(٧) باب بيان إثم من سن القتل
٢٧ - (١٦٧٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى شَيْبَةَ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ ".
(...) وحدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ جَرِيرٍ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ: " لأَنَّهُ سَنَّ الْقَتْلَ " لَمْ يَذْكُرَا: أَوَّلَ.
ــ
وقوله: " لا تقتل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل "، قال الإمام ﵀: الكفل، بكسر الكاف: الجزاء والنصيب، ومنه قوله تعالى: ﴿يَكن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ (١)، وهذا أصل فى أن المعونة على ما لا يحل لا تحل، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوَان﴾ (٢)، وقد جعل الدال على الخير كفاعله (٣)، وهكذا الدال على الشر كفاعله. ولعل القتل إنما كان عند الشافعى على جهة التعليم إذا أخذه واحد عن واحد عن آخر حتى ينتهى إلى ابن آدم الأول، وهكذا التعليم فى البدع والضلالات، ويكون على معلمها الأول كفل منها. وهكذا على قياسه يكون للمعلم الأول للهدى والحقائق نصيب من الأجر.
قال القاضى ﵀: هذا كله قد أبانه ﵇ بقوله: " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها " (٤)، وورد: " من عمل بها إلى يوم القيامة ". وأما الكفل، فقيل فيه ما قال الإمام. وقال الخليل: الكفل من الأجر، والإثم: الضعف.
стр. 3082
(٨) باب المجازاة بالدماء فى الآخرة، وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة
٢٨ - (١٦٧٨) حدّثنا عثمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِى الْدِّمَاءِ ".
(...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ. ح وحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْد اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمَثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ عَنْ شُعْبَةَ: " يُقْضَى ". وَبَعْضُهُمْ قَالَ: " يُحْكَمُ بَيْنَ النَّاسِ ".
ــ
قوله: " أول ما يقضى على الناس يوم القيامة فى الدماء "، هذا ظاهر فى تغليظ أمر الدماء، وليس هذا الحديث معارض للحديث الآخر: " أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة "، فهذا فى خاصة أعمال العبد لنفسه وذلك فيما بينه وبين غيره.
стр. 3083
(٩) باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال
٢٩ - (١٦٧٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِى شَيْبَةَ ويحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ - وَتَقَارَبَا فِى اللَّفْظ - قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب الثَّقَفِىُّ عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابن أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِى بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِى بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ". ثُمَّ قَالَ: " أَىُّ شَهْرٍ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ.
ــ
وقوله ﵇: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم؛ ثلاث متواليات " الحديث، قال الإمام ﵀: تأويل قوله: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " لأنهم كانوا تمسكوا بملة إبراهيم ﵇ فى تحريم الأشهر الحرم، وكانوا ينسبون الشهر الحرام إلى الذى يليه إذا احتاجوا إلى القتال فيه، وينتقلون هكذا من شهر إلى آخر حتى اختلط الأمر عليهم، فصادفت حجة النبى ﷺ تحريمهم، فلو طابق الشرع وكانت فى تلك السنة حرموا ذا الحجة بالاتفاق على الحساب الذى قلناه، فأخبر ﷺ أن الاستدارة صادفت حكم الله - سبحانه - يوم خلق الله السماوات والأرض.
وقيل: كانت العرب تحج عامين فى ذى القعدة وعامين فى ذى الحجة، فصادفت حجة أبى بكر ذا القعدة من السنة الثانية وصادفت حجة النبى ﷺ ذا الحجة؛ فلهذا أشار النبى ﷺ بالاستدارة. وذكر أبو عبيد أنهم كانوا ينسئون - أى يؤخرون - وهو الذى قال الله : ﴿إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر﴾ (١)، فربما احتاجوا إلى الحرب فى المحرم فيؤخرون تحريمه لصفر، ثم يحتاجون تأخير صفر إلى ربيع، هكذا شهرًا بعد شهر. فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه، فقال النبى ﷺ ما قال. قال: وزعم بعض الناس أنهم كانوا يستحلون المحرم عاماً ويردونه فى قابل إلى تحريمه. قال: والتفسير الأول أحب إلى لأنه ليس فى هذا استدارة.
قال الإمام ﵀: وقد وقفت للخوارزمى على تأويل لهذا الحديث، غره فيه ما قد سبق إليه من علم التنجيم، فقال: إن الله أول ما خلق الشمس
стр. 3084
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجراها فى أول برج الحمل، وكان الزمان الذى أشار إليه النبى ﷺ صادف حلول الشمس الحمل. ولما وقفت على قوله هذا دعا ذلك لتعديل هذا اليوم، فَعُدِلَ لاختبار ما قال، فلم يوجد كما زعم، ووجدت الشمس يوم التاسع من ذى الحجة سنة عشر قد قطعت من برج الحوت نحو عشرين درجة، لكن أظنها كانت فى مثل هذا اليوم سنة تسع فى أول الحمل، وأراه من هذه الجهة غلط، لو كان الأصل الذى ذهب إليه، لكنه لم يقله أحد من علماء الشرع.
قال القاضى ﵀: نظرت فيما قالاه على تعين ترك النظر فيه ووجوب طرحه لكن لما جاء من خطأ به فوجدت قول الشيخ: التاسع من ذى الحجة سنة عشر وهماً بيناً؛ لأن الخطبة إنما كانت يوم النحر؛ اليوم العاشر، كما نص فى الحديث وعلى الوجهين، فيكون ما قاله الخوارزمى خطأ، لأنه يتبقى لقطع الشمس من برج الحوت وانتقالها إلى برج الحمل نحو عشر درجات، تقطعها فى عشرة أيام على ما حكوه عن أهل المعرفة بالحساب؛ أنها إنما تقطع كل برج فى ثلاثين يوماً.
ولمالك بن أنس وغيره من أئمة الهدى على هذا الباب لمعرفة الأوقات كلام على هذا إلا أن مالكاً قال فى ثلاثين يوماً وثلث يوم وفى استدارة الزمان للغرب وجه هو معنى الحديث إن شاء الله، هو ما قاله إياس بن معاوية، وذلك أن المشركين كانوا يحسبون السنة اثنى عشر شهراً وخمسة عشر يوماً، فكان الحج يكون فى رمضان وفى ذى القعدة وفى كل شهر من السنة بحكم استدارة الشهور لزيادة الخمسة عشر يوماً، فحج أبو بكر - رضى الله عنه - سنة تسع من ذى القعدة بحكم الاستدارة، ولم يحج النبى ﷺ . فلما كان فى العام المقبل وافق الحج ذا الحجة فى العشر، ووافق ذلك الأهلة، وقد روى أن أبا بكر - رضى الله عنه - إنما حج فى ذى الحجة.
وروى عن ابن عباس معنى آخر قال: كانوا إذا كانت السنة التى ينسئ فيها قام خطيبهم بفناء الكعبة، وقد اجتمع إليه الناس يوم الصدر فقال: " أيها الناس، إنى قد نسأت العام صفر الأول - يعنى المحرم - فيطرحون من الشهور ولا يعتدون به ويبتدئون العدة فيقولون لصفر وشهر ربيع: صفران، ولربيع الآخر ولجمادى: شهر الربيع، ولجمادى الأخرى ورجب: جماديان، ولشعبان: رجب، ولرمضان: شعبان، هكذا إلى محرم فيسمونه ذا الحجة، فيحجون فيه تلك السنة فى المحرم، ويبطلون من هذه السنة شهراً يحجون فى كل سنة فى شهر حجتين، ثم ينسئ فى السنة الثانية صفر الأول فى عدتهم وهو الآخر فى العدة المستقيمة، حتى يكون حجهم فى صفر حجتين، كذلك الشهور كلها حتى يستدير الحج فى كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم، الشهر الذى ابتدؤوا فيه النسىء.
وعن ابن الزبير نحو هذا، إلا أنه قال: يفعلون ذلك فى كل ثلاث سنين يزيدون شهراً قبل، وكانوا يقصدون بذلك موافقة شهور العجم لشهور الأهلة، حتى تأتى الأزمان
стр. 3085
قَالَ: " أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ " قلْنَا: بَلَى. قَالَ: " فَأَىُّ بَلَدٍ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: " أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟ " قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: " فَأَىُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِه. قَالَ: " أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: " فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ
ــ
واحدة، قال: ووجدنا أيام شهور العجم فى السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، ووجدنا شهور الأهلة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوماً، وبيننا وبينهم أحد عشر يوماً فى العام، فزادوا شهرًا فى كل سنة ثالثة حتى يستقيم. وتأتى أسماء شهورهم موافقة لمعانيها لا تختلف أوقاتها كشهور العجم، فكان رمضان يأتى أبداً فى الحر والرمضاء، وبه سمى والربيع فى زمان ابتداء من المطر ونبات الربيع، على مذهبهم أن زمان الربيع هو الخريف عندهم، وجمادى فى شهور البرد وجمود الماء لذلك، قال الشاعر:
فى ليلة من جمادى ذات أندية
فلولا أنها كذلك أبدًا عندهم لا يختلف حال ليالى جمادى لما حسن هذا الكلام ولا صح، كما لا يصح لأحد منا أن يقوله اليوم، فعلى هذا يستقيم لفظ الحديث ويتوجه معناه، وينفهم المراد بقوله ﵇: " اثنى عشر شهراً "، وعلى حكمهم فى النسىء فى تحريم شهر وتحليل آخر لا يختلف عدد الشهور، وإنما يختلف فيها الشهور للتحريم والتحليل، وقيل: لما وافق حج النبى ﷺ ذا الحجة قال: " إن الزمان قد استدار كهيئتة يوم خلق الله السماوات والأرض " إنى قد ثبت الحج فى ذى الحجة وثبت التحريم فيه لوقوعه أيضاً موقعه.
وقوله: " ورجب مضر "، قال الإمام ﵀: قيل: إن ربيعة كانت تجعل رجباً رمضان ومضر تبقيه على حاله، فلذلك أضافه إليهم، وقيل لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم، وأكثر ذلك بقوله: " الذى بين جمادى وشعبان "، وزيادة في البيان وتحرزاً من تنقله بالسنين حتى كان يسمى باسمه غيره.
قال القاضى - رحمة الله -: وقيل: كانت العرب تسمى رجباً وشعبان الرجبين، وقيل: بل كانت تسمى جمادى ورجب جمادين، وتسمى شهر شعبان رجباً، فلذلك خص رسول الله ﷺ رجباً بعينه.
وقوله: ثم قال: " أى بلد هذا؟ ثم أليس البلدة " يعنى مكة، وعرفها للعهد والتخصيص والتعظيم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَة﴾ (١)، وقيل: هو اسم لمكة، وقيل: اسم لمنى.
стр. 3086
مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ. كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا. وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ. فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِى كُفَّارًا - أَوْ ضُلالاً - يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلا لِيُبَلَّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ ". ثُمَّ قَالَ: " أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ".
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِى رِوَايَتِهِ: " وَرَجَبُ مُضَرَ ". وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ: " فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِى ".
ــ
وقوله ﵇ لهم وسكوته بأنه كان سؤال على طريق التقرير والاستنصات. وقوله: " الله ورسوله أعلم " صرف للجواب إليه؛ لعلمهم أنه لم يجهل ما سأل عنه، ولا طلب منهم جوابه بالحقيقة، بل تقريرهم كما يورده عليهم، أو لما ذكروه أنهم ظنوا أنهم لما سألهم عنه إنما ذلك لما لم يعلموه ليسمى لهم ما سألهم عنه بغير اسمه، لا يراد عجباً ذلك، كما سمى المدينة طابة، وسمى العتمة العشاء، وغير ذلك.
وقوله: " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا، فى شهركم هذا " كل هذا تأكيد لحرمة الدماء والأموال والأعراض، وتحريم لمظالم العباد، كتأكيد حرمة يوم النحر من شهر الحج فى حرم مكة.
وقوله: " أى يوم تلقون ربكم؟ " دليل على أن تحريم مكة وذى الحجة وتعظيمها وتعظيم يوم النحر تحريم الأعراض والأموال والدماء إلى الأبد، وأنه لا رخصة فى شىء من ذلك. وقوله: " لا ترجعوا بعدى كفاراً أو ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض ": تقدم الكلام عليه، وأنه لا حجة فيه لمن يكفر بالمعاصى، وأن معناه كفر دون كفر، وكفر نعمة وشكراً من لا يكفر دين وردة، وقيل: كفر فعل مما تقدم لكم من البيان والتصديق والإيمان. قيل: هذا الكلام من تحريم دمائكم. وقيل: كفار متكفرين فى السلاح للقتال، قد يكون ذلك فيمن ارتدوا فى الخوارج على القول بتكفيرهم، وتكفير أهل البدع. فقوله: " ألا ليبلغ الشاهد الغائب " حجة فى لزوم إبلاغ العلم ونشره.
قوله: " فلعل بعض من لم يبلغه أوعى له من بعض من سمعه ": حجة فى جواز الحديث عن الشيوخ ومن لا علم عنده ولا فقه، إذا ضبط ما يحدث به. وفى كلامه هذا وهو على بعيره حجة لاتخاذ المنابر للخطب؛ لأن المقصود ارتفاع الخطيب على جماعة الناس ليستمعوا كلامه، ولا يخفى عليهم خطبته بقوله: " ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما وإلى جزيعة من الغنم ففسمها بيننا " هكذا هى " خزيعة " بالزاى عند كافة الرواة، وكان عند شيخنا أبى محمد الخُشَنى وبعضهم: " خديعة " وأراها رواية ابن ماهان - أيضاً - بالذال، وهو وَهْم، والصواب الأول، أى قطعة من الغنم.
стр. 3087
٣٠ - (...) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَخَذَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ. فَقَالَ: " أَتَدْرُونَ أَىَّ يَوْمٍ هَذَا؟ ". قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. فَقَالَ: " أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟ " قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " فَأَىَّ شَهْرٍ هَذَا؟ " قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ " أَلَيْسَ بِذِى الْحِجَّةِ؟ " قُلْنَا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " فَأَىُّ بَلَدٍ هَذَا ". قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. قَالَ: " أَلَيْسَ بِالْبَلْدَةِ؟ " قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كُحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ".
قَالَ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، وَإِلَى جُزَيْعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ فَقَسَمَهَا بَيْنَنَا.
ــ
قال الإمام ﵀: وقوله: " ثم انكفأ "، الانكفاء الانقلاب، يقال: انكفأ إلى كذا، أى انقلب إليه ومال نحوه. وانكفأ لونه، أى تغير وزال عن حاله، ومال إلى حالة أخرى. قال الكسائى: الأملح: هو الذى فيه بياض وسواد والبياض أكثر. قال القاضى ﵀: قَالَ الدارقطنى: قوله: " ثم انكفأ " إلى آخر الحديث، وهم من ابن عون فيما قيل، وإنما رواه ابن سيرين عن أنس (١).
قال القاضى ﵀: وقد خرج البخارى هذا الحديث عن ابن عون، فلم يذكر فيه هذا الكلام (٢)، ولعله تركه عن عمد. وقد رواه أبو قرة عن ابن سيرين فى مسلم فى الباب، فلم يذكر فيه هذه الزيادة، إنما هى فى حديث آخر فى خطبة عيد الأضحى، فوهم فيهما الراوى وضمها إلى خطبة الحج، أو هما حديثان، ضم بعضهما إلى بعض. وقد ذكر مسلم ذلك فى كتاب الضحايا بعد هذا من حديث أيوب وهشام عن ابن سيرين، عن أنس؛ أن النبى ﷺ صلى ثم خطب، فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد، ثم قال آخر الحديث: " وانكفأ رسول الله إلى كبشين أملحين فذبحهما، فقام الناس إلى غنيمة فتوزعوها " (٣)، فهذا هو الصحيح ورافع للإشكال، ويصحح - أيضاً - أن اللفظ الذى هنا: " خزيعة "بالزاى لقوله هنا: " غنيمة ".
стр. 3088
(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَة، عَنِ ابن عَوْنٍ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ جَلَسَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ. قَالَ: وَرَجُلٌ آخِذٌ بِزِمَامِهِ - أَوْ قَالَ بِخِطَامِهِ - فَذَكَرَ نَحوَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ.
٣١ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ ابْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ هُوَ فِى نَفْسِى أَفْضَلُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بِإِسْنَادِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ - وَسَمَّى الرَّجُلَ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِى بَكْرَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: " أَىُّ يَوْمٍ هَذَا؟ "، وَسَاقُوا الْحَدِيثِ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عَونٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَذْكُرُ: " وَأَعْرَاضَكُمْ "، وَلا يَذْكُرُ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ، وَمَا بَعْدَهُ. وَقَالَ فِى الْحَدِيثِ: " كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ. أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: " اللَّهُمَّ؛ اشْهَدْ ".
ــ
قالوا: وفى هذا الحديث دليل أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر لتعظيم أمره فى هذه الخطبة، وهو قول على وابن عمر ومالك فى آخرين. واختلف فيه عن ابن عباس، وروى عن عمر وابن الزبير فى آخرين: أن يوم الفتح الأكبر الحج الأكبر يوم عرفة، وصحة القول الأول ما تقدم من تخصيص النبى ﷺ له؛ ولأن فى يومه وليلته معظم أعمال الحج. وقوله ذلك قوله فى البخارى فى بعض روايات هذا الحديث: " أى يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ " قالوا: يومنا هذا.
стр. 3089
(١٠) باب صحة الإقرار بالقتل وتمكين ولىّ القتيل من القصاص، واستحباب طلب العفو منه
٣٢ - (١٦٨٠) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ؛ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: إِنِّى لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا قَتَلَ أَخِى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَقَتَلْتَهُ؟ " - فَقَال: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ - قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتُهُ. قَال: " كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ ". قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبطُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِى فَأَغْضَبَنِى، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلْتُهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " هَلْ لَكَ مِنْ شَىْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟ ". قَالَ: مَالِى مَالٌ
ــ
قوله فى الذى جاء يقود آخر بنسعةٍ، فقال: " هَذا قتل أَخى ". النسعة: ما ضفر من الأديم كالحبال، فإذا فتل ولم تضفر فليس بنسعة. فيه العنف على الجناة وتثقيفهم وأخذ الناس لهم حتى يحضروا بين يدى الولاة، إذ لو لم يجعل للناس هذا لفَرُّوا وفاتوا، فَليَدِ الناس فى أخذهم سلطان عليهم؛ لأنه من المعاونة لأولياء القتيل والمجنى عليه، ومن نصرة المظلوم، وتغيير المنكر. وقد أمر الله - سبحانه - بذلك كله.
وقول النبى ﷺ له: " أقتلته؟ " فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة: فيه ترتيب القضاء فى الاستقرارات أولاً للمدعى عليه قبل تكليف الطالب البينة، لعل المطلوب يقر فيكتفى عن التعب فى إحضار البينة، وليكون الحكم أجلى باليقين باعتراف منه بغلبة الظن بالبينة، وفيه سؤال الحاكم ولى القتيل العفو عن الجانى بعد بلوغ الإمام، وجواز أخذ الدية فى العمد.
وقول القاتل:" نعم قتلته. قال: كيف قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبنى فأغضبنى فضربته ": قالوا: ينبنى على قوله: " فقتلته " معنى " يختبط " أى يجمع الخبط وهو ورق السمر، وهو خبط شجرة بالعظم ليسقط ورقها فيجمع، ويعلقه الإبل والماشية. وقرن الرأس: جانبه. فيه تقرير المسجون والمحبوس، وأن اعترافه لازم له. وقال: اختلف العلماء فى ذلك. واضطرب المذهب عندنا فى إقراره بعد الحبس والتهديد، هل يقبل حمله أو لا يقبل حمله والفرق، فيقبل إذا عنى ما اعترف به من قتل أو سرقة، ولا يقبل إذا لم يبين.
وقول النبى ﷺ له: " هل لك من شىء تؤديه؟ " فيه الترغيب فى العفو وأخذ الدية كما فعل فى غير نازلة، فلما لم يكن عنده ولا رجى ذلك من قومه دفعه إلى ولى المقتول،
стр. 3090
إِلا كِسَائِى وَفَأَسِى. قَالَ: " فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَروُنَكَ؟ ". قَالَ: أَنَا أَهُونُ عَلَى قَوْمِى مِنْ ذَاك. فَرَمَى إِلَيْهِ بِنِسْعَتِهِ. وَقَالَ: " دُونَكَ صَاحِبَكَ "، فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ " فَرَجَعَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّكَ قُلْتَ: " إِنْ قَتَلَهُ فَهوُ مِثْلُهُ " وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبَكَ؟ " قَالَ: يَا نَبِىَّ اللهِ - لَعَلَّهُ قَالَ - بَلَى. قَالَ: " فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ ". قَالَ: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
ــ
وهو قوله فى الحديث: فرمى إليه بنسعته وقال: " دونك صاحبك ".
وقوله: فلما ولى به قال: " إن قتله هو مثله "، وقول الرجل: يا رسول الله، قلت لى إن قتله فهو مثله وأخذته بأمرك. فقال: " أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ " قال: يا نبى الله، لعله قال: بلى. قال: " فإن ذلك كذلك " قال: فرمى بنسعته وخلى سبيله. وفى الرواية الأخرى: فقال النبى ﷺ لما أدبر به: " القاتل والمقتول فى النار ": وفيه أن النبى ﷺ سأله أن يعفو عنه، قال الإمام ﵀: أما قوله ﵇: " إن قتله فهو مثله " فإن أمثل ما قيل فيه: أنهما استويا بانتفاء التباعد عن القاتل بالقصاص.
وأما قوله ﵇: " أما تريد أن يبوءَ بإثمك وإثم صاحبك " فيمكن أن يريد أنه يتحمل إثم المقتول أو إثم أخيه ولى الدم لا على جنايته عليهما بقتل هذا أو فجعة هذا بأخيه، ويكون هذا قد أوحى إليه به فى هذا الرجل، ويمكن أن يريد أنه باء بإثم القتيل، وأضافه إليهما وإن كان فى الحقيقة هو أثم بالقاتل لا بهما؛ لأنهما كالشيئين فى تأثيمه لما أدخله عليهما من المصائب، وفى الكتاب العزيز: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ (١) فجعله رسولاً لهم لاختصاصهم به وهو فى الحقيقة رسول الله.
وفى كتاب أبى داود: " أرسله فتبوء بإثم صاحبه وإثمه " وفى بعض طرقه: " أما إنك إن عفوت عنه فإنه يبوء بإثمه وإثم صاحبك " (٢) فقيل: المراد فى أخيه الإثمين؛ ما على القاتل من الآثام من غير قتل، فكأنه مطالب بها مع الإثم الثانى الذى هو إثم القتل، ولو قتل لكفرت عنه الآثام. وقد ذكر أبو داود أن القاتل ذكر ما أراد قتله، وأن النبى ﷺ قال: " إن كان صادقاً فقتلته دخلت النار "، وهذا يشير إلى أن المراد بقوله: " فهو مثله " أن القصاص يكون ظلماً وعدواناً إذا علم الولى صدقه، ولكن لا يصح هذا التأويل مع الاقتصار على مجرد قوله: " إن قتله فهو مثله ".
قال القاضى ﵀: وقيل: " هو مثله " أى قاتل كما ذلك قاتل، وان اختلفا فى الجواز والمنع، لكنهما استويا فى طاقة الغضب وشفاء النفس لاسيما مع رغبة النبى ﷺ
стр. 3091
٣٣ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: أُتِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ رَجُلاً. فَأَقَادَ وَلِىُّ الْمَقْتُولِ مِنْهُ. فَانْطَلَقَ بِهِ وَفِى عُنُقِهِ نِسْعَةٌ يَجُرُّهَا. فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِى النَّارِ " فَأَتَى رَجُلٌ الرَّجُلَ فَقَالَ لَهُ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَخَلَّى عَنْهُ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ أَشْوَعَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ إِنَّمَا سَأَلَهُ أَنْ يَعْفُو عَنْهُ فَأَبَى.
ــ
له فى العفو على ما جاء فى الحديث. وأما فى غير مسلم، فإن النبى ﷺ رغب له فى العفو فى أخذ الدية أربع مرات (١) كلها يأباه، ويحتمل قوله ﵇: " القاتل والمقتول فى النار " أمر آخر، علمهم ﵇ من حال الولى لا من أجل قصاصه هذا، أو يكون استحق هذا القاتل لعصيانه النبى ﷺ فيما أمره به من العفو مرة بعد أخرى، وقيل: إن قول النبى ﷺ : " القاتل والمقتول فى النار " ليس مراده فى هذين، وكيف يصح وهو أقاد منه وأباح له قتله؟ لكن أورده ﵇ فى البغاة، ومقاتلى العصبة كقوله: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار " (٢)، فلما سمع الولى هذا لم يفهم معناه وتورع لعمومه. وهذا التأويل بعيد من ألفاظ الحديث وإقرار النبى ﷺ له على تركه وهو موضع البيان.
وقد يكون معنى قوله: " تبوء بإثمك وإثم صاحبك ": أى عفوك عنه يكفر الذنب الذى استوجب به هذا الولى النار، إن كان عنده أنه من أهلها لمعنى آخر كما تقدم، أو يبقى عليه ما كسب من ذنوب لمشيئة ربه. وفيه دليل أن قتل القصاص لا يكفر ذنب القاتل بالكلية وإن كفر ما بينه وبين الله تعالى، كما جاء فى الحديث الآخر: " فهو كفارة له، وبقى حق المقتول "، وسيأتى من هذا فى كتاب القصاص.
وقد اختلف العلماء ﵏ فى أخذ الدية من قاتل العمد، فذهب جماعة إلى إجبار القاتل عليها إرث للولى، وهو مذهب الليث والأوزاعى، وإحدى الروايتين عن مالك، وبه قال الشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وروى عن ابن المسيب وعطاء والحسن. وقيل: ألا يكون ذلك إلا برضاهما معاً، وهى الرواية الأخرى عن مالك، وبه قال الكوفيون (٣).
стр. 3092
(١١) باب دية الجنين، ووجوب الدية فى قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجانى
٣٤ - (١٦٨١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هذَيْلٍ، رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَطَرَحَتَ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ النَّبِىُّ ﷺ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
ــ
وقوله: " إن امرأتين من هُذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها، فَقَضى فيه النبى ﷺ بِغُرَّةٍ: عبدٍ أو أَمَةٍ ": الرواية فيه: " بغرةٍ " بالتنوين، وما بعده بدل منه. وبعضهم يرويه بالإضافة وله أولاً وجه واضح.
قال الإمام ﵀: تقدم الكلام على وجه المستوفى دية الأجنة، الذكر والأنثى، وأن ذلك قطع للخصام لأنه مما يخفى فيكثر فيه الشارع. وقد قال بعض الناس: إن العبد الذى يقضى به لذكره الغرة، وديته عندنا عشر دية أمه، وقيمة الغرة عندنا مقدرة بعشر دية الأم، وتورث على فرائض الله - سبحانه - وقد قيل: إن ذلك كعضو من أعضائها فإذا قضى بالدية أخذتها الأم وحدها، كما تأخذ دية سائر أعضائها، وقيل: ليس ذلك كعضو من أعضائها فلا تنفرد بديته بل يشاركها الأب.
قال القاضى ﵀: فسر الغرة هنا فى الحديث أنها عبد أو أمة، وعلى التفسير حمله مالك وغيره لا على الشك. وقيل: الغرة تطلق على الإنسان كان ذكراً أو أنثى. قال ابن فارس: غرة كل شىء أكرمه وأنفسه. وقال أبو عمر: معناها: الأبيض، ولذلك سميت غرة فلا يوجد فيها أسود. قال: ولولا أن رسول الله ﷺ أراد بالغرة معنى لا يدل على شخص لعبد ولا أمة لما ذكرها، وقيل: أراد بالغرة الخيار، والوسط من الأعلى يجزئ، وليس الوسط من جملة العبيد. ومقتضى مذهبنا أنه يخير بين إعطاء غرة أو عُشْر دية الأم من كسبهم إذا كانوا أهل ذمة فخمسون ديناراً، أو أول وَرِق فستمائة درهم وخمس فرائض من الإبل (*)، وقيل: لا يعطى من الإبل. وعلى هذا فى قيمة الغرة جمهور العلماء، وخالف الثورى وأبو حنيفة فقالا: قيمة الغرة خمسمائة درهم؛ لأن ديتها عندهم من الدراهم خمسمائة درهم. وحجة الجماعة قضاء الصحابة فى ذلك مما قالوه، ويشذ بعض السلف منهم طاوس وعطاء ومجاهد فقالوا: غرة عبد ووليدة أو فرس. وقال بعضهم: أو
стр. 3093
٣٥ - (...) وحدّثنا قَتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَضَى رَسُوَلُ اللهِ ﷺ فِى جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِى لَحْيَانَ، سَقَطَ مَيِّتًا،
ــ
بغل (١)، ورفعوا فى ذلك بنصه حديثاً. وقال داود وأصحابه: كل ما وقع عليه اسم غرة يجزئ (٢).
وقوله: " فطرحت جنينها " وفي الحديث الآخر: " ميتاً " ولم يختلف أن هذا حكم الجنين إذا زايل أمه ولم يستهل كما خلقه وتصويره، مضغة كان أو علقة أم لا، سواء كان ذكراً كان أم أنثى، وهو قول أبى حنيفة. وقال الشافعى: حتى يتبين شىء من خلقه وتصويره (٣) وإن قَلَّ: فإذا زايل أمه واستهل ومات ففيه الدية كاملة في الخطأ، والدية فى العمد بعد القسامة. وقيل: فيها الدية بغير قسامة، وهو قول لأبى حنيفة. وعندنا فى ذلك الوجهان.
واختلف فيه إذا لم يستهل صارخاً، وكان منه ما دل على الحياة من طول حركة إقامته أو حركة أو عطاس أو رضاع اختلافاً كثيراً عندنا وعند غيرنا (٤)، وكذلك اختلف إذا خرج بعد موت أمه، هل فيه غرة؟ وهو قول ربيعة والليث والزهرى وأشهب وداود، أم لا غرة فيه؟ وهو قول مالك والشافعى وعامة العلماء.
واختلف قول مالك فى الغرة فى الباب كله، هل هى على العاقلة؟ وهو قول الكوفيين والشافعى، أم على الجانى؟ وهو المشهور من قول مالك، ومثله البصريون (٥). واختلفوا هل على الضارب مع الغرة كفارة أم لا؟ فمالك يلزمه الكفارة (٦).
قال الإمام ﵀: وقوله: " قضى بميراث المرأة لبنيها وزوجها وجعل العقل على عصبتها " استدل به من يرى أن الابن لا يعقل عن أمه، وهى مسألة اختلاف.
قال القاضى ﵀ قوله: " ثم إن المرأه التى قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها ": فى هذا الكلام تلفيق والحديث الآخر بينه؛ لأن قوله: " المرأة التى قضى عليها بالغرة توفيت " ظاهره أنها الجانية، وإنما هى المجنى عليها أم الجنين، لقوله فى الحديث للآخر: " فقتلتها وما فى بطنها " نفى التى قضى عليها بها أو فيها، هذه الحروف تبدل من بعضها من بعض، كما قالوا: بارك الله فيك وبارك الله عليك.
стр. 3094
بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. ثمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِى قُضِىَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا.
٣٦ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. ح وَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا، وَمَا فِى بَطنِهَا. فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلدَها وَمَنْ مَعَهُمْ. فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِىُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لا شَرِبَ وَلا أَكَلَ،
ــ
والهاء فى قوله: " والعقل على عصبتها " يعنى هنا القاتلة، كما قال فى الحديث الآخر: " فجعل رسول الله ﷺ دية المقتول على عصبة القاتلة " قد يحتج بهذا لأحد القولين؛ فى أن الغرة على القاتلة، وهو بين فى الحديث الآخر وهو قوله: " فقضى فيها منه بغرة، وجعله على عاقلة المرأة "، وقد يحتمل رجوع الهاء فى " عصبتها " على المقتولة؛ لأن عصبتها كانت عصبة القاتلة سواء، إذ قال فى الحديث: " امرأتين من هذيل ". وقال أبو القاسم بن أبى صفرة: إذا كانت الضربة واحدة فعلى العاقلة دية المرأة والغرة. قال الأصيلى: وإنما أوجب النبى ﷺ العقل على عصبتها وهى متعمدة والعاقلة لا تحمل عمداً؛ لأن أولياءها تطوعوا بالدية، قالوا: ما تطوعوا به إذا قبله الآخرون، وقال غيره: يحتمل أنها لم تقصد قتلها، وقد يكون من شبه العمد الذى فيه الدية عند بعضهم.
وقول من استدل أن الابن لا يدخل فى العصبة من هذا الحديث ذهول بعيد عن الصواب؛ لأنه إن كانت الهاء عائدة على القاتلة فكيف يستدل على ما قال من ذكر ابن المقتولة؟ وإن كانت الهاء عائدة على المقتولة فابْنُها داخل فى عصبتها إن كان ابنًا لزوجها حَمَل بن النابغه؛ لأنه من هذيل أيضاً، وقد ذكر زوجها فيمن يرثها مع الابن، وهو ممن عليه الدية لأنه من عصبتها، ألا تراه كيف قال: " كيف تودى من لا أكل ولا شرب؟ "، وإنما لا يكون على الزوج والابن شىء إذا لم يكن من عصبتها، وهو قول كافة العلماء.
وقوله: " وقضى بدية المرأة على عاقلتها ": احتج به من لا يرى القصاص فى القتل بغير المحدد، ويجعله شبه العمد وقد تقدم الكلام فيه. والجواب عن الاستدلال بهذا الحديث أنه قد روى ابن جريج فى هذا الحديث: أنه قضى فى جنينها بغرة وأن تقتل المرأة. فهذا يعارض حجتهم مع أن رواية مالك والليث وغيرهما ليس فيه ذكر موت المرأة ولا ديتها، وقيل: قد يحتمل أن أولياء المقتولة قبلوا الدية. لكن يعارض هذا قوله: " فقضى رسول
стр. 3095
وَلا نَطَقَ وَلا اسْتَهلَّ؟ فِمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ " مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِى سَجَعَ.
(...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. وَقَالَ: فَقَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ نَعْقِلُ؟ وَلَمْ يُسَمِّ حَمَلَ بْنَ مَالِكٍ.
٣٧ - (١٦٨٢) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ الْخُزَاعِىِّ، عَنِ الْمُغِيْرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ وَهِىَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا. قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ. قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِى بَطْنِهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَة الْقَاَتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لا أَكَلَ وَلا شَرِبَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَسَجَعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟ ".
ــ
الله ﷺ بالدية على عاقلتها ". وقد يحتمل أن الأولياء تطوعوا بالدية فألزموا بها أو عفا عليها أولياء الدم.
وقول حمل بن النابغة: " كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ ": يدل أن الغرة فيمن لم يستهل ولا عرفت حياته.
وقوله: " فمثل ذلك يطلُّ ": كذا رويناه هنا عن جمهورهم بالباء بواحدة، وعند ابن أبى جعفر بالياء باثنتين مضمومة، وروى عن مالك فى الموطأ بالوجهين (١).
قال الإمام ﵀: فمن رواه بالباء من البطلان ومن رواه بالياء المعجمة باثنتين تحتها من قوله: طيل دمه، أى هدر.
وأما قوله ﵇: " أسجع كسجع الأعراب؟ " وفي الروايه الأخرى: " إنما هذا من إخوان الكهان "، قال الإمام ﵀: إنما ذمه لأن هذا السجع فى مقابلة حكم الله كالمسْتَبْعِد له، ولا شك أنه كل ما عُورضت به النبوة مَذْمُوم إذا كان القصد به برد الحكم وإلا قوله سجع النبى ﷺ فى مواضع.
قال القاضى ﵀ وقيل: بل يكون عليه تكلف لاسجاع على طريق الكهان وحواشى العرب، وسن سجع فصحاء العرب، وبعضها كلام النبى ﷺ ، وسجعه من هذا النوع منه. وحمل هذا كان بدوياً وأعرابياً.
стр. 3096
قَالَ: وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ.
٣٨ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ؛ أَنَّ امْرَأَةً قَتَلَتْ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَأُتِىَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى عَلَى عَاقِلَتِهَا بِالدَّيَةِ، وَكَانَتْ حَاملاً، فَقَضَى فِى الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ. فَقَالَ بَعْضُ عَصَبَتِهَا: أَنَدِى مَنْ لَا طَعِمَ وَلا شَرِبَ وَلا صَاحَ فاسْتَهَلَّ؟ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ قَالَ: فَقَالَ: " سَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟ ".
(...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ منصُورٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ وَمُفَضَّلٍ.
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورِ، بِإِسْنَادِهِمُ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِيهِ فَأَسْقَطَتْ. فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ، وَجَعَلَهُ عَلَى أَوْلَيَاءَ الْمَرْأَةِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِى الْحَدِيثِ: دِيَةَ الْمَرْأَةِ.
ــ
وفى قول حمل بن النابغة: " كيف أغرم من لا شرب ولا أكل؟ ": حجة لليث ولربيعة أن الغرة للأم خاصة ولو كانت على الفرائض - على مشهور قول مالك وأصحابه وأبى حنيفة والشافعى - لكان للأب فيها أوفر نصيب، وللأب، وابنه على مذهب ابن هذيل وأحد قولى مالك: لكان للأب الثلثان، فلما كان هنا غارماً محضاً دل أنه لم يكن له فى ذلك حق.
وقوله: " كيف أغرم ": حجة لأحد القولين منها على العاقلة لأنه عصبة العاقلة وزوجها. وقوله فيه: " حمل بن النابغة " فى حديث و " حمل بن مالك " فى آخر، هو حَمَل بن مالك بن النابغة بهاء مهملة مفتوحة.
وقوله: " امرأة من هذيل "، وفى الحديث الآخر: " وأحدهما وإحداهما لحيانية " يقال بفتح اللام وكسرها. ولحيان قبيل من هذيل، وهو حيان بن هذيل.
وقوله: " ضرتها ": أى شريكتها، وسميت بذلك للمضارة التى تلحق إحداهما من أجل الأخرى.
وقوله: " استشار عمر - رضى الله تعالى عنه - الناس فى ملاص المرأة "، قال الإمام ﵀: ملاصها بالجنين: هو أن تزلقه قبل وقت الولادة، وكل ما زلق من يدٍ فقد ملص يملص ملصاً. وقال أبو العباس: ومنه حديث الدجَّال: " فأملصتْ به أمه " أى أزلقته. يقال: أملصت وأزلقت وأسهلت به وحطأت به بمعنى واحد.
стр. 3097
٣٩ - (١٦٨٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مخْرَمَةَ. قَالَ: اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِى ملاصِ الْمَرْأَةِ. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدتُ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِى بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ. قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ.
ــ
قال القاضى ﵀: الرواية عندنا فى هذا الحرف فى مسلم: " فى ملاص المرأة " هكذا، ووقع فى سائر النسخ، إلا أنه كان وقع فى كتاب أبى بحر: " إملاص " مصلحاً غير رواية، ورأيت أبا عبد الله بن أبى بشر الحميدى فى جمع الصحيحين له قد ذكره " ملاص " على الصواب، لكنه قد جاء: أملص الشىء وملص: إذا أفلت، فإن أريد به جنين صح مِلَاص، مثل: لزم لزاماً.
وفى سند هذا الحديث: نا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه، عن مسور بن مخرمة، قال: استشار عمر الناس - الحديث. قال الدارقطنى: وهم وكيع فى هذا الحديث، وخالفه أصحاب هشام فلم يذكروا فيه " المسور " وهو الصواب، ولم يخرج مسلم غير حديث وكيع، وخرج البخارى فى حديث من خالفه فأتى بالصواب.
وقد احتج بهذا الحديث من لم ير الكفارة فى قتل الجنين، وهو مذهب مالك وأبى حنيفة. قلت: مالكاً يستحبها، وأوجبها الشافعى، وروى عن جماعة من البصريين والكوفين.
واختلفوا فى جنين الأمة، فمذهب مالك والشافعى: أن فيه عشر قيمة أمة قياساً على الحرة، ذكراً كان أو أنثى، وقال كذلك الحسن. وقال أبو حنيفة: فيه عشر قيمته لو كان حياً إذا كان أنثى، وأما إذا كان غلاماً فنصف عشر قيمته لو كان حياً، هكذا بالتفريق يقول أبو حنيفة، وكذلك فى جنين الحرة إذا كان ذكراً فنصف عشر ديته، وإن كان أنثى فعشر ديته (١).
стр. 3098
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٩ - كتاب الحدود
(١) باب حد السرقة ونصابها
١ - (١٦٨٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا: وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - عَن الزُّهْرِىِّ، عَن عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِى رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً.
(...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِمِثْلِهِ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ.
٢ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ - وَاللَّفْظُ لِلْوَلِيدِ وَحَرْمَلَةَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا
ــ
كتاب الحدود
السرقة
قوله ﵇: " يقطع السارق فى ربع دينار فصاعداً " وفى الحديث الآخر: " لا تقطع اليد إلا فى ربع دينار فما فوقه "، وفى الآخر: " يقطع فى مجن قيمته ثلاثة دراهم "، وفى طريق آخر: " لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده "، وفى الأخرى: " لم تقطع يد السارق فى عهد النبى ﷺ فى أقل من ثمن المجن حجفةٍ أو تُرسٍ وكلاهما ذو ثمن "، قال القاضى ﵀: صان الله تعالى - الأموال بحد القطع فى السرقة فى أول حدود ماله من المال وأن يجعل ذلك فى غير السرقة والزنا والاغتصاب لأن ذلك فى الأقل من أهل القدرة فى الأكثر، لأن ما كان مجاهرة
стр. 3099
فِى رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ".
٣ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى - وَاللَّفْظُ لِهاَرُونَ وَأَحْمَدَ - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ - أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ يَسَارٍ عَنْ عمْرَةَ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا تُقْطَع اْليَدُ إِلا فِى رُبْعِ دِينَارٍ فَمَا فَوقَهُ ".
٤ - (...) حدّثنى بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْن الْهَادِ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْن مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ. " لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِى رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ".
(...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى عَامِرِ الْعَقَدِىِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، مِنْ وَلَدِ الْمِسْوَرِ بْنِ
ــ
فاسترجاعه ممكن بالعلم متوفر فيه السرقة مستشرى قلما يتوصل [بالاطلاع] (١) عليها، وإقامة الشهادة فيها فعظم فيها، واتسعت العقوبة فيها لشدائد الزجر عنها، وتجرد التوصل إلى معرفة ما اشتهر به منها، ولم يجعل تقدير ديته حيث يفصل العضو المقطوع فيه حماية للعضو أيضاً، وصيانة له، فمعظم ديته تعظيم المتحقق من ذلك بخلاف قطع السارق، وإن اختلفوا فى تفضيله من صفات السارق والمسروق، فالمسروق منه المسروق فيه وهو الحول وفى ذلك فيمن وجب عليه القطع قطع يمينه.
قال الإمام: ورد القرآن أن يقطع السارق وهو أخذ المال على جهة الاستسراء، وشرع ذلك صيانة للمال. وينظر ها هنا فى جنس المسروق وقدره وموضعه وسارقه.
فأما جنس المسروق، فكل ما يتملك وينتفع به ويحرز، ففيه القطع، فإن كان مما يحرز ولا يملك كالجر الصغير ففيه خلاف، إن كان مما لا يبقى كالفواكه الرطبة فيقطع عندنا خلافاً لأبى حنيفة (٢).
وأما مبلغه، فاختلف الناس فيه، فمنهم من يقطع فى القليل والكثير وهو مذهب أهل
стр. 3100
مَخْرَمَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الْهَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥ - (١٦٨٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِىُّ، عَنْ هِشَامِ بْن عُرْوَةَ، عِنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِجَنِّ، حَجَفَةٍ أو تُرْسٍ، وَكِلاهُمَا ذو ثَمَنٍ.
(...) وَحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤاسِىِّ. وفِى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ وأَبِى أُسَامَةَ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ذُو ثَمَنٍ.
٦ - (١٦٨٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ
ــ
الظاهر لعموم الآية ولم يخصها بالأخبار. ومن الناس من قدَّر مبلَغ القطع بالدرهمين، ومنهم من قدره بالثلاثة، ومنهم من قدره بالخمسة، وقال: لا تقطع الخمس إلا فى الخمس ومنهم من قدره بعشرة دراهم (١) لما روى فى بعض الطرق: " أن المجنَّ كان ثمنه عشرة دراهم على عهد النبى ﵇ ".
وأما قوله: " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده " (٢): فمن الناس من يتأوله على بيضة الحديد، ويروى أنها تساوى ثلاثة دراهم، ومنهم من يحمله على قصد المبالغة والتنبيه على عظيم ما خسر وهى يده، وحقير ما حصل مثل البيضة والحبل. وأراد جنس البيض وجنس الحبال.
وأما موضع السرقة، فالحرز معتبر. وقد اضطربت الروايات فى الحرز اضطراباً كثيراً والنكتة فيه أن كل ما كان حرزاً فى العادة، وقصد إلى التحرز به ففيه يجب القطع والاختلاف إلى هذا يرجع، فطائفة تقدر حصول هذا الوصف فى الشىء فتقطع، وطائفة أخرى تراه لم يحصل فلا تقطع.
стр. 3101
ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ.
(...) حدّثنا قُتَيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ رُمْحٍ، عَن اللَّيْثِ بْن سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ ابَنُ حَرْبٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَّيَةَ. ح وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَّيَةَ وَعُبَيْدِ اللهِ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَّيَةَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْن أَبِى سُفْيَانَ الْجُمَحِىِّ وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأُسَامَةَ بْن زَيْدٍ اللَّيْثِىِّ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ: غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: قِيْمتُهُ. وَبَعْضَهُمْ قَالَ: ثَمَنُهُ ثلاثة دَرَاهِمَ.
٧ - (١٦٨٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
ــ
وأما السارق، فألا تكون له شبهة فى المال كالأب ومن فى معناه. هذه عقود هذا الباب، وفروعه تتسع.
قال القاضى ﵀: اختلف العلماء فى القدر الذى يجب فيه القطع اختلافاً كثيراً، فأخذوا بمجموع الأحاديث الواردة فى ذلك فى أنه لا يقطع فى أقل من ربع دينار عمداً، وفى ثلاثة دراهم، أو ما قيمته ذلك، كانت أكثر من ربع دينار أو أقل، ولم يراع هل يكون الثلاثة دراهم ضرباً لربع الدينار أم لا؟ وإلى هذا ذهب أحمد وإسحاق، وقال آخرون: إنما يراعى فى ذلك ربع دينار أو صرفه من الفضة، هو قول عائشة - رضى الله عنها - وعمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - والشافعى والأوزاعى والليث وأبو ثور،
стр. 3102
الله ﷺ : " لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ".
(...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلَىُّ بَنُ خَشْرَم، كُلُّهُمْ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: " إِنْ سَرَقَ حَبْلاً، وَإِنْ سَرَقَ بَيْضَةً ".
ــ
وروى عن إسحاق (١)، وقاله داود. وروى (٢): " لا يقطع الخمس فى أقل من خمسة دراهم " وروى هذا عن عمر، وهو قول سليمان بن يسار وابن أبى ليلى وابن شبرمة والحسن (٣).
وقيل: لا قطع إلا فى عشرة دراهم أو ما قيمته عشرة من ذهب أو غيره، وهو قول لأبى حنيفة وأصحابه (٤)، واختلف عنه فى الدينار إذا لم يبلغ الصرف عشرة دراهم، هل يعتبر بنفسه أو صرفه، قيل: القطع فى أربعة دراهم، وروى هذا عن بعض الصحابة - رضى الله عنهم - وقيل: فى درهم فما فوقه، وهو قول النبى، وقيل: فى درهمين، وهو مروى عن الحسن. وقيل: لا قطع فى أقل من أربعين درهماً أو أربعة دنانير، وروى ذلك عن النخعى، وقيل: فى كل ما له قيمة، وروى - أيضاً - عن البصرى، وهو قول الخوارج وأهل الظاهر، قليلاً كان أو كثيراً على ظاهر الآية.
وكل هذه الأقاويل تردها الأحاديث الصحيحة المتقدمة المفسرة للآية، ويصحح القول الأول وأقرب ما يليه فى الصحة القول الثانى، ولا يجب أن يُلتفت لما ورد من أن البيضة بيضة الحديد، ولا أن الحبل حبل السفن؛ لأن مثل هذا له قيمة وقدر، وليس مساق الكلام وبلاغته على ذم من أخذ الكثير لا القليل وتقريعه بذلك، بل مثل هذا إنما يرد على تعظيم ما جنى على نفسه فيما تقل قيمته لا فيما كثر. والصواب تأويله على ما تقدم من تقليل أمره، وتهجين فعله، وأنه إن لم يقطع فى هذا القدر فعادته تجره إلى ما هو أكثر منه فيما يقطع فيه.
وقد قيل: إن النبى ﷺ قال ذلك عند نزول الآية مجملة دون بيان قدر على ظاهر الكلام حتى بين الله له حكم ذلك وحده. وما احتج به الحنفى من رواية قطع يده فى ثمن قيمته عشرة دراهم، والآخر فى رواية من روى خمسة دراهم، فلا يعارض لهذه الأحاديث
стр. 3103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصحيحة لشهرتها وصحتها وضعف تلك، مع أنه يحتمل أن يكون قطع فى مجان مرات لها قيم مختلفة كما يكون القطع فى الكثير، ولا ينكر القطع فى أكثر من الثلاثة والربع دينار، ويكون هذا حداً لا ما فوقه. ويجمع بين الأحاديث إن صحت.
ولعنه هنا السارق حجة فى لعن من لم يسم. وكذلك ترجم البخارى عليه (١)؛ لأنه لعن للجنس لا للمعين. ولعن الجنس جائز؛ لأن الله - تعالى - قد أوعدهم، وينفذ الوعيد على من شاء منهم وإنما يكره وينهى عن لعن المعين والدعاء عليه فى الإبعاد من رحمة الله - تعالى - وهو معنى اللعن كما قال ﵇: " لا تعينوا الشيطان على أخيكم " (٢).
وقد ذهب بعض المتكلمين على معانى الحديث: أن اللعن جائز على أهل المعاصى وإن كان معيناً ما لم يحد، فإذا حد فلا. إذ الحدود كفارة لأهلها. وهذا كلام غير سديد ولا صحيح لنهى النبى ﷺ عن اللعن بالجملة، فحمله عن المعين أولى ويجمع بين الأحاديث. وقد قال ﵇ للذين لعنوا شارب الخمر: " لا تعينوا الشيطان على أخيكم ". وقيل: لعن النبى ﷺ لأهل المعاصى تحذير لهم قبل وقوعها، فإذا فعلوها استغفر لهم ودعا لهم بالتوبة، وإذا غلظ عليهم فلعنه تأديباً. فقد قال: " سألت ربى أن يجعل لعنى له كفارة ورحمة ".
وقوله فى الحديث: " المجن حجفة أو ترس، وكلاهما ذو ثمن ": تنبيه ورد على من يقول: يقطع فى القليل والكثير. والحجفة: الدرقة. قيل: المجن: اسم لكل ما يستجن به ويستر من ذلك كله. وقيل: الترس: المتخذ من الجلود هو بمعنى الأول. وتفرقه بينهما فى الحديث يدل أنهما شيئان.
واختلفوا فيما يقطع من السارق، مع اتفاقهم أولاً على قطع يمينه. فقال مالك وجماعة أهل المدينة والشافعى وأبو ثور وغيرهم: إن سرق ثانية قطعت رجله اليسرى، ثم فى الثالثة - يده اليسرى، فى الرابعة رجله اليمنى، ثم إن عاد حبس وعزر. وقيل: تقطع فى الثالثة رجله اليسرى ولا قطع فى غيرهما، ثم إن عاد حبس، يروى هذا عن على والزهرى وحماد وأحمد (٣). وكافتهم على قطع اليد والرجل من الرسغ والمفصل (٤). وقال على: يقطع الرجل من شطر القدم ويترك العقب، وهو قول أحمد وأبى ثور. وقال قائل: تقطع اليد من المرفق، وقيل: من المنكب. وهذان شاذان جداً.
стр. 3104
(٢) باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهى عن الشفاعة فى الحدود
٨ - (١٦٨٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرَأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِى سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجَترِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ " أَتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ ". ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وِإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَايْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ".
وَفِى حَدِيثِ ابْنِ رُمْحٍ: " إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ".
٩ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ - قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمِرَأَةِ الَّتِى سَرَقَتْ فِى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ فِى غَزْوَةِ الْفَتْحِ. فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَأُتِىَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " أَتَشْفَعُ
ــ
ذكر مسلم الأحاديث فى النهى عن الشفاعة فى الحدود وإبطالها، وأن هلاك بنى إسرائيل كانت من سبب ذلك. فيه التشديد على هذا، وأنه حرام لا يحل للشافع ولا للمشفوع عنه. وذلك كله بعد بلوغ الإمام، وفى هذه النازلة كانت الأحاديث. فأما قبل بلوغ الإمام فقد أجاز ذلك أكثر أهل العلم لما جاء فى الستر على المسلم (١). قال مالك: وذلك فيمن لم يعرف منه أذى للناس، وأما من عرف منه شر وفساد فلا أحب أن يشفع
стр. 3105
فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ ". فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِى يَا رَسُولَ اللهِ فَلَمَّا كَانَ الْعَشِىُّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَإِنِّى، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا " ثُمَّ أَمَرَ بَتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِى سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِينِى بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ .
١٠ - (...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ تُقطَعَ يَدُهَا. فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيهَا. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْو حَدِيثِ اللَّيْثِ وَيُونُسَ.
١١ - (١٦٨٩) وحدّثنى سَلَمَةَ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً مَنْ بَنِى مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِىَ بِهَا النَّبِىُّ ﷺ ، فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ النّبِىُّ ﷺ : "وَاللهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا " فَقُطِعَتْ.
ــ
فيه. وأما الشفاعة فيما ليس فيه حد وليس فيه حق لآدمى وإنما فيه التعزير، فجائز عند العلماء، بلغ الإمام أم لا.
وقوله: إن امرأة كانت تستعير الحلى وتجحده، فأمر النبى ﷺ بقطع يدها، قال الإمام ﵀: محمل ذكر العارية ها هنا على قصد التعريف بالمرأة، لا على أن القطع بسبب ذلك، قد تقدم الكلام أنها سرقت، هكذا تأوله أهل العلم.
قال القاضى ﵀: ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى القطع فى جحد العارية؛ أخذاً بهذا الحديث. وعوام العلماء وفقهاء الفتيا على أنه لا قطع فيها. وقد ذكر أرباب الحديث أن معمراً انفرد بذكر العارية فى هذا الحديث وحده من بين سائر الرواة، ذكر غيره أن بعضهم وافقه، لكنه لم يعتد بحفظه كابن أخى الزهرى ونمطه. وقد جاء
стр. 3106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر سرقتها فى الحديث فى الأم مبيناً، وفى غيرها: سرقت قطيفة من بيت رسول الله ﷺ ، قالوا: وإنما لم يذكر السرقة فى هذه الرواية لأن قصد رواتها الخبر عن منع الشفاعة فى الحدود لا الإخبار عن السرقة.
وفى قوله عن بنى إسرائيل أو غيرهم مما تقدم فى هذا الحديث: " كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ": دليل أنها سرقت، وأن نازلتها فى السرقة لا فى الجحد. ويحتج به من لا يشترط الحرز فى السرقة، ويقطع كل سارق من حرز أو غيره، وهو مذهب داود. وروى عن الحسن مثله، وله قول كقول جمهور العلماء وكافتهم باشتراط الحرز حتى صار كالإجماع (١). وما خالفه شاذ. وحجة الكافة إسقاط القطع عن حُرَيْسَةِ الجبل، والثمر المعلق، وتنبيهه بذلك عن الحرز. وقوله: " حتى تؤوى إلى مراحها (٢)، فإذا أواها المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ".
وقول عائشة - رضى الله عنها -: " فحسنت توبتها بعد وتزوجت " فيه توبة السارق، وأن التوبة ماحية حال أصحاب الذنوب. قيل: فى الدنيا والآخرة، وقد تقدم الكلام على قوله: " وايم الله ".
стр. 3107
(٣) باب حدّ الزنى
١٢ - (١٦٩٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خُذُوا عَنِّى، خُذُوا عَنِّى، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْىُ سَنَةٍ. وَالثَّيِّبِ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ".
(...) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
١٣ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتاَدَةَ، عَن الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ ابْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كَانَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ
ــ
حد الزانى
قوله ﵇: " خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ": معنى قوله: " قد جعل الله لهن سبيلاً ": إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ (١)، فأعلم النبى ﵇ أن الله قد أوحى إليه، فجعل السبيل لهن بما ذكره فى الحديث.
واختلفوا فى الآية، هل هى محكمة وما جاء مفسر لها أو منسوخة بآية النور وبهذا الحديث وبآية الرجم المنسوخ لفظها؟ وأنها فى البكرين، وقيل: بل فى الثيبين، وآية النور فى البكرين. وقال إسماعيل القاضى: كان الزانيان أول الإسلام يُجَبَّهان ويحممان ويشهران فنسخت بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الآية، وعن ابن عمر نحوه قال: ثم نسخ ذلك بالرجم والجلد.
ولم يختلف علماء الامصار فى جلد الزانى البكر ورجم الزانى الثيب، إلا ما ذهب إليه الخوارج وبعض المعتزلة - النظام وأصحابه - من إبطال حكم الرجم، وقال بظاهر هذا
стр. 3108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحديث من جمع الجلد والرجم جماعة منهم الحسن البصرى وإسحاق بن راهويه وداود وأهل الظاهر، وروى عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - وجمهور العلماء وكافتهم على الرجم وحده (١)، وشذت فرقة من أهل الحديث فقالت: إنما يجمع الجلد والرجم على الشيخ الثيب دون الشباب، ولا أصل لهذا القول. وحجة الجمهور: أن النبى ﷺ حكم فى المرأة أو فى ماعز وغيرهما بالرجم دون الجلد، فقضى حكمه على قوله وجعل ناسخاً له.
قال الإمام ﵀: أما الزانى المحصن فإنه يرجم. واختلف الناس، هل يضرب مع الرجم؟ فقال جمهور العلماء: لا جلد عليه لقول النبى ﷺ : " واغد يا أنيس على امرأة الآخر، فإن اعترفت فارجمها "، ولم يقل: اجلدها. ولغير ذلك من الأحاديث الدال ظاهرها على سقوط الجلد، وقال بعضهم بإثبات الجلد مع الرجم بهذا الحديث، وقد يكون عند الأولين منسوخاً لأجل الظواهر التى تمسكوا بها.
قال القاضى ﵀: وقوله فى البكر: " ونفى سنة " جمهور العلماء على وجوب النفى على البكر بعد الضرب، على ما جاء فى الأحاديث، وقواه من الأحاديث، وأنه بعض الحد (٢). وخالف أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، فقالا: لا نفى عليه (٣).
ثم اختلفوا فى مقدار النفى، فقال مالك: ينفى من ينفى من مصر إلى الحجاز وشعب وأسوان ونحوها، ومن المدينة إلى خيبر، ولذلك وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - وقد - نفى على - رضى الله عنه - من الكوفة إلى البصرة، قال مالك ﵀: وحبس فى البلد الذى نفى إليه عاماً. وقيل: ينفى إلى غير عمل بلده. وقيل إلى غير بلده. وقال الشافعى: أقل ذلك مسافة يوم وليلة (٤). [] (٥) هنا البكر بالبكر: يحتج به من يرى النفى على النساء والعبيد لعمومه، وهو مذهب الشافعى والثورى والطبرى وداود وأبو ثور، وقال الشافعى مرة: ينفى نصف سنة، ومرة قال: سنة وتوقف فى نفيهم. وذهب معظم القائلين بالنفى إلى أنه لا نفى على مملوك، كذلك قال الحسن وحماد بن أبى سليمان ومالك وأحمد وإسحاق. ولم ير مالك والأوزاعى النفى على النساء، وروى مثله عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه.
وحجة مالك: قوله فى الأمة: " إن زنت فاجلدوها " ولم يذكر نفياً (٦)، وهو موضع بيان وتعليم؛ لأن نفى المماليك عائد بالضرر على ساداتهم وإتلاف لأموالهم،
стр. 3109
كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَربَّدَ لَهُ وَجْهُهُ. قَالَ: فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلُقِىَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا سُرِّىَ عَنْهُ قَالَ: " خُذُوا عَنِّى، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ رَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ. وَالْبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ نَفْىُ سَنَة ".
١٤ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، كِلاهُمَا عَنْ قَتاَدَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِهِمَا: " الْبِكْرُ يُجْلَدُ وَيُنْفَى، وَالثَّيِّبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ "، لَا يَذْكُرَانِ: سَنةً وَلا مِائَةً.
ــ
ونفى النساء كشف لهن تعريض لمجنتهن وضيعتهن؛ لكونهن عورات، وقد نهى النبى ﷺ أن يسافرن مع غير ذى محرم. ولأن فى تغريب الرجل عن وطنه عقوبة له بإخراجه عن أهله وولده، وفى نفى العبد والأمة والمرأة عقوبة غيرهما ممن لم يجن لقطعه المنفعة بهما من الزوجية والاستمتاع، أو الخدمة، وإن كلف الكون معهم فقد شاركهم فى التعذيب. وقوله: " كرب لذلك، وتربد له وجهه ": أى أصابه كرب، وعلت وجهه غبرة. والربدة: تغيير البياض للسواد.
стр. 3110
(٤) باب رجم الثيب فى الزنى
١٥ - (١٦٩١) حدّثنى أبوُ الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرنِى يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ الله ﷺ : إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّداً ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى - إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ - أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِى كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِى كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى
ــ
وقوله فى حديث عمر - رضى الله عنه -: " إن الله بعث محمداً ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله ورجمنا بعده، فأخشى إن أطال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد آية الرجم فى كتاب الله، وإن الرجم فى كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء " هذا طرف من حديث طويل خرجه البخارى بكماله فى خطبة عمر - رضى الله عنه - وخبر السقيفة والخلافة (١). وقد كان ما خشى منه عمر - رضى الله عنه - من تكذيب من كذب بالرجم، وأسقط فرضه من الخوارج والمبتدعة. فيحتمل أنه قال ذلك لعلم عنده من قبل النبى ﷺ ، أو بصدق ظنه وفراسته، كما وافق كثيراً من الأمور والأقضية بغير ذلك، وصادف فيها الحق، وصفه النبى بذلك. وقد روى عنه فى غير هذا الحديث الخبر بهذا قطعاً من قوله: " سيكون فى هذه الأمة قوم يكذبون بالرجم وبالدجال " (٢)، وهذا إنما يكون بما عنده من ذلك [أن النبى ﷺ ] (٣).
وقوله: " بما أنزل الله ": الأظهر فى معناه - والله أعلم - ما ذكره فى الموطأ فى الفصل الذى ذكر من هذا الحديث والخطبة أيضاً، وهو قوله: لولا أن يقول الناس زاد عمر فى كتاب الله لكتبتها بيدى: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " (٤) فإنا قد
стр. 3111
مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ.
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
ــ
قرأناها. ويحتمل أن يريد بما أنزل الله: أى من الوحى على نبيه ﷺ وشرعه له. وفى هذا كان قول عمر - رضى الله عنه - ذلك على المنبر، وإخباره برجم النبى ﷺ ورجمهم معه وقرأ إثر آية الرجم، ولا منكر له من علماء الصحابة وجماعتهم - رضى الله عنهم - ما يدل على موافقتهم له؛ إذ كان مثلهم لا يقر على منكر ولا يسكت عما استشهد به فيه عما يعلم خلافه. وفيه الحجة لإفراد الرجم دون الجلد. وهذه الآية مما نص العلماء أنه مما نسخ لفظه وبقى معناه، وحكمه ثابت وله نظائر، لكن لا يصح أن يثبت قرآناً فى المصحف ولا يتلى؛ إذ لم يكتب فى المصحف لفظه، بل هذا ومثله مما أنسى الله المسلمين حفظه؛ حكمة منه وآية لعباده. ألا ترى أنه لو كان باقياً لفظه لم يجد المبتدع إلى التكذيب بحكمه سبيلاً، ألا ترى ما ذكر عمر - رضى الله عنه - منها إنما هو - والله أعلم - إخبار على معنى ما كان حفظ من القرآن إذ هذا اللفظ والنظم يبعد عن بلاغة القرآن ونظمه. وفى قول عمر - رضى الله عنه - هذا ما كان عليه الصحابة - رضى الله عنهم - من الحيطة على أمر القرآن قبل جمع المصاحف وبعدها، من أنه لا يزاد فيه شىء، ولا ينقص منه شىء، ولا يكتب معه شىء، وامتثالهم بذلك، وائتمارهم مخالفة ذلك.
وقوله: " الرجم فى كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف ": هذه شواهد الزنا الموجبة لحده. فالبينة أربعة شهداء كما قال الله تعالى. ولا خلاف بين العلماء فى أنه لا يقبل فى الزنا أقل من أربعة، وإن اختلفوا فى صفاتهم وصورة شهاداتهم (١).
وأما الحمل، فإذا ظهر بالمرأة لم يعلم لها زوج ولا ولى - إذ كانت أمة - ولا عرف اغتصابها، فإنها يقام عليها الحد، إلا أن تكون غريبة طارئة، وتدعى أنه من زوج أو سيد. هذا قول مالك وأصحابه. ولا يقبل قولها: أنها استكرهت إذا لم تقم بذلك مستغيثة عند الإكراه، وقبل ظهور الحمل. وحجته هذا الحديث. وقال الكوفيون والشافعى: إذا وجدت امرأة حاملاً فلا حد عليها، إلا أن تقر بالزنا وتقوم عليها بينة (٢). ولم يفرقوا - بين
стр. 3112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطارئة وغيرها لقوله ﵇: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " (١). وأما الاعتراف فسنذكره.
قال الإمام ﵀: أما ظهور الحمل بالمرأة التى لا زوج لها، تقول: أكرهت على الوطء ففى تصديقها خلاف بين الناس، هل تصدق ويكون بشبهة يدرأ الحد بها أو لا تصدق؟ ولظاهر قول عمر - رضى الله عنه - هذا؛ ولأن الحمل كالبينة عليها فلا تصدق بدعواها.
стр. 3113
(٥) باب من اعترف على نفسه بالزنى
١٦ - (...) وحدّثنى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، قَالَ: حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَوْفٍ وَسَعِيدِ بْن الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ. فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَى
ــ
وقول الرجل للنبى ﷺ : إننى زنيت، وإعراض النبى ﷺ عنه حتى بين ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبى ﷺ فقال: " أبك جنون؟ " قال: لا. قال: " هل أحصنت؟ " قال: نعم. قال: " اذهبوا به فارجموه ": اختلف الناس فى المقر بالزنا، هل يرجم بإقراره مرة واحدة، لقوله: " فإن اعترفت فارجمها "، ولم يقيد بعدد؛ ولأن القول الثانى فى معنى الأول، هو مذهب مالك. أم لا يرجم حتى يقر أربع مرات، على ما قال بعض العلماء (١). واشترط بعضهم أن يكون فى أربعة مجالس، ولم يشترط ذلك بعضهم. وتعلق بعضهم فى التقييد بهذا العدد بما وقع فى هذا الحديث من ذكر أربع مرات، وبغيره من الألفاظ التى وقعت فى بعض طرقه، وقياساً على عدد الشهود، وأنه قد طلب فى اللعان التكرير.
قال القاضى ﵀: وقوله: " أبك جنون؟ " استبراء لحاله، وإنكار أن يلح عاقل بالاعتراف، لعل كلامه مع ما رأى من إعراض النبى ﷺ عنه وإرادته الستر عليه. وقيل مردود النبى ﷺ له لاستبرائه لحاله؛ ولهذا قال: " أبك جنون؟ "، أو لعله يرجع عن قولته، أو لأنه سمعه منه ولم يكن منه حينئذ غيره، أو لئلا يتم الشهادة عنده أربعاً عند من قال ذلك. وجاء فى الحديث الآخر أنه سأل قومه عنه، فقالوا: ما نعلم به بأساً. وهذا مبالغة فى الاستبراء. وحجته أن إقرار المجنون فى حال جنونه لا يلزم، وأن الحدود عنه حينئذ ساقطة، وهو مما أجمع عليه العلماء. وقد رأى على وعمر - رضى الله عنهما - فيمن يجن أحياناً أنها شبهة يدرأ بها الحدود، لعل ما فعله ما كان حين ذلك.
стр. 3114
ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: " أَبِكَ جُنُونٌ؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: " فَهَلْ أَحْصَنت؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " اذَهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ ".
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِى مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمه، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى. فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ.
(...) وَرَوَاهُ اللَّيْثُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(...) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ أَيْضًا، وَفِى حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ. كَمَا ذَكَرَ عُقَيْلٌ.
ــ
وقوله: " هل أحصنت؟ " بما (*) يجب على الإمام البحث عن حال الزانى ليقيم الحد بحسب ذلك، وفيه أن الإنسان مصدق فى إحصانه، ويقام عليه بإقراره بذلك حد المحصن. وسنذكر حكم الإحصان.
وقوله: " فلما أذلقته الحجارة هرب ": هو بالذال المعجمة، قال الإمام ﵀ أى أصابته بحدها. وذلق كل شىء حده، وقيل: الذلق: السرعة، ومنه: لسان ذلق. وقوله: " فأدركناه بالحرة فرجمناه ": وقد اختلف الناس فى المقر بالزنا إذا رجع عن قراره لغير عذر، هل يقبل منه أم لا؟ فعندنا فيه قولان، وقد تعلق من لا يقبل رجوعه بهذا الحديث، وقد هرب هذا أو قتلوه بعد هروبه، ولم يأمرهم ﵇ بديته. وقد وقع فى كتاب مسلم: " هلا تركتموه "، وفى بعض طرقه فى غير كتاب مسلم: فلما وجد مس الحجارة صرخ، فنادى: يا قوم، ردونى إلى النبى ﷺ ، فإن قومى هم قتلونى وغرونى من نفسى، وأخبرونى أن النبى غير قاتلى، فلم ننزع عنه حتى قتلناه. فلما رجعنا إلى النبى ﷺ قال: " فهلا تركتم الرجل وجئتمونى به " ليتثبت رسول الله ﷺ منه. فأما ترك حد فلا. وعند أبى داود: " ألا تركتموه حتى أنظر فى شأنه "، وعنده: " هلا تركتموه، فلعله يتوب فيتوب الله عليه " (١)، فقد صرح فى بعض هذه الطرق أنه لا يترك الحد.
стр. 3115
(...) وحَدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَة، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، نَحْوَ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ.
١٧ - (١٦٩٢) وحدّثنى أبو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْن حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. قَالَ: رَأَيْتُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ جِىءَ بِهِ إِلَى النَّبَىِّ ﷺ ، رَجُلٌ قَصِيرٌ أَعْضَلُ، لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءُ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَلَعَلَّكَ؟ ". قَالَ: لا. وَاللهِ، إِنَّهُ قَدْ زَنَى الأخِرُ. قَالَ: فَرَجَمَهُ. ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: " أَلا كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِى سَبِيلِ اللهِ،
ــ
قال القاضى ﵀: ذهب أحمد بن حنبل إلى أن الزانى إذا هرب يترك؛ اتباعاً لهذه الزيادة فى الحديث. وقال بعض أصحابنا فى المعترف وقال الكوفيون: إن طلبته الشرطة فوجدوه بالفور أكمل عليه الحد، وإن وجد بعد أيام ترك.
قوله: " فرجمناه بالمصلى ": ترجم عليه البخارى بهذا ليرى أن حكم مصلى الجنائز والأعياد - إذا كانت فى غير موضع محبس لها ولا موقوف عليها - ليس له حكم المساجد، إن كان له حكمه لتجنب الدماء والميتات والقتل والرمى بالحجارة. والمراد بالمصلى هنا: مصلى الجنائز، ألا تراه فى الحديث الآخر كيف قال: " فى بقيع الغرقد ": هو موضع الجنائز بالمدينة.
ومعنى قوله: " أعضل " كما قال فى الرواية الأخرى: " ذى عضلات "، والعضلة: كل ما اشتمل على اللحم على عصب، جمعه عضلات، ورجل أعضل وعضل الخلق: إذا كان مشتداً وأصله. ومنه قول النبى ﷺ له: " فلعلك ". قال: لا والله إنه قد زنا الأخر. فيه تلقين المقر بما لعله يكون سبب رجوعه إلى شبهة لعذر بها، كما قال فى الحديث الآخر: " لعلك قبلت أو غمزت " فاختصر هنا على: " لعلك " اختصاراً وتنبيهاً لدلالة الكلام والحال على المراد بها، وإن كان الكلام المحتمل لا يؤاخذ به صاحبه، ويرجع إلى تفسيره ويقبل قوله فيه.
وقد روى التلقين فى الحدود والإقرارات عن النبى ﷺ والخلفاء، وأجازه أئمة العلماء فروى عنه ﵇ أنه قال لسارق: " ما أخالك سرقت " وروى عن أبى بكر
стр. 3116
خَلَفَ أَحَدُهُمْ لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ، يَمْنَحُ أَحَدُهُمُ الْكُثْبَةَ. أَمَا وَاللهِ، إِنْ يُمكِنِّى مِنْ أَحَدِهِمْ لأُنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ ".
١٨ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنَ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظ لابْنِ الْمُثَنَّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْن حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: أُتِى رسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَصِيرٍ، أَشْعَثَ، ذِى عَضَلَاتٍ، عَلَيْهِ إِزَارٌ وَقَدْ زَنَى، فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِى سَبِيلِ اللهِ، تَخَلَّفَ أَحَدُكُمْ يَنِبُّ نَبِيبَ التَّيْسِ، يَمْنَحُ إِحْدَاهُنَّ الْكُثْبَةَ، إِنَّ اللهَ لا يُمْكِنِّى مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلا جعَلْتُهُ نَكَالاً "، " أَوْ نَكَّلْتُهُ ".
قَالَ: فَحَدَّثْتُهُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: إِنَّهُ رَدَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
(...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمرَةَ، عَنِ
ــ
وعمر وأبى الدرداء - رضى الله عنهم - أنهم قالوا للسارق: " أسرقت؟ " قال: لا. وعن عمر - رضى الله عنه -: ما أرى يد سارق. وعن ابن مسعود أنه قال لسارق: لعلك وجدته. وعن على - رضى الله عنه - أنه قال لحبلى: لعلك استكرهت أو وطئت نائمة. وقال للحبلى التى جىء بها تبكى: ما يبكيك، إن المرأة قد تستكره. وكذلك عن جماعة. والأحاديث بها كثيرة وقد أجاز ذلك أحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم.
وقوله: " الأخر " بكسر الخاء وقصر الهمزة، ومعناه: الأَبْعَد، وقيل: الأرذل والأدنى، ومنه: المسألة أخر كسب الرجل، وقيل: اللئيم، وقيل: البائس الشقى، وكله بمعنى، كأنه يريد نفسه، يريد بعتبها بفعله ذلك، وقيل: هى كناية يكنى بها الإنسان عن نفسه أو عن غيره إذا أخبر عنه بما يستقبح.
قال الإمام ﵀: وقوله: " نبيب كنبيب التيس، يمنح إحداهن الكثبة ": " نبيب التيس ": صوته عند السِّفاد (١)، و " يمنح ": يعطى، و " الكثبة ": القليل من اللبن. قال أبو عبيد: وكذلك من غير اللبن، وكل ما جمعته من طعام أو غيره بعد أن يكون قليلاً فهو كثبة، والجمع كُثَب، وقد كثبَته اكثبه، أى جمعته.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَتَقَارَبَا فِى لَفْظِ الْحَدِيثِ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا بُشَيْرُ ابْنُ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأَسْلَمِىَّ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّى قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَزَنَيْتُ، وَإِنِّى أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِى، فَرَدَّهُ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى قَدْ زَنَيْتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ. فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: " أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟ ". فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِىَّ الْعَقْلِ، مِنْ صَالِحِينَا، فِيمَا نُرَى. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ - أَيْضًا - فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا بِعَقْلِهِ. فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.
ــ
الغد، ثم جاء فقال: " طهرنى " وقال مثله فى سائر المرات: ما يحتج به ابن أبى ليلى ومن يقول. بالاعتراف أربعاً، وأنه لا يكون إلا فى أربع مجالس يفارق بينها الحاكم، حتى لا يراه، قياساً على الشهادة واللعان. ولا حجة فيه. وأبو حنيفة والكوفيون وأحمد بن حنبل يوجبون الأربع، ولا يشترط افتراق مجالسها كما تقدم، كما أنا لا نقيس الاعتراف بالقتل على شاهدين. ولم يقل أحد: إنه لا يقتل حتى يقر مرتين، كما لا يقتل إلا بشاهدين.
ولم يختلفوا فى القتل، وقد وقع لبعضهم خلاف فى غيره فى الحدود، فأبو يوسف وحده لا يقطع السارق بالإقرار حتى يقر مرتين. وقال زفر مثله فى حد الخمر، ولأن النبى ﵇ لم يردد الغامدية، ولا أمر أنيساً بترديد المرأة الأخرى، بل قال: " فإن اعترفت فارجمها ". ولم يختلف فى الإقرار فى الأقوال أنها تكفى مرة، وأيضاً ففى كثير من الروايات إنما قال فى الثلاثة: " طهرنى "، فلما كان فى الرابعة قال: " مم أطهرك؟ " قال: من الزنا، فلم يعترف إلا مرة وما قبله كلام مبهم، فردده النبى ﵇. فيه رعايته فى ستره، وهذا مفسر لما جاء مجملاً.
وقوله: " أشرب خمراً؟ "، قال الإمام ﵀: قال بعض الناس: فيه دلالة أن طلاق السكران لا يلزمه.
قال القاضى ﵀: هذا لا حجة فيه، وهذا باب درء الحدود بالشبهات؛ لأنه مقر فى حالة شك فى ثبات عقله فيها لو شرب خمراً، والحدود تدرأ بالشبهات، والطلاق واقع بتهمته على ما يظهر من عدم عقله لحد ما ألزمه من ذلك.