خَلَفَ أَحَدُهُمْ لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ، يَمْنَحُ أَحَدُهُمُ الْكُثْبَةَ. أَمَا وَاللهِ، إِنْ يُمكِنِّى مِنْ أَحَدِهِمْ لأُنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ ".
١٨ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنَ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظ لابْنِ الْمُثَنَّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْن حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَة يَقُولُ: أُتِى رسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَصِيرٍ، أَشْعَثَ، ذِى عَضَلَاتٍ، عَلَيْهِ إِزَارٌ وَقَدْ زَنَى، فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِى سَبِيلِ اللهِ، تَخَلَّفَ أَحَدُكُمْ يَنِبُّ نَبِيبَ التَّيْسِ، يَمْنَحُ إِحْدَاهُنَّ الْكُثْبَةَ، إِنَّ اللهَ لا يُمْكِنِّى مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلا جعَلْتُهُ نَكَالاً "، " أَوْ نَكَّلْتُهُ ".
قَالَ: فَحَدَّثْتُهُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: إِنَّهُ رَدَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
(...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمرَةَ، عَنِ
ــ
وعمر وأبى الدرداء - رضى الله عنهم - أنهم قالوا للسارق: " أسرقت؟ " قال: لا. وعن عمر - رضى الله عنه -: ما أرى يد سارق. وعن ابن مسعود أنه قال لسارق: لعلك وجدته. وعن على - رضى الله عنه - أنه قال لحبلى: لعلك استكرهت أو وطئت نائمة. وقال للحبلى التى جىء بها تبكى: ما يبكيك، إن المرأة قد تستكره. وكذلك عن جماعة. والأحاديث بها كثيرة وقد أجاز ذلك أحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم.
وقوله: " الأخر " بكسر الخاء وقصر الهمزة، ومعناه: الأَبْعَد، وقيل: الأرذل والأدنى، ومنه: المسألة أخر كسب الرجل، وقيل: اللئيم، وقيل: البائس الشقى، وكله بمعنى، كأنه يريد نفسه، يريد بعتبها بفعله ذلك، وقيل: هى كناية يكنى بها الإنسان عن نفسه أو عن غيره إذا أخبر عنه بما يستقبح.
قال الإمام ﵀: وقوله: " نبيب كنبيب التيس، يمنح إحداهن الكثبة ": " نبيب التيس ": صوته عند السِّفاد (١)، و " يمنح ": يعطى، و " الكثبة ": القليل من اللبن. قال أبو عبيد: وكذلك من غير اللبن، وكل ما جمعته من طعام أو غيره بعد أن يكون قليلاً فهو كثبة، والجمع كُثَب، وقد كثبَته اكثبه، أى جمعته.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَتَقَارَبَا فِى لَفْظِ الْحَدِيثِ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا بُشَيْرُ ابْنُ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأَسْلَمِىَّ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّى قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَزَنَيْتُ، وَإِنِّى أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِى، فَرَدَّهُ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى قَدْ زَنَيْتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ. فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: " أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟ ". فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِىَّ الْعَقْلِ، مِنْ صَالِحِينَا، فِيمَا نُرَى. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ - أَيْضًا - فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا بِعَقْلِهِ. فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.
ــ
الغد، ثم جاء فقال: " طهرنى " وقال مثله فى سائر المرات: ما يحتج به ابن أبى ليلى ومن يقول. بالاعتراف أربعاً، وأنه لا يكون إلا فى أربع مجالس يفارق بينها الحاكم، حتى لا يراه، قياساً على الشهادة واللعان. ولا حجة فيه. وأبو حنيفة والكوفيون وأحمد بن حنبل يوجبون الأربع، ولا يشترط افتراق مجالسها كما تقدم، كما أنا لا نقيس الاعتراف بالقتل على شاهدين. ولم يقل أحد: إنه لا يقتل حتى يقر مرتين، كما لا يقتل إلا بشاهدين.
ولم يختلفوا فى القتل، وقد وقع لبعضهم خلاف فى غيره فى الحدود، فأبو يوسف وحده لا يقطع السارق بالإقرار حتى يقر مرتين. وقال زفر مثله فى حد الخمر، ولأن النبى ﵇ لم يردد الغامدية، ولا أمر أنيساً بترديد المرأة الأخرى، بل قال: " فإن اعترفت فارجمها ". ولم يختلف فى الإقرار فى الأقوال أنها تكفى مرة، وأيضاً ففى كثير من الروايات إنما قال فى الثلاثة: " طهرنى "، فلما كان فى الرابعة قال: " مم أطهرك؟ " قال: من الزنا، فلم يعترف إلا مرة وما قبله كلام مبهم، فردده النبى ﵇. فيه رعايته فى ستره، وهذا مفسر لما جاء مجملاً.
وقوله: " أشرب خمراً؟ "، قال الإمام ﵀: قال بعض الناس: فيه دلالة أن طلاق السكران لا يلزمه.
قال القاضى ﵀: هذا لا حجة فيه، وهذا باب درء الحدود بالشبهات؛ لأنه مقر فى حالة شك فى ثبات عقله فيها لو شرب خمراً، والحدود تدرأ بالشبهات، والطلاق واقع بتهمته على ما يظهر من عدم عقله لحد ما ألزمه من ذلك.
стр. 3121
قَالَ: فَجَاءَتِ الْغَامِدَيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِى، وَإِنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَد قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ تَرُدُّنِى؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِى كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا. فَوَاللهِ، إِنِّى لَحُبْلَى. قَالَ: " إِمَّا لَا، فَاذْهَبِى حَتَّى تَلِدِى ". فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِىِّ فِى خِرْقَةٍ. قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ. قَالَ: " اذْهَبِى فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ ". فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِىِّ فِى يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ. فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِىَّ اللهِ، قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ. فَدَفَعَ الصَّبِىَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى
ــ
ولم يختلفوا فى غير الطافح أن طلاقه لازم، وإنما اختلف العلماء فى الطافح ومذهبنا إلزامه جميع أحكام الصحيح؛ لأنه أدخل ذلك على نفسه، وهو حقيقة مذهب الشافعى، وفرق بين الشارب المختار لا المستكره، ومن شرب ما لا يعلم أنه يسكره فسكر منه، فقال: هذا لا يلزمه شىء، وهو كالمغمى عليه فى أحكامه. وبعض متأخرى شيوخنا يذهب إلى أنه لا يلزمه إذا تحقق ذلك منه، كما قال الشافعى (١).
وقوله: " فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر ": حجة لمالك وأصحابه فى الحد من وجود الريح، وهو قول جمهور أهل الحجاز، خلافاً للشافعى والكوفيين فى أنه لا يحد إلا من الشهادة على شربها أو قيئها. قال الثورى: أو يوجد سكراناً. واختلف أصحاب الشافعى فى هذا الوجه، وذهب بعضهم إلى أنه يحد المدمن بالريح بخلاف غيره.
وقوله: " طهرنى "، وقول النبى ﷺ : " مم أطهرك؟ ": فيه حجة أن الحدود تكفر الذنوب، كما جاء فى الحديث الآخر من استغفار النبى ﷺ له، وشهادته له بالتوبة، وأنه لا توبة أفضل من توبته.
وفى قوله فى الرواية الأخرى: " أزنيت؟ " قال: نعم، فأمر به فرجم، وفى الأخرى: فاعترف بالزنا، حجه ثلاث مرات، وفى الأخرى: فرده النبى ﷺ مرتين، وفى الأخرى: مراراً، يضعف الحجة أربع مرات فى الإقرار؛ لاضطراب الرواية فيها بمآثره فى الصحيح.
وفى قول الغامدية لما قالت له: طهرنى. فقال: " ويحك، ارجعى فاستغفرى الله وتوبى ". فقالت: أتردّدنى كما رددت ماعز بن مالك؟ قال؟ " وما ذاك؟ " قالت: إنى حبلى من الزنا: فيه نحو ما فى حديث ماعز من الحض على الستر. والغامدية بالغين
стр. 3122
صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا. فَيُقْبِلُ خَالِدُ بنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ سَبَّهُ إِيَّاهَا. فَقَالَ: " مَهْلاً يَا خَالِدُ! فَوَالَّذِى نَفْسِى بَيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبةً، لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ ". ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ.
٢٤ - (١٦٩٦) حدّثنى أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - يَعْنِى ابْنَ هِشَامٍ - حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى أَبُو قِلَابَةَ؛ أَنَّ أَبَا الْمُهَلَّبِ حَدَّثَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِىَّ اللهِ ﷺ ، وَهِى حُبْلَى مِنَ الزِّنَى. فَقَالَتْ: يَا نَبِىَّ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَىَّ. فَدَعَا نَبِىُّ اللهِ ﷺ وَلِيَّهَا، فَقَالَ: " أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِى بِهَا "، فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بِهَا نَبِىُّ
ــ
المعجمة وبالدال، كذا هو الصواب والرواية. وهى من غامد قبيلة من جهينة. ومن قال فيه بالعين المهملة وبالرافعة أخطأ وصحف.
وقوله: " لا ترجمها حتى تضع ما فى بطنها "، فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت فرجمت: أصل فى أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع، وأن حد المرأة إذا أحصنت الرجم كالرجل. وهذه - والله أعلم - كانت محصنة. إذ لا خلاف أنه لا يرجم غير المحصن، وأن لجنينها حرمة وإن كان من زنا. وكذلك كل من وجب عليه قصاص من النساء وهى بهذه السبيل، فحكمها أن تترك حتى تضع، إذ يتعدى القتل لغيرها. ولا خلاف فى هذا إلا ما حكى عن أبى حنيفة على اختلاف عنه.
وفى قوله: " فكفلها رجل من الأنصار "، وفى الحديث الآخر: فدعا النبى ﷺ وليها فقال: " أحسن إليها، فإذا وضعت فائتنى بها " حجة أن من وجب عليه حد، وأجل لعذر كعذر هذه وشبهه، أن يسجن حتى يتمكن منه الحد، أو يكفل به بمن يأتى به إذا أمكن ذلك منه، كما فعل بهذه إذ لم يكن هناك بعد سجن.
وأمر النبى ﷺ وليها بالإحسان إليها رأفة بها؛ لتوبتها ووجوب المحنة عليها، بخلاف لو جاءت غير تائبة. وقوله لها: " لا، فاذهبى حتى تلدى " تقدم تفسيره، ومعناه: فإن لم تفعل كذا فافعل كذا، كأنه قال: إن أبيت أن تسترى على نفسك وترجعى عن قولك فاذهبى حتى تلدى فترجمى.
وقوله لما ولدته: " اذهبى حتى ترضعيه ": اختلف العلماء ها هنا فى رجمها، فقال
стр. 3123
اللهِ ﷺ . فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّى عَلَيْهَا يَا نَبِىَّ اللهِ، وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: " لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَّ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا للهِ تَعَالَى؟ ".
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ العَطَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٢٥ - (١٦٩٧/ ١٦٩٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بَنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ؛ أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلاً مِنَ
ــ
مالك: إذا وضعت رجمت ولم ينتظر بها أن تكفل ولدها، قاله أبو حنيفة، وللشافعى - فى أحد قوليه. وروى عن مالك أيضاً: لا ترجم حتى تجد من يكفل ولدها بعد الرضاع، وهو قول الشافعى الآخر وأحمد وإسحاق ومشهور قول مالك، والشافعى. وحقيقته أنها متى وجدت من ترضعه وتكفله رجمت، وإن لم يوجد لم ترجم حتى تفطمه، ثم ترجم.
وقد اختلفت الآثار فى مسلم متى رجمت؟ أبعد الفطام أو قبله؟ إذا قال الرجل: " علىّ رضاعه " والروايتان حجة للقولين. وأما من حدها منهن الجلد، فهم متفقون أنها لا تجلد ما دامت حاملاً، كما قالوا فى الرجم إبقاءً على الجنين: فإذا [] (١) وضعت جلدت. واستحب أبو حنيفة أن تترك حتى تتخلص من نفاسها إذ حكمها حكم المريض وهو مذهبنا، ولا خلاف فى هذا (٢).
وقد أجمعوا أن المريض لا يجلد حتى يفيق (٣). قال سحنون: وفى قول النبى ﷺ لها: " أرضعيه ": دليل على أن على الإمام رضاع ابنها، إذ لم يكن له أب أو مال. قال الإمام ﵀: إذا كان لا يقبل غيرها ويخشى عليه التلف إن رجمت، يكون حالها حينئذ كحال الحامل فى التأخير، بل هذه أشد لأن حياة الولد مقطوع بها وحياته فى البطن غير مقطوع بها. وقد قال بعض الشيوخ: لو كان فى جيش المسلمين فى
стр. 3124
الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْشُدُكَ اللهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِى بِكِتَابِ اللهِ. فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ -: نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَائْذَنْ لِى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قُلْ ". قَالَ: إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإنِّى أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِى الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ العِلْم فَأَخْبَرُونِى أَنَّمَا عَلَى ابْنِى جَلْدُ مَائةَ وَتَغْرِيبُ عَام، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْم.
ــ
أرض الحرب من زنا ويخاف إذا رجم أن يهلك الجيش أخر حدَّه، قياساً على الحامل. وقوله: " فشُكَّت عليها ثيابها ": أى جمعت.
قال القاضى ﵀: ليس كل جمع شكاً، والشك إنما هو انتظام الشىء بغيره، ومنه شككت الصيد بالرمح: إذا انتظمته به، ومنه هذا جمعت عليها ثيابها وانتظمت بربط أو بشوك أو شبهه من الأخلة لئلا تنكشف عند حركتها. وكذا حكم المرأة أن يبالغ فى سترها. وقد اتفق العلماء أنها لا تحد إلا قاعدة. واختلفوا فى الرجل فجمهورهم على أنه يحد قائماً، ومالك يحده قاعداً، وبعضهم خير فيه الإمام كيفما شاء (١). واستحسن بعض العلماء وبعض أصحابنا أن تجعل المرأة فى قفة مبالغة فى سترها لئلا تضطرب فتنكشف. قال: ويجعل فيها رماد أو تراب وماء لئلا يكون منها شىء من حدث فيستتر فى ذلك.
قوله: " ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها "، ونحوه فى بعض روايات حديث ماعز، وهو ظاهر قول أحمد، وحكى عن أبى حنيفة: وقال قتادة: يحفر لها، وهو قول أبى ثور وأبى حنيفة فى رواية، وأبى يوسف وأبى ثور - أيضاً - والشافعى. ووسع الشافعى - أيضاً - وابن وهب للإمام وخيراه فى ذلك لاختلاف الأحاديث فى ذلك (٢).
وقد ذكر مسلم اختلاف الأحاديث فى ذلك، ففى حديث ماعز فى رواية: " لم يحفر له "، وفى أخرى: " حفر له " وفى حديث الغامدية: " حفر لها ". واستدل مالك بحديث اليهوديتين وجوابه لهما، فجعل يحنى على المرأة، قال: ولو حفر لها لم يحن عليها. وكذلك استدلوا بقوله: " فلما أذلقته الحجارة هرب " ولو كان فى حفرة لم يمكنه ذلك. وقال بعض أصحابنا: لا يحفر للمقر لأنه له الرجوع، فإن هرب ترك. ويحفر للمشهود عليه.
قوله: " إلى صدرها ": كذا عند من يرى الحفر. قال: يحفر له كالبئر إلى رفيفه.
стр. 3125
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مَائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَاأُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ".
قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَتْ.
(...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، كُلَّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
وقوله: " فأمر الناس فرجموها ": فيه حجة أنه لا يلزم الإمام أن يبدأ بالرجم ولا يحضره. وهذا مما اختلف فيه العلماء، فمذهبنا أنه لا يلزم الإمام ولا الشهود أن يبتدئوا ولا يحضروا، وهو مذهب الشافعى. وحجتنا أن النبى ﷺ لم يحضر أحداً ممن رجم، ولا يرجم ولا أمر الشهود بذلك. وذهب أبو حنيفة إلى حضور الإمام والشهود أنه إن كان الحد بالاعتراف أن يبدأ الإمام، وإن كان بالشهادة أن يبدأ الشهود، وإليه ذهب أحمد بن حنبل وبعض شيوخنا المتأخرين (١).
ومعنى قوله: " تفطمه " و " حتى فطمته ": أى قطعت رضاعه باستغنائه عنها، على ما تفسر فى الحديث من قوله: " أتته بالصبى وفى يده كسرة خبز، فقالت: يا رسول الله، هذا قد فطمته وأكل الطعام ".
وقوله: " فتنضح الدم ": روايتنا بالحاء المهملة؛ وفى رواية أخرى بالخاء المعجمة، وهما صحيحتان، وكلاهما من الرش والصب، وبعضهما أقوى من بعض، على اختلاف فى ذلك تقدم فى كتاب الطهارة.
وقوله: " لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ": فيه دليل على عظيم ذنب صاحب المكس، وذلك لكثرة تباعات الناس عليه وظلامتهم قِبَله، وأخذه أموالهم بغير حقها، وسن سنة سيئة مستمرة استمرار الحقوق. وفيه وفى حديث ماعز دليل على أن التوبة لا تسقط حد الزنى والسرقة والخمر، إنما تنفع عند الله - تعالى - وأن التوبة لا تسقط حداً إلا حد الحرابة، وهذا قول الشافعى لقوله تعالى: ﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِم﴾ (٢). ولم يقل مثله فى السارق، وإنما قال: ﴿فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّه
стр. 3126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَتُوبُ عَلَيْه﴾ (١)، وحكى الماوردى عن مالك أنه يسقط عنه كل حق إلا الدماء، وهو خطأ عليه، وقيل: لا تسقط التوبة عن المحارب حداً ولا حقاً، وهذا قول ابن عباس وغيره. وعن على: أنها تسقط عنه كل شىء. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يحد بالشهادة عليه بالزنا القديم، ولا بالإقرار بالسرقة القديمة. وروى عن الشافعى أن التوبة تسقط حد الخمر (٢).
وقوله: " فرجمت ثم صلى عليها "، قال الإمام ﵀: مالك يكره الصلاة للإمام على من قتل فى حد، وإنما ذلك على جهة الردع. وقد ذكر النبى ﷺ لعمر هاهنا وجه صلاته عليها.
قال القاضى ﵀: يريد صدق توبتها. وهذا يدل على كراهة صلاة أهل الفضل على أهل المعاصى، وهو مذهب مالك فى رواية ابن وهب، لكن لا يتركون بغير صلاة، ويصلى عليه أهله. وبقول مالك قال أحمد بن حنبل.
ولم يختلف العلماء فى الصلاة على أهل الفسوق والمعاصى المقتولين فى الحدود، وإن كره بعضهم ذلك لأهل الفضل؛ ردعًا لأمثالهم، إذا رأى تجنب أهل الفضل الصلاة على مثله، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف فى المحاربين، إذا قتلوا أو صلبوا، وكذلك فى الفئة الباغية عندهم، وما ذهب إليه الحسن فى الميتة من نفاس الزنا لا يصلى عليها، وما ذهب إليه الحسن والزهرى فى المرجوم وفى قاتل نفسه أنه لا يصلى عليه، وما قاله قتادة فى ولد الزنا لا يصلى عليه. والناس كلهم على خلاف من ذكرنا فى هذه المسائل، وقد مضى منها فى الجنائز. وهذا الحديث وغيره حجة للكافة.
ووقع فى حديث ابن أبى شيبة: " ثم أمر بها فصَلَّى عليها " بفتح الصاد واللام لجماعتهم. وعند الطبرى: " فصُلى عليها " بضم الصاد، وكذا فى كتاب أبى داود وابن أبى شيبة (٣). وفى كتاب أبى داود - أيضاً -: " ثم أمرهم أن يصلوا عليها " (٤)، لكن حديث أبى غسان بعده ظاهره أنه: ﵇ صلى عليها بنفسه لقوله: " ثم صلى عليها "، ولم يذكر مسلم صلاته عليها، عنه. قد ذكرها البخارى (٥) وعلل هذه الرواية
стр. 3127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو عبد الله بن أبى صفرة فيما حكاه عنه المهلب أخوه، وقال: رواها محمد بن يحيى عن عبد الرزاق، عن معمر، وقال: فقال له النبى ﷺ : " خيراً ولم يصل عليه " (١). ومحمد ابن يحيى أضبط من محمد بن غيلان، الذى روى الزيادة عنه عن عبد الرزاق عن معمر البخارى، قال: وتابع محمد بن يحيى ونوح بن حبيب، رواه عنهما النسائى.
قال القاضى ﵀: وكذا رواه عبد الرزاق عن الحسن بن على ومحمد بن المتوكل. وهذه الأحاديث - فى أنه لم يصل - خرجها النسائى وأبو داود والترمذى وغيرهم (٢). وما أرى ترك مسلم حديث محمد بن غيلان إلا لمخالفة هو له، مع أن مسلماً وغيره قد خرجوا حديث أبى سعيد، وفيه: " فما استغفر له ولا سبه "، وأين هذا من الصلاة عليه؟ قيل: يحتمل ذكر الصلاة على المرأة والصلاة على ماعز الدعاء لهما - والله أعلم - أو أضافت الصلاة إليه إذ أمر بها.
قال الإمام ﵀: خرج مسلم فى هذا الحديث عن محمد بن العلاء، عن يحيى بن يعلى بن الحارث، عن غيلان - وهو ابن جامع. هكذا فى نسخة ابن العلاء وغيره، والصواب ما فى نسخة الدمشقى: عن يحيى بن يعلى، عن أبيه، عن غيلان، وهو الصواب. قد نبه عليه عبد الغنى على الساقط من هذا الإسناد فى نسخة أبى العلاء. ووقع فى كتاب الزكاة من السنن لأبى داود: نا عثمان بن أبى ليلى، نا يحيى بن يعلى، نا أبى، نا غيلان، عن جعفر، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّة﴾ الآية (٣). فهذا السند يشهد بصحة ما تقدم. قال البخارى فى تاريخه: يحيى بن يعلى سمع أباه وزائدة بن قدامة (٤).
قال القاضى ﵀: فى حديث ماعز والغامدية - حين قال كل واحد له منهما: طهرنى -: " ارجع فاستغفر الله ": دليل على وجوب الستر على المسلم، وأن السؤال والاستفسار عن اللفظ المبهم فى شكل هذا غير واجب، بل قال فيه بعضهم: إنه لا يحل لأنه من باب التجسس وكشف المسلم. والنبى ﵇ قد ردهما ولم يستفسرهما حتى ألحّا وصرحت الغامدية. وفيه أن الحد لا يجب إلا بالتصريح البين، لا بالكناية واللفظ المبهم والمحتمل.
стр. 3128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله فى حديث الأعرابى: أنشدك الله إلا قضيت بكتاب الله، فقال الآخر - وهو أفقه منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لى. فقال رسول الله ﷺ : " قل "، وفى الموطأ وغيره: " وأذن لى فى أن أتكلم " (١): ومعنى " أنشدك الله ": أى أسالك به.
قوله " بكتاب الله ": قيل: بحكم الله، وقيل: بفرض الله، وقيل بما تضمنه كتاب الله من القضاء بالحق أو فى حكم الزانى البكر والمحصن، على ما ذكر عمر أنه كان مما يتلى.
وقوله: " موافقتهما " إما لأنه كان بتلك الصفة، أو يكون لوصفه القضية على وجهها، أو لقوله: " وأذن لى فى أن أتكلم " تزاد به فى سؤال النبى ﷺ . وحذره الوقوع فى النهى من التقدم بين يديه، ومخاطبته بخطاب بعضهم بعضاً ضد ما فعل الآخر من قوله: " أنشدك الله " وكلامه له بجفاء الأعراب.
وقوله: " إن ابنى كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته "، قال الإمام ﵀: العسيف: الأجير، وجمعه عسفاء، نحو أجير وأجراء، وفقيه وفقهاء. أما قوله: " لأقضين بينكما بكتاب الله ": يحتمل أن يكون المراد به قضية الله تعالى والكتاب يكون بمعنى القضاء، ومن الناس من قال: فإن الرجم مشار إليه فى الكتاب بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ (٢)، وقد قال فى الحديث المتقدم: قد جعل الله لهن سبيلاً، وذكر الرجم. وقيل: قد كان الرجم مما يقرأ من القرآن ثم نسخ، وهو قوله: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ".
وقوله: " فسألت أهل العلم " ولم ينكر عليه فيه جواز الاستفتاء لمن كان مع النبى ﷺ فى مصر واحد، وإن كان يجوز على غير النبى ﷺ من الخطأ والحيف عن الحق ما لا يجوز عليه، وهذا كالاقتصار على الظن مع القدرة على اليقين. وقد يتعلق به من أهل الأصول من يجوز استفتاء الفقيه، وإن كان هناك أفقه منه. وقد قال بعضهم: لِمَ لَمْ يجده للمرأة، وقد قال: فزنا بامرأته؟ وهذا لأنها اعترفت فرجمها.
قال القاضى ﵀: قيل فى قوله: " لأقضين بينكما بكتاب الله ": يحتمل فى بعض صلحكما الباطل الفاسد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل﴾ (٣)، ويحتمل أن يريد بما قرأه فى كتاب الله تعالى من قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ (٤)، وبما كان يتلى من الرجم فى المرأة. وفى حد النبى ﷺ ابنه، وإن لم يجز
стр. 3129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى الحديث لإقراره ولا للشهادة عليه ذكر، قال: ما يدل أنه لابد من صحة اعترافه بذلك. فإنما أغفل ذلك الراوى أو عول فى تركه على علم السامع بذلك؛ أنه لا يؤخذ أحد بغير إقراره إلا لو تمت الشهادة عليه لأنه يردها ذا الفضل من [العضل] (١) الحديث. وإنما فهم المقصود منه فسخ الصلح الحرام، وإقامة الحدود على الزناة.
وفى الحديث ضروب من الفقه سوى ما تقدم منها: أن أولى الناس بالقضاء منهم الخليفة إذا كان عالماً بوجوه القضاء، وأن الحكم بالرجم وشبهه - من حدود القتل والنفس - إنما يكون بحضرة الإمام وبين يديه، ووجوب الأدب مع النبى ﷺ والخليفة وأهل العلم، وللناظرين بين الناس فى استبذالهم فى السؤال والإخبار عن قصصهم؛ إذ قد يكون فى بعض الأوقات بسبيل عذر وتحت شغل، أو ليتكلم من ليس له الكلام أولاً، إذ هو الداعى للإنصاف فهو المتكلم أولاً.
قال الخطابى: وفيه أن للإمام إذا اجتمع الخصمان بين يديه أن يبيح الكلام لمن شاء منهما، وفيه أن كل صلح خالف السنة لا يدخل فى ملك قابضه، وفيه أن الحدود لا يصالح فيها ولا يمض الصلح. ولا خلاف عندنا فى ذلك فيما تعلق بحق الله تعالى محضاً؛ كحق الحرابة والزنا والردة والسرقة، بلغ السلطان أم لا؛ لأنه أكل مالٍ بالباطل فى إبطال حد إن بلغ السلطان، أو أكل مال على ألا يبلغ وهو حرام ورشوة.
واختلف عندنا فى الصلح عما تعلق منه بحق العباد فى الأعراض بعد رفعه؛ كحد القذف. ففيه قولان وإن كان يكره بكل حال؛ لأنه أكل مال فى ثمن عرض. ولا خلاف أنه يجوز قبل رفعه. ولم يختلف فى جواز ما كان منه فى [الأبد أن] (*) من القصاص فى الجراح والنفس؛ أن الصلح فيه جائز لا يرد بما اتفق عليه.
وفيه أن النبى ﷺ لم يحضر الرجم وهو الإمام، وقد تقدم الخلاف فى ذلك، ولا ذكر الحفر للمرجوم. وفيه رجم الثيب دون جلده، وجلد البكر ونفيه، وقد تقدم هذا.
وفيه من الفقه سؤال الإمام إذا قذف عنده قاذف المقذوف، فإن اعترف حد ودرئ عن القاذف الحد، وإن أنكر وأراد ستراً سقط الحد عنهما، وإلا سئل القاذف البينة، وإلا حد للقذف، كما وجه النبى أنيسًا للمرأة. فأما لو شهد عند الإمام أن فلاناً قذف فلاناً فلا يحده الإمام حتى يطلبه المقذوف. وعند أبى حنيفة والشافعى والأوزاعى، وقال مالك: يرسل إليه، فإن أراد ستراً تركه وإلا حده. وقد اختلف قول مالك فى عفوه وإن لم يرد ستراً.
стр. 3130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفيه قبول خبر الواحد. وفيه استتابة الحاكم غيره فى مثل هذه وشبهه، وهو أمثل فى اتخاذ القضاء والحاكم، وأصل فى وجوب الإعذار. وفى جوازه لو حد فى ذلك عندنا قولان. وقد يمكن أن النبى ﷺ ثبت عنده اعترافهما بذلك شهادة هذين الرجلين، فكان توجيه أنيس لهذا إعذاراً لها. وقد احتج به قوم فى جواز حكم الحاكم فى الحدود وغيرها. بما أقر به عنده الخصم، وهو أحد قولى الشافعى فى إقامة الحد بذلك، وقول أبى ثور وفى الحد بذلك. والجمهور على خلافه.
وإنما اختلفوا كثيراً فى غير الحدود. وعندنا فى هذا قولان ولا حجة فيه للمخالف؛ إذ ليس فيه بيان، ويحمل قوله: " فإن اعترفت " على الإعذار فيما ثبت قبل واعتراف على ما عهد بالبينة. ويحتمل قول النبى ﷺ لأنيس: " فارجمها " أى قد وجب عليها الرجم بعد مطالعة النبى ﷺ باعترافهما وأمره بذلك، ويحتمل أنه فوض الأمر كله إلى أنيس فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولها - إن كان لم يثبت بعد - فقد جعل إليه الحكم فيها، هذا يدل على أن أنيساً وحده لا ينفرد بأمرها؛ إذ لابد من حضور جماعة لإقامة الحد عليها.
وفى الحديث: " فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت "، فدل أن النبى ﷺ حكم فيها بعد ما أعلمه أنيس بما صح عنده من اعترافها. فيه: أنه لم يفرق بين الزانية وزوجها، ولا أمر بتكرار الاعتراف منها. وقيل: فيه دليل على صحة الإجازة. وقيل: فيه تأخير الحدود إذا ضاق الوقت إلى أوسع منه؛ لقوله: " واغد يا أنيس ".
قال القاضى: وليس بين إن لم يأت أن هذا كان عشاء. " واغد " بمعنى: سر أى وقت كان، معروفاً فى كلام العرب. وفيه الاكتفاء بمجرد الإقرار دون مراعاة عدد كما تقدم، وليس فيه جلد مع الرجم. وفيه مراعاة الإحصان فى الرجم وقد صحت فى هذه المرأة، وأنها متزوجة. ولعل حال الدخول بها - وقد صحت فى هذه المرأة - كان معروفاً أو طول الإقامة مع الزوج أو وجود الولد، فاستغنى عن ذكره فى الحديث. وقد جاء فى الحديث المتقدم قول النبى ﷺ للمعترف له: " هل أحصنت؟ ".
ولم يختلف العلماء فى مراعاة الإحصان للمرجوم، واختلفوا فى صفته، وما هو؟ فعند مالك أنها الوطء المباح بعقد صحيح تام لحر مسلم عاقل حين وطئه بالغ (١)، ولم يراع هذه الصفات فى الزوجة الموطوءة كيف كانت؛ أمة أو كافرة أو مجنونة أو صغيرة. ويراعى الصفات فيها هى إن زنت بعد الإحصان كالرجل، إلا إذا كان زوجها صبياً غير بالغ فلا يحصنها بخلاف الصبية مع البالغ.
стр. 3131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واختلف أصحابنا فى الوطء المكروه والممنوع فى النكاح الصحيح، هل يحصن أم لا؟ ولم يشترط بعضهم العقل جملة فى واحد منهما، وبعضهم اشترطه فى الرجل دون المرأة. قال: فإذا كان عاقلاً كان إحصاناً لهما إذا كانت مجنونة، وإن كان مجنوناً لم يكن منهما إحصان وإن كانت عاقلة. ولم يراع أبو حنيفة الوطء المحظور مع موافقته لنا فى شروط الإحصان، وراعاه الشافعى ولم يجعل به إحصاناً، ولم يشترط هو ولا أحمد فى الإحصان الإسلام فى نكاح الزوجين.
واختلف أصحاب الشافعى فى الحرية والبلوغ، فمنهم من جعل النكاح دون ذلك إحصاناً، ومنهم من لم يجعله، ومنهم من فرق فجعل البلوغ شرطاً لازماً للحرية، ومنهم من عكس. ولم يشترط أبو يوسف وابن أبى ليلى فى الإحصان الحرية إذا كانت الزوجة حرة، فلم يراع الوطء الممنوع. وقال الليث والثورى نحو قول مالك، إلا أن الليث لا يراعى الوطء الممنوع (١).
стр. 3132
(٦) باب رجم اليهود، أهل الذمة، فى الزنى
٢٦ - (١٦٩٩) حدّثنى الْحَكَمُ بْنُ موُسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ ناَفِعِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِىَ بِيَهُودِىٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ. فَقَالَ: " مَا تَجِدُونَ
ــ
وقوله فى حديث اليهوديين اللذين زنيا، وأنه ﵇ رجمهما، قال الإمام ﵀: من الناس من يقول: إن إحصان الكافر يعد إحصاناً وتعلق بهذا الحديث، ومالك لا يراه إحصاناً، ويحمل هذا على أنه لم تكن له ذمة، فكان دمه مباحاً. ولكنه يعرض على هذا عندى برجمه للمرأة، ولعله يقول: كان هذا قبل النهى عن قتل النساء.
قال القاضى ﵀: وقيل فى رجم النبى ﷺ اليهوديين لأنهم هم تحاكموا إلينا، وطلبوا ذلك منا؛ بدليل قوله فى الموطأ: " جاءت اليهود إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أنَّ رجلاً منهم وامرأة زنيا (١) فعندنا أنهم إذا أتوا هكذا أن الحاكم مخير، إن شاء حكم بينهم وإن شاء لم يحكم. فإن حكم حكم بحكم الإسلام، ذلك برأى المحكوم عليه منهما ورأى أساقفتهم ورهبانهم، وهو دليل قوله: " جاءت اليهود ". فى غير الام: أن أحبارهم أمروهم بذلك، ويتخير الحاكم فى الحكم بينهم، قاله الشافعى وجماعة من السلف، وحجتهم قوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُم﴾ (٢). وقال أبو حنيفة. يحكم بينهم بكل حال، وقاله جماعة من السلف، وهو قول الزهرى وعمر بن عبد العزيز، وروى عن ابن عباس والحكم وأحد قولى الشافعى (٣).
ثم اختلف أصحابنا وأصحاب أبو حنيفة، هل يحكم بين المتحاكمين منهم بمجىء أحدهما؟ أو حتى يجيئا معاً؟ أو حتى يعلمهما بما يحكم به ويرضيان به وقال الشافعى - أيضاً -: لا يحكم بينهم فى الحدود وحكم النبى بما حكم عليهما يحتمل أنه بحكم دينهما، وأنه لم يكن بعدُ نزل حكم الزنا عليهم، وكذلك قال بعض العلماء، قال: ولا يتفق لنا نحن اليوم بذلك. وقال بعض أصحابنا، ويدل عليه قوله فى غير مسلم (٤) حين قدم
стр. 3133
فِى التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ ". قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ
ــ
رسول الله ﷺ المدينة، وهذا يدل أنه فى أول الأمر وسؤال النبى ﷺ لهم عما فى التوراة. قيل: هذا يحتمل أنه قد علم به بالوحى، وأنه مما لم يغيروه منها؛ ولهذا ما لم يخف عليه حين كتموه، أو أن يكون علم ذلك ممن وفق ممن أسلم من علمائهم. وفى الصحيح أن عبد الله بن سلام قال له: إن فيها الرجم. (١) ويحتمل أن يكون سألهم عن ذلك استخباراً عما عندهم ثم يستعلم صحته من قبل الله تعالى، ويكون حكمه بما فى التوراة، إما لأنهم رضوا بذلك وصرفوا حكمهم إليه، أو لأن شرع من قبلنا لازم لنا ما لم ينسخ على أحد القولين لأهل الأصول. قد قيل: إن هذا كان خصوصاً للنبى ﵇ إذ لا فضل عن أى معرفة ما أنزل عليهم، وللإجماع أن أحداً لم يعمل به بعده لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِين أَسْلَمُوا لِلِّذِينَ هَادُوا﴾ (٢).
وقد احتج الدارقطنى وأبو داود وغيرهما وبعضهم يزيد على بعض حديث اليهوديين مبيناً، وفيه: فقال لهم النبى ﷺ : " ائتونى بأعلم رجلين فيكم "، فأتوه بابنى صوريا. وفيه: أنه سألهما: " كيف تجدون حدهما فى التوراة؟ ". فقالا: الرجل مع المرأة ريبة وفيه عقوبة، والرجل على بطن المرأة ريبة وفيه عقوبة، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يدخله فيها كالمرود فى المكحلة رجم. قال: " ائتونى بالشهداء "، فشهد أربعة فرجمهما (٣). قال الدارقطنى تفرد به مجالد عن الشعبى وليس بالقوى.
وقولهم: " نسود وجوههما ونحملهما " كذا للعذرى والسمرقندى، وعند السجزى: " نجملهما " بالجيم المفتوحة، وعند الطبرى: " نحملهما " بالحاء الساكنة.
قال الإمام: المحمم: المسوَد الوجه، وهو مفعل من الحمم، والحمم: الفحم، واحدتها حممة.
قال القاضى: فمن رواه: " نحممهما " فهذا معناه، ومن رواه: " نجملهما " بالجيم فمعناه: نحملهما على الجمال، كما قال فى الرواية الأخرى:، نُحَمِّلْهُمَا ".
وقوله: " ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما ": هذا كله مبالغة فى التنكيل بهما.
стр. 3134
بَيْنَ وجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا. قَالَ: " فَأتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ "، فَجَاؤُوا بِهَا فَقَرؤُوهَا، حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ، وَضَعَ الْفَتَى - الَّذِى يَقْرَأُ - يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاَءَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ - وَهُوَ مَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ. فَرَفَعَهَا، فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رسُولُ اللهِ ﷺ ، فَرُجِمَا.
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ.
٢٧ - (...) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ - مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُمْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجَم فِى الزِّنَى يَهُودِيَّيْنِ، رَجَلاً وَامْرَأَةً زَنَيَا. فَأَتَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَهِمَا. وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ.
ــ
وقد قال كثير من أهل العلم بمثل هذا فى شاهد الزور من عظم حرمته فى التعزير، وأنه يحمم وجهه ويحلق رأسه، ويطاف به، وروى عن ابن الخطاب، وفعل ذلك فى شاهد الزور بعض قضاة البصرة وحلق نصف رأسه، ولم ير مالك فى آخرين حلق الرأس ولا التحميم.
وقوله: " فأمر بهما رسول الله ﷺ . فرجما ": حجة على ما تقدم من أنه لا يلزم الإمام تولى ذلك بنفسه، وإنما يكل الرجم إلى المسلمين، ومضى ما فيه من الخلاف. ورجم النبى ﷺ لهما وهما كافران مضى الكلام فيه، وبه يحتج من قال: لا يشترط الإسلام فى الإحصان، وهو قول أبى يوسف وابن أبى ليلى على الجملة، وهو قول أبى حنيفة فى الذميين وأن إحصانهم إحصان، وأحد قولى الشافعى، وتقدم قول مالك (١): إنما ذلك لأنهم كانوا غير أهل ذمة حينئذ، وتحاكموا إليه. قال الطحاوى: وإذا كان ذلك فيمن له ذمة أخرى (٢).
وقوله: " فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه ": حجة لمن يقول: لا يحفر له كما
стр. 3135
(...) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ الْيَهُودَ جَاؤوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ.
٢٨ - (١٧٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ بِيَهُودِىٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُوَدًا، فَدَعَاهُمْ ﷺ فَقَالَ: " هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِى فِى كِتَابِكُمْ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ. فَدَعَا رَجُلاً مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: " أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِى فِى كِتَابِكُمْ؟ ". قَالَ: لَا، وَلَولَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِى بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِى أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وِإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ
ــ
تقدم، وفيه حجة أنه لا يربط ولا تشتد يداه.
وقوله: " يترك له يداه يتقى بهما " ولم يذكر فى الحديث فى الأم من أين استحق ﵇ عليهما الزنا. وقد ذكر أبو داود أنه شهد عليهما أربعة أنهم رأوا ذَكَرَهُ فى فرجها.
وقوله فى الحديث الآخر عن البراء بن عازب: مر على النبى ﷺ يهودى محمماً، وسؤاله إياهم وذكرهم ما أحدثوه فى ذلك من التحميم، والجلد فى أشرافهم، فقال: " اللهم إنى أول من أحيا أمرك إذ أماتوه " فأمر به فرجم: ليس فيه إن - شاء الله - مخالفة لما تقدم من أنهم حكموه، ولا حجة للمخالف فى إقامة حد الزنا على الكتابيين وإن لم يحكمونا لما فى آخر الحديث: فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ (١) يقول: ائتوا محمدًا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ (٢)، فهذا من نفس هذا الحديث بيان أنهم حكموه، واختصرها الراوى. فيحتمل أن التحكيم كان بعد أن مروا عليه، وأنكر عليهم فعلهم، والله أعلم.
стр. 3136
أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ. قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَىءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ. فَقَالَ: رَسُولَ اللهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ، إِنَّى أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ "، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يَسَارِعُونَ فِي الْكفْرِ﴾ إلى قوله ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوه﴾ (١) يَقُولُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرونَ﴾ (٢)، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) فِى الْكُفَّارِ كُلُّهَا.
(...) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. إِلَى قَوْلِهِ: فَأَمَرَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ فَرُجِمَ. وَلَمْ يَذْكُرْ: مَا بَعْدَهُ مِنْ نُزُولِ الآيَةِ.
٢٨ م - (١٧٠١) وحدّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: رَجَمَ النَّبِىُّ ﷺ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ، وَرجُلاً مِنَ الْيَهُودِ، وَامْرَأَتَهُ.
ــ
وقد احتج بهذا الحديث من يرى على الإمام إقامة حد الزنا على الذميين إذا زنيا، وهو قول أبى حنيفة وأحد قولى الشافعى (٥). وحجة من قال بهذا القول قوله تعالى: ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّه﴾ (٦) وجعلوها ناسخة لآية التخيير، وهو قول ابن عباس فى آخرين وقال مالك: إذا زنا أهل الذمة فلا يعرض عليهم الإمام ويردهم إلى أهل دينهم، إلا أن يظهر منهم ذلك بين المسلمين ويضروهم بذلك فيمنعوا، وهو قول جماعة من العلماء، وأحد قولى الشافعى وأبى ثور فى آخرين. وقال مالك: إذا زنا أهل الذمة فلا يعرض عليهم الإمام. وذهب المغيرة من أصحابنا إلى أنهما يحدان حد البكر كيف كانا. وقد بينا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: " رجم رجلاً من اليهود وامرأته " أى صاحبته، ولم يرد زوجته، وفى الرواية الآخرى: " وامرأة ".
وقوله: رجم رسول الله ﷺ ، ثم قال: نعم. قلت: بعد ما أنزلت سورة النور أم قبلها؟ قال: " لا أدرى ": اختلف السلف والعلماء فى آية النور، هل هى ناسخة لآيتى النساء، قوله: ﴿فَاَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت﴾ (١) وقوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾؟ (٢) قيل: بالقول والضرب بالأيدى، وقيل: هى منسوخة بحكم الرجم الثابت، وقيل: هى محكمة لا منسوخة ولا ناسخة، وأنها فى البكرين ثابتة الحكم، وآية النساء فى المحصنين، وأن الآية الأخرى من آيتى النساء ناسخة للأولى، ثم نسخ ذلك آية النور فى البكرين وحكم الرجم فى المحصنين.
وقوله: " إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يُثَرِّب عليها "، قال الإمام: فيه حجة لنا أن السيد يقيم على عبده الحد فى الزنا خلافاً لمن منعه.
قال القاضى: جمهور العلماء على ما ذهب إليه مالك من إقامة السيد الحد على عبده، وأمته فى الزنا، وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين خلافاً لأهل الرأى والسنة من هذا الحديث وشبهه فقطع آراءهم.
واختلف القائلون بإقامة الحد فى الزنا فى إقامة الحد عليه فى القطع، مع اتفاق هؤلاء أن حدود الجلد كلها كحد الزنا يقيمها السيد. فقال الشافعى.: يقطع يد عبده، وقاله بعض أصحابنا إذا قامت على السرقة بينة. ومنع ذلك مالك وغيره فى القتل والقطع وقصاص الأعضاء؛ مخافة أن يمثل بعبده، ويدعى أنه أقام عليه حداً لئلا يعتق عليه، وأن ذلك للإمام. " فليجلدها الحد ": دليل على وجوب الحد على العبيد فى الزنا، خلافاً لمن قال غير ذلك كما سنذكره (٣).
وقوله: " فتبين زناها ": بين فى أن الحد لا يكون إلا بعد الثبات والبيان التام وصفة الشهادة عليها على ما يكون على غيرها، وهل يكتفى فى ذلك السيد بعلمه؟ عندنا فى ذلك روايتان: الحد وإقامته وسقوطه عندنا، كانت ذات زوج أم لا. وعن ابن عمر: إن كانت ذات زوج رفع أمرها إلى السلطان.
وقوله: " ولا يثرب عليها ": التثريب: التوبيخ والمؤاخذة بالذنب، هذا حكم فى هذا الباب وشبهه من ترك التعبير لأصحاب الذنوب بما سلف منهم، والمؤاخذة لهم بما قد
стр. 3140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حدوا فيه وعوقبوا عليه، ولومهم على ما سلف منهم وتوبيخهم عليه؛ إذ لم يكونوا موافقين له فى الحين. وأيضاً فإن فى تكرار ذلك على الإماء والنساء سقوط بحشمتهن وكشف ستر الحياء بينهن وبين ساداتهن، حتى تسقط هيبتهن لهم فى ذلك فيكون سبب العود له؛ لأن الشىء إذا أكثر من ذكره أنس به ولم يبال عنه.
وقوله: " ثم إن زنت فاجلدوها ": سنة فيمن تكرر منه الزنا وشبهه من المعاصى بعد حده عليها إن تكرر حده، ولا يسقطه الحد الأول.
وقوله: " ثم إن زنت مرة فليبعها ولو بضفير ": جاء مفسراً فى الرواية الأخرى: " فليبعها ولو بحبل من شعر " وكل حبل ضفير، وكذلك كل ما ضفر وفتل حض على بيعها وتأكيد فى الخروج عن ملكها البعد عن صحبتها بعد الرابعة، وليس ذلك بواجب عند جمهور العلماء، خلافاً لداود وأهل الظاهر فى وجوبه، وفى هذا مجانبة أهل المعاصى ومباعدتهم. قالوا: وفيه جواز التغابن وبيع الخطير بالثمن اليسير. ولا خلاف فى هذا مع العلم به، إنما الخلاف إذا كان عن جهالة من الغبون. وعندنا فى ذلك قولان: المعنى كيف كان والالتفات إلى الخروج عن عادة الناس فى التغابن إلى ما يكثر ويسمح فيرد وحده قائل هذا بالزيادة على ثلث الثمن والنقص منه، وليس فى الحديث عندى ما يستدل به على المسألة، وإنما هذا على طريق المبالغة فى بيعها بما أمكن، ولا تحبس ليرصد بها ما يرضى من الثمن.
وقوله فى رواية مالك فى الحديث: أنه ﵇ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فقال: " اجلدها ". كذا فى حديث مالك. قال الطحاوى: لم يقله غير مالك. قال غيره: قد رواه كذلك ولم يخص ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما قال مالك.
واختلف فى معنى الإحصان هنا فقيل: الحرية، وقيل: التزويج، وقيل: الإسلام، وهذا على الاختلاف فى قوله تعالى فيهن: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة﴾ الآية (١)، قرئ بفتح الهمزة والصاد وبضم الهمزة وكسر الصاد. واختلف فى تفسير ذلك، هل هما بمعنى التزويج أو الإسلام؟ أو هما بمعنيين؟ بالفتح: الإسلام، وبالضم التزويج، وبحسب ذلك اختلف العلماء فى حد الأمة إذا زنت. فروى عن ابن عباس وبعض السلف: لا حد على أمة فى الزنا حتى تحصن بزوج، ولا حد على عبد، وهو مذهب أبى عبيد وذلك على قراءة " حصن " بالضم. وذهب الجمهور من السلف وفقهاء الأمصار فى أنها تحد نصف حد الحرة، كانت بزوج أم لا (٢) وهذا الحديث حجة لهم، وحديث على المذكور بعد هذا وفيه:
стр. 3141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
" من أحصن منهم ومن لم يحصن ". وقالوا: أحصنت معناه: أسلمت، وقد روى عن عمر بن الخطاب جلدهن فى الزنا. وروى عنه - أيضاً - ما ظاهره لا حد على أمة، وروى نحوه عن ابن عباس أيضاً، وروى عنه: حتى تحصن تحد. قاله طاووس وعطاء وابن جريج (١)، ذلك من لم يوجب الحد إذا لم يحصن، ويتأوله أنه إذا لم يسلمن يرى العقوبة، ويتأول قوله فى هذا الحديث: " فاجلدوها " ولم يقل: فحدوها. قوله فى الحديث الأول: " فليجلدها الحد "، ففسره وقال القاضى أبو القاسم: هما حديثان فى أمتين، أحدهما: مسلمة تحد: والأخرى: كافرة لم تحصن، أى لم تسلم: تعاقب.
стр. 3142
(٧) باب تأخير الحد عن النفساء
٣٤ - (١٧٠٥) حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْر الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو دَاُودَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ السُّدِّىِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: خَطَبَ عَلِىٌّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُم الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِى أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِىَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ: " أَحْسَنْتَ ".
(...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ السُّدِّىِّ، بِهَذَا الإِسْنَاد. وَلَمْ يَذْكُرْ: مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ. وَزَادَ فِى الْحَدِيثِ: " اتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ ".
ــ
قال الإمام: وقول على: " أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن ": هذا قولنا فى إقامة الحد على الأمة وإن لم يكن لها زوج، خلافاً لمن أَبَىَ ذلك واعتقد أن فى شرط حدها إحصانها بالتزويج، وتأول قراءة من قرأ: " إذا أحصن " بفتح الهمزة والصاد على معنى التزويج، وقد تقدم الحديث المذكور فيه: " إذا زنت فاجلدوها " ولم يفرق. وفى بعض طرقه أنه ﷺ قال عن الأمة إذا زنت ولم تحصن: " إن زنت فاجلدوها ".
قال القاضى: وفى قوله: إن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرنى أن أجلدها، فإذا هى حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبى ﷺ فقال: " أحسنت ": حجة لما تقدم أنه لا يحد بالجلد المريض والنفساء حتى تستقل من نفاسها لأنه مرض، وأما من حده القتل فيحد كل حين لارتفاع العلة.
стр. 3143
(٨) باب حد الخمر
٣٥ - (١٧٠٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمْعِتُ قَتاَدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَتَى بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ، نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ.
(...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْن الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: أُتِى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
٣٦ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتاَدَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ جَلَدَ فِى الْخَمْرَ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيَفِ وَالْقُرَى، قَالَ: مَا
ــ
وقوله: أن النبى ﷺ جلد فى الخمر بجريدتين نحو أربعين، وفعله أبو بكر، وأن عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن: " أخف الحدود ثمانين (١) "، فأمر به عمر، وفى الرواية الأخرى: أنه ﵇ كان يضرب فى الخمر بالنعال والجريد أربعين، وذكر قول على: " جلد النبى ﷺ وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة ".
قال الإمام ﵀: لو فهمت الصحابة عن النبى ﷺ حداً محدوداً فى الخمر لما عملت فيه برأيها ولا خالفته، كما لم تفعل ذلك فى سائر الحدود، ولعلهم فهموا أنه ﵇ فعل ذلك على موجب اجتهاده فيمن فعل فيه ذلك.
قال القاضى ﵀: أجمع المسلمون على وجوب الحد فى الخمر، وأجمعوا أنه لا يقتل إذا تكرر منه ذلك، إلا طائفة شاذة قالوا: يقتل بعد حده أربع مرات، الحديث الوارد فى ذلك وهو عند الكافة منسوخ بقوله ﵇: " لا يحل دم مسلم
стр. 3144
تَرَوْنَ فِى جَلْدِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ. قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ.
(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٣٧ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النُّبِىَّ ﷺ كَانَ يَضْرِبُ فِى الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيَدِ أَرْبَعِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيِثِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرِ: الرِّيفَ وَالْقُرَى.
٣٨ - (١٧٠٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ الدَّانَاجِ.
ــ
إلا بثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك لدينه المفارق " (١) وحديث النعمان وأن النبى ﷺ حده ثلاث مرات ولم يقتله، ونهى عن لعنه، ودل على نسخه إجماع الصحابة على ترك العمل به.
واختلفوا فى تفصيله وقدره، فمذهب الجمهور من السلف والفقهاء؛ مالك وأبى حنيفة والثورى والأوزاعى وأحمد وإسحاق والشافعى مرة وغيرهم: أن حده ثمانون جلدة. وقال الشافعى - أيضاً - وأبو ثور وداود وأهل الظاهر: حده أربعون. قال الشافعى: بالأيدى والنعال وأطراف الثياب (٢).
وحجة الأول: ما استقر عليه إجماع الصحابة، وأنه لم يكن فعل النبى ﷺ حداً معيناً، ألا تراه قال فى الحديث: " نحو أربعين ".
وقوله: " بجريدتين ": يحتمل جمعها فى أربعين، وكذلك جاء فى حديث آخر عن أبى سعيد؛ أنه ﵇[وأنه] (٣) ضرب بنعلن فى الخمر أربعين (٤). فتأتى ثمانين، فيكون اجتهاد الصحابة فى الثمانين وفى الأربعين على مقدار يجزئ ضربه ﵇ وموافقته، لا على إحداث حد لم يكن. ويحتمل أن تكون جريدتين مفروقتين
стр. 3145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضرب بكل واحدة منهما عدداً حتى أكمل بهما أربعين، وفصل عمر وأبو بكر وحد على الوليد بمحضر عثمان أربعين. واختلاف رأى على فى فعله يدل أنه لم يكن من النبى ﷺ فى ذلك لا يخالف.
ثم اتفقوا على إقامة الحد على شارب القليل من خمر العنب وكثيره، سكر أو لم يسكر. وعلى حد من سكر من كل سكر. واختلفوا فى حد من شرب ما لا يسكر منه من غير خمر العنب، فجمهور السلف والعلماء على تسوية ذلك كله، والحد من قليله وكثيره لتحريم قليله وكثيره. وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجلد حتى يسكره وإن شربه ما لم يبلغ السكر، وعنهم - أيضاً - مثله فى مطبوخ العنب المُسْكر، وخمر التمر عند بعضهم كخمر العنب (١). وقال أبو ثور: يجلد من يرى تحريمه ولا يجلد من يرى تحليله، ويتأول فى ذلك. وقد مال إلى هذا التفريق بعض شيوخنا المتأخرين، وإجماع المسلمين منعقد على تحريم خمر العنب النيئ، قليله وكثيره.
وضربه بالجريد والنعال يدل على تخفيف حد الخمر، وإلى هذا ذهب الشافعى؛ أنه لا يكون الحد [إلا] (٢) بمثل هذا إلا بالسوط. وعند مالك وغيره: الضرب فيه بسوط بين سوطين، وضرب بين ضربين، والحدود كلها سواء. وعند الزهرى والثورى وإسحاق وأحمد والشافعى: أن الخمر أخف الحدود (٣). وقال الليث كقول مالك. وقال آخرون: ضرب التعذير أشد، ثم ضرب الزنا، ثم ضرب الخمر، ثم ضرب القذف (٤). وأجاز بعض أصحابنا فى المدمنين عليه التغليظ بالفضيحة والطواف والسجن.
وقوله: " بجريدتين نحو أربعين ": لا خلاف بين العلماء أنه لا يجزئ ضرب بسوطين، أو بسوط له رأسان فى حد الصحيح، أو سياط مجموعة، ويحسب أعداد ذلك. واختلفوا فى المريض الذى لا يرجى برؤه، فذهب مالك والكوفيون وجمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ فيه إلا ما يجزئ فى الصحيح، ويترك حتى يبرأ أو يموت. قال الشافعى: يضرب ضربة بعكول نخل يصل جميع شماريخها إليه، وما يقوم مقامه، على ما جاء فى حديث مخدج. وقد روى عن على أنه ضرب الوليد بسوط له رأسان أربعين، وهذا يدل على أنه لم يحسب إلا كسوط واحد؛ لأنه إنما حده أربعين. هذا يدل على أنه لم يحسب على ما جاء فى الحديث. وذكر فى الحديث أن عبد الرحمن بن عوف هو الذى أشار على
стр. 3146
ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ الدَّانَاجِ، حَدَّثَنَا حُضَيْنُ بنُ الْمُنْذِرِ، أَبوُ سَاسَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأُتِىَ بِالْوَلِيدِ، قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ. أَزِيْدُكُمْ؟ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلانِ - أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ - أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ. فَقَال عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأ
ــ
عمر بالثمانين جلدة فى الخمر (١).
وفى الموطأ وغيره (٢) أنه على بن أبى طالب.
وقوله: " فلما كان فى زمن عمر ودنا الناس من الريف والقرى ": يعنى فتحت الشام والعراق وبلاد الخصب والكروم والثمار. والريف ما دنا من المياه من الأراضى، ويعبر بذلك عن الخصب والسعة. ومشاورة عمر الناس فى حد السكر دليل على تشاور أهل العلم فى النوازل، أن المناكير إذا كثرت وجب الاهتبال بأمرها والتشدد فيها لئلا يؤنس بها. دليل الحال أنه كان الأمر فى الخمر قبلُ أخف فى مبدأ أحدها حتى كثر وقوع الناس فيها، وقياسهم لها على أخف الحدود أو على القذف؛ لأن الشارب إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، أصل فى القياس.
وقول عبد الرحمن: " أخف الحدود ثمانين " ويروى: " أخف الحدود ثمانين " بالنصب فيهما، وهو أوجه فى العربية، أى: حد فيها أخف الحدود، أو اجعلهما أخف الحدود.
وذكر مسلم حديث عبد الله الداناج، ويقال أيضاً: " الدان " بغير جيم، " الداناه " بالهاء، ومعناه بالفارسية: العالم. وحُضين بن المنذر بالضاد المعجمه. ذكر قصة الوليد وتخليطه فى صلاة الصبح، وشهود الرجلين عليه، أحدهما أنه شرب خمراً والآخر أنه رآه تقيأها. فقال عثمان: لم يتقيأها حتى شربها، والشهادة على القىء كالشهادة على الشرب.
وقول عثمان: " قم يا على فاجلده، فقال على: قم يا حسن فاجلده ": فيه إقامة
стр. 3147
حَتَّى شَرِبَهَا. فَقَالَ: يَا عَلِىُّ، قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ عَلِىٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا - فَإِنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ - فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَجَلَدَهُ، وَعَلِىُّ يَعُدُّ، حَتَّى بَلِغَ أَرْبَعِينَ. فَقَالَ: أَمْسِكْ. ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِىُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلِىَّ.
ــ
الفضلاء الحدود بأنفسهم؛ لأنها من أفضل القربات. وكذلك كان جلة الصحابة يقيمونها بين يدى الخلفاء. ويجب أن يختار لإقامتها عند جميع العلماء أهل الفضل والعدل، إذا أمكنوا؛ لئلا يشعه وأنى ذلك؟
وقول حسن: " ولِّ حارها من تولى قارها ": مثلٌ من أمثال العرب. قال الأصمعى: ول شدتها من تولى هنيئها.
والقار: البارد. ومعنى قول الحسن هذا: أى ولّ ضربه وإقامة الحد عليه من قلده الله أمر المسلمين. وقال الخطابى: معناه: ولّ عقوبته من توليه العمل والنفع (١). الأول أولى وأبين فى القصة. وفى أمر على للحسن ثم لعبد الله جواز استنابة الحكام فيما قلدوه، لا سيما بمحض مقلدهم ومعرفته. وإنما خص عثمان علياً بجلده (٢) لكونه أقرب إليه من غيره؛ إذ يجمعهم عبد مناف، علىٌّ من بنى هاشم بن عبد مناف، والوليد من بنى عبد شمس ابن عبد مناف.
وقول على لما بلغ ضربه أربعين: " أمسك، جلد النبى ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلى ": فيه ما كان يعتقد على فى إمامة الخليفتين أبى بكر وعمر، وأن حكمهما سنة، وأمرهما حق لقوله ﵇: " اقتدوا باللذين من بعدى " (٣). خلاف ما يكذب عليه فيه الرافضة والشيعة.
وقوله: " هذا أحب ": حمله أكثرهم على الأربعين، وقد روى عن على فى هذه القصة أنه ضربه ثمانين، وهو المعروف من مذهب على. وقوله فى قليل الخمر وكثيرها ثمانون جلدة. وروى عن على - رضى الله عنه - أنه جلد المعروف بالنجاشى ثمانين،
стр. 3148
زَادَ عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ فى روَايَتِهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الدَّانَاجِ مِنْهُ فَلَمْ أَحْفَظْهُ.
٣٩ - (١٧٠٧) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِىٍّ، قَالَ: مَا كُنْتُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتُ فِيهِ، فَأَجِدَ مِنْهُ فِى نَفْسِى، إِلا صَاحِبَ الْخَمْرِ؛ لأَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ؛ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ.
(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
ــ
والمشهور أن علياً هو الذى أشار على عمر بإقامة الحد فى الخمر ثمانين، على ما فى الموطأ وغيره (١). وهذا كله يرجح رواية من رواه أن حد الوليد ثمانين، وقد ذكره البخارى (٢) أيضاً. ويجمع بينه وبين ما هنا: ما روى أنه حده بسوط له رأسان، فجاء فى العدد ثمانين ضربة، كما جاء فى حد النبى ﷺ أربعين بنعلين. وفى الحديث الآخر بجريدتين، وأن عمر جعل ذلك لكل نعل سوطاً، وكان شأن الحد فى الخمر على التخفيف عندهم - والله أعلم - مع قوله: " وحد عمر ثمانين وهذا أحب إلينا "، فعادت الإشارة إلى أقرب مذكور. وقد نحا الطبرى إلى توهين خبر الوليد وذكر أنه تحومل عليه فى الشهادة فى تلك القصة.
وقول على: " ما كنت أقيم على أحد حداً فيموت فأجد منه فى نفسى، إلا صاحب الخمر؛ لأنه إن مات وَدَيْتُه؛ لأن رسول الله ﷺ لم يسنه " يعنى: لم يجد منه حداً لا يتعداه، وإنما كان ضربه إياه على ما تقدم، لكن لما كثر شرب الناس له اجتهد فيه الصحابة كما تقدم. وقد رده قياساً على ما يستحق من الحدود. وبنحو قول على قال الشافعى، قال: إن حد أربعين بالأيدى والنعال والثياب فمات فالله قتله، وإن زيد على الأربعين بذلك، أو ضرب أربعين بسوط فمات، فديته على عاقلة الإمام.
ولم يختلف العلماء فيمن مات من ضرب حد وجب عليه أنه لا دية فيه على الإمام ولا على بيت المال. واختلفوا فيمن مات من التعزير، فقال الشافعى: عقله على عاقلة الإمام
стр. 3149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعليه الكفارة، وقيل على بيت المال. وجمهور العلماء: أنه لا شىء عليه (١). وبقية الكلام فيما يحل ويحرم من الأشربة فى كتابهما إن شاء الله تعالى، كذا الرواية فى جميع النسخ؛ لأنه إن مات وديته. فكذا روى البخارى (٢)؛ لأن ديته إياه كفارة استرابته وتروعه لا علة ذلك. وقد روى عن ابن الحذاء أنه إن مات، وهو قريب من هذا.
стр. 3150
(٩) باب قدر أسواط التعزير
(٤٠) - (١٧٠٨) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْن الأَشَجِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْن يَسَارٍ، إِذْ جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ جَابِرٍ، فَحَدَّثَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ. فَقَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحَمْنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلا فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ ".
ــ
قوله: " لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا فى حد من حدود الله "، قال الإمام: هذا خلاف مذهب مالك؛ لأنه يجيز فى العقوبات فوق هذا وفوق الحدود، لأن عمر - رضى الله عنه - ضرب من نقش على خاتمه مائةً، وضرب صبيعاً أكثر من الحد. وقد أخذ ابن حنبل بظاهر الحديث فلم يزد فى العقوبات على العشرة، وتأول أصحابنا الحديث على أنه مقصور على زمان النبى ﷺ ؛ لأنه كان يكفى الجانى منهم هذا القدر، وتأولوه - أيضاً - على أن المراد بقوله: " فى حد من حدود الله "؛ لأن المحرمات كلها من حدود الله. وقال أبو حنيفة: لا يبلغ فى التعزير أربعين، وقاله الشافعى، وقال أيضاً: لا يبلغ عشرين لأنه أدنى حدود العبد فى الخمر. فقال بعضهم: لا يبلغ ثمانين (١).
قال القاضى: فظاهر هذا الحديث من أصحابنا أشهب فى بعض الروايات عنه، واحتج بالحديث. وقد اختلف مذهب مالك وأصحابه فى ذلك، فالمشهور عنه وعنهم ما تقدم، وأن ذلك يوكل إلى اجتهاد الإمام، وبقدر جرم الفاعل وشهرته بالفسق وإن كثر جداً، ونحوه عن أبى يوسف وأبى ثور والطحاوى. وروى عن محمد بن الحسن مثله، قال: وإن بلغ ألفاً. وروى عنه مثل قول أبى حنيفة. وروى عن مالك فى الضرب فى التهمة فى الخمر والفاحشة خمسة وسبعين سوطاً، لا يبلغ به الحد، وقد مال إليه أصبغ من أصحابنا، ونحوه لمحمد بن مسلمة، قال: لا أرى أن يضرب السلطان فى الأدب مثل الحدود، ولا يبلغ به الحد أبداً، ونحوه لابن أبى ليلى وأبى يوسف، قال: أقله خمسة وسبعون. وروى عن عمر: لا يبلغ فى تعزير أكثر من ثمانين. وروى عن ابن أبى ليلى - أيضاً - وابن شبرمة: لا يبلغ مائة ويضرب ما دونها. وروى عن الشافعى سوى ما تقدم
стр. 3151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للذى يضرب فى الأدب أبداً وإن أتى على نفسه، حتى يقر بالإنابة فيرفع عنه. وقال ابن أبى ذئب وابن أبى يحيى: لا يضرب أكثر من ثلاثة فى الأدب. وقاله أشهب فى مؤدب الصبيان، قال: فإن زاد اقتص منه، وعن الزبير من أصحاب الشافعى: تعزير كل ذنب مستنبط من حده لا يجاوز به حده.
قال الإمام: ذكر مسلم هذا الحديث من حديث سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، عن أبى بردة الأنصارى، قال بعضهم. هكذا روى عند ابن ماهان بالدال المهملة وهو الصواب، وروى عن الرازى وغيره عن الجلودى عن أبى برزة، بالزاى وهو خطأ. ويقال فى اسم أبى بردة هذا: هانى بن نيار الحارث، ويقال: هو رجل آخر من الأنصار.
قال القاضى: الحديث معروف لأبى بردة. وكذا خرجه البخارى وغيره (١). ولم يقل أحد فيه: أبو برزة. وأبو برزة هنا تصحيف.
قال القاضى: ورواه مسلم من حديث عمرو، وهو ابن الحارث عن بكير بن الأشج، عن سليمان، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه عن أبى بردة. قال الدارقطنى (٢): تابع عمرو بن الحارث أسامة بن زيد عن بكير عن سليمان، وخالفهما الليث وسعيد بن أبى أيوب وابن لهيعة، فرووه عن بكير، عن سليمان، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبى بردة. لم يقولوا عن أبيه. واختلف فيه على مسلم بن أبى مريم، فقال ابن جريج عنه عن عبد الرحمن بن جابر، عن رجل من الأنصار، عن النبى ﷺ . وقال جعفر (*) بن ميسرة عنه عن جابر عن أبيه. قال أبو الحسن فى كتاب العلل: والقول قول الليث ومن تابعه عن بكير، قال فى كتاب التتبع: وقول عمرو صحيح.
стр. 3152
(١٠) باب الحدود كفارات لأهلها
٤١ - (١٧٠٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى مَجْلِسٍ، فَقَالَ: " تُبَايعُونِى عَلَى أَلا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ. فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ: فَعُوقِبَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ".
٤٢ - (...) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ فِى الْحَدِيثِ: فَتَلا عَلَيْنَا آيَةَ النِّسَاءِ: ﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية (١).
٤٣ - (...) وحدّثنى إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىَّ، عَنْ عُبَاَدَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ
ــ
وقوله: " تبايعونى على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله. ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، فأمره إلى الله. إن شاء عفا عنه وإن شاه عذبه "، قال الإمام ﵀: هذا الحديث رد على من يكفر بالذنوب وهم الخوارج، ورد على من يقول: لا بد من عقاب الفاسق الملى إذا مات على كبيرة ولم يتب منها وهم المعتزلة؛ لأن النبى ﷺ ذكر هذه المعاصى وأخبر أن أمر فاعلها إلى الله - سبحانه - إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، ولم يقل: لا بد أن يعذبه. وفيه تكفير الذنب لإقامة الحد. وقد قال فى طريق بعد هذا الحديث فزاد فيه: " ولا ننتهب ولا نعصى، فالجنة إن فعلنا ذلك ". فتأمل تحرير نقلة الشريعة، وذلك
стр. 3153
الله ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَلا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَزْنِىَ، وَلا نَقْتُلَ أَوْلادَنَا، وَلا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا " فَمنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَن سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاَء غَفَرَ لَهُ ".
٤٤ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى الْخَيرِ، عَنِ الصُّنَابِحِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنِّى لَمِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى
ــ
أنه قال فى الحديث الأول: " فمن وفى منكم فأجره على الله "، ولم يقل: فالجنة؛ لأنه قد يعصى بغير هذه الذنوب؛ كشرب الخمر، وأكل الربا، وشهادة الزور. وقال فى الحديث الآخر: " ولا ننتهب ولا نعصى " فعم سائر المعاصى، ولا شك أن من لا يعصى أصلاً له الجنة.
قال القاضى: أكثر العلماء ذهبوا إلى أن الحدود كفارة أخذاً بهذا الحديث، ومنهم من وقفه بحديث أبى هريرة أنه ﷺ قال: " لا أدرى الحدود كفارة أم لا " (١)، لكن حديث عبادة أصح إسناداً. ولا تعارض بين الحديثين، فقد يمكن أن حديث أبى هريرة قبل حديث عبادة؛ إذ لم يعلم أولاً حتى أعلمه الله تعالى أخيراً. واحتج من وقف بقوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). والآية مختلف فيها، هل هى فى الكفارة أو محاذير الإسلام؟ فإن كانت فى الكفارة فلا حجة فيها، وأيضاً فيكون حديث عبادة مخصصًا لعموم الآية، أو مبيناً ومفسراً لها.
وقوله: " لا يَعضَه بعضنا بعضاً ": كذا رواية الجماعة، لمعناه تأويلات: أحدها: لا يسخر. والعضيهة. والعضه: السخر، والآخر النميمة، وهى العضه والعضه أيضاً والآخر البهتان، أى لا يقذفه ولا يكذب عليه، وينسب إليه ما ينقصه ويتأذى به. والعضيهة: الإفك والبهتان، يقال: عضه الرجل بالفتح، وأعضه: إذا أفك. وعضهت وأعضهت فلاناً، كذا جاء هذا الحرف فى رواية الجماعة وعند العذرى: " ولا يعض بعضنا
стр. 3154
أَلا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلا نَزْنِىَ، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ، وَلا نَنْتَهِبَ، وَلا نَعْصِىَ. فَالْجَنَّةُ، إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ قَضَاؤُهُ إِلَى اللهِ.
ــ
بعضاً " بغيرها على وزن يقض، والأول أبين إلا أن يخرج على بعد من التأويل على قوله تعالى: ﴿جَعَلُوا الْقُرآنَ عِضِين﴾ (١). أى سحراً، على ما فسره بذلك، وهو قول الفراء، وجعل العضه قد نقصت منها الأصل، وألحقت علامة التأنيث، فيخرج فعله على هذا أيضاً - والله أعلم.
стр. 3155
(١١) باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار
٤٥ - (١٧١٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْن الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعدِنُ جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ ".
(...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، ح حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِى ابْنَ عِيسَى - حَدَّثَنَا مَالِكٌ، كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ. بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ، مِثْلَ حَدِيثِهِ.
(...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ،
ــ
وقوله: " العجماء جرحها جبار، والبئر جبَار، والمعدن جُبَار، وفى الركاز الخمس "، قال الإمام: إنما جاء الشرع بتضمين المتلف لنفس غيره أو ماله مباشرة، أو كان السبب فى ذلك على شروط فى كونه سبباً يطول استقصاؤها، وما لم يباشره ولا كان سبباً فيه فلا يضمنه. هذا أصل الشريعة سوى ما استثنته من هذا، من تضمين العاقلة، وإذا لم تجن ولا كانت سبب الجناية.
والدابة إذا أصابت إنساناً ففعلها غير منسوب لمالكها فلا ضمان عليه، فإن كان راكبها أو سائقها أو قائدها ضمن على الجملة على تفصيل فى ذلك؛ لأن له فى فعلها مشاركة؛ لإمكان أن يجذبها أحد هؤلاء عن طريق الإتلاف. وكذلك البئر إذا استأجره لحفرها فانهارت عليه، فلا ضمان على المستأجر. وكذلك المعدن الذى يعمل فيه، والعلة ما ذكرناه.
قال القاضى ﵀: العجماء " ما لا ينطق من الحيوان، وهو ما لا يعقل منه من البهائم. وجرحها [منايتها] (١) كانت جرحاً أو غيره من إتلاف نفس أو مال، فعبر