وقال الخطابى: هى بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق، والأشبه عندى أنه موضع لا بئر، بدليل قول الشاعر: لعل صراراً أن تجيش بيارها وإليها ينسب محمد بن عبد الله الصرارى. وعند الصدفى والعذرى: " ضراراً " بضاد معجمة، وعند الصدفى عن العذرى وهو خطأ وكذا لابن الحذاء فيما رواه البخارى وحجة فى نفس الروايات.

стр. 2897

" لَا، بَلْ بِعْنِيهِ ". قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَىَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ، فَهُوَ لَكَ بِهَا. قَالَ: " قَدْ أَخَذْتُهُ، فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ". قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِبِلَالٍ: " أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزِدْهُ ". قَالَ: فَأَعْطَانِى أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزَادَنِى قيرَاطًا. قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقُنِى زِيَادَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَكَانَ فِى كِيسٍ لِى، فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ. ١١٢ - (...) حدّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زيَادٍ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِىُّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ الَنَبِىِّ ﷺ فِى سَفَرٍ، فَتَخَلَّفَ نَاضِحِى. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِيهِ: فَنَخَسهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ثُمَّ قَالَ لِى: " ارْكَبْ بِاسْمِ اللهِ " وَزَادَ أَيْضًا: قَالَ: فَمَا زَالَ يَزِيدُنِى وَيَقُولُ: " وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ ". ١١٣ - (...) وحدّثنى أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى الْزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا أَتَى عَلَىَّ النَّبِىُّ ﷺ ، وَقَدْ أَعْيَا بَعِيرِى، قَالَ: فَنَخَسَهُ فَوَثَبَ، فَكُنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْبِسُ خِطَامَهُ لأَسْمَعَ حَدِيثَهُ، فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَحِقَنِى النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: " بِعْنِيهِ "، فَبِعْتَهُ مِنْهُ بِخَمْسِ أَوَاقٍ. قَالَ، قُلْتُ: عَلَى أَنَّ لِى ظَهْرهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: " وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ ". قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُهُ بِهِ، فَزَادَنِى وُقِيَّةً، ثُمَّ وَهَبَهُ لِى. ــ وقوله: أنه باعه بخمس أواق، فزادنى أوقية، وفى بعضها: بأوقيتين ودرهم أو درهمين، وفى بعضها: بأوقية ذهب، وفى رواية: بأربعة دنانير، وفى الأخرى: بأوقية، ولم يقل: ذهباً. وقد ذكر البخارى (١) اختلاف بعض الروايات، وزاد قول من قال عن سالم عن جابر: بمائتى درهم، وقول أبى نضرة عن جابر: بعشرين دينار، وقول ابن القاسم عنه: أحسبه بأربع أواق. قال البخارى: وقول الشعبى: بأوقية، إنما هو الأكثر. قال أبو جعفر الداودى: ليس أوقية الذهب وزن يحفظ، وأمَّا أوقية الفضة فأربعون درهماً. أما اختلاف هذه الروايات فبسببه الحديث على المعنى، وبمثل هذا يحتج من غير ذلك. وقال: أما فى الحديث الواحد قد حدث به جماعة من الصحابة والتابعين بالألفاظ مختلفة وعبارات متقاربة ترجع إلى معنىً واحد، وإنما قاله النبى ﵊ مرة

стр. 2898

١١٤ - (...) حدّثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ ابْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِى الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ - أَظُنُّهُ قَالَ: غَازِيًا - وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ: قَالَ: " يَا جَابِرُ، أَتَوَفَّيْتَ الثَّمَنَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " لَكَ الثَّمَنُ وَلَكَ الْجَمَلُ، لَكَ الثَّمَنُ وَلَكَ الْجَمَلُ ". ١١٥ - (...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شْعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: اشْتَرَى مِنِّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعِيرًا بِوُقيَّتْينِ وَدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَميْنِ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا أَمَرَ بِبَقَرةٍ فَذُبحتْ، فَأَكَلوا مِنْهَا. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَنِى أَنْ آتِى الْمَسْجِدَ فَأُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن، وَوَزَنَ لِى ثَمَنَ الْبَعِيرِ فَأَرْجَحَ لِى. ــ واحدة وفى قصة متعددة. فأَمَّا ذكر ذهب الأوقية المهملة فيفسرها قوله: " أوقية ذهب "، وإليه يرجع اختلاف الألفاظ؛ إذ هى فى رواية سالم بن أبى الجعد [عن جابر] (١) مفسرة بقوله: " إن لرجلٍ علىَّ أوقية ذهب " فهؤلاء بها، ويكون قوله فى الرواية الأخرى: " فبعته منه بخمس أواق " أى من فضة، صرف أوقية الذهب حينئذ، كأنه أخبر مرة عما وقع به البيع أوقية الذهب، أو لأمره عما كان به القضاء من عدلها فضة أخرى - والله أعلم. وبعد هذا قوله: " خذ جملك ودراهمك "، ورواية من قال: " مائتى درهم "؛ لأنه خمس أواقٍ، أو يكون هذا كله زيادة على الأوقية كما قال: " فماذا لو زيد ". وأما ذكر الأربعة الدنانير فموافقة للأوقية؛ إذْ قد يحتمل أن يكون وزن أوقية الذهب حينئذ وزن أربعة دنانير كبار؛ لأن دنانيرهم كانت مختلفة، وكذلك دراهمهم على ما بيناه فى الزكاة؛ ولأن أوقية الذهب غير مخففة الوزن بخلاف الفضة، ويكون المراد بذلك أنهما صرف أربعين درهماً، فأربعة دنانير موافقة لأوقية الفضة؛ إذ هى غير قيمته. ثم قال: " أوقية ذهب " كأنه أخذ عن الأوقية عدلها من الذهب الدنانير المذكورة، وإلى هذا نحا البخارى (٢) فى الجمع بين الروايتين، أو يكون ذكر الأربعة الدنانير فى ابتداء المماكسة وانعقد البيع بوقية.

стр. 2899

١١٦ - (...) حدّثنى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أخْبَرنا مُحَارِبٌ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاشْتَرَاهُ مِنِّى بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْوُقِيَّتَيْنِ وَالدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَميْنِ. وَقَالَ: أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قَسَمَ لَحْمَهَا. ١١٧ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ــ وأما قوله: " أوقيتان ": يحتمل أن الواحدة هى التى وقع بها البيع، والثانية زاده إياها، ألا تراه كيف قال فى الرواية الأخرى: " فزادنى الأوقية "، وذكره الدرهم أو الدرهمين مطابقة لقوله: " وزادنى قيراطاً ". فى بعض الروايات: أنه أرجح له فى كل دينار قيراطاً، وإنها الزيادة التى زاده أولاً، فذكر مرةً قيراطاً فى هذه الرواية وشك فى هذه الرواية فى مقدار الزيادة، إذ صرف قيراط الذهب على ما كان قبل درهم ونحوه؛ لأن دنانيرهم كان بعضها من عشرة قراريط، وبعضها من عشرين قيراطاً، فوجد بناء هذه الروايات المختلفة لهما مروياً. والجمع بينها وترتيب منازلها أنه ﵇ أوتر أو أعطاه أربعة دنانير حين ساومه به، ولم ينعقد البيع بذلك ولا أمضاه جابر، وإنما أمضاه له بأوقية الذهب، ألا تراه إنما قال له: " قد أخذت منك أربعة دنانير " ولم يرد فى هذا الحديث على ذلك. وفى الحديث أنه ماكسه فى البيع ثم أمضاه له بأوقية ذهب، وبها انعقد البيع، كما بينه فى حديث سالم بن أبى الجعد، وهذا يضاعف تأويل البخارى أن الأوقية دراهم توافق أربعة دنانير، وقول البخارى (١) هذا يكون على حساب الدينار بعشرة دراهم، وقد تفسر فى الحديث أنها أوقية ذهب؛ وبدليل قوله فى الرواية الأولى: " عشرين ديناراً " إذْ كانت دنانيرهم مختلفة، فيها ما هو من درهم وثلثين، ومن درهم وثلاثة إصاع، ومن ثلاثة دراهم. فقد يحتمل إذا اجتمعت منها عشرون كان وزنها أربعين درهماً وهى أوقية، ويكون ما فى الرواية الأخرى من ذكر الخمس الأواقى خبراً عما وقع به الاقتضاء، وأن هذه الخمس الأواقى دراهم؛ بدليل قوله فى الرواية الأخرى: " خذ جملك ودراهمك "، وفى الرواية الأخرى: " مائتى درهم " وذلك صرف العشرين ديناراً لكل دينار عشرة دراهم، وذكره أوقية الذهب. وأمَّا رواية " أربع "، فغير شك فيه روايتان، ولا تعتبر. وكذلك الرواية باقتضاء أربعة، دنانير وهم، ولأن سائر الروايات تخالفهما، وكذلك فى الرواية

стр. 2900

عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ لَهُ: " قَدْ أَخَذْتُ جَمَلَكَ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ ". ــ الأخرى: " أوقيتين "، أى الأولى التى وقع بها البيع من الذهب، وزاده كما بين ذلك فى الحديث المتقدم: " وزادنى أوقية " فيحتمل أن يكون ذهباً، ويحتمل أن تكون فضة، ألا تراه قال: " فما زال يزيدنى "، وتكون زيادة الأوقية زيادة فى عدد الأواقى، كل ذلك تفضل منه وإحسان، ثم زاده زيادةً فى الوزن والرجحان. وقوله: " فزادنى قيراطاً " وهو وفق الدرهم أو الدرهمين فى الرواية الأخرى، كما بيناه - والله أعلم. وقوله: " فما زال يزيدنى ويقول: والله يغفر لك " جاء فى هذه الرواية فى كتاب النكاح: قال أبو نضرة: وكانت كلمةً يقولها المسلمون: افعل كذا وكذا والله يغفر لك. وقوله فى حديث ابن نمير: " أترانى ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك ": كذا عند كافة شيوخنا وعامة الرواة، وغيره زاد: " على اثنى عشر لآخذ جملك؟ خذ جملك ".

стр. 2901

(٢٢) باب من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه و" خيركم أحسنكم قضاء " ١١٨ - (١٦٠٠) حدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ منْ إِبِلِ الصَّدَقَة، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِىَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا. فَقَالَ: " أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خَيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً ". ١١٩ - (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، سَمِعْتُ زَيْدَ بَنَ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ - مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ــ وقوله: " استسلف بكراً، فقضى جملاً [خياراً] (١) رباعياً "، وفى رواية الطبرى: " رباعاً " الحديث: فيه جواز الاستسلاف والأخذ بالدين للضرورة. وقد كان ﵇ يستقرض الدين والمغرم، لكن دعته الضرورة إلى ما كان يكره من ذلك لحكم زهده فى الدنيا ورغبته عنها، ولو شاء لكان على غير ذلك؛ إذ خيره الله - تعالى - فى ذلك، فاختار التقلل والقناعة. وقد قال أبو عبيد الهروى: الدين ما كان لأجل، والغرم ما ليس لأجل. وفيه جواز استسلاف الحيوان، وهو قول كافة العلماء، ولا خلاف بينهم فى جواز استسلاف ما له مثل فى العيش والمكيل والموزون. وأجاز جمهور العلماء استسلاف سائر الأشياء من الحيوان والعروض، واستثنوا من ذلك الجوارى، وعلته أنه قد يردها بنفسها فتكون من عارية الفروج. وأجازه بعض أصحابنا بشرط أن يرد غيرها، وأجاز استقراض الجوارى الطبرى والمزنى، وروى عن داود الأصبهانى. ومنع الكوفيون، فدخل جميع الحيوان، وهذا الحديث حجة عليهم، وليس للسنة موقع وليس دعواهم (٢) النسخ بغير حجة تدفعها. وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يجوز استقراض غير المكيل والموزون، وذكر عن داود.

стр. 2902

اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَكْرًا. بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " فَإِنَّ خَيْرَ عِبَادِ اللهِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً ". ١٢٠ - (١٦٠١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَقٌّ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً ". فَقَالَ لَهُمُ: " اشْتَرُوا لَهُ سنا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ ". فَقَالُوا: إِنَّا لا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا هُوَ خَيْر مِنْ سِنِّهِ. قَالَ: " فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ - أَوْ خَيْرَكُمْ - أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً ". ــ قال الإمام: قد نهى ﵇ عن سلف جرَّ منفعة، وهذا سلف جرَّ منفعة، فلابد من بناء الحديثين فيقول: النهى محمول على ما كان من المنفعة اشترط فى أصل القرض، وهذا لم يشترط؛ فلهذا أجاز، لكن المشهور عندنا فى المذهب فى العدد منهى عنها وإن لم تشترط فى أصل القرض، وكأنهم يرون هذا الحديث مخصصاً لحديث النهى ولم يرد إلا فى زيادة الصفة فلم يتعد به ما ورد فيه. والبكر من الإبل كالغلام من الناس. والقلوص ههنا كالجارية من النساء، والذى استكمل منها ست سنين ودخل فى السابعة يقال له: رباع، والأنثى رباعية، بتخفيف الياء. قال القاضى: قال أبو عبيد: إذا ألقى البعير رباعيته - وذلك فى السابعة - فهو رباع، والرباعيات - بتخفيف الياء - أربع أسنان تلى الثنايا من جوانبها خرجوا فيها. وقد استدل بهذا الحديث من يجيز تقدم الصدقة قبل الحول؛ لأنه ﵇ لم يستسلف لنفسه، إذْ لو استسلف لنفسه لم يقضه من إبل الصدقة إذ كانت لا تحل له، فدل أنه إنما استسلفها لأصلها من أرباب الأموال. قالوا: ويحتمل أن يكون هذا الذى استسلفت منه مما لا زكاة فيه، إذْ لو كان ذلك لما ردها النبى، وحجة من لا يجيز تعجيلها. ومعنى الحديث عندهم: إمَّا أن يكون استقرضها غيره على ذمته بأمره، فلما حانت الصدقة وقبضت دفعها إليه وكان من الغارمين، كما جاء فى حديث عبد الله بن عمرو: أنه أمره ﵇ بتجهيز جيش فنفدت الإبل فأمرنا أن يأخذ على قلائص الصدقة (١)، وبهذا يندفع اعتراض من اعترض كيف ترد من أموال المساكين ما هو خير وأفضل وإنما يفعل المرء ذلك فى ماله، وذلك أنا قلنا: إنه إذا كان المستقرض غريماً حل له ما أخذ من الصدقة، وإن كان فوق حقه. وقد يكون المستقرض منه من تحل له الصدقة؛ إما لأنه لم يكن له مال إلا ما أقرض أو أصابته جائحة بعد الاقتضاء عند الانتظار من أهل الصدقة، فكانت الزيادة له من أموال

стр. 2903

١٢١ - (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سِناً، فَأَعْطَى سِناً فَوْقَهُ. وَقَالَ: " خِيَارُكُمْ مَحَاسِنُكُمْ قَضَاءً ". ١٢٢ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَتَقَاضَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعِيرًا. فَقَالَ: " أَعْطُوهُ سِناً فَوْقَ سِنّهِ ". وَقَالَ: " خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً ". ــ المساكين جائزة، وقيل: بل كان هذا كله قبل تحريم الصدقة على النبى وآله وتحريمها على الأغنياء. وفيه حجة على جواز استقراض الإمام للمساكين والمسلمين، كما يجوز ذلك لوصى الأيتام لأنه الناظر لهم. وفيه حجة لجواز السلم فى الحيوان أنه إذا جاز قرضه بصفة تحصره ويرد مثله جاز السلم فيه، والخيار: المختار من الإبل، يقال للذكر والأنثى. وقوله: " فأغلظ له، فهمَّ به أصحاب رسول الله ﷺ ": يحتمل أن إغلاظه إياه كان فى طلب حقه وتشدده فيه لا فى كلام مؤذٍ يسمعه إياه، فإن ذلك يُعَدُّ مَعْبَةٌ مع النبى ﵇ وقد يكون الفاعل هذا غير مسلم من اليهود أو غيرهم، كما جاء مفسراً منهم فى خبر هذا الحديث. وقوله: " خيركم محاسنكم قضاءً ": أى ذوى المحاسن، سماهم بالصدقة والمعروف. أحاسنكم جمع أحسن، كما جاء فى حديث آخر: " أحسنكم قضاء " وقيل: يكون محاسنكم جمع محسن، بفتح الميم، وجاء فى هذا الخبر فى حديث محمد بن بشار: " إنا لا نجد إلا سنا هو خير من سنه " وكان عند الصدفى: " لا نجد إلا سنا إلا هو خير من سنه "، والصواب إسقاط " إلا " الواحدة منها على الروايتين المتقدمتين، وأمَّا مجمعهما فيحتمل بهم الكلام.

стр. 2904

(٢٣) باب جواز بيع الحيوان بالحيوان، من جنسه، متفاضلا ١٢٣ - (١٦٠٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَابْنُ رُمْحٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنِيهِ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قال: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِىَّ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ. فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " بِعْنِيهِ "، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ، حَتَّى يَسْأَلهُ: " أَعَبْدٌ هُوَ؟ ". ــ وقوله: جاء عبد فبايع رسول الله ﷺ ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال: " بعنيه "، فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحداً بعد حتى يسأله: " أعبدٌ هو؟ ": ظاهره أن مولاه كان مسلماً، وكان النبى سرّحه فاستحقه مولاه بصحة ملكه له، ثم أراد ﵇ بما جبل عليه من مكارم الأخلاق ألا يرده، ولا ينقض ما عقد له، فاشتراه من مولاه. ويدل أن مولاه مسلم دَفْعه له العبدين وإلا فقد بايع ﵇ من نزل إليه من عبيد أهل الطائف وغيرهم ولم يصرفهم على مواليهم. وشرائه العبد بالعبدين أصل فى هذا الأسلوب، ولا خلاف فى شراء العبد بعبدين نقداً وسائر الأشياء والتفاضل بها وإن كانت من جنس واحد، ما عدا ما تقدم من العين وما نص معها فى الحديث وليس عليها مما تقدم. واختلف الناس فى بيع ما عدا ذلك من الجنس الواحد باختلاف العدد والصفة إلى الأجل، أو باتفاقهما ممَّا لم يفصل بذلك سلفًا جرّ نفعاً والزيادة فى السلف - كان هذا رباً عند الجميع، إذا كان ظاهراً معلوماً مقصوداً، فلا يرى أن ما كان فى حكمه أو ذريعة إليه فلا يجيزه، إلاَّ أن تختلف الصفات والأغراض فيصيرا والجنسين ونظيرهما مقصد البيع والمعاوضة، واغتنى أولى المنافع من المتبايعين لا مقصد الزيادة فى السلف كاختلاف الإبل والنجابة أو الحمولة أو الخيل بالسبق والفراهة (١)، والعبيد بالتجارات والفصاحة والصنعة، والجوارى بالطبخ والصناعة والفراهة على الصحيح من القولين، والثياب بالرقة والصباقة، والشيلوف بالقطع والجوهر [وجعل الجوة] (٢) فى جهة وكثرة العدد فى الجهة الأخرى اختلاف فى الأغراض ويجيزه. والشافعى لا يكره شيئًا من ذلك فى الحيوان وغيره، اختلف أم لم يختلف، ولا ربا غيره فى شىء إلا ما تقدم وهو قول أبى ثور وداود والمروزى، وروى عن ابن المسيب وابن عباس وغيرهما. واختلف فى ذلك عن

стр. 2905

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على وابن عمر والزهرى، وروى عنهم كراهة ذلك وجوازه، وحجتهم حديث عمرو بن العاص: أن النبى ﷺ " أمره بأن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ فى قلائص الصدقة البعير بالبعيرين إلى الصدقة " (١)، ونحن نتأول الحديث على ظاهره باختلاف أجناسها؛ لأن القلائص الفتيان من الإبل، وهى أكثر ما يؤخذ فى الصدقات، وأنَّ الاستلاف فيما هو أسن منها وأقوى على الحمل، ويشجن الاختلاف عن هؤلاء باختلاف الأحوال كنحو ما ذهب مالك منع ذلك فى الحيوان على كل حال. ومنه فى العروض نحو مذهب مالك، وحجتهم عموم نهيه بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وقد تكلم فى هذا الحديث ورده بعضهم، ونحن ننزله على ما اتفقت فيه الأغراض، وخشى منه زيادة الصنف، ويخص عمومه بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم، أو بحمل بيع الحيوان بالحيوان فى المضمونين، ويجمع بين الأحاديث، وتبقى الأصول من مسائل الربا وفى الزيادة فى السلف مختصةً بعللها ومواجهتها فتستعمل النفس ولا يطرح منها شىء إلا ما ثبت نسخه أو ضعف أصله، وسيأتى من المعلم فى هذا بكل شىء أيضاً.

стр. 2906

(٢٤) باب الرهن وجوازه فى الحضر والسفر ١٢٤ - (١٦٠٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ، رَهْنًا. ١٢٥ - (...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اشْتَرى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. ١٢٦ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: ذَكَرْنَا الرَّهْنَ فِى السَّلَمِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِىِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ. ــ وقوله: أنه ﵇ اشترى من يهودى طعاماً بنسيئة ورهنه درعه ": فيه معاملة اليهود وأهل الذمة وسائر الكفار، وحل ما يؤخذ منهم مع قيض، حيث مكاسبهم ومعاملاتهم. وجواز ادخار القوت، وجواز التجارة معهم بالنقد والنسيئة؛ لأنها إذا جازت بالنسيئة فهى بالنقد أجوز، وجواز شراء الطعام بالنسيئة إذا لم يكن الثمن طعاماً، أو كان الطعام المشترى نقداً، وفيه جواز الرهن فى الحضر وهو قول الكافة، خلافاً لداود ومجاهد. قال الإمام: شذ بعض الناس فمنع الرهن فى الحضر؛ تعلقاً بدليل الخطاب من قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَة﴾ (١)، فاشترط السفر، فدل أن الحضر بخلافه. وقال أصحابنا: هذا الحديث حجة عليه فى جواز الرهن فى الحضر، وفيه دلالة على جواز معاملة اليهود وإن كانوا يستحلون من المكاسب ما لا يستحل. وقد أكثر الناس القول فى وجه مبايعة النبى ﷺ لليهودى ورهنه درعه عنده، وأمثل ما يقال فيه: إنه

стр. 2907

(...) حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِى الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: مِنْ حَدِيدٍ. ــ فعل ذلك ليريه ﷺ جواز معاملة اليهود، أو فعل ذلك؛ لأنه لم يحضره حينئذ من عنده طعام سوى هذا اليهودى، أو يكون ﵇ علم أن أصحابه - رضى الله عنهم - لا يقبلون منه الرهن إكراماً له، أو لا يقتضونه فى الثمن إذا حلَّ تقرباً إليه، فعدل إلى معاملة من يفعل ذلك معه لئلا يجحف بأصحابه. قال القاضى: أجمع العلماء على جواز معاملة أهل الذمة وجواز معاملة المشركين، إلا ما يتقوى به أهل الحرب على محاربة المسلمين كسلاح الحرب وآلاتها وما تصرف فيها، أو ما يستعين به جميعهم على إقامة شريعتهم، وإظهار تصرفهم وما لا يجوز تملكه لهم لحرمته كالمسلم والمصحف. ومنع ابن حبيب بيع الحرير والكتان والبسط والطعام من أهل الحرب، وتأول ذلك إما عند الشدائد فيطمع أن يتمكن منكم بضعف الجوع، فإن ما ذكر من الكتان والحرير والبسط مما يتحملون به فى حروبهم. ورهن النبى ﷺ الدرع عند اليهودى أنه لم يكن من أهل الحرب، وممن كان بين ظهرى الإسلام، وإلا فرهنها ممن يخشى منه التقوى بها كبيعها. وظاهر الخبر ما كان عليه ﵇ من التقلل من الدنيا والاكتساب، وأنه لو كان عنده غير الدرع لباعه أو رهنه مكان درعه، وفيه اتخاذ الدروع والعدد للأعداء والتحصن منه، وأن ذلك غير قادح فى التوكل. واستدل إبراهيم النخعى بهذا الحديث على جواز الرهن فى السلم؛ لأن المسلم دين فى الذمة فلا فرق بينه وبين السلف، وهو مذهب مالك وكافة السلف والعلماء، وكذلك الكفيل. وذهب زفر والأوزاعى وأحمد إلى كراهة ذلك فيهما، وروى عن بعض السلف. وكره مالك الكفالة برأس مال السلف إذا كان فى العقد، ويفسد بذلك السلم على تفصيل فيه فى كتب الفقه.

стр. 2908

(٢٥) باب السلم ١٢٧ - (١٦٠٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا. وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِى الثِّمَارِ، السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ. فَقَالَ: " مَنْ أَسْلَفَ فِى تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِى كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَل مَعْلُومٍ ". ١٢٨ - (...) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ وقوله: " من استلف فى تمر فليسلف فى كيل معلوم، إلى أجل معلوم "، وفى رواية السجزى: " من سلم "، وكلاهما بمعنىً. سمى سلماً؛ لتسليمه رأس المال دون قبض عوضه، وسمى سلفاً بتغريمه رأس المال على العوض، ومنه: سلف الرجل، لمتقومين أمامه. وحكى الخطابى عن عمرو فى رواية ابن عمر كراهة تسمية السلم سلفاً، وقال: هو الإسلام لله، كأنه ضن بالاسم أن يمتهن فى غير هذا. قال الإمام: قد تقدم الكلام فى ربا بيع النقد، ونحن نتكلم الآن على الربا فى النسيئة. فاعلم أن الربا يدخل فى بيع النسيئة فى الستة المذكورة فى الحديث وما قيس عليها، سواء اتفقت الأجناس أم اختلفت، وما سوى الستة وما قيس عليها لا يدخل الربا فى بيع النسيئة فيه إذا اختلفت الأجناس؛ كسلم عبد فى ثوبين. فإن تساوت الأجناس فاختلف الناس، فمنعه أبو حنيفة، وأجازه الشافعى، وقال مالك: إذا اتفقت المنافع فى الجنس منع، وإن اختلفت جاز. وأمّا أبو حنيفة فحجته قول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١). والربا الزيادة، وهذا موجود فى هذا البيع، فمنع بحق عموم الآية. وإنما خصَّ منها اختلاف الأجناس بما قدمناه من الحديث وبغير ذلك.

стр. 2909

وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَسْلَفَ فَلَا يُسْلِفْ إِلَّا فِى كَيْلِ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ". ــ وأمَّا الشافعى فإنه يحتج بأنه أمر ﷺ بعض أصحابه بأن يعطى بعيراً فى بعيرين إلى أجل (١)، وهذا يخص قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) إذا قلنا: إن الزيادة فى عوض الشىء تسمى ربا حقيقة، وجماعة من أهل الأصول يذهبون إلى تخصيص العموم بخبر الواحد، وبعضهم يمنع منه. وأمَّا مالك، فإنه توسط بين القولين، وعدل بين المذهبين، وسلك حماية الذريعة، وأصله القول بها، فينظر إلى أن الأجناس إذا اختلفت جاز التفاضل فيها نسيئة، والغرض من المتملكات الانتفاعات، وأمَّا نفس الذوات فلا يملكها إلا الله الذى يؤخرها ويقدمها، وإنما ملك الخلق الانتفاع بها، فإذا كانت المنافع مختلفة وهى المقصودة التى يتعلق بها الملك، وجب أن تحل محل اختلاف الأجناس. وإذا كان الغرض فى دابة الحمل عليها، والغرض من أخرى الجرى بها، صار فى الأنفس كدابة يراد ركوبها، وثوب يراد لباسه. فإذا تساوت المنافع نظر إلى قوله: إن النبى ﷺ نهى عن سلف جرَّ نفعاً. فإذا دفع ثوباً فى ثوبين الغرض فيهما كالغرض فى الثوب مكانه، أسلفه واشترط عليه أن ينتفع بالزيادة. ولو أسلم ثوبين فى ثوب تتفق الأغراض فيها لأنَّها - أيضاً - على أن يكون أعطاه أحد الثوبين ليضمن له الثانى فى ذمته أجلاً سمياه، فيصير ذلك مُعاوضة على الضمان وسلفاً لينتفع بالضمان، وذلك لا يجوز. ولو تحققنا حصول السلف والغرض على وجه لا منفعة فيه محققة، وهى الزيادة المحسوسة، ولا منفعة فيه محققة ليتهم الناس عليها - لأجزنا ذلك إذا سلك به مسلك الفرض. وقد وقع عندنا اضطراب فى المذهب فى التبايع بما اتفقت أجناسه ومنافعه ولم تقع فيه زيادة، هل يجوز أم لا، كسلم ثوب فى مثله؟ فأجيز؛ لأن تقدير منفعة فى ذلك يهم الناس عليها يبعد فى النفوس، ومنع لئلا يقصد الانتفاع بضمان القابض عوضاً عن منفعته بما قبض. وأمَّا الشافعى فيجيز ذلك، وهو يجيزه وإن حصل فيه التفاضل الذى هو منفعة

стр. 2910

(...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: ــ محققة، فكيف به مع التساوى الذى لا منفعة فيه محققة؟ فإذا ثبت جواز النَّساء فيما اختلفت أجناسه مما عدا الستة وما فى معناها بالسلم يجوز فى كل شىء تضبطه الصفة. وقد وقع اختلاف بين مالك وأبى حنيفة، وبين مالك والشافعى فى مسائل، هل يجوز السلم فيها أم لا، وهو اختلاف فى حال، فمن يمنع السلم يعتقد أن الصفة لا تحصر ما منع منه، ومن يجيزه يعتقد أن الصفة تحصره. وهذا مثل ما يقول أصحاب أبى حنيفة: كيف يجيزون السلم فى الجوارى مع اختلافهن فى الرشاقة والملاحة، وأنهن يتفاوتن فى ذلك تفاوتاً عظيماً يختلف الثمن باختلافه؟ ومالك لم يثبت عنده ما قالوا، ورأى أن ذلك مما يضبط المقصود منه أجاز السلم فيهن. وعلى هذا الاختلاف جرى الأمر فى اختلافهم فى غير ذلك من المسائل. وأمَّا قوله ﵇: " إلى أجلٍ معلوم ": فقد تعلق به بعض أصحابنا فى افتقار صحة السلم إلى أجل، والمشهور عندنا منع السلم الحال. وكان بعض شيوخنا يخرج من المدونة القول بجواز من سأله إذا اشترى بعروض وباع بمثلها مرابحة، وهو مذهب الشافعى. ومن أجاز السلم الحال يحمل الحديث على أن المراد به: إن كان أجلاً فليكن معلوماً. واختلف القائلون من أصحابنا بإثبات الأجل، فقال بعضهم: ثلاثة أيام، وقال بعضهم: بل أكثر من ذلك مما تتغير فيه الأسواق؛ كنصف الشهر ونحوه، إذا كان يقبض السلم فى البلد بعينه. قال القاضى: لم يجر فى الأحاديث فى هذا الباب ذكر للصفة، وهى مما أجمع العلماء على شرطها فى صحة السلف، لكن لما كانت العادة فى التمر أنه أجناس وأنواع، ولكل نوع منه اسم وصفة والعرف فى شرائه أن يسمى بجنسه - قام مقام الصفة، ومثل هذا فيما له عرفٌ جائز عندنا. وشروط السلم عندنا التى لا تصح إلا بها على مشهور مذهبنا خمسة: كونه مضموناً، وموصوفاً بصفة تحصر، ومؤجلاً لأجلٍ معلوم، ومما لا يتعذر وجوده عند أجله، وكونه معلوم القدر من وزن أو كيل أو عدد أو تجر أو مساحة أو درع أو سن، وأن يكون رأس ماله معجلاً أو فى حكم المعجل حتى لا يبعد قبضه بعد اليومين والثلاثة. ولم يجز الكوفيون والشافعى تأخيره عن العقد، والافتراق كالضرب عندهم. وليس من شرطه أن
следующие страницы →