← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نا هشام بن حسان (١)، عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين. هذا الحديث مما تتبع على مسلم واستدرك، قال الدارقطنى: هذا لم يسمعه محمد بن سيرين من عمران فيما يقال، وإنما سمعه من خالد الحذاء عن أبى قلابة عن أبى المهلب عن عمران. ذكر ذلك ابن المدينى (٢). قال غيره: أخرج مسلم عن محمد بن سيرين عن عمران حديثين لم يصرح فيهما بسماعه منه، فهذا الحديث الذى عض يد رجل (٣)، وحديث: " يدخل الجنه سبعون ألفًا " (٤)، ويقول فى غير حديث: عن عمران، نبئت عن عمران.

стр. 3047

(١٣) باب جواز بيع المدبر ٥٨ - (٩٩٧) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ ، فَقَالَ: " مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّى؟ "، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: عَبْداً قِبْطِياً مَاتَ عَامَ أَوَّلَ. ٥٩ - (...) وحدّثناه أبو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يَقُولُ دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ غُلامًا لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَاعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ جَابِرٌ: فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ. عَبْدًا قِبْطِيًا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ، فِى إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. ــ وقوله: أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبى ﷺ ، فقال: " من يشتريه منى؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه، قال الإمام ﵀: مذهبنا بيع المدبر، خلافاً للشافعى فى إجازة بيعه تعلقاً منه بهذا الحديث، وقياساً على الموصى بعتقه أن له الرجوع فيه باتفاق. وقد تأول أصحابنا هذا الحديث على أنه كان مدياناً؛ ولهذا تولى ﷺ بيعه. وقوله هاهنا: " فدفعها إليه ": أراد به السيد. وقوله فى النسائى وأبى داود، أحدهما يرويه على نحو ما يقول الآخر، وفيه: فاحتاج مولاه فأمره ببيعه، فباعه بثمانمائة درهم، فقال رسول الله ﷺ : " أنفقها على عيالك، فإنما الصدقة عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول " (١)، فهذا كله يمتنع من تأويل أصحابنا أنه باعه بالدين. وعند الترمذى: " فمات ولم يترك مالاً غيره فباعه النبى ﷺ ، فاشتراه نعيم " وقال: هذا حديث حسن (٢). ونظن أنا قدمنا الكلام على هذا الحديث. قال القاضى ﵀: أجمع العلماء على جواز التدبير. وأنه ما لم يزد خارج من الثلث عند كافتهم (٣). وذكر عن بعض السلف أنه من رأس المال، وهو قول زفر

стр. 3048

(...) حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ فِى الْمُدَبَّرِ. نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِى الْحِزَامِىَّ - عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، عَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ - عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمِ، حَدَّثَنِى عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ. ــ والليث بن سعد. واختلف الناس فى بيع المدبر وفسخ تدبيره، فذهب بعضهم إلى ظاهر هذا الحديث وأنه كالموصى يعتقه لصاحبه أن يرجع فيه ويبيعه، احتاج أم لا، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور وداود، وقاله مجاهد وطاوس من السلف، وروى عن عائشة - رضى الله عنها - وروى عن الحسن وعطاء مثله إذا احتاج إليه سيده (١). وقال كافة العلماء والسلف من الحجازيين والكوفيين والشاميين: لا يباع المدبر، وقالوا: إنما باع النبى ﷺ هذا فى الدين (٢) لما روى فى الحديث من قوله له: " اقض به دينك " وأنه كان مديانًا. كذا ذكره أبو الحسن الدارقطنى والنسائى فى سننهما (٣). هذا حجة لتأويل المالكية ومذهبهم، ومفسر للحديث المجمل هنا، وأنه دفع ثمنه ليقضى به دينه. وأما تلك الزيادة الأخرى التى ذكر ﵀ عن أبى داود والنسائى من قوله: " فاحتاج الرجل " وقوله: " أنفقها على عيالك "، وعندهما: " إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن فَضَلَ فَضْلٌ فعلى عياله " غير مخالف لما تقدم، فبدايته بنفسه قضاء دينه، وما أخذه من ذلك لنفقة عياله. وأما رواية الترمذى: أنه كان مات، فقد ذكرها غيره، وغلط داود بها أئمة الحديث. وقال بعض علمائنا: إنما باعه النبى ﷺ على مشهور الأحاديث، وأما فى الصحيح أنه لم يكن له مال غيره ففسخ ذلك عليه كما فسخ صدقة أبى لبابة بجميع ماله، وقال: " يكفيك من ذلك الثلث "، وقد قدمنا اختلاف العلماء فيمن تصدق بماله كله، ومن رأى رده وهذا مثله. وقيل: بل كان تدبيراً معلقاً بالموت، مثل قوله: إن مت فى مرض فأنت حر. فكان هذا كالوصية التى يرجع فيها، واسم التدبير يقع عليه؛ لأنه عتق عن دبر من عمر الميت وانقضائه. وأصل التدبير والوصية من هذا. ومعنى العتق عن دبر: أى بعد الموت، ودبر كل شىء ودبره: آخره. والفرق

стр. 3049

ح وَحَدَّثَنِى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ مَطَرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، وَأَبِى الزُّبَيْرِ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ حَدَّثهُمْ فِى بَيْع الْمُدَّبَّرِ، كُلُّ هَؤُلاءِ قَالَ: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ. ــ عندنا بين التدبير والوصية بالعتق ذكر لفظ التدبير فى ذلك إذا لم يعلقه بشرط كقوله: أنت حر عن دبر منى أو دبرتك وأنت مدبر، أو مدبر بعد موتى ومما يعلم أنه قصد إيجاب العتق. واختلف عندنا إذا قال: أنت مدبر فأنت معتق وهو صحيح غير مريد لسفر، هل هى وصية أو هى تدبير متى يريد بها الوصية؟ ولم يختلفوا إذا قال ذلك عند سفر أو مرض أنها وصيته، وقيل: بل باعد النبى ﷺ ورد فعله لما بان من سفهه إذا لم يكن له مال غيره. قالوا وهو أصل فى رد أفعال السفهاء. وهذا عندى بعيد؛ إذ لو كان ذلك لم يصرف إليه النبى ﷺ ثمنه ولا مكنه منه، والأشبه أن النبى ﷺ فعل ذلك نظراً له إذ لم يترك لنفسه مالاً، ويكون حجة، إذ ليس للرجل أن يتصدق بماله كله وقد تقدم. قال الطبرى: وفيه أن للإمام أن يحمل الناس على ما فيه مصالحهم، ويبطل من أفعالهم ما فيه مضارهم. وفيه بيع الإمام على الناس أموالهم فى مصالحهم. وفيه جواز بيع السلعة ممن يريد، وهو قول كافة العلماء، بل وقع عليه الأن الإجماع بعد خلاف كان من بعضهم. وقوله: " فاشتراه نعيم بن عبد الله " وفى الرواية الأخرى: " فاشتراه ابن النحام " ونعيم نفسه هو النحام. هو نعيم بن عبد الله بن أسد قرشى عدوى. وهو النحام سمى بذلك لقول النبى ﷺ له: " دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة لنعيم ". والنحمة: الصوت، وقيل: هي السلعة، وقيل: هى النحنحة الممدود آخرها. واسم هذا الغلام: يعقوب، واسم مدبره وأبوه مذكور. ذكر ذلك فى تفسير الحديث فى رواية أبى داود وغيره.

стр. 3050

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٨ - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات (١) باب القسامة ١ - (١٦٦٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ - قَالَا يَحْيَى: وَحَسَبْتُ قَالَ - وَعَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ؛ أَنَّهُمَا قَالا: خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مُسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقَا فِى بَعْضِ مَا هُنَالِكَ. ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ وَحُوَيِّصَة بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ - وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ - فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَبِّرْ " - الْكُبْرَ فِى السِّنِّ - فَصَمَتَ. فَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ، وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَقْتَلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ. فَقَالَ لَهُمْ: " أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ؟ " - أَوْ قَاتِلَكُمْ - قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ: " فَتُبْرِئكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟ ". قَالُوا: وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَعْطَى عَقْلَهُ. ــ كتاب القسامة والديات والحدود ذكر مسلم حديث حويصة ومحيصة باختلاف ألفاظه وطرقه حين وجد محيصة ابن عمه عبد الله بن سهل قتيلاً بخيبر فى شربة نخل، وقول النبى ﷺ لأوليائه: " تحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم " وفى الأخرى: وتستحقون صاحبكم أو قاتلكم "، وفى الأخرى " يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع بُرُمَّته "، وفى حَدِيثِ مالك: فقال النبى: " إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يأذنوا بحرب من الله " فكتب إليهم رسول الله ﷺ فى ذلك، فكتبوا: والله ما قتلناه. فقال رسول الله ﷺ لحويصة وصاحبيه: " أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ". قالوا: لا والله، وفى الرواية الأخرى: كيف نحلف ولم نشهد؟ فقال: " فتبرئكم يهود بخمسين يميناً " فقالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أعطى عقله، وفى الحديث الآخر: " فوداه رسول الله ﷺ من عنده "، وفى رواية البخارى عن سعيد وعبيد، أن النبى ﷺ قال: " تأتون بالبينة على من قتله؟ " فقالوا: ما لنا بينة. قال: " فيحلفون ". قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره

стр. 3051

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسول الله ﷺ أَنْ يبطل دَمَهُ فوداه بمائة من إبل الصدقة (١). وقد ذكر مسلم طرقًا عن هذه الرواية مختصرة ولم يبهمهما، وهو مما انتقد عليه كما سنبينه فى موضعه بعدُ. وذكر البخارى - أيضاً - غير مسند؛ أن النبى ﷺ بعث إلى يهود: " أنتم قتلتم هذا؟ " قالوا: لا. قال: " أفترضون نفل خمسين من اليهود؟ " أى أيمانهم. قال: يبالون، أى يقتلوننا أجمعين ثم ينفلون. قال: " فتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ ". قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه رسول الله من عنده (٢). وذكر أبو داود وغيره نحوه (٣). وذكر مسلم حديثًا آخر: أن رسول الله ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه فى الجاهلية (٤)، وذكر أبو داود أنه ﵇ قتل بالقسامة رجلاً من بنى نصر (٥). قال القاضى ﵀: حديث القسامة المذكور أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة، والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأئمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين. وإن اختلفوا فى صورة الأخذ به. وروى التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القسامة ولا أثبتوا لها فى الشرع حكماً، وهو مذهب الحكم بن عيينة، ومسلم بن خالد، وأبو قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، وابن علية، والمكيين، وإليه ينحو البخارى، وروى عن عمر ابن عبد العزيز مثله (٦). وروى عنه - أيضاً - الحكم بها. واختلف قول مالك فى جواز القسامة فى قتل الخطأ (٧). ثم اختلف القائلون بها فى العمد هل يجب بها القتل والقصاص والدية فقط؟ فمذهب معظم الحجازيين إيجاب القود والقتل بها إذا كملت شروطها وموجباتها، وهو قول الزهرى وربيعة وأبى الزناد ومالك وأصحابه والليث والأوزاعى وأبى ثور وأحمد وإسحاق وداود والشافعى فى أحد قوليه، وروى ذلك عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز (٨). قال أبو الزناد: وقلنا بالقسامة، وأصحاب رسول الله ﷺ متواترون، لأنى لأرى أنهم ألف رجل، فما اختلف منهم اثنان. وقال الكوفيون وإسحاق والشافعى - فى قوله الآخر -: إنما تجب فيها الدية وهو قول

стр. 3052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحسن البصرى والحسن بن جنى (١)، وعثمان البتى، والنخعى، والشعبى، وروى عن أبى بكر، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، ومعاوية - رضى الله عنهم. ثم اختلفوا - أيضاً - فى المبدأ - بالأيمان. من هم؟ فمعظم القائلين بالقود أخذ بالمشهور من تقديم الأولياء وترتيب القسامة على ما جاء فى الحديث، وحجتهم هذا الحديث ومجيئه من طرق صحاح لا تدفع. وفيه تبدئة المدعى، ثم ردها حين أبى على المدعى عليهم. واحتجوا - أيضاً بالحديث الآخر من رواية أبى هريرة عنه ﵇ " البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليهم إلا القسامة " (٢). ويقول مالك: الذى اجتمعت عليه الأئمة فى الحديث والقديم أن المدعين يبدؤون فى القسامة (٣)، واحتجوا بأن جنبة المدعى إذا قويت بشهادة أو شبهة قوية صارت اليمين له وها هنا الشبهة قوية، وقالوا: هذه شُبْهة بحيالها، وأصل قائم لحياة الناس، وردع المعتدين والدعاوى فى الأموال على سنتها أيضاً، فكل أصل يتبع ويستعمل ولا يطرح بسنة لسنة إن شاء الله، وعللوا رواية من روى تَبْدِئة المدعى عليهم بقول أهل الحديث: إنه وهم من رواته، وأنه أسقط تبدئة المدعين إذ لم يذكر رد اليمين، وأيضاً فإن زيادة تبدئة المدعين فى هذه الأحاديث الأخر والروايات الصحاح والزيادة مقبولة معمول بها لا يضرها من لم يثبتها، وهى تقضى على من لم يعرفها. وقال كل من قال بالدية وإسقاط الدم بتبدئة المدعى عليهم إلا أحمد والشافعى فى أحد قوليه بترك القود وإيجاب الدية، فإنهما على ما عليه الجمهور من الأخذ بمساق الحديث المشهور فى تبدئة المدعى وردها إن أبوا على المدعى عليهم. وقد قال بهذا القول الكوفيون وكثير من البصريين، والمدنيين، والأوزاعى وروى عن الزهرى، وعن عمر بن الخطاب. ثم اختلفت مذاهب القائلين بتبدئة المدعى عليهم، فقال الأوزاعى - فقيه الشاميين: يستحلف من أهل الفدية خمسون رجلاً خمسين يميناً: ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً، فإن حلفوا بروا، وإن نقضت قسامتهم حلف المدعون على رجل واحد واستحقوا. فإن نقضت قسامتهم أو نكل منهم واحد عادت عقلاً (٤). ومثل هذا فى التبدئة وردها قول الزهرى، إلا أنه لا يرى فى هذا القول قوداً بل إذا حلف المدعون كانت دية، وإن نكل منهم واحد فلا شىء، ونحوه قول الحسن البصرى. وقال عثمان البتى: يبدأ المدعى عليهم، فإن حلفوا فلا شىء عليهم غير ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثورى ومعظم الكوفيين والبصريين: يحلف المدعى عليهم ويؤدون

стр. 3053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدية، ورووا أن بهذا قضى عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فإذا لم يحلفوا سجنوا حتى يحلفوا، وهو قول زفر والحسن بن جنى. واتفقوا كلهم أنها لا تجزئ بمجرد دعوى الأولياء حتى يقترن بها شبهة يغلب الظن بالحكم بها. واختلفوا فى الشبهة الموجبة للقسامة، وصورتها سبعة وجوه: إحداها: قول المقتول: دمى عند فلان، وهو قتلنى أو ضربنى وإن لم يكن به أثر أو فعل فىّ هذا من إنفاذ مُقَاتِلى، أو جرحنى، ويذكر العمد فى ذلك، فهذا موجب للقسامة عند مالك والليث، وقال مالك: إنه مما اجتمع عليه الأئمة فى الحديث والقديم، وروى عن عبد الملك بن مروان ولم يقل به من فقهاء الأمصار غيرهما ولا روى عن سواهما وخالفهما فى ذلك سائر العلماء ولم يروا بهذا قسامة. وذهب بعض أصحابنا لهذا بأن تلك حالة من القتل يطلب فيها الغفلة والاستتار، وأن المرء عند الموت غالباً يتحرى الصدق ورد المظالم والتزود من البر ويبعد عن غيره، واحتج - أيضاً - مالك فى ذلك بقصة البقرة (١)، وبقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ (٢) فحيى الرجل فأخبر بقاتله. وهل يكتفى فى الشهادة على قوله بشاهد واحد؟ فيه قولان. الوجه الثانى: اللوث من غير البينة القاطعة على معاينة القتل، وبهذا قال مالك والشافعى والليث. ولم يختلفوا أن الشاهد الواحد العدل والجماعة من لفيف الناس وإن لم يكونوا عدولاً لوث. واختلف قول مالك فى الواحد غير العدل وفى المرأة، هل هى لوث أم لا (٣)؟ وجعل الليث وربيعة ويحيى بن سعيد شهادة العبيد والصبيان والذميين لوثاً. وقال بعض أصحابنا بشهادة العبيد والصبيان وأباه أكثرهم. الوجه الثالث: شاهدان على الجرح ويحيا المجروح بعده حياة بينة ثم يموت قبل أن يفيق منه، وبه قال مالك وأصحابه والليث. واختلف عندنا هل يجب بالشاهد الواحد على الجرح قسامة أم لا يجب إلا شاهدين وهو الأصح؟ ولم ير الشافعى وأبو حنيفة فى هذا قسامة ورأوا به القصاص إذا ثبت بشاهدين. الوجه الرابع: وجود المتهم عند المقتول أو قربه أو آتياً من جهته، ومعه آلة القتل

стр. 3054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعليه أثره من التلطخ بالدم وشبهه. فهذا لوث عند مالك فى رواية ابن وهب. فقاله ابن عبد الحكم، وقال الشافعى نحوه قال: وذلك إذا لم يكن هناك أحد ولا وجد به أثر سبع. قال: ومثله لو وجد فى بيت أو صحراء أو دار ليس فيها أحد سواهم يتفرقون عن قتيل، فهذا كله شبهة توجب القسامة. الوجه الخامس: الفئتان يقتتلان فيوجد بينهما قتيل، ففيها عندنا روايتان: الأولى: جواز القسامة بمثل هذا لأوليائه على من يدعون عليه منهما، أو من يدعى عليه المقتول، كان منهما أو من غيرهما. والأخرى: أنه لا قسامة فيه فى هذه الوجوه، وفيه الدية على الطائفة التى نازعت طائفته إن كان منهما، أو عليهما إن كان من غيرهما، وبالقسامة فى هذا قال الشافعى. وقال أحمد وإسحاق: عقله على الفئة المنازعة، فإن عينوا رجلاً ففيه القسامة. الوجه السادس: الميت فى مزاحمة الناس. فقال الشافعى: تثبت بذلك القسامة، ويكون فيه الدية. وعند مالك هو هدر. وقال إسحاق والثورى: ديته على بيت المال، وروى مثله عن عمر وعلى. وقال الحسن والزهرى: ديته على من حضر. الوجه السابع: أن يوجد فى محلة قوم أو قبيلهم أو مسجدهم. فعند مالك والشافعى والليث وأحمد وداود وغيرهم: أنه لا يستحق بهذا بمجرده قسامة. والقتيل هدر لأنه يقتل الرجلُ ويلقيه فى محلة القوم ليلطخهم به. قال الشافعى: إلا أن يكون بمثل القصة التى حكم فيها النبى ﷺ فى خيبر، فيجب فيها القسامة من العداوة، وأنه لم يكن هناك سواهم، فإن خيبر كانت باليهود مختصة، والعداوة بينهم وبين الأنصار ظاهرة وخرج عبد الله بعد العصر فوجد قتيلاً قبل الليل. وقال نحوه أحمد بن حنبل. وقد تأول النسائى هذا على مذهب مالك. وذهب أبو حنيفة والثورى ومعظم الكوفيين إلى أن وجود القتيل فى القرية والمحلة يوجب القسامة، ولاسبب عندهم من الوجوه السبعة المتقدمة يوجب القسامة سواها؛ لأنها عندهم الصورة التى قضى فيها النبى ﷺ بالقسامة، فيحلف فيه خمسون رجلاً خمسين يميناً ووجبت عليهم الدية على ما تقدم من مذهبهم فى صفة العمل بها عندهم، وذلك إذا وجد القتيل وبه أثر، وإلا فلا قسامة فيه. فإن وجد القتيل فى المسجد حلف أهل المحلة والدية على بيت المال، وذلك كله إذا ادعوا على أهل المحلة. وقال الأوزاعى: وجود القتيل فى المحلة يوجب القسامة وإذا لم يكن به أثر على ما تقدم من مذهبه. وقال داود بنحوٍ من هذا أو قال لا أقضى بالقسامة فى شىء إلا فى الدعوى فى العمد دون الخطأ على أهل القرية الكبيرة أو المدينة وهم أعداء المقتول. قال الإمام ﵀: اختلف الناس فى أيمان القسامة، من يبدأ بها؟ فعند

стр. 3055

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مالك والشافعى أولياء الدم (١). وعند أبى حنيفة: المطالبون بالدم يحلفون وتكون الدية على من أسس المحلة (٢). واحتج أصحابنا عليه بهذا الحديث. وقد قال ﷺ : " أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ " قالوا: لا. قال: " فتحلف لكم يهود ". ولا معنى لقولهم: قد يحمل هذا اللفظ على النكير أن يخطر ببالهم أن يحلفوا لأنه خلاف ظاهر اللفظ، وقد قال فى بعض طرقه: " يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته "، ومثل هذا لا يكون فى ألفاظ النكير وإن تعلقوا فى مقابلة هذا بما وقع من تبدئة اليهود. قلنا: لعل الراوى اختصر ذكرهم، والزيادة من العدل تقبل. وإذا ثبت القول بالقسامة فاختلف الناس - أيضاً - هل يستحقون بها إراقة الدم أو الدية؟ ومذهبنا أنه يستحق بها إراقة الدم، وقد وقع فى بعض طرقه: " وتستحقون قاتلكم، وفى بعض طرقه: " دم صاحبكم "، ولا يصرف هذا للقتيل لأن دمه قد فات. وهكذا يمنعهم من حمل قوله: " تستحقون صاحبكم " على أن المراد به دية صاحبكم؛ لأن هذا خلاف الظاهر. وقوله فى بعض طرقه: " إما أن يبدأ صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب " معناه أن الدية وجبت باعترافهم أو بالقسامة وإذا استثنى مما وجب فلا شك أنهم يؤذنون بحرب. والقسامة إذا وجبت عندنا فإنما تجب باللوث، وهو الشاهد العدل يشهد بالقتل. واختلف فى الشاهد الفاسق وفى المرأة هل يلوثان لوثاً أم لا؟ (٣) وقول القتيل: دمى عند فلان لوث عندنا. ومن منع من كونه لوثًا قياسًا على سائر الدعاوى أنها لا تقبل ممن يدعيها، أجبناه: بأن هذا أصل قائم بنفسه، ومن يتحقق مصيره للآخرة وأشرف على الموت فلا يتهم فى إراقة دم ظلماً وعليه الظن فى هذا، فتترك منزلة غلبة الظن فى الشاهد. لكن لو ادعى قتل الخطأ حتى صار إنما يدعى مالاً؛ لكان الأصح من القولين عندنا أنه لا يقسم مع دعواه. كيف وأصل القسامة فيه اضطراب؟ وكان شيوخنا المحققون يضعفونها، وقد نبهناك على ما وقع فى الحديث من الاضطراب. ووجود القتيل فى المحلة ليس بلوث عندنا، خلافاً لمن رآه لوثاً تعلقاً بظاهر الحديث، لكن قد يظهر من القرائن عندنا ما يقوم مقام الشاهد، كرجل وجد قائماً على القتيل بيده آلة القتل، وهو متخضب بدمه على هيئة القاتل، فهذا يكون عندنا لوثاً. قال ابن مسعدة: قلت للنسائى: مالك لا يقول بالقسامة إلا بلوث وهذا الحديث لا لوث فيه فلم قال به؟ فقال النسائى: فى الحديث ذكر العداوة بينهم وبين اليهود، فأنزل

стр. 3056

٢ - (...) وحدّثنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ؛ أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ، فتَفَرَّقَا فِى النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ. فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيَّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِى أَمْرِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَبِّرِ الْكُبْرَ "، ــ مالك اللوث وقول الميت بمنزلة العداوة. وعندى أن الأظهر فى الجواب أن يقال: قد سلمنا أن القرائن تقوم مقام الشاهد، فقد يكون قام من القرائن ما دل على أن اليهود قتلوه وإن جهل عين القاتل، ومثل هذا لا يبعد إثباته لوثاً وأجرى حكم القسامة فيه. قال القاضى ﵀: قوله: " يحلف خمسون منكم خمسين يميناً " يبين معنى قوله: " يحلفون "، وأن الأيمان لا تكون أقل من خمسين، وأنها لا يحلفها واحد وإنما يحلفها خمسون من أولياء المقتول، كل واحد يمين، فإن كانوا دون هذا العدد، أو نكل بعضهم ولم يكن ممن يجوز عفوه، أو صرف اليمين إلى غيره، ردت الأيمان عليهم حتى يتموا خمسين يميناً. ويجزئ فى ذلك رجلان، ولا يحلف فى قتل العمد أقل من اثنين. هذا مشهور مذهب مالك (١)، وعنه أن الأولياء إن كانوا أكثر من خمسين حلفوا كلهم يميناً يمينًا، ولا يحلف فى ذلك عنده إلا الرجال البالغون من أوليائه ومن يستعينون به من عصبته، وهذا كله فى العمد، وبهذا قال الليث وربيعة والثورى والأوزاعى وأحمد وداود وأهل الظاهر (٢)، وأنه لا يقسم النساء ولا الصبيان. قال مالك: وأما فى الخطأ فإنما يحلف الورثة على قدر مواريثهم، ذكراناً كانوا أو إناثًا، إلا أنه إن لم يكن من الورثة إلا رجل واحد حلف الأيمان كلها فى الخطأ بخلاف العمد، وإن كن نساء حلفن الأيمان كلها، وكذلك امرأة واحدة أو وارث واحد لو حضر وغاب من بقى حلف جميع ذلك، واستحق حقه. ولا يستحق أحد منهم ميراثه إلا بعد أن يحلف فى القسامة خمسين يميناً من جميعهم إن حضروا، أو يحلف من حضر منهم جميعها ويستحق حقه، فإن جاء من غاب حلف ما كان يجب عليه لو حضر بحسب ميراثه من نصف الأيمان أو ثلثها أو سدسها (٣). وقال الليث: لا ينقص من ثلاث أنفس. وقال الشافعى: لا يحلف فى العمد ولا فى الخطأ إلا أهل الميراث على قدر مواريثهم، ولا يحلف على مال من لا يستحق (٤)، وهو قول أبى ثور وابن المنذر، وهذا على قوله: لا قود فى القسامة، وإنما هى دية. وقوله فى الراوية الأخرى: " يحلفون على رجل منهم فيدفع إليكم برمته ": حجة

стр. 3057

أَوْ قَالَ: " لِيَبْدأ الأَكْبَرُ "، فَتَكَلَّمَا فِى أَمْرِ صَاحِبِهِمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟ ". قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ. قَالَ: " فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ. قَال: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهُ. قَالَ سَهْلٌ: فَدَخَلْتُ مِرْبَدًا لَهُمْ يَوْمًا، فَرَكَضَتْنِى نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ رَكْضَةً بِرِجْلِهَا. قَالَ حَمَّادٌ: هَذَا أَوْ نَحْوهُ. (...) وحدّثنا الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ بُشَيْرِ ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، نَحْوَهُ. وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ: فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ. وَلَمْ يَقُلْ فِى حَدِيثِهِ: فَرَكَضَتْنِى نَاقَةٌ. ــ أنه فى المقود، ومفسر لقوله فى الروايات الأخر: " دم صاحبكم "، وكذلك قوله: " وتستحقون قاتلكم " بين أيضاً. وفيه أن القسامة إنما تكون على واحد. وقال أحمد بن حنبل - وهو مشهور قول مالك -: يقتل ويسجن الباقون عاماً، ويضربون، بعد أن يحلفوا خمسين يميناً. وروى عنه - أيضًا - أنه يقسم على الجماعة، ويختارون واحداً فيقتل. وقال أشهب: يحلفون على ماشاؤوا ولا يقتلون إلا واحداً، وبه قال ابن شريح من أصحاب الشافعى، لكنه يقول: يؤخذ من الباقين ما يصيبهم. وقال الغيرة: يقسم على الجميع ويقتلون بالشهادة القاطعة. كذا حكى عنه بعضهم، وحكى آخرون عنه أن يقسم مع كل واحد منهم مفرداً، ويقتل حين يتموا. وقال الشافعى فى قوله القديم: إذا ادعوا على جماعة أقسموا عليهم وقتلوهم. وبقوله: " ويستحقون ": دليل أنه لا يحلف الأجانب إلا من له حق فى الدم أو فى المال، وبه احتج الشافعى أنه لا يحلف إلا الورثة الذين يستحقون المال على قوله الآخر. وقولهم: " كيف يحلف ولم يشهد؟ " مفسرة للألفاظ الأخر فى امتناعهم من اليمين فى الأحاديث الأخر، وأن علة ذلك أنهم لم يحققوا تنزهاً عن اليمين بما لم يحققوا. وفيه دليل أن أيمان القسامة إنما يكون على العلم والقطع. وفيه أنه لا يجب أن يحلفها الحالف إلا بعد تحقيق بعلم معاينة أو خبراً أو صحة دليل إن كان غائباً لأن الأيمان فى الحقوق كالشهادة عند العلماء، فمرة تكون الشهادة بالمعاينة والمشاهدة، ومرة تكون بالدليل ويقع عليها بالخبر المتواتر، وقرائن أحوال يقع بهما تحقيق الشهادة، فكذلك هنا. وليس أحد من أهل العلم يجيز لأحد أن يحلف على ما لم يعلم أو يشهد بما لم يعلم، ولكنه قد

стр. 3058

(...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِى الثَّقَفِىَّ - جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. ــ يحلف ويشهد على ما لم ير ويشاهده إذا تحقق علمه بطريق العلم التى يصح وقوعها به، كما يحلف الصبى إذا كبر، والغائب فى ميراثه. وإذا لم يعلم لم يحل له أن يحلف. وفى إقرار النبى ﷺ لهم على قولهم هذا واعتزازهم به حجة لما قلناه. وقوله: " فتحلف لكم يهود ": ظاهر فى رد الأيمان عليهم، وحجة فى أن من وجبت عليه يمين فى دعوى، فنكل فيها، أن المدعى لا يستحق بالنكول شيئًا حتى يرد اليمين عليه، وهو قول مالك والشافعى، وروى عن عمر وعثمان وجماعة من السلف. وقال أبو حينفة والكوفيون وأحمد بن حنبل: يقضى له دون رد اليمين يمين. وقال ابن أبى ليلى: يؤخذ باليمين. وفى الرواية الأخرى: " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم " أى تبرئكم براءة أنفسهم ودعواكم عليهم. فيه أن الأيمان إذا ردت على المدعى خمسون رجلاً خمسين يميناً أيضًا ولا يحلفها واحد، وهذا حجة لمالك فى مشهور قوله فى موطئه (١) وغيره أنه يحلف من أولياء المدعى عليه خمسون رجلاً خمسين يميناً، إلا ألا يبلغوا العدد فترد عليهم خمسين يميناً، ولا يحلف منهم أقل من اثنين. ولا يحلف معهم المدعى عليه فى رواية ابن القاسم وابن وهب عنه، وإنما يحلف هو إذا لم يجد من يحلف معه، فيحلف خمسين يميناً وهو قوله فى الموطأ، وفى الرواية الأخرى لمطرِّف عنه: " لا يحلف من ولاه المدعى عليهم أحد، وإنما يحلفون هم بأنفسهم - كانوا واحداً أو جماعة - خمسين يميناً يبرون بها أنفسهم، وهو قول الشافعى قال: يحلف كل واحدٍ خمسين، وهو رواية مطرف عندى على ما نطمئن فى الموطأ. وقال المغيرة وعبد الملك وغيرهما: للمدعى عليهم أن يستعينوا من أوليائهم بمن يحلف معهم، وقال فى الموطأ: إذا كان المدعى عليهم يقرأ لهم عدد حلف كل واحد منهم خمسين يميناً ولا تقطع الأيمان عليهم، وهذا هو الأصل، كما لم يستحق دم أحد بالقسامة إلا بالخمسين فلا يبرئه إلا خمسون يميناً، إما أن يحلفها أولياؤه عنه، أو يحلفها المدعى عليه عن نفسه. وأما الكوفيون فيحلفون هنا المدعى عليهم من أهل المحلة والقرية فقط على ما تقدم خمسين خمسين يمينًا إلا ألا يبلغوا العدد فترد الأيمان عليهم، وإن لم يكن إلا واحداً حلفها

стр. 3059

٣ - (...) حدّثنا عبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلَ بْنِ زَيْدٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارَيَّيْنِ، ثُمَّ مِنْ بَنِى حَارِثَةَ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ فِى زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهِىَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، وَأَهْلُهَا يَهُودُ، فَتَفَرَّقَا لِحَاجَتِهِمَا. فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَوَجَدَ فِى شَرَبَةٍ مَقْتُولاً، فَدَفَنَهُ صَاحِبُهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَدِيْنَةِ، فَمَشَى أَخُو الْمَقْتُولِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ، فَذَكَرُوا لِرَسُولَ اللهِ ﷺ شَأْنَ عَبْدِ اللهِ، وَحَيْثُ قُتِلَ. فَزَعَمِ بُشَيْرٌ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: " تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟ " - أَوْ صَاَحِبَكُمْ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَهِدْنَا وَلا حَضَرْنَا، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: " فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ؟ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَزَعَمَ بُشَيْرٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَقَلَهُ مِنْ عِنْدِهِ. ٤ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ ابْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بَنِى حَارِثَةَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ، انْطَلَقَ هُوَ وَابْنُ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهُ: مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ اللَّيْثِ. إِلَى قَوْلِهِ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ. ــ ولزمه الدية مؤسسو المحلة وبأنها حاضراً كان أو غائبًا بقيت فى ملكه أو خرجت عنه، فإن لم يكن حياً وجبت على السكان كانوا مالكيها أو غير مالكيها. وقال أبو يوسف: الدية على السكان فى جميع الأحوال. واختلف الكوفيون إذا لم يحلفوا، فقال أكثرهم: يسجنون. وقال أبو يوسف: لا يسجنون. وقال البتى: إذا حلفوا لم يلزمهم شىء وإن نكلوا أدوا الدية. وقوله: " فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ أعطى عقله " وفى الرواية الأخرى: " وداه من عنده " قيل ذلك لأنه ﵇ لما لم يحلفوا ولم يُحَلَّفوا وتنزهوا عن اليمين لما لم يحضروه، فلم يروا إلزامها الخيبريين حذروا مجاهرتهم لله - تعالى - بالحنث فيها لكفرهم، وأنه يكون سببًا لحفزهم على اغتيال المسملمين إذا علموا أنهم يحلفون لا غير، ولم يتوجه لهم حكم، أرضاهم النبى ﷺ تفضلاً منه بأن وداه من عنده أو من بيت المال. وقيل: بل فعل النبى ﷺ لما خشى أنه يبقى فى نفوس المسلمين على أهل خيبر، فلهم ذمة مما تتقى عاديته، فرأى من المصلحة قطع ذلك وحسم الطلب بما أعطاهم.

стр. 3060

قَالَ يَحْيَى: فَحَدَّثَنِى بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى سَهْلُ بْنُ أَبِى حَثْمَةَ، قَالَ: لَقَدْ رَكَضَتْنِى فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ بِالْمِرْبَدِ. ٥ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ الأَنْصَارِىُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ نَفَرًا مِنْهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلاً. وَسَاقَ الْحَدِيثِ. وَقَالَ فِيهِ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ. ٦ - (...) حدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى أَبُو لَيْلَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ. فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ فِى عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ. فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ، وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاللهِ، مَا قَتَلْنَاهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمِ عَلَى قَوْمِهِ. فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ. ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ - وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، ــ وما روى فى الحديث الآخر. " فوداه من إبل الصدقة " قيل: هو غلط؛ إذ ليس هذا مصرف الصدقات. والأصح والأكثر قول من قال من قبله أو من عنده، إما من ماله أو من مال الفىء، وقيل: يجمع بينهما أن يستلف ذلك من الصدقة حتى يؤديها لمستحقها من الفىء، وإذا قلنا على التأويل الآخر أنه المصلحة، فقد يجوز تفريقها فى مثل هذا. قال بعض العلماء: فى المصالح العامة، وقيل أيضًا: إذ قد يكون فيما فعل من ذلك استئلافاً لليهود رجاء إسلامهم وأعطاه عنهم فيكون من سهم المؤلفة قلوبهم، أو يكون أولياء القتيل بجامع ممن يتاح لهم الصدقة. وفى هذا الحديث من الفقه وأن أهل الذمة إن منعوا حقًا وجب حربهم، لقوله: " إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب من الله ". وفيه أنهم إذا اغتالوا المسلمين وأمراءهم انتقضت ذمتهم. ولعل قوله ﵇ لهم هذا بمعنى: إن ثبت عليهم لا بمجرد الدعوى. وفيه جواز اليمين على ما يغلب على الظن الغلبة القوية التى يقوم مقام اليقين، كقول عبد الله: " أنتم والله قتلتموه " إذا لم يكن فى خيبر سواهم. وفيه الحكم بين المسلم والكافر بحكم الإسلام.

стр. 3061

فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِى كَانَ بِخَيْبَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمُحْيِّصَةَ: " كَبِّرْ. كَبِّرْ " - يُرِيدُ السِّنَّ - فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ؟ ". فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فِى ذَلِكَ. فَكَتَبُوا: إِنَّا، وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَحْمَنِ: " أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ " قَالُوا: لا. قَالَ: " فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ " قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ. فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ منْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ. ــ وقوله: " كبر كبر " وفى الرواية الأخرى: " الكبر الكبر "، قال الإمام ﵀: معناه: أن يبدأ بالأكبر: ومنه حديث أبى الزناد: " دعا بالكبر فنظروا إليه ": أى بالمشايخ. قال القاضى ﵀: هو مفسر فى الحديث. قال: يريد السن فى الحديث الآخر: " ليبدأ الأكبر " لأن المتكلم أولاً كان محيصة وكان الأصغر، وإنما تقدم فى الكلام؛ لأنه الذى حضر القصة وشاهدها والخارج لخيبر مع عبد الله القتيل، ولم يحضر حويصة بخيبر، فلما أتو المدينة أتى رسول الله ﷺ مع قومه، وهذا كله مفسرٌ فى الحديث نفسه، هذا على رواية مالك، وأما على رواية غيره فإن البادئ بالكلام غير عبد الرحمن بن سهل أخو المقتول، وكان أصغرهم، وتقدم لقرباه، وأنه ولى الدم. والآخران أبناء عمه وعصبته، فيحتمل أنهما جميعاً أرادا الكلام واحداً بعد آخر، ألا تراه كيف قال هنا: فصمت فتكلم صاحباه، فأمر النبى ﷺ أن يتقدم الأكبر - وهو حويصة - إما لفضيلة السن، أو لفضيلة أخرى قارنتها. وفضيلة السن لا تنازع فيها إذا استوت الأقدام وأشكلت المراتب، ولذلك جاء فى الحديث فى الإمامة: " فإذا استووا فأسنهم " (١). ففى هذا الحديث مراعاة السن والتقديم للأشياخ والكبراء فى الكلام وفى الجماعة فى محافل الناس وأمورهم، إذا كانت القضية تخص جميعهم لكونهم أولياءه، وكذلك يجب فى التقديم فى الأمور والولايات وغيرها مع استواء الأحوال. ويقال: حويصة ومحيصة بتشديد الياء وسكونها. وقوله: " لقد ركضتنى منها فريضة من تلك الفرائض "، قال الإمام ﵀: الفريضة هنا: الناقة الهرمة وهى - أيضاً - الفريض والفارض والفارضة. وقد فرضت تفرض بفتح الراء فى الماضى وضمها فى المستقبل.

стр. 3062

فَقَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِى مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ. ٧ - (١٦٧٠) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب - أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللهِ ﷺ مِنَ الأَنْصَارِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِى الْجَاهِلِيَّةِ. ــ قال القاضى ﵀: ليس المراد بها هذا المسنة ولا هى لها ها هنا، وإنما المراد بها هنا: ناقة من النوق المفروضة فى الدية، كما قال فى الحديث الآخر. ويسمى ما يؤخذ فى الدية والصدقة فرائض؛ لأنها واجبات مقدورات الأسنان والأعداد. قال نفطويه: الفرض: التوقيت. وكل فرض واجب مؤقت فهو مفروض، والفرض: العلامة. وقال غيره: ومنه قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (١) أى مؤقتاً، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَة﴾ (٢)، وفرض الحاكم النفقة للمرأة: اذا قطع لها وقدرها، وفرضت الرجل فى مال الفىء: أى جعلت له فيه شيئاً مؤقتاً، ففرائض الزكاة والديات فى هذا. ويُصحح ما قلناه قوله: " فريضة من تلك الفرائض "، فقد سميت جممعها فرائض، وفائده ذكر هذا ليبين أنه ضبط الحديث وعقله؛ لأنه كان حينئذ صغيراً. وقوله: " فوجد فى شربة "، قال الإمام ﵀: هو حوض فى أصل النخلة، وجمعه شرَب، بفتح الشين والراء. وقوله: " فى عين أو فقير ": الفقير: البئر القريبة القعر الواسعه الفم. قال القاضى - رحمه الله تعالى -: الخقير - أيضاً - قعير النخلة، وهو حفرة غمر للفسيلة حولها إذا حولت، وهذا الشبه لموافقته رواية الشرَبة. والفعير - أيضاً - فم القناة، وهو حفير يتخذ للسرب الذى يجعل للماء تحت الأرض كفم البئر فذلك الفقير. قال الإمام ﵀: " وقولهم: من جهد أصابهم ": الجهد، بفتح الجيم: الشدة والمشقه، وبالضم: غاية الطاقة والمقدرة. وقد تفتح الجيم أيضاً. قال القاضى ﵀: والعقل: الدية. وقوله: " فى مربد ": المربد: الموضع الذى يجتمع فيه الإبل وتحبس. والربد: الحبس. وقوله: " فيدفع برمته ". أى بحبله الذى فى عنقه الذى يلتف به ويربط، أى يسلم

стр. 3063

٨ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَزَادَ: وَقَضَى بهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فِى قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ. ــ بذلك إلى أولياء القتيل ليقتلوه. وقيل: هل هو تجوز من القول واستعارة؟ وأصله من الحبل الذى يجعل فى رأس البعير ليقاد به، يقال: أخذت الشىء برمته: أى كله. قوله: " خرجنا إلى خيبر وهى يومئذٍ صلح " يشير بعد فتحها وإبقاء اليهود بها، وإنما كان صلحهم على ما صالحوا منها على تسليمها وتخليص منهجهم. وأبقاهم النبى ﷺ بَعْدُ للعمل، على ما تقدم ويأتى بعد، وإنما أراد بهذا أنه كانت تجرى عليهم أحكام الإسلام حين لم يكونوا حربًا. وفيه أن القسامة فى الدعوى على أهل الذمة تعين على المسلمين. فأما إن كان المدعى ذمياً فهل فيه قسامة؟ فقد اختلف عندنا فيه. فقال مالك فى ذلك: يقسم، ولأنه على قوله: ويستحقون الدية. وقال غيره من أصحابه: يحلف المسلم المدعى عليه خمسين يميناً ويبرأ، ولا تحمل العاقلة ديته، وأما الشاهد الواحد على القتل؛ فعندنا فيه وجهان أيضاً. قال مالك: يحلف ولاته خمسين يميناً واحدة ويستحقون الدية من ماله فى العمد، ومن عائلته فى الخطأ. وقال غيره: يحلف المدعى عليه خمسين يميناً، ويجلد مائة ويسجن عاماً (١). قال الإمام ﵀: خرج مسلم فى هذا الحديث عن ابن نمير قال: حدثنى أبى، نا سعيد بن عبيد، نا بشير بن يسار (٢). وكذا قال أبو حاتم الحديث. قال بعضهم: وقع فى نسخة أبى العلاء بدل " سعيد بن عبيد ": " سعد بن عبيد " بسكون العين، والمحفوظ فيه سعيد، بكسر العين وباء بعدها. قال القاضى: قال البخارى (٣): سعيد بن. عبيد أبو الهذيل الطائى كوفى عن على بن أبى ربيعة، وبشير بن يسار. وكذا قال أبو حاتم الدارقطنى والكلاباذى، والحاكم، وذكروه كلهم فى باب سعيد، ولم يذكروا فيه خلافاً. قال القاضى ﵀: وهذا الحديث مما انتقد على مسلم، وذلك أنه ذكره مختصراً بأثر حديث يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار، وقال: وساق الحديث ونبه فيه

стр. 3064

(...) وحدّثنا حَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ ابْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ــ على خلافه فى قوله آخراً: " فوداه رسول الله ﷺ من إبل الصدقة " ولم ينبه على مخالفته إياه فى تبدئة المدعى عليهم كما ذكرتاه قبل من رواية البخارى فى هذا الحديث عن سعيد بن عبيد. وظاهر قوله وسياق الحديث يوهم أنه بمثل ما تقدم من حديث يحيى فى تبدئة المدعين.

стр. 3065

(٢) باب حكم المحاربين والمرتدين ٩ - (١٦٧١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةَ فَثَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا "، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالوا عَلَى الرُّعَاةِ فَقَتَلُوهُمْ، وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ ، فَبَعَثَ فِى أَثَرِهِمْ، فَأُتِىَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ فِى الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا. ــ كتاب الحرابة وقوله فى حديث العرنيين: من الذين قدموا المدينة فاستوخموها، وسقمت أجسامهم فأمرهم النبى ﷺ بالخروج إلى إبل الصدقة، وأنهم صحوا، فمالوا على الرعاة قتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله ﷺ فبعث النبى ﷺ فى أثرهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتُرِكوا فى الحره يُسْتَسْقونَ فلا يسْقون، وفى الحديث الآخر: " حتى ماتوا "، قال الإمام ﵀: اختلف الناس فى المحاربين، وفى المراد بقوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١). الآية، فقال بعض الناس: إنما نزلت فى العرنيين. وقال بعضهم: فى المرتدين، وقال بعضهم: فى الكفار إذا نقضوا العهد وحاربوا. وتعلق هؤلاء بأن المحاربة لله ورسوله لا تكون مع الإيمان. وقال آخرون: فى المسلمين لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَليْهِم﴾ (٢) والكافر إذا أسلم قبل منه إسلامه قبل القدرة عليه وبعدها. ومذهبنا أن الإمام يخير فى حد المحارب ما لم يقتل، فإن قَتَلَ فلابد من قتله، فى المشهور عندنا. ومذهب الشافعى أنها على الترتيب. فإن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، وإن أخذ المال وقد [قيل] (٣) قُتِلَ وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع (٤). والحبس والنفى فيمن لم يبلغ جرمه إلى أن يستحق ذلك. واستدل أصحابه بأن تأثيره فى الضرر

стр. 3066

١٠ - (...) حدّثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْرِ - قَالَ: حَدَّثنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِى عُثْمَانَ، حَدَّثَنِى أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، حَدَّثَنِى أَنَسٌ؛ أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلامِ، فَاسْتَوْخَموا الأَرْضَ وَسَقُمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسوُلِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " أَلا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِى إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا؟ ". فَقَالُوا: بَلَىَ، فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا منْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَصَحُّوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِىَ وَطَرَدُوا الإِبِلَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَبَعَثَ فِى آثَارِهِمْ، فَأُدْرِكُوا، فَجِىءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمِرَ أَعْيُنُهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا فِى الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَاح فِى رِوَايَتِهِ: وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ. وَقَالَ: وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ. ــ يختلف. فلا يكون عقوبة الإجرام المختلفة متساوية. واختلف الناس وأصحابنا فى المحاربة فى المصر، هل حكمها حكم المحارب فى غير المصر أم لا (١)؟. والمشهور عندنا وبه قال الشافعى: أنهما شيئان. وفرق بينهما بعض أصحابنا وهو مذهب أبى حنيفة. قال القاضى ﵀: ذهب أبو مصعب من أصحابنا إلى التخيير فيه وإن قتل، وهو مذهب أبى حنيفة، وحكى الماوردى عن مالك أنه يقتل [ذا] (٢) الرأى والتدبير، ويقطع [ذا] (٣) البطش والقوة، ويعذر ممن عداه؛ قال: مرتبة على صفاتهم لا على أفعالهم. قال الإمام: اختلف الناس فى معنى هذا الحديث، وفعل النبى ﷺ لهؤلاء ما فعل. فقال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربين والنهى عن المثلة، فلما نزل ذلك استقرت الحدود ونهى النبى ﷺ عن المثلة، هو منسوخ. وقيل: هو محكم غير منسوخ، وفيهم نزلت آية المحاربين. وإنما فعل النبى ﵇ فيهم ما فعل؛ قصاصاً؛ لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك، وروى ذلك مسلم فى بعض حديثه، وابن إسحاق وموسى بن عقبة، وأهل السير، والترمذى (٤)، ففى هذا مال مالك فى أنه يقتضى القاتل بمثل ما فعل بالمقتول، وقيل: بل ذلك حكم من النبى ﷺ فيهم زائداً على حد الحرابة لعظم جرمهم ومحاربتهم، وقتلهم

стр. 3067

١١ - (...) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِى قِلابَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو قِلابَةَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْمٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهَمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا. بِمَعْنَى حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ أَبِى عُثْمَانَ. قَالَ: وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِى الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلا يُسْقَوْنَ. ١٢ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِىُّ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، مَوْلَى أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: مَا تَقُولُونَ فِى الْقَسَامَةِ؟ فَقَالَ عَنْبَسَةُ: قَدْ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كَذَا وَكَذَا. فَقُلْتُ: إِيَّاىَ حَدَّثَ أَنَسٌ، قَدِمَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ قَوْمٌ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَيُّوبَ وَحَجَّاجِ. قَالَ أَبُو قِلابَةَ: فَلَمَّا فَرَغْتُ، قَالَ عَنْبَسَةُ: سُبْحَانَ اللهِ؛ قَالَ أَبُو قِلابَةَ: فَقُلْتُ: أَتَتَّهِمُنِى يَا عَنْبَسَةُ؟ قَالَ؟ لَا. هَكَذَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ، يَا أَهْلَ الشَّامِ، مَا دَامَ فِيكمْ هَذَا أَوْ مِثْلُ هَذَا. ــ الرعاة، وتمثيلهم بهم؛ وأن النهى عن المثلة نهى ندب لا تحريم. وأما قوله: " يستسقون فلا يسقون ": فليس فيه أن النبى ﷺ أمر بذلك، وقد أجمع المسلمون أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يُمنع الماء قصداً، فيجمع عليه عذابان. وقيل: إنما لم يسقوا معاقبةً لجنايتهم، وكفرهم نعمة النبى ﷺ لهم الألبان، فعاقبهم الله بذلك؛ فلم يسقوا. وقيل: بل عاقبهم الله بذلك لإعطاشهم آل بيت النبى ﷺ بأحد لقاحهم، ودعا النبى ﷺ عليهم فى حديث رواه ابن وهب أنه قال: " عطش الله من عطش آل محمد الليلة " (١). فكان ترك الناس سقيهم إجابةً لدعائه وتنفيذاً لعقوبتهم. وهذان وجهان حسنان لا يبقى فيهما اعتراض ولا إشكال، لكن يبقى هنا اعتراض لقوله فى الحديث: " إنها إبل الصدقه "، وهو أن يقال: إن لقاح النبى ﷺ كانت معهما ترعى، فاكتسحوا الجميع. فيجمع بين الحديثين، ويدل عليه قوله فى الحديث الآخر: " وساقوا ذود

стр. 3068

(...) وحدّثنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ الْحَرَّانِىُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ - وَهُوَ ابْنُ بُكَيْرٍ الْحَرَّانِىُّ - أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَمَانِيةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْلٍ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. وَزَادَ فِى الْحَدِيثِ: وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ. ١٣ - (...) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُرَيْنَةَ، فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوهُ. وَقَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةَ الْمُومُ - وَهُوَ الْبِرْسَامُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ. وَزَادَ وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ قَرِيبُ مِنْ عِشْرِينَ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمَ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ. ــ رسول الله ﷺ ، فاجتووا المدينة "، فسروه فى الرواية الأخرى: " فاستوخموها " أى لم توافقهم كما قال: " وسقمت أجسامهم ". قال الإمام ﵀: معناه: كرهوها لسقم أصابهم أخذاً من الجوى وهو داء فى الجوف وقوله: " سمر أعينهم ": روى " سمر " بالراء، " وسمل " باللام، فمعنى سمرها: كحلها بمسامير محمية، ومعنى سملها: فقأها بشوك أو غيره. قال أبو ذؤيب: والعين بعدهم كان حداقها ... سملت بشرك فهى عور تدمع قال القاضى ﵀: هما بمعنى واحد، الراء تبدل من اللام. قال الإمام ﵀: واللقاح المذكور فى الحديث جمع لقحة، وهى الناقة ذات الدر. وقوله: " ولم يحسمهم " قال أهل اللغة: الحسم: كى العرق بالنار ليقف الدم، ومنه الحديث: أتى بسارق فقال: " اقطعوه ثم احسموه ": أى اقطعوا عنه الدم بالكى. قال الإمام ﵀ وقوله: " قد وقع بالمدينة الموم - وهو البرسام - " ووقع فى حواشى بعض النسخ من كتاب مسلم: " الحم " ورأيت لبعض الأطباء إذا حل هذه التسمية فى لغة اليونانيين، إذ السامر اسم للورم، والبراسم المصدر، والمراسم للرافعى، وشأنهم أبداً فى الإضافة عكس ما عند العرب، من أنهم يقدمون المضاف إليه، فيكون مثل كلامهم أن يقولوا: زيد ثوب، يريدون: ثوب زيد، فكأنهم يقولون: إذا كان الورم فى

стр. 3069

(...) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. وَفى حَدِيثِ هَمَّامٍ: قَدِمَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ رَهْطٌ مِنْ عُرَيْنَةَ، وَفِى حَدِيثِ سَعِيدٍ: مِنْ عُكْلٍ وَعُرينَةَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. ١٤ - (...) وحدّثنى الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الأَعْرَجُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِىُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ. ــ الرأس: رأس ورم، وإذا كان فى الصدر قالوا: صدر ورم، فيكون صيغة النطق لما فى الرأس البرسام، ولما فى الصدر البرسام، وقَلَّ من رأيت من الأطباء يحقق الفرق بين هذه الألفاظ، ورأيت فى كتب بعضهم ربما كان البرسام عن الشىء يريدون: ربما كان ورم الرأس عن ورم الصدر. قال القاضى ﵀: فى هذا الحديث حجة أن المحارب لا يحسم لأنه ممن خير فى حده بالقتل، لكن إن حسم نفسه يمنع. وأما السارق فيحسم عندنا؛ لأن حده القطع فقط، فيبادر بحسمه لئلا ينزف دمه فيموت، وهو مذهب الشافعى وأبى ثور (١) وغيرهما. وقوله: " يتشربوا من ألبانها وأبوالها ": دليل على طهارة أبوال الإبل، وحجة للمالكية فى طهارة بول ما يؤكل لحمه، واحتج به من يرى نجاستها بجواز التداوى بالمحرمات للضرورة. وقوله: بعث معهم قائفاً: " القائف ": مميز الآثار ومتتبعها. وفى بعض أسانيده: نا الحسن بن أبى شعيب الحرانى، نا مسكين - وهو ابن بكير الحرانى - نا الأوزاعى. كذا عند أكثر شيوخنا، وكان عند القاضى الشهيد عن العذرى: نا مسكين - وهو ابن بكير - قال لنا، وهو خطأ. وقال البخارى: مسكين بن بكير (٢)، وكذلك ذكره فى التاريخ، والصحيح هو المعروف المحفوظ. وكذا ذكره أبو حاتم والحاكم وغيرهم.

стр. 3070

(٣) باب ثبوت القصاص فى القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات، وقتل الرجل بالمرأة ١٥ - (١٦٧٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ. قَالَ: فَجِىءَ بِهَا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ وَبِهَا رَمَقٌ. فَقَالَ لَهَا: " أَقَتَلَكِ فُلانٌ؟ " فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا؟ أَنْ لا، ثُمَّ قَالَ لَهَا الثَّانِيةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا؛ أَنْ لا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ. فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا. فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. (...) وحدّثنى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيس، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَفِى حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ: فَرَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. ــ وقوله: " إن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها بحجر "، وفى رواية أخرى: " على حملها وإلقائها فى قليب ورضخ رأسها بالحجارة " قال: فجىء بها النبى ﷺ وبها رمق، فسألها النبى ﷺ : " أقتلك فلان؟ " وفى الحديث الآخر: " من صنع بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهودياً فأومت برأسها فأُخذ اليهودى فأقر، فأمر النبى ﷺ أن يُرضَّ رأسه بالحجارة، وفى الرواية الأخرى: " فأشارت برأسها أن لا، ثم أشارت فى الثالثة برأسها أن نعم، فقتله النبى ﷺ بين حجرين "، وفى بعض طرقه: " فرضخ رأسه بين حجرين " وفى بعض طرقه: " فأمر به أن يرجم حتى يموت "، قال الإمام ﵀: هذا الحديث فيه الرد على من أنكر القصاص بغير الحديدة، وفيه دلالة على قتل الرجل بالمرأة، خلافاً لمن شذ فقال: لا يقتل الرجل بالمرأة. [وفيه دلالة على التَّوْفِيَة بقول المقتول] (١)، هكذا استدل به بعضهم، وانما قتله النبى ﷺ لأنه أقر. هكذا ذكره مسلم فى بعض طرقه: " فأخذ اليهودى فأقر ". وأما رجمه بالحجارة فلعله رأى رسول الله ﷺ أنه لما قتل بالحجارة وجب قتله بها، ورأى أن رجمه بها جهة الرأس: رضخ، وقد بين فى بعض طرقه أن الجارية من الأنصار.

стр. 3071

١٦ - (...) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى حُلِىٍّ لَهَا، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِى الْقَلِيبِ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخِذَ فَأُتِىَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ. ــ قال القاضى ﵀: وذكر أبو عبد الله بن المرابط فى شرحه: أن هذا كان الحكم فى أول الإسلام؛ قبول قول القتيل، وأن هذا معنى هذا الحديث. وما جاء من اعترافه فى هذا الحديث فإنما جاز رواية قتادة ولم يقله غيره، وهو مما عد عليه ورضخه بين حجرين، ورضه بالحجارة، ورجمه بالحجارة، كله بمعنى، فإن رميه بالحجر الأعلى أو الحجارة وراءه على آخرين رجم بالحجارة، وقد يكون رجمه نوعاً مما فعل بها لما جاء فى الحديث الآخر: " ألقاها فى قليب ورضخ رأسها بالحجارة "، وهذا رجم لا شك فيه. وقد اختلف الناس فى القصاص بغير المحدد من السيف والرمح والسكين وغيره، فذهب جمهور العلماء إلى أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به من حجر أو عصى، ولا تفريق أو اختلاف لهذا الحديث وغيره، ولقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ الآية (١)، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ الآية (٢). واختلف هؤلاء فى القصاص بالتحريق بالنَّار لمن فعل ذلك بأحد، فقال مالك والشافعى: إِنْ طرحه فى النار حتى مات فُعل به كما فعل، وقال ابن الماجشون وغيره: لا يحرق بالنار ويقتل بغير ذلك للحديث: " لا يعذب بالنار إلا الله " (٣). ثم اختلفوا إذا لم يمت من ضربه بالعصى أو بحجر فى القود، فمعظمهم يرى تكرير ذلك عليه حتى يموت، وهو قول مالك والشافعى (٤)، إلا أن مالكاً قال فى روايته: إلا أن يكون فى ضرب العصى تطويل وتعذيب فيقتل بالسيف، وكذلك قال عبد الملك فى الرجم بالحجارة. وأصل هذا المذهب القود بما قتل. وقال الشافعى نحوه فى المحبوس فى البيت أياماً دون طعام حتى مات، يفعل بقاتله مثل ذلك وإن لم يمت فى تلك الأيام، فقيل: وكذلك من قطع يدى رجل ورجليه وألقاه فى مهواة فمات، يفعل بقاتله مثله. فإذا لم يمت قتل بالسيف (٥). وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن لا قصاص إلا بالسيف وروى عن الشعبى والنخعى والحسن، واحتجوا بحديث: " لا قود إلا بحديدة " وبالنهى عن المثلة (٦)، وحملوا حديث: " لا قود إلا بحديدة " فيمن لم يمثل وقتل بحديدة (٧).

стр. 3072

(...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ١٧ - (...) وحدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْن. فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ؟ فُلانٌ؟ فُلانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِىُّ فَأَقَرَّ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. ــ وفى هذا الحديث - أيضاً - لا حجة على وجوب القصاص على القاتل بكل ما يقتل مثله؛ كساقىّ السم، والخانق، ورامى الرجل من الجبل أو فى البئر، أو الضارب بالخشبة والعصى، وتغريقه فى الماء. وعلى هذا جمهور العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا قصاص على القاتل بمثل هذا إلا فيمن قتل بمجرد من حديد، أو بحجر محدد، أو خشب أو هو مجرد. فيقتل الناس بالخنق. قد خنق غير واحد والإلقاء فى النار، واختلف عنه بها بمثقل الحديد كالدبابيس والعمد. واختلفوا إذا قتل ما لم تجر العادة بالقتل به قاصداً القتل كالعصى، واللطمة، والسوط، والبندقة، والقضيب. فعند مالك: القود من هذا آكد، وعند غيره: أنه شبه العمد لا قود فيه، وإنما فيه الدية مغلظة، ومالك لا يقول بشبه العمد فى هذا إنما هو عمد أو منها. وبقول مالك قال الليث. قال أشهب: وإن يختلف فى المجازاة فى هذا. قال أبو عمر: ولم يوافق مالكاً - يعنى من علماء الأنصار - عليه إلا الليث، وقد قال بقولهما جماعة من السلف من الصحابة والتابعين. وذهب جمهور فقهاء الأنصار إلى أن هذا كان شبه العمد إنما فيه الدية مغلظة، وهو قول سفيان الثورى وأبى حنيفة والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور، وقد ذكر عن مالك، وقاله ابن وهب من أصحابنا، وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين (١)، وإن اختلفوا في أسنان الإبل فى المغلظة، وفيما كان شبه العمد من القتل بغير المحدد على ما مضى بعضه. وفيه حجة على أن الإشارة البينة والإيماء يقوم مقام النطق والتصريح. قال الإمام ﵀: وقوله:، على أوضاح ": هى حلى الفضة، قاله أبو عبيد، وقد ذكر فى الحديث الآخر مكانه: " الحلى ". قال القاضى ﵀: قيل: الأوضاح جمع وضح، وهى حلى من حجارة والرمق بقية الروح.

стр. 3073

(٤) باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه، إذا دفعه المصول عليه فأتلف نفسه أو عضوه لا ضمان عليه ١٨ - (١٦٧٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عُمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ أَوِ ابْنُ أُمَيَّةَ رَجُلاً، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتهُ - وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ثَنِيَّتَيْهِ - فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ: " أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لا دِيَةَ لَهُ ". (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ يَعْلَى، عَنْ يَعْلَى، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ــ وقوله: قاتل يعلى بن منية أو ابن أمية رجلاً فعض أحدهما يد صاحبه - الحديث: كذا قال هذا، وذكر فى الرواية الأخرى: أن أجيراً ليعلى بن أمية عض رجل ذراعه. وهذا هو المعروف أنه الأجير يعلى لا ليعلى. وقوله: يعلى ابن منية أو أمية: منية بسكون النون وبعدها ياء باثنتين تحتها، هو يعلى بن أمية اسم أبيه، وأمه منية أو جدته. قال أبو الحسن الدارقطنى: منية بنت الحارث هى جدة يعلى بن أمية أم أبيه، وبها يعرف، قاله الزبير بن بكار وأهل الحديث يقولون: إنها أمه، وإنها منية بنت غزوان. يعلى بن أمية أمه منية بنت جابر. قال القاضى ﵀: بعض أصحاب الحديث يقولون ابن منبه بفتح النون وباء بواحدة، وهو تصحيف وقرأت بخط أبى على الجيانى: كان ابن وضاح يقول: أمه منبه وأبوه منية، قال: ووهم فى اسم الأب وإنما هو أمية. وقوله: انتزع يده من فمه فنزع ثنيته، فقال ﵇: " لادية له "، وفى الرواية الأخرى: " فأبطله "، وفى الأخرى: " فأهدر ثنيته "، وقال: " أردت أن تأكل لحمه "؟، وفى الرواية الأخرى: " تأمرنى أن آمره أن يدع يده فى فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟ ادفع يدك حتى يعضها ثم انتزعها " ليس معنى هذا الأمر: يدفع يده ليعضها، وإنما هو بمعنى الإنكار عليه، أى أنك لا تدع يدك فى فيه يعضها فكيف تنكر عليه أن ينتزع يده من فيك وتطلبه به حتى بِجَذْبِه لذلك.

стр. 3074

١٩ - (...) حدّثنى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - يَعْنِى ابْنَ هِشَامٍ - حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ رَجُلاً عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ، فَجَذَبَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَأَبْطَلَهُ. وَقَالَ: " أَرَدْتَ أَنْ تَأْكُلَ لَحْمَهُ؟ ". ٢٠ - (١٦٧٤) حدّثنى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدّثنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ بُدَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى؛ أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ، عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ، فَجَذَبَهَا فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَأَبْطَلَهَا. وَقَالَ: " أَرَدْتُ أَنْ تَقْضَمَهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ ". ــ قال الإمام ﵀ اختلف الناس فى المعضوض إذا جذب يده فسقطت أسنان العاض، فالمشهور عندنا أنه ضامن، وقال بعض أصحابنا: لا ضمان عليه. وبالتضمن قال الشافعى، وبإسقاطه قال أبو حنيفة. وقال بعض المحققين من شيوخنا: إنما ضمَّن من ضمَّن من أصحابنا لأنه يمكن النزع بالرفق حتى لا يقلع أسنان العاض، فإذا زاد على ذلك صار متعدياً فى الزيادة فضمَّن، وحملوا الحديث على من لم يمكنه النزع إلا بذلك الذى أدى إلى سقوط الأسنان. وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت متحركة فسقطت عقب النزع، وهذا التأويل بعيد عن ظاهر الحديث. وكذلك اختلف الناس - أيضاً - فى الجمل إذا صال على رجل فدافع عن نفسه فقتله، هل يضمَّن أم لا؟ وبنفى التضمين قلنا نحن والشافعى، وبإثباته قال أبو حنيفة، والحجة لنفى التضمين أنه مأمور بالدفع عن نفسه، ومن فعل ما أمر به لم يكن متعدياً، ومن ليس متعدياً فلا يضمن فى مثل هذا، وقياساً عليها لو قتل عبداً فى مدافعته إياه عن نفسه. ومن أثبت الضمان رأى أنه أحيا نفسه بإتلاف مال غيره فأشبه من اضطر لطعام غيره فأكل منه خوف الموت فإنه يضمن. والفرق عندنا بين السؤالين: أن الأكل لطعام غيره ابتدأه من قبل نفسه ولا جناية من رب الطعام ولا من الطعام عليه، فلهذا ضمن. وفى الجمل لم تكن البداية منه بل سبب الجناية عليه، فلهذا لم يضمن. وأيضاً فإن الطعام ينوب غيره منابه فى إحياء نفسه، فكأن الضرورة فيه لا تحقق، فصار كأكل اختياراً. ولا مندوحة له فى الجمل، ولا تتفق مدافعة غير ذلك الجمل فلا تنجيه فتحققت الضرورة، فهذان فرقان بينهما. ومن هذا المعنى سؤال ثالث وهو: لو رمى إنسان أحداً نظر إليه فى بيته فأصاب عينه، فاختلف أصحابنا - أيضاً - فى ذلك، فالأكثر منهم على إثبات الضمان، والأقل منهم على نفى الضمان. وبالأول قال أبو حنيفة، وبالثانى قال الشافعى، فأما نفى الضمان فلقوله ﷺ :

стр. 3075

٢١ - (١٦٧٣) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِىُّ، حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ رَجُلاً عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ أَوْ ثَنَايَاهُ، فَاسْتَعْدَى رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا تَأْمُرُنِى؟ تَأْمُرُنِى أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ فِى فِيكَ تَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ ادْفَعْ يَدَكَ حَتَّى يَعَضَّهَا ثُمَّ انْتَزِعْهَا ". ٢٢ - (١٦٧٤) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: أَتَى النَّبِىَّ ﷺ رَجُلٌ، وقَدْ عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتَاهُ - يَعْنِى الَّذِى عَضَّهُ - قَالَ: فَأَبْطَلَهَا النَّبِىُّ ﷺ . وَقَالَ: " أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَهُ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ ". ٢٣ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ. أَخْبَرَنِى صَفْوَان بْنُ يَعْلَى بْنِ أميَّةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ. قَالَ: وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: تِلْكَ الْغَزْوَةُ أَوْثَقُ عَمَلِى عِنْدِى. قَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ صَفْوَان: قَالَ يَعْلَى: كَانَ لِى أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الآخَرِ - قَالَ: لَقدْ أَخْبَرَنِى صَفْوَانُ أَيُّهُمَا عَضَّ الآخَرَ - فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِى الْعَاضِّ، فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتِيْهِ، فَأَتَيَا النَّبِىِّ ﷺ ، فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ. ــ " لو أن امرأ اطَّلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح " (١). وأما إثبات الضمان، فلأنه لو نظر إنسان إلى عورة إنسان آخر بغير إذنه لم يستبح بذلك فقأ عينه، فالنظر إلى الإنسان فى بيته لولا ألا يستباح به ذلك، ومجمل الحديث عندهم على أنه رماه، لينبههم على أنه فطن له ليدفعه عن ذلك غير قاصد بفقء عينه فانفقأت عينه خطأ، فالجناح منتفٍ، وهو الذى نفى فى الحديث. وأما الدية فلا ذكر لها. قال القاضى ﵀: هذا الباب مما تتبعه الدارقطنى (٢) على مسلم فذكر أولاً غير مسلم حديث شعبة عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين، قال: قاتل يعلى. وذكر مثله عن محمد بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، ثم ذكر وجهاً آخر عن شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن ابن يعلى، عن يعلى. وحديث همام عن عطاء عن ابن يعلى، عن

стр. 3076

(...) وحدّثناه عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ــ يعلى. وحديث ابن جريج عن عطاء، عن ابن يعلى، عن يعلى. ثم ذكر حديث معاذ ابن هشام عن أبيه، عن قتادة، عن ابن يعلى، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، وهذا اختلاف على عطاء. ذكر - أيضاً - حديث قريش بن أنس، عن ابن عوف بن سيرين، عن عمران. قال الدارقطنى: انفرد به قريش عن ابن عوف بن سيرين، ولم يذكر فيه سماعاً منه ولا من ابن سيرين من عمران ولم يخرج البخارى لابن سيرين عن عمران شيئًا.

стр. 3077

(٥) باب إثبات القصاص فى الأسنان وما فى معناها ٢٤ - (١٦٧٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ - أُمَّ حَارِثَةَ - جَرَحَتْ إِنْسَانًا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْقِصَاصَ، الْقِصَاصَ ". فَقَالَتْ أُمُّ الرّبِيعِ: يَا رَسُولَ اللهَ، أَيُقْتَصُّ مِنْ فُلانَةَ؟ وَاللهِ، لا يُقْتَصُّ مِنْهَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " سُبْحَانَ اللهِ؛ يَا أُمَّ الرَّبِيعِ، الْقِصَاصُ كِتَابُ اللهِ ". قَالَتْ: لا. وَاللهِ، لا يُقْتَصُّ مِنْهَا أَبَدًا. قَالَ: فَمَا زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لُوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ". ــ وقوله: " إن أخت الربيع تقضمها كما يقضم الفحل ": أى يعضها. والقضم بأطراف الأسنان، والأفصح الكسر فى الماضى والفتح فى المستقبل. وقوله: " إن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنساناً "، وقول النبى ﷺ : " القصاص القصاص كتاب الله القصاص "، وقوله: " أم الربيع لا يقتص منها ": المعروف أن الربيع هى صاحبة هذه القصة، وكذا جاء الحديث فى البخارى من الروايات الصحيحة أنها الربيع ابنة النضر وأخت أنس بن النضر (١). وكذا فى المصنفات (٢) وهو الصحيح، رواه القابس مثل رواية مسلم أو فى كتاب الديات، وضرب الأصيلى على قوله: " أخت "، وجاء مفسرًا فى غير الأم عند البخارى وغيره، وبيّن جرمها؛ أنها لطمت جارية فكسرت ثنيتها. احتج بهذا الحديث من يرى القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس. واتفقوا على القود بينهما فى النفس، حاشى الحسن وعطاء فلم يريا القود بينهما فى نفس ولا غيره لظاهر قوله: ﴿وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ (٣) وتأويل الجماعة أنَّ الآية منسوخة بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٤) مفسرة بها. ومخصوصة فيما كانت الجاهلية تفرق بين الأشراف وغيرهم، أو يتراجعون فيه من زيادة نصف الدية مع قتل المرأة على ما اختلف فيه المفسرون، وقد اختلف. احتج البخارى بحديث الربيع فى هذا. والذى عندى أنه لا حجة فيه؛ لأن حديث الربيع إنما كانت فى كسر سِنّ جارية. وقد خرج البخارى فى هذا الحديث هكذا: فالأسنان المذكورة هنا هى تلك الجارية. وإنسان ينطلق على الذكر والأنثى، والقصاص فى الجراح غير مختلف فيه، إلا ما كان منها

стр. 3078

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مخوفاً متلفاً كالمتظلمة والمأمومة والجائفة فلا قود فيها (١) وفيها الدية واختلف هل مغلظة أم لا؟ ومشهور مذهبنا أنها غير مغلظة. وأما السن فلا خلاف فى القصاص إذا قلعها أو طرحها. واختلف فى القصاص فى كسرها وفى سائر عظام الجسد، فذهب مالك إلى القصاص فى ذلك كله اعتماداً على حديث الربيع، إلا ما كان من ذلك مخوفاً متلفاً لعظم الفخذ والصلب. وذهب الكوفيون والشافعى والليث إلى أنه لا قود فى كسر عظم ما خلا العين؛ لعدم الثقة فى المماثلة فى القود كستر اللحم له. واتفقوا على أنه لا قصاص فى عظام الرأس. وقوله: " قالت أم الربيع: والله لا يقتص منها "، وفى البخارى (٢) أن قائل هذا هو أنس بن النضر وهو أخوها. ليس هذا اعتراض على حكم الله وحكم نبيه دل على طريق الرغبة إلى النبى ﷺ وإلى الأولياء والثقة بهم ألا يفعلون ذلك، وطريق الثقة بالله والتضرع إليه بالقسم به وإذا كان اللفظ ورد النبى ﷺ أظهر فى التأويل الأول. وقوله: " فما زالت حتى قبلوا الدية " أيضاً يؤكده، وأنها كانت راغبة إليهم أو إلى النبى ﷺ لا لعفو. وقوله: " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " يؤكده التأويل الثانى. وفيه صحة كرامات الأولياء.

стр. 3079

(٦) باب ما يباح به دم المسلم ٢٥ - (١٦٧٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَحِلُّ دَمِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ". (...) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. ٢٦ - (...) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ - قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " وَالَّذِى لا إِلَهَ غَيْرُهُ، لا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنِّى رَسُولُ الله، إِلا ثَلاثَةُ نَفَرٍ: التَّارِكُ الإِسْلامَ، الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ أَوِ الْجَمَاعَةَ - شَكَّ فِيهِ أَحْمَدُ - وَالثَّيِّبُ الزَّانِى، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ ". قَالَ الأَعْمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِى عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِهِ. ــ وقوله: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزان، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ": وقوله: " الثيب الزانى " إشارة إلى ما أجمع عليه المسلمون من الرجم وسيأتى تفسيره. وقوله: " النفس بالنفس ": احتج به الكوفيون فى تساوى النفوس، وجعلوها ناسخة لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْد﴾ (١)، وقالوا: يقاد كل واحد من هؤلاء من الآخر. ومالك وغيره جعل الآية مفسرة لذلك، وأن معناها: أن نفس الأحرار متساوية وأنفس العبيد متساوية، وأن العبيد يتكافؤون فى دمائهم، وذكر أنهم كالأحرار. ولا قصاص ما بين العبيد والأحرار فى شىء هو قول الشافعى. وأهل الحجاز والليث بن

стр. 3080

(...) وحدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً، نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ. وَلَمْ يَذْكُرَا فِى الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: " وَالَّذِى لا إِلَهَ غَيْرُهُ ". ــ سعد قالوا: ويقتل العبد بالحر، ولا يقتل الحر به. قال الشافعى: ليس بين الحر والعبد قصاص إلا أن يشاء الحر، وهو غير ما تقدم. وقال أبو حنيفة: لا قصاص بينهم إلا بالنفس. وقال ابن أبى ليلى: القصاص بينهم فى كل شىء (١). قوله: " التارك لدينه المفارق للجماعة ": عام فى كل مفارق للإسلام بأى ردة كانت بينة، وفى قوله: " المفارق للجماعة " حجة على قتل الخوارج وأهل البدع وغيرهم، وقتلهم إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحق عليهم وقاتلوا على ذلك، وفى قتال أهل البغى وقتلهم وفى كل خارج على الجماعة، كان خروجه كفراً أو غيره. قال القابسى: يحتمل أن يكون خروجه خروجاً يترك به الجماعة أو يبغى عليها، فيقاتل على ذلك حتى يفىء إلى دينه وإلى الجماعة، وليس بكافر. ويمكن أن يكون خروجه كفراً أو ردة.

стр. 3081

(٧) باب بيان إثم من سن القتل ٢٧ - (١٦٧٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى شَيْبَةَ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ ". (...) وحدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ جَرِيرٍ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ: " لأَنَّهُ سَنَّ الْقَتْلَ " لَمْ يَذْكُرَا: أَوَّلَ. ــ وقوله: " لا تقتل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل "، قال الإمام ﵀: الكفل، بكسر الكاف: الجزاء والنصيب، ومنه قوله تعالى: ﴿يَكن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ (١)، وهذا أصل فى أن المعونة على ما لا يحل لا تحل، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوَان﴾ (٢)، وقد جعل الدال على الخير كفاعله (٣)، وهكذا الدال على الشر كفاعله. ولعل القتل إنما كان عند الشافعى على جهة التعليم إذا أخذه واحد عن واحد عن آخر حتى ينتهى إلى ابن آدم الأول، وهكذا التعليم فى البدع والضلالات، ويكون على معلمها الأول كفل منها. وهكذا على قياسه يكون للمعلم الأول للهدى والحقائق نصيب من الأجر. قال القاضى ﵀: هذا كله قد أبانه ﵇ بقوله: " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها " (٤)، وورد: " من عمل بها إلى يوم القيامة ". وأما الكفل، فقيل فيه ما قال الإمام. وقال الخليل: الكفل من الأجر، والإثم: الضعف.

стр. 3082

(٨) باب المجازاة بالدماء فى الآخرة، وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة ٢٨ - (١٦٧٨) حدّثنا عثمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِى الْدِّمَاءِ ". (...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ. ح وحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْد اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمَثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ عَنْ شُعْبَةَ: " يُقْضَى ". وَبَعْضُهُمْ قَالَ: " يُحْكَمُ بَيْنَ النَّاسِ ". ــ قوله: " أول ما يقضى على الناس يوم القيامة فى الدماء "، هذا ظاهر فى تغليظ أمر الدماء، وليس هذا الحديث معارض للحديث الآخر: " أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة "، فهذا فى خاصة أعمال العبد لنفسه وذلك فيما بينه وبين غيره.

стр. 3083

(٩) باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال ٢٩ - (١٦٧٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِى شَيْبَةَ ويحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ - وَتَقَارَبَا فِى اللَّفْظ - قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب الثَّقَفِىُّ عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابن أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِى بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ". ثُمَّ قَالَ: " أَىُّ شَهْرٍ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. ــ وقوله ﵇: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم؛ ثلاث متواليات " الحديث، قال الإمام ﵀: تأويل قوله: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " لأنهم كانوا تمسكوا بملة إبراهيم ﵇ فى تحريم الأشهر الحرم، وكانوا ينسبون الشهر الحرام إلى الذى يليه إذا احتاجوا إلى القتال فيه، وينتقلون هكذا من شهر إلى آخر حتى اختلط الأمر عليهم، فصادفت حجة النبى ﷺ تحريمهم، فلو طابق الشرع وكانت فى تلك السنة حرموا ذا الحجة بالاتفاق على الحساب الذى قلناه، فأخبر ﷺ أن الاستدارة صادفت حكم الله - سبحانه - يوم خلق الله السماوات والأرض. وقيل: كانت العرب تحج عامين فى ذى القعدة وعامين فى ذى الحجة، فصادفت حجة أبى بكر ذا القعدة من السنة الثانية وصادفت حجة النبى ﷺ ذا الحجة؛ فلهذا أشار النبى ﷺ بالاستدارة. وذكر أبو عبيد أنهم كانوا ينسئون - أى يؤخرون - وهو الذى قال الله : ﴿إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر﴾ (١)، فربما احتاجوا إلى الحرب فى المحرم فيؤخرون تحريمه لصفر، ثم يحتاجون تأخير صفر إلى ربيع، هكذا شهرًا بعد شهر. فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه، فقال النبى ﷺ ما قال. قال: وزعم بعض الناس أنهم كانوا يستحلون المحرم عاماً ويردونه فى قابل إلى تحريمه. قال: والتفسير الأول أحب إلى لأنه ليس فى هذا استدارة. قال الإمام ﵀: وقد وقفت للخوارزمى على تأويل لهذا الحديث، غره فيه ما قد سبق إليه من علم التنجيم، فقال: إن الله أول ما خلق الشمس

стр. 3084

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أجراها فى أول برج الحمل، وكان الزمان الذى أشار إليه النبى ﷺ صادف حلول الشمس الحمل. ولما وقفت على قوله هذا دعا ذلك لتعديل هذا اليوم، فَعُدِلَ لاختبار ما قال، فلم يوجد كما زعم، ووجدت الشمس يوم التاسع من ذى الحجة سنة عشر قد قطعت من برج الحوت نحو عشرين درجة، لكن أظنها كانت فى مثل هذا اليوم سنة تسع فى أول الحمل، وأراه من هذه الجهة غلط، لو كان الأصل الذى ذهب إليه، لكنه لم يقله أحد من علماء الشرع. قال القاضى ﵀: نظرت فيما قالاه على تعين ترك النظر فيه ووجوب طرحه لكن لما جاء من خطأ به فوجدت قول الشيخ: التاسع من ذى الحجة سنة عشر وهماً بيناً؛ لأن الخطبة إنما كانت يوم النحر؛ اليوم العاشر، كما نص فى الحديث وعلى الوجهين، فيكون ما قاله الخوارزمى خطأ، لأنه يتبقى لقطع الشمس من برج الحوت وانتقالها إلى برج الحمل نحو عشر درجات، تقطعها فى عشرة أيام على ما حكوه عن أهل المعرفة بالحساب؛ أنها إنما تقطع كل برج فى ثلاثين يوماً. ولمالك بن أنس وغيره من أئمة الهدى على هذا الباب لمعرفة الأوقات كلام على هذا إلا أن مالكاً قال فى ثلاثين يوماً وثلث يوم وفى استدارة الزمان للغرب وجه هو معنى الحديث إن شاء الله، هو ما قاله إياس بن معاوية، وذلك أن المشركين كانوا يحسبون السنة اثنى عشر شهراً وخمسة عشر يوماً، فكان الحج يكون فى رمضان وفى ذى القعدة وفى كل شهر من السنة بحكم استدارة الشهور لزيادة الخمسة عشر يوماً، فحج أبو بكر - رضى الله عنه - سنة تسع من ذى القعدة بحكم الاستدارة، ولم يحج النبى ﷺ . فلما كان فى العام المقبل وافق الحج ذا الحجة فى العشر، ووافق ذلك الأهلة، وقد روى أن أبا بكر - رضى الله عنه - إنما حج فى ذى الحجة. وروى عن ابن عباس معنى آخر قال: كانوا إذا كانت السنة التى ينسئ فيها قام خطيبهم بفناء الكعبة، وقد اجتمع إليه الناس يوم الصدر فقال: " أيها الناس، إنى قد نسأت العام صفر الأول - يعنى المحرم - فيطرحون من الشهور ولا يعتدون به ويبتدئون العدة فيقولون لصفر وشهر ربيع: صفران، ولربيع الآخر ولجمادى: شهر الربيع، ولجمادى الأخرى ورجب: جماديان، ولشعبان: رجب، ولرمضان: شعبان، هكذا إلى محرم فيسمونه ذا الحجة، فيحجون فيه تلك السنة فى المحرم، ويبطلون من هذه السنة شهراً يحجون فى كل سنة فى شهر حجتين، ثم ينسئ فى السنة الثانية صفر الأول فى عدتهم وهو الآخر فى العدة المستقيمة، حتى يكون حجهم فى صفر حجتين، كذلك الشهور كلها حتى يستدير الحج فى كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم، الشهر الذى ابتدؤوا فيه النسىء. وعن ابن الزبير نحو هذا، إلا أنه قال: يفعلون ذلك فى كل ثلاث سنين يزيدون شهراً قبل، وكانوا يقصدون بذلك موافقة شهور العجم لشهور الأهلة، حتى تأتى الأزمان

стр. 3085

قَالَ: " أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ " قلْنَا: بَلَى. قَالَ: " فَأَىُّ بَلَدٍ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: " أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟ " قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: " فَأَىُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِه. قَالَ: " أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: " فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ ــ واحدة، قال: ووجدنا أيام شهور العجم فى السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، ووجدنا شهور الأهلة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوماً، وبيننا وبينهم أحد عشر يوماً فى العام، فزادوا شهرًا فى كل سنة ثالثة حتى يستقيم. وتأتى أسماء شهورهم موافقة لمعانيها لا تختلف أوقاتها كشهور العجم، فكان رمضان يأتى أبداً فى الحر والرمضاء، وبه سمى والربيع فى زمان ابتداء من المطر ونبات الربيع، على مذهبهم أن زمان الربيع هو الخريف عندهم، وجمادى فى شهور البرد وجمود الماء لذلك، قال الشاعر: فى ليلة من جمادى ذات أندية فلولا أنها كذلك أبدًا عندهم لا يختلف حال ليالى جمادى لما حسن هذا الكلام ولا صح، كما لا يصح لأحد منا أن يقوله اليوم، فعلى هذا يستقيم لفظ الحديث ويتوجه معناه، وينفهم المراد بقوله ﵇: " اثنى عشر شهراً "، وعلى حكمهم فى النسىء فى تحريم شهر وتحليل آخر لا يختلف عدد الشهور، وإنما يختلف فيها الشهور للتحريم والتحليل، وقيل: لما وافق حج النبى ﷺ ذا الحجة قال: " إن الزمان قد استدار كهيئتة يوم خلق الله السماوات والأرض " إنى قد ثبت الحج فى ذى الحجة وثبت التحريم فيه لوقوعه أيضاً موقعه. وقوله: " ورجب مضر "، قال الإمام ﵀: قيل: إن ربيعة كانت تجعل رجباً رمضان ومضر تبقيه على حاله، فلذلك أضافه إليهم، وقيل لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم، وأكثر ذلك بقوله: " الذى بين جمادى وشعبان "، وزيادة في البيان وتحرزاً من تنقله بالسنين حتى كان يسمى باسمه غيره. قال القاضى - رحمة الله -: وقيل: كانت العرب تسمى رجباً وشعبان الرجبين، وقيل: بل كانت تسمى جمادى ورجب جمادين، وتسمى شهر شعبان رجباً، فلذلك خص رسول الله ﷺ رجباً بعينه. وقوله: ثم قال: " أى بلد هذا؟ ثم أليس البلدة " يعنى مكة، وعرفها للعهد والتخصيص والتعظيم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَة﴾ (١)، وقيل: هو اسم لمكة، وقيل: اسم لمنى.
следующие страницы →