١٤٦ - (٩٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهادِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مِنَ الْكَبائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ " قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِديْه؟ قَالَ: " نَعَمْ، يَسُبُّ أَبا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَباهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ ".
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّار، جَمِيْعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
ــ
وحجة فى الرد على من ذهب [إلى] (١) أن الآية منسوخة بقوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْن﴾ ثم نسخ ذلك وخفف بقوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم﴾ (٢).
والصواب كون الآية محكمة (٣)، ثم بيَّن وخفَّف بما جاء فى الآية الأخرى. وقوله: " من الكبائر شتم الرجل والديه .. " الحديث، قال الإمام: يؤخذ من هذا الحديث الحجة لأحد القولين فى منع بيع ثياب الحرير لمن يلبسها وهى لا تحل له، وبيع العنب لمن يعصره خمراً ويشربها؛ لأنه ذكر فيه أن من فعل السبب فكأنه الفاعل لذلك الشىء مباشرة.
قال القاضى: جعل هذا من الكبائر لأنه سببٌ لشتمهما وشتمهما من العقوق، وقد
(٣٩) باب تحريم الكبر وبيانه
١٤٧ - (٩١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلِ الْفُقَيْمِىِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِىِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ". قَالَ
ــ
وقوله: " لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرةٍ من كبر ": قال الخطابى (١): يتأوَّل على وجهين:
أحدهما: أنه أراد كبر الكفر، يعنى الكبر عن الإيمان، بدليل قوله آخر الحديث: " ولا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان " فقابل الإيمان بالكفر.
والثانى: أن كل من يدخل الجنة ينزع ما فى قلبه من كبر وغل.
قال: وقوله: " لا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة (٢) من إيمان ": أى دخول خلود.
قال القاضى: وكذلك - أيضاً - يتأول: " لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر": أى دون مجازاة إن جازاه الله تعالى بكبره، وأما التأويل الثانى فيبعد فى هذا الحديث ومفهومه خلافه، بدليل قوله: " ولا يدخل النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ".
وذكر مثقال الذرة هنا من الإيمان وهو لا يتجزأ، إذا أريد به حقيقته (٣) من المعرفة وتصديق القلب، ومعناه هنا - إن شاء الله - التمثيل بأقل درجات الإيمان، وهو مجرد التصديق بأقل مثاقيل الوزن، أو يكون الإشارة بالتجزىء إلى ما زاد على ذلك من أذكار القلب وإيمانه بما زاد على التوحيد ومفهوم الشهادتين وغير ذلك، وسيأتى بسط هذا فى أحاديث الشفاعة.
وقوله: " قال رجل ": إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنةً. قال: " إن الله جميل يحب الجمال ": [الرجلُ مالك بن مُرَّارة الرهاوى] (٤).
стр. 354
رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحبُ أَن يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: " إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ. الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ".
ــ
قال الإمام: أطلق فى هذا الحديث تسمية البارى تعالى جميلاً، ويحتمل أن يكون سماه بذلك لانتفاء النقص عنه؛ لأن الجميل مِنّا من حسنت صورته، ومضمون حُسْنِ الصورة انتفاءُ النقائص (١) والشين عنها، ويحتمل أن يكون جميل ها هنا بمعنى مُجمل أى محسن، كما أن كريماً بمعنى مكرم. وأما الحديث الذى فيه: إن ترك الصلاة كفْر، ومذهب من تعلق به فقد تقدم الكلام عليه (٢).
قال القاضى: ذكر أبو القاسم بن هوازن القشيرى (٣) أن جميلاً بمعنى جليل، وحكى الخطابى أنه بمعنى ذى النور والبهجة، أى مالكها وربها، وذكر أبو بكر الصوفى أن معناه: جميل الأفعال بكم (٤) والنظر لكم، يكلفكم اليسير ويعين عليه ويثيب عليه الجزيل، ويشكر عليه، فهو يحب الجمال منكم، أى التجمل فى قلة إظهار الحاجة إلى غيره.
قال القاضى: ورد فى هذا الحديث تسميتُه بهذا، وكذلك فى حديث الأسماء المأثورة من رواية عبد العزيز بن حصين بن الترجمان (٥)، وهو ضعيف. واختلف أهل العلم والنظر من أهل السنة فى تسمية الله تعالى ووصفه من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما لم يرد به شرعٌ ولا منعه، فأجازه بعضهم ومنع آخرون، إلا أن يرد به شرع من نص كتاب أو سنة متواترة أو أجمعت على إطلاقه الأمة. ثم اختلفوا إذا ورد به شرع غير مقطوع به بخبر الاحاد، فأجازه بعضهم، ورأى أن الدعاء به والثناء والذكر [به] (٦) من
стр. 355
١٤٨ - (...) حدّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِىُّ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُما عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُسْهِرِ، قَالَ مِنْجَابٌ: أَخْبَرَنا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِياءَ ".
ــ
باب العمل الذى يستند إلى خبر الواحد (١)، ومنعه آخرون لأنه راجع إلى اعتقاد ما يحب ويجوز ويستحيل على الله، وباب هذا القطع، والصواب جوازه لاشتماله على العمل ولقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الآية (٢).
والجمال المذكور فى هذا الحديث وغيره هو الحسن، والجميل: الحسنُ من كل شىء (٣).
وقوله: " الكبر بَطَرُ الحق وغمُط الناس ": وفى رواية أخرى: " وغمص الناس "، قال: ومعنى " بَطر الحق ": إبطاله، مأخوذ من قول العرب: ذهب دمه بَطْراً وبَطَراً، أى: باطلاً.
قال الهروى: قال الأصمعى: البَطرُ: الحيْرَة، ومعناه: أن يتحير عن (٤) الحق فلا يراه حقاً. وقال الزجاج: البَطرُ أن يتكبر عند (٥) الحق فلا يقبله.
وقوله: " وغمط الناس " معناه: استحقارهم واستهانتهم. يقال: غمط الناس - بطاء غير معجمة - وغمصهم - بصاد غير معجمة - ومعناهما واحد، وكذلك غَمْط النعمةِ وغمْصُها.
стр. 356
١٤٩ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر ".
ــ
قال القاضى: لم نرو (١) هذا الحديث عن جميع شيوخنا هنا وفى البخارى إلا بالطَّاء (٢)، وبالطاء ذكره أبو داود فى مصنفه أيضاً، وذكره أبو عيسى الترمذى وغيره بالصاد.
стр. 357
(٤٠) باب من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ومن مات مشركاً دخل النار
١٥٠ - (٩٢) حدَّثنا مُحَمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِى وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - قَالَ وَكِيعٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ " وَقُلْتُ أَنا: وَمَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ.
١٥١ - (٩٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِىَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: " مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ ".
١٥٢ - (...) وحدّثنى أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلانِىُّ، سُلَيْمانُ بْنُ عَبدُ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرو، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ لَقِىَ اللهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ ".
قَالَ أَبُو أيُّوبَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِر.
(...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور، أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَام - قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ قَالَ، بِمِثْلِهِ.
ــ
وقوله فى حديث جابر: " ما الموجبتان ... " الحديث (١)، قال القاضى: هى ما يوجب الجنة ويوجب النار. قال الهروى: الموجبات الأمور التى أوجب الله عليها النار أو الرحمة.
стр. 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخبر فى هذا الحديث: أن من مات على الشرك دخل النار، ومن مات على الإيمان دخل الجنة.
وعلى هذا إجماع المسلمين. وأما قول ابن مسعود: وقلت أنا: من مات لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة. فمعناه: أنه لم يسمعه من النبى ﷺ بهذا اللفظ كما سمعه غيره، ولكنه قاله لا تقرر عنده من معنى ما أخبر به النبى ﷺ عن الله من كتابه [ووجهه واحدة من مقتضى ما سمعه من النبى ﷺ ] (١).
ومفهوم قوله ﷺ : " من مات يشرك بالله [شيئاً] (٢) دخل النار " استدل به بعضهم على صحة دليل الخطاب، وفى الاستدلال به ضعف وهو كلام من لم يميّز دليل الخطاب، إذ لا يَدل وجوبُ (٣) النار لمن مات على الكفر وجوب الجنة لمن كان على ضدّه، وإنما دليلُ خطابه أنه لا يدخل النارَ، وأما صحة قول ابن مسعود فمن دليل صحة التقسيم لا من دليل الخطاب (٤)؛ لأنه لا قال ﷺ : " من مات يشركُ بالله شيئاً دخل النار "،
стр. 359
١٥٣ - (٩٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِل الأَحْدَبِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ سَمِعْتُ أَبا ذَرٍّ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " أَتَانِى جِبْرِيلُ ﵇. فَبَشَّرَنِى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مَنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ".
ــ
وصحَّ أنه ليس ثمَّ منزل ثالث سوى الجنة والنار وتميز بهذا اللفظ نازل أحدهما (١) بقى الصنف المخالف له للأخرى، فكيف جاء بنصّه بعد هذا عن النبى ﷺ فى حديث جابر، وجاءت النصوص والظواهر البينة وإجماع أهل السنة على صحة ذلك.
وقوله ﷺ : " وإن زنا وإن سرق ... " على ما تقدم من أن الذنوب لا توجب التخليد فى النار، وأن كل من مات على الإيمان يدخل الجنة حتماً، لكن من له ذنوب فى (٢) مشيئة الله من معاقبته عليها أو عفوه (٣)، ثم لا بد له من دخول الجنة. ويأتى فى تأويل هذا الحديث ما تقدم، وقول البخارى هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وغير ذلك مما قدمناه (٤).
وقوله: " وإن رغم أنف أبى ذر " بفتح الغين وكسرها، أصل الرغم بفتح الراء وضمها الذل من الرغام بالفتح أيضاً - وهو التراب - يقال: أرغم الله أنفه أذَلَّه، كأنه يلصقه بالتراب من الذل، فيكون هذا فى الحديث على وجه الاستعارة (٥) والإغْياء فى الكلام، أى وإن خالف سؤال أبى ذر واعتقاده واستعظامه الغفران (٦) للمذنبين وترداده السؤال عن ذلك، فأشبه من أرغم بما لا يُريد ذُلاً وقهراً (٧). وقيل: معناه: وإن اضطرب
стр. 360
١٥٤ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالَ: حَدَّثَنِى حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ؛ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبا الأَسْوَدِ الديِلىَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبا ذَرٍّ حَدَّثَهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ. عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: " مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ ". قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: " وَإِنْ زَنِى وَإِنْ سَرَقَ " قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: " وَإِنْ زَنَى وإِنْ سَرَق " ثَلاثًا. ثُمَّ قَالَ فِى الرَّابِعَةَ: " عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِى ذَرٍّ ". قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغْمَ أَنْفُ أَبِى ذَرٍّ.
ــ
أنفه لكثرة ترداده وسؤاله، ومنه قوله [تعالى] (١): ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ (٢): أى اضطراباً فى الأرض، وقيل: معناه: وإن كره، يقال: ما أرغَمُ منه شيئاً، أى ما أكرهه.
ومعنى هذا كله فى التجوّز بمعنى الأول، إذ لا يكره أبو ذر ﵀ [تعالى] (٣) لعباده ولا ما أخبر به نبيه [ ﷺ ] (٤) من فضل الله وسعة مغفرته.
стр. 361
(٤١) باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله
١٥٥ - (٩٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَثَنَا ليْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ - وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٌ - أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ عَدِىِّ بْنِ الخيَارِ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أرَأيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِى، فَضَرَبَ إحْدَى يَدَىَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاذَ مِنِّى بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أسْلَمْتُ لِلهِ، أفَأقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا تَقْتُلْهُ ". قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِى، ثُمَّ قَالَ ذلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أفَأقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : " لا تَقْتُلهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِى قَالَ ".
ــ
وقوله فى حديث المقداد: أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فضرب إحدى يدى فقطعها (١)، ثم قال: أسلمت، أفأقتله؟ وقول النبى ﷺ : " لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التى قال "، قال القاضى: زاد فى كتاب البخارى عن ابن عباس قال النبى ﷺ للمقداد: " إذا كان مؤمن يخفى إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت تخفى إيمانك بمكة قبل "، [فحمل بعضهم تأويل الحديث] (٢) على هذا، أى أنه بمنزلتك قبل أن تقتله لقوله الكلمة وثبات إيمانه وعصمته من القتل بها، وأنت بمنزلته قبل أن تقتله، أى كنت كذلك إذ كنت [بمكة] (٣) بين
стр. 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المشركين تكتم إيمانك، فلعله هو ممن كتم إيمانه وخرج مع المشركين كرهاً، كما أخرج أهل مكة من كان معهم من المسلمين لبدر كرهاً. وقطعه يده لمدافعته عن نفسه من يقتله، فهو يتأول جواز ذلك له، كما أنت متأول جواز قتله بعد الكلمة. وقال ابن القصار (١) وغيره: معناه: أنه بمنزلتك قبل أن تقتله من تحريم الدم والعصمة من القتل لإيمانه، وأنت مثله من إباحة دمه لكفره قبل أن يقولها، وأنت بعد قوله بإباحة دمك لقتلك إياه والقصاص له، يريدُ لولا علة التأويل المسقط عنك حكم القصاص. وقيل: معناه: إنَّك مثله قبل أن يقولها فى مخالفة الحق وارتكاب الإثم وإن اختلفت أنواع المخالفة والإثم، فيسمى إثمه كفرًا وشركًا، وإثمك معصية وفسقًا (٢).
وقوله فى الحديث: المقداد بن الأسود، ومرَّة المقداد بن عمرو بن الأسود الكندى حليف بنى زهرة فيه تَجَوُّز، أما قوله: " ابن الأسود " فإن الأسود بن عبد يغوث الزهرى كان تبناه فى الجاهلية، فلما نهى الله عن التبنى انتسب (٣) لأبيه عمرو لما جاء فى الرواية الأخرى، ثم قال ابن الأسود على التعريف والقطع والبدَل من المقداد والبيان له لا على النعت والصفة لعمرو ورد النسب إليه، كأنه قال: الذى يقال له ابن الأسود أو المعروف بابن الأسود، فقال ابن الأسود بدلاً من نسبه الأول لشهرته به، ويجب على هذا كتابة (٤) ابن الأسود بالألف (٥) ويتبع فى إعرابه المقداد لا عمرًا، وقد شهرت معرفته بذلك ونسبه إلى الأسود أكثر من نسبته إلى عمرو.
وأما قوله: الكندى حليف بنى زهرة فحقيقة نسبه بهرَانى من قضاعة، لا خلاف بين أهل النسب فى ذلك، ولكنهم يطلقون عليه النسب بكندىّ مرَّة وبهرانى أخرى، وقد جاء ذلك فى الصحيح (٦) نسبه كندى (٧)، وفى تاريخ البخارى والطبرى (٨) فيه الكندى
стр. 363
١٥٦ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْراهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بُنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأوْزَاعِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بهذَا الإِسْنَادِ. أمَّا الأَوْزَاعِىُّ وابْنُ جُرَيْجٍ فَفىِ حَدِيثِهِمَا قَالَ: أسْلَمْتُ لِلهِ. كَمَا قَالَ اللَّيْثُ فىِ حَدِيِثِه. وأمَّا مَعْمَرٌ فَفِى حَدِيثِه: فَلَمَّا أهوَيْتُ لأقْتُلَهُ قَالَ: لا إلهَ إلا اللهُ.
ــ
البهرانى.
وكندة وبهرا لا ترجع إحداهما إلى الأخرى، وإنما تجتمع فى حمير لمن جعل قضاعة منها، أو فيما فوق ذلك لمن نسب قضاعة من مَعَد.
وذكر ثابتٌ عن موسى بن هارون: كان المقداد كنديًا حليفًا لبنى زُهرَة، وهذا وهم صريح، إذ جعل أصل نسبه (١) من كندة، ولعله مع كونه بهرانيًا صليبةً كنديًا بالحلف أو بالجوار.
وأما قول موسى بن هارون فيه حليفًا لبنى زهرة، فقد ذكرنا سبب نَسبَه لزهرة أنه بتبنى (٢) الأسود بن عبد يغوث.
لكن ذكر ابن إسحاق وأبو عمر بن عبد البر أنه حالفه - أيضًا - وإنما الكندى حقيقة من الصحابة المقدام - بالميم - بن معدى كرب، وهو أبو كريمة.
وقوله: " فلما أهويتُ لأقتله ": قال الخليل: أهوى إليه بيده. وقال أبو بكر بن القوطية (٣): هوى إليه بالسيف والشىء هُويًا، وأهويتُه أى أملته، وقال أبو زيد (٤): الإهواء التناول باليد والضرب.
وقوله فى سنده: ثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: ثنا عبد الرزاق أنا معمر وثنا إسحاق بن موسى الأنصارى أنبأ الوليد عن الأوزاعى، وحدثنا محمد (٥) بن رافع، ثنا عبد الرزاق، ثنا (٦) ابن جريج جميعاً عن الزهرى - لم يقع هذا السند عن ابن ماهان. قال أبو مسعود الدمشقى: هذا ليس بمعروف عن الوليد بهذا الإسناد عن عطاء بن
стр. 364
١٥٧ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِى عَطَاء بْنُ يَزِيدَ اللَّيثِىُّ، ثُمَّ الْجُنْدَعِىُّ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَدِىِّ ابْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنُ عَمْرِو بْنَ الأَسْوَدِ الْكِنْدِىَّ - وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِى زُهْرَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثَ اللَّيْثِ.
١٥٨ - (٩٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى مُعَاوِيَة، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبِى ظِبَيْانَ، عَنْ أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَهذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِى شَيْبَةَ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى سَرِيَّةٍ. فَصَبَّحْنَا الْحُرُقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأدْرَكْتُ رَجُلاً، فَقَالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِى نَفْسِى مِنْ ذلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أقَالَ: لا إلهَ إلا اللهُ وَقَتَلْتهُ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رسُولَ اللهِ، إنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاحِ، قَالَ: " أفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أقَالَهَا أمْ لا ". فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أنِّى أسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ. قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: وَأنَا وَاللهِ لا أقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ - يَعْنِى أسَامَةَ. قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: ألمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾ (١) فَقَالَ سَعْدُ: قَدْ قَاتَلْنَا حتّى لا تَكُون فِتْنَةٌ. وأنْتَ وَأصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنةٌ.
ــ
يزيد عن عُبيد الله، وفيه خلاف على الوليد وعلى الأوزاعى، وبيَّن الدارقطنى فى كتاب العلل الخلاف فيه، وذكر أن الأوزاعى يرويه عن إبراهيم بن مُرَّة، واختلف عنه، فرواه أبو إسحاق الفزارى ومحمد بن شعيب ومحمد بن جبير (٢) والوليد بن مَرْثد عن الأوزاعى عن إبراهيم بن مُرَّة عن الزهرى عن عُبيد الله بن الخيار عن المقداد، ولم يذكروا فيه عطاء ابن يزيد، واختلف عن الوليد بن مسلم، فرواه أبو الوليد القرشى عن الوليد عن الأوزاعى، والليث بن سعد عن الزهرى عن عبيد الله بن عدى عن المقداد، لم يذكر فيه عطاء بن يزيد، وأسقط إبراهيم بن مُرَّة، وخالفه عيسى بن مشاور فرواه عن الوليد، عن الأوزاعى، عن حُميد، عن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عدىِّ، عن المقداد، لم يذكر فيه إبراهيم بن مُرَّةٌ، وجعل مكان عطاء بن يزيد حميد بن عبد الرحمن. ورواه الفريابى عن الأوزاعى، عن إبراهيم بن مرة، عن الزهرى مرسلاً، عن المقداد.
قال أبو على الجيّانى: والصحيح فى إسناد هذا الحديث ما ذكره مسلم أولاً من رواية
стр. 365
١٥٩ - (...) حدّثنا يَعْقُوبُ الدّوْرَقىّ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ. حَدَّثَنَا أَبُو ظِبَيْان، قَالَ: سَمِعْتُ أسَامَة بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ يُحَدِّثُ، قَالَ: بَعثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَة، فَصَبَحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، ولَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لا إلَهَ إلا اللهُ. فَكَفَّ عَنْهُ الأنْصارِىُّ، وطَعنْتُهُ بِرُمْحِى حَتَّى قَتَلْتَهُ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنا، بَلَغَ ذلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ لِى: " يَا أسَامَةُ، أقتَلْتهْ بَعْدَ مَا قَالَ: لا إلَهَ إلا اللهَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنّمَا كَانَ مُتعَوذًا. قَالَ: فَقَالَ " أقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لا إلَهَ إلا اللهُ؟ ". قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أنِّى لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَومَ.
ــ
الليث ومعمر ويونس وابن جريج، وتابعهم صالح بن كيسان (١).
وقوله لأسامة: " أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله "، قال الإمام: لم يذكر فيه قصاصًا ولا عقلاً (٢)، فيحتمل أن يكون إنما أسقط ذلك عنه لأنه متأوّل، ويكون ذلك حجةً فى إسقاط العقل على إحدى الروايتين (٣) عندنا فى خطأ الإمام، ومن أذن له فى شىء فأتلفه غلطًا كالأجير [والخاتن] (٤).
قال القاضى [رضى الله عنه] (٥): لا امتراء أن أسامة إنما قتله متأوّلاً، وظانًا أن الشهادة عند معاينة القتل لا تنفع، كما لا تنفع عند حضور الموت، ولم يعلم بعد حكم النبى ﷺ فيه، ألا تراه كيف قال: إنما قالها متعوّذًا، فحكمه حكم الخاطئ، فسقوط
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُّؤْمِنَةٍ﴾ (١)، فلم يجعل عليه قصاصًا ولا ديةً سوى الكفارة.
وهذا مذهب ابن عباس وجماعة فى الآية: أنها فى المؤمن يقتل خطأ وقومه كفارٌ، فليس على قاتله سوى الكفارة. وذهب بعضهم إلى أنها فيمن أولياؤه معاهدون، وذكر عن مالك [والمشهور عنه] (٢) [﵀] (٣): أنها فيمن لم يهاجر من المسلمين، لقوله [تعالى] (٤): ﴿مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٥)، فيكون هذا الحديث ومثله حجةً لهذه المقالات، أو يكون قتله هذا لم يُعْلَم إلا (٦) بقول أسامة، والعاقِلةُ لا تحمل اعترافًا، ولم يكن عند أسامة مال يكون فيه ديتُه. أو يكون قد تحقق النبى ﷺ بوحى الله أن المقتول لم يقل لا إله مخلصًا، بل قالها مُعتصمًا بها من القتل غير معتقد لها، فكان كافِرًا فى الباطن، لكن شدَّد النبى ﷺ على أسامة الأمر وعظَّمه لئلا يواقعه (٧) ثانية فى قائلها عن صحة وحقيقة، وممن يكتم إيمانه كما قال للمقداد؛ فلهذا كان أسامة بعد لا يقاتل مسلمًا وحلف على ذلك؛ ولهذا قعد عن نُصَرة على - رضى الله عنه - ولهذا قال سعد - وهو ابن أبى وقاص - فى الحديث: " فأنا لا أقاتل حتى يقاتل ذو البطين " يعنى: أسامة، وقيل له: ذو البطين مصغراً؛ لأنه كان له بطن.
قال ابن ماكولا: أسامة بن زيد يقال له: ذو البطين (٨).
وقوله: " أفلا شققت عن قلبه " (٩): دليلٌ على حمل الناس على الظواهر؛ لأن البواطن لا يُوصَل إليها، ولا يعلم ما فيها إلا علام السرائر.
وذكر الشق هنا تنبيه على ذلك، وكناية عن امتناع الاطلاع، إذ لا يوصل إلى ذلك وإن شق، واقتدى سعد بن أبى وقاص فى هذا بأسامة، ومذهبهما فى ذلك بسطناه مع مذاهب غيرهما فى كتاب الفتن آخر الكتاب.
(...) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا جَعْفرُ بْنُ عَوْنٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَخْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وَأبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسَى، قَالا: أغْمِىَ عَلَى أبى مُوسَى وَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ أمُّ عَبْدِ اللهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ، قَالا: ثُمَّ أفَاقَ. قَالَ: ألَمْ تَعْلَمِى - وَكَانَ يُحَدِّثُها - أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَنَا بَرِىءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ ".
(...) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُطِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنِ، عَنْ عِيَاضٍ الأشْعَرِىِّ، عَنِ امْرأةِ أَبِى مُوسَى، عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى هِنْدٍ - حَدَّثَنَا عَاصِمٌ،
ــ
الصالقة بالصاد والسين - والسلْقُ هو الصوت الشديد (١) من قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَاد﴾ (٢): قال الهروى: فالصالقة: التى ترفع صوتها فى المُصيبات، والحالقة: التى تحلق شعرها عند المُصيبات.
قال غيره: والشاقة التى تشق ثوبها فى تلك الحال، كما قال ﷺ فى الحديث الآخر: " ليس منا من شق الجيوب " (٣).
قال القاضى: ويبين تفسير الصالقة قوله فى نفس الحديث: فأقبلت امرأة تصيح برنة (٤)، فقال لها هذا الكلام وهو معنى دعوى الجاهلية فى الحديث الآخر. قال أبو زيد: الصلق الولولةُ بالصوت الشديد، وذكر عن ابن الأعرابى أنه ضرب الوجه، فإذا كان على هذا فيفسره إذًا الحديث الآخر: ليس منا من ضرب الخدود يريد عند المصيبة.
وقوله: " أنا برىء ": أى من تصويب فعلهن، أو مما يستوجبن عليه من العقوبة، أو من عُهْدَة ما لَزِمَنى من [بيانه عليهن] (٥) وتعريفهن ما فيه من الإثم.
وأصل البراءة: الانفصال والبينونة، ومنه: بان (٦) الرجل امرأته، إذا فارقها.
стр. 372
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِى الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُميْرٍ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاش، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهذَا الْحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّ فىِ حَدِيثِ عِيَاضٍ الأشْعَرِىِّ قَالَ: " لَيْسَ مِنَّا "، وَلَمْ يَقُلْ: " بَرِىءٌ ".
ــ
وقوله فى سنده: حدثنى الحسن بن على الحلوانى، ثنا عبد الصمد، ثنا شعبة. قال أبو الحسن الدارقطنى: أصحاب شعبة يخالفون عبد الصمد ويروونه عن شعبة موقوفًا، لم يرفعه عنه غيرُ عبد الصمد (١).
(٤٦) باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم
١٧١ - (١٠٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ " قَالَ: فَقَرَأهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَ مِرَارٍ.
ــ
وقوله: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ... " الحديث: هذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الآية (١). معنى: " لا يكلمهم الله ": أى بكلام أهل الخير وإظهار الرضا والبر، بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: لا يسمعهم كلامه بغير سفير، وقيل: معنى ذلك الإعراض والغضب، وهو معنى لا ينظر إليهم، ونظر الله لعباده رحمته لهم وعطفه عليهم (٢).
وقوله: " ولا يزكيهم ": قال الزجاج: لا يثنى عليهم، ومن لم يثن عليه خيرًا عذبه، وقيل: لا يُطهرهم من خبيث (٣) أعمالهم لعظم جرمهم؛ لأن ذنوبهم جمعت ذنوبًا كبيرة (٤).
стр. 375
قَالَ أَبُو ذرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ".
(...) وحدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادِ الْبَاهِلىُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِى لا يُعْطِى شَيئًا إلا مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ، وَالْمُسْبِلُ إزَارَهُ ".
وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ، بهذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ ولاَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ ".
ــ
وقوله: " المسبل إزاره ": أى المرخى له، الجارُّ طرفه خُيَلاء كما جاء مفسرًا فى الحديث الآخر: " لا يُنظر الله إلى من يُجرُّ ثوبه بطرًا " (١) وفى آخر (٢): " إزاره خُيلاء " والخيلاء: الكبر، وقد تقدم قول من قال: إنه لا يكون إلا مع جرّ الإزار، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣).
وتخصيص جرّه على وجه الخُيلاء يدلُ أن من جرَّه لغير ذلك فليس بداخل تحت الوعيد، وقد رخص فى ذلك النبى ﷺ لأبى بكر الصديق - رضى الله عنه - وقال: " لسْتَ منهم " (٤)؛ إذ كان جَرُّه إيَّاه لغير الخيلاء، بل لأنه كان لا يثبتُ على عاتقه.
стр. 376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الطبرى وغيره: وخصَّ الإزارَ لأنه كان عامة اللباس، وحكمُ غيره من القُمص وغيرها حكمه.
قال القاضى: وأما على ما جاء فى الحديث الآخر: " ثوبه " فهو عام، وقد ورد مُفَسَّرًا فى كتاب أبى داود فى حديث: " فذكر فيه الإزار والقميص والعمامة " (١).
وقوله: " والمنَّان " وفسَّره فى الحديث: " أنه الذى لا يُعطى شيئًا إلا منّة "، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ (٢).
وقد ورد فى حديث آخر: " البخيلُ المنانُ " (٣)، فقد جمع البخل المذموم لاسيما إن كان بالواجبات ثم المنَّ بالقليل الذى يُسمَحُ به، وأذى من وصَلَه به، واستكثاره، واستطالته عليه، وفى نفس المنّ البخل لأنه لا يمنّ إلا بما عَظُمَ فى نفسه إخراجه عن يده، وشحّهُ عليه عِظَمُه عنده، والجوادُ لا يعظمُ عنده شىء مما يمنحه ولا يذكره ولا يَمُنُّ به، وقيل: إن المنَّ هنا بمعنى القطع والنقص، فيوافق معنى البخيل الذى لا يعطى الحقوق من ماله وينقصها ويقطع رحمه - وهو أحد التأويلين فى قول الله : ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٤): أى غير منقوص ولا مقطوع. والأظهر الأول لقوله: " لا يعطى شيئًا إلا
стр. 377
١٧٢ - (١٠٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلاثَةٌ لا يُكَلمُهُمُ اللهُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكيِّهِم - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلا يَنظُرُ إلَيْهِمْ - وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، ومَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ ".
ــ
منَّه ".
وقوله: " المنفق سلعته بالحلف الفاجر "، وفى الرواية الأخرى: " الكاذب " وهو تفسير الفاجر، وقد جمعت الاستخفاف بحق الله والكذب فيما حلف عليه، وأخذ مال الآخر بغير حقه، وغروره إيَّاه بيمينه (١).
وقوله فى الحديث الآخر فى تفسير الثلاثة: " شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر "، خص هؤلاء الثلاثة بأليم العذاب وعقوبة الإبعاد لالتزام كل واحد منهم المعصية التى ذكر على بعدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذر أحدٌ بذنبٍ، ولا فى معصيته الله تعالى، لكن لما لم تدعُهم إلى هذه المعاصى ضرائر مزعجة، ولا دواعٍ معتادة، ولا حملتهم عليها أسبابٌ لازمةٌ، أشبه إقدامُهم عليها المعاندةَ، والاستخفاف بحق المعبود، محضًا، وقصد معصيته لا لغير معصيته (٢)، فإن الشيخ مع كمال عقله، وإعذار الله له فى عمره، وكثرة معرفته بطول ما مَرَّ عليه من زمنه، وضعف أسباب الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك، وبَرد مِزاجِه، وإخلاق جديده، [وعنده] (٣) من ذلك ما يُريحه من دواعى الحلال فى هذا الباب من ذاته، ويخلى سره منه بطبيعته، فكيف بالزنا الحرام؟! إذ دواعى ذلك الكبرى الشبابُ، وحرارةُ الغريزة، وقلة المعرفة، وغلبة الشهوة بضعف العقل، وصِغَرِ السِنّ.
وكذلك الإمام لا يخشى من أحد من رعيته، ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته، إذ
стр. 378
١٧٣ - (١٠٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ وَهَذَا حَدِيثُ أَبِى بَكْرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ثَلاثٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً بِسِلْعةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لا يُبَايِعُهُ إلا لِدُنْيَا، فَإِنْ أعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ ".
ــ
إنما يُداهن الإنسان ويصانع بالكذب وشبهه من يحذرُه ويخشى [معاقبته، أو أذاه ومعاتبته] (١)، أو يطلب عنده بذلك (٢) منزلةً أَو منفعةً، فهو غنى عن الكذب جملة (٣).
وكذلك العائلُ الفقيرُ، قد عدم (٤) بعدمه المال ولعاعة (٥) الدنيا سبَبَ الفخر، والخُيلاء، والاستكبار على القُرناء، إذ إنما يكون ذلك بأسباب الدنيا والظهور فيها وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها فلماذا يستكبر ويستحقر غيره؟ فلم يبق إلا أنَّ فى استكبار هذا، وكذب الثانى، وزنا الثالث، ضربًا من الاستخفاف بحق الله تعالى، ومعاندة نواهيه، وأوامره، وقلة الخوف من وعيده إذ لم يبق ثَمَّ حاملٌ لهم على هذا سواه، مع سبق القدَرِ لهم بالشقاء.
وقوله فى الحديث الآخر فى تفسيرهم: " ورجل (٦) له فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل " وذكر معنى المنفق سلعته بالحلف، وذكر فيه بعد [صلاة] (٧) العصر، " ورجل بايع إماماً لا يبايُعُه إلا لدنيا ... " الحديث. فأما مانع الماء من ابن السبيل فلأنه منعه حقَّه وما ليس يملك للمانع، وعرَّضه للتلف، فأشبه قاتله (٨)، ولهذا رأى مالك إقادته به إن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وشهادتهم على مجاهرته ربه بيمينه واستخفافه عظيم حقه (١).
وأما مبايع الإمام الموصوف فلغشه المسلمين وإمامهم وتسبيبه الفتنَ عليهم بنكثه بيعته، ولنقضه عهود ربه المأخوذة عليه وغروره من نفسه، لاسيما إن كان ممن يُتَّبَع ويُقْتَدى به، ويُظَنَّ أنَّه بايعه ديانةً ونظرًا للمسلمين وهو بضد ذلك.
стр. 381
(٤٧) باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه وإن من قتل نفسه بشىء عذب به فى النار وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة
١٧٥ - (١٠٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وأبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " منْ قَتَلَ نَفْسَهُ بحَديدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِى بَطْنه فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أبَدًا، وَمَنْ تَردَّى مِنْ جبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِى نَارِ جَهَنّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أبَدًا ".
ــ
وقوله: " من قتل نفسه بحديدة، فحديدته فى يده يتوجَّأ بها (١) فى نار جهنم خالدًا مخلدًا ... " الحديث، وذكر فيه من شرب سُمًّا وتردى (٢) من جبل، ومن ذبح نفسه. معنى " يتوجَّأ " أى يطعن (٣)، وهو مهموز ويُسهلُ أيضًا. وقوله فيه: " خالدًا مُخلَّدًا " لمن فعَلَ ذلك مستحلاً، أو خلود طول إقامة لا خلود دوامٍ وتأبيد (٤). ويدخل فيها من التأويلات ما يدخل آية قاتِل النفس. وقد يقال في أدعية الملوك: خلَّد الله ملكك، وأبَّد أيامك أى أطالها. وشرح هذه الألفاظ ما وقع مجملاً فى الحديث الآخر: " من قتل نفسه بشىء عُذِّب به يوم القيامة ".
وفيه دليلٌ لمالك ﵀ ومن قال بقوله، على أن القصاص من القاتل بما قتل به محدَّدًا كان أو غيْرَ مُحدَّد، خلافًا لأبى حنيفة ﵀ (٥)، اقتداءً بعقاب الله لقاتل
بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِى شَىْءٍ لا يَمْلِكُهُ ".
ــ
وقوله: فيمن " حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا - زاد شعبة (١) - متعمدًا فهو كما قال " قيل: معناه: فهو كاذب فى يمينه، وزيادة شعبة (٢) فى هذا الحديث - متعمدًا - حسنة، فإن كان المتعمد للحلف بها قلبه مطمئن بالإيمان فهو كاذب فيما حلف عليه، كاذب فى تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه، وإن كان قوله: " متعمدًا ": أى لتعظيمها واعتقاد اليمين بها لكونها حقًا فهو كافر، كما اعتقد فيها وقاله فى الحلف بها. وعن ابن المبارك فيما ورد فى مثل هذا مما ظاهره تكفير أصحاب الذنوب أن ذلك عن طريق التغليظ. وقد اختلف العلماءُ فى إيجاب الكفَّارة على من قال هو يهودىٌّ، أو نصرانى أو كفر بالله، أو أشرك به، أو هو برىء من إسلامه، وشبه هذا، وألا كفَّارة أصوبُ، وهو مذهب مالك، ويستحب له أن يفعل من الخير ما يُكفِّرُ سيئته (٣) بقول ذلك، ويدلُ عليه قوله ﷺ : " من حلف باللاتِ والعزَّى فليقُل: لا إله إلا الله " (٤)، فلم يجعل عليه كفارةً وأمَرَه بمقابَلةِ ذلك القول السيئ وإتباعهِ بالقول الحسن، فإن الحسنات يذهبن السيئات.
وهى حجتنا فى أَنْ لا كفارة فى اليمين الغموس؛ ولأن النبى ﷺ عظَّم الخَطأ فى هذه الأيمان وشدَّد الوعيد فيها، ولم يجعل لها كفارةً؛ ولأن الكَفَّارَة لحلّ الأيمان المنعقدة، لا لإزالة المأثم، وهذه ليست بإيمان منعقدة.
وقوله: " ليس على رجُلٍ فى شىء لا يملكه نذر "، قال الإمام: يحتج به المخالف (٥)
стр. 384
(...) حدّثنى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ - قَالَ: حَدَّثَنِى أبِى عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ عَلَى رَجْلٍ نَذْرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ
ــ
على أَنَّ من حلف بصَدقة ما يملك أو عتق ما يملك فى المستقبل أو طلاق [من] (١) يتزوج لا يلزمه (٢)، وإن خص، وهذا عندنا محمول على أنه أراد [لا صدقة فيما هو ملك للغير الآن، ليس على أنه بعد] (٣) مصيره إليه، ونحن إنما ألزمناه فيه ما عقد (٤) على نفسه بعد أن صار ملكًا له فلم يكن (٥) فى الحقيقة طلاقه وصدقته إلا فيما ملك. وهذه المسائل يتسعُ الكلام فيها، وليس هذا موضع بسطه.
قال القاضى: أما من حلف بصدقة مال غيره، أو طلاق امرأة ليست بزوجته، أو عتق عبد غيره دون تعليق بشرط، فلا خلاف بين العلماء [أنه] (٦) لا يلزمه شىء إلا شىء حكى عن أبى (٧) ليلى فى العتق إذا كان موسراً أعتقوا عليه، ثم رجع عنه، وإنما اختلفوا إذا علق اليمين بملكه (٨)، فلم يلزمه الشافعىُّ وأصحابهُ شيئًا مما حلف عليه (٩) وألزمه أبو حنيفة كلَّ شىء حلف عليه خصَّ أو عمَّ (١٠)، ووافقه مالك فى المشهور عنه إذا خصَّ، وخالفه إذا عمَّ وأدخلَ على نفسه الحَرجَ وله قول كقول الشافعى.
وقوله: " لعنُ المؤمن كقتله ": كذا هو فى الحديث عند مسلم (١١)، قال الإمام:
стр. 385
فِى الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إلا قِلَّةً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين صَبْرٍ فَاجرَةٍ ".
١٧٧ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْد الصَّمَدِ بْن عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكَ الأنْصَارِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عْنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِىِّ، عَنْ خَالِد الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عَذَّبَهُ اللهُ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ". هذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ. وَأمَا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ بِملِّةٍ سِوَى الإسْلامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ ذَبَحَ نْفسَهُ بِشَىْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
ــ
الظاهر من الحديث تشبيهه (١) فى الإثم، وهو تشبيه واقع؛ لأن اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف.
قال القاضى: وقيل: لعنته له تقتضى [قصده إخراجه عن] (٢) جماعة من المسلمين ومنعهم منافعِه، وتكثير عددهم به كما لو قتله، وقيل: لعنُهُ يقتضى قطْعَ منافِعه الأخروية عنه وبعده منها بإجابته لعنته فى الدنيا، فهو كمن قُتِلَ فى الدنيا وقُطعت عنه مَنافِعه فيها، وقيل: معناه: استواؤهما فى التحريم.
وقوله: " من ادَّعى دعوى كاذبةٍ ليتكثر بها لم يزده الله بها إلا قلة "، قال القاضى: هذا عام فى كل دعوى يتشبَّعُ بها المرءُ بما لم يُعط من مال يحتالُ فى التجمل به من غيره، أو نسب ينتمى إليه ليس من جِذْمه (٣)، أو علم يتحلَّى به ليس من حَمَلتهِ، أو دين يرائى به ليس من أهله، فقد أعلم ﷺ أنهُ غير مبارك له فى دعواه ولا زاك ما اكتسبه بها، ومثله الحديث الآخر: " اليمين الفاجرة مُنفقِةٌ للسِّلعة، مُمْحِقَةٌ للكسب " (٤).
стр. 386
١٧٨ - (١١١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإسْلامِ: " هذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ "، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالاً شَدِيدًا فَأصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ الَّذِى قُلْتَ لَهُ آنِفًا: " إنَّهُ مِنْ أهْلِ النَّارِ " فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالاً
ــ
وقوله: " من حلف على يمين صبرٍ فاجرة "، قال الإمام: أصلُ الصبر: الحبسُ والإمساك، يقال: صبَر فلانٌ فلانًا إذا حبسه، وكل من حبسته لقتلٍ أو يمين فهو قتلُ صَبْرٍ ويمينُ صَبْر، وأصبَره الحاكم على اليمين (١) أكرهه على يمين صبر. قاله (٢) الهروى وغيرهُ. وقال [أبو] (٣) العباس (٤): الصبر ثلاثة أشياء: الإكراه، ومنه: أصبره الحاكم. والحبْسُ، ومنه: صبرته إذا حبسته. والجرأة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (٥).
قال القاضى: يمينُ الصبر هى التى يَصْبرُ صاحبُها، أى يحبس ويُكره حتى يحلفها، وقد يكون من معنى الجرأة والإقدام عليها كما قال ثعلب. ومعنى فاجرة: أى كاذبة.
ولم يأت فى الحديث هنا الخبر عن هذا الحالف، إلا أن تعطفه على قوله قبلُ: " ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثَّر بها لم يزده الله بها إلا قلةً " أى: وكذلك الحالف اليمين الفاجرة مثل هذا. وقد ورد معنى هذا الحديث مُبَيَّنًا تامًا فى حديث آخر: " من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقى الله وهو عليه غضبان " (٦).
стр. 387
شَدِيدًا. وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " إلى النَّارِ " فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذلِكَ إذْ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا! فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِىُّ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: " اللهُ أَكْبَرُ أشْهَدُ أنِّى عَبْدُ اللهِ وَرَسُوِلُهُ " ثُمَّ أمَرَ بِلالاً فَنَادَىَ فِى النَّاسِ: " إنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُسْلِمَة وَإنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ".
١٧٩ - (١١٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىُّ، حَىٌّ مِنَ الْعَرَبِ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عسْكَرِهِ وَمَالَ الآخَرُونَ إلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إلا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا
ــ
ويُستدل من هذا الحديث: أن الأيمان كلها التى تُقتَطعُ بها الحقوق لا ينفعُ فيها المعاريض والنيات، وإنما هى على نيَّةِ صاحب الحق المحلوف له لا على نية الحالف.
قال شيخنا [القاضى] (١) أبو الوليد: وهذا مما لا يختلف فيه أنه آثم فاجر فى يمينه متى اقتطع بها حق مسلم، واختلف إذا حلف لغيره تبرعًا متطوعًا أو مُستحلَفًا أو مُكْرَهًا، فقيل: ذلك كله (٢) على نية المحلوف له، وقيل: على نيَّة الحالف، وقيل: للمتطوع نيته بخلاف المستحلف وقيل بعكسه، وكل هذه الأقوال فى مذهبنا ولأئمتنا (٣).
وقوله فى حديث أبى هريرة: " شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينًا " كذا وقعت الرواية فيها عن عبد الرزاق فى الأم، هـ قد رواه الذهلى " خيبر " وهو الصواب.
وقوله: " لا يدع شاذَّةً ولا فَاذَّة إلا اتبعها [يضربها بسيفه] (٤): الشاذ الخارج عن
стр. 388
بِسَيْفِهِ. فَقَالُوا: مَا أجْزَأ مِنَّا الْيَوْمَ أحَدٌ كَمَا أجْزَأ فُلانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أمَا إنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أبَدًا. قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وقف مَعَهُ، وَإِذَا أسْرعَ أسْرعَ مَعَه، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ " قَالَ:
ــ
الجماعة، والشاذ المتفرق - أيضًا -، والفاذ الفرد، معناه: لا يخلُص منه من خرَج وفرّ (١). وَأنَّثَ (٢) الكلمة على معنى النسمة، أو تشبيه الخارج بشاذة الغنم وفاذَّتها، وهو بمعنى أنه مُتقصٍ للقتل حتى لا يدع أحدًا، على طريق المبالغة. قال ابن الأعرابى: يقال: فلان لا يدع شاذةً ولا فاذَّةً، إذا كان شجاعًا لا يلقاه أحد إلا قتله. وفيه دليل على جواز الإبلاغ والغُلوُّ فى الكلام، وأن يُعَبَّر بالعُموم عن الكثرة والغالب، كقوله ﷺ : " لا يضع عصاه عن عاتقه ".
وقوله: " ما أجزأ منا اليوم أحدٌ ما أجزأ فلان "، قال الإمام: قال الهروى فى قوله: لا تجزى عن أحد بعدك: [أى] (٣) لا تقضى، يقال: جزى عنى، بغير همز، ومعنى قولهم [جزاه الله عنى] (٤) خيرًا: أى قضاه الله ما أسلف، فإذا كان بمعنى الكفاية قلت: جزأ عنى - مهموزًا - وأجزأ. قال أبو عبيد: ويقال: جزأت [بـ] (٥) الشىء واجتزأت [وتجزأت وتجزات] (٦): أى اكتفيت [به] (٧) وأنشد:
فإنَّ اللَّوم (٨) فى الأقوام عارٌ ... وإن المرأ يُجْزأ بالكُرَاع
قال القاضى: كذا روينا هذا الحرف هنا بالهمز، وهو بمعنى الكفاية والغناء، وعن أبى زيد: هذا الشىء يجزى عن هذا، أى يقوم مقامه، وقد يهمز.
قال الخليل: جزيت عن كذا أغنيتُ عنه، وجزيتُه كافيته، وأجزانى (٩) كفانى، يقال: جزأت الإبل بالرطب إذا استغنت به عن الماء تجزأ جزيًا (١٠).
стр. 389
الرَّجُلُ الَّذِى ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأعْظَمَ النَّاسُ ذلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِى طَلَبَهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عِنْدَ ذلِكَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيَما يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ ".
ــ
وقول الآخر: " أنا صاحبه أبدًا ": أى لا أفارقه، وأتبع أمره حتى أعرف ماله، إذ أخبر النبى ﷺ بما دل على سوء عقباه، وخاتمته، وسوء سريرته بكونه من أهل النار، وخبره صادق لا شك فيه، وكان ظاهره غير ذلك من نصر الدين وحسن البصيرة فيه، فأراد معرفة السبب الموجب لكونه من أهل النار ليزداد يقينًا وبصيرة كما فَعَل وذكر فى نفس الحديث (١)، وتجديد شهادته بالنبوة (٢).
ودلَّ بمجموع (٣) هذا أن الأعمال بخواتيمها كما أشار إليه رسول الله آخر الحديث، وهذا يرجح هذا التأويل فى قوله: " حتى ما يبقى بينه وبين الجنة إلا ذراع " وذكر فى النار مثيله على من تأوَّل أن معناه: الحيف فى الوصيَّة (٤).
وذكر الذراع هنا والشبر تمثيل للقرب وسرعة اللحاق، واستعارة لذلك.
стр. 390
١٨٠ - (١١٣) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِىُّ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: " إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ، فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنَ كِنَانَتِهِ، فَنَكأهَا، فَلَمْ يَرْقَأ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ". ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إلَى الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: إى وَاللهِ، لَقَدْ حَدَّثَنِى بِهذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فىِ هذَا الْمَسْجِدِ.
١٨١ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أبى. قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِىُّ فِى هذَا الْمَسْجِدِ.
فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخْشى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجٌ " فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
ــ
ويعقوب بن عبد الرحمن القارى المذكور فى سنده مُشَدَّد الياء، منسوب [إلى القارة] (١)، قبيلة معروفة فى العرب (٢).
وقوله: " فنكأها " يقال: نكأتُ القَرحةَ مهموز: أى قشرتُها، وقوله عن ربه تعالى: " حَرَّمتُ عليه الجنة ": يحتمل أنه كان مستحلاً، أو يمنعُها حين يدخُلها السابقون والأبرار والناجون وأصحاب اليمين، حتى تنفذ فيه مشيئة ربه ويعاقبه بذنبه فى نار جهنم، أو يطيل حسابه، أو يُحبَسُ فى الأعراف.