الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا.
ــ
يذكر فى باب الحسن مكملاً مكبراً من اسمه الحسن بن الوليد. وذكر البخارى فى صحيحه فى كتاب الطلاق: الحسين بن الوليد النيسابورى، عن عبد الرحمن، عن عباس بن سهل، عن أبيه وأبى أسيد: تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شراحيل (١). كذا ذكره مكبراً، ولم أر هذا الاسم فى كتاب أبى عبد الله الحاكم لا مصغرًا ولا مكبراً، لا فيمن اتفقا عليه ولا فيمن اختلفا فيه.
стр. 3222
(٣) باب فى الأمر بالتيسير وترك التنفير
٦ - (١٧٣٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ، إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِى بَعْضِ أَمْرِهِ، قَالَ: " بَشِّرُوا وَلا تُنفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا ".
٧ - (١٧٣٣) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: " يَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاتُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلا تَخْتَلِفَا ".
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عمْرٍو. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى خَلَفٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ عَدِىٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، كِلاَهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِىَّ ﷺ ، نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ.
ــ
وقوله ﷺ لمعاذ وأبى موسى حين بعثهما إلى اليمن: " يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا ": فيه ما يجب الاقتداء به من التيسير فى الأمور، والرفق بالنَّاس، وتحبيب الإيمان إليهم، وترك الشدة والتنفير لقلوبهم، لا سيما فيمن كان قريب العهد به.
وكذلك يجب فيمن قارب حد التكليف من الأطفال ولم يتمكن رسوخ الأعمال فى قلبه ولا التمرن عليها، ألا يشدد عليه ابتداء؛ لئلا ينفر عن عمل الطاعات.
نعم، وكذلك يجب للإنسان فى نفسه فى تدريبها على الأعمال إذا صدقت إرادته ألا يبتدئها أولاً إلا بتدريج وتيسير، حتى إذا أنست بحاله ودامت عليها، ينقلها لحال آخر، وزاد عليها فى عمل أكثر من الأول، حتى يرى قدر احتمالها، ولا يكلفها ما لعلها تعجز عنه ولا يدوم عليه، فقد ذم هذا ﷺ وحض على الأحسن؛ لقوله ﷺ : " كلفوهم من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا " (١) وقد تقدم الكلام عليه.
стр. 3223
وَليْسَ فِى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ: " وَتَطَاوَعَا وَلا تَخْتَلِفَا ".
٨ - (١٧٣٤) حدَّثنا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ، عَنْ أنسٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْن أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدِ الله بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلا تُنَفِّرُوا ".
ــ
وفيه الأمر بالاتفاق، وهو فى أولى الأمر أشد، وفيمن أسند إليه أمر من الأمور وما كان، فإنه لا يتم مع اختلافهم.
وذكر مسلم فى الباب: نا محمد بن عباد، عن سفيان، عن عمرو. وهذا السند مما استدركه عليه الدارقطنى، وقال: لم يتابع ابن عباد عليه عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن أبى بردة. وقد روى عن سفيان عن معمر عن سعيد، ولا يثبت. ولم يخرجه البخارى من طريق سفيان (١).
стр. 3224
(٤) باب تحريم الغدر
٩ - (١٧٣٥) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ - يَعْنِى أَبَا قُدَامَةَ السَّرَخْسِىَّ - قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّان - كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ الله. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إِذَا جَمَعَ الله الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ ".
(...) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُويْرِيَةَ، كِلاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ.
ــ
وقوله: " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، يقال: هذه غدرة فلان "، وفى بعض طرقه: " يعرف به "، وفى آخر: " يرفع له عند استه ". وفى آخر: " بقدر غدرته، ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة ": أصل رفع اللواء للشهرة والعلامة، ولهذا قال: " لكل غادر لواء بقدر غدرته "، ولما كان الغدر مكتوماً ومستتراً به شهر به صاحبه، وكشف ستره لتتم فضيحته، ويتشنع ذلك معاقبة كما شهر امرؤ القيس فى الآخرة بلواء الشعر، وبعد ذلك فى الفخر والمجد شهرة نبينا ﷺ بلواء الحمد. واشتمل عليه عموم الحمد باسمه محمد وأحمد، فيكون من المبالغة فى حمد فعاله وخصاله، ومن المبالغة فى حمده هو نِعم ربه وثناؤه عليه، كما قال: " فاحمده بمحامد " ثم يفتح عليه فيه من المحامد ما لم يعط غيره، ويبعثه ربه المقام المحمود كما وعده، يحمده فيه الأولون والآخرون، وسمى أمته الحامدين. وفى هذا كله دليل على قبح الغدر، ووعيد شديد، لاسيما فى معاهدة العدو.
وقد رأى بعض أهل العلم الجهاد مع الولاة الظلمة، وإن جاروا ولم يقسموا الغنائم وغير ذلك؛ إذ لو ترك الجهاد معهم [لتغلب العدو، إلا إذا كانوا يعدون ويجهزون] (١) لهذا الذى قدمناه - والله أعلم - ورأى بعضهم الجهاد معهم على كل حال، وأباه بعضهم
١٦ - (...) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْمُسْتَمِرُّ بْنُ الرَّيَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلا وَلا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْراً مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ ".
ــ
وقوله: " ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة ": لأن غدره متعدٍ إلى كثرة وجماعة، بخلاف غدر الواحد للواحد. وقد يكون تعظيمه لغدر أمير العامة لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته وسلطانه على الوفاء، كما عظم فى حقه الكذب فى الحديث الآخر فى قوله: " ثلاثة لا يكلمهم الله " الحديث، وذكر منهم: " وأمير كاذب " (١)، وقد قدمنا الكلام عليه أول الكتاب، ويكون المراد يغدر أمير العامة إما للغدر فى عهده معه، أو لرعيته بخيانته لهم وقلة حوطته عليهم، وغدره لأمانتهم التى قلدها، وعهدهم الذى لزم عنقه. أو يكون المراد: أن الأمير هو المغدور، كما جاء فى الحديث الآخر فى الثلاثة الذين لا يكلمهم الله: " ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطى له ما يريد له، والا لم يف " (٢)، وعظم هذا لإخفائه؛ لأن فيه الخروج على الأئمة، وشق العصا، وإثارة الفتن.
قال الإمام: وذكر مسلم فى الباب: نا محمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد، قالا: نا عبد الرحمن بن مهدى، نا سعيد، عن خليد، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد. وقع فى نسخة الرازى: سعيد عن خالد. قال بعضهم: والصواب: " خليد " كما تقدم وهو خليد بن جعفر (٣).
стр. 3227
(٥) باب جواز الخداع فى الحرب
١٧ - (١٧٣٩) وحدّثنا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظ لِعَلِىٍّ وَزُهَيْرٍ - قَالَ عَلِىٌّ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الَآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " الْحَرْبُ خُدْعَةٌ ".
١٨ - (١٧٤٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بنُ المُبَارَك، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " الْحَرْبُ خُدْعَةٌ ".
ــ
وقوله: " الحرب خدعة "، قال القاضى: قال أهل العلم: الخداع فى الحرب جائز كيفما تمكن لهذا الحديث، إلا أن يكون بنقض عهود وأمان فلا يحل. قال الطبرى: وإنما يجوز من الكذب فى الحرب ما لا يجوز فى غيرها من المعاريض والكلام بما يحتمل الألغاز والقصد إلى الإخبار عن الشىء ما هو عليه يعنى فى ظاهره.
قال الإمام: يقال: خَدْعة، بفتح وإسكان الدال، على جهة المصدر المحدود، كضربة ونفخة. وخُدْعة، بضم الخاء وإسكان الدال، وهو اسم على تقدير لعبة، ولا يراد به المرة الواحدة كما يراد بالمصدر المحدود. وخُدَعة، بضم الخاء وفتح الدال، وهو صفة لها، ومعناها: أنها تخدع الرجال، كما يقال ضحكة للذى يضحك بالناس، وهزأة للذى يهزأ بهم.
قال القاضى: لغة النبى ﷺ " خَدعة " بالفتح، وهى أفصح اللغات. قال ثعلب: قال بعضهم: ومعناه: أنها تخدع أهلها، وصف الفاعل باسم المصدر، وقيل: ويحتمل أن يكون وصفاً للمفعول، كما قيل: درهم ضرب الأمير، أى مضروبه. وقيل: معناها المرة الواحدة، أى لا يقبل العثرة إذا اتفقت فيها الخدعة، قال: ومن قال: "خُدْعة " بالضم والسكون، إلى أنها تخدع؛ لأن أحد الفريقين إذا خدع صاحبه فيها فكأنها خدعت فيها. ومن قالها بالضم وفتح الدال فهى تخدع أهلها، أو تمنيهم الظفر أبداً، وقد تنقلب بهم الحال لغيرها.
стр. 3228
(٦) باب كراهة تمنى لقاء العدوّ، والأمر بالصبر عند اللقاء
١٩ - (١٧٤١) حدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ عَنِ المُغِيرَةِ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِىُّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " لا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ".
ــ
وقوله: " لا تمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا ": فقيل: يستفاد معنى هذا من قوله تعالى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد﴾ (١).
قال الإمام: قد يشكل فى هذا المعنى أن يقال: إذا كان الجهاد طاعة فتمنى الطاعات حسن، فكيف ينهى عنه؟ قيل: قد يكون المراد بهذا أن التمنى ربما أثار فتنة أو أدخل مضرة، إذا سهل فى ذلك واستخف به، ومن استخف بعدوه فقد أضاع الحزم. فيكون المراد بهذا: أى لا تستهينوا بالعدو فتتركوا الحذر والتحفظ على أنفسكم وعلى المسلمين، أو يكون: لا تتمنوا لقاءه على حالة يشك فى غلبته لكم، أو يخاف منه أن يستبيح الحريم، أو يذهب الأنفس والأموال، أو يدرك منه ضرر.
قال القاضى: قال بعضهم: نهى النبى ﷺ أمته عن تمنى المكاره؛ ولهذا قال السلف الصالح: العافية من الفتن والمحن لاختلاف الناس فى الصبر؛ ولهذا قال - متصلاً بقوله هذا فى الحديث: " واسألوا الله العافية ". ولذلك اختلفوا فى الدعاء إلى المبارزة، فروى عن على - رضى الله عنه - أنه قال: يا بنى، لا تدعون أحداً إلى المبارزة، ومن دعاك إليها فاخرج إليه، فإنه باغ، وقد تضمن الله نصر من بغى عليه. وقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه العلم على جواز المبارزة.
والدعوة للبراز شرط بعضهم فيها إذن الإمام، وهو قول الثورى والأوزاعى وأحمد وإسحاق. وبعضهم أجازها مطلقاً ولم يشترط فيها أمر الإمام، وهو قول مالك والشافعى. واختلف فى ذلك قول الأوزاعى. وقال الحسن: أكره المبارزة ولا أعرفها (٢). واختلفوا هل يجوز أن يعين للمبارزة غيره فى أهل العسكر على مبارزة أم لا؟
وقوله فى هذا الحديث عن النبى ﷺ : أنه كان لا يقاتل حتى تزول الشمس؛ وذلك
стр. 3229
٢٠ - (١٧٤٢) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ، عَنْ كِتَابِ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ ، يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الله بْنُ أَبِى أَوْفَى. فكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ الله، حِينَ سَارَ إِلَى الْحرُورِيَّةِ، يُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ - فِى بَعْضِ أَيَّامِهِ التىِ لَقَىِ فِيهَا الْعَدُوَّ - يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسْأَلُوا الله الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِروا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ ". ثُمَّ قَامَ النَّبِىُّ ﷺ وَقَالَ: " اللهُمَّ، مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرىَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ ".
ــ
للتمكن من القتال بوقت ألا يراد بهبوب الرياح، وأن الحرب كلها استجرت وحمى المقاتلون بحركتهم فيها ومصارعتهم، وما حملوه من سلاحهم. هبت أرواح العشى فبردت من حرهم ونشطتهم، وخففت أجسامهم، بخلاف لو اشتد عليهم التهجير وهم فى مقاستها لكسلهم وثبطهم وقطع نياطهم. وقد ذكر البخارى ذلك مبيناً، فقال: " حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات " (١). قيل: ولما فيه مع ذلك من فضل أوقات الصلوات واستجابة الدعاء فيها. قيل: بل كان يفعل ذلك لانتظار ريح الصبا وهبوبها بعد الزوال، وقد قال: " نصرت بالصبا " (٢). وجاء فى حديث آخر: أنه كان ينتظر حتى تزول الشمس وتهب رياح النصر (٣).
وقوله: " فإذا لقيتموهم فاصبروا ": حض على الصبر، وتوطن النفس فى هذا يكون الثبات ويرجى النصر، ومع الهلع تحذر اليد والرجل، ويستولى العدو. وقوله: " واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ": أى أن ثواب الله - سبحانه - حاصل على عمل الجهاد ومشى المجاهدين فيه. وعبر عن المجاهدة بالمشى تحت ظلال السيوف؛ إذ معظم الجهاد بها، ولكونها مرفوعة للضرب بها غالباً. وقيل: بل المراد بهذا الكلام: الدنو من الأقران حتى يكونوا تحت ظلال سيوفهم ولا يفرون منهم؛ لأن كل ما علاك ودنا منك فقد أظلك، وإلى نحو هذا أشار الخطابى (٤).
стр. 3230
(٧) باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدوّ
٢١ - (...) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِى أَوْفَى، قَالَ: دَعَا رَسُولُ الله ﷺ عَلَى الأَحْزَاب، فَقَالَ: " اللهُمَّ، مُنْزِل الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الأَحْزَابَ. اللهُمَّ، اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ".
٢٢ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِى خَالِدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى أَوْفَى يَقُولُ: دَعَا رَسُولُ الله ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ خَالِدٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " هَازِمَ الأَحْزَابِ " وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: " اللهُمَّ ".
(...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ
ــ
وقوله: " اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم "، وفى الحديث الآخر: " زلزلهم " معناه: أزعجهم وحركهم بشدائد ذعرك. والزلزال والزلزلة: الشدائد التى تحرك الناس، قال الله : ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا﴾ (١). فيه جواز الدعاء على المشركين والانتصار به على العدو، وقيل: الإشارة بقوله: " منزل الكتاب، سريع الحساب " فى هذا الموطن توصل منه ﷺ بما أنزل عليه من كتابه العزيز فخالفه عدوه. وسرعة الحساب إشارة إلى شدة الأخذ والبطش، كما قال: " هازم الأحزاب ".
وقوله فى هذا الحديث (٢): عن أبى النضر، عن كتاب رجل من أصحاب النبى ﷺ . قال الدارقطنى: الحديث صحيح، واتفاق البخارى ومسلم على إخراجه حجة فى جواز الإجازة والمكاتبة (٣).
قال القاضى: والى صحة الحديث والعمل بذلك ذهب كافة المحدثين والفقهاء والأصوليين. وقالت فرقة: لا تجوز الرواية به وهو خطأ. وقد كتب ﷺ إلى ملوك الأمم فكان حجة عليهم، وكتب لعماله وأمرائه فلزمهم العمل به، ولأن الثقة بالكتاب
стр. 3231
إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ فِى رِوَايَتِهِ: " مُجْرِىَ السَّحَابِ ".
٢٣ - (١٧٤٣) وحدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقُولُ يَوْم أُحُد: " اللَّهُمَّ، إِنَّكَ إِنْ تَشَأ، لا تُعْبَدْ فِى الأَرْضِ ".
ــ
كالثقة بالكلام.
وقوله: كان يقول يوم أحد: " اللهم إنك إن تشأ لا تعبد فى الأرض ": تسليم منه ﷺ لربه، ورد على علة القدرية من أن الشر غير مراد لربهم؛ وجاء هنا: أنه قال يوم أحد، والذى ذكره أهل السير وجاء بعد هذا فى مسلم: أنه ﷺ إنما قال هذا الكلام يوم بدر، وأول موطن حرب الإسلام. ويحتمل قوله لها فى الموطنين.
стр. 3232
(٨) باب تحريم قتل النساء والصبيان فى الحرب
٢٤ - (١٧٤٤) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِى بَعْض مَغَازِى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
٢٥ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدِ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِى بَعْضِ تِلْكَ المَغَازِى، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانَ.
ــ
وقوله: " نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان "، قال الإمام: تقدم الكلام فى قتل الصبيان. وأما المرأة فلا تقتل أيضاً؛ لأنها من جنس من لا يقاتل، لكنها إن قاتلت فقتلت فى حال القتال؛ لأن المعنى المبيح لقتل الرجال قد وجد منها (١). وإن كانت قاتلت ثم برد القتال ففى قتلها خلاف، بخلاف الرجل إذا برد القتال فإنه يقتل إذا شاء الإمام. وأما قتل الشيوخ والرهبان فعندنا وعند أبى حنيفة: أنهم لا يقتلون، خلافاً للشافعى (٢). وأما قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّة﴾ (٣) وهؤلاء ليسوا ممن يقاتل. وقد نبه ﷺ عن علة النهى عن قتل المرأة بأن قال ﷺ : " ما كانت هذه تقاتل " (٤). وللشافعى قوله : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُم﴾ الآيتين (٥)، وهذان مشركان. وقد قتل دريد بن الصمة وهو شيخ. وخرج النسائى وأبو داود أنه ﷺ قال: " اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم " (٦) ولأن الجزية تؤخذ منهم كما تؤخذ من الشبان، والجزية تحقن الدماء. فلولا أن دمه غير محقون
стр. 3233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما أخذت منه الجزية.
وجوابنا أن الآية مخصوصة بما قدمناه من أدلتنا، ودريد بن الصمة كان له رأى ونكاية فقتل لها، وعلى مثله يحمل ما تقدم من الجزية، الحديث. والجزية لا نسلم أنها تحقن الدماء بل عوض المسكن والقرار تحت يد الإسلام. وقد التزم أبو حنيفة أنها لا تؤخذ من الشيخ الفانى، فالانفصال ساقط عنه. فالمراد بقوله ﷺ : " شرخهم ": أى صبيانهم. وشرخ كل شىء أوله. فالصبيان أول الشباب.
قال القاضى: أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث فى ترك قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا. واختلفوا إذا قاتلوا، فجمهور العلماء كافة - من يحفظ عنه العلم منهم - أنهم إذا قاتلوا يقتلوا (١). قال الحسن: وكذلك لو خرج النساء معهم إلى بلاد الإسلام. قال الأوزاعى: وكذلك إذا كانت حارسة للعدو. ومذهبنا: أنها لا تقتل فى مثل هذا إلا إذا قاتلت. واختلف أصحابنا إذا قاتلوا ثم لم يظفر بهم إلا بعد أن برد القتال وأسروا، هل يقتلون كما يقتل الأسرى، أم لا يقتلون إلا فى نفس القتال؟ وكذلك اختلفوا إذا رموا الحجارة، هل ذلك حكم القتال بالسلاح أم لا؟
стр. 3234
(٩) باب جواز قتل النساء والصبيان فى البيات من غير تعمد
٢٦ - (١٧٤٥) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَسَعِيدُ بْن مَنْصُورٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الذَّرَارِىِّ مِنَ المُشْرِكِينَ؟ يُبَيَّتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ. فَقَالَ: " هُمْ مِنْهُمْ ".
٢٧ - (...) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
ــ
وقوله ﷺ عن الدار من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال ﷺ : " هم منهم ": كذا الرواية الصحيحة للكافة، وعند العذرى، عن " الذرارى " مكان " الدار "، وليس بشىء وهو تصحيف، وما بعده يبين فيه الغلط.
قال الإمام: المراد بقوله: " هم منهم ": أن أحكام الكبار جارية عليهم فى مثل هذا، والدار دار كفر. فكل من كان فيها منهم ومن ذراريهم. وإن اعترض هذا بالنهى عن قتل النساء والولدان، قلنا: هذا وأراد فيهم إذا لم يتميزوا فقتلوا من غير قصد لقتلهم، بل كان القصد قتل الكبار، فوقعوا فى الذرارى من غير عمد ولا معرفة، والأحاديث المتقدمة وردت فيهم إذا تميزوا. وقد قال فى هذا الحديث: " يبيتون فيصيبون من نسائهم "، وهذه إشارة إلى ما قلناه.
قال القاضى: أكثر العلماء عن الأخذ بهذا الحديث، وأنه خير معارض للنهى عن قتل النساء والصبيان والأطفال لما تقدم من العلة قبل، وأنهما أصلان يستعملان ذلك على الانفراد، وهذا على الاختلاط. وممن قال به مالك وأبو حنيفة والشافعى والثورى، ورأوا أن رميهم بالمجانيق (١).
واختلف فى رميهم فى حصونهم أو مراكبهم بالنيران وتحريقهم، فأجاز ذلك الشافعى والثورى (٢)، إلا أنه يستحب ألا يرموا بالنار ما أطيق تغليبهم بغير ذلك؛ للنهى عن التحريق، وأنه لا يعذب بالنار إلا الله وهذا مذهب مالك وعلماء المدينة،
стр. 3235
الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جِثَّامَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول اللهِ، إِنَّا نُصِيبُ فِى البَيَاتِ مِنْ ذَرَارِىِّ المُشْرِكِينَ. قَالَ: " هُمْ مِنْهُمْ ".
٢٨ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جِثَّامَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: لَوْ أَنَّ خَيْلاً أَغَارَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَأَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ المُشْرِكِينَ؟ قَالَ: " هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ ".
ــ
إلا أن يكون فيهم مسلمون فيمنعه مالك جملة (١).
واختلف أصحابنا، هل يرمون بالنار وإن كان ذراريهم فيهم ونساؤهم؟ على قولين (٢). ومعنى البيات: يبيتون، أى يؤخذون على غرة، أو بليل حيث لا يستبين الرجل من المرأة، والصغير من الكبير، ويدل عليه أنه جاء فى الحديث الآخر: " لو أن خيلاً أغارت من الليل ". والذرارى تطلقه العرب على الأولاد والعيال من النساء. وفى جواز التبييت فى هذه الأحاديث دليل على أن الدعوة ساقطة لمن بلغته، وأنه لا يلزم الدعوة فى كل قتال.
стр. 3236
(١٠) باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها
٢٩ - (١٧٤٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِى النَّضِيرِ، وَقَطَعَ وَهِىَ البُويْرَةُ.
زَادَ قُتَيْبَةُ وابْنُ رُمْحٍ فِى حَدِيثِهِمَا: فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِين﴾ (١).
٣٠ - (...) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِى النَّضِيرِ، وَحَرَّقَ. وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِى لُؤَئٍّ ... حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
وَفِى ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ الآيَةَ.
٣١ - (...) وحدَّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، أَخْبَرَنِى عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونِىُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَخْلَ بَنِى النَّضِير.
ــ
وقوله: " حرق نخل بنى النضير وقطع، وهى النويرة، فأنزل الله : ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾ الآية "، قال الإمام: من الناس من تأول أن ذلك [كان] (٢) مقاتل [المسلمين] (٣) القوم، فاحتاج إليه لجولان الخيل، وهذا تأويل من لم ير قطع الشجر على ظاهر ما وقع للصديق - رضى الله عنه. والمشهور من مذهبنا جواز قطعها إذا لم يُرْجَ مصيرها للمسلمين، وكان قطعها يضر بالعدو ويؤذيه.
قال القاضى: يجوز ذلك، وبمثل مذهب مالك قال جماعة من العلماء؛ أبو حنيفة والثورى والشافعى [وأحمد واسحاق] (٤). واختلف فى ذلك عن الأوزاعى، وبمنع ذلك
стр. 3237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الليث بن سعد وأبو ثور، وتأول الجمهور [الحديث] (١) للنهى، أى بعد وعد النبى ﷺ مصير ذلك للمسلمين. واللينة: أنواع التمر كلها إلا العجوة، وقيل: كرام النخل، وقيل: كل نخل، وقيل: الأشجار للينها. والبويرة المذكورة فى شعر حسان من جلاء بنى النضير. مستطير منتشر.
стр. 3238
(١١) باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة
٣٢ - (١٧٤٧) وحدَّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هَرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : " غَزَا نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءَ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لا يَتْبَعَنِى رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِىَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ، وَلا آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَانًا وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا، وَلا آخَرُ قَدِ اشتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلادَهَا ". قَالَ: " فَغَزَا، فَأَدْنَى لِلْقَرْيَة حِينَ صَلاةِ العَصْرِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَمْسِ: أَنْتِ مَأمُورَةُ وَأَنَا مَأمُورٌ. اللَّهُمَّ، احْبِسْهَا
ــ
ذكر مسلم فى حديث: أن نبيًّا من الأنبياء غزا فقال: " لا يتبعنى رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبنى (١) بها أمره ولم يبن بها، ولا آخر بنى داراً ولم يرفع سقفها، ولا آخر اشترى غنماً أو خلفات وهو منتظر ولادَهَا ": البضع، بضم الباء، كناية عن الفرج، فيه تحضيض أولى الحزم وفراغ البال بالأمور المهمات، وألاّ تُناط بمن باله متعلق بغيرها، ونفسه مائلة لسواها، فإن ذلك يضعف جدَّه (٢) ويوهن عزمه. والخلفات: الحوامل.
ما ذكر من حبس الشمس عليه ودعائه بذلك حتى فتح الله - صبحانه - القرية قيل: ردت على أدراجها، وقيل: أوقفت ولم ترد، وقيل: بطئ بحركتها، وذلك كله من علامات النبوة وخصائص كراماتها. ويقال: إن الذى حبست عليه الشمس هو يوشع بن نون - والله أعلم. وقد روى أن هذه الآية كانت لنبينا أيضاً ﷺ فى موطنين: أحدهما: فى حفر الخندق، وحين شغلوا عن صلاة العصر حتى غابت الشمس، فردها الله تعالى عليه حتى صلى العصر، ذكر ذلك الطحاوى، وقال: إن رواته ثقات. والثانية: صبيحة الإسراء، حين انتظر العير التى أخبر بوصولها مع شروق الشمس، ذكره يونس بن بكير فى زيادته فى سير ابن إسحاق.
[وقوله: " فلما أدنى للقرية ": هكذا فى جميع النسخ رباعى، فإما أن يكون تعدية دنا أى قرب، فمعناه: أدنا جيوشه وجموعه لها، أو يكون أدنى هنا بمعنى حان، أى قرب
стр. 3239
عَلَىَّ شَيْئًا، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ ". قَالَ: " فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا، فَأَقْبَلَتِ النَّارُ لِتَأكُلَهُ، فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ. فَقَالَ: فِيكُمْ غُلُولٌ، فَلْيُبَايعْنِى مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ. فَبَايَعُوهُ. فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بيَدِهِ. فَقَالَ: فِيكُمْ الغُلُولُ، فَلتُبَايعْنِى قَبِيلَتُكَ، فَبَايَعَتْهُ ". قَالَ: " فَلَصِقَتْ بِيَدِ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ. فَقَالَ: فِيكُمْ الغُلُولُ، أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ ". قَالَ:" فَأَخْرَجُوا لَهُ مِثْلَ رَأسِ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ ". قَالَ: " فَوَضَعُوهُ فِى المَالِ وَهُوَ بِالصَّعِيدِ، فَأَقْبَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ، فَلَمْ تَحِلَّ الغَنَائِمُ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا، ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ ﵎ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنا، فَطَيَّبهَا لَنَا ".
ــ
وحان فتحها، من قولهم: أدنت الناقة: إذا حان نتاجها. ولم يقل فى غير الناقة] (١). وما ذكره فى الخبر: " فيكم غلول " وأمره أن يبايعه من كل قبيلة رجل، فلصقت يده بيد رجلين أو ثلاثة، فقال: " فيكم غلول " من دلائل النبوة وخصائصها، وفيه معاقبة الجماعة بفعل سفهائها، وأن من فعل الإنسان ما يكون بوحى ومعجزة مثل هذا، أو مثل قصة البقرة، ومنها ما هو بالاجتهاد وأجزأ الأمور على ظواهرها لغيرهم، وفيه كل تعظيم لأمر الغلول.
وقوله: " فوضعوه فى المال وهو بالصعيد ": أى بوجه الأرض.
وقوله: " فأقبلت النار فأكلته، ولم تحل الغنائم لأحدٍ قبلنا ": بيان ما خصت به هذه الأمة من حل الغنائم، وقيل: إنما كانت لجمع، فتأتى نار من السماء فتأكلها، وكذلك كان أمر قربانهم إذا تقبل، وجاءت نار من السماء فأكلته.
стр. 3240
(١٢) باب الأنفال
٣٣ - (١٧٤٨) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سماكٍ، عَنْ مُصْعَبِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: أَخَذَ أَبِى مِنَ الخُمْسِ سَيْفًا، فَأَتَى بِهِ النَّبِىَّ ﷺ ، فَقَالَ: هَبْ لِى هَذَا. فَأَبَى، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ (١).
٣٤ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ المُثَنَّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ
ــ
وقوله فى حديث مصعب بن سعد عن أبيه: " أخذ أبى من الخمس شيئاً "، وفى الحديث الآخر: " سيفاً " (٢)، فأتى به النبى ﷺ فقال: هب لى هذا، فأبى فأنزل الله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَال﴾ " الآية، وفى الرواية الأخرى: فقلت: نَفِّلْنيه، فقال: " ضعه من حيث أخذته "، فقلت: يا رسول الله، أأجعل كمن لا غناء له فقال: " ضعه من حيث أخذته " فنزلت الآية: فيه حجة ألا نفل إلا من الخمس، وأن أخذ سعد هذا كان قبل الخمس، ألا تراه كيف قال: " ضعه من حيث أخذته "، ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول حكم الغنائم وتحليلها والحكم فيها، وهو الأظهر والصواب وعليه يدل الحديث. وقد روى فى تمامه ما يبينه من قول النبى ﷺ لسعد بعد نزول الآية: " خذ سيفك، إنك سألتنيه وليس لى ولا لك، وقد جعله الله لى وجعلته لك "، ويحتمل أن يكون بعد بيان الخمس وقبل القسمة. وهذا على الخلاف فى هذه الآية، هل هى محكمة أو منسوخة؟ فقيل: هى منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْء﴾ الآية (٣)، وأن مقتضى آية الأنفال الأولى والمراد بها: أن الغنائم كانت للنبى ﷺ خاصة كلها، ثم جعل أربعة أخماسها للغانمين بالآية الأخرى، وهو قول ابن عباس وجماعة، وقيل: هى محكمة، وللإمام أن ينفل من الغنائم ما شاء لمن شاء لما يراه منه، وروى هذا عن ابن عباس أيضاً،
стр. 3241
أَبِيهِ. قَالَ: نَزَلَتْ فِىَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ، أَصَبْتُ سَيْفًا فَأَتَى بهِ النَّبِىَّ ﷺ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَفِّلْنِيهِ. فَقَالَ: " ضَعْهُ "، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ . " ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ "، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: نَفِّلْنِيهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَال: " ضَعْهُ "، فَقَامَ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، نَفِّلْنِيهِ. أَأُجْعَلُ كَمَنْ لا غَنَاءَ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ (١).
٣٥ - (١٧٤٩) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِىُّ ﷺ سَرِيَّةً، وَأَنَا فِيهِمْ، قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلاً كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثَنَا عَشَرَ بَعِيرًا، أَوْ أحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا.
ــ
وقيل: هى محكمة مخصوصة فيمن ضد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو أمة أو دابة وشبهها، وهو قول عطاء والحسن، وقيل: هى محكمة مخصوصة أيضاً والمراد بها أنفال السرايا (٢).
وقوله: " نزلت فى أربع آيات " ولم يذكر منها هنا غير واحدة فى هذا الحديث، وقد جاءت الآيات الأربع مذكورة في كتاب مسلم بعد هذا فىِ كتاب الفضائل وقصصها: آية بر الوالدين وتحريم الخمر: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي﴾ الآية (٣)، وآية الأنفال (٤).
وقوله: " بعث النبى ﷺ سرية قبل نجد فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سهمانهم اثنا عشر أو أحد عشر بعيراً، ونُفِّلوا بعيراً بعيراً "، قال الإمام: النفل عندنا من الخمس يفعله الإمام على حسب الاجتهاد، وعند المخالف أنه من رأس الغنيمة قبل الخمس.
قال القاضى: حكى منذر بن سعيد عن مالك؛ أن الأنفال من خمس الخمس.
قال القاضى: وهو قول ابن المسيب والشافعى وأبى حنيفة والطبرى، والمعروف عن مالك ما تقدم من أنه لا نفل إلا بعد القسم من الخمس. وأجاز الشافعى النفل قبل إحراز الغنيمة وبعدها، وهو قول أبى ثور والأوزاعى وأحمد والحسن البصرى وجماعة (٥). وقد اختلف فى نفل ابن عمر هذا، هل كان قبل القسم أو بعده؟ واختلفت الآثار فى ذلك. وفى مسلم ما يدل أنه بعد القسم من الخمس نص فى أحاديث ذكرها، وأيضاً فإن قوله: " نفلوا
стр. 3242
٣٦ - (...) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، وَفِيهِمُ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَّ سُهْمَانَهُمْ بَلَغَتِ اثَنَىْ عَشَرَ بَعِيراً، وَنُفِّلُوا، سِوَى ذَلِكَ، بَعِيرًا، فَلَمْ يُغَيِّرْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
٣٧ - (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى نَجْدٍ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَأَصَبْنَا إِبِلاً وَغَنَمًا، فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا، اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعِيرًا، بَعِيرًا.
ــ
بعيراً بعيراً " لو كان من المغنم نفسه لم يكن لهذا القول معنى بعد ذكره ما حصل لهم فى القسم، ولكان الكلام مختل اللفظ. ورواية مالك ومن تابعه من الحفاظ أنه كان من الخمس بعد القسم.
وقال أبو عمر: النفل على ثلاثة اْوجه:
أن يريد الإمام تفضيل بعض الجيش لعنائه وبلائه، فينفله من الخمس، بل استحبه بعضهم من خمس الخميس المختص بالنبى ﷺ .
والثانى: أن يبعث الإمام سرية من العسكر فينفلها مما غنمت دون العسكر، فحقه أن يخمس ما غنمت ثم يعطى السرية مما بقى بعد الخمس ما شاء ولا يزيد على الثلث؛ لأنه أقصى ما روى أن النبى ﷺ نفل، ويقسم الباقى بين جميع أهل العسكر والسرية على السواء. الثالث: أن يحرض الإمام أهل العسكر على القتال قبل لقاء العدو، وينفل من شاء منهم أو جميعهم مما يفتح الله سبحانه عليهم الربع أو الثلث قبل القسمة. وكره مالك هذا لخبث النية بسببه، وقد أجازه بعض السلف. وأجاز النخعى وبعض العلماء أن تنفل السرية جميع ما غنمت والكافة على خلاف ذلك.
وقوله فى حديث ابن عمر، وفى بعض الروايات: " فبلغت سهماننا اثنى عشر بعيراً " بين أنه نصيب كل واحد منهم، ورافع لشك الراوى ورافع لاحتمال من قال: يحتمل أن جميع الغنيمة كانت اثنى عشر، كما قال بعضهم. وهذا بعيد؛ لأنه لو كان هذا جملة السهام غير الخمس كان خمسها وهو مثل ربع السهام ثلاثة أبعرة. وقد قال فى الحديث: " وقد نفلوا بعيراً بعيراً " فيأتى من هذا أن السرية كانت ثلاثة بعد استيفاء الخمس فى النفل، وهذا بعيد أن يكون بسرية النبى ﷺ إلى نجد هذا العدد، لاسيما وقد قال فى الحديث: " فأصبنا
стр. 3243
(...) وحدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ القَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(...) وحدَّثناه أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ النَّفَلِ؟ فكتب إِلَىَّ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ فِى سَرِيَّةٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى مُوسَى. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
ــ
إبلاً كثيرة "، ولايقال فى خمسة عشر: كثيرة.
وأيضاً فإن هذه السرية إنما توجهت من جيش وإنما كان الاثنى عشر بعيراً سهماً لكل واحد من أهل الجيش، ونفل أصحاب السرية بعيراً بعيراً. كذا جاء مفسراً فى روايات أبى داود وغيره (١)، الحديث فى بعض روايات مسلم: " ونفلوا بعيراً، فلم يغيره رسول الله ﷺ . بيانه ما جاء فى رواية أبى إسحاق فى كتاب أبى داود: " فنفلنا أميرنا بعيراً بعيراً، فما عاب علينا ذلك رسول الله ﷺ "، ويجمع بين هذا وبين رواية من روى: " نفلنا رسول الله ﷺ "، أى أجاز ما فعل وأمضاه. ويرد هذه الرواية قوله: " ونفلوا " فى رواية مالك وغيره. وقد قال بعضهم: إنما النفل فى السرايا كما جاء فى حديث ابن عمر أنه فى سرية.
والأنفال: الغنائم. قال صاحب العين: والأنفال: العطايا، وأصل النفل العطية تطوعاً والزيادة على الواجب. ومذهب الشافعى والشاميين أن النفل من جميع الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو قول إسحاق وأحمد وأبى عبيدة وما بقى للغانمين (٢).
وفيه من الفقه: إخراج السرايا، وأن ما غنمت يدخل فيه الجيش الذى خرجت السرية منه، وجواز النفل من الخمس أو من الغنيمة على اختلاف الآثار فى ذلك وماتقدم فى هذا الحديث، وأن الأصح أنه من الخمس، وتحريض الجيش على الاقدام والضرب على ما فعله من الإرضاخ لهم من ذلك.
واختلفوا هل النفل من جميع الغنائم أو فى أولها؟ فذهب الأوزاعى وسليمان بن
стр. 3244
٣٨ - (١٧٥٠) وحدَّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ - وَاللَّفْظُ لِسُرَيْجٍ - قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: نَفَّلَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفَلاً سِوَى نَصِيبِنَا مِنَ الخُمْسِ، فَأَصَابَنِى شَارِفٌ - وَالشَّارِفُ المُسِنُّ الكَبِيرُ.
٣٩ - (...) وحدَّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كِلاهُمَا عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: بَلَغَنِى عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَفَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً. بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ رَجَاءٍ.
٤٠ - (...) وحدَّثنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى، قَالَ: حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الجَيْشِ، وَالخُمْسُ فِى ذَلِكَ، وَاجِبٌ، كُلِّهِ.
ــ
موسى والشاميون إلى أنه لا نفل فى أول مغنم، ولا فى ذهب ولا فى فضة، وعامة الفقهاء على أنه جائز فى أول مغنم، وغيره فى الذهب والفضة.
وقوله: " فاصابنى شارف ": والشارف: المسن الكبير. وكذا قال فى الأم، وتمامه من النوق، لايقال ذلك للذكران، والشارف المسنة الكبيرة، إلا أن يريد بقوله: المسن الكبير: البعير؛ لأنه ينطبق على الذكر والأنثى، فذكر الوصف على اللفظ حديث أبى قتادة.
стр. 3245
(١٣) باب استحقاق القاتل سلب القتيل
٤١ - (١٧٥١) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْن أَفْلَحَ، عَنْ أَبِى مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِىِّ - وَكَانَ جَلِيسًا لأَبِى قَتَادَةَ - قَالَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ. وَاقْتَصَّ الحَدِيثَ.
(...) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِى قتَادَةَ؛ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ. وَسَاقَ الحَدِيثَ.
(...) وحدَّثنا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِى مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنِ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ. قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنَ المُشْرِكِينَ قَدْ عَلا رَجُلاً مِنَ المُسْلِمينَ، فَاسْتَدَرْتُ إِلِيْهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِة، وَأَقْبَلَ عَلَىَّ فَضَمَّنِى ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ المَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ المَوْتُ، فَأَرْسَلَنِى. فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلْتُ: أَمْرُ اللهِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسِ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً، لَهُ عَلَيْهِ بِيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ ". قَالَ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ
ــ
وقوله ﷺ : " من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه "، قال الإمام: اختلف الناس فى السلب، فقالت طائفة: هو للقاتل، أخذاً بظاهر هذا الحديث، فجعله بعضهم له على الإطلاق. واشترط الشافعى أن يقتله فى حومة القتال، ومقبلاً غير مدبر. ومذهب مالك أنه لا يكون للقاتل ضربة لازم ولكن للإمام أن ينفّله إياه إذا بردت الغنيمة من الخُمس (١)، وحمل قوله ﷺ : " من قتل قتيلاً " على أن المراد به ابتداء إعطاء الآن، لا خبر عن حكم حَكم الله تعالى به فى هذه الوقعة وفى غيرها، كما يحمله المخالف عليه، واللفظ يحتمل أن يقال خيراً عن الحكم فى سائر الوقائع، واستئاف حكم فى هذه الوقعة وخبراً عن التزام ما لا يلزم، وإذا احتمل سقط التعلق به.
وقال أصحابنا: مما يؤكد تأويلنا أنه أعطاه أبا قتادة من غير بينة ولم يحلفه، مع
стр. 3246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شهادة من هو فى يديه، ولو كان حقاً تستحق المطالبة به لم يعط إلا ببينة لحق أهل الجيش فى المغنم، ولكن لما كان من الخمس على جهة الاجتهاد أداه ﷺ اجتهاده إلى إعطائه إياه على هذه الصفة. وقد أعطى سلب أبى جهل أحد قاتليه مع قوله ﷺ : " كلاكما قتله "، وهذا لا يصح إلا على مذهبنا أنه يصرفه حيث شاء، وقد كانت وقائع لم يعط فيها السلب للقاتلين، وقد قال عز من قائل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول﴾ (١)، فعم السلب وغيره.
قال القاضى: واختلف العلماء فى حمل هذا اللفظ على العموم والخصوص، فحمله بعضهم على العموم فيمن يسهم له ومن لا يسهم له، رجلاً كان أو امرأة أو صبياً، وهو أحد قولى الشافعى. وعندنا أنه لا يستحق إلا من يقاتل، وقاله الشافعى مرة. وقال الليث والشافعى والأوزاعى وأحمد وإسحاق والطبرى والثورى وأبو ثور: السلب للقاتل على كل حال، قاله الأمراء ولم يقله، وهى قضية من رسول الله ﷺ ، إلا أن الشافعى اشترط أن يقتله مقبلاً، والأوزاعى اشترط أن الحرب إذا التحمت فلا سلب حينئذ لقاتل وإنما ذلك قبل التحامها، وهو مذهب الشاميين، وغيرهم لا يشترطون شيئاً، ويرون ذلك لكل قاتل فى معركة أو غيرها، قتل مقبلاً أو مدبراً. وذهب مالك وأبو حنيفة والثورى أنه ليس بحق للقاتل وأنه غنيمة الجيش، إلا أن يجعل الأمير ذلك للقاتل (٢).
واختلفوا فى تخميسه فقال مالك والأوزاعى ومكحول: يخمس، وقاله إسحاق إذا كثر، ونحوه عن عمرو. قال الشافعى: يخمس، وقاله أحمد والطبرى وحكى ابن خويزمنداد عن مالك أن الإمام مخير بالاجتهاد فيه، إن شاء خمسه وإن شاء لم يخمسه (٣). واختاره إسماعيل القاضى.
واختلفوا ما هو السلب الذى يستحق القاتل، فقيل: فرسه الذى يركبه وكل شىء عليه من لبوس وسلاح وآلة له ولفرسه ولسلاحه؛ كالشوكار والمنطقة والسوار والخاتم والطوق والتاج واللجام والسرج وإن كان فيها الذهب والفضة والجوهر، وهذا مذهب الأوزاعى، وبه قال ابن حبيب من أصحابنا، وبه عمل جماعة من الصحابة، ونحوه مذهب الشافعى، إلا أنه تردد فى السوارين والحلية وما فى معناها من غير حلية الحرب. ومذهب ابن عباس: الفرس والسيف والدرع والرمح وفى معناه السلاح، وهو معنى مذهب مالك. وذهب سحنون إلى نحو مذهب الشافعى من الفرس واللباس والسلاح، وحلية السلاح دون حلية الحرب، ولم ير أحمد الفرس من النفل ووقف فى السيف وشذ فى هذا، ورأى ابن حبيب
стр. 3247
لِى؟ ثُمَّ جَلَسْتُ. ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِى؟ ثُمَّ جَلَسْتُ. ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ، الثَّالِثَةَ. فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَالَكَ؟ يَا أَبَا قَتَادَةَ! "، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللهِ، سَلَبُ ذَلِكَ القَتِيلِ عِنْدِى، فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لاهَا اللهِ، إِذًا لا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيَعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " صَدَقَ، فَأَعِطِهِ إِيَّاهُ "،
ــ
من أصحابنا ما فى منطقته من دنانير ودراهم لنفقة داخلة فى السلب، ولم ير ذلك الأوزاعى ولا غيره. وللشافعى قولان فيما وجد فى عسكر العدو من أموال المقتول، هل هو من سلبه أم لا؟
واحتج مخالفنا بقوله فى هذا الحديث: " من قتل قتيلاً له عليه بينة " (١). وقالوا: لا يستحق السلب القاتل إلا بالبينة أو شاهد ويمين، وهو قول الشافعى والليث وبعض أصحاب الحديث. وقال الأوزاعى: يعطى بقوله ولا يحتاج إلى بينة، وهو قول المالكية (٢)، وحجتهم فى هذا الحديث: أن النبى ﷺ أعطاه بشاهد واحد ولم يحلفه معه، وأنه لم يرد ﷺ البينة وإنما أراد أن يعلم ذلك، ونحو هذا الليث أيضاً، وأنهم عندهم باب خبر لا باب شهادة.
وأجاب المخالف بان النبى ﷺ إنما أعطاه أبا قتادة بإقرار الذى حازه لنفسه، ولقول أبى بكر - رضى الله عنه - ما قال، فحصل شاهدان له واعتراف الذى فى يديه الشىء يكفى. وهذا لا حجة فيه؛ لأن أبا بكر لم يشهد إنما رد قوله بما قاله، ولأن المقر إنما ينفع إقراره لغيره بخلاف مالك لغيره فيه، وإنما النزاع فيه بينه وبين المقولة، وهذا السلب ملكه صحيح لجميع الجيش حتى يثبت لقاتل صاحبه.
قالوا: وفى هذا الحديث من الفقه من الحديث جواز كلام الوزير والمستناب عن الأمير وغيره، ممن يتقدمه بما يعلمه من جواب الأمير ومقدمة قبل كلامه؛ لقول أبى بكر - رضى الله عنه -: " لاها الله، إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه ". ومعنى قوله: " يقاتل عن الله ورسوله " أى: لتكون كلمة الله وكلمة رسوله هى العليا. فيه حجة أن من قاتل فى الجيش من أهل الذمة وقثل قتيلاً فلا سلب له.
وقوله: " فيعطيك سلبه ": مما قد يحتج به المخالف باستحقاقه السلب بإضافته إليه،
стр. 3248
فَأَعْطَانِى. قَالَ: فَبعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرِفًا فِى بَنِى سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِى الإِسْلامِ.
ــ
ولا حجة له إنما استحق بقوله ﷺ : " فله سلبه " وتسويغه له ذلك. وقول أبى بكر - رضى الله عنه -: " لاها الله إذاً ": قال الإمام: هكذا روى، وصحيحه عند أهل اللغة: لاها (١) الله ذا، بغير ألف قبل الذال، و " ها " بمعنى الواو التى للقسم، فكأنه قال: والله ذا. وفى الكلام حذف تقديره: لا والله يكون ذا يمينى وذا قسمى. وقال أبو زيد: " ذا " صلة فى الكلام، وقد تقدم الكلام عليه فى حديث بريرة.
وقوله: " فابتعت به مخرفاً "، قال الإمام: المخرف، بفتح الميم والراء: البستان، والمخرف، بكسر الميم وبفتح الراء: الوعاء الذى يجعل فيه ما يخترف من الثمار. قال القاضى: رويناه بفتح الميم وبكسرها، فمن كسرها جعله مثل مربد، ومن فتحه جعله مثل مضرب. ورويناه - أيضاً - بفتح الميم وكسر الراء، كما قالوا: مَسْكِن ومَسْجِد ومَسْجَد ومَسْكَن. وقيل: المخرف: السكة من النخل هل يكون صغيرة تخترف من أيها شاء، أى يجتنى. قال أبو عبيدة: والمخرف: التمر الذى يجتنى. وأنكره عليه ابن قتيبة، وقال: إنما هى النخل، وأما التمر نفسه فمخروف. قال ابن وهب: هى الجنينة الصغيرة، وقال غيره: هى النخلات غير الكثيرة، وقال غيره: هو ما يجتنى. وقال أبو عبيد: يقال للنخل نفسه: مخرف. وقال الأصمعى: المخرف: جنى النخل؛ لأنه يخترف منها، أى يجتنى. وفيه حجة أن التمر من الفاكهة؛ لأن الخرفة الفاكهة. فمن حلف ألا يأكل فاكهة فأكل تمراً حنث، إلا أن تكون له نية أو عرف استعمال عندهم.
قال الإمام: وقوله: " إنه لأول مال تَأَثَّلْتُهُ ": أى تأصلته. وأثلة الشىء: أصله.
قال القاضى: وبقى فى هذا الحديث ألفاظ؛ منها: قوله: " فكانت للمسلمين جولة "، يريد انهزاماً وخفة ذهبوا معها، وهذا إنما كان فى مقدمة الجيش دون النبى ﷺ . والخبر بذلك معلوم، وسيأتى فى حديث يوم حنين. وقد ذكر بعض علمائنا الإجماع أنه لا يجوز أن يقال: إن النبى ﷺ انهزم أو هزم، ولم ير واحد قط فى حقه ذلك ﷺ ، بل خلافه فى الثبات والإقدام.
وقوله: " فرأيت رجلاً قد علا رجلاً من المسلمين ": يحتمل أنه ظهر عليه وأشرف على قتله أو صرعه وجلس عليه ليقتله.
стр. 3249
وَفِى حَدِيثِ اللَّيْثِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلا، لا يُعْطِيهِ أُضَيْبِعَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَدَعُ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللهِ.
وَفَى حَدِيثِ اللَّيْثِ: لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ.
٤٢ - (١٧٥٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ المَاجِشُونِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِى الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِى وَشَمَالِى، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلامَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ، حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا. فَغَمزَنِى
ــ
وقوله: " فضربته على [حبل] (١) عاتقه ": قيل: هو موضع الرداء من العنق. قال الخطابى: هو وصل ما بين العنق والكاهل (٢). وقيل: الحبل: الوريد نفسه. والوريد عرق بين الحلقوم والعلباوين، قال الله : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد﴾ (٣).
وقوله: " فضمنى ضمة وجدت منها ريح الموت ": أى شدته وألمه، ويحتمل أن يكون استعارة لمقاربته لما يجد من الموت؛ لأنه من شىء وجد ريحه، ومن بعد عنه لم يجده.
وقوله فى حديث الليث: " كلا، لا يعطيه أصيبغ من قريش " كذا عند السمرقندى بالصاد المهملة والغين المعجمة. قيل: كان حقره وذمه بسواد لونه، وقيل: أى ذا لون غير محمود، وقيل: وصفه بالمهانة والضعف. قال الخطابى: والأصيبغ نوع من الطير. قال: وقد يجوز أن يشبهه بنبات ضعيف يقال له: الصيبغا، أول ما يطلع من الأرض فيكون ما يلى الشمس منه أصفر (٤). قال الهروى: الطاقة من النبت أول ما يخرج يكون صبغاً، ما يلى الشمس من أعاليها أخضر.
قال القاضى: الأشبه على هذا أن يسمى به لتغير لونه لا لضعفه أو بهما. وعند سائر الرواة " أضيبع " بضاد معجمة وعين مهملة. وكذلك اختلف فيه رواة البخارى أيضاً (٥). قيل: هو تصغير ضبع على غير قياس، كأنه لما وصف الآخر بالأسد صغر هذا بالأضافة إليه. وشبهه بالضبع لضعف افتراسها وما توصف من الحمق والعجز.
وقوله: " بينما أنا واقف فى الصف يوم بدر، نظرت عن يمينى فإذا أنا بين غلامين
стр. 3250
أحَدُهُمَا. فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرف أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، ومَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِى؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لاَ يُفَارِقُ سَوَادِى سَوَادَهُ، حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا. قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلكَ. فَغَمَزَنِى الآخَرُ فَقَالَ مِثْلَهَا. قَالَ: فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَىَ أَبِى جَهْلٍ يَزُولُ. فِى النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِى تَسْأَلانِ عَنْهُ. قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، حَتَّى قَتَلاهُ. ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَاهُ. فَقَالَ: " أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ "، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا
ــ
من الأوس، فتمنيت لو كنت بين أضلع منهما ": لا أعلمه وقع فى كتاب مسلم فى جميع النسخ إلا هكذا، ووقع فى بعض روايات البخارى: " أصلح " (١) بالحاء، وهكذا رواه مسلم دون رواية جماعة من الحفاظ " أضلع " وهو أصوب.
قال الإمام: كذا وقع فى بعض الروايات - يعنى أضلع - والأشبه أحد، أراد به: لو كنت بين رجلين أقوى منهما. ويقال للرجل الشديد الخلق: إنه لضليع [الخلق] (٢) وفى حديث على - رضى الله عنه - فى وصف النبى ﷺ : كما حمل فاضطلع بأمرك. هو افتعل من الضلاعة وهى القوة، ويقال: هو مضطلع عليه، أى قوى عليه، وقد تقدم ذكر السلب قبل هذا.
قال القاضى: وقوله: " لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الأعجل منا ": أى شخصى شخصه. والشخص يسمى سواداً، وفى الحديث: " أنت السواد الذى رأيت أمامى " (٣).
وقوله: " حتى يموت الأعجل منا " قيل: هو شىء استعمل فى كلام العرب، كأنه يريد الأعجل أجلاً والأقرب موتاً.
وقوله: " فلم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل يزول فى الناس ": كذا روايتنا عن كافة شيوخنا فى الكتاب وعند بعضهم عن ابن ماهان: " يرفل "، والرواية الأولى أظهر وأوجه. ومعنى " يزول ": أى يتحرك ويترجح ولا يستقر على حال ولا فى مكان. والزوال الزمام والقلق ويصححه رواية من رواه: " يرقل " إن صحت، أى يسبل ثيابه أو درعه ويجرها. ومعنى " لم أنتشب ": لم يطل الاْمر، أى لم أشتغل بشىء ولم يشغلنى وهو استعارة لمن تعلق بشىء، يقال: نشب فيه.
стр. 3251
قَتَلْتُ. فَقَالَ: " هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ " قَالا: لا. فَنَظَرَ فِى السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: " كِلاكُمَا قَتَلَهُ "
ــ
وقول النبى ﷺ لهما: " أيكما قتله؟ " فقال: كلنا قتله، فقال: " هل مسحتما سيفيكما؟ ": قالا: لا، فنظر فى السيفين فقال: " كلاكما قتله "، وقضى بسلبه لمعاذ ابن عمرو بن الجموح. قال ابن القصار وغيره: لما خص النبى ﷺ به أحدهما بعد قوله: " كلاكما قتله " علم على أن السلب غير مستحق للقاتل إذ يعطيه الإمام.
وقد اختلفوا فى الرجلين إذا قتلا قتيلاً، لمن سلبه؟ فقيل: ذلك لمن أجهز عليه إذا كان يقدر على التخلص من ضرب الأول، وإن كان لا يمتنع فلمن أثخنه، كما لو قطع الأول يديه ورجليه وقتله الآخر فالسلب للأول، وهذا مذهب الشافعى (١). ولو جرحه الأول عنده وأثخنه بذلك وذبحه الآخر كان للآخر، ولو عانقه الأول فقتله الآخر فللآخر سلبه. وقال الأوزاعى (٢): [سلبه] (٣) للمعانق. وقال مكحول: إذا قتله الأول وأجهز عليه الآخر فالسلب للأول.
ولم أجدهم يختلفون لو كانا مشتركين فيه على سواء أنه بينهما على السواء، فقال أصحاب الشافعى فى هذا الحديث: إنما خص النبى ﷺ به أحدهما لأنه استطاب نفس الآخر، وليس فى الحديث ما يدل عليه، وهذا تحكم. وقد قال بعضهم: بل كان هو الذى أثخنه، وإنما قال: " كلاكما قتله " تطييباً لنفس الآخر إذ كان شاركه فيه بعض المشاركة. وهذا أيضاً لا دليل عليه؛ لأن النبى ﷺ حين نظر إلى سيفيهما قال لهما: " كلاكما قتله " ونظره ليرى فى ذلك دليلاً يرجح به جهة القاتل، من أثر طعام أو مبلغ الدم وشبهه.
وهذا كله مع تسليمنا أصل المسألة لهم فى هذا الحديث، إذ لم يكن من النبى ﷺ فى ذلك عهد، والا فعل ما قد ورد فى رواية أصحاب السير وغيرهم؛ أن النبى ﷺ قال يوم بدر: " من قتل قتيلاً فله سلبه "، كما قال يوم حنين، فإنما أخذها من أخذها فى اليومين بأمر النبى ﷺ وإذنه، ولو كان هذا حكماً منه تمليكاً لازماً فيما مضى ويأتى لما اختلف الصحابة بعده فى ذلك والخلفاء، وأخذوا باجتهادهم فى ذلك.
فإن صح أن النبى ﷺ قال ذلك فتخصيص النبى ﷺ معاذاً به مع قوله: " كلاكما قتله " إما لأنه رجح فى نظره إلى السيفين أن معاذاً هو الذى أجهز عليه، أو يقدر على مقاتلته، أو يكون باجتهاده ﷺ بحسب ما علم من نجدة معاذ وإقدامه، ويكون الآخر كالمعين له إن كان لم يقل ذلك.
стр. 3252
وقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ - وَالرَّجُلانِ: مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ وَمُعَاذُ بْنِ عَفْرَاءَ.
٤٣ - (١٧٥٣) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِك، قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلاً مِنَ العَدُوِّ، فَأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ - وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ - فَأَتَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لِخَالدِ: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟ ". قَالَ: اسْتَكْثَرْتُهُ، يَا رَسُولِ اللهِ. قَالَ: " ادْفَعْهُ إِلَيْهِ "، فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوْفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ. ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتُغْضِبَ. فَقَالَ: " لا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، لا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ. هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِى أُمَرَائِى؟ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اُسْتُرْعِىَ إِبِلاً أَوْ غَنَمًا فَرَعَاهَا، ثُمَّ
ــ
وقوله آخر الحديث: " والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ": كذا فى كتاب مسلم وكتاب البخارى من طريق يوسف بن الماجشون (١). وقد جاء فى البخارى - أيضاً - فى حديث إبراهيم بن سعد؛ أن الذى ضربه ابنا عفراء (٢). وذكره - أيضاً - من حديث ابن مسعود، وأن ابنا عفراء ضرباه حتى برد (٣). وذكر ذلك مسلم بعد هذا، أو ذكر غيرهما؛ أن ابن مسعود هو الذى أجهز عليه وأخذ رأسه، وكان وجده وبه رمق، وله معه خبر معروت وكلام مروى ذكروه. وهو قول أكثر السير.
وفى هذا الحديث من الفقه: أن المبادرة والسبق للفضائل والغضب لله - سبحانه - ولرسوله ﷺ لقولهما: إنه سب رسول الله ﷺ . وجواز ستر نية الإنسان ما يريد به من الخير عن غيره مخافة أن يسبق إليه. وفيه الحجة لمالك ومن تابعه أنه لا يلزم البينة لمن قتل القتيل ويصدق إذا علم ذلك ولم يخف؛ إذ لم يسالهما النبى ﷺ البينة على ذلك.
وقوله: قتل رجل من حمير رجلاً من العدو، فاراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان والياً عليهم، وقول النبى ﷺ لخالد: " ما منعك أن تعطيه سلبه؟ " قال: استكثرته، وأنه أمره بدفعه إليه، ثم ذكر الحديث وفيه آخر: " لا تعطه يا خالد ": قال الإمام: فى
стр. 3253
تَحَيَّنَ سَقْيَهَا، فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا، فَشَرَعَتْ فِيهِ، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ وَتَرَكَتْ كَدِرَهُ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدِرُهُ عَلَيْهِمْ ".
٤٤ - (...) وحدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فِى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ. وَرَافَقَنِى مَدَدِىٌّ مِنَ اليَمَنِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِى الحَدِيثِ: قَالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ، أمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّى اسْتَكْثَرْتُهُ.
ــ
هذا الحديث - وفيما وقع فى حديث قاتل أبى جهل - حجة لمالك فى السلب وقد تقدم، ولو كان حقاً للقاتل على كل حال ما أمر به ﷺ ثم رجع عنه.
فإن قيل: وأنتم إذا قلتم بأنه يعطيه على جهته الاجتهاد فلم رجع عنه؟ قلنا: لتبدل اجتهاده لأنه رآه أولاً أهلاً لأن ينفل السلب، فلما وقع ما يدل على الرد (١) على الأمير وتوقع فيه أن يجسر على أمرائه فيما بعد، رأى من المصلحة إمضاء ما فعلوه أولاً؛ ليكون ذلك أبلغ فى نفوذ أوامرهم وأمنع من الجرأة عليهم.
فإن قيل: فقد صارت هبة، والهبة لا يرجع فيها، قلنا: فى الوجوب عنها خلافاً مع أن هذه خارجة من هذا القبيل، وإنما هو مال الله يعطيه من يشاء بحسب الاجتهاد، فإذا ظهر له اجتهاد آخر هو أولى رجع إليه.
وقد وقع فى بعض طرقه أن عوفاً قال: يا خالد، أما علمت أن النبى ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ فقال: بلى، ولكنى استكثرته فإن قال الشافعى: ظاهر هذا أنه حكم قضى به وشرع خلاف تأويلكم، قلنا بعد أن نسلم أن ظاهر هذا اللفظ هكذا، فإنما هو قول الصاحب وفيه احتمال، وقد قدمنا من فعل النبى ﷺ ما دل على ما قلناه.
قال القاضى: وقوله: فمر خالد بعوف فجر رداءه، فقال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك عن النبى ﷺ ؟ فسمعه رسول الله ﷺ فاستغضب وقال: " لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لى أمرائى ": فيه ما يلزم من ترك الطعن على الأمراء وتوقيرهم وبرهم، وأن للإمام أن يترك ما أمر به ويرجع عنه أو يأمر بما قد نهى عنه فى أشياء، إذا رأى فيها مصلحة المنهى عنه أو غيره أو معاقبته، لنهيه هنا عن إعطاء السلب بعد تسويغه لما أنفهم له ما على خالد فى ذلك من الغضاضة من كلام عوف، وهذا كقوله: " اسق يا زبير حتى
стр. 3254
٤٥ - (١٧٥٤) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِى إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِى أَبِى، سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَأَنَاخَهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حَقَبِهِ فَقَيَّدَ بِهِ الجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ القَوْمِ،
ــ
تبلغ الجدر" فاستوعب له حقه بعد أن كان اقتصر به على بعضه لما رأى من حضه عدم الرضا بقوله.
وقوله فى الأمراء فى هذا الحديث: " إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلاً " الحديث، وقوله: " فَصَفْوه لكم وكدره عليهم ": صفو الشىء: خالصه، بفتح الصاء لا غير. فإذا ألحقوه التاء قالوا: صَفْوة وصِفْوة، يريد أنه تقاضاه جميع المال وحيطة البلاد، ومداراة الناس على الأمراء، وللناس أعطياتهم صافية، ثم ما كان من خطأ فى ذلك أو غفلة، أو عبث، أو سوء قالة فعلى الأمراء، والناس منه أبرياء.
وقوله: " فشرعت ": أى شربت، والمشارع أمكنة الشرب من المياه ومواردها.
وقوله: " خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة فى غزوة مؤتة ": حكاها ثعلب والفراء بالهمز.
وقوله: " رافقنى مددى من اليمن ": يريد ممن جاء فى مدد اليمن الذى مد بهم جش مؤتة وحشد ما معه.
وقوله: " غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينا نحن نتضحى إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل " الحديث، إلى أنهم كانوا يتقدمون فى ذلك الوقت. والطلق: القيد من الجلود. والحقب: حبل يثد على حقو البعير.
قال القاضى: " نتضحى هنا نحوها " قال الخطابى معناه: نثغدى، كما جاء مفسراً فى الحديث: ثم قعد يتغدى مع القوم. وأما الحقب فقال بعض شيوخنا فيما كتبناه عنه: الصواب أن يكون هذا الحرف من حقبه بسكون القاف، أى مما احتقب ضلعه وجعله فى حقيبته، وهى الرفادة فى مؤخرة القتب.
قال القاضى: ولم نروه إلا بالفتح فى القاف، وكذلك انطلق فى الدار، وروى أبو داود هذا الحرف " حقوه " (١) وفسره: مؤخره.
قال القاضى: وأشبه عندى أن يكون معنىا حقوه " على هذه الرواية حُجْزته وحزامه،
стр. 3255
وَجَعَلَ يَنْظُرُ، وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ فِى الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ، فَأَتَى جَمَلَهُ فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ، ثُمَّ أَنَاخَهُ وَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَأَثَارَهُ، فَاشْتَدَّ بِهِ الجَمَلُ، فَاتَّبَعُهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ.
قَالَ سَلَمَةُ: وَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ، فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَة، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ فِى الأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِى فَضَرَبْتُ رَأسَ الرَّجُلِ. فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئْتُ بِالجَمَلِ أَقُودُهُ، عَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ. فَقَالَ: " مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ ". قَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ. قَالَ: " لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ ".
ــ
والحقو: معقد الإزار من الرجل، وبه سمى الإزار حقوا، وقد يكون ربط هذه الطلق وشده بالحقب صوناً له فتستقيم الرواية والمعنى على ما فى الكتاب، وبه فسر القتبى. ووقع فى رواية السمرقندى: " من جعبته " فإن صح ولمْ يكن تصحيفاً فله وجه إن علقه بجعبة سهامه وأدخله فيها.
وقوله: " وفينا ضعفة ورقة ": كذا ضبطناه بسكون العين هنا، وهو الصواب، أى حالة ضعف وهزال.
قال القاضى: ومن رواه بفتح العين فجمع ضعيف، والأول أوجه.
وقوله: " إذا خرج يشتد " أى يجرى " فأتى جَمَله فأطلق قيده فقعد عليه فأثاره ": أى بعثه وأقامه ليمشى به. وناقة ورقاء: فى لونها بعض سواد كالغبرة، وقد تقدم.
وقوله: " فاخترطت سيفى " أى فسللته " فضربت رأسه فندر ": كذا رويناه بالنون فى مسلم وغيره، أى زال عن ساكنه وبان منه.
قال الإمام: " فندر " يشبه أن يكون أراد سقط، قال: وقد تقدم الكلام على هذه اللفظة وتصريفها قبل.
وقوله: فاستقبلنى رسول الله ﷺ والناس معه فقال: " من قتل الرجل؟ " قالوا: ابن الأكوع، قال: " له سلبه أجمع ": قال القاضى: فيه استقبال السرايا، والتنويه بمن فعل جميلاً، وأن السلب إنما يكون للقاتل بتسويغ الإمام، وأن قول النبى ﷺ هذا فى هذا الموطن - وفى غيره من المواطن التى قالها فيه - لو كان أمراً أوجبه لكل قاتل أبداً، وجعله له حقاً، لاكتفى بالمرة الواحدة فيه، ولم يحتج إلى تكراره فى قوله: " له سلبه أجمع " دليل على هذا. وفيه حجة أنه لا يخمس كما قاله المخالف وكما ذكر فى الشاذ عن مالك. وفيه أن للإمام أن ينفل جميع ما أخذته السرية من الغنيمة لمن يراه من أهلها، على قول من رآه من أهل العلم إذ جاء أنه قد كان مع سلمة غيره. وفيه قتل
стр. 3256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجاسوس من الحربيين، ولا خلاف فى ذلك. وقد ذكر النسائى أن النبى ﷺ كان أمرهم بطلبه وقتله (١).
واختلف فى الجاسوس المعاهد والذمى، فعندنا أنه نقض للعهد ويقتل، وإن رأى الإمام استرقاقه استرقه، وهو قول الأوزاعى. وقال معظم الفقهاء: لا يكون نقضاً للعهد ويسجنهم الإمام (٢).
واختلفوا فى الجاسوس المسلم، فجلهم على اجتهاد الإمام فيه بغير من الضرب والحبس، وهو قول أبى حنيفة والأوزاعى، وللشافعى وبعض أصحابنا. وقال مالك: يجتهد فيه الإمام ولم يفسر. وقال كبار أصحابه: يقتل. واختلفوا فى إقالته بتوبته. وقال ابن الماجشون: إن عرف بذلك قتل وإلا نكل، قال القابسى: هذا الحديث أصل فى قتل الجاسوس والسارق من المشركين من أهل الحرب وكل داخل إلينا منهم بغير أمان، إلا أن يدعى أنه أتى نازعاً فيرد إلى مأمنه أو أشكل أمره فيقبل قوله.
стр. 3257
(١٤) باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى
٤٦ - (١٧٥٥) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرَمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِى إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِى أَبِى، قَالَ: غَزَوْنَا فَزَارَةَ وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، أَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْنَا، فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ المَاءِ سَاعَةً، أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا، ثُمَّ شَنَّ الغَارَةَ، فَوَرَدَ المَاءَ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيْهِ، وَسَبَى. وَأَنْظُرُ إِلَى عُنُقٍ مِنَ النَّاسِ، فِيهِمُ الذَّرَارِىُّ، فَخَشِيْتُ أَنْ يَسْبِقُونِى إِلَى الجَبَلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ بَيْنهُمْ وَبَيْنَ الجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوُا السَّهْمَ وَقَفُوا، فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ، وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِى فَزَارَةَ، عَلَيْهَا قِشْعٌ مِنْ أَدَمٍ - قَالَ: القِشْعُ النِّطَعُ - مَعَهَا ابْنَةُ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ العَرَبِ، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ،
ــ
وقوله: " غزونا فزارة مع أبى بكر - رضى الله عنه - فلما كان بيننا وبين الماء ساعة ": كذا للجماعة، وعند الهوزنى: " بيننا وبين المساء ساعة "، وكلاهما صحيح؛ لأن الماء هو موضع اجتماعهم. وفى المساء - أيضاً - وقت هدوئهم وسكونهم واجتماعهم لمائهم، لكن قوله: " أمرنا أبو بكر فعرَّسنا، ثم شن الغارة فورد الماء فقتل من قتل ": يدل على صواب رواية غيره، فإنما يكون التعريس بالليل وهو النزول فيه، وكذلك الغارات إنما عادتهم بها مع الصباح.
قال الإمام: وقوله: " شن الغارة " أى فرقها. وقيل: صبها عليهم صباً، كما يقال: شن الماء، أى صبه.
قوله: " وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذرارى " أى جماعة، قال القاضى: وقوله: " فيهم الذرارى " هذه الكلمة تنطلق عند العرب على الأطفال والنساء.
قوله: " فيهم امرأة عليها قشع " بالفتح رويناه عن الأسدى، وبكسرها عن الصدفى، وبالكسر ذكرها الهروى، وبالوجهين ذكرها الخطابى وفسره فى الحديث بالنطع وهو صحيح.
قال الإمام: وفيه لغتان: كسر القاف، وفتحها. وقشعت الشىء. إذا قشرته.
وقوله: معها ابنة لها من أحسن العرب فسقتهم، حتى أتيت بهم أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - فنفلنى ابنتها، فقدمنا المدينة، فقال لى النبى ﷺ : " هب لى المرأة "، ففعلت، فبعث بها ﷺ إلى أهل مكة، ففدى بها ناساً من المسلمين كانوا أسروا بمكة، قال الإمام فى الرجل الكافر إذا أسره: أن يقتله أو يبقيه للجزية، وله أن يمن عليه أو
стр. 3258
فَنَفَّلَنِى أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا. فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَلَقِيَنِى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى السُّوق. فَقَالَ: " يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِى المَرْأَةَ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ، لَقَدْ أَعْجَبَتْنِى، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا. ثُمَّ لَقِيَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الغَدِ فِى السُّوقِ. فَقَالَ لِى: " يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِى المَرْأَةَ، للهِ أَبُوكَ! " فَقُلْتُ: هِىَ لَكَ. يَا رَسُولِ اللهِ. فَوَاللهِ، مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوبًا، فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ. فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ، كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ.
ــ
يفادى به. ومنع أبو حنيفة المن والفداء. وفى هذا الحديث المفاداة بهذه المرأة، وقد تقدم أنه ﷺ فادى بالرجل الذى أظهر الإسلام ولم يقبله منه برجلين من أصحابه. وقد قدمنا الكلام على هذا الحديث، فإن كان يمنع المفاداة بالمرأة فهذا الحديث حجة عليه. قال بعض الناس: فيه التفرقة بين الأم وولدها، خلافاً لمن قال: لا يفرق بينهما أبداً؛ لأنه لم يذكر أنه لما نفلها إياه جمع بينها وبين أمها.
قال القاضى: وممن قال بقول مالك فى جواز المن والفداء: الشافعى وأحمد وأبو ثور وكافة العلماء، وأجازوا هذا بالمال وبالأسرى. وقال أبو حنيفة: فمرة لا يفادى ولا يمن جملة، وقال مرة: لا بأس بفدائهم بالمسلمين، وهو قول محمد وأبى يوسف (١).
قال القاضى: ويحتج بهذا الحديث من يرى النفل قبل الخمس. وليس فيه حجة، إذ قد يمكن أنه علم قيمتها حتى يخمس أو كان بعد التخميس. وفيه استيهاب الأمام أهل جيشه بعض ما غنموا ليفادى به أو يصرفه فى مصالح المسلمين، كما فعل فى هوازن وكذلك لما نفله، وأنه ليس من باب الرجوع فى الهبة؛ إذ لم يهبه ماله ولا استرجعه أيضاً لنفسه.
стр. 3259
(١٥) باب حكم الفىء
٤٧ - (١٧٥٦) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا، وَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمسَهَا للهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِىَ لَكُمْ ".
ــ
وقوله: " أيما قرية أتيتموها وأقمتم فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسول الله فإن خمسها لله ورسوله ": يحتمل أن يكون الأول فى النفى مما لم يوصف عليه بخيل ولا ركاب مما أجلى عنه أهله أو مما لحق عليه، فيكون حقهم فيها، أى قسمهم فى العطاء، ويكون المراد بالثانى ما فيه الخمس مما أخذ عنوة. ولم يختلف العلماء أنه لا خمس فى الفىء إلا الشافعى وحده، وقد خالفه بعض أصحابه فى ذلك.
وقوله: " فخمسها لله ورسوله ثم هى لكم " مثل قوله فى الحديث الآخر: " مالى مما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود عليكم " (١). وقد اختلف العلماء فى معنى قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول﴾ (٢) فقيل: " لله " هنا استفتاح كلام للتبرك باسمه تعالى؛ إذ كل شىء لله تعالى، قال: وللرسول سهم يختص به، غاب أو حضر. وقيل: خمس الله وخمس الرسول واحد، ويخمس الخمس على خمسة أخمس: خمس لله وللرسول، وخمس لذوى القربى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل. وهذا قول الشافعى.
وقيل: " لله ورسوله " أى مما يقرب لله ورسوله، أو الحكم فيه لله ورسوله، ويفرق سائره على اجتهاد الإمام فى أقرباء رسول الله ﷺ وغيرهم، وليس هو مقسوم على السهام، وأن المراد بمن سمى فى الآية من يجوز ذلك من الأصناف لا على القسمة عليه، وان شاء أوقفه لنوائب المسلمين، وهو قول مالك وأصحابه. وقيل: معناه: خمس واحد كان يعزله النبى ﷺ ويقسم الأربعة بين الناس، ثم يقبض على الخمس. فما خرج بيده جعله للكعبة، فهذا هو المسمى لله، ثم يقسم بقية الخمس المعزول؛ سهم منه للنبى ﷺ يخصه، وسهم لذى القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
стр. 3260
٤٨ - (١٧٥٧) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ. قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِى النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلا
ــ
فيقسم خمس الخمس عند قائل هذا على ستة أسهم (١).
وقيل: يقسم الخمس كله على أربعة بينهم؛ لله ورسوله ولذى القربى واحد، والثلاثة للباقين، وروى هذا عن ابن عباس.
وقيل: يقسم الخمس على ستة أسهم؛ سهم لله يرد على عباد الله المحتاجين، وسهم للرسول، واْربعة أسهم لمن سمى انله - سبحانه - فى كتابه.
وقال ابن عيينة: إنما افتتح الكلام فى الفىء والخمس بذكر نفسه لأنها أطيب الكسب، وإنما ينسب إليه ما يشرف ويعظم. ولم يقل ذلك فى الصدقات لأنها أوساخ الناس.
وقوله: " كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله مما لم يُوجَف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت للنبى ﷺ خاصة ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقى يجعله فى الكراع والسلاح ": قال الطبرى: كان ما أفاء الله - سبحانه - على رسوله طعمة من الله له على أن يأكل هو منه وأهله ما احتاجوا، ويصرف ما فضل عن ذلك فى تقوية الإسلام.
وعن عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - أنه ﵇ كان يعود منها على فقراء بنى هاشم ويزوج أَيمهم. ومعنى " ما أفاء الله ": أى ما رد وصرفه عليهم من أموال الكفر.
قال الإمام: أما ما غنمه المسلمون بالقتال فلا خلاف أنه يخمس ويصرف خمسه حيث أمر الله ، والأربعة الأخماس هى للغانمين على ظاهر القرآن. وما أجلى عنه أهله من غير قتال فعندنا أنه لا يخمس ويصرف فى مصالح المسلمين، كما كان ﷺ يصرف ما يؤخذ من بنى النضير، وعند الشافعى أنه يخمس كالذى غنم بالقتال، يصرف خمسه فيما يصرف فيه خمس ما غنم بالقتال.
وقوله: " ما لم يوجف ": الايجاف: الإسراع، ووجيف الخيل والركاب إسراعها بالسير.
قال الإمام: خرج مسلم سند هذا الحديث عن جماعة من شيوخه، كلهم عن سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهرى. هكذا إسناده عند أبى اْحمد الجلودى، وسقط ذكر الزهرى فى هذا الإشاد من نسخة ابن ماهان والكسائى، والحديث محفوظ لابن