. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للذى يضرب فى الأدب أبداً وإن أتى على نفسه، حتى يقر بالإنابة فيرفع عنه. وقال ابن أبى ذئب وابن أبى يحيى: لا يضرب أكثر من ثلاثة فى الأدب. وقاله أشهب فى مؤدب الصبيان، قال: فإن زاد اقتص منه، وعن الزبير من أصحاب الشافعى: تعزير كل ذنب مستنبط من حده لا يجاوز به حده.
قال الإمام: ذكر مسلم هذا الحديث من حديث سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، عن أبى بردة الأنصارى، قال بعضهم. هكذا روى عند ابن ماهان بالدال المهملة وهو الصواب، وروى عن الرازى وغيره عن الجلودى عن أبى برزة، بالزاى وهو خطأ. ويقال فى اسم أبى بردة هذا: هانى بن نيار الحارث، ويقال: هو رجل آخر من الأنصار.
قال القاضى: الحديث معروف لأبى بردة. وكذا خرجه البخارى وغيره (١). ولم يقل أحد فيه: أبو برزة. وأبو برزة هنا تصحيف.
قال القاضى: ورواه مسلم من حديث عمرو، وهو ابن الحارث عن بكير بن الأشج، عن سليمان، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه عن أبى بردة. قال الدارقطنى (٢): تابع عمرو بن الحارث أسامة بن زيد عن بكير عن سليمان، وخالفهما الليث وسعيد بن أبى أيوب وابن لهيعة، فرووه عن بكير، عن سليمان، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبى بردة. لم يقولوا عن أبيه. واختلف فيه على مسلم بن أبى مريم، فقال ابن جريج عنه عن عبد الرحمن بن جابر، عن رجل من الأنصار، عن النبى ﷺ . وقال جعفر (*) بن ميسرة عنه عن جابر عن أبيه. قال أبو الحسن فى كتاب العلل: والقول قول الليث ومن تابعه عن بكير، قال فى كتاب التتبع: وقول عمرو صحيح.
стр. 3152
(١٠) باب الحدود كفارات لأهلها
٤١ - (١٧٠٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى مَجْلِسٍ، فَقَالَ: " تُبَايعُونِى عَلَى أَلا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ. فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ: فَعُوقِبَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ".
٤٢ - (...) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ فِى الْحَدِيثِ: فَتَلا عَلَيْنَا آيَةَ النِّسَاءِ: ﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية (١).
٤٣ - (...) وحدّثنى إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىَّ، عَنْ عُبَاَدَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ
ــ
وقوله: " تبايعونى على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله. ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، فأمره إلى الله. إن شاء عفا عنه وإن شاه عذبه "، قال الإمام ﵀: هذا الحديث رد على من يكفر بالذنوب وهم الخوارج، ورد على من يقول: لا بد من عقاب الفاسق الملى إذا مات على كبيرة ولم يتب منها وهم المعتزلة؛ لأن النبى ﷺ ذكر هذه المعاصى وأخبر أن أمر فاعلها إلى الله - سبحانه - إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، ولم يقل: لا بد أن يعذبه. وفيه تكفير الذنب لإقامة الحد. وقد قال فى طريق بعد هذا الحديث فزاد فيه: " ولا ننتهب ولا نعصى، فالجنة إن فعلنا ذلك ". فتأمل تحرير نقلة الشريعة، وذلك
стр. 3153
الله ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَلا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَزْنِىَ، وَلا نَقْتُلَ أَوْلادَنَا، وَلا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا " فَمنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَن سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاَء غَفَرَ لَهُ ".
٤٤ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى الْخَيرِ، عَنِ الصُّنَابِحِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنِّى لَمِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى
ــ
أنه قال فى الحديث الأول: " فمن وفى منكم فأجره على الله "، ولم يقل: فالجنة؛ لأنه قد يعصى بغير هذه الذنوب؛ كشرب الخمر، وأكل الربا، وشهادة الزور. وقال فى الحديث الآخر: " ولا ننتهب ولا نعصى " فعم سائر المعاصى، ولا شك أن من لا يعصى أصلاً له الجنة.
قال القاضى: أكثر العلماء ذهبوا إلى أن الحدود كفارة أخذاً بهذا الحديث، ومنهم من وقفه بحديث أبى هريرة أنه ﷺ قال: " لا أدرى الحدود كفارة أم لا " (١)، لكن حديث عبادة أصح إسناداً. ولا تعارض بين الحديثين، فقد يمكن أن حديث أبى هريرة قبل حديث عبادة؛ إذ لم يعلم أولاً حتى أعلمه الله تعالى أخيراً. واحتج من وقف بقوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). والآية مختلف فيها، هل هى فى الكفارة أو محاذير الإسلام؟ فإن كانت فى الكفارة فلا حجة فيها، وأيضاً فيكون حديث عبادة مخصصًا لعموم الآية، أو مبيناً ومفسراً لها.
وقوله: " لا يَعضَه بعضنا بعضاً ": كذا رواية الجماعة، لمعناه تأويلات: أحدها: لا يسخر. والعضيهة. والعضه: السخر، والآخر النميمة، وهى العضه والعضه أيضاً والآخر البهتان، أى لا يقذفه ولا يكذب عليه، وينسب إليه ما ينقصه ويتأذى به. والعضيهة: الإفك والبهتان، يقال: عضه الرجل بالفتح، وأعضه: إذا أفك. وعضهت وأعضهت فلاناً، كذا جاء هذا الحرف فى رواية الجماعة وعند العذرى: " ولا يعض بعضنا
стр. 3154
أَلا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلا نَزْنِىَ، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ، وَلا نَنْتَهِبَ، وَلا نَعْصِىَ. فَالْجَنَّةُ، إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ قَضَاؤُهُ إِلَى اللهِ.
ــ
بعضاً " بغيرها على وزن يقض، والأول أبين إلا أن يخرج على بعد من التأويل على قوله تعالى: ﴿جَعَلُوا الْقُرآنَ عِضِين﴾ (١). أى سحراً، على ما فسره بذلك، وهو قول الفراء، وجعل العضه قد نقصت منها الأصل، وألحقت علامة التأنيث، فيخرج فعله على هذا أيضاً - والله أعلم.
стр. 3155
(١١) باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار
٤٥ - (١٧١٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْن الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعدِنُ جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ ".
(...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، ح حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِى ابْنَ عِيسَى - حَدَّثَنَا مَالِكٌ، كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ. بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ، مِثْلَ حَدِيثِهِ.
(...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ،
ــ
وقوله: " العجماء جرحها جبار، والبئر جبَار، والمعدن جُبَار، وفى الركاز الخمس "، قال الإمام: إنما جاء الشرع بتضمين المتلف لنفس غيره أو ماله مباشرة، أو كان السبب فى ذلك على شروط فى كونه سبباً يطول استقصاؤها، وما لم يباشره ولا كان سبباً فيه فلا يضمنه. هذا أصل الشريعة سوى ما استثنته من هذا، من تضمين العاقلة، وإذا لم تجن ولا كانت سبب الجناية.
والدابة إذا أصابت إنساناً ففعلها غير منسوب لمالكها فلا ضمان عليه، فإن كان راكبها أو سائقها أو قائدها ضمن على الجملة على تفصيل فى ذلك؛ لأن له فى فعلها مشاركة؛ لإمكان أن يجذبها أحد هؤلاء عن طريق الإتلاف. وكذلك البئر إذا استأجره لحفرها فانهارت عليه، فلا ضمان على المستأجر. وكذلك المعدن الذى يعمل فيه، والعلة ما ذكرناه.
قال القاضى ﵀: العجماء " ما لا ينطق من الحيوان، وهو ما لا يعقل منه من البهائم. وجرحها [منايتها] (١) كانت جرحاً أو غيره من إتلاف نفس أو مال، فعبر
стр. 3156
عَن ابْن شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُبَيْدِ اللهِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
٤٦ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ بْنِ الْمُهَاجِرٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الأَسْوَدِ بْن الْعَلاءِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيرَةَ، عَنْ رسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " الْبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدَنُ جَرْحُهُ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ ".
(...) وحدّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِىُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةَ، كِلاهُمَا عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
ــ
بالجرح عما عداه. فقوله: " جرح العجماء جُبَارُ " بين أن ما حكم له بهذا الحكم ما لم يكن فيه سبب لغير العجماء؛ ولهذا اختص بإضافته إليها.
ولا خلاف بين العلماء فى جنايات البهائم نهاراً أنها هدر؛ إذا لم يكن لها سائق ولا راكب. واختلفوا إذا كان معها أحدهما، فجمهورهم أنهم ضامنون لما جنت الدابة من أجلهم. وقال داود وأهل الظاهر: لا ضمان من جرح العجماء على حال لا أن يحملها سائقها أو قائدها أو راكبها على ذلك أو يقصده (١). واختلفوا فيما أصابته برجلها أو ذنبها، فلم يضمن مالك والليث والأوزاعى صاحبها، وضمنه الشافعى وابن أبى ليلى وابن شبرمة (٢). واختلفوا فيما فعلته الضارية، فجمهورهم أنها كغيرها ومالك وبعض أصحابه يضمنونه. واختلفوا فى رعيها ليلاً، فضمن مالك ذلك أصحاب المواشى، وبه قال الشافعى، ولم ير أبو حنيفة فى فعل البهائم ضماناً فى شىء فى ليل ولا نهار، وجمهورهم على أنه لا يضمن ما رعت نهاراً. وقال الليث وسحنون: يضمن.
وقوله: " والمعدن جبار " وهو حيث يعمل فى المعادن لما يخرج منها فتصير فيها الغير، أن يستأجر من يعمل فيها، أو يجتمع القوم يعملون فيها، وكذلك البئر تحفر. وقد يكون - أيضاً - معنى البئر جبار: ما حفره الرجل فى ملكه وحيث يجوز له، أو بئر
стр. 3157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يحفرها بفناء داره أو جانب داره للمطر، أو للبئر خاصاً أو بالقيام لماشيته أو لسقيه ومنفعته، ما لم يجعل ذلك على طريق المسلمين وممرهم، فيقع فى ذلك إنسان فيهلك، كل ذلك لا ضمان على فاعله. وكذلك المستأجر على حفرها، بخلاف ما حفره فى ملك غيره بغير إذنه، أو على طريق المسلمين حيث لا يباح له، أو فى ملكه ليهلك فيها إنساناً أو سارقاً. ففى هذا كله يضمن حافرها فى ماله ما دون ثلث الدية مما يصيب [الدية مما يصيب] (١)، وما كان أكثر فعلى العاقلة ونحو هذا، كله قول مالك، ونحوه قول الشافعى. وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو ضامن فى هذا كله. وقال الليث: لا يضمن ما هلك فيما حفر للسارق. وتفريقه بين المعادن فى الحديث ولو كان حجة للكافة فى أن لو كان دفن فى الجاهلين، وأن المعدن ليس بركاز، خلافاً لأبى حنيفة فى تسمية المعدن ركازاً.
قال الإمام: والركاز دفن الجاهلية، وقد قدمنا فى كتاب الزكاة لم خصص بالخمس؟ وأشرنا إلى أن النقب كلما كثر خفف عن الإنسان أمر الصدقة، ولهذا كان فى المعادن الزكاة، إلا أن يكون يوجد فيها مثل البدرة فيخمس لعدم النقب فيها. و " جبار " معناه: هدر. والركاز فى اللغة: أصله الثبات والدوام، من قولهم: ركز الشىء فى الأرض: إذا ثبت أصله. والكنز يركز فى الأرض كما يركز الرمح وغيره. وهو عند أهل الحجاز: المال المدفون خاصة مما كنزه أهل الجاهلية. وعند أهل العراق: المعادن كلها فى كل محتمل فى اللغة.
قال القاضى ﵀: مضى الركاز والمعادن فى الزكاة مما يغنى عن إعادته.
стр. 3158
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٠ - كتاب الأقضية
(١) باب اليمين على المدعى عليه
١ - (١٧١١) حدّثنى أبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْن عَمْرِو بْن سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرِيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ اَلنَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " لَوْ يُعْطى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ".
ــ
كتاب الأقضية
قوله ﷺ : " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه "، قال القاضى: خرج البخارى (١) ومسلم هذا الحديث مسنداً مرفوعاً عن ابن عباس، عن النبى ﷺ . قال الأصيلى: لا يصح [قوله] (٢) ورفعه عن النبى ﷺ ، إنما هو من قول ابن عباس. كذلك رواه أيوب ونافع الجمحى عن ابن أبى مليكة عنه.
قال القاضى: قد خرجه الإمامان من رواية ابن جريج عن ابن أبى مليكة مرفوعاً كما تقدم.
قال الإمام: اليمين فى الشريعة على أقوى المتداعيين سبباً. ولما كان الأصل عدم الأفعال والمعاملات استصحبنا ذلك، فكان القائل ما يطابق هذا الأصل هو المدعى عليه فوجب تصديقه، ولكن لم يقتصر الشرع على الثقة بهذا الأصل فى كثير من الدعاوى، حتى أضاف إليه يمين المدعى عليه المستمسك بهذا الأصل؛ لتتأكد غلبة الظن بصدقه. وقد نبه ﷺ على وجه الحكم فى هذا فقال: " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم " ولا شك فى هذا. ولو جعل القول قول المدعى لاستبيحت الدماء والأموال، ولا يمكن لأحد أن يصون دمه وماله، وأما المدعون فيمكنهم صيانة أموالهم بالبينات؛ فلهذا استقر الحكم فى الشرع على ما هو عليه.
стр. 3159
٢ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ
ــ
وقد يتعلق بهذا الحديث من يوجب اليمين على المدعى عليه من غير اعتبار خلطة؛ أخذاً بعمومه وظاهره من غير تقييد بخلطه. ومذهب مالك فى مراعاتها لضرب من المصلحة؛ وذلك أنه أوجب لكل حد على كل أحد، لا تبذل السفهاء العلماء والأفاضل بتحليفهم مراراً كثيرة فى يومٍ واحدٍ، فجعل مراعاة الخلطة حاجزاً من ذلك.
وقد يتعلق بهذا الحديث من يرى ألا يقسم مع قول الميت: دمى مع فلان؛ لأنه فيه فى هذا الحديث على صيانة الدماء عن الانتهاء بالدعاوى، وقد قدمنا الكلام على هذا فى القسامة.
قال القاضى ﵀: حجة من راعى الخلطة مع المعنى الذى ذكره حديث ضميرة عن على وزيد بن ثابت - رضى الله عنهما - أو زيادته فى هذا الحديث إذا كانت بينهما مخالطة مع قضاء على بذلك، وهو مذهب الفقهاء السبعة، وأما سائر الفقهاء وأئمة الأمصار قد ترك مراعاة الخلطة وإمضاء الحديث على ظاهره فى كل أحد، وبه قال من أصحابنا ابن نافع وابن لبابة وغيرهما.
ثم اختلف شيوخنا فى معنى الخلطة، فقيل: معرفة المعاملة معه والمداينة بشاهد واحد وبشاهدين، وقيل: يجزئ فى ذلك الشبهة، وقيل: الخلطة أن يكون للدعوى بينة أن يدعى بها على المدعى عليه، وقيل: أن يكون المدعى عليه يشبهه أن يعامل المدعى.
وأجمع العلماء على استحلاف المدعى عليه فى الأموال إما مطلقة أو بعد موجب الخلطة أو الشبهة على ما تقدم. واختلفوا فى غير ذلك، فذهب الشافعى وأحمد وأبو ثور إلى وجوبها على كل مدعى عليه فى حد أو طلاق أو نكاح أو عتق؛ أخذاً بظاهر عموم الحديث، فإن نكل حلف المدعى وثبتت دعواه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يحلف النكاح والطلاق والعتق، فإن نكل لزم النكاح والطلاق والعتق. وقال الشعبى والثورى وأبو حنيفة: لا يستحلف فى الحدود إلا على السرقة. وقال نحوه مالك. وقال: لا يستحلف فى السرقة إلا إذا كان متهماً، قالا: أن يقوم لمدعى الحدود والنكاح أو الطلاق أو العتق فشاهد واحد، فيستحلف حينئذ عند مالك المدعى عليه لقوة شبهة الدعوى (١). واختلف قوله إذا أنكل، هل يحكم عليه بما ادعى عليه ويسجن؟ أو حتى يطول سجنه؟
стр. 3160
عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
ــ
وذكر مسلم فى الباب: نا ابن أبى شيبة، نا محمد بن بشير، عن نافع بن عمر عن ابن أبى مليكة. كذا لجمهورهم، وهو الصواب. وعند أبى جعفر وفى بعض النسخ الماهانية: عن نافع عن ابن عمر، وهو خطأ. وهذا نافع بن عمر بن جميل المكى، قال البخارى: سمع ابن أبى مليكة (١)، وروى عنه يحيى القطان وأبو نعيم.
стр. 3161
(٢) باب القضاء باليمين والشاهد
٣ - (١٧١٢) وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا زَيْدٌ - وَهُوَ ابْنُ حُبَابٍ - حَدَّثَنِى سَيْفُ بنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنِى قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ.
ــ
وقوله: " إن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد "، قال القاضى: هذه الرواية تبين الرواية الأخرى، وترفع احتمال التعسف ممن خالفنا فى قوله: " قضى الشاهد باليمين مع شاهد " أن معناه: باليمين على المدعى عليه مع وجود الشاهد، أى لم تؤثر عنه مرة انفراده.
قال الإمام: اختلف الفقهاء فى قبول الشاهد الواحد فى بعض الحقوق والمطالب، فنفى بعضهم قبوله أصلاً، ورأى أن قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَان﴾ (١) يوجب الاقتصار على هذا المذكور فى القرآن، وإذا جاء هذا الحديث بخلافه وسلم من القدح فيه باحتمال لفظه، وأن القضية لم تنقل صفتها - فإن ذلك زيادة على النص، والزيادة على النص لا تكون نسخاً فى كل موضع، والنسخ لا يكون بأخبار الآحاد. وأما نحن فإنا نقبل الشاهد واليمين فى الأموال، ونرى أن الزيادة على النص لا تكون نسخاً فى كل موضع. وهذا من المواضع التى لا يكون فيها نسخ (٢). ونظن أنا قدمنا بسط القول فى الأصل، وإذا ثبت قبول شهادة الشاهد الواحد فى الحال والمال، فيقبل فى المال المحض من غير خلاف عندنا. ولا يقبل فى النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف. وإن كان مضمون الشهادة ما ليس بمال ولكنه يؤدى إلى مال؛ كالشهادة بالوصية، والنكاح بعد الموت حتى لا يطلب من ثبوته إلا المال إلى غير ذلك مما فى معناه، ففى قبوله اختلاف، فمن راعى المال قبله كما يقبل فى المال، ومن راعى الحال لم يقبله كما لا يقبله فى الطلاق والعتاق.
قال القاضى: جاءت أثار كثيرة فى هذا الباب من رواية ابن عباس، وجابر، وعلى، وأبى هريرة، وزيد بن ثابت، وعمارة بن حزم، وسعد بن عبادة، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومسروق. قال أهل الحديث: وأصح ما فى الباب حديث ابن عباس. قال أبو عمرو الحافظ: لا مطعن لأحد فى إسناده، ولا خلاف بين
стр. 3162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أهل المعرفة فى ثبوته، وحديث أبى هريرة وجابر وغيرهما حسان، وطرق هذه الأحاديث كثيرة.
وبهذه الأحاديث أَخذَ معظم علماء المسلمين وأئمتهم من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وبه قضى أبو بكر وعلى وعمر بن عبد العزيز، وبه قال كافة فقهاء المدينة والحجاز وبعض العراقيين وفقهاء أصحاب الحديث والظاهر أجمع. والحكم بهذا عندهم فى الأموال خاصة. وذهب الكوفيون والأوزاعى والليث والحكم والشعبى إلى ترك الحكم به، وبه قال يحيى بن يحيى والأندلسيون من أصحابنا.
стр. 3163
(٣) باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة
٤ - (١٧١٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِى لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقٍّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ".
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، كِلاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ
ــ
وقوله: " إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضى له على نحوٍ مما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ". وفى الرواية الأخرى إنما أنا بشر.
قال الإمام: مذهبنا أن حكم الحاكم لا يحل الحرام، وسواء الدماء والأموال والفروج. وعند أبى حنيفة أنه يحل الحرام فى الفروج، ووافقنا على الأموال، وزعم أنه لو شهد شاهداً زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما، فإن فرجها يحل لمتزوجها فمن يعلم أن باطن القضية باطل وقد شق عليه بأنه صان الأموال ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة فى الباطن، ولم يصن الفروج عن ذلك، والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان. وقد احتج أصحابنا عليه بعموم هذا الحديث (١).
وقوله: " ألحن بحجته من بعض ": أى أفطن لها، ومنه قول عمر بن عبد العزيز: عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم؟ أى فاطنهم. وقال أبو الهيثم: العنوان واللحن واحد، وهما العلامة يشير بهما إلى الإنسان ليفطن فيهما لقوله: لحن لى فلان ففطنت، ويقال للذى يعرض ولا يصرح: قد جعل كذا لحاجته لحنًا وعوانًا وعنوانًا.
стр. 3164
أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِى الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِى لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ،
ــ
قال القاضى: وقوله لهما: " إنما أنا بشر ": تنبيه على حالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون فى الغيب والبواطن إلا ما يطلعهم الله - سبحانه - عليه وأنه منهم، وأنه يجوز عليه فى أمور الظاهر باللحون عليهم. وفيه أن حكمه ﷺ بين الخلق إنما كان على الظاهر، وإن كان باطن أمرهم بخلافه، فقضى باليمين وبالشاهدين والعفاص والوكاء حكمة من الله تعالى فى ذلك؛ ليتعلم منه أمته طريق الحكم، ويقتدى به فى القضاء، ولو شاء الله لأطلعه على سرائر الخصمين ومخفيات ضمائر المدعين، فيتولى الحكم بمجرد يقينه، ويقضى بقطع مغيبه دون حاجة إلى اعتراف أو بينة أو يمين أو شبهه. ولكن لما أمر الله - سبحانه - أمته باتباعه والاقتداء به فى أقواله وأفعاله وكان هذا مما يخص الله تعالى - به لم يكن للأمة سبيل الاقتداء، فى شىء من ذلك ولا قامت حجة بقضية من قضاياه؛ لأنا لا نعلم بما أوحى به فيه إليه، ولا ما اطلع من أمر الخصمين عليه بحكمه هو، إذ المكنون من علم الله. فأجرى الله - تعالى - أحكامه ﷺ على الظاهر الذى يستوى فيه هو وغيره من البشر؛ ليصح اقتداء أمته به فى قضاياه، ويأت ما أتوا من ذلك على علم من سنته، واعتماداً على علمه؛ إذ البيان بالفصل إجلاء فيه من القول وأرفع لاحتمال اللفظ.
وقوله: " فأقضى له على نحو ما أسمع ": احتج به من لا يجيز له حكم الحاكم بعلمه لقوله: " فلعل بعضكم أن يكون ألحن فى حجته من بعض "، ولقوله: " فأحكم له بما أسمع "، ولم يقل: بما أعلم، ولأن من يرى أحكام الحاكم بعلمه لا يلتفت إلى ما سمع منه الخصم، خالف أو وافق، لا يلتفت إلى حجج الخصم ولا ببيانه إذا علم خلاف ذلك.
وقد يتعلق للاحتجاج به من يجيز حكم الحاكم بما اعترف به عنده فى مجلسه لقوله: " بما أسمع " ولم يقيده بثبات بينة، ويتأول " أقضى له " بمعنى: أقضى عليه، وكلاهما ليس ببين فى الحجة؛ إذ قد يكون معناه: بما أسمع منه من حجة وثبت عندى له من بينة، ألا تراه إنما جعل السماع هنا للمقضى له لا للمقضى، ولو كان ما سمع منه إقراراً لكان الحكم إذاً للمقضى عليه الغير، وكان يحتمل الكلام، وإنما أراد: فأقضى له بما يأتى به فأسمع له من حجة وبينة.
стр. 3165
فَإِنَّمَا هِىَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا ".
٦ - (...) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْن سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ.
ــ
فاسمع له من حجة وبينة.
وقد اختلف العلماء فى حكم الحاكم بعلمه وما سمعه فى مجلس نظيره، فمذهب مالك وأكثر أصحابه: أن القاضى لا يقضى فى شىء من الأشياء بعلمه، لا فيما أقر به فى مجلس قضائه ولا فى غيره، وهو قول أحمد وإسحاق وأبى عبيد، وروى عن شريح والشعبى. وذهب جماعة من علماء المدينة إلى أن القاضى يقضى بما سمعه فى مجلس قضائه خاصة لا قبله ولا فى غيره، إذا جحده ولم يحضر مجلسه بينة فى الأموال خاصة، وبه قال الأوزاعى وجماعة من أصحاب مالك المدنيين وغيرهم، وحكوه عن مالك. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يحكم بما سمعه فى قضائه وفى مصره، لا قبل قضائه ولا فى غير مصره فى الأموال خاصة لا فى الحدود (١). واستثنى بعض أصحابه القذف ولم يشترط مجلس القضاء. وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنه يقضى فى الأموال بعلمه فى القضاء وقبله وما سمعه بمصره وغيره، وهذا أحد قولى الشافعى. وقال الشافعى فى مشهور قوليه وأبو ثور ومن تبعهما: إنه يقضى بعلمه فى كل شىء من الأموال والحدود وغيرهما بما سمعه ورآه وعلمه قبل قضائه وبعده، بمصره وغيره.
وقوله: " فإنما أقطع له قطعة من النار " معناه: إن قضيت له فى الظاهر بما الحكم فى الباطن خلافه. وترجم عليه البخارى: أن القضاء فى القليل والكثير (٢) سواء لقوله: " بشىء ".
وقوله:" قطعة من النار ": قيل: أى من العذاب بالنار، فسمى العذاب بها باسمها، كما قال: إنى أنا الموت. وقد يكون على طريق التمثيل لما يضره من ذلك فى أخراه كما تضره النار، بدليل قوله فى الرواية الأخرى: " فليحملها أو ليذرها ". وفيه وعظ الحاكم المتخاصمين، وقد ترجم عليه البخارى - أيضاً (٣).
стр. 3166
وَفِى حَدِيثِ مَعْمَرٍ: قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ لَجَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ أُمِّ سَلَمَةَ.
ــ
لفظ التخيير، والمراد به النهى المحض والوعيد كقوله: " اعملوا ما شئتم " (١)، ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ (٢).
وقوله: " سمع جلبة خصم ": الجلبة: اختلاط الأصوات، ومثله اللجبة فى الرواية الأخرى، وكلاهما يفتح وسطه. والخصم يطلق على الواحد والجمع.
وقوله: " فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض " تفسير معنى قوله: " ألحن بحجته من بعض " أى أفطن.
стр. 3167
(٤) باب قضية هند
٧ - (١٧١٤) حدّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ، امْرَأَةُ أَبِى سُفْيَانَ، عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِى مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِى وَيَكْفِى بَنِىَّ، إِلا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهَ، فَهَلْ عَلَىَّ فِى ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " خُذِى مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِى بَنِيكِ ".
(...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَوَكِيعٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ - كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٨ - (...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: جَاءِتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلَ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يُذلَّهُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " وَأَيْضًا، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ ". ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مُمْسِكٌ، فَهَلْ عَلَىَّ حَرَجٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ
ــ
قوله فى حديث هند بنت عتبة: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطينى من النفقة ما يكفينى ويكفى بنى إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل على فى ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : " خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك "، قال الإمام: نبه الناس فى هذا الحديث على فوائد منها:
وجوب نفقة الزوجة ونفقة البنين.
ومنها: أن الإنسان إذا أمسك آخر حقه وعثر له على ما يأخذ منه فإنه يأخذه؛ لأنها
стр. 3168
إِذْنِهِ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " لا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُنْفِقِى عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ ".
٩ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرِنى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ: يَا رسُولَ اللهِ، وَاللهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ خِبَاءٌ أَحَبَّ إِلَىَّ
ــ
ذكرت أنها تأخذ بغير علمه.
ومنها: جواز إطلاق الفتوى والمراد تعليقها بثبوت ما يقوله الخصم؛ لأنها ذكرت أنه يمنعها حقاً، فقال ﷺ لها: " خذى "، وهذه إباحة على الإطلاق، ولم يقل: إن ثبت ذلك، ولكنه هو المراد. ولهذا لا يقول كثير من المفتين فى جوابهم: إذا ثبت ذلك، ويحذفونه اختصاراً.
ومنها: أنه علق النفقة بالكفاية، وهو مذهبنا، خلافاً لمن زعم أنها مقدرة. وهذا حجة عليه. وفيه إشارة إلى أن لها مدخلاً فى كفالة بنيها فى الإنفاق عليهم.
قال القاضى: وفيه من الفوائد غير ما ذكر، منها: الحكم على الغائب، فقد استدل به البخارى (١) وترجم عليه؛ لأن أبا سفيان لم يكن حاضراً. وقد اختلف العلماء فى الحكم على الغائب، قال الكوفيون: لا يقضى عليه فى شىء. وقال الجمهور: يقضى عليه فى كل شىء، وعن مالك فى الحكم عليه فى غيرها (٢)، وقيد الحكم بالعرف لقوله: " ما يكفيك وولدك بالمعروف " وذلك على ما جرت به عادتهم فى الإنفاق وبقدر حاجتهم وقدر ماله، وتحرى القصد والوسط دون الإكثار والإقتار. وفيه أن ذكر الرجل بما فيه عند الحاكم والمستفتى ليس بغيبة.
وفيه جواز خروج المرأة فى حوائجها، وأن المرأة تستفتى للعلماء، وأن كلامها وصوتها ليس بعورة. وفيه دلالة على حكم الحاكم بعلمه فيما اشتهر وعرف. وكذا ترجم البخارى عليه: باب حكم الحاكم إذا لم يخف الظنون والتهمة، وكان أمراً مشهوراً إذ يحوجها إلى إثبات دعواها ولا زوجيتها.
وفيه تكلم الحاضن على محضونيه، والغُنْمُ بالأمر فيما أسند إليه أو تكلف من قبل نفسه، وصحة ذلك له. وقد أدخل هذا الحديث البخارى تحت ترجمة قصاص المظلوم إذا
стр. 3169
مِنْ أَنْ يَذلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ خِبَاءٌ أَحَبَّ إِلىَّ مِنْ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَأَيْضًا، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ ". ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَىَّ حَرجٌ مِنْ أَنْ أُطْعِمَ، مِنَ الَّذِى لَهُ، عِيَالَنَا؟ فَقَالَ لَهَا: " لا، إِلا بِالْمَعْرُوفِ ".
ــ
وجد مال ظالمه (١)، هل يباح له أخذه؟
واختلف العلماء فيمن منعه رجل حقه ثم قدر له الممنوع على مال، هل يأخذ حقه منه بغير رضاه أو خفية عنه؟ فأجازه جماعة، واحتجوا بهذا الحديث، منهم الشافعى وابن المنذر. ومنعه آخرون للحديث الآخر: " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك " (٢) منهم مالك وأبو حنيفة، وحكى الداودى القولين عن مالك (٣).
وقولها: ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلى من أن يذلهم الله من أهل خبائك، وما على ظهر الأرض اليوم أهل خباء أحب إلى من أن يعزهم الله من أهل خبائك " الحديث: أرادت به نفسه ﷺ ، ولأنه أعلم، فكنّت عنه بهذا، أو أكبرته عن مخاطبته وتعيينه بذلك لما فيه. وقد يحتمل أن تريد بأهل الخباء أهل بيته. والخباء يعبر عنه عن مسكن الرجل وداره.
وقول النبى ﷺ لها: " وأيضاً والذى نفسى بيده ": أى سيتمكن الإيمان من قلبك، ويزيد حبك لله ولرسوله، ويقوى رجوعك عن بعضه.
قيل: وأصل هذه الكلمة الرجوع، يقال: أخفى الشىء: رجع.
وقوله فى الرواية الأخرى: " إن أبا سفيان [هكذا] (٤) رجل مسيك " هكذا ضبطناه عن الأسدى هنا بفتح الميم وتخفيف السين، وضبطناه عن الصدفى وعلى الخشنى عن الطبرى: " مسيك " بكسر الميم وتثقيل السين، وبالوجهين حملناهما عن ابن سراج، وكانوا يرجحون فتح الميم. ومعناه: شحيح كما جاء فى الحديث الأول - وممسك - كما جاء فى الثانى - والوجه الآخر على المبالغة، كما قالوا: شريب وسكير. والأول - أيضاً - من أبنية جموع المبالغة. وهذه اللفظة حجة على ابن قتيبة فى قوله: لأنه لا يقال: مسك،
стр. 3170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنما يقال: أمسك. وقد ذكرنا صواب الوجهين فى كتاب الحيض، و " مسيك " إنما يأتى من مسك كقدير من قدر، وإذا كان من أمسك لقال: ممسكاً.
وقولها: " شحيح " الشح عندهم فى كل شىء، وهو أعم من البخل. وقيل: الشح لازم كالطبع (١).
وقوله: " إلا بالمعروف " كذا روايتنا عنهم، ومعناه: لا حرج عليك. ثم ابتدأ بقوله: " إلا بالمعروف "، أى لا تنفقى إلا بالمعروف. وسقط " إلا " من بعض الروايات، وبسقوطها يأتى الكلام أبين، أى لا حرج إن أنفقت بالمعروف.
стр. 3171
(٥) باب النهى عن كثرة المسائل من غير حاجة. والنهى عن منع وهات، وهو الامتناع من أداء حق لزمه أو طلب ما لا يستحقه
١٠ - (١٧١٥) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا. فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا، وَلا تَفَرَّقُوا. وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ".
١١ - (...) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا ". وَلَمْ يَذْكُرْ: " وَلا تَفَرَّقُوا ".
١٢ - (٥٩٣) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
ــ
وقوله: " إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً - ويروى ويسخط (١) -: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا. ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ": الرضى والكراهة والسخط من الله تعالى يرجع إما إلى أمره ونهيه، أو لثوابه وعقابه، أو إرادته للثواب وللعقاب لأهل هذه الخصال. الاعتصام بحبل الله هو والتمسك بعهده، وهو اتباع كتابه، والتزام شريعته وطاعته وتقواه. والحبل فى كلام العرب كلمة منصرفة، منها العهد والأمان والوصلة، وأصل ذلك استعمال العرب الحبل فى مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبال عند شدائد أمورهم، ومعاناة صعابها وصلة المفترق من الأشياء يربطونها (٢) [به] (٣) ولأخذها من سادات البلاد أماناً فى بلادها. فاستعير اسمه لهذه الأمور ولكل ما يشبه ما كان يستعمل فيه.
وقوله: " ولا تفرقوا ": أمر بالاجتماع والألفة، وهى إحدى دعائم الشريعة، ونهى عن الفرقة والاختلاف. وقد يكون قوله: " ولا تفرقوا " راجع إلى الاعتصام بحبل الله، والتآلف على كتابه وعهد شريعته، وتكون خصلة واحدة، والثنتان قبلها؛ إحداهما:
стр. 3172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عبادة الله. والثانية: ألا يشرك معه غيره، بدليل أن قوله: " ولا تفرقوا " لم يأت فى بعض الروايات.
ومعنى " قيل وقال ": الخوض فى أخبار الناس وحكايات ما لا يعنى من أحوالهم؛ قيل كذا، وقال فلان كذا، فقيل كذا وعلى هذا نقول: " قيل" منصوبة فعل لما لم يسم فاعله، و " قال " فعل ماض أيضاً، ويصح أن يكون اسمين مخفوضين. والقيل والقال والقول بمعنى، وكذلك القيل والقالة.
و" كثرة السؤال " فيه تأويلات، أنه من مسألة الناس ما بأيديهم، وقيل: يحتمل النهى عن كثرة السؤال والتنطع فى المسائل فيما لم ينزل، وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف. وقال مالك فى هذا الحديث: لا أدرى أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل؟ فقد كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، أو هو مسألة الناس أموالهم؟ وقد يكون المراد به سؤال النبى ﷺ عما لم يأذن فى السؤال عنه لقوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ الآية (١)، وفى الصحيح: " إن أعظم الناس جرماً من سأل عن [شىء] (٢) عن النبى ﷺ لم يحرم فحرم من أجل مسألته " (٣). [وقد] (٤) يكون كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان، وما لا يعنى من الأمور والاشتغال بمثل هذا، فتكون [بمعنى] (٥) النهى عن قيل وقال. وقد يكون [كثيرة] (٦) سؤال (٧) الرجل الناس عن أخبارهم وأحوالهم وتفاصيل أمورهم، فيدخل بذلك الحرج؛ إما بكشف ما لا يريدون كشفه من ذلك بضرورة سؤاله، وبالكذب والتعريض لستر ذلك عنه إذا كان مما لا يفشى، وبالجفاء وسوء الأدب أو بالكذب إن ترك الجواب له عنه.
وأما " إضاعة المال " يكون فى تعطيله، وترك القيام عليه، أو مصلحته، مصلحة دنياه، ومصلحة دنياه صلاح دينه بتفرغ باله له، وتركه التعرض لما فى أيدى الناس. وقد تكون إضاعته إنفاقه فى غير وجوهه والإسراف فى ذلك.
стр. 3173
مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ وَرَّاد مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمُهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ. وَكَرِهَ لَكُمْ ثلاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ".
(...) وحدّثنى الْقاَسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ علَيْكُمْ.
١٣ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، حَدَّثَنِى ابْنُ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِىِّ، حَدَّثَنِى كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَىَّ بِشَىْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاِثًا قِيَلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ".
١٤ - (...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِىُّ، عَنْ وَرَّادٍ، قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةَ إِلَى مُعَاوِيَة: سَلامٌ عَلَيْك. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: " إِنَّ اللهَ حَرَّمَ
ــ
وأما قوله فى الحديث الآخر: " إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات " فلا خلاف أن العقوق من الكبائر، وكذلك الوأد للبنات. والوأد: دفنهن أحياء، كما كانت تفعله الجاهلية. وحق الأمهات؛ لأنهن أعظم حقاً وأكثر حقوقاً على الولد، وقد قال ﷺ : " أمك، ثم أمك، ثم أباك " (١). وأيضاً فإن النساء عند العرب لم تكن لهم تلك الحرمة بخلاف الرجال، فحض ﷺ على بر الأمهات، وخص النهى عن عقوقهن تأكيداً لحقوقهن. وقد جاء فى الحديث الآخر مكان " الأمهات ": " الوالد " والمراد به الجنسين من الذكر والأنثى - والله أعلم - وكذلك خص النهى عن الوأد للبنات؛ لأن ذلك كانت عادة العرب، إنما كانوا يخصون به الإناث للغيرة عليهن. ومنهم من كان يفعله فى الشدائد وخشية الإملاق، كما قال الله تعالى (٢). وكانوا يتجملون بالذكران ويجملون مؤنثهم بكل حال لرغبتهم فى شدة العضد وكثرة العدد.
стр. 3174
ثَلاثًا، وَنَهَى عَنْ ثَلاثٍ: حَرَّمَ عَقَوقَ الوَالِدِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَلا وَهَاتِ. وَنَهَى عَنْ ثَلاثٍ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَة السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَال ".
ــ
وقوله: " ومنع وهات "، وفى الرواية الأخرى: " ولا وهات " وهما بمعنى، فحرم منع الحقوق والبخل بها، وطلب ما لا يجب للإنسان طلبه، وأخذ ما لا يحل له ولا يصح لفظ " حرم " إلا فى مثل هذا، وهو من معنى ما كره من كثرة السؤال، ومما يقوى أحد التأويلات فيه: أنه فى الأحوال بمعنى: هات هنا. لكن لفظ " كره " هناك أوسع؛ لأنها تقع على ما ذكرناه هنا مما يحرم، وعلى ما يجب التنزه عنه من سؤال ما يستفتى الإنسان عنه، ولا تدعو ضرورة إليه مما يباح ويحل، لكن جمعهما فى الحديث الآخر، فدل أنهما المعنيين؛ إذ تكرار الكلمتين فى كلام واحد بمعنى واحد ليس من جيد الكلام، ولا من نمط كلامه ﷺ .
وتخصيصه فى أحد الروايات بعضهما بأن الله حرم، وبعضهما بأن الله نهى إبانة لفصل ما بين هذه الممنوعات، وتفريق حكمها من التحريم والتنزيه، وأن الثلاث الأول - من العقوق والوأد والمنع وهات - محرمات. ولا مرية أن العقوق والقتل من الكبائر الموبقات، وكذلك منع حقوق الله من الزكوات وحقوق عبادة الواجبات وأخذ شىء منها لمن لا يحل له من المحرمات. ثم جاء النهى عن الثلاث الأخر من الشغل بقيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، على التنزيه والحض.
ويخرج من تفريق النبى ﷺ بين لفظ التحريم والنهى الحجة لن يقول: إن مجرد النهى بلفظه أو صيغته لا يقتضى الوجوب إلا بدليل.
стр. 3175
(٦) باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد، فأصاب أو أخطأ
١٥ - (١٧١٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمُّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ بُسْرِ ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى قَيْسٍ مَوْلًى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَمَ فاَجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ ".
(...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أبى عُمَرَ، كِلاهُمَا عَنْ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَزَادَ فِى عَقِبِ الْحَدِيثِ: قَالَ يَزِيدُ فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنَ حَزْمٍ. فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ.
(...) وحدّثنى عَبْدُ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمُّدٍ الدِّمَشْقِىَّ - حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِىُّ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، مِثْلَ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ. بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا.
ــ
قوله: " إذا حكم الحاكم ثم اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ": قال أهل العلم: وهو ما لا خلاف [فيه ولا شك] (١)، أن هذا إنما هو فى الحاكم العالم الذى يصح منه الاجتهاد، وأما الجاهل فهو مأثوم فى اجتهاده بكل حال، عاص بتقلده ما لا يحل له من ذلك؛ ولأنه متكلف فى دين الله متحرض على شرعته متحكم فى حكمه، فهو مخطئ كيفما تصرف، ومأثوم فى كل ما تكلف، وإصابته ليس بإصابة إنما هو اتفاق وتخرص، وخطؤه غير موضوع لأنه يجهله كالعامد، والجاهل والعامد هما سواء. قد جاء فى الحديث الآخر: " القضاة ثلاثة: اثنان فى النار، وواحد فى الجنة. فقاضٍ قضى بغير الحق وهو يعلم بذلك (٢) ففى النار، وقاضٍ قضى وهو لا يعلم فأهلك
стр. 3176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حقوق الناس فذلك فى النار، وقاضٍ قضى بالحق فذلك فى الجنة " (١). وفى الرواية الأخرى: " وقاض علم قوله هذا، فعدل فأحرز أموال الناس وأحرز نفسه ". ومعنى قوله هنا: " أخطأ " يعنى وجه الحكم. وجعل له الأجر لاجتهاده لأنه فى طاعة بعلمه، ولم يكمل لعدم إصابته، والآخر تم له الأجر لكمال أجره فى الاجتهاد والإصابة لوجه الحكم، فكان له من الأجر الكثير الجسيم بقدر ذلك.
وقد استدل بهذا الحديث من يرى أن الحق فى طرفين، وأن كل مجتهد مصيب، قال: لأنه ﷺ جعل له أجراً. واحتج به - أيضاً - أصحاب القول الآخر بأن المصيب واحد والحق فى طرف واحد؛ لأنه لو كان كل واحد مصيباً لم يسم أحدهم مخطئاً، فجمع الضدين فى حالة واحدة. ومعنى الحديث عند الطائفة الأولى فى أنه أخطأ النص وذهل عليه (٢)، أو ما لا يسوغ الاجتهاد فيه من الدلائل القطعية مما خالفه إجماع، وما اطلع الله - سبحانه - أو نبيه ﷺ على حقيقه الحق [فيه] (٣) ووجه الحكم، فهذا متى اتفق لحاكم الخطأ فيه بعد اجتهاده لم يختلف فى نسخ حكمه [ورد نظره وإخبار خطئه، وهو] (٤) الذى يصح عليه إطلاق الخطأ.
وأما للمجتهد فى قضية ليس فيها نص ولا إجماع فمن أين يقال: إنه أخطأ؟ ولا يلتفت إلى قول من لم يحقق لقوله: " إن فى كل نازلة حكماً عند الله تعالى هو الصواب، فإذا أخطأ المجتهد كان مخطئاً، وإذا أصابه كان مصيباً " فى أن هذا تخييل وتوهيم، ممن لا تحقيق عنده، إذ النوازل التى لم يبرز الله لها حكماً ولا نص لنا على وجه حكمها من حرمها لا حكم لله فى شىء منها، سوى ما سبق فى قديم مشيئة علمه فى آحادها من اختلاف المجتهدين فيها، وأن الشافعى يحكم فى نازلة فلان بالجواز، ومالك يحكم فى نازلة فلان آخر وهى مثلها بالمنع، وأبو حنيفة يحكم فى قضية فلان بالتعزير، ومالك يحكم فيها بعينها لأخر بالرجم. وهكذا فى تفصيل آحاد النوازل فى علم الله - سبحانه - وسابق كتابه، الذى لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء.
فإذا وقعت هذه النوازل فكل حاكم حكم فيها باجتهاده فهو الذى علمه الله - تعالى - وشاءه، وما نفذ فيها فهو قضاؤه - تعالى - بها وحكمه، ولا تناقض فى هذا كما زعم الآخرون حتى يكون الشىء حلالاً معاً وصحيحاً فاسداً فى حالة واحدة وواجباً حراماً فى
стр. 3177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخرى، فإن تناقض اختلافهم بتضاد أحكامهم إنما هو على الجملة وجنس النازلة، وبحسب تقدير اجتماع ذلك فى النازلة الواحدة، والنظر فى إصابة صواب الحكم ومراد الله فيه فإنما هو بعد وقوعه، ولا يصح أن يقع إلا على صفة واحدة فلا ينفذ فى الشأن القتل والاحتياط فى حالة، ولا يجتمع التحليل والتحريم فى حكم واحد.
فبان أن الذى نفد به الحكم فى هذه النازلة من المالكية من قتل هذا هو حكم الله - تعالى - فيه لا سواه، وفى هذه الأخرى من جلد آخر فيها بحكم الحنفى هو حكمه أيضاً لا سواه، ومن تصريح آخر وترك التبعة له فى مثلها. بحكم الشافعى لذلك، وأن الصواب فى هذه النوازل كأنها ما نفذ فيه حكم المجتهدين وفتاويهم فيها بخاصة كل قضية، وأنها أحكام الله - سبحانه - فيها، ومراده فى أزله، وسابق علمه لا غير ذلك؛ إذ لا حكم لله فى نازلة إلا ما نص عليه، أو قام مقام نص بما شرعه رسوله قطعاً، أو اجتمعت عليه أمته أو مستنده إلى مثل ذلك، أو ما كشف الغيب مراده أنه حكمه بتقييد مجتهد له ولا تناقض ولا تضاد فى ذلك، إذ التناقض والتضاد إنما يتصور فى المحل الواحد، وهذا كله بين جلى.
والقول بأن الحق فى طرفين هو قول أكثر أهل التحقيق من المتكلمين والفقهاء، وهو مروى عن مالك والشافعى وأبى حنيفة، وإن كان قد حكى عن كل واحد منهم اختلاف فى هذا الأصل، وهذا كله فى الأحكام الشرعية وما لا يتعلق بأصل وقاعدة من أصول التوحيد وقواعد التوحيد، مما مبناه على قواطع الأدلة القطعية، فإن الخطأ فى هذا غير موضوع، والحق فيها فى طرف واحد بإجماع من أرباب الأصول، والمصيب فيها واحد، إلا ما حكى عن عبيد الله بن الحسن العنبرى أن مذهبه فى ذلك على العموم. وعندى أنه إنما يقول ذلك فى أهل الملة دون الكفرة. والاجتهاد المذكور فى هذا الباب هو: بذل الوسع فى طلب الحق والصواب فى النازلة.
стр. 3178
(٧) باب كراهة قضاء القاضى وهو غضبان
١٦ - (١٧١٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ. قَالَ: كَتَبَ أَبِى - وَكَتَبْتُ لَهُ - إِلَى عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ أَبِى بَكْرَةَ وَهُوَ قَاض بِسِجِسْتَانَ: أَلا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ".
(...) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ زَائِدَةَ، كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى عَوَانَةَ.
ــ
وقوله: " لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان "، قال الإمام: قال الحذاق من الأصوليين: إن هذا جارٍ مجرى التنبيه بالشىء على ما فى معناه، وأن المراد بذكر الغضب هاهنا: العبارة عن كل حال تقطع الحاكم عن السداد، وتمنع من استيفاء الاجتهاد؛ كالشبع المفرط الموقع فى القلق، وجمود الفهم، وكالجوع المفرط المؤدى إلى موت الحس وانحلال الذهن، وكالردع العظيم المشتغل للنفس المغير للحس، وكالحزن الشديد المؤدى إلى نحو من ذلك، إلى غير ذلك مما يطول العداد.
وإنما نبه عن الغضب لأنه أكثر ما يعرض للحاكم، لأنه لا بد مع مراجعته العوام أن تقع منهم الهفوة وتسمع منهم الجفوة؛ فلهذا خص بالذكر.
وإن عورض هذا الحديث بحديث شِرَاج الحرة وأنه ﷺ حكم بعد أن أُغْضِبَ، قيل: هو ﷺ معصوم، وأيضاً. فلعله علم الحكم قبل أن يغضب، وأيضاً فلعله لم ينته الغضب به إلى الحد القاطع عن سلامة الخواطر.
стр. 3179
(٨) باب نقض الأحكام الباطلة، وردّ محدثات الأمور
١٧ - (١٧١٨) حدّثنا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلالِىُّ، جَمِيعًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ".
١٨ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى عَامِرٍ. قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَر الزُّهْرِىُّ عَنْ سَعْدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: سَأَلْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكنَ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا. قَالَ: يُجْمَعُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِى مَسْكَنٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ".
ــ
وقوله ﷺ : " من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، قال الإمام: يحتج بهذا من أهل الأصول من يرى أن النهى يدل على فساد المنهى عنه؛ لأنه أخبر إن كان أحدث بما ليس من الدين فهو رد. والمنهيات المحرمات كلها ليست من أمره ﷺ فيجب ردها، ومن أنكر من أهل الأصول ممن يرى كون النهى يدل على فساد المنهى عنه على الإطلاق يقول: هذا خبر واحد، يتطرق إليه الاحتمال والتأويل، فلا يستمسك به فى مثل هذه المسألة.
قال القاضى ﵀: معنى قوله: " رد ": أى فاسد. وفائدة الخلاف المتقدم هذا فيمن يقول: إن النهى يدل على فساد المنهى عنه، وهو قول جمهور الفقهاء، وأن العقود المنهى عنها إلا من دليل آخر. ومذهب معظم أئمة المتكلمين من شيوخنا أن مجرد النهى لا يدل على الفسخ ولا على فساد المنهى عنه، وإنما يستدل على فساد ما فسد منه بغير مجرد النهى عنه. ومعنى قولهم: " رد ": أى غير موافق لسنة، وصاحبه غير مأجور فيه ومردود عليه
وقوله فى هذا الحديث: " سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال: يجمع ذلك كله فى مسكن واحد، ثم قال: أخبرتنى عائشة - رضى الله عنها " وذكر الحديث: حكم الوصايا أن تنفذ على ما أوصى به الميت ما لم
стр. 3180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يحدث ذلك ضرراً على الورثة فى ثلثيهم الموروث، وهذا لما أنفذت وصيته بثلثه فى كل مسكن لم يلزم إلا بحكم ينفذ بينه وبين الورثة، بما يجب من الحكم بين الشركاء ولو أوصى بذلك الميت، وبينه بقوله: لا يفرق نصيبه لم يلتفت إلى وصيته؛ لأن وصيته إنما هى فى ملكه فى المال لا فيما يوجبه الأحكام، فوجب إذا دعا هو أو دعا الورثة إلى تمييز حقوقهم وجمعها أن يحكم بينهم بواجب السنة فى ذلك، يأمر بجمعها وتقسيمها بالتعديل والتقويم وإخراج نصيب كل واحد متميزاً منحازاً ينفرد بسكناه ومنفعته، إلا لو كانت هذه الدور من البعد فى الأماكن بحيث لا يضم بعضها إلى بعض فى القسم لبقى الأمر على ما أوصى به، كما تبقى الورثة على وراثتهم فيها إذ كانت لا تقسم، أو تقسم كل دار منها إن احتملت القسم على أنصبائهم على واجب سنة القَسْمِ، أو تكون هذه الدور مما لو قسمت أيضاً على صاحب الثلث. والورثة لم يحصل الواحد منهم دار مفردة إلا بشركة؛ مثل أن يكون اثنان ودارين مستويتين، فنحن نعلم إذا تفاوت فى القسم لكل واحد من الوارثين والموصى لهم ثلثا دار، ولا بد أن أحدهما يخرج سهمه مفرقاً فى دار بالاشتراك، ولا بد من جمعهم، فلا معنى لهذه القسمة هنا إذ لم تتميز الحقوق حتى الآن؛ لأنهم انتقلوا من اشتراك إلى اشتراك، وإنما القسمة تمييز حق وانفراد بملك.
стр. 3181
(٩) باب بيان خير الشهود
١٩ - (١٧١٩) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْن أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عَمْرٍو بْن عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِى عَمْرَةَ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ؛ أَنَّ النّبِىَّ ﷺ قَالَ: " أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِى يَأْتِى بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ".
ــ
وقوله: " ألا أخبركم بخير الشهداء؛ الذى يأتى بشهادته قبل أن يسألها "، قال الإمام: يحتمل أن يراد به من تحمل شهادة ولم يعلم بها المشهود له، فإنه ينبغى له أن يعلمه؛ ليكون مستعداً بشهادته؛ ليفعل ما يفعل مع خصمه وهو على ثقة بما له وعليه.
قال القاضى ﵀: بنحو هذا فسر مالك الحديث، وزاد: ويرفع ذلك إلى السلطان. وقيل: قد يحتمل أن يكون فيما لا يختص بحق آدمى، ويكون من حقوق الله تعالى الذى لا ينبغى السكوت عليها؛ كإنكار الطلاق والعتاق والحيس والصدقات، من علم شيئًا من ذلك وجب رفعه إلى الإمام، والشهادة به عنده لغيره. قال الله : ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّه﴾ (١)، فإن كان الشهود جماعة وجب على كل واحد منهم رفع ذلك، حتى إذا قام بذلك بعضهم سقط عن الباقين؛ إذ القيام بالشهادة من فروض الكفاية. وكذلك يلزم من رفع الشهادة بالحدود، وإذا كان صاحبها قائماً عليها؛ كمعاقرى الشراب والمختلى بالمرأة للفجور؛ ولأن ذلك من تغيير المنكر.
ولا يلزم من ذلك إذا كانت المعصية قد انقضت؛ لما جاء فى الستر على المسلم، إلا أن يكون مشهوراً بالفسوق، ومشتهراً بالمعاصى، مجاهراً بذلك. فقد كره مالك وغيره الستر عن مثل هذا، ورأى رفعه والشهادة عليه بما اقترفه ليرتدع عن فسوقه، وليس يخرجه سكوته وستره عليه لما فعل. وأما الأول المستديم للمعصية بركوبها، أو ببقائه مع المطالعة، أو استخدامه الفسق، فسكوت العالم بها، وترك رفع أمره، وتغيير منكره والشهادة به - جرحة فى شهادته.
واختلف مذهبنا فى تجريحه بسكوته عن الشهادة بحقوق الآدميين وترك رفعها وهو يرى حقوقهم بيد غيرهم، وصاحب الحق حاضر غير عالم، هكذا أطلق بعض شيوخنا عن مذهب ابن القاسم أنها جرحة، وعند بعضهم أن تكون جرحة فى الشهادة نفسها وجَوْرًا عليها لا
стр. 3182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يصلح له أداؤها بعد وهو الأظهر، وقيل: إنما تكون جرحة فى شهادته إذا سكت حتى رأى صاحب الحق صالح عن حقه واضطر إلى شهادته ولم يعرفه بها حتى بطل حقه فهذه جرحة فى شهادته، فأما على غير هذا لا بمجرد سكوته، فلعل صاحب الحق لا يطلب حقه أو وهبه أو باعه ممن هو فى يده فليس بجرحة. وأما سحنون ومن وافقه فيرى القيام بالشهادة وإن طال حوذها على الشهادة، إلا فيما كان من حقوق الله - سبحانه - وقد قيل: يحتمل أن يكون قوله: غير الشهود الذى يأتى بشهادته، قبل أن يسلبها على السرعة والمبادرة لأدائها إذا سلبها لا قبل سؤالها، كما يقال: الجواد يعطى قبل سؤاله، عبارة عن حسن عطائه. ولا يعارض هذا الخبر الحديث الآخر فى ذم من يأتى.
وقوله: " يشهدون ولا يستشهدون " (١): فقد احتج به قوم وقالوا: لا تجوز شهادة من يشهد قبل أن يستشهد. ومعنى هذا عند أهل العلم: أنه ورد مورد الذم لمن يأتى بعد القرون الفاضلة بخصال وصفهم بها، من فشو الكذب والخيانة، وكثرة الحلف، وقلة الوفاء والأمانة، فكانت هذه الشهادة من هذا الباب أنها شهادة كذب لا أصل لها، شهدوا بما لم يستشهدوا ولا استشهدوا عليه، كما خانوا وكذبوا وحلفوا. وقد يكون معناه: أنهم يتصدرون الشهادة وليسوا بأذكياء ولا من أهلها، ولا يرضى أحد أن يستشهدهم، كما قال: " يخونون ولا يؤتمنون ".
وقيل: معنى الشهادة هنا: اليمين، وروى عن النخعى، ويدل عليه قوله: " يسبق يمين أحدهم شهادته، وشهادته يمينيه " ويدل عليه قوله آخر الحديث: " وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ". قيل: معناه: أن يقول أشهد بالله لكان إلا كذا. وقيل معنى قوله: " يشهدون ولا يستشهدون ": أنه فى القطع على المغيب وقيل: يشهدون لقوم بالجنة ولقوم بالنار.
стр. 3183
(١٠) باب بيان اختلاف المجتهدين
٢٠ - (١٧٢٠) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِى شَبَابَة، حَدَّثَنِى وَرْقَاءُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا. فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ. وَقَالَتِ الأُخْرَى. إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉ فَأَخْبَرَتَاهُ. فَقَالَ:
ــ
وذكر قصة داود وسليمان ﵉ فى المرأتين.
قوله: " بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فذهبتا إلى داود ﵇ فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان فأخبرتاه، فقال: ائتونى بالسكين أشقه بينكما. فقالت الصغرى: لا، يرحمك الله، هو ابنها. فقضى به للصغرى ": ويحتمل أن داود ﵇ إنما قضى به للكبرى على مقتضى شرعنا إذ كان لا يخالفه، إما لكونه فى يدها أو يشبهها إن كان القضاء فى شرعه فى الإلحاق بالشبهة، وحكم سليمان بعد هذا التوسط والتلطف به للصغرى؛ لما رأى من إشفاقها بعد تعجيزه الكبرى بذلك وفضيحته لها؛ إذ لو كان ولدها لأشفقت عليه فيكون منها حينئذ لتلك الخجلة والفضيحة ما يوجب الاعتراف والتسليم، ومثل هذا يفعله نبهاء الحكام مالا استدلال بأمور لو تجردت لم يقضى بها فى شىء، لكن يقيم بها الحجة والإرهاب على المدعى حتى يستبين منه الاضطراب، ويضطر إلى الاعتراف، ورب قوى الشكيمة فى الباطل لا تنفع فيه رقية ولا حيلة.
وحكم سليمان ﵇ فى القضية بعد حكم أبيه، قيل: لأن داود لم يكن أنفذ الحكم بعد. وظاهر الخبر خلافه لقوله: " فقضى به للكبرى "، ويحتمل أن يكون فتوى من داود ﵇ لا حكماً، ويحتمل أن فى شرعهم نسخاً، فحكم الحاكم لحاكم آخر متى طلب ذلك بعض الخصوم، ويحتمل أنهما رضيتا بالتراجع وابتداء الحكم عند سليمان ﵇ ويحتمل أن سليمان صنع ذلك بعد حكم أبيه ملاطفة، فلما حصل الاعتراف لزم الحكم به، كما إذا اعترف الخصم بعد الحكم عليه باليمين لإنكاره، فإن الحق يؤخذ منه.
стр. 3184
ائْتُونِى بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لا، يَرْحَمُكَ اللهِ، هُوَ ابْنُهَا. فَقُضِىَ بِهِ لِلصُّغْرَى.
قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: وَاللهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولَ إِلا الْمُدْيَةَ.
(...) وحدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِى حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ مَيسَرَةَ الصَّنْعَانِىَّ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ وَرْقَاءَ.
ــ
وقولها: " لا، يرحمك الله، هو ابنها " (١). معناه: لا تفعل يرحمك الله. وقد كره السلف مثل هذا القول؛ لاحتمال الدعاء عليه لا له. وقال أبو بكر الصديق - رضى الله عنه -: لا تقل كذا، وقل: يرحمك الله، لا. وقد يحتمل أن يقال فى هذا: لا ويرحمك الله.
قال الإمام: هذا يكون أصلاً فى استعمال الحاكم طرقاً من الحيل المباحة فى استخراج الحقوق إذا وقع الإشكال وكان داود ﵇ رجح بالكبر فقضى به، وهذا ليس فى شرعنا. وأما سليمان فعلم أن الطباع مجبولة على الإشفاق على الولد، فاختبار الشفقة عليه ليستدل بذلك على الأم منهما. وقد حكى بعض هذا: أن رجلاً اشترى أرضاً فوجد فيها دفين ذهب، فتبرأ منه المشترى وتبرأ منه البائع. فتحاكما إلى من قال لهما: ينكح من له الغلام منكما ولده ممن له الجارية، وأنفقاه على أنفسكما وتصدقا. وهذا أيضاً على جهة الصلح والتسديد.
وأما الأول، فإن المشهور من مذهبنا أن الأم لا تستحق ولو كانت منفردة لا ينازعها أحد، فكيف بهذه التى توزعت، ولا يكون عندنا الولد لأحدهما إلا ببينة؟ واختلف عندنا فيمن باع أرضاً فوجد فيها مشتريها شيئاً مدفوناً، هل يكون ذاك للبائع أو للمشترى؟ فيه قولان.
стр. 3185
(١١) باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين
٢١ - (١٧٢١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلِ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِى اشتَرى الْعَقَارَ فِى عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ. فَقَالَ لَهُ الَّذِى اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّى، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ. فَقَالَ الَّذِى شَرَى الأرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا. قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِى تَحَاكَمَا إلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِى غُلامٌ. وَقَالَ الآخَرُ: لِى جَارِيَةٌ. قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ، وَتَصَدَّقَا ".
ــ
قال القاضى: وقوله: " اشترى رجل من رجل عقاراً، فوجد الذى اشتراه فى عقاره جرة ذهب " أى قلة مملوءة ذهب، قال القاضى ﵀: العقار الأصول فى الأموال من الأراضى وما يتصل به، سميت بذلك من العقر وهو الأصل. عُقر الدار بضم العين وفتحها.
وقوله: " فقال الذى شرى الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها " كذا للسمرقندى. ولغيره: " فقال الذى اشترى " والأول أصح. شرى بمعنى باع هنا، وإن كان قد جاءت الكلمتان بمعنى اشترى وشرى، فلا يصح هنا؛ لأنه قد ذكر قبل هذا قول الذى اشترى: " إنما اشتريت منه الأرض " إلا بإضمار البائع، وقال البائع للذى اشترى.
стр. 3186
شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض
المُسَمَّى
إِكمَالُ المعلِم بفَوَائِدِ مُسْلِم
لِلإِمَام الحَافظ أبى الفضل عيَاض بن مُوسَى بن عيَاض اليَحْصَبِى
ت ٥٤٤ هـ
تحْقِيق
الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل
الجزُء السَّادسُ
стр. 3187
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3188
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤١٩هـ - ١٩٩٨م
دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - ج. م. ع - المنصورة
الإدارة: ش الإمام محمد عبده المواجه لكلية الآداب ص. ب ٢٣٠
ت: ٣٤٢٧٢١/ ٣٥٦٢٢٠/ ٣٥٦٢٣٠ فاكس ٣٥٩٧٧٨
المكتبة: أمام كلية الطب ت ٣٤٧٤٢٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣١ - كتاب اللقطة
١ - (١٧٢٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهنِىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَىَ النَّبِىِّ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: " اعْرِف عِفَاصَها وَوِكاءَها ثُمَّ عرِّفْهَا سَنةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وإلا فَشَأنُكَ بَها ". قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: " لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْب ". قَالَ: فَضَالَّهُ الاِبِل؟ قَالَ: " مَالَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ".
قَالَ يَحْيَى: أحْسِبُ قَرَأتُ: عِفَاصَهَا.
ــ
اللقطة
قوله ﷺ فى اللقطة: " اعرف عفاصها وَوِكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها "، قال: فضالَّه الغنم، الشاة؟ قال ﷺ : " لك أو لأخيك أو للذئب "، قال: فضالة الإبل؟ قال ﷺ : " مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها "، وفى بعض طرقه: " عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه "، وفى بعض طرقه: " ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفق، ولتكن وديعة عندك. فإذا جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه "، وفى بعض طرقه: " فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه، وإلا فهى لك "، وفى بعض طرقه بعد التعريف: " أن تعرف العفاص والوكاء "، ثم قال: " كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه "، وفى بعض طرقه فى حديث سويد بن غفلة (١): " خرجت أنا وزيد بن صوحان (٢) وسلمان (٣) غازين، فوجدت سوطاً فاخذته،