(٢٤) باب الرهن وجوازه فى الحضر والسفر
١٢٤ - (١٦٠٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ، رَهْنًا.
١٢٥ - (...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اشْتَرى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
١٢٦ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: ذَكَرْنَا الرَّهْنَ فِى السَّلَمِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِىِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِىٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ.
ــ
وقوله: أنه ﵇ اشترى من يهودى طعاماً بنسيئة ورهنه درعه ": فيه معاملة اليهود وأهل الذمة وسائر الكفار، وحل ما يؤخذ منهم مع قيض، حيث مكاسبهم ومعاملاتهم. وجواز ادخار القوت، وجواز التجارة معهم بالنقد والنسيئة؛ لأنها إذا جازت بالنسيئة فهى بالنقد أجوز، وجواز شراء الطعام بالنسيئة إذا لم يكن الثمن طعاماً، أو كان الطعام المشترى نقداً، وفيه جواز الرهن فى الحضر وهو قول الكافة، خلافاً لداود ومجاهد.
قال الإمام: شذ بعض الناس فمنع الرهن فى الحضر؛ تعلقاً بدليل الخطاب من قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَة﴾ (١)، فاشترط السفر، فدل أن الحضر بخلافه. وقال أصحابنا: هذا الحديث حجة عليه فى جواز الرهن فى الحضر، وفيه دلالة على جواز معاملة اليهود وإن كانوا يستحلون من المكاسب ما لا يستحل. وقد أكثر الناس القول فى وجه مبايعة النبى ﷺ لليهودى ورهنه درعه عنده، وأمثل ما يقال فيه: إنه
стр. 2907
(...) حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِى الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: مِنْ حَدِيدٍ.
ــ
فعل ذلك ليريه ﷺ جواز معاملة اليهود، أو فعل ذلك؛ لأنه لم يحضره حينئذ من عنده طعام سوى هذا اليهودى، أو يكون ﵇ علم أن أصحابه - رضى الله عنهم - لا يقبلون منه الرهن إكراماً له، أو لا يقتضونه فى الثمن إذا حلَّ تقرباً إليه، فعدل إلى معاملة من يفعل ذلك معه لئلا يجحف بأصحابه.
قال القاضى: أجمع العلماء على جواز معاملة أهل الذمة وجواز معاملة المشركين، إلا ما يتقوى به أهل الحرب على محاربة المسلمين كسلاح الحرب وآلاتها وما تصرف فيها، أو ما يستعين به جميعهم على إقامة شريعتهم، وإظهار تصرفهم وما لا يجوز تملكه لهم لحرمته كالمسلم والمصحف. ومنع ابن حبيب بيع الحرير والكتان والبسط والطعام من أهل الحرب، وتأول ذلك إما عند الشدائد فيطمع أن يتمكن منكم بضعف الجوع، فإن ما ذكر من الكتان والحرير والبسط مما يتحملون به فى حروبهم. ورهن النبى ﷺ الدرع عند اليهودى أنه لم يكن من أهل الحرب، وممن كان بين ظهرى الإسلام، وإلا فرهنها ممن يخشى منه التقوى بها كبيعها.
وظاهر الخبر ما كان عليه ﵇ من التقلل من الدنيا والاكتساب، وأنه لو كان عنده غير الدرع لباعه أو رهنه مكان درعه، وفيه اتخاذ الدروع والعدد للأعداء والتحصن منه، وأن ذلك غير قادح فى التوكل.
واستدل إبراهيم النخعى بهذا الحديث على جواز الرهن فى السلم؛ لأن المسلم دين فى الذمة فلا فرق بينه وبين السلف، وهو مذهب مالك وكافة السلف والعلماء، وكذلك الكفيل. وذهب زفر والأوزاعى وأحمد إلى كراهة ذلك فيهما، وروى عن بعض السلف. وكره مالك الكفالة برأس مال السلف إذا كان فى العقد، ويفسد بذلك السلم على تفصيل فيه فى كتب الفقه.
стр. 2908
(٢٥) باب السلم
١٢٧ - (١٦٠٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا. وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِى الثِّمَارِ، السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ. فَقَالَ: " مَنْ أَسْلَفَ فِى تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِى كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَل مَعْلُومٍ ".
١٢٨ - (...) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
وقوله: " من استلف فى تمر فليسلف فى كيل معلوم، إلى أجل معلوم "، وفى رواية السجزى: " من سلم "، وكلاهما بمعنىً. سمى سلماً؛ لتسليمه رأس المال دون قبض عوضه، وسمى سلفاً بتغريمه رأس المال على العوض، ومنه: سلف الرجل، لمتقومين أمامه. وحكى الخطابى عن عمرو فى رواية ابن عمر كراهة تسمية السلم سلفاً، وقال: هو الإسلام لله، كأنه ضن بالاسم أن يمتهن فى غير هذا.
قال الإمام: قد تقدم الكلام فى ربا بيع النقد، ونحن نتكلم الآن على الربا فى النسيئة.
فاعلم أن الربا يدخل فى بيع النسيئة فى الستة المذكورة فى الحديث وما قيس عليها، سواء اتفقت الأجناس أم اختلفت، وما سوى الستة وما قيس عليها لا يدخل الربا فى بيع النسيئة فيه إذا اختلفت الأجناس؛ كسلم عبد فى ثوبين. فإن تساوت الأجناس فاختلف الناس، فمنعه أبو حنيفة، وأجازه الشافعى، وقال مالك: إذا اتفقت المنافع فى الجنس منع، وإن اختلفت جاز.
وأمّا أبو حنيفة فحجته قول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١). والربا الزيادة، وهذا موجود فى هذا البيع، فمنع بحق عموم الآية. وإنما خصَّ منها اختلاف الأجناس بما قدمناه من الحديث وبغير ذلك.
стр. 2909
وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَسْلَفَ فَلَا يُسْلِفْ إِلَّا فِى كَيْلِ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ".
ــ
وأمَّا الشافعى فإنه يحتج بأنه أمر ﷺ بعض أصحابه بأن يعطى بعيراً فى بعيرين إلى أجل (١)، وهذا يخص قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) إذا قلنا: إن الزيادة فى عوض الشىء تسمى ربا حقيقة، وجماعة من أهل الأصول يذهبون إلى تخصيص العموم بخبر الواحد، وبعضهم يمنع منه.
وأمَّا مالك، فإنه توسط بين القولين، وعدل بين المذهبين، وسلك حماية الذريعة، وأصله القول بها، فينظر إلى أن الأجناس إذا اختلفت جاز التفاضل فيها نسيئة، والغرض من المتملكات الانتفاعات، وأمَّا نفس الذوات فلا يملكها إلا الله الذى يؤخرها ويقدمها، وإنما ملك الخلق الانتفاع بها، فإذا كانت المنافع مختلفة وهى المقصودة التى يتعلق بها الملك، وجب أن تحل محل اختلاف الأجناس.
وإذا كان الغرض فى دابة الحمل عليها، والغرض من أخرى الجرى بها، صار فى الأنفس كدابة يراد ركوبها، وثوب يراد لباسه. فإذا تساوت المنافع نظر إلى قوله: إن النبى ﷺ نهى عن سلف جرَّ نفعاً. فإذا دفع ثوباً فى ثوبين الغرض فيهما كالغرض فى الثوب مكانه، أسلفه واشترط عليه أن ينتفع بالزيادة. ولو أسلم ثوبين فى ثوب تتفق الأغراض فيها لأنَّها - أيضاً - على أن يكون أعطاه أحد الثوبين ليضمن له الثانى فى ذمته أجلاً سمياه، فيصير ذلك مُعاوضة على الضمان وسلفاً لينتفع بالضمان، وذلك لا يجوز.
ولو تحققنا حصول السلف والغرض على وجه لا منفعة فيه محققة، وهى الزيادة المحسوسة، ولا منفعة فيه محققة ليتهم الناس عليها - لأجزنا ذلك إذا سلك به مسلك الفرض.
وقد وقع عندنا اضطراب فى المذهب فى التبايع بما اتفقت أجناسه ومنافعه ولم تقع فيه زيادة، هل يجوز أم لا، كسلم ثوب فى مثله؟ فأجيز؛ لأن تقدير منفعة فى ذلك يهم الناس عليها يبعد فى النفوس، ومنع لئلا يقصد الانتفاع بضمان القابض عوضاً عن منفعته بما قبض.
وأمَّا الشافعى فيجيز ذلك، وهو يجيزه وإن حصل فيه التفاضل الذى هو منفعة
стр. 2910
(...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ. وَلَمْ يَذْكُرْ:
ــ
محققة، فكيف به مع التساوى الذى لا منفعة فيه محققة؟ فإذا ثبت جواز النَّساء فيما اختلفت أجناسه مما عدا الستة وما فى معناها بالسلم يجوز فى كل شىء تضبطه الصفة.
وقد وقع اختلاف بين مالك وأبى حنيفة، وبين مالك والشافعى فى مسائل، هل يجوز السلم فيها أم لا، وهو اختلاف فى حال، فمن يمنع السلم يعتقد أن الصفة لا تحصر ما منع منه، ومن يجيزه يعتقد أن الصفة تحصره. وهذا مثل ما يقول أصحاب أبى حنيفة: كيف يجيزون السلم فى الجوارى مع اختلافهن فى الرشاقة والملاحة، وأنهن يتفاوتن فى ذلك تفاوتاً عظيماً يختلف الثمن باختلافه؟ ومالك لم يثبت عنده ما قالوا، ورأى أن ذلك مما يضبط المقصود منه أجاز السلم فيهن. وعلى هذا الاختلاف جرى الأمر فى اختلافهم فى غير ذلك من المسائل.
وأمَّا قوله ﵇: " إلى أجلٍ معلوم ": فقد تعلق به بعض أصحابنا فى افتقار صحة السلم إلى أجل، والمشهور عندنا منع السلم الحال. وكان بعض شيوخنا يخرج من المدونة القول بجواز من سأله إذا اشترى بعروض وباع بمثلها مرابحة، وهو مذهب الشافعى. ومن أجاز السلم الحال يحمل الحديث على أن المراد به: إن كان أجلاً فليكن معلوماً. واختلف القائلون من أصحابنا بإثبات الأجل، فقال بعضهم: ثلاثة أيام، وقال بعضهم: بل أكثر من ذلك مما تتغير فيه الأسواق؛ كنصف الشهر ونحوه، إذا كان يقبض السلم فى البلد بعينه.
قال القاضى: لم يجر فى الأحاديث فى هذا الباب ذكر للصفة، وهى مما أجمع العلماء على شرطها فى صحة السلف، لكن لما كانت العادة فى التمر أنه أجناس وأنواع، ولكل نوع منه اسم وصفة والعرف فى شرائه أن يسمى بجنسه - قام مقام الصفة، ومثل هذا فيما له عرفٌ جائز عندنا.
وشروط السلم عندنا التى لا تصح إلا بها على مشهور مذهبنا خمسة: كونه مضموناً، وموصوفاً بصفة تحصر، ومؤجلاً لأجلٍ معلوم، ومما لا يتعذر وجوده عند أجله، وكونه معلوم القدر من وزن أو كيل أو عدد أو تجر أو مساحة أو درع أو سن، وأن يكون رأس ماله معجلاً أو فى حكم المعجل حتى لا يبعد قبضه بعد اليومين والثلاثة. ولم يجز الكوفيون والشافعى تأخيره عن العقد، والافتراق كالضرب عندهم. وليس من شرطه أن
стр. 2911
"إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ".
(...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن مَهْدِىٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، بِإِسْنَادِهِمْ. مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. يَذْكُرُ فِيهِ: " إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ".
ــ
يكون المسلم وليه مالك، خلافاً لبعض السلف، وأن يكون مما لا ينقطع من أيدى الناس جملة، خلافاً لمن شرط ذلك، وأن يكون موجوداً حين العقد إلى الأجل، خلافاً لأبى حنيفة، وكل من شرطه ذكر موضع القبض عندنا، وعند فقهاء أصحاب الحديث، خلافاً للكوفيين فى اشتراطهم ذلك لما له حمل ومؤونة. وعندنا إن لم يشترط فموضع البيع موضع القبض، وليس من شرطه عندنا ألا يكون رأس السلم جزافاً فيما يجوز فيه الجزاف، خلافاً لأبى حنيفة فى منعه ذلك فى كل شىء، وليس من شرط المسلم فيه أن يكون حيواناً، خلافاً لأبى حنيفة؛ إذ لا تحصر عنده الصفة، ولا من شرطه ألا يكون من الجواهر كالدر والياقوت، خلافاً للشافعى؛ إذْ لا تحصر الصفة.
قال الإمام: خرج مسلم فى الباب: نا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبى شيبة وإسماعيل بن سالم، جميعاً عن ابن علية، قال بعضهم، هكذا فى نسخة أبى العلاء بن ماهان عن مسلم عن شيوخه عن ابن علية، وهو إسماعيل بن إبراهيم، وفى رواية (١) الجلودى: " ابن عيينة " بدل " ابن علية "، والصواب رواية أبى العلاء، ومن تأمل الباب بان ذلك له.
قال القاضى: لأنه ذكر أول الباب حديث ابن عيينة عن ابن أبى نجيح، وفيه ذكر الأجل، ثم ذكر حديث عبد الوارث عن ابن أبى نجيح، وليس فيه ذكر الأجل، ثم ذكر حديث ابن علية عن ابن أبى نجيح، وقال بمثل حديث عبد الوارث، ولم يذكر: " إلى أجل معلوم "، ثم ذكر حديث سفيان عن الثورى عن ابن أبى نجيح، وقال بمثل حديث ابن علية، فذكر فيه: " إلى أجل معلوم " وهو بَيّن.
стр. 2912
(٢٦) باب تحريم الاحتكار فى الأقوات
١٢٩ - (١٦٠٥) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْن الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ مَعْمَرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ ". فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَرًا الَّذِى كَانَ يُحَدِّثُ هذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحتَكِرُ.
١٣٠ - (...) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرُو الأَشْعَثِىُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ مَعْمَرِ
ــ
وقوله: " من احتكر فهو خَاطئ، فقيل لسعيد: فإنك تحتكر قال سعيد: إن [معمرًا الذى كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر] (١) "، قال الإمام: أصل هذا مراعاة الضرر بكل ما أضرَّ بالمسلمين، وجب أن ينفى عنهم، فإذا كان شراء الشىء بالبلد يُغلى سعر البلد ويضر بالناس؛ منع المحتكر من شرائه نظراً للمسلمين عليه كما قال العلماء: إنه إذا احتيج إلى طعام رجل واضطر الناس إليه ألزم بيعه منهم. فمراعاة الضرر هى الأصل فى هذا، وقد قال بعض أصحاب مالك: إن احتكار الطعام ممنوع على كل حال؛ لأن أقوات الناس لا يكون احتكارها أبداً إلاَّ مضر بهم، ومحمل ما روى عن رواة هذا الحديث من أنهم كانوا يحتكرون: أنهم احتكروا ما لا يضر بالناس، وحملوا قول النبى ﷺ على ذلك، وحمله على هذا يؤكد ما قلناه.
قال القاضى: الاحتكار: هو الادخار مما كان لقوت الإنسان، وليس بممنوع ولا مكروه، وما كان للبيع والتجارة ممَّا كان منه مُضراً بالناس ومتعلقاً بشرائه أسعارهم مُنِع، وأشرك فيه أهل السوق والمشترون بما اشتراه به. وما لم يضر لم يمنع، على مشهور المذهب فى أىِّ شىء كان، وهو قول الشافعى وأبى حنيفة، خلافاً لابن حبيب من أصحابنا فى قوله: إنَّ حكرة الطعام والحبوب كلها، والغلو فى السمن والزيت والعسل واللبن ممنوع، أى وقت كان، أضرَّ أو لم يضر، وهذا ما اشترى فى أسواقهم، فأَمَّا ما جلب فلا يبيع من مدخره إلاَّ عند الضرورة الفادحة وحاجة الناس إليه، ولم يوجد سواه
стр. 2913
ابْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: " لا يَحْتَكِرُ إِلا خَاطِئٌ ".
(...) قَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ مُسْلِمٌ: وَحَدَّثَنِى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيد بْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِى مَعْمَرٍ - أَحَدِ بَنِى عَدِىِّ بْنِ كَعْبٍ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى.
ــ
فيؤخذ بيعه.
وما ذكر عن سعيد ومعمر أنهما كانا يحتكران، قال ابن عبد البر: إنما كانا يحتكران الزيت، وحملا النهى على أنه فى القوت عند الحاجة إليه، وكذلك قال الشافعى وأبو حنيفة: إنه مما يختص بالطعام المقتات الذى هو مصالح أجسام الناس، وليس هذا فى الأدم والزيت والفاكهة. ومعمر هذا هو ابن عبد الله بن نضلة العدوى قديم الإسلام، كان مُعَمِّراً، وقد قبله مسلم، وهو معمر بن أبى معمر، وقد ذكره كذا مسلم فى الحديث الآخر.
قال الإمام: خرج مسلم فى الباب: نا بعض أصحابنا عن عمرو بن عون، حدثنا خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن محمد بن عمرو وعن سعيد بن المسيب، عن معمر بن عبد الله، أحد بنى عدى بن كعب، [عن النبى ﷺ ] (١) الحديث. وهذا حديث مقطوع [الإسناد، وهو] (٢) أحد الأربعة عشر حديثاً المقطوعة فى كتاب مسلم. وأمَّا أبو داود فرواه عن وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى (٣).
قال القاضى: قد تكلمنا على مثل هذا قبلُ، وأنه لا يدخل فى باب المقطوع ما يكفى. وقوله: عن معمر بن عبد الله، ليس هو فى هذا الحديث، كذا فى هذا السند، وإنَّمَا فى معمر بن أبى معمر، أحد بنى عدى بن كعب، وإنما جاء ذلك فى حديث سعيد بن عمرو الأشعثى، وفيه عن معمر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ ليس فى هذا أحد بنى كعب.
стр. 2914
(٢٧) باب النهى عن الحلف فى البيع
١٣١ - (١٦٠٦) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الأُمَوِىُّ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كِلاهُمَا عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " الْحَلْفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ ".
١٣٢ - (١٦٠٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لاِبْنِ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ - عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " ايَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِى الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ ".
ــ
قوله: " الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح ": قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَات﴾ (١)، فقيل: هذا المحق هو فى الآخرة كما تربو الصدقة حتى تأتى مثل أحد وذلك يمحق الربا حسناته، إمَّا برجحانه عليه فى الميزان أو بهذا من أجلها، أو لأن من تصدق به أو أكل من الربا لا يؤجر فيه كذلك إثمان لما أخره بالحلف الفاجر وزين به سلعته، وحلف أننى أعطى فيهما ما لم يعط، وغر بذلك كله أخاه المسلم، وقيل: بل المحق فى الدنيا والآخرة ممحقة فى الدنيا ترفع البركة منه، أو تكون لتسليط الجوائح عليه حتى يمحق - والله أعلم.
стр. 2915
(٢٨) باب الشفعة
١٣٣ - (١٦٠٨) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِى رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ رَضِىَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ ".
١٣٤ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لاِبْنِ نميرٍ - قال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
ــ
قوله ﵇: " من كان له شريك فى ربعة أو نخلٍ، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضى أخذ، وإن كره ترك "، وفى بعض طرقه: " قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فى كلِّ شركة لم تقسم، ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذن فهو أحق به "، وفى بعض طرقه: " الشفعة فى كل شرك، فى ربع أو أرض أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه "، قال الإمام: اختلف فى اشتقاق الشفعة، فقيل: لأنه شفع فى أخذ نصيب غيره، وقيل: لأن نصيبه كان وترًا فصار شفعاً.
قال القاضى: قيل: أصلها أن أهل الجاهلية كان الرجل إذا باع منزلاً أو حائطاً أتاه الجار، أو الشريك يشفع إليه فيما باع فيشفعه، ويجعله أولى ممن يعد شريكه، فسميت القضية: شفعة، وطالبها: شفيعاً، وقيل: لأنه كثر نصيبه بما ضم إليه بالشفعة، وزاده.
وأصل الشفعة: الزيادة. وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ (١)، قيل: [من يزدد عملاً صالحاً] (٢)، وقد أجمع العلماء فى وجوب الشفعة للشريك فى الربع المبيع فيما لم يقاسم. واختلفوا فيما وراء ذلك. والربعة،
стр. 2916
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بسكون الباء وفتح الراء، يكون تأنيث ربع وهو الدار والمسكن، وأصله: المنزل الذى كانوا يربعون فيه، وقد يصح أن يكون الربعة هو الواحد، والربع جمعه، ثم يجمع رباعاً مثل تمر وتمرة وذر وذرة.
قال الإمام: الأصل أن الشفعة إنما أثبتت فى الشرع لنفى الضرر، ولما كان الضرر يختلف باختلاف الأنواع خص بذلك العقار؛ لأنه أشد ضرراً من غيره من السلع؛ لأنه قد يدعوه المشترى إلى المقاسمة أو إلى البيع، أو يضر به ويسىء جواره. ومنه المعانى يعظم صوره فى العقار.
وقد اختلف أصحابنا فى إثبات الشفعة فى مسائل، وسبب اختلافهم: ما وقع فيها من إشكال، هل تشبه العروض والسلع التى لا شفعة فيها، أو هى بالعقار أشبه، مثل اختلافهم فى التمر إذا بيع منفرداً؟ وقيل: فيه الشفعة؛ لأنه من جملة الحائط وكأحد أجزائه، وقيل: لا شفعة فيه؛ لأنه مما ينقل ويزال به فأشبه العروض.
وقد اختلف الناس فى الشفعة فى المقسوم، فمذهبنا أن لا منفعة فيه، وعند أبى حنيفة إثبات الشفعة فى المقسوم، ورأى أن الشفعة تكون بالجوار؛ لأنهم يضطربون فى ترتيب الجوار، ويقدمون الشريك على من سواه، والشريك فى الطريق على الجار. وقد اختلفت الأحاديث، فالذى فى كتاب مسلم هاهنا إثبات الشفعة للشركة، وفى طرقه: " كل شركة لم تقسم "، وفى غير كتاب مسلم: " الشفعة فى كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة "، واعتمد أصحابنا على هذا الحديث. والرد على أبى حنيفة، بقوله: " فى كل ما لم يقسم "، حصر الشفعة فيما لم يقسم، ودليله: أنه إذا قسم فلا شفعة.
وقوله: " فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة ": فلو اقتصر على قوله: " فإذا وقعت الحدود " ولم يضف إليه قوله: " وصرفت الطرق "، لكان ذلك حجة لأصحاب مالك فى الرد على أبى حنيفة؛ لأن الجار بينه وبين جاره حدود، ولكنه لما أضاف قوله: " وصرفت الطرق " تضمن أنها تنتفى بشرطين: ضروب الحدود، وضروب الطرق، فيقول أصحابنا: ضرب الطرق يراد به صرف الطرق، التى كانت قبل القسمة. ويقول أصحاب أبى حنيفة: المراد به ضرب الطرق التى يشترك فيها الجاران، فينبغى النظر فى أى التأويلين أظهر.
وقد روى - أيضاً - عن النبى ﷺ أنه قال: " الجار أحق بصقبه " (١)، وخرج
стр. 2917
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الترمذى وأبو داود: قال النبى ﷺ : " جار الدار أحق بجار الدار والأرض " (١)، واحتج أبو حنيفة بظاهر هذا الحديث. ونقول نحن: لم يبين بماذا يكون أحق؟ هل بالشفعة أو بغيرها من وجوه الرفق والمعروف؟ ونقول أيضاً: يحتمل أن يحمل الجار على الشريك والمخالط قال الشاعر:
أيا جارتى يبقى ما بك طالعة
فسمى الزوجة لمخالطتها له. وقد خرج أبو داود والترمذى: قال ﷺ : " الجار أحق بشفعته ينظر به وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً " (٢)، وهذا من أظهر ما يستدلون به؛ لأنه بين بماذا يكون الحق، ونبه على الاشتراك فى الطريق، ولكن هذا الحديث لم يثبت عند أصحابنا، ورأيت من بعض المحدثين الطعن فيه، وقال فى رواية: إنه لو روى حديثاً آخر مثله تركت حديثه. والصقب بالصاد والسين: القرب، قال الشاعر:
لا أمم دارها ولا صقب
قال القاضى: حمل بعض شيوخنا قوله: " الجار أحق بصقبه " أنه على الندب للبائع، وحضه على إيثار جاره لا على وجه القضاء والحق الواجب، وهذا كما تقدم فى الحديث، فلا يحل له أن يسعى حتى يؤذن شريكهُ، وحمله آخرون على معنى: أحق بالبر والإتحاف والصلة لجواره.
قال الإمام: وقد خرج الترمذى - أيضاً - قال ﷺ : " الشريك شفيع، والشفعة فى كل شىء " (٣)، وهذا - أيضاً - ظاهر مع القول بالعموم؛ يثبت الشفعة فيما سوى العقار من العروض، وقد شذ بعض الناس ما أثبتها فى العروض. وحكى بعض أصحاب الشافعى عن مالك نحواً من هذا، قال شيخنا ﵀: وما أدرى أين وقف لمالك على هذا، ولعله رأى قولنا فى الحائط إذا بيع وفيه حيوان أن الشفعة فيه وفى حيوانه، فظن من ذلك أن الشفعة تثبت فى العروض، وليس كما ظن لأن الحيوان هاهنا لما كان من مصلحة الحائط أعطى حكمه فى الشفعة لها لما بيع مضافاً إليه.
والملك ينتقل فى الرباع على ثلاثة أقسام: بمعاوضة وفيها الشفعة باتفاق، وبغير معاوضة وهى على قسمين؛ اختيارية وغير اختيارية، فالاختيارية: الهبة والصدقة، وغير الاختيارية: الميراث، وقد حكى بعض أصحابنا باتفاق على أن لا شفعة فى الميراث،
стр. 2918
إِدْرِيسَ - حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَضَى رَسُولُ الله ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِى كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، لا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءِ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
ــ
وانفرد الخطابى فحكى عن مالك إثبات الشفعة فى الميراث، وهو قول شاذ لم يسمع إلا منه فيما أعلم، وأما الهبة والصدقة فى إثبات الشفعة ففيها قولان مشهوران بالإثبات لقوله ﷺ : " الشفعة فيما لم يقسم ". ولم يفرق بينها إلا مالك، ولأنها لنفى الضرر، والضرر لا يختلف باختلاف طرق الملك. ووجه نفيها قوله فى كتاب مسلم: " لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه " (١)، فكأنه أشار إلى أن ما تقدم فى صدر الحديث من إثبات الشفعة إنما يكون فى البيع لتركه المبيع فى آخر الحديث، ولو كان غير البيع كالبيع لقال: لا يحل أن يخرج ملكه. وقال بعض شيوخنا: قوله: " لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ": فيه إشارة إلى وجوب الشفعة قبل البيع.
وأما ما لا يقسم من العقار فهل فيه شفعة أم لا؟ فيه قولان عندنا بإثبات الشفعة لقوله ﵇: " الشفعة فيما لم يقسم " (٢)، وهذا لم يقسم، ولأن الضرر يلحق فى ذلك بسوء المعاشرة والدعاء إلى البيع، ووجه نفيها أن الشفعة فيما لم يقسم يشعر أن ذلك مما يحتمل القسم، ولأن من الضرر المعتبر الدعاء إلى المقاسمة وهى مفقودة هاهنا.
[قال القاضى: قوله: " قضى بالشفعة فى كل شركة ما لم تقسم ": يدل أن الشفعة فيما تصح فيه القسمة، وما لا تصح فيه فلا يقال فيه: ما لم يقسم. وما يقسم نوعان: فيما ينقسم مما لا ينقل، وما يقسم بالعدد والوزن والكيل، وما فى معناه مما ينقل، كما جاء فى الحديث. وما لا ينقسم لا قسم فيه، ويحتج لنفى الشفعة فيه، قوله: " فيما لم يقسم " يشعر أن ذلك فيما يحتمل القسم، ويحتج لثبوتها فيه بقوله: " الشفعة فيما لم يقسم وهذا لم يقسم " أجمعوا على ذلك، واختلفوا فى ثبوتها فيما بيع بعد القسم، فأثبتها أبو حنيفة حتى إنه أثبتها للجار - على ما تقدم - ثم إذا اختصت مما ينقسم، فظاهر الحديث - سواء انقسم بالحدود ولا ينتقل كالعقار أو انقسم بعدد أو كيل أو وزن - يدل على تخصيصها بما ينقسم بالحدود؛ لأن الحكم إذا علق بصفة يدل على أن تلك الصفة هى علة الحكم عند كثير من الأصوليين، لاسيما وقد وقع الإجمال بقوله: " ربعة حائط "] (٣).
стр. 2919
١٣٥ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الشُّفْعَةُ فِى كُلِّ شِرْكٍ فِى أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ ".
ــ
وقوله: " حتى يؤذن شريكه، فإن رضى أخذوا، وإن كره تركه ": واختلف العلماء إذا أذن فى البيع وتسلم المبيع منه ثم بدا له، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه وعثمان البتى وابن أبى ليلى، أن ذلك له، وهو مذهب الشافعى. وقال الثورى والحكم وأبو عبيد: ليس ذلك له. ولأحمد فى ذلك القولان معاً. وحجة هؤلاء قوله: " وإن كره ترك، ويأخذه إن رضى، وما ترك لا يرجع فيه "، وحجتنا: أن الشفعة له حق، لم يجب له إلا بعد مضى البيع فحينئذ ينظر فيه، وليس ذلك الشىء أولاً بالذى يوجب إسقاط ما وجب له بعده.
وقوله: " فإن أبى فشريكه أحق به ": ظاهره أنه أحق به إن وقع به التبايع من نقدٍ أو أجل، وهو قول مالك وأصحابه، وذهب أبو حنيفة والشافعى إلى أنه لا يشفع إلى أجل، ولكنه إن شاء شفع الآن فيأخذ بالنقد، وإن شاء صبر إلى الأجل، فيشفع به عند حلوله بالنقد. واختلف أصحابنا إذا لم يقم الشفيع إلا بعد حلول الأجل، هل يضرب له مثل ذلك الأجل أو يأخذ بالنقد؟
وقوله: " من كان له شريك ": عموم فى المسلم والذمى، وأن الشفعة بينهم وبين المسلمين [] (١).
стр. 2920
(٢٩) باب غرز الخشب فى جدار الجار
١٣٦ - (١٦٠٩) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أن يَغْرِزَ خَشَبَةً فِى جِدَارِهِ ".
قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَالِى أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ، لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ
ــ
وقوله ﷺ : " لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة فى جداره "، قال الإمام: اختلف المذهب عندنا، هل هذا النهى على الإلزام أم على الندب؟ فالمشهور عندنا أنه على الندب، والحث على حسن الجوار، وقيل: بل هو على الإلزام، وبين أهل الأصول اختلاف فى الأصل، قد تقدمت الإشارة إليه. وقد قال بعض أهل العلم: يحتمل أن يكون الضيعة من جداره عائداً على الجار، فكأنه قال: لا يمنع أحد جاره أن يغرز خشبة فى ملك نفسه، وهذا التحيل فى التأويل لئلا يكون فيه حجة على القول المشهور.
قال القاضى: وبأنه على الإلزام قال الشافعى وأحمد، وبأنه على الندب قال الكوفيون.
قوله: " خشبة ": رويناه فى غير الأم وغيرها بوجهين؛ بلفظ الإفراد، و" خشبه " بلفظ الجمع. قال عبد الغنى: كان الناس يقوله بالجمع إلا الطحاوى.
وقال روح بن الفرج: سألت أبا زيد الحارث بن بكير ويونس وكلهم يقوله: " خشبة " بالإفراد.
وقوله: " مالى أراكم عنها معرضين ": حجة للندب؛ لأن الصحابة - رضى الله عنهم - لا تعرض عن واجب، لكن لما فهموا الندب تساهلوا. قال الباجى: ويحتمل أن مذهب أبى هريرة الندب؛ إذ لو كان عنده للوجوب لوبخ الحكام على تركه، ولحكم به لأنه كان مستخلفاً بالمدينة.
واختلف إذا احتاج الإذن بجداره لمنفعة له فيه أيحل له إزالته، أو حكم لزمه وإن كان لغير حاجة، بل لإرادة الضرر، فلم يختلف أن ليس له ذلك؛ لأنه لا يرجع فيما أبيح، إلا أن يكون أباحه عارية لأمد انقضى.
وقوله: " لأرمين بها بين أكتافكم ": قال القاضى: " أكتافكم " هو بالتاء المثناة من
стр. 2921
أَكْتَافِكُمْ.
(...) حدثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
فوق، والمعنى: أصرح بها لكم وأرجعكم بالتوبيخ على ترك ما رغب فيه رسول الله ﷺ . ورواه بعض رواة الموطأ: " أكنافكم " بالنون، ومعناه: بينكم، والكنف: الجانب.
стр. 2922
(٣٠) باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها
١٣٧ - (١٦١٠) حدّثنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ الله إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ".
١٣٨ - (...) حدثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمرو بْنِ نُفَيْلٍ؛ أَنَّ أَرْوَى خَاصَمَتْهُ فِى بَعْضِ
ــ
وقوله: " من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً، طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين "، قال الإمام: كان شيخنا أبو محمد عبد الحميد ﵀ كتب إلى بعد فراقى له: هل وقع فى الشرع ما يدل على كون الأراضين سبعاً؟ فكتبت إليه قول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُن﴾ (١)، وذكرت له هذا الحديث الذى رواه سعيد بن زيد وأبو هريرة وعائشة فى كتاب مسلم، فأعاد كتابه الذى يذكر فيه أن الآية محتملة: هل مثلهن فى الشكل والهيئة؟ أو مثلهن فى العدد؟ وأن الأخبار من أخبار الآحاد، والقرآن إذا احتمل، والأثر إذا لم يتواتر لم يصح القطع بذلك، والمسألة ليست من العمليات فيتمسك فيها بالظواهر وأخبار الآحاد، فأعدت إليه المجاوبة فاحتج لبعد الاحتمال عن الفراق، وبسطت القول فى ذلك، وترددت له فى آخر كتابى فى احتمال ما قال أو بقطع المجاوبة.
قال القاضى: وقوله: " طوقه من سبع أرضين ": يحتمل ظاهر لفظه إليه مثله " من سبع أرضين ". قيل: هو من الطاقة، والمعنى: يكلف أن يطيق حمل مثله من سبع أرضين، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢)، ويشهد له قوله فى غير الأم: " جاء يحمله يوم القيامة إلى سبع أرضين "، وفى أخرى: " كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر ". وقيل: هو من الطوق. والمعنى: جعل مثله من سبع أرضين أطواقاً فى عنقه. وغير بعيد أن يطول عنقه لمثل ذلك، كما جاء فى غلظ جلد الكافر، وغلط
стр. 2923
دَارِهِ، فَقَالَ: دَعُوهَا وَإِيَّاهَا، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، طُوِّقَهُ فِى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". اللهُمَّ، إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِى دَارِهَا.
قَالَ: فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ، تَقُولُ: أَصَابَتْنِى دَعْوَةُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. فَبَيْنَمَا هِىَ تَمْشِى فِى الدَّارِ مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ فِى الدَّارِ، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا.
١٣٩ - (...) حدثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِى سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: سَمِعْتُ
ــ
ضرسه، كما قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَة﴾ (١)، ويشهد له حديث عائشة: " طوقه من سبع أرضين "، ويحتمل أن يريد أنه يلزم إثم ذلك كلزوم الطوق العنق. وقل: المعنى: خسف به ومثل الطوق منها. ويشهد له قوله فى الآخر: " إلى سبع أرضين " وفى البخارى: " خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين " (٢).
وقوله: " من سبع أرضين ": قال القاضى: الأراضون سبع طباق، وإنما الخلاف هل فتق بعضها من بعض؟ قال الداودى: الحديث يدل أنها لم تفتق؛ لأنها لو فتقت لم يطوق بما ينتفع به غيره. وجاء فى غلظهن وفيما بينهن خبر ليس بصحيح، واستدل به بعضهم على أن من ملك ظاهر الأرض يملك ما تحتها مما يقابله، فله منع من تصرف فيه أو يحفر. وقد اختلف العلماء فى هذا الأصل فيمن اشترى دارًا فوجد فيها كنزًا، أو وجد فى أرضه معدنًا، فقيل: له، وقيل: للمسلمين. ووجه الدليل من الحديث أنه غصب شبراً فعوقب بحمله من سبع أراضين، وكذلك يملك مقابل ذلك من الهواء يرفع فيه من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد.
وتأول بعضهم الحديث على أن المراد بالسبع أراضين: السبعة أقاليم، وهو تأويل أبطله العلماء؛ لأنه لو كان المراد ذلك لم يطوقه من غصب شبرًا من إقليم شبراً من إقليم آخر، بخلاف طباق الأرض فإن من ملك شبراً من الأرض ملك تحته.
стр. 2924
رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقه إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ ". فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا. فَقَالَ: اللهُمَّ، إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا وَاقْتُلْهَا فِى أَرْضِهَا.
قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِىَ تَمْشِى فِى أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِى حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ.
١٤٠ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِى زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ".
١٤١ - (١٦١١) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَأخذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلا طَوَّقَهُ اللهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
١٤٢ - (١٦١٢) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ - حَدَّثَنَا حَرْبٌ - وَهُوَ ابْنُ شَدَّادٍ - حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ أَبِى كَثِيرٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ خُصُومَةٌ فِى أَرْضٍ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا. فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوَّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرضِينَ ".
(...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، أَخْبَرَنَا أَبَانٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
ــ
قال الإمام: ذكر مسلم فى آخر باب الشفعة حديثاً رواه يحيى بن أبى كثير عن محمد ابن إبراهيم؛ أن أبا سلمة حدثه: أن عائشة قالت: اجتنب الأرض - الحديث، ثم أردف عليه: نا إسحاق، نا حبان، نا أبان، نا يحيى بن محمد بن إبراهيم، حدثه - فذكر الحديث. وفى نسخة ابن ماهان؛ نا أبان، نا يحيى بن آدم، أن محمد بن إبراهيم حدثه. قال بعضهم: وهذا خطأ، وإنما هو يحيى بن أبى كثير المذكور فى الحديث الأول لا يحيى بن آدم.
стр. 2925
(٣١) باب قدر الطريق إذا اختلفوا فيه
١٤٣ - (١٦١٣) حدّثنى أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِى الطَّرِيقِ، جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعِ أَذْرُعٍ ".
ــ
وقوله: " إذا اختلفتم فى الطريق جعل عرضه سبعة أذرع "، قال القاضى: قال الخطابى: هذا حديث معمول به عند العلماء وذلك بشرطين: أن يبقى لكل من الشركاء بعد ذلك ما ينتفع به دون مضرة. وأما أن يبقى لأحدهم ما لا ينتفع به فغير داخل فى ذلك. قال غيره: وهذا فى أصحاب الأفنية إذا أرادوا البنيان أن يجعلوها سبعة أذرع؛ قدر ممر الأحمال وتلاقيها.
قال القاضى: وهذا كله عند التشاجر والاختلاف لما نص عليه فى الحديث، وأما إذا اتفق أهل الأرض عند قسمها على طريق لم يعرض لهم لأنها ملكهم، وقيل: الحديث جاء فى أمهات الطرق، وأما بنيات الطرق فاتفقوا عليه جاز وإن قل، فإن أراد هذا القائل بأمهات الطرق إلى قريتهم التى يقسمونها فهو ما قلناه: إنه مما يتراضون عليه، إلا أن يقال: إن هذا التراضى فى أمهات الطرق مما يضر بجميعهم فيحد لهم ما فيه مصلحتهم. وإن أراد بأمهات الطرق العامة للمسلمين فى أرض لهم، أرادوا بناءها فألزم أن يخرجوا للمسلمين ما ذكر فى الحديث قبل. وهذا فى القرى والمدن، وأما الفيافى وخارج المدن فيجب أن تكون الطرق فيها أوسع لمجرى الجيوش ومسارح الأنعام. وقد جاء فى ذلك آثار نحو هذا - والله أعلم.
قال الإمام: لم يأخذ مالك وأصحابه بهذا الحديث، ورأوا أن الطرق تختلف بحسب الحاجة إلى سعتها بقدر اختلاف أحوالها، وأن ذلك معلوم بالغالب، وليس طريق الممر كطريق الأحمال والدواب، وليس المواضع العامرة التى يتزاحم عليها الوارد كغيرها، ولعل الحديث عنده ورد فيما كانت الكفاية فيه بهذا القدر، وتنبيها على الوسط والغالب. قال: وذكر مسلم فى سند هذا الحديث: عن خالد الحذاء، عن يوسف بن عبد الله، عن أبيه، [وعند ابن ماهان: سفيان بن عبد الله (١)]، وهو تصحيف، إنما هو يوسف بن عبد الله وهو يوسف بن عبد الله بن الحارث بن أخت ابن سيرين.
стр. 2926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القاضى: قال البخارى: يوسف بن عبد الله بن الحارث ابن أخت ابن سيرين، سمع أباه، روى عنه خالد الحذاء، وعاصم الأحول وغيرهما. قال غيره: وهو يوسف ابن أخت ابن سيرين، نسب إلى ابن سيرين وأمه كريمة بنت سيرين (١).
стр. 2927
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٣ - كتاب الفرائض
١ - (١٦١٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ".
ــ
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتاب الفرائض
قوله: " لا يرث المسلم الكافر، ولا [يرث] (١) الكافر المسلم ": مفهومه الذى اتفق عليه المسلمون: أن المراد به أنهما لا يتوارثان ميراث أهل الإسلام بعضهم من بعض (٢) وعلى حكمهم، بخلاف لو كان الكافر عبد المسلم فمات فماله للمسلم ليس بحجة التوارث، بل لأنه ماله؛ لأن مال عبدِه مالُه، إن شاء تركه بيده وإن قبضه وانتزعه عنه، فإذا مات العبد بقى لسيد المال العبد، ولو أعتق ثم مات على كفره لم يرثه، وكان ميراثه لجماعة المسلمين. ولا خلاف فى هذه الجملة إلا ما أجازه بعض السلف من ميراث المسلم الكافر، وهو قول النخعى وإسحاق (٣) بخلاف الكافر من المسلم، وكان هذا الحديث لم يبلغهم.
قال الإمام ﵀: أما ميراث الكافر من المسلم، فالإجماع قد انعقد عليه، وأما ميراث المسلم من الكافر فمسألة اختلاف، ولها أورد مالك الحديث فى الموطأ مختصراً تنبيهًا على موضع الخلاف، فقال: " لا يرث المسلم الكافر " (٤). ولم يزد على هذا اتفاق الجمهور من العلماء: " لا يرث المسلم الكافر "؛ أخذًا بهذا الحديث، وبه قال عمر وعلى وزيد وابن مسعود وابن عباس وجمهور التابعين - رضى الله عنهم - بالحجاز والعراق. من الفقهاء: مالك والشافعى وأبو حنيفة وداود وابن حنبل وعامة العلماء (٥).
وقال بتوريث المسلم من الكافر: معاذ ومعاوية وابن المسيب ومسروق (٦) وغيرهم (٧)،
стр. 2928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروى عن أبى الدرداء والشعبى والزهرى والنخعى نحوه على اختلاف عنهم فى ذلك، والصحيح عن هؤلاء خلافه، وحجة هؤلاء أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يعمر مسلمًا ويهوديًا فى ميراث أخ يهودى، فورّث المسلم، وذكر أن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الإسلام يزيد ولا ينقص " (١)، واحتجوا أيضًا بقوله ﵇: " يعلو ولا يعلى عليه " (٢)، وهذا لا حجة فيه؛ لأن المراد به فضل الإسلام على غيره، ولم يصرح فى هذا بإثبات التوريث، ولا يصح أن يرد النص فى قوله: " لا يرث المسلم الكافر " بمثل هذه الاحتمالات.
وأما أهل الكفر فهم عند مالك ﵀ أصحاب ملل مختلفة، فلا يرث اليهودى النصرانى ولا النصرانى اليهودى، وكذلك المجوسى لا يرث هذين ولا يرثانه، وذهب الشافعى وأبو حنيفة وداود إلى أن الكفر ملة واحدة (٣)، وأن الكفار كلهم يتوارثون، والكافر يرث الكافر على أى كفر كان، وقد قال ﷺ : " لا يتوارث أهل ملتين " (٤). فلما اعتقد مالك أن أنواع الكفر ملل مختلفة منع التوارث بين اليهودى والنصرانى، وقد قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٥).
ولما اعتقد الشافعى ومن ذكرنا معه أن أنواع الكفر ملة واحدة، ورث اليهودى من النصرانى، والنصرانى من اليهودى، وقد قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٦)، فوحد الملة، وقال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (٧)، فوحد الدين ولم يقل: أديانكم، وقالوا: قوله ﷺ : " لا يتوارث أهل ملتين " كقوله ﷺ : " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر من المسلم "، وقد قال بعض من رأى أن الكفر ملل مختلفة: إن السامرية مع اليهود أهل ملة واحدة والصالحين مع النصارى أهل ملة ثانية، والمجوس ومن لا كتاب له أهل ملة، وتكون هذه عندهم ثلاث ملل سوى ملة الإسلام. يحكى هذا المذهب عن شريح وشريك وابن أبى ليلى (٨).
стр. 2929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القاضى ﵀: وقوله: " لا يرث المسلم الكافر " عموم، فيدخل فيه الكافر الأصلى والمرتد، وهو قول مالك وربيعة وابن أبى ليلى والشافعى؛ أن ميراث المرتد لجماعة المسلمين، وذهب الكوفيون والأوزاعى وإسحاق إلى أن ورثته من المسلمين يرثونه، وروى عن على وابن مسعود وجماعة من السلف إلّا الثورى وأبا حنيفة قال: ما اكتسب من ردته فهو فىء للمسلمين، والآخرون يرون الجميع لورثته من المسلمين.
стр. 2930
(١) باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأوْلى رجل ذكر
٢ - (١٦١٥) حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ - وَهُوَ النَّرْسِىُّ - حَدَّثَنَا وهَيْبٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ألْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِىَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ".
٣ - (...) حدّثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ:
ــ
وقوله: " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقى فهو لأولى رجل ذكر ": كذا رواية كافة شيوخنا فى هذا الحديث: " فالأولى " بسكون الواو وفتح اللام الآخرة، ووقع عند ابن الحذاء عن ابن ماهان: " فلأدنى رجل ذكر " وهر تفسير " أولى "، أى أقرب وأقعد بالميت.
قال الإمام ﵀: العصبة بينه وبين الميت نسب يَحُوز المال إذا انفرد، ويرث ما فضل معاً إن لم ينفرد كالأخ والعم، فإن كل واحد منهما يحوز المال إذا انفرد وإن كان مع ذوى سهام أخذ ما فضل، والأب والجد كذلك إلّا أنهما يفرض لهما مع ذوى السهام لمعنى فيهما غير التعصيب.
والتعصيب يكون بالبنوة والأبوة والجدودة، فتعصيب البنوة أولاً جاء ثم تعصيب الأبوة ثم تعصيب الجدودة، فالابن أولى من الأب، لكن الأب يفرض له السدس بمعنى غير التعصيب، وهو أيضاً أولى من الأخوة وبنيهم؛ لأنهم إنما ينتسبون بالمشاركة فى الأبوة، وقد قدمنا أن تعصيب البنوة أولى فكذلك أيضاً يقدمون على العمومة؛ لأن تعصيب العمومة بالمشاركة فى الجدودة والبنوة أولى. والبنوة أولى من الأخوة ومن الجد؛ لأنهم به ينتسبون فيسقطون مع وجوده، والجد أولى من بنى الأخوة؛ لأنه كالأب معهم، ومن العمومة؛ لأنهم به ينتسبون. والأخوة وبنوهم أولى من العمومة وبنيهم؛ لأن تعصيب الأخوة بالأبوة والعمومة بالجدودة، وقد قدمنا أن الأبوة أولاً.
هذا ترتيبهم فى الطبقات وإن اختلفوا، وهم فى طبقة واحدة من الطبقات التى ذكرنا، وهم مختلفون فى القرب؛ فالأقرب أولى كالأخوة مع بنيهم؛ لأنهم كلهم ينتسبون بالمشاركة فى الأبوة، ولكن مشاركة الأخوة أقرب من مشاركة بنيهم، وكذلك العمومة مع بنيهم، وإن تساووا فى الطبقة والقرب ولأخوهم زياده ترجيح قدم الأخ؛ كالأخ الشقيق مع
стр. 2931
" أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا تَرَكَتِ الفَرَائِضُ فَلأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ".
٤ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لاِبْنِ رَافِعٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ".
ــ
الأخ للأب ذاتهما، وإن استوت طبقاتهما ومشاركتهما فى الأب الذى يقع به التعصيب فالشقيق زيادة قربهم بمشاركته فى الأم والرحم، فكان أولى، وهكذا يجرى الأمر فى بنيهم وفى العمومة وبنيهم.
وهذا إذا كان الترجيح بمعنى مناسب بجهة التعصيب مثل ما قلنا فى الأخ الشقيق مع الأخ للأب، فإن الإجماع على أن الشقيق أولى بالميراث من الأخ لأب؛ لأنهما اشتركا فى الأخوة من الأب والأم بالشقيق أخوه من الأم فهى أخوّة كلها فكأنها أخوة أقوى من أخوة؛ فلهذا قدم الشقيق باتفاق. وإن كان زيادة الترجيح بمعنى غير ما هما فيه كما بين عم أحدهما أخ لأم فإنها مسألة اختلاف، فقال: يكون بالترجيح هنا قياساً على ما تقدم فى الأخ الشقيق مع الأخ للأب، وحكموا بالمال كله لابن العم الذى هو أخ لأم، السدس بالفرض والباقى (١) بالتعصيب. وروى ذلك عن عمر وابن مسعود، وبه قال شريح والحسن وابن سيرين والنخعى وأبو ثور وداود والطبرى، ولم يثبت آخرون بذلك ترجيحاً فى التعصيب، وحكموا بأن للأخ للأم السدس والباقى يقسم نصفين بينه وبين العم الآخر، روى ذلك عن على وزيد وابن عباس، وذكر عن عمر ما يدل عليه، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعى وجمهور الفقهاء، والفرق على أهل هؤلاء بين الأخ الشقيق والأخ للأب وبين هذه المسألة ما قدمناه من التنبيه على طريق الترجيح (٢).
وقوله ﷺ : " فلأولى رجل ذكر ": المراد بأولى هاهنا: أقرب، ولا يراد به: أحق، مثل ما يراد بقولهم: زيد أولى بماله؛ لأنه لو حمل على هذا الخلاء من المكايدة المرادة به؛ لأنه لا يعلم من هذا أن يكون أحق وهو المراد ببابه، وهما أولى الناس بالسؤال عن مثل قوله هاهنا: " فلأولى رجل ذكر "، وقوله فى حديث الزكاة: " لابن لبون ذكر " (٣) والتأكيد إنما يحسن إذا كان مقدماً.
ومعلوم أن الرجل لا يكون إلّا ذكراً، كما أن المرأة لا تكون إلّا أنثى، فلِمَ حَسُن
стр. 2932
(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ وُهَيْبٍ وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ.
ــ
هاهنا وصف الرجل بأنه ذكر، مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك؟ وقد أجاب بعض الناس عن حديث الزكاة بأن الابن قد يوضع موضع الولد، ألا تراهم يقولون: بنو تميم، يريدون الأنثى منهم والذكر، وإذا أمكن أن يوضع " ابن " موضع " ولد " وكان الولد ينطلق على الذكر والأنثى، حَسُن التأكيد هاهنا؛ لئلا يظن أنه أطلق الابن على الذكر والأنثى. ورأيت بعض الناس زعم: إنما قال: " ابن لبون ذكر " لوجود خنثى فى الأولاد اللبون وفى غيرها من الإنسان، فقيل بالذكورية لتسير إلى منع أحد الخنثى.
وهذان الجوابان لا يتلقاهما الفهم بالقبول، والذى يلوح لى فى ذلك جواب ينتظم الحديثين جميعًا وهو: أن قاعدة الشرع قد استقرت على أن الانتقال من سن إلى أعلى منه إنما يكون عند الانتقال من عدد إلى أكثر منه، فالعدد الكثير أحمل للمواساة، فإذا زاد العدد زاد قدر المخرج، ولهذا كانت فى الخمسة والعشرين بنت مخاض، وفى الست والثلاثين بنت لبون التى هى السن من البنت مخاض، وفى الستة والأربعين بما هو أسن وهى الحقة، فلما استقر الأمر على هذا وجعل ﷺ فى الخمسة وعشرين وهو عدد واحد سناً، وأعلى منه وهى بنت مخاض، وأعلى منها وهو ابن لبون، توقع أن يهجس فى النفوس أن ذلك خارج عما أصل، فنبه على أن المخرج عن العدد الواحد من أنهما كالسن الواحد؛ لأن ابن لبون وان كان أعلى سناً فهو أدنى قدرًا لأجل الذكورية، فنبه بقوله: " ذكر " على أن ذلك يبخسه حتى يصير كبنت مخاض التى هى أصغر سنًا لكنها أنثى، وكذلك لما علم أن الرجال أرباب القيام بالأمور وفيهم معنى التعصيب، وكانت العرب ترى لهم القيام بأمور لا نراها للنساء، ذكر ﷺ الذكورية ليجعلها كالعلة التى لأجلها خص بذلك، لكنه ذكرها هاهنا تنبيهاً على الفضل، وفى الزكاة تنبيهاً على النقص.
стр. 2933
(٢) باب ميراث الكلالة
٥ - (١٦١٦) حدّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَرِضْتُ فَأَتَانِى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، يَعُودَانِى، مَاشِيَانِ، فَأُغْمِىَ عَلَىَّ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَبَّ عَلَىَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَقْضِى فِى مَالِى؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ شَيْئاً، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ (١).
٦ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: عَادَنِى النَّبِىُّ ﷺ
ــ
قال القاضى ﵀: قول جابر: " مرضت فأتانى رسول الله ﷺ وأبو بكر - رضى الله عنه - يعودانى ": ما استن فيه سنة العيادة واحتساب الخطا بالمشى وإن بعد المنزل لفضل الثواب والأخذ بما ورد أن عائد المريض فى مخارف الجنة.
وقوله: " فوجدنى قد أغمى علىّ، فتوضأ ﵇ ثم صبّ علىّ من وضوئه فأفقت ": فيه بركته ﵇ وكرامته فيما لمسه أو باشره أو دعى فيه، وفيه عيادة المغمى عليه وقد فقد عقله إذا كان معه مَنْ يراعى أمره؛ لئلا يوافق منكشفاً أو بحالة يكره كشفها. وقد قيل: أما الرجل الصالح المحتسب لأجره ومَنْ ترجى بركة دعوته فله ذلك، وإلا فيكره لغيره إلّا أن يكون للمريض مَنْ يرعى حاله كما تقدم.
وقوله: " فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع فى مالى؟ فلم يرد علىّ شيئاً حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ "، وفى الأخرى: " إنما يرثنى كلالة "، وفى الحديث الآخر: " فنزلت آية الفرائض "، وفى الحديث الآخر: " فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ (٢) "، وفى الأخرى: " آية المواريث ": فيه جواز الوصية للمريض وإن بلغ هذا الحد وفارقه فى بعض الأحيان عقله، إذا كان فى وقت وصيته يعقل؛ لأن الله تعالى أنزل فى هذه الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣)، وفيه انتظاره ﵇ الوحى فيما ينزل به من النوازل، وفيه دلالة على أنه لا يعدل إلى الاجتهاد
لابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. فَذَكَرَ نَبِىَّ اللهِ ﷺ ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنِّى لَا أَدَعُ بَعْدِى شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِى مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِى شَىءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِى الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِى فِى شَىءٍ مَا أَغْلَظَ لِى فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بإِصْبَعِهِ فِى صَدْرِى. وَقَالَ: " يَا عُمَرُ، أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِى
ــ
وقوله فى حديث عمر: إنى لا أدع بعدى شيئًا أهم عندى من الكلالة ما راجعت رسول الله ﷺ فى شىء ما راجعته فى الكلالة، وما أغلظ لى فى شىء ما أغلظ لى فيه حتى طعن بإصبعه فى صدرى، وقال: " يا عمر، ألا يكفيك آية الصيف التى فى آخر النساء؟ " وإنى إن أعش أقضى فيها بقضية يقضى بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. وعند البراء: آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ (١). ومعنى آية الصيف: أي التى نزلت فى زمن الصيف.
قال الإمام - رحمه الله تعالى -: اختلف الناس فى اشتقاق الكلالة، فقيل: أخذت من الإحاطة، ومنه: الإكليل؛ لإحاطته بالرأس. فكان هذا الميت به من جنابة، وقيل: أخذت من البعد والانقطاع من قولهم: الرحم إذا تباعدت فطال انتسابها، ومنه: كلَّ فى مشيه: إذا انقطع لبعد مسافته.
واختلف العلماء بعد هذا الاشتقاق فى هذا المعنى إذا وضع، هل لنفس الوراثة إذا لم يكن فيها ولد ولا والد، فيكون نصب " كلالة " على موضع المصدر، كأنه قال: يورث وراثة يقال لها: كلالة، كما يقال: يقتل غيلة، ذهب إلى هذا طائفة (٢). وقالت طائفة أخرى (٣): بل هى تسمية للميت الذى لا ولد له ولا والد، واستوى فيه الذكر والأنثى، كما يقال: صرورة فيمن لم يحج (٤)، ذكرًا كان أو أنثى، وعقيم للرجل والمرأة، فينتصب " كلالة " على أصل هؤلاء على الحال، أى يورث فى حال كونه كذا.
وقد روى عن أبى بكر وعمر وعلى وزيد وابن عباس وابن مسعود: الكلالة من لا ولد له ولا والد (٥). وقالت طائفة أخرى: بل هى تسمية للورثة الذين لا ورثة فيهم ولا والد،
стр. 2936
فِى آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟ " وَإِنِّى إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ، يَقْضِى بِهَا مَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأَ الْقُرْآنَ.
ــ
واحتجوا بقول جابر: " يا رسول الله، إنما يرثنى كلالة " (١) وكان أبوه قتل يوم أحد. واحتجوا بقراءة من قرأ من الشواذ: " يورث " بكسر الراء، وشددها بعضهم. وقالت طائفة أخرى: الكلالة تسمية للمال الموروث كلالة (٢) وينتصب " كلالة " على أصل هؤلاء على التمييز.
وذهبت الشيعة أن الكلالة من لا ولد له ذكراً أو أنثى وإن كان له أب أو جد فورثوا الأخوة والأخوات مع الأب، وروى ذلك عن ابن عباس، وهى رواية شاذة لا تصح عنه والصحيح عنه ما عليه جماعة العلماء. وذكر بعض الناس الإجماع على أن الكلالة من لا والد له ولا ولد.
واختلف فى الورثة إذا كان فيهم جد، هل الوراثة كلالة أم لا؟ فمَنْ جعل الجد أبًا منع كون الوراثة كلالة، ومَنْ لم يجعله أبًا وورث الأخوة معه جعل الوراثة كلالة. وكذلك قال جمهور العلماء إذا كان فى الوراثة بنت، فالوراثة كلالة لدخول العصبة معها من الأخوات والأخوة وغيرهم من العصبة، وقد قال ابن عباس: لا ترث الأخت شيئًا مع الابنة لقوله : ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾، فشرط عدم الولد، وبه قال داود.
ومذهب الشيعة: أن الابنة تمنع من كون الوراثة كلالة؛ لأنهم لا يورثون الأخ والأخت مع الابنة شيئًا لاشتراط عدم الولد فى ميراث الأخوة كما ذكر فى الآية، ويعطون المال كله للبنت، ويجعلون الوراثة كلالة وإن كان فيها أب أو جد.
ومجمل الشرط المذكور فى القرآن على أنه لا يثبت فرض النصف الذى تعامل به الورثة إلا بقدم الولد، فإنما دخل الشرط لذلك لا لنفى التوريث أصلاً، وقد شرط الله - سبحانه - أنه فى ميراث الأخ من أخته عدم الولد كما شرطه فى ميراث الأخت. وأجمع الصحابة - رضى الله عنهم - أن الأخ يرثها مع البنت، فدل ذلك على صحة ما تأولناه.
وإنما غر الشيعة - حتى ذهبت إلى أَنَّ الكلالة من لا ولد له وإن كان له أب وورثت الأخوة من الأب - قوله سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَد﴾ (٣)، فشرط فى ميراث الأخوة عدم الولد خاصة، فلو كان الأب كذلك لاشترطه، وقد رأيت رجلاً سأل ابن عباس عن الكلالة، فقال: من لا ولد له ولا والد. فقال السائل: فإن الله - سبحانه - إنما انتهى إلى ذكر
стр. 2937
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى
ــ
الولد. قال: فانتهرنى. وهذا يصحح ما قلناه من بطلان تلك الرواية الشاذة عنه. وقد قال بعض الناس: إنما لم يذكر عدم الولد - وإن كان وجوده يمنع من كون الوراثة كلالة - لأن الآية نزلت فى جابر وقد كان أبوه قُتل يوم أحد، وإنما كان ورثته سبع أخوات، فاكتفى بإشهاد عدم أبيه عند سائر الصحابة عن اشتراط ذلك. وقال آخرون: فإن الولد إشارة إلى الوالد - أيضاً - لأن الولادة معنى يتضمن اثنين أبًا وولدًا، قالوا: كما أصل الذرية من: ذرى الله الخلق إلى خلقهم، والولد من الذرية، والوالد كذلك، قال الله سبحانه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (١).
قال الإمام ﵀: وهذا تأويل بعيد، وفيه تعسف. والذى يظهر لى فى الجواب عن هذا: أن الأب إنما لم يذكر ها هنا: لأنّا قدمنا أن القصد باشتراط عدم الولد نفى الغرض المسمى الذى يقع فيه تعادل الأخت مع الورثة لا نفى التوريث على الجملة؛ لأنا قدمنا أن الصحابة - رضى الله عنهم - سوى ابن عباس - ورثوا الأخت مع البنت، وحكينا - أيضاً - اتفاقهم على توريث الأخ مع البنت.
وإذا كان ذلك كذلك فلا يجب ذكر عدم الأب؛ لأن الأب ينتفى معه ميراث الأخوة إلّا على وجه دون وجه، وإنما القصد بالاشتراط التجوز من أحد الوجهين الذى يفارق فيه الأب الولد؛ فلهذا ذكر الولد دون الوالد مع أنه - أيضاً - يمكن وضوح حكم الأب عندهم؛ لأنه قد استقر عندهم فى أصول الفرائض: أن مَنْ تسبب بشخص لا يرث معه كالجدة مع الأم، والجد مع الأب، وابن الابن مع الابن، والأخوة يتسببون بالأب فلا يشكل سقوطهم معه، وليس كذلك سقوطهم مع الولد؛ لأنهم لا يتسببون به، ولو ورثوا معه لم يكن فى ذلك مناقضة لأصول الفرائض، كيف وهم يرثون معه إذا كان الولد أنثى ولا يرثون مع الأب بحال، واكتفى عن اشتراط عدم الوالد لما قلناه. وقد ذكرنا إجماع السلف على اشتراطه، إلا ما روى عن ابن عباس مما لا يصح عنه - والله أعلم.
وأما وجه مراجعة عمر - رضى الله عنه - للنبى ﷺ وإجابته على آية الصيف، فلأنه قد نزلت آية الكلالة المذكورة فى أول السورة، وذكر من الورثة الأخوة للأم خاصة، والإجماع على أن ذلك الفرض المذكور فيها على تلك الصفة ليس إلّا الأخوة للأم، وبقى الإشكال فيمن سواهم، فزاد البارى ﷻ بياناً بالآية الأخيرة من هذه السورة، فذكر - سبحانه - عقيب الكلالة الأخوة جملة، والمراد بهم الأشقاء أو من الأب،
стр. 2938
عَرُوبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
فاستوفت الآيتان بيان حكم جميع الأخوة، وجميعهم كلالة إذا لم يكن والد ولا ولد، فاحال ﷺ عمر - رضى الله عنه - على الآية الأخيرة لزيادة البيان الذى تضمنته على الأولى، وكان ما وقع من زيادة البيان ونزول بيان بعد بيان، يهدى عمر إلى حقيقة الأمر والمعنى والمراد، وكأنه ﷺ وثقه بفهمه، وأنه إذا أشير إليه بهذه الزيادة من البيان فهم معنى ما أشكل عليه.
وقد يطرأ الإشكال من جهة أخرى ولا يكون هو معنى ما سأل عنه عمر - رضى الله عنه - مثل دخول الجد فى ذلك، وقد قدمنا تخريجه على الخلاف بهذا القدر الذى يتعلق بها فى كتاب مسلم.
قال القاضى ﵀: قوله: وإن أعش أقض فيها بقضية ... الحديث، ظاهره أنه من كلام عمر. وقوله: " يقضى بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن " يعنى - والله أعلم - من بيانها، وأيضاً حتى يقضى بها من فهمها من كتاب الله وبان له فقهها وغيرهم ممن لا يتفقه، ولكنه اتضح له وجه صوابها لظهوره أو لاشتهار القضاء بها وإجماع الناس عليه. وقد روى عن عمر فى الكلالة روايات مختلفة، فتارة كان لا يجعل الوالد كلالة، وتارة كان يجعله كلالة.
ورد النبى ﷺ عمر إلى آية الصيف، ومعلوم أن عمر - رضى الله عنه - لا يخفى عليه معنى اللفظة من طريق اللغة - دليل على أن مقتضى اللفظة من جهة الشرع غير مفهوم بجملته عن طريق اللغة، فوكله رسول الله ﷺ إلى استنباطه. ففيه دليل على تفويض الأحكام إلى أهل الاستنباط والمجتهدين، كما فوّض الجواب ﵇ إلى عمر - رضى الله عنه - ووكله إلى استنباطه، وفيه رد على من يمنع استنباط معانى القرآن والكلام فى تأويله واستخراج حكمه وأحكامه لظاهر النهى عن القول فى القرآن بالنهى لرأى، ولما ورد أنه مخطئ وإن أصاب. وتأويل هذا عند العلماء فى القائل فيه بيانه على غير أصل ومن ليس من آل العلم بالاستنباط.
ولم يختلف العلماء أن المراد بالأخوة - فى الآية التى فى أول النساء - أنهم من أم فقط. وفى قراءة سعد - رضى الله عنه -: " وله أخ أو أخت من أم "، وأن المراد بالأخوة فى الآية الأخيرة أنهم من أب وأم، أو أب فقط أفاد عدم الشقائق.
стр. 2939
(٣) باب آخر آية أنزلت آية الكلالة
١٠ - (١٦١٨) حدّثنا عَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ (١).
١١ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن أَبِى إِسْحَاقَ قَالا: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الكَلالَةِ، وَآخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ: بَرَاءةٌ ".
١٢ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى - وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ - حَدَّثَنَا زَكَرَيَّاءُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ؛ أَنَّ آخِرَ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ تَامَّةً سُورَةُ التَّوْبَةِ، وَأَنَّ آخِرَ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ.
(...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ آدَمَ - حَدَّثَنَا عَمَّارٌ - وَهُوَ ابْنُ رُزَيْقٍ - عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ كَامِلَةً.
١٣ - (...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِى السَّفَرِ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾.
ــ
وذكر فى هذا الحديث " مالك بن مِغْول " بكسر الميم وسكون الغين على " أبى السَّفْر " بفتح السين وسكون الفاء، وقيل: بفتحها وهو الأكثر عند المحدثين، وبالوجهين ضبطه الشيوخ، وأكثر ما قيدناه عن شيوخنا بالسكون، وعن بعضهم بالفتح، وهو الذى قيده الجيانى، وبذلك قيده ابن ماكولا، وعبد الغنى. قال الباجى: معظم قرائنا فيه بإسكان الفاء. وقال الدارقطنى: بفتح الفاء، على ما يقوله أصحاب الحديث. وقد فرّق بين المضبطين أصحاب المؤتلف فذكروا السكون فى الأسماء والفتح فى الكنية.
قال الإمام - رحمه الله تعالى -: رأيت أن أملى تلخيصاً فى الفرائض يستقل به الفقيه إن اقتصر عليه، ونذرت فى التصرف فيه إغناءه عن جمع مسائل الفرائض المستفتى
стр. 2940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنها، وقد حفظته لجماعة ورويتهم عليه بلفظ المسائل، فالتفوا عن مطالعة الكتب. فاعلم أن الوارثين من الرجال: الأب وأبوه وإن علا، والابن وابنه وإن سفل، والأخ من أى جهة كان وابنه وإن سفل، سوى العم أخى الأب من الأب وولده، والزوج، ومولى النعمة.
ومن النساء: الأم وأمها، وأم الأب وإن عليا، والبنت وبنت الابن وإن سفلت، والأخت من أى جهة كانت، والزوجة، ومولاة النعمة.
والفروض ستة: ثلثان ونصفها وربعها، والنصف ونصفه وربعه.
فالثلثان فرض أربعة أصناف: اثنتان فصاعدًا من بنات الصلب، أو من بنات الابن، أو من الأخوات الشقائق، أو من الأخوات للأب.
والثلث فرض صنفين: الأم مع عدم الولد والأخوة وفرض الاثنين فصاعداً من ولد الأم ما كانوا.
والسدس فرض سبعة: كل واحد من الأبوين مع الولد وولد الابن، وأحد فروض الجد، وفرض الجدة أو الجدات إذا اجتمعن، وفرض الأم، والواحد من أولاد الأم ما كان، وفرض بنات الابن مع بنت الصلب، وفرض الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة. والنصف فرض الزوج، وفرض واحد من أصحاب الثلثين.
والربع فرض الزوج مع وجود الحاجب، وفرض الزوجة أو الزوجات مع عدمه. والثمن فرض الزوجة أو الزوجات مع وجوده.
والحجب على ضربين: نقص وإسقاط.
فأما النقص: فالولد وولد الابن يردان الأبوين والجد إلى السدس، إلا أن الأب والجد يرثان ما بقى بالتعصيب، ويردان الزوج إلى الربع والزوجات إلى الثمن. واثنان من الأخوة فصاعدًا يردان الأم إلى السدس، وتعطى ثلث ما بقى فى مسألتين: أبوان مع زوج أو زوجة. وابنة الصلب ترد بنت الابن إلى السدس، وكذلك الأخت الشقيقة ترد الأخت للأب إلى السدس.
وأما حجب الإسقاط: فاثنتان من بنات الصلب تسقطان بنات الابن إلّا أن يكون مع بنات الابن ذكر فى درجتهن أو تحتهن فيرد عليهن، وكذلك الشقيقتان يسقطان الأخوات للأب، إلّا أن يكون مع الأخوات للأب ذكر فى درجتهن خاصة فيرد عليهن، والأم تسقط الجدات كلهن، والجدة القربى من جهة الأم تسقط البعدى من جهة الأم بل تشاركها، وولد الأم يسقطه عمود النسب: الأب والجد والولد وولد الابن.
وأما حجب العصبة: فقد عقدنا أصله عند ذكرنا له فيما تقدم.
والجد مع الأخوة يقاسمهم ما لم تنقص المتقاسمين الثلث، وإن كان فى الورثة ذو سهام
стр. 2941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حكم فيما فضل عنهم بهذا الحكم والجدات أن يأخذ منهم السدس وينتزع من حكم التعصيب كما للأخوة الاثنين المسألة المشتركة أن ينتزعوا من التعصيب، وهى: زوج وأم وأخوات لأم وأخوة أشقاء. فإن المال إذا استوعب جميعه أهل الفرض قال الأخوة الإشقاء للأخوة للأم: هب أن أبانا حماراً ليست أمنا واحدة، فيشاركونهم فى الثلث وللأخوة الأشقاء معاداة الجد بالأخوة للأب وسيبتدئون بما حصل بجميعهم، إلّا أن يفضل عن الإناث منهم فضلة فتزيد على فرد منهم، فتعطى لمن كان من جهة الأب والأم منهم.
وللجد مقاسمة الأخت وان انفردت عنه بالفرض الذى عيل لها به فى الفريضة التى تسمى الأكدرية، وتسمى الفراء، هى: زوج وأم وجد وأخت شقيقة أو لأب، فإن المال إذا استوعبه من سوى الأخت عيل للأخت بالنصف، ثم ضمت نصفها إلى سدس الجد، واقتسماه للذكر مثل حظ الانثيين. ولو كان بدل الأخت أختان لم يصل لها لبقاء فضلة من المال لحجبها الأم إلى السدس.
هذه جملة الفرائض التى من أحاط بها علماً علم كل ما يستفتى عنه ويكثر نزوله.
стр. 2942
(٤) باب من ترك مالاً فلورثته
١٤ - (١٦١٩) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الأُمَوِىُّ، عَنْ يُونُسَ الأَيْلِىِّ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمَيِّتِ، عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْألُ: " هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ
ــ
قال القاضى - رحمه الله تعالى -: وقوله: كان يؤتى بـ[الرجل] (١) الميت عليه الدين [فيسأل] (٢) ﵇ " هل ترك لدينه [من] (٣) قضاء؟ " فإن ترك [وفاءً] (٤) صلى عليه، وإلا قال: " صلوا على صاحبكم "، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى وعليه دين فعلىَّ قضاؤه، ومَنْ ترك مالاً فهو لورثته "، وفى الحديث الآخر: " فأيكم ما ترك ديناً أو ضياعاً فأنا مولاه " الحديث، وفى رواية أخرى: " ومن ترك كَلاً وليتهُ ": الكَلّ، بفتح الكاف، أصله: الثقل، ثم استعمل فى كل أمر معل متعب، والمراد به هاهنا: العيال.
قال الخطابى (٥): والضيعة والضياع هاهنا وصف لورثة الميت بالمصدر، أى ترك بنين وعيالاً أُولِى ضيعة، أى لا عائل لهم. والضياع فى الأصل مصدر لما ضاع، ثم جُعل اسماً لكل ما هو بصدد، وأن يضيع من عيال وبنين لا كافل لهم، وسميت الأموال التى يحتاج إلى القيام عليها من الأرضين ضيعة؛ لأنها معرضة للضياع وإن لم يقم عليها.
وقوله: " فأنا مولاه ": أى وليه ومتولى القيام عليه، كما قال فى الحديث الآخر: "وليته ". واختلف فى تأويل هذا الحديث، فقيل: يحتمل أن تركه للصلاة أولاً على الميت لأجل الدين الذى عليه، إذا لم يترك له وفاء إذا تداينه فى فساد، أو غير وجه مباح، وقيل: يحتمل إذا تداينه وهو يعلم أنه لا يقضيه، وأن ذمته لا تفى بما عليه، وقيل: كان هذا أول الإسلام، ثم نسخ ذلك لما فتح الله الفتوحات وصار لجميع المسلمين حق فى بيت المال، وفرض لهم سهم الغارمين. والحديث المتقدم يدل عليه وينص على ذلك. فقيل على هذا فى قوله: " علىّ ": أى لازم من بيت المال دين الفقراء.
وقيل: بل كان فعل النبى ﷺ هذا - مَنْ ترك الصلاة على أهل الدين - أدبًا لأصحاب الديون ليسعوا فى أدائها، ويرغبوا عن الاستكثار منها، ولئلا يستأكلوا أموال الناس فتذهب. وقيل على هذا: معنى قوله: " وقد ترك ديناً فعلى ": الوعد بأن الله سيقضيه
стр. 2943
قَضَاءٍ؟ "، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ: " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ "، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: " أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّىَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَىَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ ".
(...) حدّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرٌ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى ابْنُ شِهَابٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، هَذَا الْحَدِيثَ.
١٥ - (...) حَدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِى وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَأَنَا مَوْلَاهُ، وَأَيُّكُمْ تَرَكَ مَالاً فَإِلَى الْعَصَبَةِ مَنْ كَانَ ".
١٦ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِى كِتَابِ اللهِ ، فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ
ــ
عنه بما يفتح الله على المسلمين مما وعده الله به من ذلك، لا على اللزوم والضمان.
وقيل: معنى: " أنا أولى بالمؤمنين " كما قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ لكنى لا أرثهم، ويدل عليه نص حديث أبى هريرة من رواية البخارى: " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به فى الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ﴾ الآية (١)، فمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك ديناً أو ضياعًا فليأتنى، وأنا مولاه " (٢)، فنبه أنه لا ميراث إلا لذوى الأرحام، وأن التبنى والموارثة بالحلف قد أبطلها الشرع، فمن ترك مالاً فلذوى رحِمِه ومن يرثه بكتاب الله تعالى، ومن ترك دينًا فعلىَّ أداؤه مما فرض الله له من مال الله.
стр. 2944
دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِى، فَأَنَا وَلِيُّهُ. وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالاً فَلْيُؤْثَرُ بِمَالِهِ عَصَبَتُهُ. مَنْ كَانَ ".
١٧ - (...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِىٍّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِلْوَرَثَةِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْن نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىٍّ - قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ غُنْدَرٍ: " وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا وَلِيتُهُ ".
ــ
ومعنى قوله: " فادعونى فأنا وليه ": استغيثوا فى أمره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَداءَكُم مِّن دُونِ اللَّه﴾ (١)، أى استغيثوا بهم، وأصل الدعاء الاستغاثة.
قال الخطابى (٢): وفى الحديث جواز الضمان على الميت، ترك وفاء بالديون أولا، وهو قول الشافعى وابن أبى ليلى، وهو مذهب مالك وغيره. وقال أبو حنيفة: إن لم يترك وفاء لم يلزم الضامن.
стр. 2945
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٤ - كتاب الهبات
(١) باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه
١ - (١٦٢٠) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِى سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: " لا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِى صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِى صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِى قَيْئِهِ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىٍّ - عَنْ مَالِكِ ابْنِ أَنَسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: " لَا تَبْتَعْهُ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ ".
ــ
كتاب الصدقات والهبات
وقوله - رضى الله عنه -: حملت على فرس عتيق فى سبيل الله فأضاعه صاحبه لأنه أراد ابتياعه، فقال النبى ﷺ : " لا تبتعه، ولا تعد فى صدقتك، فإن العائد فى صدقته كالكلب يعود فى قيئه "، وفى الحديث الآخر: " كمثل الكلب يعود فى قيئه فيأكله "، وفى الرواية الأخرى: " كمثل الكلب يقىء ثم يأكل قَيْأهُ "، وفى الحديث الآخر: " العائد فى هبته " مكان قوله: " صدقته ". الفرس العتيق هو: الجواد الكريم. ومعنى الحمل هنا فيه تأويلان: أحدهما: هبته وتملكه له للجهاد. والثانى: تحبيسه عليهم.
وإضاعته يحتمل تأويلين: أحدهما - وهو الأظهر -: أنه لم يحسن القيام عليه. والثانى: إضاعته فى استعماله فيما حبس له. فإن كان حبسًا فقد يحتمل أن عمر - رضى الله عنه - ظن أنه يجوز له هذا ويباح شرعًا الحبس. لكن منع النبى ﷺ من شرائه، وتعليله بالرجوع فى الهبة - دليل أنه لم يكن حبسًا؛ إذ لو كان حبسًا لم يخص منع شرائه بعلة الهبة ولعلل بالحبس، إلا أن يكون هذا الضياع قد بلغ به إلى عدم الانتفاع فيما حبس لذكره، فهذا يجوز بيعه عند مالك ليستبدل (١) وأباه عبد الملك.
واختلف الناس فى محمل النهى منه ﵇ فى هذا الحديث، هل هو على على العموم أو على الخصوص؟