← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

(٣) باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته ١٤ - (١٦٣١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ - وابْنُ حُجْرٍ، قَالوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ العَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَن أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ". ــ وقوله: " إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ": وذلك لأن عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها؛ من اكتسابه الولد، وبثه العلم عند من حمله فيه، أو إيداعه تاليفاً بقى بعده، وإيقافه هذه الصدقة - بقيت له أجورها ما بقيت ووجدت. وفيه دليل على جواز الوقف والحبس. ورد على من منعه مِن الكوفيين؛ لأن الصدقة الجارية بعد الموت إنما تكون بالوقوف. وفى هذا دليل على أنه لا يجزئ عمل الأبدان من صلاة وصيام ولا نيابة فى غير المال الذى نص عليه ونفى غيره.

стр. 2977

(٤) باب الوقف ١٥ - (١٦٣٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا سُليْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِى ــ وقوله: " أصاب عمر - رضى الله عنه - أرضاً بخيبر لم يصب مالاً قط أنفس عنده منه ": أى أفضل وأعجب إليه وأغبط، والنفيس من كل شىء، المرغوب فيه، المحروص عليه، وقد نفس نفاسة. واسم هذا المال ثمغ (١). وقوله: فأتى النبى ﷺ يستأمره، فقال: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها " الحديث، قال الإمام ﵀: التحبيس عندنا جائز فى الخلاف (٢) العقار، خلافاً لمن منعه على الجملة. والدليل عليه الاتفاق على تحبيس المساجد والسقايات، وحديث عمر - رضى الله عنه - هذا. وعندنا فى المذهب اضطراب فى تحبيس الحيوان وإذا كان الحبس فى الرباع على مجهول كالمساكين فلا خلاف أنه لا يعود على تحبيسه؛ لأن من أعطيه لا ينقطع فيبقى التحبيس ما يقوى، وكذلك إن كان على رجل وعقبه فإن العقب إذا انقطع لم يرجع ملكاً للمحبس؛ لأنه لما أعطى علق العطية بالعقب، وقد لا ينقطع ولا ذلك من قصده على أن له ملكه. وإن كان التحبيس على قوم معينين حياتهم، فإذا ماتوا ففيه قولان: هل يرجع ملكاً للمُحْبس إذ لا علامة على قصده التأبيد وزوال الملك، والأصل أن ملك الإنسان لا يزول إلا على الصفة التى أخرجه عليها أو يكون الأصل ألا يرجع ذلك إلى ملكه؛ لأن لفظة " التحبيس " دالة على القصد. والدلالة الملك على هذه الطريقة. وإذا قلنا: إنه لا يرجع ملكاً فإنه يرجع إلى أولى الناس بالحبس، والنكتة المعتبرة ها هنا التى يدور عليها الاختلاف فى هذا الأصل، فقد اضطربت الرواية فيه إذا حبس وذكر العقب، وسمى الصدقة أو لم يسمها، إلى غير ذلك من المسائل؛ إذ الألفاظ المصادرة عن المالك إما أن تكون نصوصاً فى إزالة ملكه بوضع اللغة أو بغلبة الاستعمال فى العرف، أو نصوصاً فى اللغة أو العرف دالة على القصد لبقاء الملك، أو محتملة للوجهين، فما الاحتمال فيه يقضى بموجبه ويحكم بمقتضاه وما فيه إشكال روجع فى تفسيره، فما فسره به مما يحتمله قوله قبل منه، وإن مات

стр. 2978

مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِى بِهِ؟ قَالَ: " إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ". قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ؛ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلا يُبْتَاعُ، وَلا يُورَثُ، وَلا يُوهَبُ. قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِى الفُقَرَاءِ، وَفِى القُرْبَى، وَفِى الرِّقَابِ، وَفى سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لا جُنَاحَ عَلى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الحَدِيث مُحَمَّدًا. فَلمَّا بَلَغْتُ هَذَا المَكَانَ: غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَنْبَأَنِى مَنْ قَرَأَ هَذَا الكِتَابَ؛ أَنَّ فِيهِ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً. (...) حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، ــ قبل أن يستفسر فالنظر عندى ألا يلزمه إلا أقل ما يقتضيه قوله؛ لأن الأملاك لا تخرج بالشك. وهذا الأصل يدور عليه جميع ما وقع فى ذلك فى الروايات. وأما قوله: " لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متأثل مالاً " فإن الحبس إذا استثنى محبسه منه هذا فى أصل التحبيس صح ذلك. ولما أكل الصديق فى حكم المعلوم مبلغه فيباح له منه قدر ما خرجت العادة به ولو لم يشترط ذلك، وكان التحبيس على المساكين ومن يليها منهم، فإنه لا يحرم عليه ما لا يحرم على أحدهم وإن كان غنياً، واضطر إلى قيامه عليها ما لا يحرم بهذا القدر على جهة الإجازة، ويكون ما يأخذ معلوماً صح ذلك، وليست بأعظم من الزكوات التى جعل الله - سبحانه - فيها حقًا للعاملين عليها، وإن كانوا أغنياء. وتقييده فى قوله: " أن يأكل منها بالمعروف، إشارة إلى ما قلناه فى الرجوع إلى العادة فى ذلك. وأما قوله: " غير متأثل مالاً " فمعناه: غير جامع، وكل شىء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له أصل فهو موثل، ومنه: مجد موثل: أى قديم الأصل، وأثلة الشىء: أصله. قال القاضى ﵀: فيه نص من النبى ﷺ فى الحبس والأمر به، وفيه جواز التحبيس على الأغنياء لقوله: " أو يطعم صديقاً "، وفيه جواز أكل القيم عليه منه، وأن جميع ذلك بالمعروف، كما قال الله - تعالى - فى ولى اليتيم على قول بعضهم، وجواز الشرط فى الحبس. وقول مسلم آخر حديث محمد بن مثنى: فى الباب زيادة قوله: وفى حديث ابن أبى

стр. 2979

بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِى زَائِدَةَ وَأَزْهَرَ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ ". وَلَمْ يُذْكَرْ مَا بَعْدَهُ. وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِى عَدِىٍّ فِيهِ مَا ذَكَرَ سُليْمٌ قَوْلَهُ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدًا إِلَى آخِرِهِ. (١٦٣٣) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الحَفَرِىُّ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالاً أَحَبَّ إِلىَّ وَلا أَنْفَسَ عِنْدِى مِنْهَا. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَحَدَّثْتُ مُحَمَّدًا وَمَا بَعْدَهُ. ــ عدى ما ذكره سليم فى قوله: فحدثت بهذا الحديث محمدًا إلى آخره. سقطت هذه الزيادة عند العذرى، وثبتت عند غيره.

стр. 2980

(٥) باب ترك الوصية لمن ليس له شىء يوصى فيه ١٦ - (١٦٣٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى: هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: لا. قُلْتُ. فَلِمَ كُتِبَ عَلى المُسْلِمِينَ الوَصِيَّةُ، أَوْ فَلِمَ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ . ١٧ - (...) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ - بْنِ مِغْوَلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ وَكِيعٍ: قُلْتُ: فَكَيْفَ أُمِرَ النَّاسُ بِالوَصِيَّةِ؟ وَفِى حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: قُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى المُسْلِمِينَ الوَصِيَّةُ؟ ــ وقول السائل لابن أبى أوفى: " هل أوصى النبى ﷺ ؟ فقال: لا. فقال: لم كتب على المسلمين الوصية؟ أو فلم أمر بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله "، وفى حديث عائشة - رضى الله عنها -: " ما أوصى بشىء "، قال الإمام ﵀: هذا يشير إلى أنه كان يرى المساواة فى الأحكام بيننا وبينه والرجوع إلى أفعاله [] (١) كتب على المسلمين الوصية، إذ كان أراد بذلك الفرض، فلعله اعتقد مقتضى قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [إن تَرَكَ خَيْرًا] (٢) الْوَصِيَّةُ﴾ الآية (٣)، وظن أنها لم تنسخ أو يكون [رأى] (٤): أى داود ومَنْ وافقه [من القائلين بـ] (٥) إيجاب الوصية وقد قدمنا مذهبهم. قال القاضى ﵀: ظاهر قوله: " لم يوص " يعارض الحديث الآخر فى وصيته بأشياء: لا يبقى دينان بأرض العرب، وإخراج المشركين منها، وإجازة الوفد، وأنه أوصى بعترته وبصدقة أرضه، وإنما أراد هنا نفى الوصية بالأمر بعده التى تدعيه الشيعة والروافض وهو الذى أنكرت عائشة - رضى الله عنها - فى الحديث الآخر بقولها: " متى أوصى إليه؟ " وكذلك قوله: " أوصى بكتاب الله وعترته وبالثقلين " وغير ذلك كله ليس

стр. 2981

١٨ - (١٦٣٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَأَبُو معَاوِيَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيراً، وَلا أَوْصَى بِشَىْءٍ. (...) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَلِىٌّ بْنُ خشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى - وَهُوَ ابْنُ يُوُنسَ - جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ١٩ - (١٦٣٦) وحدّثناَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - واللَّفْظ لِيَحْيَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدٍ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ؛ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا. فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِليْهِ؟ فَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِى - أَوْ قَالَتْ: حَجْرِى - فَدَعَا بِالطَّسْتِ. فَلَقَد انْخَنثَ فِى حَجْرِى، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ ــ بمناقض لقولها: " ما أوصى بشىء "؟ لأن السؤال عن الوصية بمال فى وجوه البر، قالوا: ولأن أرضه التى تصدق بها حقيقة ذلك ليست بوصيته ولا صدقة محضة، بل هو حكم بركته، وإنما أخرجها صدقة شرع الله وحكمه، قال ﵇: " لا نورث ما تركناه صدقة " (١). فإن سميت صدقة ووصية فعلى صورة حكمها ومجاز أمرها، فلا تناقض بين هذه الأحاديث على هذا، ولأنه لم يترك ﵇ شيئًا يوصى فيه. قال الإمام ﵀: وقولها: فلقد انخنث فى حجرى. أصل الانخناث التكسر، ومنه انخناث الأسقية، ومنه سمى الرجل الذى فى كلامه ومعطافه لين وتكسر: مخنثاً، فلعلها تريد أنه انخنث فى حجرها، أى تمايل واجتمع. قال القاضى ﵀: الانخناث: التمايل والانثناء، وهو المراد هنا وهو المعنى، أى تكسر السقاء، أى انطوى بعضه على بعض، وميل بعضه على بعض. وفى " حجرى " لغتان: فتح الحاء وكسرها إذا كان بمعنى الثوب. والحضن من الحضانة بالكسر لا غير.

стр. 2982

٢٠ - (١٦٣٧) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ - وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَال: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الخَمِيسِ: وَمَا يَومُ الخَمِيسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الحَصَى فَقُلْتُ: يَا بْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ، فَقَالَ: " ائْتُونِى أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدِى "، فَتَنَازَعُوا. وَمَا يَنْبَغِى عِنْدَ نَبِىٍّ تَنَازُعٌ، ــ والحجر - الذى هو العقل - بالكسر لا غير، والحجر: المنع، بالفتح لا غَيرَ مصدراً، والكسر لا غَيرَ اسماً. وقول ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ وذكرهُ قول النبى ﷺ حين اشتد به وجعه: " ائتونى أكتب لكم كتاباً بألا تضلوا بعدى " وذكر تنازعهم فى ذلك، وقول عمر - رضى الله عنه -: " حسبنا كتاب الله "، وقوله عند ذلك: " دعونى فالذى أنا فيه خير "، وفى الرواية الأخرى: " قوموا عنى "، وقول ابن عباس: " إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ". قال الإمام ﵀: النبى ﷺ معصوم من أن يكذب على الله أو يفسد ما يبلغه عنه، وهو مع هذا غير معصوم من الأمراض وما يكون من بعض عوارضها ما لا يعود لبعض فى منزلته ولا فساد فيما مهد من شريعته. وقد كان ﷺ لما سحر يخيل إليه أنه عمل الشىء وما عمله، ولم يجر ها هنا منه ﵇ من الكلام ما يعد مناقضاً لما قدم من الأحكام والشرائع ولا الكلام فى نفسه دال على الهذيان الذى يكون على الحميات، وقد بقى كثير من الأحكام عظيم خطرها فى الشرع غير منصوص عليها، ولكنه قد حض على أصولها ووكل العلماء إلى الاستنباط، فيقول كل إنسان منهم بقدر ما يظهر له. وقد يقع بسبب اختلافهم فيما استنبطوه فى بعض المسائل مرج وفتن، ولو وقع النص عليها لارتفع الخلاف وذهب الهرج، ولعله ﷺ كان أراد أن يتعرض لبعض هذه المسائل، وقد قال بعض العلماء: الأظهر عندى أنه أراد ﷺ أن ينص على الإمامة بعده؛ ليرتفع بنصه عليها تلك الفتن العظيمة التى منها حرب صفين والجمل، وهذا الذى قاله غير بعيد. فإن قيل: كيف حسن الاختلاف مع قوله ﷺ : " ائتونى أكتب لكم "؟ وكيف يعصونه فيما أمر؟ قلنا: لا خلاف أنَّ الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب عند من قال: إن أصلها على الندب، ومن الوجوب إلى الندب عند مَنْ قال: إن أصلها على الوجوب. وتنقل القرائن - أيضاً - صيغة أفعل إلى الإباحة وإلى التعجيز، وإلى غير ذلك من ضروب المعانى. فلعله ظهر منه ﷺ من القرائن ما دل على أنه لم يوجب ذلك عليهم بل جعله إلى

стр. 2983

وَقَالُوا: ما شأنُهُ؟ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ. قَالَ: " دَعُونِى، فَالَّذِى أَنَا فِيهِ خَيْرٌ، أُوصِيكُمْ بِثَلاثٍ: أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ " قَالَ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَهَا فَأُنْسِيتُهَا. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الحَدِيثِ. ٢١ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الخَمِيسِ! وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ! ثمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ، حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤَلُؤِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ائتُونِى بالكَتِفِ وَالدَّوَاةِ - أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ - أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ ــ تخييرهم، فاختلف اختيارهم بحسب اجتهادهم، وهو يدل على رجوعهم إلى الاجتهاد فى الشرعيات، فأرى عمر - رضى الله عنه - اجتهاده إلى الامتناع من هذا، ولعله استلوح أن ذلك منه ﷺ صدر من غير قصد إليه جازم، وهو المعنى بقولهم: " هجر رسول الله ﷺ " وبقول عمر - رضى الله عنه -: " غلب عليه الوجع " وما ضامه من القرائن الدالة على أنه عن غير قصد جازم على حسن ما كانوا يعهدونه من تعوده ﷺ فى بلاغ الشريعة، وأنه لا يجرى مجرى غيره من طرق البلاغ التى اعتادوها منه ﷺ . ظهر ذلك لعمر - رضى الله عنه - ولم يظهر للآخرين ما ظهر لعمر فخالفوه، فلعل عمر - رضى الله عنه - هجش فى نفسه أن المنافقين قد يستطرقون إلى القدح فيما اشتهر من قواعد الإسلام، وبلغه ﷺ لسائر المسلمين بكتاب يكتب فى خلوة وأحاد، ويضيفون إليه ما يشبهون به على الذين فى قلوبهم مرض، ولهذا قال عمر: " عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله ". قال أهل اللغة: هجر العليل بمعنى هذى. قال الإمام ﵀: فقد قدمنا نحن بيان القول فيما وقع منه ﷺ ، وبينا ما يجوز عليه وما لا يجوز. قال الإمام القاضى ﵀: رواية مسلم فى هذا: " العجز ": وكذا وقع فى كثير من الطرق، وهو أصح من رواية مَنْ روى: " هجر " و " يهجر " إذ هذا كله لا يصح منه ﵇ ولا يصح أن يعتقد عليه وإنما جاء هذا لِمَنْ قائله على طريق الإنكار لمن قال: لا تكتبوا، أى لا تتركوا أمر رسول الله ﷺ وتجعلوه كأمر من هجر فى كلامه، أو هو لا يهجر، كما قال تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (١) أى أنت لا تهلكنا

стр. 2984

تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً " فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَهْجُرُ. ٢٢ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِى البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِم عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ ". فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ غَلْبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابَ اللهِ. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ البَيْتِ، فاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابًا لنْ تَضِلِّوا بَعْدَهُ، ــ الصورة صورة الاستفهام والتقدير والمعنى النفى المحض، وإلا صحت الروايات الأخر، فيكون من قائلها خطأ وعلى غير تحقيق، بل لما أصابه من الحيرة والدهش العظيم ما شاهده من النبى ﷺ من هذه الحال التى دلت على فقده، وعظيم المصاب به، وخوف الفتن والضلال بعده، فلم يضبط ما قاله، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع، كما حملهم الإشفاق عليه على حراسته، والله تعالى يقول له ويسمعهم: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ (١). وقد رواه بعضهم: " هُجر " بضم الهاء فى غير مسلم، ويحتمل أن يرجع هذا إلى الحاضرين، أى جئتم باختلافكم وتنازعكم هُجراً ومنكراً من القول. والهجر الفحش فى المنطق، وسيأتى الكلام على ما أشار إليه من حديث سحره ﵇ فى موضعه إن شاء الله تعالى. واختلف العلماء ﵏ فى معنى هذا الحديث مما تقدم. وقيل: إن معنى هذا الحديث بما تقدم، وقيل: إن معنى الحديث أن النبى ﷺ لم يكن المبتدئ بالأمر به، وإنما سئل ذلك فأجاب إليه، فلما رأى اختلافهم فيه وعدم اجتماعهم على كتابه قال: " قوموا عنى، ودعونى " وهذا عند القائل بهذا يدل أنه كان غير مبتدئ بل مسؤول، وأن الذى أنا فيه من إرسال الأمر وترككم، وكتاب (٢) [وتدعونى بما طلبتم] (٣) خير. وقول عمر - رضى الله عنه -: " حسبنا كتاب الله ": رد على مَنْ نازعه لا على أمر النبى ﷺ . وقيل: خشى عمر - رضى الله عنه - أن يُكتب فى الكتاب ما لعلهم يعجزون عنه فيحصلون بالحرج بالمخالفة، وأن الأرفق بهم سعة الاجتهاد ورحمة الخلاف وثواب المخطئ والمصيبة مع تقرر أصول الشريعة، وكمال الدين، وتمام النعمة. وقيل: قد يكون امتناع عمر إشفاقًا على النبى ﷺ من تكليفه فى تلك الحال إملاء كتاب؛ ولذلك قال:

стр. 2985

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللغْوَ وَالاخْتِلافَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَال رسُولُ اللهِ ﷺ : " قُومُوا ". ــ " إن النبى ﷺ اشتد به وجعه، حسبنا كتاب الله ". وقوله: " أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ": المراد بالمشركين هنا: اليهود، وكذا جاء مفسراً فى غير هذا الحديث. وقد كان المشركون قتلوا ودخلوا فى الإسلام. قال أبو عبيد عن الأصمعى: جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق فى الطول، وأما فى العرض فمن جدة وما والاها إلى أطوار الشام. وقال أبو عبيد: هى ما بين حفر أبى السماوة فى العرض (١) (*). وإنما سميت جزيرة؛ لإحاطة البحار بها وانقطاعها من الماء. وأصل الجَزْر: القطع، وأضيفت إلى العرب؛ لأنها الأرض التى كانت بأيديهم قبل الإسلام. وذكر الهروى عن مالك: جزيرة العرب المدينة. وقال المغيرة المخزومى: جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة بإخراج على مَنْ كان على غير الإسلام من هذه البلاد، ولا يمنع من التردد فيها مسافرين، وقاله مالك والشافعى وغيرهما، إلا أن الشافعى خص هذا الحكم بالحجاز وحده من أرض العرب والحجاز عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن. قالوا: ويضرب لهم حيث حلوا منه أجل ثلاثة أيام لينظروا فى حوائجهم، كما ضرب لهم ذلك عمر - رضى الله عنه - حين أجلاهم، ولا يدفنون فيه - عند الشافعى - موتاهم، ويخرجون إلى الدفن لغيرها ما لم يتغيروا. وأجاز أبو حنيفة استيطانهم هذه البلاد. قال الطبرى: سنّ رسول الله ﷺ لأمته إخراج كل من دان بغير الإسلام من كان بلد للمسلمين كانت، مما أسلم عليها أهلها، أو من بلاد العنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم، يريد إما لعمارة أرض ونحوها (**)، كما أبقى عمر - رضى الله عنه - مَنْ أقر من ذمة الشام والعراق لعمارة أرضها، وإنما خص فى هذا الحديث جزيرة العرب لأنه لم يكن يومئذٍ للإسلام ظهور فى غيرها. فأما إقرارهم مع المسلمين فى مصر لم يتقدم لهم عقد صلحٍ قبل عقد الإقرار به فما لا نعلمه عن أئمة الهدى. وذكر أحاديث منها عن النبى ﷺ : " لا يبقى قبلتان بأرض " ومنها إخراج أهل الذمة من الكوفة إلى الحيرة. وعن ابن عباس - رضى الله عنه -: " لا يساكنكم أهل الكتاب فى مضاربها ". قال الطبرى: فالواجب على كل إمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه الإسلام، إذا لم يكن من بلادهم التى صولحوا عليها، إلا أن تدعو ضرورة لبقائهم لعمارتها، فإذا كان فلا يدعوهم فى مصر مع المسلمين أكثر من ثلاثة أيام، وليسكنهم الخارج عنهم، وليمنعهم اتخاذ المساكن فى مصار المسلمين ويبيعها

стр. 2986

قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ، مِنْ اختِلافِهِمْ وَلغَطِهمْ. ــ عليهم إن ملكوها. وقال غيره: إن الحكم مختص بمن كان بجزيرة العرب، كما جاء فى الحديث، غدروا أو لم يغدروا، ويخرجون بكل حال، فأما غيرهم فلا يخرجون، إلا أن يغدروا أو يخاف ذلك منهم، فينقلون إلى حيث يؤمن شرهم. وأما الحرم، فمعظم الفقهاء على منع كل كافر من حوله لا مستوطناً ولا ماراً فيه، وإن مات فيه ميت ممن دخله نقل عنه، إلا أن يتغير. وجوَّز أبو حنيفة مرورهم فيه ودخولهم إياه. وقوله: " وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ": سنة منه ﵇ فى ذلك لازمة للأئمة بعده للوفود عليهم، تطييبًا لنفوسهم وترغيبًا لأمثالهم ممن يستألف، وقضاء لحق قصدهم، ومعونة بهم على سفرهم، وسواء عند أهل العلم كانوا مسلمين أو كفارًا؛ لأن الكافر إذا وفد إنما يفد فيما بينهم وبين المسلمين وفى مصالحهم غالبًا. وأما قوله: " وسكت عن الثالث " يعنى ابن عباس وقال: " أنسيتها " يعنى سعيد ابن جبير. قال المهلب: الثالثة: تجهيز جيش أسامة. قال القاضى ﵀: وقد يحتمل هذا قوله ﵇: " لا تتخذوا قبرى وثناً يعبد "، فقد ذكر مالك فى الموطأ معناه، مع إجلاء اليهود من حديث عمر - رضى الله عنه (١)، وقال: آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ قوله: " قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب " (٢).

стр. 2987

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٦ - كتاب النذر (١) باب الأمر بقضاء النذر ١ - (١٦٣٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِى نَذْرٍ كَانَ عَلَى ــ كتاب النذور قوله: إن سعد بن عبادة استفتى النبى ﷺ فى نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه، فقال: " اقضه عنها ". قال الإمام ﵀: قد قدمنا أن الميت تقضى عنه الحقوق المالية، وذكرنا الخلاف فى البدنية، وما تقدم يغنى عن إعادته هاهنا. قال القاضى - رحمه الله تعالى -: فى هذا الحديث جواز النذر للطاعة. وقد جاء فى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ كثيراً، وأمر بالوفاء به وأثنى على فاعل ذلك، وذمّ مَنْ لم يوف به. وما ورد من النهى عنه فمعناه ما كان لمعنى من أمر الدنيا، كقوله: إن شفانى الله من مرضى تصدقت بكذا، وإن قدم غائبى صمت كذا فيكره هذا؛ لما خالطه من غرض الدنيا والاشتراك فى عمله، ولذلك جاء فى الحديث: " إنما هو شىء يستخرج به من البخيل ". فأما إن كان نذرًا مطلقًا لله وإرادة الثواب، وشكراً لما أولاه الله وقضاه من حاجته - فلا يكره. وسنذكر بعد. والنذر لازم فى الجملة، قال الله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُم﴾ (١) وقال ﵇: " مَنْ نَذر أن يطيع الله فليطعه " (٢)، وقال ذامًا للآخرين: " وينذرون ولا يوفون " (٣). ويلزم النذر عند مالك مطلقاً، كقوله: على نذر، أو مقيد كقوله: علىَّ نذر صدقة أو صيام (٤). وللشافعى فى المطلق قولان: مرة ألزمه ومرة أبطله، وجعل فيه أقل ما يقع عليه ذلك الإثم (٥).

стр. 2988

أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَاقْضِهِ عَنْهَا ". ــ وعند مالك وكافة العلماء: فيه كفارة يمين، ويأتى فيه أثر مفسرٌ عن النبى ﷺ صحيح، وسواء كان عندنا لا على وجه القصد والتوبة، أو وجه الخوف ووجه الغضب فى الحرج إذا قيده أو أطلقه يلزم. وقال الشافعى: هو مخير فى نذر الحرج المقيد أن يفى به أو يكفر كفارة يمين، وسيأتى ذكره. وأما النذر بشىء مباح كالقيام والمشى إلى السوق ونحوه، فعند مالك وكافة العلماء: لا يلزم، وهو مكروه؛ لأنه من تعظيم ما لا يعظم، بل ظاهر كلام مالك أنه من نذر المعصية (١). وقال أحمد بن حنبل: هو لازم يخير بين فعله أو كفارة يمين. وقوله: " ولم تقضه ": يحتمل أنه وجب عليها فلم تقضه؛ ولهذا حضه ﵇ على قضائه عنها، وهو أظهر من لفظ الحديث، لاسيما مع الحديث المتقدم: " إنما ماتت فجأة " (٢). وقيل: يحتمل أن تكون عقدته ولم يجب عليها. وهذا الحديث مما يحتج به الشافعى فى أن مَنْ وجب عليه حق فى ماله من يمين أو نذر أو كفارة - فهى مقضية من ماله كديونه اللازمة. ومالك وأبو حنيفة وأصحابهما يخالفونه فى ذلك، ويرون أنه لا يقضى شىء من ذلك إلّا أن يوصى به. ثم اختلفوا هل يكون فى ثلثه؟ وهو قولنا، وعند غيرنا فى رأس ماله. واختلف أصحابنا فيما لم يفرط فيه من زاد كالزكاة الحالة وشبهها، فعند ابن القاسم: أنها تخرج إذا أوصى بها من رأس المال، ولا يلزم إذا لم يوصِ بها. وعند أشهب: يخرج من رأس المال، أوصى بها أم لا. واختلف فى نذر أم سعد ما كان؟ فقيل: كان نذرًا مطلقًا، وقيل: كان صومًا، وقيل: كان عتقًا، وقيل: كان صدقة. واستدل كل قائل بأحاديث وردت فى قصة أم سعد. ويحتمل أن النذر عليها ورد فى تلك الأحاديث، والله أعلم (٣). وأظهر ما فيها أن نذرها كان فى المال أو نذرًا مبهمًا، ويكون حديث من احتج لذلك برواية مالك لما قيل لها: أوصى، قالت: فيم أوصى وإنما المال مال سعد؟ أى فأوصى فيه بقضاء نذرى. ويطابق هذا قول من روى: " فأعتق عنها "، فإن العتق من الأموال ومن كفارة النذور وليس فيه كفارة قطع على أنه كان عليها عتقًا، كما استدل به من قال: إنه كان عليها رقبة، ولأن هذا كان من باب الأموال المتفقة على النيابة فيها، ويعضده - أيضاً - ما رواه الدارقطنى من حديث مالك: فقال له - يعنى النبى ﷺ : " اسق عنها الماء ". وأما حديث القوم فقد قاله أهل الصنعة للاختلاف بين رواته فى سنده وكثرة اضطرابه.

стр. 2989

(...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ، وَمَعْنَى حَدِيثِهِ. ــ وقوله: " فاقضه عنها ": على غير الوجوب عند كافة العلماء؛ لأنه إنما سأل النبى ﷺ هل يفعل ذلك؟ فأباح له ذلك، وحمله غيرهم على الندب والترغيب لقوله: " فينفعها "، ولا شك أن كل نافع يرغب فيه، وهذا عند كافتهم ما يتعلق بالمال. وحمل أهل الظاهر هذا على الوجوب، فألزموا الوارث قضاء النذر عن الميت (١) مكانه. وأما غيره يلزم ذلك الأقعد منهم فالأقعد.

стр. 2990

(٢) باب النهى عن النذر، وأنه لا يردّ شيئًا ٢ - (١٦٣٩) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا يَنْهَانَا عَنِ النَّذْرِ، وَيَقُولُ: " إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ ". ٣ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَكِيمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " النَّذْرُ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ". ــ وقوله: أخذ رسول الله ﷺ يوماً ينهانا عن النذر، ويقول: " إنه لا يرد شيئًا "، وفى الحديث الآخر: " لا يقدم شيئًا ولا يؤخره "، وفى الحديث الآخر: " إنه لا يأتى بخير "، وفى الحديث الآخر: " لا يرد من القدر، وإنما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج "، قال الإمام ﵀: ذهب بعض علمائنا إلى أن الغرض بهذا الحديث التحفظ على النذر والحفظ على الوفاء به. وهذا عندى بعيد من ظاهر الحديث، ويحتمل عندى أن يكون وجه النهى أن الناذر يأتى القربة مستقلاً لها لما صارت عليه ضربة لازم، وكل محبوس الاختيار كأنه لا يبسط للفعل ولا يبسط إليه نشاط مطلق الاختيار. فقد كره مالك ﵀ أن ينذر الإنسان صوم يوم بعينه ويوقفه، وعلل قوله شيوخنا بمثل هذا للذى قلناه. ويحتمل - أيضاً - أن يكون الناذر لما لم ينذر ما بذل من القربة إلا بشرط أن يفعل له ما يختار، صار ذلك كالمعاوضة التى تقدح زينة التقرب، ويذهب الأجر الثابت للقربة المجردة، وفى الحديث: " مَنْ عمل عملاً أشرك فيه غيرى فهو له " (١)، ويشير إلى هذا التأويل قوله ﷺ : " إنه لا يأتى بخير "، وقوله ﷺ : " إن النذر لا يغنى من القدر شيئًا "، وقوله ﷺ : " إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر قد يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل، ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج "،

стр. 2991

٤ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لاِبْنِ الْمُثَنَّى - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ. وَقَالَ: " إِنَّهُ لَا يَأَتِى بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ به مِنَ الْبَخِيلِ ". (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ. ٥ - (١٦٤٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَا تَنْذُرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِى مَنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلَ ". ٦ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلاءَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ. وَقَالَ: " إِنَّهُ لَا يَرُدُّ منَ الْقَدَرِ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ". ٧ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَمْرٍو - وَهُوَ ابْنُ أَبِى عَمْرٍو - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِن النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللهُ قَدَّرهُ لَهُ، وَلَكِنِ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ ". ــ وهذا كالنفى على هذا التعليل الذى قلناه؛ لأنه أخبر ﷺ : أن موافقة القدر تخرج منه ما لم يرد أن يخرج، وأن النذر ليس هو الجالب للقدر. قال القاضى - رحمه الله تعالى -: قد يقال: هل ذلك على طريق الإعلام بما ذكر فيه من أنه لا يخالف القدر ولا يأتى الخير بسببه والنهى عن اعتقاد خلاف هذا وأن يقع بظن جاهل، وهو بالجملة عند مالك مباح فيما تأوله بعض شيوخنا، إلا إذا كان مؤبدًا، فلذلك كرهه لتكرره عليه فى أوقات قد يثقل عليه فعله، وقد لزمه فيفعله بالرغم لا بالرضى،

стр. 2992

(...) حدّثنا قُتَيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ - وَعَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىُّ - كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. ــ ويتكلفه غير طيب النفس ولا منشرح الصدر، ولا خالص النية فيكثر عناه ويقل أجره وثوابه، وهذا آخر محتملات قوله: " لا يأتى بخير "، أى أن اعتقاده قد لا يحمد والوفاء به قد لا يصح، وقد يكون معناه: لا يكون سببًا لخيرٍ لم يقدر وكما جاء فى الحديث.

стр. 2993

(٣) باب لا وفاء لنذر فى معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد ٨ - (١٦٤١) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَلىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى الْمُهَلَّبَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِى عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلاً مِنْ بَنِى عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِى الْوَثَاقِ. قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ. فَقَالَ: " مَا شَأْنُكَ؟ ". فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِى؟ وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ - إِعْظامًا لِذَلِكَ -: " أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ "، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَنَادَاهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، ــ وقوله: كانت ثقيف حلفًا لبنى عُقَيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بنى عقيل، وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو فى الوثاق، فقال: يا محمد، فأتاه فقال: " ما شانك؟ " فقال: بم أخذتنى؟ وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال - إعظامًا لذلك -: " أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف "، ثم انصرف عنه فناداه، فقال: يا محمد، يا محمد. وكان ﷺ رحيماً رقيقاً. فرجع إليه فقال: " ما شأنك؟ " فقال: إنى مسلم. قال ﷺ : " لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح "، ثم انصرف فناداه: يا محمد، يا محمد. فأتاه فقال ﷺ : " ما شأنك؟ " فقال: إنى جائع فأطعمنى، وظمآن فأسقنى. قال ﷺ : " هذه حاجتك "، ففُدى بالرجلين. قال: وأُسرت امرأة من الأنصار وأُصيبت العضباء: وفى هذا الحديث: " فانطلقت ونذروا بها، فطلبوها [ولاذوا بها] (١) فأعجزتهم، ونذرت إن نجاها عليها لتنحرنها " وفيه: قال ﷺ : " بئس ما جزيتها، لا وفاء بنذر فى معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم "، قال القاضى ﵀: ذكر فى أول هذا الحديث: أسر المسلمون هذا الرجل، وأصابوا معه العضباء، وقال فى آخره: " وأسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء ". العضباء غير القصواء على ما قاله ابن قتيبة وغير واحد، وقد تقدم قبل هذا، ما أشرنا إليه من أنه يحتمل أنها واحدة وأن العضبى والقصواء والجدع بمعنى من سمات الأذن وإن اختلفت صفاتها، وأنها اسم ناقته والقصوى والعضبى، فقد جاء فى حديث الحج أنه خطب على ناقته الجدعاء (٢)، وفى رواية أخرى:

стр. 2994

وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ رَحِيمًا رَقيقًا، فَرَجَعَ إلَيْهِ فَقَالَ: " مَا شَأْنُكَ؟ ". قَالَ: إِنِّى مُسْلِمٌ. قَالَ: " لَوْ قُلتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ " ثُمَّ انْصَرَفَ. فَنَادَاهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: " مَا شَأْنُكَ؟ ". قَالَ: إِنِّى جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِى، وَظَمْآنُ ــ القصواء (١)، وفى أخرى: الخرمى (٢)، وفى أخرى: المخضرمة (٣)، وفى حديث مالك: كانت للنبى ﷺ ناقة لا تسبق يقال لها: القصواء (٤)، وفى حديث غيره: يقال لها: العضباء (٥) [وأبو بيد] (٦) يقول: هو اسم لها، وهذه الأحاديث تدل على أنها صفة فرب صفة صارت اسماً، لكن هذا الحديث والذى بعده فى كتاب مسلم وغيره يدل أن النبى ﷺ إنما اكتسبها فى المدينة، وأنها كانت لبنى عقيل، وأن المشركين أغاروا عليها ثانية فحملوها كما جاء فى الحديث، وهو بين فى غير مسلم، قال: فحبس رسول الله ﷺ العضباء لرحله، وأغار المشركون على سرج رسول الله ﷺ فذهبوا به وبالعضباء، وأسروا امرأة من المسلمين، وهى امرأة ابن أبى ذر (٧). وذكر بقية خبر المرأة كما ذكر مسلم. وقوله: إنى مسلم، فقال له ﵇: " لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت " ثم ذكر الحديث: " فادى به "، قال الإمام ﵀: كيف قال له: إنى مسلم، ثم فادى به، ومَنْ أظهر الإسلام قُبِلَ منه من غير بحث عن باطن، وقد وقع فى أحاديث كثيرة الأخذ بالظواهر فى هذا، أو التنبيه على أنه لم يؤمر أن يبحث على البواطن والقلوب. قيل: يمكن أن يكون هذا من خصائص النبى ﷺ مع هذا الرجل، فأوحى إليه فيه أنه غير مؤمن، وأنه مستباح، ألا ترى قوله ﵇ بعد هذا لما سأله أن يطعمه ويسقيه: " هذه حاجتك ". قال القاضى ﵀: ليس فى الحديث ما يدل أنه رده إلى دار الكفر، وإنما فيه أنه لم يطلق سراحه أولاً وأنه فادى به. فأما أنه لم يطلق سراحه فإنه إنما أسلم بعد الأسر وملك المسلمين له فبقى لهم، وأما المفاداة إذا لم يرد إلى دار الكفر فصواب لا اعتراض فيه؛

стр. 2995

فَأَسْقِنِى. قَالَ: " هَذِهِ حَاجَتُكَ "، فَفدِىَ بِالرَّجُلَينِ. قَالَ: وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِى الْوَثَاقِ، وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَىْ بُيُوتِهِمْ، فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ فَأَتَتِ الإِبِلَ، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا فَتَتْرُكُهُ، حَتَّى تَنْتَهِىَ إِلَى الْعَضْبَاءِ، فَلَمْ تَرْغُ. قَالَ: وَنَاقَةٌ مَنَوَّقَةٌ، فَقَعَدَتْ فِى عَجُزِهَا ثُمَّ زَجَرَتْهَا فَانْطَلَقَتْ، وَنَذِرُوا بهَا فَطَلَبُوهَا فَأَعْجَزَتْهمْ. قَالَ: وَنَذَرَتْ للهِ؛ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ. فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ، نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ؛ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللهِ! بِئْسَمَا جَزَتْهَا، نَذَرَتْ للهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِى مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ ". وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: " لَا نَذْرَ فِى مَعْصَيَةِ اللهِ ". ــ لأنه أطلقه من أسر الرق ليطلق أولئك، ثم إن كل واحد منهم بعد الإطلاق موكول إلى حاله من بقائه بالأرض التى أطلق من أسره فيها أو رجوعه إلى أرضه، فقد يحتمل أن النبى ﷺ قد اطلع من صحة إيمانه ووفق بصدق يقينه من حيث فادى، وأطلقه من الرق بإطلاق الآخرين، وبقى هو حر مع المسلمين لم يرجع إلى دار الكفر، فيكون معنى قوله: " لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح " أى نجوت فى الدنيا من الرق وفى الآخرة من النار، لكنك قلتها وقد ملكت، أفلحت بالنجاة من النار، ولم يتم فلاحك بالحرية. وأما قوله: " هذه حاجتك " التى احتج بها قائل ما تقدم فما فيه عندى ظهور، لما تأوله من أنه اتهمه فى إيمانه، ولو اتهمه فى إيمانه لم يقل له: " لو قلتها وأنت تملك أمرك "، بل كان يقول: لو قلتها من قلبك وصدق نيتك، وإنما معنى " هذه حاجتك ": حاضرة مقضية غير متعذرة. قال الإمام ﵀: وأما قوله: " لا وفاء بنذر فى معصية، ولا فيما لا يملك العبد "، ولم يذكر فى ذلك كفارة، خلافاً لمن نذر، زعم أن النذر فى المعصية يكفر، تعلقًا بما ذكره الترمذى وأبو داود: " لا نذر فى معصية الله، وكفارته كفارة يمين " (١). والجريرة: الجناية والذنب. وقد احتج بقوله ﵇ فى ناقته: " لا وفاء بنذر

стр. 2996

(...) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَفِى حَدِيثِ حَمَّادٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِى عُقَيْلٍ، وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ ــ فى معصية، ولا فيما لا يملك العبد " أصحاب الشافعى على أن مال المسلم باق على ملكه وإن غنمه الجيش من أرض الحرب وقسموه، وأن صاحبه يأخذه بعد القسمة. ولعلنا أن نتكلم عليه فى كتاب الجهاد إن شاء الله. والعضباء اسم ناقة النبى ﷺ . وقوله: " هى ناقة منوقة ": أى مذللة، ومنه الحديث الذى فيه: وسار معه على جمل له قد توقد، أى بأرضه وذلله. يقال: جمل منوق ومخيس ومعبد ومديث. وقوله: " ونذروا بها ": أى علموا بها، يقال: نذِرت بالشىء، بكسر الذال نذارة، أى علمت به، ونذَرت الشىء لله، بفتح الذال، أنذر نذرًا. قال ابن عرفة: النذر ما كان وعدًا على شرط، فكل ناذر واعد وليس كل واعد ناذر، فلو قال قائل: علىَّ أن أتصدق بدينار لم يكن ناذرًا، ولو قال: إن شفى الله مريضى أو ردّ علىّ غائبى فعلىّ صدقة دينار أو غيره، كان ناذرًا. قال الإمام ﵀: هذا الذى ذكره ابن عرفة مال إليه بعض الفقهاء، ورأى أن النذر الغير المشروط لا يُسمَّى نذرًا؛ ولهذا استحب الوفاء به، ولا يجب كما يجب المشروط المسمى نذرًا، الداخل فى عموم الظواهر الواردة بالأمر بالوفاء بالنذر. ومال غير هؤلاء من الفقهاء إلى أن الجميع يسمى نذرًا وأنشد قول الشاعر: الشاتمى عرضى ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم ألقهما دمى وقول جميل: فليت رجال فيك قد نذروا ... دمى وهمّوا بقتلى يا بثين لقونى والأظهر أنّ النذر المذكور فى البيتين غير معلق بشرط. وقوله: " مجرسة ": أى مذللة. يقال: جرسته الأمور، أى راضته وذللته. قال القاضى ﵀: قوله: " مدربة " بدال مهملة معنى مذللة، ومعنى منوقة ومجرسة، كله بمعنى واحد. وفى هذا الحديث جواز سفر المرأة مع غير ذى رحم عند الضرورة، وإنما ذلك مع الاختيار. وقال بعضهم: إن هذا النهى إنما هو فى الأسفار المباحة، وأما الواجبة فى الدين فلا نهى فيها. وهذا لا يصح إلّا عند الضرورات، كضرورة هذه من الهروب من دار الكفر والخروج من الأسر، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة فى كتاب الحج.

стр. 2997

الْحَاجِّ. وَفِى حَدِيثِهِ أَيْضًا: فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ. وَفِى حَدِيثِ الثَّقَفِىِّ: وَهِىَ نَاقَةٌ مُدَرَّبَةٌ. ــ وقوله: " لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ": هذا إذا أطلق النذر بالصدقة أو العتق فيها مطلقاً، فإن قيده بملكه متى ملكه لزم فى العتق عندنا على مشهور مذهبنا ولم يلزم على غيره وهذا الحديث لهذا المذهب حجة. وقوله: " لا نذر فى معصية الله ": نفى النذر عنها، إذ النذر المقصد فيه التبرك والتقرب، والمعصية تنافيه، فلا نذر يصح فيها ولا يلزم، بل نهى عنه وعن الوفاء به. ولم يذكر فى الحديث كفارة، وهذا قول مالك وكافة العلماء أنه لا كفارة فى نذر المعصية (١) وقال الكوفيون: لا يلزم وفيه كفارة يمين، واحتجوا بما ورد فى حديث عائشة - رضى الله عنها -: " لا نذر فى معصية، وكفارته كفارة يمين " (٢). وهو حديث مقلوب معتل عند أهل الحديث، مع أنه محتمل تأويل رجوع الكفارة إلى النذر الجائز كما جاء فى الحديث مبينًا.

стр. 2998

(٤) باب من نذر أن يمشى إلى الكعبة ٩ - (١٦٤٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زرَيْعٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ. فَقَالَ: " مَا بَالُ هَذَا؟ ". قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِىَ. قَالَ: " إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِىُّ " وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ. ١٠ - (١٦٤٣) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَمْرٍو - وَهُوَ ابْنُ أَبِى عَمْرٍو - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَدْرَكَ شَيْخًا يَمْشِى بَيْنَ ابْنَيهِ، يَتَوَكَّأَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " مَا شَأَنُ ــ وقوله: أنه رأى شيخًا يهادى بين ابنيه. فقال: " ما بال هذا؟ " قالوا: نذر أن يمشى. قال: " إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغنى " وأمره أن يركب، وفى الرواية الأخرى: " اركب، إن الله غنى عن نذرك "، قال الإمام ﵀: يحمل هذا على أنه عجز عن المشى، وكذلك مجمل الحديث الذى بعده عن عقبة: أنه قال: إن أختى نذرت أن تمشى إلى بيت الله حافية، فأمرتنى أن أستفتى لها النبى ﷺ فاستفتيته. فقال: " لتمش ولتركب " محمله - أيضاً - عندنا على أنها عجزت. وقد ذكر أبو داود فى هذا الحديث أنها نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك، فقال ﵇: " إن الله لغنىٌّ عن مشى أختك، فلتركب ولتهد بدنة " (١)، فقد نبه هاهنا ﵇ على أنها غير مستطيعة وهكذا مذهب مالك ﵀ أن الناذر إذا عجز عن المشى مشى ما قدر عليه، ثم ركب وأهدى (٢). قال القاضى ﵀: اختلف العلماء بحسب اختلاف هذه الآثار والروايات، واتفقوا على ناذر الحج والعمرة أن يلزمه فعل ذلك والسير إليه. واختلفوا إذا نذر مشيًا أو سيرًا ولم يذكر حجًا ولا عمرة، فذهب مالك (٣) إلى ما تقدم مِنْ أن مَنْ نذر المشى سَمَّى حجًا أو عمرة أو لم يسم لزمه المشى ولم يركب، وإن

стр. 2999

هَذَا؟ ". قَالَ ابْنَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ، فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ " وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ وَابْنِ حُجْرٍ. (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ١١ - (١٦٤٤) وحدّثنا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ - يَعْنِى ابْنَ فَضَالَةَ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِى أَنْ تَمْشِىَ إِلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِى أَنْ ــ عجز فى بعض الطريق أو مشى رجع من قابل فمشى ما ركب، وجعل ذلك فى حج أو عمرة، وأهدى لتفريق المشى إلا أن يأيس القدرة على المشى جملة، فليركب ويهدى. روى مثله عن علىّ وابن عباس (١) - رضى الله عنهما. وقال الحسن البصرى: إن نذر حجاً أو عمرة فلا مشى عليه ويركب، وعليه دم. وقاله أبو حنيفة (٢)، وحُكى عنه أنه متى لم يسم حجاً ولا عمرة فلا يلزمه مشى ولا سير جملة فى القياس، ولكن الاستحسان فى قوله على المشى إلى بيت الله أو الكعبة أو مكة دون سائر هذه الألفاظ، يسير ولا يلزمه مشى. وقال الشافعى: يلزمه المشى إن قدر عليه سَمّى حجاً أو لا (٣)، كقول مالك، إلا أنه إن عجز ركب ويهدى احتياطاً، ولم يلزمه رجوع لشىء ما عجز عنه، وهو مذهب أهل الكوفة. وقد روى مثله عن ابن عمر، ومذهب السلف وأهل المدينة (٤) وهى إحدى الروايتين عن ابن عمر، ومذهب ابن الزبير أن يرجع فيمشى ما ركب ولم يجعل عليه دمًا (٥). وروى عن علىّ - رضى الله عنه - قول آخر: أنه مخير إن شاء مشى، وإن شاء ركب وأهدى (٦). وأحاديث مسلم يحتج بها الشافعى فى إسقاط وجوب الرجوع والدم وإنما جعله احتياطاً. ومالك ومَنْ يوجب عليه الرجوع والدم يحتجون بزيادة مَنْ روى فى حديث أخت عقبة: " ولتهد ". ذكره أبو داود (٧) وغيره، وزاد فى بعض الروايات: " ولتهد بدنة "، ذكره ابن المنذر. وهذه حجة لمالك فى إيجابه البدنة لمن وجدها فى هذه المسألة. وتأولوا الأحاديث فى ترك الرجوع لمن لم يقدر جملة وقد روى فى حديث أخت عقبة، فعجزت عنه، فأمّا مَنْ نذر فعليه الوفاء بنذره.

стр. 3000

أَسْتَفْتِىَ لَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ. فَقَالَ: " لِتَمْشِ وَلَتَرْكَبْ ". ١٢ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ؛ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِى حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ ابْنِ عَامِر الْجُهَنِىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَتْ أَخْتِى. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُفَضَّلٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِى الْحَدِيثِ: حَافِيَةً. وَزَادَ: وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ. (...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَابْنُ أَبِى خَلَفٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ــ وفى قوله فى حديث أخت عقبة: " فلتمش ولتركب ": حجة على أبى حنيفة فى إسقاط المشى جملة. قوله فى هذا الحديث: نذرت أختى أن تمشى إلى بيت الله وإلى مكة والمسجد الحرام، وإن لم يذكر حجًا ولا عمرة، وكذلك متى ذكر جزءًا من الكعبة أو البيت فله حكمه. وهذا قول مالك وأصحابه. واختلف أصحابه إذا قال: إلى الحرم، أو مكانٍ منه، أو مكانٍ من مدينة مكة، أو المسجد، هل له حكم ذكر البيت أم لا؟ وقال الشافعى: متى قال: على المشى إلى شىء بما يشتمل عليه الحرم لزمه، وإن ذكر ما خرج عنه لم يلزمه، وهو قول أبى يوسف ومحمد والحسن وابن حبيب من أصحابنا (١) زاد: إلا إذا ذكر عرفة فيلزمه وإن لم يكن من الحرم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه فى هذا مشى ولا سير فى القياس، لكن الاستحسان فى قوله: إلى بيت الله، أو الكعبة، أو مكة فقط (٢) أن يسير ولا يلزمه ركوب على أصله. وقوله فى الحديث: حافية، فقال: " لتمش ولتركب ": ظاهر مع ما جاء فى الحديث الآخر: " إن الله غنى عن تعذيب هذا نفسه " وأمره أن يركب: أنه لا يلزم ما فيه تعذيب للنفس، لكن كل ما ذهب فيه المشقة على نفسه فلم يلزمه، إذ ليس فيه قربة، يستحب له فيه الدم، ولا يلزمه مثل المشى حافيًا، أو حمل شىء على عنقه (٣). فالدم هاهنا استحباب بخلاف مجرد المشى لِمَنْ عجز عنه؛ لأن المشى مقدور عليه وطاعة، والخطا فيه مكتوبة، وقد قال الله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ (٤)، فليدم الإنسان ما نذر من ذلك،

стр. 3001

ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى أَيُّوبَ؛ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِى حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. ــ فإذا عجز عنه وجب عليه الدم عندنا، وسقط عند غيرنا، واستحبه آخرون على ما تقدم. وكذلك عندنا وعند أبى حنيفة: إذا حلف بالمشى إلى مكة لزمه اليمين (١) إذا حنث، وكلاهما على مذهبه المتقدم فى لزوم المشى أو سقوطه. وقال الشافعى (٢) وفقهاء أصحاب الحديث كلهم: لا يلزم فى اليمين بخلاف النذر، وعليه فيهما كفارة يمين. وحكى مثله عن ابن القاسم (٣) من أصحابنا. قال المروزى: وهو قول أصحابنا كلهم فى الأيمان سوى الطلاق والعتق، وروى هذا عن جماعة من السلف. وقال داود: كل يمين كمشى أو صدقة فلا تلزم ولا كفارة فيها، قال: ولا كفارة إلّا فى اليمين بالله، وهو قول ابن أبى ليلى والشعبى والحسن ومحمد بن الحسن كيفما حلف.

стр. 3002

(٥) باب فى كفارة النذر ١٣ - (١٦٤٥) وحدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلَىُّ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى - قَالَ يُونُسُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الآخَرَانَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ - أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ ابْنِ عَامِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: " كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ". ــ وقوله ﵇: " كفارة النذر كفارة اليمين "، قال الإمام ﵀: النذر المبهم عندنا كفارته كفارة يمين خلافاً للشافعى وهذا الحديث حجة عليه. قال القاضى ﵀: وقد قدمنا أول الكتاب اختلاف قول الشافعى فيه. وبهذا الحديث احتج فقهاء أصحاب الحديث أن كفارة اليمين تجرى فى جميع أبواب النذر، وأبو ثور معهم وزاد العتق. وحجتنا عليهم: أن ظاهره النذر المبهم المطلق. وأما المقيد بطاعة فالمخرج منه بفعلها، ولا يحتاج إلى كفارة.

стр. 3003

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٧ - كتاب الأيمان (١) باب النهى عن الحلف بغير الله تعالى ١ - (١٦٤٦) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ". ــ وقوله (١): " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت "، قال الإمام ﵀: هذا لئلا يشرك بالتعظيم غير الله - سبحانه. وقد قال ابن عباس: لأن أحلف بالله فآثم، أحب إلىّ من أن أضاهى: فقيل معناه: الحلف بغير الله، وقيل: معناه: الخديعة، يرى أنه حلف وما حلف، وقد قال ابن عباس - أيضاً -: لئن أحلف بالله مائة مرة فآثم، خير من أن أحلف بغيره فأبر، فلهذا ينهى عن اليمين بسائر المخلوقات. ولا يعترض على هذا بقوله ﷺ : " أفلح وأبيه إن صدق " (٢)؛ لأنه لا يراد بهذا القسم، وإنما هذا قول جارٍ على ألسنتهم، فقد قال تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (٣)، قيل: معناه: ورب التين والزيتون، أو يكون المراد به التنبيه على ما فيهما من العجائب والمن بهما عليهم، ولا يراد بهما القسم. ولو سلمنا أن المراد بها القسم من غير حذف وإضمار لم يبعد أن يكون البارى - سبحانه - يقسم بهما ويمنعنا من القسم بهما، وتعظيم البارى جلت قدرته للأشياء بخلاف تعظيمنا لها؛ لأن كل حق بالإضافة إلى حقه - سبحانه - حقير. وكل عظيم عند الإضافة إليه تعالى هين؛ إذ لاحق لأحد عليه، وله الحق على كل أحد، وإنما تعظيمه لبعض الأمور تنبيه إلينا على قدرها عنده أو تعبد لنا بأن نعظمها، فلا يقاس هذا على هذا.

стр. 3004

قَال عُمَرُ: فَوَاللهِ، مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا، ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا. ٢ - (...) وحدّثنى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعْيَبٍ بْن اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ عُقَيْلٍ: مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا، وَلَا تَكَلَّمْتُ بِهَا، وَلَمْ يَقُلْ: ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا. (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ عُمَرَ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ. بِمِثْلِ رِوَايِةِ يُونُسَ وَمَعْمَر. ٣ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ فِى رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ. فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ". ــ وقول عمر - رضى الله عنه -: " ولا آثرًا ": يعنى: ولا حاكيًا إياه على أحدٍ، من قولهم: أثر الحديث يأثره: حدث به. قال القاضى ﵀: يعنى ومعنى قوله: " ولا ذاكرًا ": أى ولا قائلاً لها من قبل نفسى. وفى قوله: " فليحلف بالله " تنبيه على أن الحلف بأسمائه وصفاته تعالى لازم جائز؛ لأنه حلف به تعالى، ولا خلاف فى ذلك بين علماء الأمصار مع الآثار فى ذلك (١)، إلا ما ذكر عن الشافعى على أصله على من اشترط نية اليمين فى الحالف بالصفات (٢)، وإلا لم يكن عليه كفارة. وأنكر بعض المتأخرين الخلاف فى لزوم الحلف بالصفات. وفى

стр. 3005

٤ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ وَابْنُ أَبِى ذِئْبٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الْكَرِيمِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. بِمِثْلِ هَذِهِ الْقَصَّةِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ - قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ ". وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا. فَقَالَ: " لَا تَحلِفُوا بِآبَائِكُمْ ". ــ الباب: وحدثنى بشر بن هلال (١) قال: نا عبد الوارث. وأرى الصواب الأول، وفيه: نا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حُجْر - قال يحيى بن يحيى: أنا، وقال آخرون: نا إسماعيل. كذا عند شيوخنا. وفى بعض الروايات: قال يحيى بن يحيى: أنا. وقال آخرون: حدثنا.

стр. 3006

(٢) باب من حلف باللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله ٥ - (١٦٤٧) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ ابْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ، فَقَالَ فِى حَلِفِهِ: بِاللاتِ. فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهِ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ ". (...) وحدّثنى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا ــ وقوله: " من حلف فقال فى حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعالى أقامرك، فليتصدق "، قال الإمام ﵀: الحلف بما لا يجوز من هذا النوع لا كفارة مقدرة فيه عندنا، خلافًا لأبى حنيفة (١) فى إثبات الكفارة فى ذلك، إلا فى قوله: أنا مبتدع وأنا برىء من النبى ﷺ . وهذا الحديث حجة عليه؛ لأنه لم يذكر فيه الكفارة. وأبو حنيفة تعلق بان الله - سبحانه - أوجب على المظاهر الكفارة، وعلل بأنه منكر من القول وزور، والحلف بهذا منكر من القول وزور. وهذا يُنتقض عليه بما استثناه من قوله: أنا برىء من النبى ﷺ ، ثم لا كفارة فيه عنده. ولو قال: واليهودية، لم تلزمه الكفارة باتفاق، فكذلك إذا قال: أنا يهودى إن فعلت، فلا معنى لتفريقهم بين اللفظين. فإنه إذا قال: واليهودية، فقد عظم ما لا حرمة له، وإذا قال: إن فعلت فأنا يهودى، فكأنه عظم الإسلام واحترم ما له حرمه؛ لأن الجميع لا يحسن القسم بهما. قال القاضى - رحمه الله تعالى -: وقوله: " فليتصدق ": ولا حجة فيه للمخالف فى أنه أراد الكفارة، لأنه إنما جاء به بعد ذكر المقامرة على خصوص التكفير لها لا لغيرها، كما خص الحلف باللات والعزى بكفارة قوله لا إله إلا الله. ولو كان المراد بالصدقة كفارة اليمين لجاءت عنهما جميعاً ولم يختص بالمقامرة. قال الخطابى: معناه: فليتصدق بمقدار ما أراد أن يقامر به (٢). وعندى أنه لا يختص بهذا، بل لما نوى بذل مال فى غير طريق جائز وإخراجه من يده واعتقد ذلك، كان كفارة اعتقاده ونيته أن يتصدق بمال يخرجه عن يده فى طريق البر ومسالك الشرع، كما أمره أن يقول لا إله إلا الله تكفيرًا؛ لتعظيمه

стр. 3007

عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ مِثْلُ حَدِيثِ يُونُسَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " فَليَتَصَدَّقْ بِشَىءٍ ". وَفِى حَدِيثِ الأَوْزَاعِىِّ: " مَنْ حَلَفَ بِاللاتِ وَالْعُزَّى ". قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِم: هَذَا الْحَرْفُ - يَعْنِى قَوْلَهُ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ - لَا يَرْوِيهِ أَحَدٌ غَيْرُ الزُّهْرِىِّ. قَالَ: وَلِلزُّهْرِىِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَد بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ. ٦ - (١٦٤٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِى، وَلَا بِآبَائِكُمْ ". ــ غيره ومضاهاته به كفرًا لقوله بالقول والفصل بالفعل. وفى هذا حجة لما عليه الجمهور من أن العزم ينشأ على المعصية سيئة يؤاخذ بها، بخلاف الخواطر، وقد تقدم الكلام عليها أول الكتاب. وقوله فى الحديث الآخر: " لا تحلفوا بالطَّواغى ": مثل نهيه عن الحلف باللات والعزى. والطواغى: الأصنام. أحدها طاغية، سمى باسم المصدر لطغيان العباد له، وأنه أصل طاغيتهم وكفرهم، وكل ما عظم وجاوز العقيدة فقد طغى، ومنه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ﴾ (١) أى كثر وجاوز القدر. والطاغوت - أيضاً - الصنم، وجمعه طواغيت. وقد يكون الطاغوت جمعًا وواحدًا ومؤنثًا ومذكرًا، قال الله تعالى: ﴿واجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾ (٢)، وقد قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِروا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (٣).

стр. 3008

(٣) باب ندب من حلف يميناً، فرأى غيرها خيراً منها، أن يأتى الذى هو خير ويكفّر عن يمينه ٧ - (١٦٤٩) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ويَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ - واللَّفْظُ لِخَلَفٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَن أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ. قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فِى رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ. فَقَالَ: " وَاللهِ، لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِىَ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ " قَالَ: فَلَبثْنَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أُتِىَ بِإبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَىَ. فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا - أَوْ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ -: لَا يُبَارِكُ اللهُ لَنَا، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَلَّا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، فَأَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: " مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنَّى وَاللهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى، وَأَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ ". ٨ - (...) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِىُّ - وَتَقَارَبَا فِى اللَّفْظِ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: أَرْسَلَنِى أَصْحَابِى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْألُهُ لَهُمُ الْحُمْلَانَ. إِذْ هُمْ مَعَهُ فِى جَيْشِ الْعُسْرَةِ - وَهِىَ غَزْوَةُ تَبُوكَ - فَقُلْتُ. يَا نَبِىّ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابِى أَرْسَلُونِى إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ. فَقَالَ: " وَاللهِ، لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَىءٍ "، وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، فَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ رَسُوَلِ اللهِ ﷺ ، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ وَجَدَ فى نَفْسِهِ عَلَىَّ، فَرَجِعْتُ إِلَى أَصْحَابِى فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالاً يُنَادِى: أَىْ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، فَأَجَبْتُهُ. فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَدْعُوكَ. فَلَمَّا أَتَيْتُ ــ وقوله فى حديث الأشعريين: " ما أنا حملتكم بل الله حملكم، وإنى والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين، ثم أرى خيرًا منها إلّا كفّرت عن يمينى، وأتيت الذى هو خير "، قال الإمام ﵀: المراد بهذا أن الله - تعالى - أتى بما حملتكم عليه، ولو ما ساقه البارى - تعالى - إليه لم يكن عنده ما يحملكم عليه، ولم يردْ بهذا نفى إضافة الفعل إليه.

стр. 3009

رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ - لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مَنْ سَعْدٍ - فَانْطَلِق بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ. فَقُلْ: إِنَّ اللهَ - أَوْ قَالَ: إِنَّ رَسُول اللهِ ﷺ يَحمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، فَارْكَبُوهُنَّ ". قَالَ أَبُو مُوسَى: فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِى بِهِنَّ. فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ، وَاللهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِى بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حِينَ سَأَلْتُهُ لَكُمْ، وَمَنْعُهُ فِى أَوَّلِ مَرَّةٍ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُ إِيَّاىَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَا تَظُنُّوا أَنِّى حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. فَقَالُوا لِى: وَالله، إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ. فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ، حَتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ. فَحَدَّثُوهُمْ بِمَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى، سَوَاءً. ٩ - (...) حدّثنى أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ. وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ زَهْدمٍ الْجَرْمِىِّ قَالَ أَيُّوبُ: وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ أَحْفَظَ مِنِّى لِحَدِيثِ أَبِى قِلَابَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِى مُوسَى، فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى تَيْمِ اللهِ، أَحْمَرُ، شَبِيهٌ بَالْمَوَالى. فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ، فَتَلَكَّأَ. فَقَالَ: هَلُمَّ، فَإِنِّى قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّى رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَلا أَطْعَمَهُ. فَقَالَ: هَلُمَّ، أُحَدِّثُكَ عَنْ ذَلِكَ. إِنِّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِى رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ. فَقَالَ: " وَاللهِ، لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِى مَا أَحْمَلُكُمْ عَلَيْهِ "، فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ، فَأُتِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَدَعَا بِنَا، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى. قَالَ: فَلَمَّا انْطَلَقْنَا، قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَغْفَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمِينَهُ، لَا يُبَارَكُ ــ قال القاضى ﵀: ترجم البخارى عليه (١): ﴿وَاللَّهُ خلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، واحتج بالحديث على ذلك. وقيل: يحتمل أن يكون أوحى إليه بحملهم، أو يكون مراده دخولهم فى عموم مَنْ أمره الله بالقسم فيهم. وفى الحديث حجة على لزوم يمين المغضب لقوله: " وهو غضبان "، ثم إن النبى ﷺ قال فى القصة: " إلا كفرت عن يمينى "، خلافاً للشافعى ومسروق فى أنه لا يلزم الفصل. وقوله: " فأمر لنا بِثَلاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرى "، وفى رواية: " خمس زود "، قال الإمام -

стр. 3010

لَنَا. فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَلَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، أَفَنَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " إِنِّى، وَاللهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ. وَتَحَلَّلْتُهَا فَانْطَلِقُوا، فَإِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللهُ ". (...) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَّهَابِ الثَّقَفِىُّ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِىِّ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِىِّ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَىِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. (...) وحدّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ التَّمِيمِىِّ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ ــ ﵀: فمعناه: بيض الأسمر. وذروة البعير: سنامه، وذروة كل شىء أعلاه. قال القاضى: ﵀: جاء فى الرواية الأخرى: " بقع الذرى ". كذا عندنا، وفى بعض النسخ: " بقع غر الذرى " والبقع هنا بمعنى: البيض، وأصله ما فيه بياض وسواد، ومنه: كلب أبقع، وغراب أبقع. وخص الذى هنا وهى أعالى الإبل؛ لأن أسافلها يتغير بياضها من المعاطن وعبس أبوالها وأبعارها. ومعنى " نستحمله ": أى نطلب منه، وليحملنا فى الإبل ويحمل أثقالنا. وقوله: " بخمس ذود ": من إضافة الشىء إلى نفسه، وقد يحتج به من يطلق الذود على الواحد. وقد تقدم البيان عنه فى الزكاة. وقوله فى الحديث الآخر: " هذين القرينين، وهذين القرينين، وهذين القرينين لستة أبعرة ": القرينتان: البعيران يقرن أحدهما لصاحبه بالربط بحبل لئِلا يذهبا، ويمسك كل واحد صاحبه. ولعل رواية من روى: " ثلاث ذود " مطابق لهذا إذا قلنا: إن الاثنين ينطلق عليهما اسم ذود. وأما تأنيث القرينتين فعلى أنهما راحلتان أو ناقتان، ولقوله فى الرواية الأخرى: " وأتى بنهب إبل ". قال الإمام ﵀: النهب: الغنيمة، وكان الصديق - رضى الله عنه - إذا أوتر قبل أن ينام قال: أحرزت نهبى، أى غنيمتى. وقوله: " إنى واللهِ - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا

стр. 3011

أبى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِىِّ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمِ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِىِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِى مُوسَى. وَاقْتَصُّوا جَمِيعًا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. ــ أتيت الذى هو خير، وتحللتها "، وفى الرواية الأخرى: " إلا كفرت عن يمينى وأتيت الذى هو خير ". وفى الحديث الآخر: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذى هو خير "، وفى الرواية الأخرى: " فليأت الذى هو خير، وليكفر عن يمينه "، قال القاضى ﵀: بحسب اختلاف ألفاظ هذه الرواية اختلف العلماء ﵏ فى إجزاء الكفارة قبل الحنث، مع اتفاقهم أنها لا تجب إلا بعد الحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث (١) فجمهورهم على إجزائها قبل الحنث، لكن مالكاً والثورى والأوزاعى والشافعى منهم يستحبون كونها بعد الحنث ويوافقون على إجزائها قبله، وروى هذا عن أربعة عشر من الصحابة وجماعة من التابعين - رضى الله عنهم - وغيرهم. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها لا تجزئ، وهى رواية أشهب عن مالك. وقال الشافعى: يجزئ فيه الكفارة بالطعام والكفارة بالكسوة والمشقة. قيل: لا يجزئ بالصوم إلا بعد الحنث (٢). والخلاف فى هذا مبنى على: هل الكفارة لحل اليمين أو التكفير بإثمها بالحنث؟ فعند الجمهور أنها رخصة شرعها الله لحل ما عقد الحالف من يمينه فتجزئ قبل وبعد، وليس فى الوجهين إثم، لا فى الحلف ابتداء ولا فى تحنيث الإنسان نفسه لإباحة الشرع له ذلك. ومعنى قوله: " فأرى غيرها خيرًا منها ": أى ما حلف عليه من فعل أو ترك خير لدنياه أو لأخراه، أو أوفق لهواه وشهوته ما لم يكن إثماً. قال الإمام ﵀: للكفارة ثلاث حالات: أحدها: أن يكفر قبل أن يحلف فهذا لا يجزئه. الثانية: أن يكفر بعد أن يحلف ويحنث فهذا يجزيه. الثالثة: أن يكفر بعد اليمين، وقبل الحنث فهل يجزئه أم لا؟ فيه قولان، والمشهور الإجزاء. وقد اختلف لفظ الحديث، فقدم الكفارة مرة وأخرها أخرى، ولكن بحرف الواو، وهى لا توجب رتبة. ومن منع الإجزاء رأى أنها لم تجب قبل الحنث فصارت كالتطوع، والتطوع لا يجزئ عن الواجب.

стр. 3012

(...) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا الصَّعْقُ - يَعْنِى ابْنَ حَزْنٍ - حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا زَهْدَمٌ الْجَرْمِىُّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِى مُوسَى وَهُوَ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. وَزَادَ فِيهِ قَالَ: " إِنِّى، وَاللهِ! مَا نَسِيتُهَا ". ــ قال القاضى ﵀: وقول أبى موسى فى الحديث فى الدجاج: " رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه "، وقول الآخر: " فرأيته يأكل قذرًا، فحلفت ألا آكل منه " الحديث: اختلف العلماء فيمن يأكل القذر والنجاسات من الحيوان (١)، هل يؤكل؟ فقال الطبرى: كان عمر لا يأكل الدجاجة حتى يقصرها أيامًا لأنها تأكل العذرة. قال: وغيره كان يتأول من الجلالة التى نهى النبى ﷺ عن أكلها. وكره الكوفيون أكل لحوم الإبل الجلالة حتى تحبس أيامًا. وقال الشافعى: أكره أكلها إذا لم تكن تأكل العذرة أو كانت أكثر أكلها، وإن كان أكثر أكلها غيره لم أكرهه. وأجاز أكل لحوم الجلالة وما يأكل الجيف من الطير وغيره مالك والليث. وكره ابن حبيب من أصحابنا أكله. وقوله: " أغفلنا رسول الله ﷺ يمينه ": بسكون اللام، أى: صيرناه غافلاً عنها، وكنا سبب ذلك إذ لم نذكره بها، إذ حسبوا أنه نسى يمينه، أى أخذنا منه ما أخذنا وهو غافل، فكنا سبب غفلته. يقال: أغفلت الرجل: إذا جعلته غافلاً أو سميه غافلاً، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ (٢). وذكر مسلم فى الباب حديث الصعق بن حزن (٣)، وهو بكسر العين، عن مطر الوراق (٤) عن زهدم. قال الدارقطنى: الصعق ومطر ليسا بالقويين، ولم يسمعه مطر من زهدم، وإنما رواه عن القاسم عنه، وهذا مما استدركه الدارقطنى (٥) على مسلم. ومسلم إنما أدخل حديثه لزيادته. وقوله فيه: " إنى والله ما نسيتها " يعنى اليمين. وأتى به متبعًا بعض الطرق الصحيحة

стр. 3013

١٠ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ، عَنْ ضُرَيْبٍ بْنِ نُقَيْرٍ الْقَيْسِىِّ، عَنْ زَهْدَمٍ، عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ. فَقَالَ: " مَا عِنْدِى مَا أَحْمِلَكُمْ، وَاللهِ مَا أَحْمِلُكُمْ،، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُوَلُ اللهِ ﷺ بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ بُقْعِ الذُّرَى. فَقُلْنَا: إِنَّا أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَلَا يَحْمِلَنَا، فَأَتَيْنَاهُ فَأَخبَرْنَاهُ. فَقَالَ: " إِنِّى لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، أَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلا أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ ". (...) حَدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى التَّيْمِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ عَنْ زَهْدَمٍ، يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: كُنَّا مُشَاةً، فَأَتَيْنَا نَبِىَّ اللهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ. بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ. ١١ - (١٦٥٠) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ، فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ، منْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ. ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَكَلَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا. فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ". ١٢ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكٌ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَليُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلْ ". ١٣ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ". ــ الكثيرة فى الحديث على ما شرطه، والكتاب على ما بيناه فلا نعقب عليه. وقوله: " عن ضُريب بن نُقير " مصغرين. ونقير هذا بالقاف أشهر، وهى رواية الصدفى والأسدى والتميمى من أشياخنا، وكذا قيدناه عنهم، وكان عند الخشنى بالفاء.

стр. 3014

١٤ - (...) وحدّثنى الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلدٍ، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلَالٍ - حَدَّثَنِى سُهَيْلٌ فِى هَذَا الإِسْنَادِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ: " فَليُكَفِّرْ يَمِينَهُ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ ". ١٥ - (١٦٥١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ رُفَيْعٍ - عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرفَةَ، قَالَ: جَاءَ سَائِلٌ إِلَى عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ، فَسَأَلَهُ نَفَقَةً فِى ثَمَنِ خَادِمٍ أَوْ فِى بَعْضِ ثَمَنِ خَادِمٍ، فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِى مَا أُعْطِيكَ إِلَّا دِرْعِى وَمِغْفَرِى، فَأَكْتُبُ إِلَى أَهْلِى أَنْ يُعْطُوكَهَا. قَالَ: فَلَمْ يَرْضَ. فَغَضِبَ عَدِىٌّ. فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ، لَا أُعْطِيكَ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ رَضِىَ. فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ، لَوْلَا أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ رَأَى أَتْقَى للهِ مِنْهَا، فَلْيَأْتِ التَّقْوَى " مَا حَنَّثْتُ يَمِينِى. ١٦ - (...) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، وَلْيَتْرُكْ يَمِينَهُ ". ١٧ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِىُّ - وَاللَّفْظُ لاِبْنِ طَرِيفٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمٍ الطَّائِىِّ، عَنْ عَدِىٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى الْيَمِينِ، فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْهَا، وَلْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ ". (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمٍ الطَّائِىِّ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ. ــ وقال لنا الحافظ أبو على: يقال بهما والقاف أشهر، وبالقاف ذكره أئمة المحدثين وأهل المؤتلفين بغير خلاف. وأما جبير بن نفير فلم يختلف أنه بالفاء. وضريب بن نقير هذا هو أبو السليل المذكور فى السند الآخر، وهو بفتح السين وكسر اللام.

стр. 3015

١٨ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِىٍّ بْنَ حَاتِمٍ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: تَسْأَلَنِى مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَأَنَا ابْنُ حَاتِمٍ؟ وَاللهِ، لَا أُعْطِيَكَ. ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ رَأَى خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ ". (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ تَمِيمَ بْنَ طَرَفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِىَّ بْنَ حَاتِمٍ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَزَادَ: وَلَكَ أَرْبَعُمِائَةٍ فِى عَطَائِى. ١٩ - (١٦٥٢) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِى رسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِيِنِكَ، وَائْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ ". قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْجُلُودِىُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَاسَرْجَسِىُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، بِهَذَا الحَدِيثِ. ــ وقوله فى حديث عدى بن حاتم: " أن رجلاً سأله مائة درهم، فقال: تسالنى مائة درهم وأنا ابن حاتم؟ والله لا أعطيك " الحديث. معنى قوله عندى: " وأنا ابن حاتم ": أى عرفت بالجود وورثته، ولا يمكننى رد سائل إلا لعذر. وقد سأله ويعلم أنه ليس عنده ما يعطيه حينئذٍ، فكأنه أراد أن يبخله؛ فلهذا قال له: " والله لا أعطيك "، إذا لم يعذره إذ أعلمه أنه ليس عنده شىء. وهذا الذى تأولناه يشهد له الحديث الآخر: أنه " سأله عن نفقة وثمن خادم، فقال له: ليس عندى ما أعطيك إلا درعى ومغفرى فأكْتب إلى أهلى أن يعطوكها ". وقوله فى الحديث الآخر: " لك أربعمائة فى عطائى " إذ لم يكن عنده ما يعطيه فلم يرضَ، فغضب عدى وقال: " والله لا أعطيك " الحديث. فهذا يدل أن قوله: " وأنا ابن حاتم " أى لا أمنع ذلك من بخل لما عرفت به من الجود، والله أعلم.
следующие страницы →