← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجاسوس من الحربيين، ولا خلاف فى ذلك. وقد ذكر النسائى أن النبى ﷺ كان أمرهم بطلبه وقتله (١). واختلف فى الجاسوس المعاهد والذمى، فعندنا أنه نقض للعهد ويقتل، وإن رأى الإمام استرقاقه استرقه، وهو قول الأوزاعى. وقال معظم الفقهاء: لا يكون نقضاً للعهد ويسجنهم الإمام (٢). واختلفوا فى الجاسوس المسلم، فجلهم على اجتهاد الإمام فيه بغير من الضرب والحبس، وهو قول أبى حنيفة والأوزاعى، وللشافعى وبعض أصحابنا. وقال مالك: يجتهد فيه الإمام ولم يفسر. وقال كبار أصحابه: يقتل. واختلفوا فى إقالته بتوبته. وقال ابن الماجشون: إن عرف بذلك قتل وإلا نكل، قال القابسى: هذا الحديث أصل فى قتل الجاسوس والسارق من المشركين من أهل الحرب وكل داخل إلينا منهم بغير أمان، إلا أن يدعى أنه أتى نازعاً فيرد إلى مأمنه أو أشكل أمره فيقبل قوله.

стр. 3257

(١٤) باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى ٤٦ - (١٧٥٥) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرَمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِى إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِى أَبِى، قَالَ: غَزَوْنَا فَزَارَةَ وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، أَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْنَا، فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ المَاءِ سَاعَةً، أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا، ثُمَّ شَنَّ الغَارَةَ، فَوَرَدَ المَاءَ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيْهِ، وَسَبَى. وَأَنْظُرُ إِلَى عُنُقٍ مِنَ النَّاسِ، فِيهِمُ الذَّرَارِىُّ، فَخَشِيْتُ أَنْ يَسْبِقُونِى إِلَى الجَبَلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ بَيْنهُمْ وَبَيْنَ الجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوُا السَّهْمَ وَقَفُوا، فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ، وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِى فَزَارَةَ، عَلَيْهَا قِشْعٌ مِنْ أَدَمٍ - قَالَ: القِشْعُ النِّطَعُ - مَعَهَا ابْنَةُ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ العَرَبِ، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ، ــ وقوله: " غزونا فزارة مع أبى بكر - رضى الله عنه - فلما كان بيننا وبين الماء ساعة ": كذا للجماعة، وعند الهوزنى: " بيننا وبين المساء ساعة "، وكلاهما صحيح؛ لأن الماء هو موضع اجتماعهم. وفى المساء - أيضاً - وقت هدوئهم وسكونهم واجتماعهم لمائهم، لكن قوله: " أمرنا أبو بكر فعرَّسنا، ثم شن الغارة فورد الماء فقتل من قتل ": يدل على صواب رواية غيره، فإنما يكون التعريس بالليل وهو النزول فيه، وكذلك الغارات إنما عادتهم بها مع الصباح. قال الإمام: وقوله: " شن الغارة " أى فرقها. وقيل: صبها عليهم صباً، كما يقال: شن الماء، أى صبه. قوله: " وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذرارى " أى جماعة، قال القاضى: وقوله: " فيهم الذرارى " هذه الكلمة تنطلق عند العرب على الأطفال والنساء. قوله: " فيهم امرأة عليها قشع " بالفتح رويناه عن الأسدى، وبكسرها عن الصدفى، وبالكسر ذكرها الهروى، وبالوجهين ذكرها الخطابى وفسره فى الحديث بالنطع وهو صحيح. قال الإمام: وفيه لغتان: كسر القاف، وفتحها. وقشعت الشىء. إذا قشرته. وقوله: معها ابنة لها من أحسن العرب فسقتهم، حتى أتيت بهم أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - فنفلنى ابنتها، فقدمنا المدينة، فقال لى النبى ﷺ : " هب لى المرأة "، ففعلت، فبعث بها ﷺ إلى أهل مكة، ففدى بها ناساً من المسلمين كانوا أسروا بمكة، قال الإمام فى الرجل الكافر إذا أسره: أن يقتله أو يبقيه للجزية، وله أن يمن عليه أو

стр. 3258

فَنَفَّلَنِى أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا. فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَلَقِيَنِى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى السُّوق. فَقَالَ: " يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِى المَرْأَةَ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ، لَقَدْ أَعْجَبَتْنِى، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا. ثُمَّ لَقِيَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الغَدِ فِى السُّوقِ. فَقَالَ لِى: " يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِى المَرْأَةَ، للهِ أَبُوكَ! " فَقُلْتُ: هِىَ لَكَ. يَا رَسُولِ اللهِ. فَوَاللهِ، مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوبًا، فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ. فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ، كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ. ــ يفادى به. ومنع أبو حنيفة المن والفداء. وفى هذا الحديث المفاداة بهذه المرأة، وقد تقدم أنه ﷺ فادى بالرجل الذى أظهر الإسلام ولم يقبله منه برجلين من أصحابه. وقد قدمنا الكلام على هذا الحديث، فإن كان يمنع المفاداة بالمرأة فهذا الحديث حجة عليه. قال بعض الناس: فيه التفرقة بين الأم وولدها، خلافاً لمن قال: لا يفرق بينهما أبداً؛ لأنه لم يذكر أنه لما نفلها إياه جمع بينها وبين أمها. قال القاضى: وممن قال بقول مالك فى جواز المن والفداء: الشافعى وأحمد وأبو ثور وكافة العلماء، وأجازوا هذا بالمال وبالأسرى. وقال أبو حنيفة: فمرة لا يفادى ولا يمن جملة، وقال مرة: لا بأس بفدائهم بالمسلمين، وهو قول محمد وأبى يوسف (١). قال القاضى: ويحتج بهذا الحديث من يرى النفل قبل الخمس. وليس فيه حجة، إذ قد يمكن أنه علم قيمتها حتى يخمس أو كان بعد التخميس. وفيه استيهاب الأمام أهل جيشه بعض ما غنموا ليفادى به أو يصرفه فى مصالح المسلمين، كما فعل فى هوازن وكذلك لما نفله، وأنه ليس من باب الرجوع فى الهبة؛ إذ لم يهبه ماله ولا استرجعه أيضاً لنفسه.

стр. 3259

(١٥) باب حكم الفىء ٤٧ - (١٧٥٦) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا، وَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمسَهَا للهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِىَ لَكُمْ ". ــ وقوله: " أيما قرية أتيتموها وأقمتم فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسول الله فإن خمسها لله ورسوله ": يحتمل أن يكون الأول فى النفى مما لم يوصف عليه بخيل ولا ركاب مما أجلى عنه أهله أو مما لحق عليه، فيكون حقهم فيها، أى قسمهم فى العطاء، ويكون المراد بالثانى ما فيه الخمس مما أخذ عنوة. ولم يختلف العلماء أنه لا خمس فى الفىء إلا الشافعى وحده، وقد خالفه بعض أصحابه فى ذلك. وقوله: " فخمسها لله ورسوله ثم هى لكم " مثل قوله فى الحديث الآخر: " مالى مما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود عليكم " (١). وقد اختلف العلماء فى معنى قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول﴾ (٢) فقيل: " لله " هنا استفتاح كلام للتبرك باسمه تعالى؛ إذ كل شىء لله تعالى، قال: وللرسول سهم يختص به، غاب أو حضر. وقيل: خمس الله وخمس الرسول واحد، ويخمس الخمس على خمسة أخمس: خمس لله وللرسول، وخمس لذوى القربى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل. وهذا قول الشافعى. وقيل: " لله ورسوله " أى مما يقرب لله ورسوله، أو الحكم فيه لله ورسوله، ويفرق سائره على اجتهاد الإمام فى أقرباء رسول الله ﷺ وغيرهم، وليس هو مقسوم على السهام، وأن المراد بمن سمى فى الآية من يجوز ذلك من الأصناف لا على القسمة عليه، وان شاء أوقفه لنوائب المسلمين، وهو قول مالك وأصحابه. وقيل: معناه: خمس واحد كان يعزله النبى ﷺ ويقسم الأربعة بين الناس، ثم يقبض على الخمس. فما خرج بيده جعله للكعبة، فهذا هو المسمى لله، ثم يقسم بقية الخمس المعزول؛ سهم منه للنبى ﷺ يخصه، وسهم لذى القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.

стр. 3260

٤٨ - (١٧٥٧) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ. قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِى النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلا ــ فيقسم خمس الخمس عند قائل هذا على ستة أسهم (١). وقيل: يقسم الخمس كله على أربعة بينهم؛ لله ورسوله ولذى القربى واحد، والثلاثة للباقين، وروى هذا عن ابن عباس. وقيل: يقسم الخمس على ستة أسهم؛ سهم لله يرد على عباد الله المحتاجين، وسهم للرسول، واْربعة أسهم لمن سمى انله - سبحانه - فى كتابه. وقال ابن عيينة: إنما افتتح الكلام فى الفىء والخمس بذكر نفسه لأنها أطيب الكسب، وإنما ينسب إليه ما يشرف ويعظم. ولم يقل ذلك فى الصدقات لأنها أوساخ الناس. وقوله: " كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله مما لم يُوجَف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت للنبى ﷺ خاصة ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقى يجعله فى الكراع والسلاح ": قال الطبرى: كان ما أفاء الله - سبحانه - على رسوله طعمة من الله له على أن يأكل هو منه وأهله ما احتاجوا، ويصرف ما فضل عن ذلك فى تقوية الإسلام. وعن عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - أنه ﵇ كان يعود منها على فقراء بنى هاشم ويزوج أَيمهم. ومعنى " ما أفاء الله ": أى ما رد وصرفه عليهم من أموال الكفر. قال الإمام: أما ما غنمه المسلمون بالقتال فلا خلاف أنه يخمس ويصرف خمسه حيث أمر الله ، والأربعة الأخماس هى للغانمين على ظاهر القرآن. وما أجلى عنه أهله من غير قتال فعندنا أنه لا يخمس ويصرف فى مصالح المسلمين، كما كان ﷺ يصرف ما يؤخذ من بنى النضير، وعند الشافعى أنه يخمس كالذى غنم بالقتال، يصرف خمسه فيما يصرف فيه خمس ما غنم بالقتال. وقوله: " ما لم يوجف ": الايجاف: الإسراع، ووجيف الخيل والركاب إسراعها بالسير. قال الإمام: خرج مسلم سند هذا الحديث عن جماعة من شيوخه، كلهم عن سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهرى. هكذا إسناده عند أبى اْحمد الجلودى، وسقط ذكر الزهرى فى هذا الإشاد من نسخة ابن ماهان والكسائى، والحديث محفوظ لابن

стр. 3261

رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِىِّ ﷺ خَاصَّةً. فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِىَ يَجْعَلُهُ فِى الكُرَاعِ وَالسِّلاحِ، عُدَّةً فِى سَبِيلِ اللهِ. (...) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى،. قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ٤٩ - (...) وحدَّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِىُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، أَنَّ مَالِك بْنَ أَوْسٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَجِئْتُهُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ. قَالَ: فَوَجَدْتُهُ فِى بِيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ، مُفْضِيًا إِلَى رُمَالِهِ، ــ عيينة عن عمرو بن دينار، عن الزهرى، عن مالك بن أوس، عن عمر. قال القاضى: فى هذا الحديث جواز ادخار قوت سنة، وفعل النبى ﷺ فى هذا لم يكن لنفسه شيئاً، وأن الادخار لرب العيال مما لا يقدح فى التوكل. ولا خلاف عند الفقهاء فى جواز ادخار ما يرفعه الرجل من أرضه وزراعته، مما لم يشتره من السوق. ورفع النبى ﷺ قوت سنة لعياله إنما كان من زراعته. واختلفوا فى ادخار قوت سنة من السوق، فأجازه قوم واحتجوا بهذا الحديث. ولا حجة فيه لما قدمناه، وضعفه الأكثر على مقدار ما لا يضر بالسعر، فإن كان ضيقاً لم يشتره إلا بحسب الحال لشهره أو يومه، وهو مع الرجاء أوسع للسنة، وأكثره بجواز الاحتكار. قال معمر وابن المسيب وغيرهما: وهذا فى غير الضرر. ومنعه آخرون للحديث الآخر: " لا يحتكر الأخاطير ". قال بعضهم: ليس ادخار قوت سنة من الحكرة. وفيه حجة لمالك ومن لم ير تخميس الفىء ولا قسمته على الأخماس، ومن سمى فى الآية خاصة، وأنه موكول إلى اجتهاد الإمام، إذ لم يذكر فى الحديث منه إلا نفقته منه على أهله، وتصريفه فى العدة والسلاح. وفيه أن للإمام الأكل من الفىء والنفقة على عياله لأنه من العاملين. هذا إذا لم يقل بقولنا: إن معنى السائر لرسوله أى له فيه نصيب، أو لأن له حقاً فى الفىء كما لسائر المسلمين. وقوله: " كانت للنبى ﷺ خاصة ": ظاهر فى أنه لا يخمس كما قال الشافعى. وذكر مسلم حديث مالك بن أوس فى قصة على والعباس - رضى الله عنهما - ومكالمتهما بين يدى عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - فى صدقات النبى ﷺ . وقوله: " فوجدته على سرير مفضياً إلى رماله " أى ليس على السرير فراش. ورمال السرير وهو ما ينسج للمضجع فيه عليه من سعف وشريط وشبهه، يريد أنه باشر رمال السرير بجنبه.

стр. 3262

مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ. فَقَالَ لِى: يَا مَالِ، إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِك، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ، فَخُذْهُ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ. قَالَ. قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتُ بَهَذَا غَيْرِى؟ قَالَ: خُذْهُ. يَا مَالِ. قَالَ: فَجَاءَ يَرْفَا. فَقَالَ: هَلْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فِى عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِى عَبَّاسٍ وَعَلِىٍّ؟ قَال: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا. فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِى وَبَيْنَ هَذَا الكَاذِبِ الآثِمِ الغَادِرِ الخَائِنِ. فَقَالَ القَوْمُ: أَجَلْ، يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ وَأَرِحْهُمْ، - فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: يُخَيَّلُ إِلَىَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ لِذَلِكَ - فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدَا. أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِى بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: ــ وقوله أول الحديث: " يا مال "، قال الإمام: وهو ترخيم مالك، كما يقال: يا حار، فى ترخيم حارث. وقد قرئ فى الشاذ: " ونادوا يا مال ". ولك فيه وجهان: إذا رخمت مالكاً فتكسر اللام؛ إشعاراً بالمحذوف. والثانى: رفعها ورد إعراب آخرها عليها كأنه لم يكن، وكان الباقى هو الكلمة كلها، فيقع الضم فى آخرها، وتقديراً أن الضمة مع حذفه علامة عليه، وإذا ضممت قدرت المحذوف كأنه لم يكن، وكان الباقى هو الكلمة كلها فيقع الضم فى آخرها. وقوله: " قد دفَّ أهل أبيات من قومك ": الدف: المشى بسرعة، فكانهم جاؤوا يسرعون لضرٍ أصابهم. قال القاضى: الدف: السير ليس بالشديد. وقوله: " حين تعالى النهار ": أى ارتفع، وهو بمعنى متع فى رواية البخارى (١). وقوله: " قد أمرت فيهم برضخ " بسكون الضاد، قال الإمام: الرضخ: هو العطية القليلة، يقال: رضخت له من مالى رضخة. وقوله: " أنشدكما بالله ": معناها: يسألكما بالله. يقال: نشدتك بالله ذكرت به مستحلفاً والنشيد (٢): رفع الصوت. قال القاضى: وقوله: " اتئدا " معناه: تمهلا ولا تعجلا. وقول العباس: " اقض بينى وبين هذا الكاذب الآثم الخائن الغادر "، قال الإمام: اللفظ الذى وقع من العباس لا يليق بمثله، وحاشا علياً منه أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف، فضلاً عن كلها، أو عن يُلِمَّ بها، ولسنا نقطع بالعصمة إلا للنبى ﷺ أو لمن

стр. 3263

" لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ". قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ أَقَبَلَ عَلَى العَبَّاسِ وَعَلِىٍّ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ، الَّذِى بِإِذْنِهِ تَقُمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ ". قَالا: نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ بِخَاصَّةٍ لَمْ يُخَصِّصْ بِهَا أَحَدًا غَيْرَهُ. قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول﴾ (١) - مَا أَدْرِى هَلْ قَرَأَ الاَيَةَ الَّتِى قَبْلَهَا أَمْ لا - قَالَ: فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَكُمْ أَمْوَالَ بَنِى ــ شهد له بها، لكنا مأمورون بتحسين الظن بالصحابة - رضى الله عنهم - ونفى كل رذيلة عنهم، وإضافة الكذب لرواتها عنهم، إذا استدت طرق التأويل. وقد حمل بعض الناس هذا الرأى على أن أزال من نسخته ما وقع فى هذا الحديث من هذا اللفظ، وما هو بعده مما هو فى معناه؛ تورعاً عن إثبات مثل هذا، أو لعله يحمل الوهم على رواته. وإن كان هذا اللفظ لابد من إثباته ولا يضاف الوهم إلى رواته، فأمثل ما حمل عليه أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه؛ لأنه فى الشرع أنزل منزلة أبيه، وقال فى ذلك ما لا يعتقد وما يعلم براءة ابن أخيه منه، ولعله قصد بذلك ردعه وزجره عما يعتقد أنه مخطئ فيها، أو أن هذه الأوصاف وقع فيه على مذهبه من غير قصد لها، بل كان على - رضى الله عنه - عنده متأولاً فيها، فكأنه يقول: أنا على رأى إذا فعلت هذا عن قصد أو وقعت فى مثل هذا الوصف، وإن كان عند على - رضى الله عنه - لا يوجب على مذهبه وقوعه فيها، وهذا كما لو قال المالكى فى رجل شرب النبيذ: هو عندى ناقص الدين ساقط القدرات، لكان ذلك كلاماً صحيحاً على أصله، وإن كان الحنفى يعتقد أنه اْتى من ذلك مباحاً لا يفسد مروءته، ولا يسقط عدالته. ومن الدليل على أن هذه الطريقة هى التى تسلك فى التأويل أو ما فى معناها؛ أن مجلساً حضر فيه عمر بن الخطاب - رضوان الله عليهم - وهو أمير المؤمنين، وقد عرف من تشدده فى الحدود والأعراض، وبعده عن المداهنة ما فات به الناس، وفيه عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد - رضوان الله عليهم - ثم قال هذا ولا ينكره منكر، ولا يزجر عنه عمر - رضى الله عنه - وهو الخليفة، وإليه صيانة الأعراض، وما ذاك إلا لما تأولناه؛ من أنهم فهموا بقرينة الحال أنه قال ما لا يعتقد على جهة المبالغة فى الزجر لعلى - رضى الله عنه - وزاد له حرمة الأب، والأب لا ينبغى أن ينصف منه فى العرض. هذا عندى وجه تأويل ما وقع فى هذا. وكذلك قول عمر - رضى الله عنه -: " إنكما جئتما أبا بكر - رضى الله عنه " وذكر ما قال لهما، وذكر عقيب ذلك:" فرأيتماه كاذباً آثماً خاذلاً

стр. 3264

النَّضِيرِ. فَوَاللهِ، مَا اسْتَأثَرَ عَلَيْكُمْ، وَلا أَخَذَهَا دُونَكُمْ، حَتَّى بقِىَ هَذَا المَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأخُذُ مِنْهُ نَفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِىَ أُسْوَةَ المَالِ. ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ، الَّذِى بِإِذَنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ نَشَدَ عَبَّاسًا وَعَلِيًا بِمِثْلَ مَا نَشَدَ بِهِ القَوْمَ: أَتَعْلَمَان ذَلِكَ؟ قَالا: نَعَمْ. قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِىُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجِئْتُمَا، تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ "، فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ. ثُمَّ تُوُفِّىَ أَبُو ــ خائناً " وكذلك أيضاً ذكر عن نفسه أنهما رأياه كذلك وتأويل هذا أيضاً نحو مما تقدم ذكره المراد به: أنكما تعتقدان أن الواجب يفعل فى هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر، فنحن على موجب مذهبهما (١) لو أتينا ما أتينا، ونحن معتقدان أن ما تعتقد أنه على هذه الأوصاف. أو يكون المراد: أن الإمام إنما يخالف إذا كان على هذه الأوصاف ويتهم فى قضاياه، فكان مخالفتكما لنا تشعر من رآها أنكما تعتقدان ذلك. هذا أمثل ما تأول عنهم - رضى (٢) الله عنهم. وأما الاعتذار عن على وعباس - رضى الله عنهما - فى أنهما ترددا إلى الخليفتين مع قوله ﷺ : " لا نورث، ما تركناه صدقة " هو تقدير عمر عليهما لأنهما يعلمان ذلك، فأمثل ما فيه مما قاله بعض الأئمة: إنهما إنما طلبا أن يقسماها بينهما بنصفين ينتفعان بها، على حسب ما ينفعهما الإمام بها لواليها بنفسه. فكره عمر - رضى الله عنه - أن يوقع اسم القسمة عليها، لئلا يظن بذلك مع تطاول الأزمنة أنها ميراث، وأنه ﷺ ورث، لاسيما وقسمة الميراث بين البنت والعم نصفان، فيكون مطابقة للشرع بما يقع أتفاقاً واجتهاداً من آكد ما يلبس ويوهم فى ذلك؛ أنه ﷺ ورث ما ترك، وإن كان منهما ومن فاطمة - رضى الله عنهم - قبل ذلك ما يوهم أنهم طلبوا التمليك. فلعلهم قبل سماعهم الخبر: " لا نورث ". ومما يدل على ما قلناه: ما قاله أبو داود: أنه لم يختلف على - رضى الله عنه - أنه لما صارت الخلافة إليه لم يغيرها عن كونها صدقة، وبنحو هذا احتج السفاح. قال ابن الأعرابى: فإنه لما خطب أول خطبة قام بها، قام إليه رجل معلق فى عنقه المصحف، فقال له: أناشدك الله إلا ما حكمت بينى وبين خصمى بهذا المصحف. وقال: من هو؟ قال:

стр. 3265

بَكْرٍ، وَأَنَا وَلِىُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَوَلِىُّ أَبِى بَكْر، فَرَأَيْتُمَانِى كَاذِبًا آثِمًا غَادِرًا خَائِنًا. وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّى لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، فَوَلِيتُهَا. ثُمَّ جِئْتَنِى أَنْتَ وَهَذَا، وَأَنْتُمَا جَمِيعٌ، وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ، فَقُلْتُمَا: ادْفَعَهَا إِلْيَنَا. فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ أَنْ تَعْمَلا فِيهَا بِالَّذِى كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَأَخَذْتُمَاهَا بِذَلِك. قَال: أَكَذِلِكَ؟ قَالا: نَعَم. قَالَ: ثُمَّ جِئْتُمَانِى لأَقْضِىَ بَيْنَكُمَا. وَلا، وَاللهِ، لا أَقْضِى بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَة، فَإِن عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَرُدَّاهَا إِلَىَّ. ــ أبو بكر فى منعه فدك. قال: أظلمك؟ قال نعم. قال: فمن بعده؟ قال: عمر. قال: أظلمك؟ قال نعم. وقال فى عثمان مثل ذلك، وسأله عن على: أظلمك؟ فسكت الرجل، فأغلظ له السفاح. هكذا حكى ابن الأعرابى أو نحواً منه. قال القاضى: قطع مسلم هذا الحديث عند قوله: " فإن عجزتما عنها فرداها علىَّ " زاد البخارى: " فأنا أكفيكماها " (١) فلم يكملا الحديث. وقد ذكر مسلم بعد هذا - أيضاً - زيادة، قال: فدفعها عمر إلى على وعباس - رضى الله عنهم - فغلبه عليها على، أى على القيام بها. وقد خرجه بتمامه أبو بكر البرقانى فى صحيحه، قال: فغلب على عليها العباس، فكانت بيد على، ثم كانت بيد حسن بن على، ثم بيد حسين بن على، ثم بيد على بن الحسين، ثم بيد الحسن بن الحسين، ثم بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن، ثم تولاها بنو العباس. وقد ذكر البخارى فى بعض هذا كما تقدم إلى قوله: ثم بيد حسين بن على ثم قال: ثم بيد على بن حسين وحسين بن حسن. كذا قال ولم يزد. وقد بين مسلم - أيضاً - أن الذى دفع لهما عمر - رضى الله عنه - إنما هى صدقات النبى ﷺ مما أفاء الله تعالى عليه بالمدينة، يعنى بنى النضير ومخيريق (٢) وغيره لك مما اْمسكه لنوائب المسلمين. وقد تأول قوله: إن طلب فاطمة - رضى الله عنها - ميراثها من رسول الله ﷺ ، يحتمل أنها تأولت الحديث إن كان بلغها فيما له بال ويختص بالأصول من الأموال، فهى

стр. 3266

٥٠ - (...) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعَمْرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ ــ التى لا تورث عن الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا ما يتركون من طعام أو دابَّة وأسباب وسلاح. واحتجوا بقوله: " ما تركت بعد نفقة نسائى " (١)، وأن ظاهر هذا ما تأولوه، ولم يكن الأمر كذلك لأن نفقة نساء النبى ﷺ أوجبها لهذا فيما ترك لا على طريق الميراث، بل يحق كونهن محبوسات عن الأزواج بسببه، أو لما لهن من الحقوق فى بيت المال. لقدم هجرتهن وفضلهن. والاْول أظهر لتخصيصه ﷺ إياهن بالذكر، وكذلك اختصاصهن بمساكنهن لحياتهن؛ بدليل أنه لم يرثها ورثتهن عنهن. وحكى الماوردى أن النبى ﷺ أعطاهن ذلك. ووصى لهن بدورهن. ولا امتراء أن الحديث كان مشهوراً أيام أبى بكر وعمر - رضى الله عنهما - إذ كان قد قرره أبو بكر على علىّ والعباس وفاطمة - رضى الله عنهم - وذكرته عائشة لأزواج النبى ﷺ حينئذ، وأيضاً نفى الحديث فى كتاب مسلم أن فاطمة - رضى الله عنها - سألته ميراثها مما أفاء الله سبحانه على رسوله ﷺ بالمدينة وفدك وبقية خمس خيبر. وفى ترك فاطمة منازعة أبى بكر - رضى الله عنهما - بعد احتجاجه عليها بالحديث التسليم والإجماع على القضية، وأنها لما بلغها الحديث أو بين لها التأويل تركت رأيها إذ لم يكن بعد ولا أحد من ذريتها فى ذلك طلب بالميراث، وإذ قد ولى على - رضى الله عنه - الأمر فلم يعدل به عما فعل فيه أبو بكر وعمر - رضى الله عنهما - فدل أن طلب على والعباس إنما كان طلب العباس تولى القيام على ذلك بأنفسهما أو قسمته بينهما كما تقدم. وما ذكر من هجران فاطمة لأبى بكر - رضى الله عنهما - إنما معناه انقباضها عن ترك لقائه وترك مواصلته، وليس مثله هذا من الهجران المحرم من ترك السلام والإعراض - هنا فلم تكلمه، أى فى هذا الأمر أو فى غيرها لانقباضهما عنه، فلم تطلب منه حاجة ولا اضطرت إلى كلامه، ولم يأت فى خبر أنهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته. وفى قول عمر - رضى الله عنه -: جئتما تكلمانى وكلمتكما واحدة، جئت يا عباس تسلمنى نفسك من ابن أخيك، وجاءنى هذا يسلبنى نصيب امرأته من أبيها: فيه إشكال مع تعريف أبى بكر لهم قبل هذا بالحديث، وأن النبى ﷺ لا يورث، فمعناه الكل واحد إنما كانت القيام وحده على ذلك، ويحتج هذا بحكم نصيبه وحفه من ولاية النبى ﷺ بالعمومة، وهذا بحكم حق زوجه ونصيبها من قربى النبوة، لا أنهما طلبا منه ما قد

стр. 3267

مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ. قَالَ: أَرْسَلَ إِلَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ أَهْلُ أَبْيَات مِنْ قَوْمِكَ. بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِك. غَيْرَ أَنَّ فِيهِ: فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهُ سَنَةً. وَرُبَّمَا قَالَ مَعْمَرٌ: يَحْبِسُ قُوتَ أَهْلِهِ مِنْهُ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِىَ مِنْهُ مَجْعَلَ مَالِ اللهِ . ــ عرفا منع النبى ﷺ لهما منه مما منعهما منه أبو بكر - رضى الله عنه - وبينه لهما وسلما له ذلك، ثم لعمر أول أمرهما، ثم جاءا مرة أخرى يطلب كل واحد منهما الانفراد بذلك. وقد جاء فى بعض الآثار أن عمر - رضى الله عنه - قال لهما أول مرة: إن شئتما طابت نفس أحدكما للآخر دفعتها إليه، على أن يعطيه لتعلمن (١) به بما عمل أبو بكر - رضى الله عنه - وذكر أن العباس طابت نفسه بدفعها لعلى - رضى الله عنه - فكان ذلك، ثم اختلفا بعد حول فرجعا إلى عمر - رضى الله عنه - فهذا دليل أن نزاعهما أولاً وآخراً فى ولايتها لا فى تمليكها، ويدل على صحة هذا قوله فى مسلم: " فدفعها إلى على وعباس فغلبه عليها " (٢) يعنى علياً. قال أهل العلم: وفى هذا الحديث من السنن والفقه أنه يجب أن يولى أمر كل قبيل سيدهم، ويسند أمر كل جماعة لكبيرهم (٣)؛ لأنه أعرف بمصالحهم وأسرار أحوالهم. وفيه جواز نداء الرجل غيره باسمه من غير تكنيه وترخيمه على عادة العرب. وفيه جواز حجاب الخلفاء والأئمة فى بعض الأوقات ليتفرغ لما يخص من أمور المسلمين ويعنيه من أحواله. وفيه قبول خبر الواحد والقضاء به. وفيه الشفاعة عند الإمام. وفيه حض على فصل الحق. وفيه استشهاد الإمام على ما يقوله بحضرة الخصمين من حضره من العدول، لتقوى حجته فى إقامة الحق وقمع الخصم، وتقرير الشهود والخصمين على ما يعترفون (٤) من الحق. وفيه الانقياد للسنن والرجوع للحق عن التأويل إذا ظهر بطلانه. وقوله: " إن الله قد خص رسوله بخاصة لم يخصص بها أحداً غيره ": وقيل: معناه - والله [أعلم] (٥) -: تحليل المغانم له ولأمته، أو كونها له، أو تخصيصها (٦) مما أفاء الله عليه على قول أكثرهم ملكاً كما قال بعضهم، أو تصريفاً وحكماً كما عليه الجمهور. وهذا الوجه أظهر لاستشهاد أبى بكر - رضى الله عنه - على هذا بالآية. وفيه جواز تنزيه الإنسان [نفسه] (٧) ومدحها إذا اضطر إلى ذلك، كما فعل عمر -

стр. 3268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رضى الله عنه. قال بعضهم: وفيه [جواز] (١) حكم الحاكم لنفسه إذا كان الحق له مشهوراً، وهذا غير بين ولا موافق عليه لأن هذا المال لم يأخذه أبو بكر لنفسه، وإنما حكم به للمسلمين عامة، وإن كان هو المتولى للنظر فيه فيحكم بخلافه لا بحكم التمليك (٢)، كما يحكم فى سائر أمور المسلمين العامة وأموالهم (٣) التى يرجع النظر فيها إليه. وعلى هذا يتأول قوله فى الحديث الآخر من رواية أبى الطفيل: " إذا أطعم الله نبياً طعمة ثم قبضه جعلها للذى يقوم بعده " (٤) أى النظر فيها. وعلى هذا يتأول فعل عثمان - رضى الله عنه - فيها وإقطاعه لمن أقطعها؛ تمسكاً بظاهر اللفظ فى هذا الحديث، وهو مذهب الحسن وقتادة؛ أن هذه الأموال جعلها الله تعالى لنبيه طعمة، ثم هى لمن ولى بعده. وفى قول عمر - رضى الله عنه -: " جئتمانى وأمركما جميع ": أى غير مختلف به، لأنهما لم يطلبا قسمتها قبل وإنما طلب القيام بها، فدفعهما عمر لهما على ذلك. فلما طلبا الآن قسمتها منعهما لما تقدم قبل، أو لأن قيام الاثنين عنده أحفظ وأنظر لهذا المال من الواحد، أو لأن دفعها لواحد مخصوص من باب الأثر، أو مخافة نسيان سبب ذلك بحكم من الزمان فيظن أنه كان أحق بها من الآخر، أو أنها مصوغة له ملكاً.

стр. 3269

(١٦) باب قول النبىّ ﷺ : " لا نورث، ما تركنا فهو صدقة " ٥١ - (١٧٥٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِىِّ ﷺ ، حِينَ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِى بَكْرٍ، فَيَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ . قَالَتْ عَائِشَةُ لَهُنَّ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ "؟ ٥٢ - (١٧٥٩) حدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، أَخْبَرَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلَهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ بِالمَدِينَةِ وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِىَ مِنْ خُمْس خَيْبَرَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِى هَذَا المَالِ ". وَإِنِّى، وَاللهِ، لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَة رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ حَالِهَا الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهَا، فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِى بَكْرٍ فِى ذَلِكَ. قَالَ: فَهَجَرَتْهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّةً أَشْهُرٍ. فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ لَيْلاً، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عَلِىٌّ، وَكَانَ لِعَلِىٍّ مِنَ النَّاسِ وِجْهَةٌ، حَيَاةَ ــ وقوله: " فلما توفيت فاطمة - رضى الله عنها - استنكر على - رضى الله عنه - وجوه الناس، والتمس مصالحة أبى بكر - رضى الله عنه - ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبى بكر: أن ائتنا ولا يأتنا معك غيرك - كراهة محضر عمر - رضى الله عنه - وقول عمر: والله لا تدخل عليهم وحدك. وقول أبى بكر: والله لآتينهم وما عساهم أن يفعلوا بى "، قال الإمام: إنما تأخر علىّ عن البيعة، فقد ذكر عذره عنه فى كتاب مسلم واعتذار الصديق عنه. ويكتفى فى بيعة الإمام بآحاد من أهل الحل والعقد، ولا يفتقر إلى بيعة كل الأمة، ولا يلزم كل الأمة أن يأتوا إليه يضعون أيديهم بيده، وإنما يلزم إذا عقد أهل الحل والعقد انقياد البقية ألا يظهروا خلافاً ولا يشقوا العصا. وهكذا كان على - رضى الله عنه - ما ظهر على أبى بكر - رضى الله عنه - خلافاً ولا شق عصاه،

стр. 3270

فَاطِمَةَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَت اسْتَنْكَرَ عَلِىُّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِى بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الأَشْهُرَ. فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِى بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا، وَلا يَأتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ - كَرَاهِيَةَ مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب - فَقَالَ عُمَرُ لأَبِى بَكْرٍ: وَاللهِ، لا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِى. إِنِّى، وَاللهِ، لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ. فَتَشَهَّدَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَضِيلَتَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللهُ وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَحْنُ نَرَى لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِى بَكْرٍ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِى، ــ ولكنه تأخر عن الحضور عنده فى هذا الأمر العظيم، مع عظم قدره هو نفسه؛ لموجدة فى نفسه ذكرها فى الكتاب، وهو أنه قال لنا: نرى لنا فى هذا الأمر نصيباً، فاستبد علينا به فوجدنا فى أنفسنا. ولعله أشار إلى أن أبا بكر استبد عنه بقصص وأمور عظام، وحق مثله أن - يحضر فيها ويشاور عليها. وقد يوهم قول عمر لأبى بكر: " والله لا تدخل عليهم وحدك " أنه خاف عليه أن يغدروه. ومعاذ الله أن يظن بهم ذلك، ولعله قد رآهم يغلظوا على أبى بكر - رضى الله عنهم - فى العاقبة، ويبدو منهم ما يكون عند أبى بكر جفاء فتتغير نفسه عليهم أو يتأذى بذلك ذكره عمر انفراده لذلك، وكذلك ما حكاه من كراهيتهم هم محضر عمر بن الخطاب؛ إنما ذلك لما كانوا يعلمونه من تشدده وتغلظه فيما يظهر له من الحق، فخافوا أن ينتصر لأبى بكر، فيغلظ عليهم فتتغير نفوسهم عليه. وقوله: " ولم ننفس عليك ": يقال: نفست فى الشىء بكسر الفاء، نفاسة رغبته، وأيضاً: حسدتك عليه ولم أرك أهلاً له. قال القاضى: كلام أبى بكر لعلى - رضى الله عنهما - وقوله: وأما الذى شجر بينى وبينكم فىِ هذه الأموال أى اختلفت الحال فيه بيننا ووقع النزاع، قال الله تعالى: ﴿حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ (١)، والمشاجرة: الخصومة. وقول على - رضى الله عنه -: " موعدك العشية للبيعة. فلما صلى أبو بكر - رضى الله عنه - صلاة الظهر رقى المنبر فتشهد ": فيه ما يدل أن العشى من بعد الزوال، كما جاء فى الحديث الآخر: " إحدى صلاتى العشى ". وفيه أن بيعة الأئمة تجب أن تكون بحضرة الملأ والجمع ولا يستتر بها، وأن التزامها واجب لجميع الناس.

стр. 3271

وَأَمَّا الَّذِى شَجَرَ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَإِنِّى لَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الحَقِّ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلا صَنَعْتُهُ. فَقَالَ عَلِىٌّ لأَبِى بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلاةَ الظُّهْرِ، رَقِىَ عَلَى المَنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأنَ عَلِىٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِى اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ. وَتَشَهَّدَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِى بَكْرٍ، وأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِى صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِى بَكْرٍ، وَلا إِنْكَارًا لِلَّذِى فَضَّلَهُ اللهُ بِهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِى الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ، فَوَجَدْنَا فِى أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلَمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ. فكَاَنَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِىٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ. ٥٣ - (...) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ والعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطَلُبَانِ أَرْضهُ مِنْ فَدَكَ وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ. فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ قَامَ عَلِىٌّ فعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِى بَكْرٍ، وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَسَابِقَتَهُ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِى بَكْرٍ فَبَايَعَهُ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِىٍّ فَقَالُوا: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ. فَكَانَ النَّاسُ قَرِيبًا إِلَى عَلِىٍّ حِينَ قَارَبَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ. ــ وقوله: " فعظم حق أبى بكر - رضى الله عنه - وأنه لم يحمله على الذى صنع نفاسة على أبى بكر ". زاد فى رواية الليث فى غير مسلم: " وحدث أنه لم يحمله على الذى صنع " وهو بيان الكلام. وفى هذا كان صحة مذاهب أهل السنة فى صحة خلافة أبى بكر [الصديق] (١) - رضى الله عنه - والإجماع عليها، بخلاف ما تدعيه الشيعة والرافضة. وقد يكون الذى وجد على - رضى الله عنه - ما فى نفسه من الحق الذى استبد عليه فيه؛ أنه لم يشاور عند عقد البيعة لأبى بكر - رضى الله عنه - ولا عقدت لمحضره، وكان من حق مثله ذلك. لكن عذر ذلك بين المبادرة خوف الخلاف حينئذ. وقوله: " لحقوقه التى تعروه ونوائبه ": يريد ما تطرأ عليه من حق ويغشاه. يقال: عروته واعتريته وعررته واعتررته: إذا أتيته تطلب منه حاجة.

стр. 3272

٥٤ - (...) وحدَّثنا ابْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الحُلْوَانِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ - حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرِاثَهَا، مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَيْهِ. فَقَاَلَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ". قَالَ: وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا ــ وقوله فى حديث زهير بن حرب والحلوانى: فقال لهما أبو بكر - رضى الله عنه -: " لا نورث، ما تركنا صدقة "، وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر: فيه حذف ونقص، وتمامه فى الحديث قبله: " فوجدت فاطمة على أبى بكر - رضى الله عنه - فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر ". قال الإمام: خرج مسلم فى بعض طرق هذا الحديث: نا زهير بن حرب وحسن الحلوانى، قالا: نا يعقوب بن إبراهيم، قال: نا أبى عن صالح، عن ابن شهاب، عن عروة. هكذا إسناده عند الجلودى، وفى نسخة ابن العلاء: نا يعقوب بن إبراهيم. وخرجه أبو مسعود الدمشقى عن مسلم فقال: نا زهير بن حرب، قال بعضهم: وأكثر ما يجىء مسلم بنسخة صالح بن كيسان هذه عن زهير وحسن جميعاً عن يعقوب. قال القاضى: تفسير صدقات النبى ﷺ للذكور فى هذه للأحاديث، وذلك أن صدقاته التى تخلفها ﷺ تصيرت إليه بثلاثة حقوق: أحدها: ما وهبه النبى ﷺ ، وذلك وصيته مخيريق اليهودى عند إسلامه يوم أحد، وكانت سبعة حوائط فى بنى النضير، وما أعطاه الأنصار من أراضيهم، وذلك ما لم يبلغه الماء، وكان منه موضع بسوق المدينة، وكان هذا ملكاً له ﷺ . ومن هذا - والله أعلم - أقطع الزبير بالمدينة ما جاء من مال بنى النضير - والله أعلم - إذ لا يقطع إلا ما يملك لا ملك غيره. الثانى: حقه من الفىء من سائر أرض بنى النضير حين أجلاهم، كانت له خاصة؛ لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وقسم بين المسلمين أموالهم إلا ما حملته الإبل غير السلاح، حسبما كان وافقهم عليه عند إجلائهم، وحبس الأرض لنفسه ولنوائب المسلمين.

стр. 3273

مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَكَ، وَصَدَقَتِهِ بِالمَدِينَةِ. فَأَبى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلا عَمِلْتُ بِهِ، إِنِّى أَخْشِى إِنْ تَرَكْتُ ــ وكذلك نصف أرض فدك صالح أهلها بعد خيبر على نصفها، فكان خالصاً لها. وكذلك ثلث أرض وادى القراء أخذه فى الصلح مع يهود أهلها، وكان لهم ثلثا الأرض وكذلك حصنان من حصون خيبر؛ الوطيح والسلالم، أخذهما صلحاً على أن إجلاء من فيه عنهما. الثالث: سهم من خمس خيبر وما افتتح منها عنوة، وهو حصن الكتيبة، كان من خمس الغنيمة منها، واقتسم الناس سائر ما أخذه منها عنوة. قال أكثرهم: فكان هذا خاصاً بالنبى ﷺ لم يستأثر به، وصرفه فى مصالح المسلمين بعد إخراج حاجته وحاجة عياله وآله، ووضع ذلك حيث شاء مما فيه المنفعة للمسلمين. وكافة العلماء على أنها صدقات محرمات التمليك بعده. فأما ما كان من ذلك بالمدينة من أقوال بنى النضير ووصيته مخيريق فى جملتها، فهى التى وضع عمه العباس وعلى - رضى الله عنهما - ليقوما عليها ويصرفاها فى مصالح بنى هاشم، وأما ما عداها فأمسكها عمر عنهما لنوائب المسلمين، وصرفها فى المصالح التى كان ﷺ يصرف بقية صدقاته فيها. وأما أبو بكر - رضى الله عنه - فكان يرى أنه خليفة رسول الله ﷺ القائم مقامه فى جميع ذلك، ففعل ما كان يفعل فى مصالح قرابته وغيرهم، ولم ير إخراج ذلك عن نظره. قال الشافعى: كان للنبى ﷺ خالصاً من هذا كله، خمس الخمس من الغنيمة والفىء والأربعة الأخماس الباقية من الفىء، وهو حقه الذى يسوغه الله تعالى له وغير ذلك، يقسمه على من سمى الله سبحانه فى كتابه من الأصناف الأربعة: ذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. يقسمها بينهم لكل صنف ربع ذلك حق عنده من حقوقهم، وهو قول جماعة من العلماء غيره. وقال مالك: الخمس والفىء سواء، وهو مرصد لمصالح المسلمين آخراً ما كان فى زمن النبى ﷺ أولاً ليس لأحد فيه حق معين ولا نصيب مقدر، وإنما بين الله بما سماه مواضع تصريفه لا قسمته بينهم لا ذوى القربى ولا غيره، والنظر فيه للإمام كما كان ﷺ يفعل فيه باجتهاده من قسمته على هؤلاء بما يراه، أو على من يستحقه منهم عنده، ويعطى أقرباء رسول الله ﷺ منهم باجتهاده وكذلك أقرباؤه، ويوقفه لنوائب المسلمين إذا رأى ذلك، كما كان يفعل ﷺ ، وكما قال: " إنما يأكل آل محمد من هذا المال كفافاً "، وهو قول جماعة من العلماء. اختلف القائلون أولاً بتقرير نصيب النبى ﷺ ونصيب ذوى القربى فى حكم ذلك بعد موت النبى ﷺ ، فقال الشافعى مرة: سهم النبى ﷺ يرجع لمصالح المسلمين يصرفه الإمام

стр. 3274

شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ، فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِىٍّ وَعَبَّاسٍ، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا عَلِىٌّ. وَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكُ فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ وَقَاَلَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِى تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِىَ الأَمْرَ. قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى اليَوْمِ. ــ فى الأهم فالأهم، وقال مرة: يرجع إلى أصحاب السهام الباقين ويسقط كَرَّة فيكون القسم على أربعة. وقال مرة: هى للمقاتِلة خاصة؛ لأن النبى ﷺ إنما كان يأخذه لمكانه من الهيبة فى قلوب العدو وطلبه لهم، فالمقاتلة مقامه وعنده فى كل ذلك بقائهم ذوى القربى على ما كان. وقال أبو حنيفة: يسقط بعد موت النبى ﷺ النصيبان، ويقسم الفىء والخمس على الثلاثة الباقية: اليتامى والمساكين وابن السبيل. وعنه - أيضاً -: يرجع سهم النبى ﷺ وسهم ذى القربى فى السلاح والكراع. وقال بعض العلماء نصيب النبى ﷺ للأئمة بعده ملكاً، ونصيب قرابته لقرابتهم، وهو قول أبى ثور فى سهم النبى ﷺ . واختلفوا فى ذى القربى من هم؟ فالجمهور أنهم بنو هاشم وبنو المطلب. وذهب بعض السلف أنهم قريش أجمع. واختلفوا هل يستحقه الفقير منهم خاصة دون الأغنياء أم جميعهم؟ ثم اختلفوا فى قسمهم إياه بعد موته، أهو على السواء، أم بحكم قسمة المواريث لرجوعه إليهم واستحقاقهم له بالقرابة؟ ومذهب الشافعى أنه حق لهم، يسوى فيه بين كبيرهم وصغيرهم وغنيهم وفقيرهم، ولذكرهم سهمان وللأنثى سهم. وقوله ﷺ : " لا نورث ما تركنا صدقة ": حديث مُجتمع على صحته وقبوله من أهل السنة، وأن الكلام جملتان و " ما تركنا " فى موضع رفع بالابتداء و " صدقة " مرفوعة بخبره، خلافاً للإمامية فى تأويل الحديث وتحريفه عن موضعه، وقولهم: إنما هو يورث بالياء " وصدقة " بالفتح، أى ما تركه صدقة فلا يورث " وما " فى موضع المفعول " وصدقة " منصوب على الحال والتفسير. وهذا تدافع من قائله ومخالفة لما فهم منه أهل اللسان، وما حمله عليه أئمة الصحابة من رواة هذا الحديث، وما وقع فى سائر الروايات والألفاظ الأخر من قوله: " لا نورث ما تركنا فهو صدقة " وقوله: " كل مال النبى ﷺ صدقة لا يورث ". وقد اعترض بهذا الهوس أبو عبد الله بن المعلم، أحد أئمة الإمامية على القاضى أبى على بن شاذان، صاحب القاضى أبى بكر الباقلانى وأحد أئمة متكلمى أهل السنة، لما استدل عليه بهذا الحديث، وقال له: إنما نفى وراثة ما تركوه صدقة، وأما ما ترك على غير الصدقة فلا تمنع وراثته. واعتمد بهذه النكتة لعلمه بفصور أبى على فى العربية، فقال له أبو على فى جوابه: لا أعلم ما صدقة من صدقة، ولا أحتاج إليه فى هذه المسألة، فإنه لا شك عندى وعندك أن فاطمة - رضى الله عنها - من أفصح العرب وأعلمهم بالفرق بين

стр. 3275

٥٥ - (١٧٦٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرجَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِى دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِى وَمؤُونَةِ عَامِلِى، فَهُوَ صَدَقَةٌ ". ــ اللفظين، وكذلك العباس وهم ممن يستحقون الميراث، وعلى كذلك - رضى الله عنه - وقد طلبت ميراثها - رضى الله عنها - من النبى ﷺ من أبى بكر - رضى الله عنه - فجاوبها أبو بكر بهذا اللفظ، بما فهمت منه أنه لا شىء لها. وكذلك على وسائر الصحابة - رضى الله عنهم - ولم يعترض أحد منهم بهذا الاعتراض، وكذلك أبوبكر المحتج به. ولا خلاف أنه من أفصح الفصحاء العالمين بذلك، ولو كان اللفظ لا يقتضى المنع لما أورده أبو بكر - رضى الله عنه - ولا تعلق به ولم يسلمه له الآخرون أيضاً، فإن الرفع هو المروى، ومدعى النصب مبطل ونحو هذا أو ما فى معناه. وقال المهلب: معنى قوله هذا ﷺ من معنى قوله: " وإنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة "، وذلك أن الله تعالى بعثه وبعث رسله ليبلغوا عنه، ولا يسألوا على ذلك أجراً ولا مالاً، كما نص [عنه و] (١) عنهم فى محكم كتابه. فحرمت عليهم الصدقة وعلى آليهم، وأن يورث عنهم شىء، نفياً لاكتساب المال، وجمع الدنيا على الأنبياء وتشبثهم بها وتنزيها لهم عنها. هذا فى معنى ما أشار إليه، وذهب الحسن فى معنى قوله: " لا نورث ما تركناه صدقة " أنه خاص للنبى ﷺ من بين الأنبياء. وقال غيره: إلا أن يكون منهم من لم يعرف حكمه، واحتج بقوله عن زكريا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (٢)، وقول من قال: يريد وراثة المال بدليل قوله: ﴿خِفْتُ الْمَوَالِي﴾ (٣) خلاف من قال: أراد وراثة النبوة إذ لا يخاف الموالى عليها. وذهب الجمهور إلى أن ظاهره العموم (٤). وقد روى: " إنا معشر الأنبياء لا نورث "، وفى كتاب أبى داود: " كل مال النبى صدقة، إلا ما أطعمه هبة أو كساهم لا يورث " (٥). وقوله: " لا يقتسم ورثتى ديناراً ولا درهماً " قيل: هو تنبيه على ما بعده، ومن الأدنى على الأعلى، والقليل على الكثير، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْك﴾ (٦)، وكما قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ (٧). وقال الطبرى: وليس قوله هذا بمعنى النهى؛ إذ إنما ينهى عما يمكن وقوعه ولا ينهى عما لا سبيل إلى فعله،

стр. 3276

(...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ أَبِى عُمَرَ المَكِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٥٦ - (١٧٦١) وحدَّثنى ابْنُ أَبِى خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكْرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارِكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ". ــ وإنما هو بمعنى الخبر، أى لا يقسمونه، أى إنى لا أخلفها. وذهب ابن علية وبعض أهل البصرة أن النبى ﷺ لم يورث؛ لأن الله - سبحانه - خصه بأن جعل ماله كله صدقة. قال القاضى: وقوله: " لا ": وفيه قول الجمهور، وهو أصح وأشهر وأولى. بمعنى الحديث، إذ آخر الحديث راجع إليه ومفسر له. من قوله: " ما تركت صدقة " لأنه جاء به بغير واو العطف [وتأول سياق الكلام، ولو كان كما قال لكانت جملتين منقطعتين يحتاج لابتداء الثانية واو الابتداء أو واو العطف] (١). وقوله: " ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤونة عاملى فهو صدقة ": رفع للإبهام الذى دخله بتغيير الإعراب من تقدم؛ إذ لا يتفق له هنا دعوى الحال والنصب وتحريف الكلام. وقوله: " ومؤونة عاملى ": فقيل: هو القائم على هذه الصدقات والناظر فيها، وقيل: كل عامل للمسلمين من خليفة وغيره؛ لأنه عامل النبى ﷺ فى أمته، وقيل: العامل هنا حافر القبر، وهذا بعيد، إذ لم يكونوا يحفرون حينئذ بأجرة، فكيف له ﷺ . استدل بعضهم من هذا الحديث أن الحبس لا يكون بمعنى الوقف [حتى تقول ... الوقف صدقة ... على أحد قولى مالك وتسميته ترك صدقة بمعنى الوقف] (٢) لمصالح المسلمين، لا بمعنى ما يعرف أصله ويملك للمتصدق عليه. وللوقف ثلاثة ألفاظ: وقف وحبس وصدقة، إذا كان المراد بها بمعنى الوقف. وقد اختلف المذهب عندنا إذا أطلق مجرد أحد هذه الألفاظ لمعين، هل يكون مؤبداً؟ أو يكون بمعنى العُمْرَى ترجع لمالكها حتى لو كان اللفظ بصدقة حبس؟ أو لا تباع ولا توهب أو مؤبداً أو لا يورث؟ وقد قال بعض أصحابنا: وإن لفظ الوقف من بينهما على التأبيد بلا خلاف، بخلاف اللفظين الأخريين. وقد قيل: وإنها وإن كانت لمعين فسواء أطلق، أو قال: حبس صدقة، وكذلك قيل: هى لا تباع ولا توهب، فهى على معنى التعمير حتى الآن، حتى يذكر التأبيد أو ما يرفع الإشكال.

стр. 3277

(١٧) باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين ٥٧ - (١٧٦٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، كِلاهُمَا عَنْ سُلَيْمٍ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ عنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَسَمَ فِى النَّفَلِ: لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا. (...) حدَّثناه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. مِثْلَهُ. وَلمْ يَذْكُرْ: فِى النَّفَلِ. ــ وقوله: " قسم رسول الله ﷺ فى النفل: للفرس سهمين، وللرجال سهماً ": كذا للعذرى والخشنى، ولغيرهما: " وللرجل ". فيه تسمية الغنيمة نفلاً. ويحتج به من ذهب إلى أن المراد بالآية الأولى فى سورة الأنفال الغنائم المذكورة فى الآية الثانية. قال الإمام: هكذا مذهب مالك فى القسمة المستحقة فى أصل القتال، يقسم للفرس سهمان، وللرجل سهماً. وقال أبو حنيفة: بل يقسم للفرس سهم كما يقسم للرجل، ولا يكون أعظم منه حرمة، ولو كان معه ثلاثة أفراس لم يسهم للثالث. واختلف فى الإسهام للثانى، فقيل بإثباته، وقيل بنفيه. وحمل أبو حنيفة ما وقع من الأثر على أن المراد بقوله: " سهمان للفرس " أى هو وفارسه، خروج عن الظاهر؛ لأنه إنما أضاف هذا للفرس. قال القاضى: أما مع رواية: " وللرجل " فبين، وأما مع رواية: " وللراجل " فمحتمل، لكن يرفع هذا الاحتمال ما ورد مفسراً فى حديث ابن عمر هذا من رواية أبى معاوية وابن نمير وأبى أسامة وغيرهم؛ أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه (١). ومثله عن أبى عمرة الأنصارى وابن عباس. وبقول مالك قال سفيان الثورى والأوزاعى والليث بن سعد والشافعى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والطبرى، وروى مثله عن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز - رضى الله عنهم - والحسن وابن سيرين ومجاهد. ولم يتابع أحد أبا حنيفة على قوله، إلا شىء روى عن على وأبى موسى وبقول مالك - أيضاً - أنه لا يسهم إلا لفرس واحد قاله الشافعى وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وروى مثله عن الحسن. وذهب الثورى والأوزاعى وأبو يوسف والليث بن سعد إلى أنه يسهم للفرسين. وروى - أيضاً -

стр. 3278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مثله عن الحسن ومكحول ويحيى بن سعيد وابن وهب ومحمد بن الجهم من المالكيين، ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا سفيان؛ روى عن سليمان بن موسى أنه يسهم لمن غزى بأفراس، لكل فرس سهمين (١).

стр. 3279

(١٨) باب الإمداد بالملائكة فى غزوة بدر وإباحة الغنائم ٥٨ - (١٧٦٣) حدَّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِى سماكٌ الحَنَفِىُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِى أَبُو زُمَيْلٍ - هُوَ سماكٌ الحَنَفِىُّ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: " اللَّهُمَّ، أَنْجِزْ لِى مَا وَعَدْتَنِى. اللَّهُمَّ، آتِ مَا وَعَدْتَنِى. اللَّهُمَّ، إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصَاَبَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِى الأَرْضِ "، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ. فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ. وَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللهِ، كَذَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَاوَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي ــ ذكر مسلم فى غزوة بدر حديث هناد بن السرى: نا ابن المبارك عن عكرمة بن عمارة، وذكر الحديث، وزاد فى رواية الطبرى بعد قوله: " لما كان يوم بدر ": وحدثنى زهير بن حرب - واللفظ له - نا عمر بن يونس الحنفى، عن عكرمة بن عمارة، وذكر بقية السند ورجع إلى الحديث بكماله، ولم يكن عند غير الطبرى. وقوله: " فما زال يهتف بربه ": أى يصيح بالدعاء والاستغاثة به، كما قال تعالى فى هذه اللفظة: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُم﴾ (١). وقول أبى بكر له: " كذاك مناشدتك ربك ": كذا لكافة الرواة، وللعذرى بالفاء، وهما بمعنى: وكذاك حسبك، وقد رواه البخارى: " حسبك " (٢). قال القتبى: معنى: كذاك: حسبك، ومثله قولهم: إليك عنى، أى تنح، وأنشد:

стр. 3280

مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِين﴾ (١) فَامَدَّهُ اللهُ بِالمَلائِكَةِ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِى أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الفَارِسِ يَقُولُ: أَقِدِمْ حَيْزُومُ. فَنَظَرَ إِلَى المُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ. فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ. فَجَاءَ الأَنْصَارِىُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: " صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ "، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعينَ. ــ يقلن وقد تلاحقت المطايا ... كذاك القول إن عليك عينا معناه: كف القول، ويصح أن تكون " مناشدتك ربك " مرفوعاً بـ " كفاك "، ومن نصب " مناشدتك ربك " على ما ضبطناه عن أبى بحر، فعلى المفعول بما فى " حسبك وكذاك وكفاك " من معنى الفعل من الكف. وتقدم تفسير المناشدة وهو السؤال، وأصله رفع الصوت. ومناشدة النبى ﷺ ليراه أصحابه بتلك الحال، فتقوى قلوبهم بدعائه وتضرعه. وقد كان وعده الله - تعالى - وتثبيت إحدى الطائفتين أنها له وعلم فوات الواحدة. وقد كان على ثقة من ربه فى ذلك ولم يشك فيما وعده حتى يثبته أبو بكر - رضى الله عنه - بقوله: إن الله منجز لك ما وعدك، فقوة يقين النبى ﷺ فوق قوة أبى بكر بغير مرية؛ ولهذا أمسك لما قال له أبو بكر - رضى الله عنه - ما قال؛ إذ ظهر له من قوة يقينه وطمانينة نفسه ما علم الله - تعالى - به وجواب دعائه، وأيضاً فليبين لأمته اللجأ إلى الله والاستغاثة إليه فى الشدائد. وقوله: " أقدم حيزوم ": وكذا ضبطناه عن أبى بحر بضم الدال، كأنه من التقدم. وقال ابن دريد: " أقدم " بقطع الألف وكسر الدال من الإقدام، قال: وهى كلمة زجر للفرس معلوم فى كلامهم. وعند الجمهور: " خيروم "، وهو اسم فرس. فى رواية العذرى: " خيزون " بالنون، والأول المعروف. وقوله: " فإذا هو قد خُطم أنفه ": الخطم: الأثر على الأنف، كما يخطم البعير بالكى. يقال خطمت البعير: إذا وسمته بالكى بخط من الأنف إلى أحد خديه، وقد يكون معناه: أنه إن أبقت به الضربة أثراً مثل أثر الخطام، وهو نحو الزمام إلا أن الزمام

стр. 3281

قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ: " مَا تَرَوْنَ فى هَؤُلاءِ الأُسَارَى؟ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِىَّ اللهِ، هُمْ بَنُوا العَمِّ وَالعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأَخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً، فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الكُفَّارِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ للإِسْلامِ. فَقَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ :" مَا تَرَى يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟ ". قُلْتُ: لا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرَى الَّذِى رَأَى أَبُوبَكْرٍ، وَلَكِنِّى أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّى مِنْ فُلانٍ - نَسِيبًا لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلاءِ أَئِمَّةُ ــ أرق منه، ويبين هذا كله قوله متصلاً: " كضربة سوط "، وأنه أراد الأثر. ما ذكر من خبر اختلاف أبى بكر وعمر - رضى الله عنهما - فى شأن فداء الأسرى. وقوله: جئت من الغد، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدان يبكيان، وقوله: " أبكى للذى عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة "، وذكر نزول الآية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ (١) وقوله: " فأحل الله الغنيمة لهم ": هذا الفصل كله من مشكلات القرآن والحديث، وبيانه إن شاء الله تعالى: أنه لا يعتقد أن النبى ﷺ ومن معه عصوا فيما فعلوه من ذلك حتى استحقوا العذاب؛ إذ لا يعذب إلا على مخالفة أمر، ولم يتقدم فى ذلك نهى فتقع فخالفته فيه، بل قد تقدمت الإباحة لسرية عبد الله بن جحش الكائنة قبل هذا بأزيد من عام، وهى التى قتل فيها ابن الحضرمى كافراً، وفودى فيها بابن كيسان وصاحبه، فما عاتبهم الله عليها ولا أزرى بهم، لكن لما كان أمر بدر عظيم الموقع عتبهم الله فى نزلهم إلى أهون الخطبين من الفداء، ووبخهم على ذلك، وأراهم ضعف اختيار من اختار ذلك منهم، وتصويب رأى من كان رأى القتل. وقيل: بل الآية كلها على معنى المن بنعمته تعالى عليهم من قليل الغنائم لهم، وهو معنى قوله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَق﴾ (٢) أى بتحليل الغنائم لكم، أو بأنه لا يعذبكم بما فعلتم. فهذا كله يدل أنه لا ذنب لهم، إذ أنهم إنما فعلوا ما أحل لهم فى الكتاب. وقيل: هذا كله المراد به غير النبى ﷺ وعليه أصحابه - رضى الله عنهم - بل من كان ركن إلى غرض الدنيا منهم. وقيل: هم الذين شغلوا بالنهب دون القتال حتى خشى عمر كَرَّة العدو عليهم، وأنه المراد بقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدَّنْيَا﴾. وبكاء النبى ﷺ وإشفاقه لما ورد فى التشديد على هؤلاء من التوبيخ والتقريع، أو لما

стр. 3282

الكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا. فَهَوِىَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبكيَانِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِى مِنْ أَىِّ شَىْءٍ تَبْكِى أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاَءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أَبْكِىَ لِلَّذِى عَرَضَ عَلَىَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخَذِهِمُ الفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَىَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ " - شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِىِّ اللهِ ﷺ وَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا﴾ (١)، فَأَحَلَّ اللهُ الغَنِيمَةَ لَهُمْ. ــ أعلم به ﷺ أنه سيقتل منهم عام قابل مثل من فدى. وقد يكون هذا إشارة إلى معنى عذابهم ومعاقبتهم على فعلهم؛ إذ ورد فى بعض الأخبار أنه أمر ﷺ بتخييرهم على أن يقتلوا الأسرى أو يفادوهم على أن يقفل من عام قابل مثلهم. ومعنى " فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ": أى مالت إليه نفسه ووافقه. يقال منه: هوى يهوى هوى، قال الله تعالى: ﴿بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُم﴾ (٢)، وقد جاء هوى يهوى بمعنى مال، قال الله : ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِم﴾ (٣). وقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْض﴾: أى حتى يكئر القتل والإيقاع بالعدو، وقيل: حتى يقهر، ومعناه قريب.

стр. 3283

(١٩) باب ربط الأسير وحبسة، وجواز المنّ عليه ٥٩ - (١٧٦٤) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِى حَنِيفةَ يُقَالَ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ - سَيِّدُ أَهْلِ اليَمَامَةِ - فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى المسْجِدِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَاَلَ: عِنْدِى يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ. وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ تعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَانَ مِنَ الغَدِ، فَقَالَ: " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ". قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيْدُ المَالَ فَسَلْ تُعْط مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَركَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَانَ مِنَ الغَدِ، فَقَالَ: " مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامةُ "، فَقَالَ: عِنْدِى مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ "، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ ــ وقوله فى حديث ثمامة: " إذ جىء به أسيراً فربط بسارية المسجد ": ولعل هذا كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُون نَجَس﴾ (١)، وقد كان المشركون يدخلون على النبى ﷺ فى مسجده أولاً كثيراً وهذا مما يحتج به الشافعى فى جواز دخول الكفار المساجد كلها، وقاله أبو حنيفة فى أهل الكتاب خاصة. قال أبو حنيفة: وكذلك الحرم ومسجده. ومنع ذلك لجميعهم فى الحرم ومسجده وسائر المساجد، وهو قول عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - وقتادة، وقاله المزنى. وقيل: لعله كان أعلم بإسلامه، والأول أظهر لما قدمناه. وفيه جواز ربط الأسير وتقييده، وكذلك من عليه حق وألَدَّ به. وقوله: " إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر ": معناه: ذا قدر يشتفى بدمه وقتله. وقوله: " أطلقوا ثمامة "، قال الإمام: فيه دلالة على جواز المن على الأسير، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه. وقوله: " فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ". قال الإمام: أما غسله عند الإسلام فإن مالكاً يأمر به، ويقول: الكافر جنب إذا أسلم اغتسل وبعض أصحابه يقول:

стр. 3284

مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا مُحَمَّدُ، وَاللهِ، مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَد أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوجُوهِ كُلِّهَا إِلَىَّ - واللهِ، مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَىَّ. وَاللهِ، مَا كَانَ مِنْ بَلِدٍ أَبْغَضَ إِلَىَّ مَنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلادِ كُلِّهَا إِلَىَّ وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِى وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ. فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ فَقَالَ: لا، وَلَكِنِّى أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَلا، وَاللهِ لا يَأتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . ٦٠ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الحَنَفِىُّ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الحَمِيدِ ــ إن جنابته فى حال الكفر ذمها الإسلام وأبطل حكمها، فلا يلزمه غسل. وقد ألزمه بعض شيوخنا أن يصلى بغير وضوء، ويكون حدثه الأصغر أبطل حكمه الإسلام. قال القاضى: بإيجاب الغسل عليه قال أحمد وأبو ثور، وبسقوط وجوبه عليه قال الشافعى، قال: وأحب إلى أن يغتسل، ونحوه لابن القاسم. ولمالك - أيضاً - أنه لم يعرف الغسل، رواه عنه ابن وهب وابن أبى أويس. وقوله: " فانطلق إلى نخلٍ قريب من المسجد ": كذا ضبطناه فى كتاب مسلم والبخارى (١). قال بعضهم: صوابه: " بنجل " بالجيم، وهو الماء القليل المنبعث. وقيل: الجارى. قال ابن دريد: النجل أول ما ينبعث من البئر إذا حفرت. واستنجل الوادى: إذا ظهر ماؤه. وفى تكرار النبى ﷺ عليه السؤال أياماً ثلاثة [طعاماً] (٢) فى إسلامه، واستئلافاً لمثله من أشراف الناس ليسلموا فيتبعهم من وراءهم، ثم تركه هو الإجابة حتى من عليه دليل على صحة يقينه وعلو همته، وأنه لم يسلم على القسر والقهر أو من اختياره وطيب نفسه. وقوله: " إن خيلك أخذتنى وأنا أريد العمرة " وأن النبى ﷺ أمره أن يعتمر. هذا وإن لم يكن واجباً عليه ما عقده فى الكفر فهو مستحب ليتم ما عقده لله - سبحانه - وإن لم يلزمه حين كفره، وأن يكون يفعل ذلك بعد إسلامه فينال أجره، ولما فى ذلك من غيظ

стр. 3285

ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعِيدٍ المَقْبَرِىُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلاً لَهُ نَحْوَ أَرْضِ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بَرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الحَنَفِىُّ - سَيِّدُ أَهْلِ اليَمَامَةِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: إِنْ تَقْتُلنِى تَقْتُلْ ذَا دَمٍ. ــ الكفار بمكة، إذ أتاها مثله مسلماً من صناديد العرب ورؤساء القبائل، ممن يحذرونه ويرجونه ولا يقدرون على أذاه. فلم يكن حينئذ بَعْدُ الحج واجباً ولا العمرة على من قال بوجوبها.

стр. 3286

(٢٠) باب إجلاء اليهود من الحجاز ٦١ - (١٧٦٥) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِى المَسْجِدِ، إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فقَالَ: " انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ "، فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى جِئْنَاهُمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا "، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ، يَا أَبَا القَاسِمِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ذَلِكَ أُرِيدُ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا "، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ذَلِكَ أُرِيدُ "، فَقَالَ لَهُمْ الثَّالِثَةَ. فَقَالَ: " اعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ للهِ وَرسُولِهِ، وَأَنِّى أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلا فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ للهِ وَرَسُولِهِ ". ٦٢ - (١٧٦٦) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ - قَالَ ابْنُ رَافِع: حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ يَهُودَ بَنِى النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسولَ اللهِ ﷺ ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَنِى النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَتَلَ ــ وقول النبى ﷺ لليهود: " أسلموا تسلموا "، فقالوا: قد بلغت، قال: " ذلك أريد": أن تشهدوا على أنفسكم أنى بلغتكم. وفيه تجنيس الألفاظ وهو من أبواب البديع وخصائص البلاغة. وإجلاء النبى ﷺ اليهود من المدينة، وإجلاء عمر - رضى الله عنه - لهم من جزيرة العرب، وما ذكره مسلم من الأحاديث فى ذلك تقدم الكلام عليه فى الوصايا. وقوله: " فإن الأرض لله ورسوله ": أى ملكها والحكم فيها. وفيه: " وأقر قريظة ومنَّ عليهم، حتى حاربت، فقتل رجالهم وسبى نساءهم وأولادهم وأموالهم ": فيه أن المعاهد والذمى إذا نقض العهد كان حكمه حكم المحارب، وأن للإمام محاربتهم. ولا خلاف فيم إذا حاربوا أو أعانوا أهل الحرب وله أن يبتديهم بالحرب إذا صح عنده نقض عهده، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء﴾ الآية (١). قال أبو عبيد: أى توقعت لهم خيانة أو غدراً أو غشاً أوَ نحو ذلك.

стр. 3287

رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلا أَنَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَهُودَ المَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِى قَيْنُقَاعَ - وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ - وَيَهُودَ بَنِى حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِىٍّ كَانَ بِالمَدِينَةِ. (...) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، هَذَا الحَدِيثَ. وَحَدِيثُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَكْثَرُ وَأَتَمُّ. ــ قال الأوزاعى: وكذلك إذا أطلعوا أهل الحرب على عورة المسلمين أو عيونهم. وليس هذا نقضاً عند الشافعى.

стр. 3288

(٢١) باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب (١) ٦٣ - (١٧٦٧) وحدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الضَّحَاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، حَتَّى لا أَدَعَ إِلا مُسْلِمًا ". (...) وحدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ. ح وَحَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ - كِلاهُمَا عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3289

(٢٢) باب جواز قتال من نقض العهد، وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم ٦٤ - (١٧٦٨) وحدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ - عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِىَّ قَالَ: نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى سَعْدٍ، فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَرِيبًا مِنَ المَسْجِدِ، قَالَ رَسُولُ ــ وقوله: " نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ ": فيه جواز التحيم فى أمور المسلمين العظام، ولم يخالف فى التحكيم إلا الخوارج. والنزول على حكم الإمام وحكم غيره جائز، ولهم الرجوع عنه ما لم يحكم، فإذا حكم لم يكن للعدو الرجوع، ولهم أن يستقلوا من حكم رجل قبل حكمه إلى غيره. وهذا كله إذا كان الحكم ممن يجوز تحكمه من أهل السعة والعلم والديانة، فإذا حكم لم يكن للمسلمين ولا للإمام المجيب لتحكيمه نقض حكمه. وهذا إذا حكم بما هو نظر للمسلمين من قتل أو سبى أو إقرار على الجزية أو إجلاء، فإن حكم بغير هذا من الوجوه التى لا تتيحها الشريعة لم ينفذ حكمه، لا على المسلمين ولا على العدو. وقوله فأرسل النبى ﷺ إلى سعد بن معاذ، فأتاه على حمار، فلما دنا قريباً من المسجد قال النبى ﷺ : " قوموا إلى سيدكم ": قال بعضهم: انظر قوله: " من المسجد " وكذا جاء فى حديث شعبة فى مسلم والبخارى (١)، وأراه وهماً، فإن كان أراد مسجد النبى ﷺ فقد جاء سعد بن معاذ وفيه كان، على ما سيأتى تفسيره فى الحديث الآخر، والنبى ﷺ إنما كان - وحين وجه إليه - نازلاً على بنى قريظة، ومنها وجه فى سعد ليأتيه، إلا أن يريد مسجداً اختصه النبى ﷺ هناك كان يصلى فيه مدة مقامه، قال: والصحيح ما جاء فى غير كتاب مسلم: " فلما دنا من رسول الله ﷺ ، أو فلما أطلع على رسول الله ﷺ " كذا جاء فى كتاب أبى داود وابن أبى شيبة (٢)، فيحتمل أن المسجد تصحيف من

стр. 3290

الله ﷺ للأَنْصَارِ: " قُومُوا إِلَى سَيِّدكُمْ " أَوْ " خَيْرِكُمْ ". ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ ". قَالَ: تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَتَسْبِى ذُرِّيَّتَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " قَضَيْتَ بِحُكْمَ اللهِ " وَرُبَّمَا قَالَ: " قَضَيْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ "، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ المُثَنَّى: وَربُّمَا قَالَ: " قَضَيْتَ بِحُكْمِ المَلِكَ ". (...) وحدَّثنا زهُيْرَ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَن شُعْبَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ ". وَقَالَ مَرَّةً: " لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ المَلِكِ ". ٦٥ - (١٧٦٩) وحدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ الهَمْدَانِىُّ، كِلاهُمَا عَنِ ابنِ نُمَيْرٍ. قَالَ ابْنُ العَلاءِ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ــ لفظة النبى ﷺ ، وأن صوابه: " فلما دنا من النبى ﷺ " كما جاء فى الحديث الآخر فى الأصول: " فلما دنا من رسول الله ﷺ ". وفى قوله: " قوموا لسيدكم ": فيه ما يلزم من إكبار عظيم القوم وأهل الخير وتلقيه، والقيام له إذا أقبل، وأن هذا القيام ليس المنهى عنه عند أكثر العلماء ومحققيهم، وإنما القيام المنهى عنه أن يقام عليه [وهو جالس] (١) قياماً طول جلوسه. ويدل على صحة هذا التأويل قيام النبى ﷺ لتلقى غير واحد، وقوله حين نهاهم عن القيام عليه إذا صلى جالساً، وذكر لهم أنه فعل فارس والروم لملوكها. ويبينه قول عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - للناس: إن تقوموا نقم، هان تقعدوا نقعد. فقد بين أن القيام الذى كره إنما هو إذا كانوا قياماً على رأس الجالس. وقد تأول الحديث بعض من يمنع القيام جملة أنه إنما أمرهم بالقيام لينزلوه عن الحمار لمرضه الذى به. وقد اختلف تأويل الصحابة من عَنِىَ النبى ﷺ بذلك؟ هل الأنصار خاصة؟ أم جميع من حضر من المهاجرين معهم؟ وقوله ﷺ : " لقد قضيت فيهم بحكم الملك ": كذا رويناه فى هذا الكتاب بغير خلاف، وقد ضبطه بعضهم فى كتاب البخارى (٢) بالوجهين؛ فتح اللام وكسرها. فالمعنى - والله أعلم - بالملك: اللهُ تعالى. والملك بفتح اللام - إن صحت هذه الرواية - جبريل، والرواية الأولى أصح لقوله ى الحديث الآخر: " بحكم الله ".

стр. 3291

قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ - يُقَالُ لَهُ: ابْنُ العَرِقَةِ - رَمَاهُ فِى الأَكْحَلَ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً فِى المَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ. فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلاحَ، فَاغْتَسَلَ، فَأَتَاَهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَنفُضُ رَأسَهُ مِنَ الغُبَارِ. فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلاحَ؟ وَاللهِ، مَا وَضَعْنَاهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَيْنَ؟ "، فَأَشَارَ إِلَى بَنِى قُرَيْظَةَ، فَقَاتَلهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ. قَالَ: فَإِنِّى أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ، وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ. ــ قال الإمام: ووقع فى حديث [مصاب] (١) سعد [يوم الخندق] (٢): أن الذى رماه رجل من قريش ابن العرقة، بالعين المهملة وكسر الراء، بالقاف. قال أبو عبيد: هى أمه. قال ابن الكلبى: اسم هذا الرجل حِبّان، بكسر الحاء، ابن أبى قيس بن علقمة ابن عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤى بن غالب، قال: واسم العرقة: قلابة، بكسر القاف وبالباء المنقوطة بواحدة، بنت سعيد بن سهم بن عمرة ابن هُصيص (٣). وهى أم عبد مناف بن الحارث. قال: سميت بالعرقة لطيب ريحها. قال: والعرقة تكنى أم فاطمة. قال القاضى: كذا قال ابن الكلبى فى اسم ابن العرقة: " حبان "، وكذا ذكره ابن إسحاق، إلا أنه قال ابن قيس. وكذا قال هشام بن عروة فى ابن حبان، وكذا ضبطه الدارقطنى وغيره - من أصحاب الضبط والإتقان - بكسر الحاء. وذكر ابن عقبة أن اسم ابن العرقة: جبار بن قيس، أحد بنى العرقة. وخالف أبو عبيد بن الكلبى فيما تقدم، فقال: إن العرقة هى حبان، وخالف الواقدى فى ضبط اسمها فقال: إنما هى العرقة، بفتح الراء. وقال: أهل مكة يقولون ذلك. قال القاضى: وأكثر الناس على ما تقدم. وكذلك ضبطناها عن شيوخنا فى الصحيح. والسير. واختلف فى اسم أبيها، فقيل: سعيد، كما تقدم. وقيل: سعد، وأن كحل عرق معروف. قال الخليل: إذا انقطع فى اليد لم يرقأ الدم وهو عرق الحياة فى كل عضو. وقوله فى الحديث الآخر: " فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فرد رسول الله ﷺ الحكم فيهم إلى سعد " يجمع بينه وبين الأول أنهم رضوا بذلك، فنسب الحكم إلى سعد. وقيل: بل كانوا هم رغبوا أن يرد حكمهم إلى سعد، والأشهر أن الأوس رغبوا لرسول الله ﷺ فى العفو عنهم؛ لأنهم كانوا مواليهم، وسألوه أن يفعل بهم ما فعل فى بنى

стр. 3292

٦٦ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: قَالَ أَبِى: فَأُخْبرَتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ ". ٦٧ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِى أَبِى، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ سَعْدًا قَالَ، وَتَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْءِ، فَقَالَ: اللَّهُمْ، إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ، مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ ﷺ وَأَخْرَجُوهُ. اللَّهُمَّ، فَإِنْ كَانَ بَقِىَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَىْءٌ فَأَبْقِنِى أُجَاهِدْهُمْ فِيكَ. اللَّهُمَّ، فَإِنِّى أَظنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَافْجُرْهَا، وَاجْعَلْ مَوْتِى فِيهَا. فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ - وَفِى المَسْجِدِ مَعَهُ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِى غِفَارٍ - إِلا وَالدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ. فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الخَيْمَةِ، مَا هَذَا الَّذِى يَأتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغِذّ دَمًا، فَمَاتَ مِنْهَا. ــ قينقاع من العفو عنهم، حين سأله فيهم عبد الله بن أبى بن سلول الخزرجى، وكانوا أولئك حلفاء الخزرج، فقال لهم النبى ﷺ : " أما ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم " - يعنى من الأوس - يرضيهم بذلك، فرد حكمهم إلى سعد بن معاذ الأوسى، فرضوا بذلك. وقوله: " وتحجر كلمه للبرء "، قال الإمام: الكلم: الجرح، وتحجر قيل: يبس. قال القاضى: فى تمنى سعد انفجار جرحه، وأن يكون موته من ذلك، ليس من تمنى الموت للضر المنهى عنه والدعاء به، وإنما هو من تمنى الشهادة؛ لأنه لما كان جرحه فى سبيل الله تمنى موته منه، ودعا بذلك لتتم شهادته ويموت عليها. وقوله: " فانفجرت من لبته ": كذا روايتنا عن الأسدى، وروايتنا عن الصدفى: " من ليته "، وعند الخشنى من طريق الباجى: " من ليلته "، قالوا: وهو الصواب، كما جاء فى الحديث الآخر. واللبة: المنحر، والليت: صفحة العنق. وقوله: " فإذا جرحه يغذ دماً ": كذا رويناه بكسر الغين عن كافتهم، وعند ابن ماهان: " يصب "، وعند بعضهم: " يغذ دماً " كلّ صحيح، وهو بمعنى يصب فى الرواية الأخرى. ومعنى " يغذ ": أى يدوم سيلانه. يقال: غذ الجرح يغذ: إذا لم يرق، وغدا يغدو، كما قال فى الحديث الآخر: " فما زال يسيل حتى مات ". وقوله فى الشعر:

стр. 3293

٦٨ - (...) وحدَّثنا عَلِىُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ سُلَيْمَانَ الكُوفِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَانْفَجَرَ مِنْ لَيْلَتِهِ. فَمَا زَالَ يَسِيلُ حَتَّى مَاتَ. وَزَادَ فِى الحَدِيثِ قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ: أَلا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِى مُعَاذٍ ... فمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ لَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِى مُعَاذٍ ... غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لا شَىْءَ فِيهَا ... وَقِدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ وَقَدْ قَالَ الكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ ... أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ وَلاتَسِيرُوا وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالاً ... كَمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانُ الصَّخُورُ ــ ألا يا سعد سعد بنى معاذ ... فما فعلت قريظة والنضير وقوله كذا الرواية فى الأم عند كافة شيوخنا، وصواب الشعر ووجهه: لما فعلت. وكذا رويناه فى السير، ورواه بعضهم فى مسلم. وقوله: تركتم قدركم لا شىء فيها ... وقدر القوم حامية تفور ضرب مثلاً لعزة الجانب وعدم الناصر ومن يغضب لكى يقال للمستثير الغضب: تأبر. يريد بقوله: " تركتم قدركم " الأوس؛ لقتل حلفائهم من قريظة. " وقدر القوم " حامية. " تفور ": يعنى الخزرج؛ لشفاعتها فى حلفائها بنى قينقاع، حتى من عليهم النبى ﷺ وتركهم لعبد الله بن أبى، وهو أبو حباب المذكور فى الشعر. وقوله: كما ثقلت بميطان الصخور وكذا ضبطناه عن رواية الفارسى والسجزى بالميم المفتوحة بعدها باء باثنتين تحتها، وكذا ذكرها أبو عبيد البكرى فى المعجم، إلا أنه ضبطه بكسر الميم، قال: وهو من بلاد مزينة من أرض الحجاز، ووقع فى رواية العذرى: " بميطار " بالراء مكان النون، وفى رواية ابن ماهان: " يحيطان " بالحاء مكان الميم، والصواب ما تقدم. وقال هذا الشعر إنما قاله يحرض سعداً على استبقاء بنى قريظة حلفائه، ويلومه على حكمه فيهم، ويذكره بفعل أبى حباب عبد الله بن أبى بن سلول وشفاعته فى حلفائه بنى قينقاع، ويمدحه بذلك.

стр. 3294

(٢٣) باب المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين ٦٩ - (١٧٧٠) وحدَّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِىُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: نَادَى فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الأَحْزَابِ: " أَلاَّ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلا فِى بَنِى قُرَيْظَةَ "، فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الوَقْتِ، فَصَلَّوا دُونَ بَنِى قُرَيْظَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ: لا نُصَلِّى إِلا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَإِنْ فَاتَنَا الوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ. ــ وقوله ﷺ حين انصرف من الأحزاب: " لا يصلين أحد الظهر (١) إلا فى بنى قريظة "، فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بنى قريظة، وقال آخرون: لا نصلى إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ [وإن فاتنا الوقت. قال: فما عنَّف] (٢) واحداً من الفريقين، قال الإمام: هذا فيه دلالة على أن الإثم موضوع فى مسائل الفروع، وأن كل مجتهدٍ غير ملوم فيما أدَّاه اجتهاده [إليه] (٣) بخلاف مسائل الأصول، وكأن (٤) هؤلاء لما تعارضت عندهم الأدلة فالأمر بالصلاة لوقتها يوجب تعجيلها قبل وصول [بنى] (٥) قريظة، والأمر بألا يصلى إلا فى [بنى] (٦) قريظة يوجب التأخير وإن فات الوقت. فأى الظاهرين يقدم وأى العمومين يستعمل؟ هذا موضع الإشكال، وللنظر فيه مجال.

стр. 3295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال القاضى: مفهوم مراد النبى ﷺ الاستعجال إلى بنى قريظة دون التوانى، لا قصد تأخير الصلاة نفسها. فمن أخذ بالمفهوم صلى حين خاف فوات الوقت، ومن [أخذ] (١) بظاهر اللفظ أخر، ففيه حجة للقائلين بالظاهر وللقائلين بالمفهوم.
следующие страницы →