قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ - يُقَالُ لَهُ: ابْنُ العَرِقَةِ - رَمَاهُ فِى الأَكْحَلَ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً فِى المَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ. فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلاحَ، فَاغْتَسَلَ، فَأَتَاَهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَنفُضُ رَأسَهُ مِنَ الغُبَارِ. فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلاحَ؟ وَاللهِ، مَا وَضَعْنَاهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَيْنَ؟ "، فَأَشَارَ إِلَى بَنِى قُرَيْظَةَ، فَقَاتَلهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ. قَالَ: فَإِنِّى أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ، وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ.
ــ
قال الإمام: ووقع فى حديث [مصاب] (١) سعد [يوم الخندق] (٢): أن الذى رماه رجل من قريش ابن العرقة، بالعين المهملة وكسر الراء، بالقاف. قال أبو عبيد: هى أمه. قال ابن الكلبى: اسم هذا الرجل حِبّان، بكسر الحاء، ابن أبى قيس بن علقمة ابن عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤى بن غالب، قال: واسم العرقة: قلابة، بكسر القاف وبالباء المنقوطة بواحدة، بنت سعيد بن سهم بن عمرة ابن هُصيص (٣). وهى أم عبد مناف بن الحارث. قال: سميت بالعرقة لطيب ريحها. قال: والعرقة تكنى أم فاطمة.
قال القاضى: كذا قال ابن الكلبى فى اسم ابن العرقة: " حبان "، وكذا ذكره ابن إسحاق، إلا أنه قال ابن قيس. وكذا قال هشام بن عروة فى ابن حبان، وكذا ضبطه الدارقطنى وغيره - من أصحاب الضبط والإتقان - بكسر الحاء. وذكر ابن عقبة أن اسم ابن العرقة: جبار بن قيس، أحد بنى العرقة. وخالف أبو عبيد بن الكلبى فيما تقدم، فقال: إن العرقة هى حبان، وخالف الواقدى فى ضبط اسمها فقال: إنما هى العرقة، بفتح الراء. وقال: أهل مكة يقولون ذلك.
قال القاضى: وأكثر الناس على ما تقدم. وكذلك ضبطناها عن شيوخنا فى الصحيح. والسير. واختلف فى اسم أبيها، فقيل: سعيد، كما تقدم. وقيل: سعد، وأن كحل عرق معروف. قال الخليل: إذا انقطع فى اليد لم يرقأ الدم وهو عرق الحياة فى كل عضو.
وقوله فى الحديث الآخر: " فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فرد رسول الله ﷺ الحكم فيهم إلى سعد " يجمع بينه وبين الأول أنهم رضوا بذلك، فنسب الحكم إلى سعد. وقيل: بل كانوا هم رغبوا أن يرد حكمهم إلى سعد، والأشهر أن الأوس رغبوا لرسول الله ﷺ فى العفو عنهم؛ لأنهم كانوا مواليهم، وسألوه أن يفعل بهم ما فعل فى بنى
стр. 3292
٦٦ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: قَالَ أَبِى: فَأُخْبرَتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ ".
٦٧ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِى أَبِى، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ سَعْدًا قَالَ، وَتَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْءِ، فَقَالَ: اللَّهُمْ، إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ، مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ ﷺ وَأَخْرَجُوهُ. اللَّهُمَّ، فَإِنْ كَانَ بَقِىَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَىْءٌ فَأَبْقِنِى أُجَاهِدْهُمْ فِيكَ. اللَّهُمَّ، فَإِنِّى أَظنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَافْجُرْهَا، وَاجْعَلْ مَوْتِى فِيهَا. فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ - وَفِى المَسْجِدِ مَعَهُ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِى غِفَارٍ - إِلا وَالدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ. فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الخَيْمَةِ، مَا هَذَا الَّذِى يَأتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغِذّ دَمًا، فَمَاتَ مِنْهَا.
ــ
قينقاع من العفو عنهم، حين سأله فيهم عبد الله بن أبى بن سلول الخزرجى، وكانوا أولئك حلفاء الخزرج، فقال لهم النبى ﷺ : " أما ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم " - يعنى من الأوس - يرضيهم بذلك، فرد حكمهم إلى سعد بن معاذ الأوسى، فرضوا بذلك.
وقوله: " وتحجر كلمه للبرء "، قال الإمام: الكلم: الجرح، وتحجر قيل: يبس. قال القاضى: فى تمنى سعد انفجار جرحه، وأن يكون موته من ذلك، ليس من تمنى الموت للضر المنهى عنه والدعاء به، وإنما هو من تمنى الشهادة؛ لأنه لما كان جرحه فى سبيل الله تمنى موته منه، ودعا بذلك لتتم شهادته ويموت عليها.
وقوله: " فانفجرت من لبته ": كذا روايتنا عن الأسدى، وروايتنا عن الصدفى: " من ليته "، وعند الخشنى من طريق الباجى: " من ليلته "، قالوا: وهو الصواب، كما جاء فى الحديث الآخر. واللبة: المنحر، والليت: صفحة العنق.
وقوله: " فإذا جرحه يغذ دماً ": كذا رويناه بكسر الغين عن كافتهم، وعند ابن ماهان: " يصب "، وعند بعضهم: " يغذ دماً " كلّ صحيح، وهو بمعنى يصب فى الرواية الأخرى. ومعنى " يغذ ": أى يدوم سيلانه. يقال: غذ الجرح يغذ: إذا لم يرق، وغدا يغدو، كما قال فى الحديث الآخر: " فما زال يسيل حتى مات ".
وقوله فى الشعر:
стр. 3293
٦٨ - (...) وحدَّثنا عَلِىُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ سُلَيْمَانَ الكُوفِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَانْفَجَرَ مِنْ لَيْلَتِهِ. فَمَا زَالَ يَسِيلُ حَتَّى مَاتَ. وَزَادَ فِى الحَدِيثِ قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
أَلا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِى مُعَاذٍ ... فمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ
لَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِى مُعَاذٍ ... غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ
تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لا شَىْءَ فِيهَا ... وَقِدْرُ القَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ
وَقَدْ قَالَ الكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ ... أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ وَلاتَسِيرُوا
وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالاً ... كَمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانُ الصَّخُورُ
ــ
ألا يا سعد سعد بنى معاذ ... فما فعلت قريظة والنضير
وقوله كذا الرواية فى الأم عند كافة شيوخنا، وصواب الشعر ووجهه: لما فعلت. وكذا رويناه فى السير، ورواه بعضهم فى مسلم.
وقوله:
تركتم قدركم لا شىء فيها ... وقدر القوم حامية تفور
ضرب مثلاً لعزة الجانب وعدم الناصر ومن يغضب لكى يقال للمستثير الغضب: تأبر. يريد بقوله: " تركتم قدركم " الأوس؛ لقتل حلفائهم من قريظة. " وقدر القوم " حامية. " تفور ": يعنى الخزرج؛ لشفاعتها فى حلفائها بنى قينقاع، حتى من عليهم النبى ﷺ وتركهم لعبد الله بن أبى، وهو أبو حباب المذكور فى الشعر.
وقوله:
كما ثقلت بميطان الصخور
وكذا ضبطناه عن رواية الفارسى والسجزى بالميم المفتوحة بعدها باء باثنتين تحتها، وكذا ذكرها أبو عبيد البكرى فى المعجم، إلا أنه ضبطه بكسر الميم، قال: وهو من بلاد مزينة من أرض الحجاز، ووقع فى رواية العذرى: " بميطار " بالراء مكان النون، وفى رواية ابن ماهان: " يحيطان " بالحاء مكان الميم، والصواب ما تقدم. وقال هذا الشعر إنما قاله يحرض سعداً على استبقاء بنى قريظة حلفائه، ويلومه على حكمه فيهم، ويذكره بفعل أبى حباب عبد الله بن أبى بن سلول وشفاعته فى حلفائه بنى قينقاع، ويمدحه بذلك.
стр. 3294
(٢٣) باب المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين
٦٩ - (١٧٧٠) وحدَّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِىُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: نَادَى فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الأَحْزَابِ: " أَلاَّ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلا فِى بَنِى قُرَيْظَةَ "، فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الوَقْتِ، فَصَلَّوا دُونَ بَنِى قُرَيْظَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ: لا نُصَلِّى إِلا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَإِنْ فَاتَنَا الوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
ــ
وقوله ﷺ حين انصرف من الأحزاب: " لا يصلين أحد الظهر (١) إلا فى بنى قريظة "، فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بنى قريظة، وقال آخرون: لا نصلى إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ [وإن فاتنا الوقت. قال: فما عنَّف] (٢) واحداً من الفريقين، قال الإمام: هذا فيه دلالة على أن الإثم موضوع فى مسائل الفروع، وأن كل مجتهدٍ غير ملوم فيما أدَّاه اجتهاده [إليه] (٣) بخلاف مسائل الأصول، وكأن (٤) هؤلاء لما تعارضت عندهم الأدلة فالأمر بالصلاة لوقتها يوجب تعجيلها قبل وصول [بنى] (٥) قريظة، والأمر بألا يصلى إلا فى [بنى] (٦) قريظة يوجب التأخير وإن فات الوقت. فأى الظاهرين يقدم وأى العمومين يستعمل؟ هذا موضع الإشكال، وللنظر فيه مجال.
стр. 3295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القاضى: مفهوم مراد النبى ﷺ الاستعجال إلى بنى قريظة دون التوانى، لا قصد تأخير الصلاة نفسها. فمن أخذ بالمفهوم صلى حين خاف فوات الوقت، ومن [أخذ] (١) بظاهر اللفظ أخر، ففيه حجة للقائلين بالظاهر وللقائلين بالمفهوم.
стр. 3296
(٢٤) باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح
٧٠ - (١٧٧١) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ - مِنْ مَكَّةَ - المَدِينَةَ، قَدِمُوا وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَىْءٌ، وَكَانَ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالعَقَارِ، فَقَاسَمهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ أَعْطُوَهُمْ أَنْصَافَ ثِمَارِ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُونَهُمُ العَمَلَ وَالمَؤُونَةَ. وَكَانَتْ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهِىَ تُدْعَى أُمَّ سُلَيْمٍ، وَكَانَتْ أُمَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، كَانَ أَخًا لأَنَسِ لأُمِّهِ، وَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمَّ أَنَسِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِذَاقًا لَهَا، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ، مَوْلاَتَهُ، أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ، وَانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ، رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِى كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ. قَالَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أُمِّى عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ
ــ
وذكر الحديث فى مواساة الأنصار للمهاجرين. فيه فضيلة الأنصار، وما كانوا عليه من الأخلاق الحميدة وكرم النفوس وحب الإسلام وأهله. وأما كفايتهم للعمل والمؤنة على أن يعطوهم أنصاف ثمار أموالهم، فأصل فى المساقاة أيضاً، وليس كل أحد كان معهم بهذا السبيل، إنما ذلك لمن لم يرض أخذ ذلك بغير عوض من المهاجرين.
وقوله: " وكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عِذاقاً: جمع عَذْقٍ، وهى النخلة؛ مثل كلب وكلاب.
وقوله: " فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته ": مما يدل على ما قلناه أنه لم يكن كلُّ ما واسوا به على المساقاة؛ إذ لم يأخذه النبى ﷺ ولا أم أيمن على ذلك، وإنما كانت مواساة وإرفاقاً.
وقول أنس: " فلما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم، ورد رسول الله ﷺ إلى أمى عذاقها ": لأنهم استغنوا بما فتح الله - تعالى - عليهم من الأجحاف بالأنصار، وكذلك فى الحديث الآخر: " حتى فتحت عليهم
стр. 3297
مَكَانهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ مِنْ شَأنِ أُمِّ أَيْمَنَ، أُمِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَيُّهَا كَانَتْ وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَكَانَتْ مِنَ الحَبَشَةِ. فَلَمَّا وَلَدَتْ آمِنَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، بَعْدَ مَا تُوُفِّىَ أَبُوهُ، فَكَاَنَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ، حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَعْتَقَهَا، ثُمَّ أَنْكَحَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ تُوُفِيَتْ بَعْدَ مَا تُوفِّىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ.
٧١ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ البَكْرَاوِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى القَيْسِىُّ، كُلُّهُمْ عَنِ المُعْتَمِرِ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى شَيْبَةَ - حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيمِىُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلاً - وَقَالَ حَامِدٌ وابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: أَنَّ الرَّجُلَ - كَانَ يَجْعَلُ لِلْنَّبِىِّ ﷺ النَّخَلاتِ مِنْ أَرْضِهِ حَتَّى فُتِحَتْ عَلَيْهِ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ، فَجَعَلَ - بَعْدَ ذَلِكَ - يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا كَانَ أَعْطَاهُ.
قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّ أَهْلِى أَمَرُونِى أَنْ آتِىَ النَّبِىَّ ﷺ ، فَأَسْأَلَهُ مَا كَانَ أَهْلُهُ أَعْطُوهُ أَوْ بَعْضَهُ -
ــ
قريظة والنضير " (١). وقد جاء فى الحديث: أن النبى ﷺ قال للأنصار لما فتح الله - سبحانه - قريظة والنضير: " إن شئتم قسمتم أموال بنى النضير بينكم [وبينهم] (٢)، وأقمتم على مواساتكم المهاجرين فى ثماركم، وإن شئتم أعطيتها المهاجرين دونكم، وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم " فقالوا: أعطهم دوننا ونقيم على مواساتهم. فأعطاها النبى ﷺ للمهاجرين، ورد الأنصار منائحهم واستغنوا عنها (٣). وليس فى هذا حجة فى الرجوع فى الهبة؛ لأنها لم تكن هبة أصول، إنما كانت هبة منافع وميراث غير مؤبدة يصح استرجاعها فى كل وقت. والمنائح: العطايا.
كانت أم أيمن وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب من الحبشة، وذكر تزويجها زيد بن حارثة. وكذا ذكره الواقدى أنها حبشية، يبين ما ذكرنا أنها كانت سوداء، وأن لها خرج
стр. 3298
وَكَانَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ - فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَأَعْطَانِيهِنَّ، فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ فِى عُنُقِى وَقَالَتْ: وَاللهِ، لا نُعْطِيكَاهُنَّ وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ. فَقَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " يَا أُمَّ أَيْمَنَ، اتْرُكِيهِ وَلَكِ كَذَا وَكَذَا ". وَتَقُولُ: كَلا. وَالَّذِى لا إِلَهَ إِلا هُوَ. فَجَعَلَ يَقُولُ كَذَا حَتَّى أَعْطَاهَا عَشْرَةَ أَمْثَالِهِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرَةِ أَمْثَالِهِ.
ــ
أسامة بن زيد، وأنها على ما ذكر بعض المؤرخين كانت من سبى الحبشة أصحاب الفيل حين هزمهم الله - سبحانه - لكن يبقى من الاعتراض على ما ذكرنا أنه لو كان ذلك لم ينكر الناس شبه ابنها أسامة لها فى الواد. واسمها بركة وتكنى بأم الضياء، وقد نسبوا بركة بنت حصن بن ثعلبة بن عمر بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، كنيت بابنها أيمن بن عبيد الحبشى (١) - زوجها قبل زيد بن حارثة. والمعروف أن الحبشية إنما هى بركة أخرى جارية، كانت لأم حبيبة، كانت تخدم النبى ﷺ أيضاً. وقد قال ابن عبد البر: وأظنها أم أيمن المذكورة، وقد تقدم من هذا فى باب الضيافة، وإباءة أم أيمن من يرد ما كان [أعطاها] (٢) من مال أهل أنس، مما أعطوه فى عوضها النبى ﷺ عشرة أمثالها؛ ظناً منها أنها كانت منحة مؤبدة، وأراد النبى ﷺ استردادها بدلها؛ لأنه كان يبرها، ولها عليه حق الرضاع والحضانة.
قال الإمام: هذا فيه رد الهبة إن كانوا أعطوها على التأبيد، وقد ذكرنا الاختلاف فى المنافع، هل ينهى عن شرائها كما ينهى عن شراء الرقاب الموهوبة؟ والظاهر أن أم أنس أعطت النبى ﷺ العذاق ملكاً، وقد رده ﷺ عليها. وقد كان بعض شيوخنا يقول: إن كان شراء الهبة بسؤال من الموهوب ورغبة من الواهب والرفق والحض للموهوب فى ذلك فإنه (٣) خارج عما نهى (٤) عنه، والأنصار لم يطلبوا هاهنا رد الهبة، وإن كان أنس حكى عنه مسلم أن أهله أمروه أن يأتى النبى ﷺ فيسأله ما كان أهله أعطوه، قال: فأتيت النبى ﷺ فأعطانيهن. ولعله أعطاه لأنس وليس بواهب، أو علم منه خفة ذلك عليه ورغبته فيه. والعذق (٥)، بفتح العين: النخلة، وبكسر العين: الكباسة. فلعل عذاقاً جمع عذق المفتوح العين.
стр. 3299
(٢٥) باب جواز الأكل من طعام الغنيمة فى دار الحرب
٧٢ - (١٧٧٢) حدَّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ المُغِيرَةٍ - حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلال عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ، يَوْمَ خَيْبَرَ. قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لا أُعْطِى اليَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَبَسمًا.
ــ
[قوله] (١): " أصبت جراباً من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطى اليوم منه أحداً شيئاً "، وفى الرواية الأخرى: " فيه طعام وشحم ": الجراب، بكسر الجيم: المزود. قال الإمام: هذا لأنه من قليل الطعام الذى يحتاج لأكله بعض أهل الجيش. ومالك - رضى الله عنه - يبيح للواحد من الجيش أن يأكل قدر ما احتاج إليه من الطعام [المغنوم] (٢)، ولا يرى ذلك غلولاً (٣).
قال القاضى: أجمع علماء المسلمين على إجازة اكل طعام الحربيين ما دام المسلمون فى دار الحرب، يأخذون منه قدر حاجتهم (٤). وجمهورهم على جواز ذلك بإذن الإمام وغير إذنه، وحكى عن الزهرى أنه لا يكون إلا بإذنه ولم يوافق عليه. وقال الشافعى: لا يأخذ منه إلا بقدر حاجته، فإن أخذ منه فوقها أدى قيمته فى المقام، وكذلك إن أخذ ما لا يضطر إليه فى القوت من الأشربة والأدوية، وأجاز مالك له أخذ ما فضل وأكله فى أهله بعد رجوعه. وقال الأوزاعى: وذلك فيما قل منه. وقال سفيان: يرد ذلك للإمام، وهو قول أبى حنيفة. واختلف فى ذلك قول الشافعى، فأجاز له مرة جملة. وجمهورهم على منعه أن يخرج بشىء منه إلى أرض الإسلام، إذا كان له قيمة، وحكموا له حكم الغنيمة. وقال الأوزاعى: ما أخرج من ذلك إلى أرض الإسلام فهو له (٥).
واختلفوا بعد ذلك فيما يحتاج إليه من غير الطعام من السلاح والدواب والثياب، ليقاتل عليه ويركبه فى رجوعه، ويلبسه مدة مقامه. واختلف فيه قول مالك وأصحابه. وبإجازته قال الثورى والحسن، وممن أجاز استعمال ذلك فى وقت الحرب دون غيره
стр. 3300
٧٣ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ العَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِى حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَقُولُ: رُمِىَ إِلَيْنَا جِرَابٌ فِيهِ طَعَامٌ وَشَحْمٌ، يَوْمَ خَيْبَرَ، فَوَثَبْتُ لآخُذَهُ. قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.
ــ
الشافعى والثورى والأوزاعى وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأبو حنيفة وأبو يوسف (١). وذكر ابن المنذر والخطابى أن هذا مما لم يختلف فيه أهل العلم، إلا أن الأوزاعى شرط فى هذا إذن الإمام (٢). وكذلك فيما قل قدره مما يحتاج إليه كالجلد تقطعه خفافًا ونعلا والإبرة وشبهها، فأجازه مالك وغيره، ونحوه قول ابن حنبل، ومنع ذلك الشافعى وأصحاب الرأى جملة. قال الشافعى: وعليه قيمته إِنْ تلف وأجرة استعماله وما نقصه الانتفاع. ولم يختلف فيما بغ من طعام وغيره إذ ثمنه مغنم.
وقوله فى الحديث: " فرآنى رسول الله ﷺ فاستحييت منه ": أى لما رآه يحرص على أخذه، أو لقوله: " لا أعطى اليوم منه أحداً شيئاً ". وفيه أن الزكاة لا تتبعض؛ إذ لو تبعضت لم تكن إلا على ما يجوز أكله لهم ويحل، ولو لم تجز على الشحم ونعمه لما حل لنا أكله. وفيه جواز أكل شحوم اليهود التى حرمت عليهم، وهو مذهب مالك وأبى حنيفة والشافعى وعامة الفقهاء، إلا أنه مكروه فى المشهور عن مالك، وهو عند غيره دون كراهة، وله نحوه أيضاً. وذهب كبراء أصحاب مالك إلى تحريمها، وحكى ابن المنذر ومحمد بن مالك نحوه، وهو مبنى على أن الزكاة تتبعض، وأنه لا تعمل فيما حرم كما لا تعمل فى اللحم. ومالك فى المشهور عنه والكافة لم تقم عندهم فيه دلالة على التحريم، وقد أحل لنا طعامهم. وجاءت هذه الآثار فى أكل شحومهم فلم يحرم عندهم، لكن مالكاً لما كان المباح طعامه وليس الشحم من طعامهم الذى أحل لهم اتقاه.
وفيه جواز أكل ذبائح أهل الكتاب، وقد أجمع أهل العلم على حلها إذا ذكر اسم الله عليها (٣) وأكثر العلماء على أن المراد بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُم﴾ (٤) أنها
стр. 3301
(...) وحدَّثناه مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَاد. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ. وَلَمْ يَذْكُر الطَّعَامَ.
ــ
الذبائح، إلا ما روى عن ابن عمر من كراهتها. قال الداودى عنه قال: وأى شرك أعظم من قولهم فى المسيح وعزير، قال: ولعله شك أن تكون الآية منسوخةً، والمعروف عن ابن عمر: لا تؤكل ذبائح أهل الكتاب إذا لم يسموا عليها اسم الله - سبحانه - ولم يقل أحد فى الآية: إنها منسوخة، وإنما قيل: إنها ناسخة لآية الأنعام، قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه﴾ (١). وقيل: مخصوصة مستثناة منها.
واختلفوا فيما أهلوا به لغير الله من اسم المسيح أو كنائسها وشبهها، فكرهه مالك والليث والثورى وأصحاب الرأى والنخعى وحماد وإسحاق واكثرهم، وروى مثله عن على. وأباحه عطاء ومجاهد ومكحول والشعبى، وقالوا: آية المائدة ناسخة لآية الأنعام، ومستثناة مخصصة منها، وقالوا: قد علم الله - تعالى - أنهم يقولون ذلك، وقاله ابن حبيب، وكرهه الشافعى.
واختلف إذا ذبح ولم يسم شيئاً، فمنعه أبو ثور، وهو مذهب عائشة - رضى الله عنها - وعلى وابن عمر - رضى الله عنهم. وقال أحمد وإسحاق: لا بأس به واختلفوا إذا ذبحوا ما كان لمسلم وغير ملكهم، فمنعه ربيعة. واختلفوا فيه عن مالك (٢).
стр. 3302
(٢٦) باب كتاب النبى ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
٧٤ - (١٧٧٣) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيهِ. قَالَ: انْطَلَقْتُ فِى المُدَّةِ الَّتِى كَانَتْ بَيْنِى وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّأمِ، إِذْ جِىءَ بِكَتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ - يَعْنِى عَظِيمَ الرُّومِ. قَالَ: وَكَانَ دَحْيَةُ الكَلْبِىُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيم بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَهُنَا أحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِى يَزْعُمْ أَنَّهُ نَبِىٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدُعِيتُ فِى نَفَرٍ مِنْ قُرَيشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِىٌّ؟ فَقَالَ
ــ
حديث [أبى] (١) سفيان وهرقل
قول أبى سفيان: " انطلقت فى المدة التى كانت بينى وبين رسول الله ﷺ ": يريد مصالحته (٢) مع أهل مكة سنة الحديبية عشرة أعوام إلى أن نقضوا عليه، فكان سبب غزوة الفتح.
وذكر فى الحديث أن الذى جاء بكتاب رسول الله ﷺ دحية الكلبى (٣)، قال الإمام: ويقال بفتح الدال وكسرها. وقال ابن السكيت: هو بالكسر لا غير. وقال أبو حاتم: هو بالفتح لا غير. قال المطرز: والدحيى الدوساء، واحدهم دحية.
стр. 3303
أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَاجْلَسُونِى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابى خَلْفِى، ثُمَّ دَعَا بتُرْجُمَانِهِ فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّى سَائِلٌ هَذَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِىٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِى فَكَذِّبُوهُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللهُ، لَوْلا مَخَافَةَ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَىَّ الكَذِبُ لَكَذَبْتُ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ: كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْت: هَوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ. قَال: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: وَمَنْ يَتَّبِعُهُ؟ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا، بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ، بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَال: فَكَيفَ كَانَ قِتَاَلُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْت: تَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالاً، يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ. قَال: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لا، ونَحْنُ مِنْهُ فِى مُدَّةٍ، لا نَدْرِى مَا هَوَ صَانِعٌ فِيهَا.
قَالَ: فَوَاللهِ، مَا أَمْكَنَنِى مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ.
قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا. قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنَّى سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَب، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِى أَحْسَابِ قَوْمِهَا.
ــ
قال القاضى: إنما هو هنا اسم لا صفة، وهو دحية بن خليفة، معروف. " وعظيم بصرى " بضم الباء: أميرها، وهى من مدن الشام، وهى مدينة حروان.
وقول هرقل: " هل هاهنا أحد من قوم هذا الرجل " ثم قوله: " أيكم أقرب نسباً منه ": دليل على أن قوم الرجل أعلم به وبما يشينه ويلحق به؛ لقربه منهم.
وقوله: " فاجلسونى بين يديه وأجلسوا أصحابى خلفى "، وقول هرقل لهم: " إن كذب فكذبوه ". قيل: إنما أجلسهم خلفهم (١) لئلا يستحيوه بالمواجهة إن كذب. وفيه أن خبر الجماعة أوقع فى النفوس من خبر الواحد، لا سيما إن كانوا عددًا كثيراً، فقد يقع العلم بخبرهم.
وقول أبى سفيان: " لولا مخافة أن يؤثر عنى الكذب ": دليل على أن الكذب مذموم مهجور فى الجاهلية والإسلام (٢).
وقوله: " كذلك الرسل تبعث فى أحساب قومها ": دليل على أن الحساب أولاً
стр. 3304
وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ فِى آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ رَجُلٌ يَطلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ. وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ، أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ
ــ
بالتقديم فى أمور المسلمين ومهمات الدنيا والدين؛ ولذلك جعلت الخلافة على قول دهاة المسلمين، وصحيح الآثار فى قريش؛ ولأن ذوى الأحساب أحفظ على تدنيس أحسابهم بما لا يليق بهم.
وقوله فى الضعفاء: أتباع الرسل دون أشرافهم: لأن الرياسة (١) والشرف يأبى من انحطاطه لغيره وتسويد غيره عليه برياسة، وأنفسهم تأنف من الاتباع إلا من هداه الله - سبحانه - لرشده. والضعفاء ليس عليهم معنى للشيطان من ذلك، فكانوا أقبل للاتباع وأطوع للهدى من أولئك، وأعدم لأسباب الأنفة [و] (٢) الحسد فى الظهور منهم.
وقوله: " كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب ": أصل البشاشة: اللطف بالرجل وتأنيسه، يقال: بش وبشش. وهذه الرواية أصح من رواية: " بشاشة القلوب ".
قال الإمام: الذى استدل به هرقل على نبوته ﷺ مما لا ينتصب دليلاً قاطعاً عند المحققين، وإنما الدليل القاطع على النبوءة المعجزات الخارقة للعادات المعلوم منها المعارضات.
وأما قوله: " ذو حسب "، وكون أتباعه شرفاء أو ضعفاء يزيدون أو ينقصون، وهل الحرب سجال أم لا؟ فليس بأدلة قاطعة على نبوة النبى ﷺ ، كما قلنا. ولعل هرقل كان عنده أخبار عن كون هذه علامات فى هذا للنبى ﷺ ، وقد قال فى الحديث: " وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم ".
وكتابته ﷺ إليه فيه دلالة على أن اليسير من القرآن كالآية ونحوها بخلاف حكم كثيره؛ لأن القرآن لا يسافر به إلى بلد الحرب (٣) والجنب أبيح له منه الآية والآيتان على جهة التعوذ.
وقوله: " الحرب سجال ": أصل المستقيان بالسجل يكون لكل واحد منهما سجل. والسجل: الدلو الملأى.
وقوله ﷺ : " فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ": قال الإمام: ويروى " اليريسيين " (٤) بالياء و " الأريسيين " بالهمزة، وقد اضطرب فى معنى هذه اللفظة
стр. 3305
ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُل. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لا، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَب فَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهُ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لا، وَكَذَلِكَ الإِيْمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ القُلُوبِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلَ يَزِيْدُون أَوْ يَنْقِصُونَ؟ فَزَعَمْتَ
ــ
اضطراباً كثيراً، وأمثل ما أحفظ فى ذلك أن المراد به: الأكارون (١) أو الملوك والرؤساء. قال ابن الأعرابى: أرس الرجل يأرس أرساً صار أريساً، أى أكاراً، وآرس يورس مثله وهو الأريس، وجمعه الأريسيون، والإريس وجمعه الأريسون وأرارسة.
قال الإمام: فيكون المعنى على هذا: إن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لك. ونبه بالأكارين على الرعايا؛ لأنهم الأغلب فى رعاياه؛ إذ هم أكثر انقياداً من غيرهم، وقد يراد به - أيضاً - الملوك والرؤساء فيكون المعنى على هذا التأويل: فإن عليك إثم الملوك الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة ويأمرونهم بها، وهذا يعود إلى قريب من المعنى الأول.
قال القاضى: يعضد التأويل الأول الذي اختاره أنه قد جاء منصوصاً فى الحديث. ذكره أبو عبيد فى كتاب الأموال، وقال فيه: وإن لم تدخل فى الإسلام فاعط الجزية، ثم قال: وإلا فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام. وفى رواية ابن وهب: " وإثمهم عليك ". قال أبو عبيد: الفلاحون هنا: الزارعون خاصة، لكن أراد بهم جميع أهل مملكته؛ لأن كل من يزرع عند العرب فلاح، ولِىَ ذلك بيده أو وليه له غيره. وأصل هذا فى كتاب الله قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِين﴾ (٣). وقال بعضهم: من قال: " اليريسيون " فمن التبختر، يقال: رأس يرأس ريساً وريساناً: إذا تبختر، ورأس يرأس رَوْساً أيضاً. وحكى الخطابى: إن الذين كانوا يحرثون أرضهم كانوا مجوساً، يقول: عليك إثم المجوس (٤). وأنكر أبو عبد الله القزاز الياء فى ذلك، وقال: صوابه عندى: " الأريسيون ". وقال أبو عبيدة: المحفوظ: " الأريسين "، وفى كتاب ابن السكن فى تفسيره: يعنى اليهود والنصارى، قيل: هم أتباع عبد الله بن أريس، وهذا الذى ينسب إليه الأروسية (٥) من النصارى، ولهم
стр. 3306
أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانَ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ. فَتَكُونُ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالاً، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ العَاقِبَةُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لا يَغْدِر، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لا. فَقُلتُ: لَوْ قَالَ هَذَا القَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَأمُرُنَا بِالصَّلاة والزَّكَاةِ والصِّلَةِ وَالعَفَافِ. قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقّا، فَإِنَّهُ نَبِىٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّى أَعْلَمُ أَنِّى أَخْلُصُ إِلَيْهِ، لأَحْبَبْتُ
ــ
مقالة معروفة فى عيسى ﵇ ويقال لهم: " الأروسيون " أيضاً، وهم لا يقولون بإلهية عيسى، متمسكون - أيضاً - بما كان عليه (١).
وقوله: " ولو أعلم أنى أخلص إليه لأحببت لقاءه ": كذا فى مسلم، وكذا فى البخارى: " لتجشمت لقاءه " (٢)، وهو أصح فى المعنى من " أحببت ". ويحتمل أن " أحببت " مغيرة منها. والتجشم منها أشبه، وهو تكلف الوصول إليه على ما فيه من المشقة عليه؛ لبعد داره، ومخالفة حاله، ولكنه رأى أن تخلصه إليه بعيد من كثرة من بينه وبينه، ممن كان يختطفه ويحول بينه وبين الوصول إليه، ولما كان من الملك الذى كان يزول عنه، وكان الإسلام لم يتمكن من قلبه ولم يرد الله - سبحانه - هدايته كما أراد هداية النجاشى جل اسمه.
وقوله: " ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ماتحت قدمى ": يعنى أرضه ومكانه؛ لأنه كان حينئذ بالشام وتحقيقاً منه أنه علم أنه النبى حقاً، لكنه شح بحاله وخشى خلع قدمه له، على ما جاء مفسراً فى البخارى (٣)، فأصر على كفره بعد علمه به وكان أشد فى الحجة عليه.
قال الإمام: وقول أبى سفيان لأصحابه: " لقد أمِر أمْر ابن أبى كبشة ": يعنى عظيم أمره، إنه ليخافه ملك بنى الأصفر: ونسبه لأبى كبشة، قيل: لأنه كان جداً من
стр. 3307
لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَىَّ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكَتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الهُدَى. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّى أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ (١).
ــ
أجداده لأمه، وقيل: إنه خالف العرب وكان يعبد الشعرى - العبور - ويقول: فإنها تقطع السماء عرضاً، وليس فى النجوم ما يقطع السماء عرضاً سوى هذا النجم، فعبده دونها؛ لمخالفته لها. والمنجمون ينكرون هذا القول، كأنه أشار إلى أنه خالف مذهب العرب فى العبادة كما خالف أبو كبشة.
قال القاضى: قال أبو الحسن الجرجانى النسابة: فى معنى نسبة الجاهلية للنبى ﷺ لأبى كبشة عداوة له، ودعوة له إلى غير نسبه المعلوم المشهور؛ إذ لم يمكنهم الطعن فى نسبه الشهير. وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة جده أبو آمنة يكنى أبو كبشة، وكذلك عمرو ابن زيد بن اْسد البخارى أبو سلمى (٢) بن عبد المطلب كان يدعى أبا كبشة، وكذلك - أيضاً - فى أجداده من قبل أمه أبو كبشة جده من غالب بن الحارث، هو أبو قيلة أم وهب ابن عبد مناف أبو آمنة أمه ﷺ ، وهو خزاعى، وهو الذى كان يعبد الشعرى، وكان أبوه من الرضاعة يدعى أبا كبشة، وهو الحارث بن عبد العزى السعدى (٣). وقال مثله كله محمد بن حبيب البغدادى. وزاد أبو نصر بن ماكولا: وقيل: أبو كبشة هم ولد حليمة مرضعته ﷺ (٤).
وقوله: " إنه ليخافه ملك بنى الأصفر ": قال ابن الأنبارى: وسمى الروم بنو الأصفر لأن جيشاً من الحبشة غلب على ناحيتهم فى بعض الدهور، فوطئ نساءهم، فولدن أولاداً أصفر من بياض الروم وسواد الحبشة، فنسب الروم إليهم. وقال أبو إسحاق
стр. 3308
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ ارْتَفَعَتْ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغْط، وَأَمَرَ بِنَا فَأُخْرَجْنَا. قَالَ: فَقُلْتُ لأَصْحَابِى حِينَ خَرَجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِى كَبْشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِى الأَصْفَرِ.
قَالَ: فَمَا زِلْتُ مُوقنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَىَّ الإِسْلامَ.
(...) وحدَّثناه حَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ فِى
ــ
الحربى: إنما نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عبصى بن إسحاق بن إبراهيم، وهذا أشبه من قول ابن الأنبارى.
وقوله ﷺ : " أسلم تسلم ": من محاسن الكلام وبليغه وإيجازه واختصاره، وجمع بقوله ﷺ : " تسلم " نجاة الدنيا من الحرب والخزى بالجزية، وفى الآخرة من العذاب. وقوله فى كتابه ﷺ له: " إلى عظيم الروم ": أى الذى تعظمه الروم، ولم يقل له: إلى ملك الروم، لما تحت هذه الكلمة من المعانى التى لا يستحقها إلا من أوجبها له الإسلام، ولما فيه من التسليم له بالملك لهم، لكنه لم يخله من المبرة والتكريم بما تقدم من مخاطبته بعظيم الروم؛ تأليفاً وحسن أدب وتليين كلمه، وتأنيساً على الإسلام.
وقوله: " السلام على من اتبع الهدى ": حجة على منع السلام على غير المسلم. وقد اختلف الناس فى ذلك، فأجازه كثير من السلف ومنعه آخرون، وأجازه بعضهم إذا كان للاستئلاف أو لحاجة له إليه أو للإمام معه، وقد جاء فى الحديث عنه ﷺ النهى عن ابتدائهم بالسلام (١) وسيأتى هذا بعد بأفسر من هذا فى كتاب السلام والاستئذان. وقال بعضهم: إنما يسلم عليهم كما فعل النبى ﷺ فى هذا الحديث، وقد اتخذه الناس أصلاً فى صفة السلام على من كره السلام ديناً أو دنيا، واضطر إلى مخاطبته. وفى الحديث حجة لأحد القولين فى جواز معاملة المشركين بالدراهم المنقوشة فيها اسم الله - سبحانه - للضرورة (٢) إلى ذلك، وإن كان عن مالك الكراهة فيها، ولأن ما فى هذا الكتاب من ذكر الله - تعالى - أكثر مما فى الدراهم.
وقوله ﷺ : " يؤتك الله أجرك مرتين ": أى لإيمانك بعيسى واتباعك شريعته،
стр. 3309
الحَدِيثِ: وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ، شُكْرًا لِمَا أَبْلاهُ اللهُ. وَقَالَ فِى الحَدِيثِ: " مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ ". وَقَالَ: " إِثْمَ اليَرِيسِيِّينَ ". وَقَالَ: " بِدَاعِيَةِ الإِسْلامِ ".
ــ
ثم إيمانك واتباعك لى، بخلاف الجاهلية وأهل الأوثان الذين لم يكونوا على شىء من دين ولا كتاب (١).
وقوله: " أدعوك بدعاية الإسلام ": بكسر الدال، أى بدعوته. والدعاية مصدر كالرماية والشكاية. ودعوة الإسلام: التوحيد، وهى مستعارة من الشهادتين، وهى الكلمة التى احتج عليه بها فى الكتاب من الآية. وأما على الرواية الأخرى: " داعية الإسلام " راجع إلى ما تقدم بالكلمة الداعية إلى الإسلام، أو تكون " داعية " هنا بمعنى دعوة، كما قال بعضهم فى قوله: ﴿خَائِنَةَ الأَعْيُن﴾ (٢) أى خيانة، وأنه قد جاء فاعله [مصدر] (٣)، ومثله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ﴾ (٤) أى كشف.
[وقوله] (٥): " شكراً لما أبلاه الله ": أى اختبره به وفضله به، ويستعمل فى الخير والشر، يقال: أبلاه الله بلاءً حسناً وبلاءً سيئاً.
(٢٨) باب فى غزوة حنين
٧٦ - (١٧٧٥) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُوُنسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ نُفَارِقْهُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، بَيْضَاءَ، أهْدَاهَا لَهُ
ــ
قوله فى غزوة حنين: " ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء " - وفى الحديث الآخر: " بغلته الشهباء " وهى تلك المسماة دلدل، لايعلم له سواها - " أهداها له فروة بن نفاثة الجذامى ": كذا لجميعهم فى هذا الموضع أول حديث بالفاء وبالثاء المثلثة بعد الألف [وعند ابن أبى جعفر من طريق الباجى: " ابن نباتة " بالباء أو كلا بواحدة بعد النون وبالتاء بالثنتين فوقها بعد الألف] (١)، وذكر مسلم بعد هذا من رواية معمر بن نعامة، والمعروف الأول. واختلف فى إسلامه، فذكر الطبرى (٢) أنه أسلم وعمَّر عمراً طويلاً، وذكر أنه القائل فى شعر له:
الحمد لله إذ لم يأتنى أجلى ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالاً
وذكر أبو عمر بن عبد البر أن الذى أسلم وقال هذا الشعر هو فروة بن نباتة السلولى. وقد روى [أيضاً] (٣) هذا البيت الليث، وأنه لم يقل منذ أسلم شعراً سواه، وقد قيل: إن البيت الذى قاله غير هذا [وقد جاء فى غير كتاب مسلم: أن مهدى البغلة البيضاء التى كان يركبها النبى ﷺ إنما هو مقوقس صاحب مصر] (٤)، وفى البخارى: أن مهديها له ملك أيلة (٥) [واسم ملك أيلة] (٦) فيما ذكر ابن إسحاق - بحينة بن ريبة (٧) - والله أعلم.
ولا يعارض (٨) فى قبوله ﷺ الهدية من المسلم والمشرك مع قوله: " هدايا الأمراء
стр. 3312
فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الجُذَامِىُّ. فَلَمَّا الْتَقَى المُسْلِمُونَ وَالكُفَّارُ وَلَّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الكُفَّارِ. قَالَ عَبَّاسٌ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
ــ
غلول" (١) ورده بعض الهدايا من المشركين، وقال: "إنا لانقبل زبد المشركين" (٢) أى رفدهم، وذلك مما نسخ عند بعضهم، لما تقدم من قبوله ما قيل، والأكثر أنه لا نسخ فى ذلك، إنما ذلك لأن النبى ﷺ مخصوص بكل ما أفاء الله عليه من غير قتال أن يتملكه وتصرف فيه لنفسه فيما يحتاج إليه، وغيره بخلافه. فقبل ﷺ ممن طمع فى إسلامه واستئلافه لذلك، ولمصلحة يرجوها للمسلمين، وكافأ بعضهم عليها، كل ذلك تماماً للاستئلاف. ورد هدية من لم يطمع فى إسلامه، أو لم يكن لقبول هديتهم وجه ولا منفعة من الكفار؛ إذ قبول الهدية يوجب التواد والمحبة، وغيره من الأئمة والأمراء لم يسوغ له ذلك ولا أخذها لنفسه عند أكثر العلماء. ومن قبلها فهى كسائر فىء المسلمين؛ إذا لم يهدها له إلا لأنه أمامهم. لمان كان فى جيشه حاضر فهى غنيمة، وهذا قول الأوزاعى ومحمد بن الحسن وابن القاسم وابن حبيب من أصحابنا، وحكاه ابن حبيب عمن لقيه من أهل العلم. وذهب آخرون إلى أنها له خاصة وهو قول أبى يوسف، وبه قال أشهب وسحنون من أصحابنا. وقال سحنون: إذا أهدى ملك الروم إلى أمير المسلمين هدية فلا بأس بقبولها، قال: إلا أن يكون الروم فى ضعف فهى رشوة.
وذهب الطبرى إلى أن النبى ﷺ إنما رد من هدايا المشركين ما أعلم أنه أهدى إليه فى خاصة نفسه، وقبل ما علم منه خلاف ذلك مما فيه استئلاف المسلمين، قال: ولا حجة لمن احتج بنسخ أحد الحديثين الأخرين؛ إذ لم يأت فى ذلك بيان، وحكم الأئمة بعده تصريفها مجارى مال الكفار من الغنيمة والفىء بحكم اختلاف الحال كما قدمناه (٣)، وإلى هذا يرجع قوله: " هدايا الأمراء غلول " - والله أعلم - أى إذا خصوا به أنفسهم لأنه لجماعة المسلمين، إما بحكم الفىء أو بحكم الغنيمة، وما يخمس كما تقدم. وقد يرجع إلى ما يهديه إليهم رعاياهم. وأصل الغلول: الخيانة؛ لأنهم إنما أهدوا لهم من قبل ولايتهم؛ ولهذا أنكره ﷺ وقال: " هلا جلس فى بيت أبيه وأمه حتى يرى يهدى له " (٤) كل هذا حماية عن الهوادة لهم فى الحقوق بسببهما. وكان النبى ﷺ قبلها لتنزيهه ﷺ عن
стр. 3313
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَىْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ ". فَقَالَ عَبَّاسٌ - وَكَانَ رَجُلاً صَيِّتًا -: فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِى: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللهِ، لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ، حِينَ سَمِعُوا صَوْتِى، عَطْفَةُ البَقَرِ عَلَى أَوْلادِهَا. فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالَكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِى الأَنْصَارِ، يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ. قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِى الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنِى الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، يَا بَنِى الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ، كَالمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا، إِلَى قِتَالِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
ــ
هذا وعصمته منه، وقيل: إنما قبل ﷺ هدايا الكفار من أهل الكتاب ممن كان على النصرانية كمقوقس والنجاشى وملوك الشام، فلا تعارض بينه وبين قوله: " إنا لا نقبل زبد المشركين "، وقد أبيح لنا طعام أهل الكتاب وذبائحهم ومناكحتهم، فهم خلاف غيرهم.
وركوبه ﷺ البغلة فى مواطن الحرب تعويلاً على الثبات، وليكون فيه، يرجع إليه المسلمون وتطمئن قلوبهم إلى مكانه. وقد كانت له ﷺ أفراس معروفة مسماة. وفيه ما كان ﷺ من الشجاعة والإقدام، من تقدمه بركض بغلته إلى جمع المشركين والناس كلهم قد فروا. نزوله إلى الأرض فى الرواية الأخرى: " لما غشوه " مبالغة فى ذلك ونهاية فى الثبات. وقيل: مواساة لمن كان نازلاً معه بالأرض راجلاً، وقد اعترف الصحابة كلهم - رضى الله عنهم - بشجاعته. وفى مسلم: " أن الشجاع منا الذى يحاذى به "، وأنهم كانوا يتقون به. وفيه: أن ذمة الرحم وقاية القرابة فوق كل ذمة، وشفقتها تربى على كل شفقة، إذ فر فى تلك المواطن كل أحد إلا آل النبى ﷺ فى عمه وبنى أعمامه ومواليه. وقوله: " ناد أصحاب السمرة ": أى الذين بايعوا عند الشجرة.
وقوله:، وكان عطفتهم عطفة البقر على أولادها ": دليل على أن فرارهم لم يكن بعيداً أولاً من جميعهم، وإنما شق عليهم من فى قلبه مرض من سالمه أهل مكة ومشركيها، الذين لم يسلموا حتى قالوا: لا يردهم إلا البحر، وإنما كانت هزيمتهم فجأة من انصبابهم عليهم بحرة ورشقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يقر الإيمان فى قلبه، وممن يتوقع بالنبى ﷺ الدوائر، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة وصف إخفاؤهم وحسارهم كما ذكر فى الحديث: " فرجعت أولاهم لأخراهم " (١) إلى أن أنزل الله سبحانه سكينته - كما ذكر فى كتابه - على المؤمنين وأيدهم بجنوده.
стр. 3314
" هَذَا حِينَ حَمِىَ الوَطِيسُ " قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: " انْهَزَمُوا، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ " قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا القِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى. قَالَ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلاً، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا.
٧٧ - (...) وحدَّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَرْوَةُ ابْنُ نُعَامَةَ الجُذَامِىُّ. وَقَالَ: " انْهَزَمُوا، وَرَبِّ الكَعْبَةِ. انْهَزَمُوا، وَرَبِّ الكَعْبَةِ ". وَزَادَ فِى الحَدِيثِ: حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ.
قَالَ: وَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ يَرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ.
(...) وحدَّثناه ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى
ــ
وقوله: " الآن حَمِىَ الوطيس "، قال الإمام: قال [أبو عمر المطرز] (١): الوطيس: شبه التنور يُخبز فيه، ويضرب مثلاً لشدة الحرب التى يُشَبَّه حرها بحره. وقال غيره: الوطيس: التنور نفسه (٢). وقال الأصمعى: هى حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها، فيقال: الآن حمى الوطيس، على وجه المثل للأمر إذا اشتد. وقيل: الوطيس جمع، واحده (٣) وطيسة.
قال القاضى: وقوله: " وأخذ حصيات "، وفى الرواية الأخرى: " قبضة من تراب. [ورماهم بها] (٤)، فما [فى] (٥) خلق الله تعالى منهم إنساناً إلا ملأ الله عينيه بتلك القبضة تراباً، فولوا مدبرين ": هو دلالة من دلائل (٦) نبوته، وفى قوله: " انهزموا ورب محمد ". قال العباس: فنظرت فإذا القتال على هيئته فيما أرى، إلا (٧) أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم [بعد] (٨) كليلاً أى شدتهم ضعيفة، آية أخرى من إخباره ما (٩) لم يكن ثم (١٠) كان على ما أخبر بها ثانٍ. فى هذا الموطن معجزتان: إحداهما فعلية، والأخرى خبرية.
стр. 3315
كَثِيرُ بْنُ العَبَّاسِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَبِىِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ يُونُسَ وَحَدِيثَ مَعْمَرٍ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَتَمَّ.
٧٨ - (١٧٧٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَفرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لا، وَاللهِ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلاحٌ، أَوْ كَثِيرُ سِلاحٍ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِى نَصْرٍ. فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ. فَنَزَلَ فَاستَنْصَرَ. وَقَالَ:
ــ
وقوله: " خرج شُبان أصحابه وأَخِفَّاؤُهم حُسَّراً ": أى بغير دروع ولا ما يتقون به النبل، كما فسره فى الحديث نفسه: " وَلا سلاح معهم "، أو ليس معهم كثير سلاح. والحاسر: الذى لا درع عليه. وفى الرواية الأخرى: " انطلق أخفاء من الناس وحسرٌ ". والأخفاء هنا المسارعون المستعجلون. وروى أبو إسحاق الحربى وأبو عبيد الهروى (١) هذا الحرف: " فانطلق جفاء من الناس " بجيم مضمومة وتخفيف الفاء. قال القتبى والهروى: أى سرعانهم، شبههم بجفاء السيل.
قال القاضى: إن صحت هذه الرواية فإنما معناها ما تقدم من خروج من خرج معهم من أهل مكة، ومن انضاف إليهم ممن لم يستعد للقتال، وانما خرج للغنيمة، من النساء والصبيان والضعفاء، ومن مرض من مسالمة الفتح. فهؤلاء شبه جفاء السيل الذى لا ينتفع به ويرميه بجانبيه، وهو الغثاء أيضاً.
وقوله: " فرشقوهم رشقاً " بكسر الراء فى الاسم، قال الإمام: يقال: رشقت بالسهم وأرشقت: إذا رميته. وأما قوله: " كأنها رجل من جراد " فهى الجماعة منها.
وقوله: " شاهت الوجوه ": أى قبحت.
قال القاضى: الرشق قيل: اليد الواحدة من السهام، وقيل: الوجه من الرمى، ومعناه هنا: رموا بمرة واحدة لغرض واحد منهم؛ ولهذا صح تشبيهه لهم (٢) برجل الجراد، هكذا بكسر الراء. فأما الرشق بالفتح والمصدر (٣) بمعنى: انكشفوا، أى انهزموا وولوا عن مواضعهم وكشفوها.
стр. 3316
" أَنَا النَّبِىُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ "
ثُمَّ صَفَّهُمْ.
٧٩ - (...) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ المِصِّيصِىُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ زِكَرِيّاءَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْبَرَاءِ، فَقَالَ: أَكَنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى نَبِىِّ الله ﷺ مَا وَلَّى، وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنَ النَّاسِ، وَحُسِّرٌ إِلَى هَذَا الحَىِّ مِنْ هَوَازِنَ، وَهُمْ قَوْمٌ رمُاةٌ. فَرَمُوهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ، كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ. فَانْكَشَفُوا، فَأَقْبَلَ القَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ، فَنَزَل، وَدَعَا، وَاسْتَنْصَرَ، وَهُوَ يقُولُ:
ــ
وقوله ﷺ : " أنا النبى لا كذب أنا، ابن عبد المطلب "، قال الإمام: أنكر بعض الناس أن يكون الرجز شعراً لوقوعه من النبى ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَه﴾ (١)، وهو مذهب الأخفش، واحتج بهذه الآية على فساد مذهب الخليل فى قوله: إنه شعر. وجواب الخليل عن هذا: أن الشعر ما قُصد إليه، واعتمد الإنسان أن يوقعه موزوناً مقفَّىً، يقصد إلى القافية والروي. وقد [تقع من] (٢) كثير من العوام ألفاظ موزونة وليست بشعر؛ لأن الشعر إنما يسمّى به فيما قصد إليه، مأخوذ من شعر الشاعر بالمعنى، فقد قال الناس: فإن الجزار يقول فى ندائه على اللحم: " لحم الخروف بزبد أمه " وهذا موزون، ولا يظن بالجزار أنه شاعر قصد إلى عمل الشعر، إلى غير ذلك مما يكثر التقاطه من ألفاظ العامة.
وهكذا وجه الجواب عما وقع فى القرآن من الموزون؛ أنه ليس بشعر؛ لأنه لم يقصد إلى تقفيته وجعله شعراً، كقوله : ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيب﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون﴾ (٤)، ولا شك أن هذا لا يسميه أحد من العرب شعراً لما قلناه.
وقد أدى بعض الناس غفلته عن هذا الجواب إلى أن قال بأن الرواية: " أنا النبى لا كذب " بفتح الباء، حرصاً منه على أن يفسد الوزن فيستغنى عن هذا الاعتذار.
стр. 3317
" أَنَا النَّبِىُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
اللَّهُمَّ، نَزِّلْ نَصْرَكَ ".
قَالَ البَرَاءُ: كُنَّا وَاللهِ، إِذَا احْمَرَّ البَأسُ نَتَّقِى بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِى يُحَاذِى بِهِ - يَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ .
٨٠ - (...) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظ لابْنِ المُثَنَّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ - وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ -: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ البَرَاءُ: وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَفِر. وَكَانَتْ هَوَازِنُ يَوْمَئِذٍ رمُاةً، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، فَأَكْبَبْنَا عَلَى
ــ
فإن قيل: فإن الاعتزاز إلى الآباء والافتخار بهم من عمل الجاهلية، فكيف قال ﷺ : " أنا ابن عبد المطلب "؟ قيل: إنما كان هذا لأنه يحكى أن سيف بن ذى يزن لما قدمت عليه قريش، أخبر عبد المطلب أنه سيكون جد النبى ﷺ ، وأنه يقتل أعداؤه، وذلك مشهور عند العرب، وأراد ﷺ ذكر هذا الاسم ليذكرهم بالقصة، فتقوى مُنَّتهم فى الحرب، وربما ثارت الطباع فى الحروب بهذا وأمثاله. وقيل: بل رؤيا رآها عبد المطلب، تدل على ظهوره ﷺ وغلبته، وكانت مشهورة عندهم، أراد - أيضاً - أن يذكرهم بها.
قال القاضى: لا ينكر السجع فى كلامه ﷺ ودعائه وخطبه، واذا كان هذا فمجيئه بـ " ابن عبد المطلب " سجع لا كذب، لا يحتاج إلى عذر، وأيضاً فإنه ﷺ إنما كانت الجاهلية تنسبه الى عبد المطلب، وبذلك كان يعرف؛ لأن عبد المطلب كان سيد مكة، وبنوه وبنو بنيه ينسبون إليه؛ ولأن أباه عبد الله مات شاباً فى حياة أبيه قبل اشتهاره فى العرب، والنبى ﷺ إنما كان يدعوه كثير منهم بابن عبد المطلب، وفى حديث ضمام: " أيكم ابن عبد المطلب " (١) فذكر النبى ﷺ هنا نفسه ونسبه تعريفاً لأصحابه بنفسه، وأنه ثابت ملازم مركزه لم يخف مع من خفى، ولا زل فيمن زل وراعه هول الأعداء، ولا زعزعوه عن مكانه لما ناداهم عمه العباس بشدة صوته وميزوه، فرجعوا إليه وقربوا منه، ناداهم هو بنفسه ليفيؤوا إليه، وتقوى عزائمهم بمكانه.
ومعنى قوله ﷺ : " أنا النبى لا كذب ": أى حقاً، ويرجع مراده فى ذلك الى
стр. 3318
الغَنَائِمِ، فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، وَلَقْد رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَهُوَ يَقُولُ:
" أَنَا النَّبِىُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ "
(...) وحدَّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَهَؤُلاءِ أَتَمُّ حَدِيثًا.
٨١ - (١٧٧٧) وحدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِى إيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِى أَبِى، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَلَمَّا وَاجَهْنَا العَدُوَّ تَقَدَّمْتُ، فَأَعْلُو ثَنِيَّةَ، فَاسْتَقْبَلَنِى رَجُلٌ مِنَ العَدُوِّ، فَأَرْمِيهِ بِسَهْمٍ، فَتَوَارَى عَنِّى، فَمَا دَرَيْتُ مَا صَنَعَ. وَنَظَرْتُ إِلَى القَوْمِ فَإِذَا هُمْ قَدْ طَلَعُوا مِنْ ثَنِيَّةَ أُخْرَى، فَالْتَقَوْا هُمْ وَصَحَابَةُ النَّبِىِّ ﷺ ، فَوَلَّى صَحَابَةُ النَّبِىِّ ﷺ ، وَأَرْجِعُ مُنْهِزِمًا، وَعَلَىَّ
ــ
وجوده هناك (١) حقا؛ ليعلمهم بنفسه فيثبتوا بثباته، أو يكون ثبتاً حقاً. ومن صفات الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: أنهم لا يفرون، أو أنه لا كذب فى حديثه، وما أخبرهم من غلبتهم وظهورهم على عدوهم، وليذكرهم بنبوته؛ لتقوى بصائرهم بوفاء عهده وظهور أمره. وفيه جواز قول الرجل فى الحرب: " خذها وأنا ابن فلان "، وقد روى فى ذلك عن جماعة من السلف، وقاله ابن عبد الحكم من أصحابنا. وإنما يكره من هذا الانتماء (٢) على طريق الافتخار بالأب، كفعل الجاهلية.
وقول البراء: "كنا والله إذا احمر البأس نتقى به ": كناية عن اشتداد الحرب واحمرارها، إمَّا لحمرة الدم وجريانه من الجراح والقتل، أو لاستعار الحرب واشتعالها كاحمرار الجمر، كما قال ﵇: " حمى الوطيس "، وكما قال [الوطيس] (٣) الشاعر: ضرب كعمق إلا بالمحرق.
وقول ابن الأكوع: وأرجع منهزماً - إلى قوله، ومررت على رسول الله ﷺ منهزماً.
стр. 3319
بُرْدَتَانِ. مُتَّزِرًا بِإِحْدَاهُمَا، مُرْتَدِيًا بِالأَخْرَى، فَاسْتَطلَقَ إزَارِى، فَجَمَعْتُهُمَا جَمِيعًا، وَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنْهَزِمًا، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَقَدْ رَأَى ابْنُ الأَكْوَعِ فَزِعًا "، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ البَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: " شَاهَتِ الوُجُوهُ "، فَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلا مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ القَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمْ اللهُ ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
ــ
فقال: " لقد رأى ابن الأكوع [فزعا] (١) ": كما قال أولاً: " وأرجع منهزماً "، ولم يرد أن النبى ﷺ انهزم، ولا يصح هذا عنه، وقد قالوا كلهم: إنه ما انهزم، ولا يجوز أن يقال ذلك فيه فى خاصة نفسه. وقد ذكر بعضهم الإجماع على هذا، وأنه لا يجوز أن يعتقد فيه، ولا يجوز عليه. والحديث كله يدل على أنه لم ينهزم، بل ثبت وتقدم حتى كان العباس أو أبو سفيان يأخذان بلجام بغلته يكفيانها عن التقدم؛ شفقة عليه على ما قررناه، وعلى ما صرح به البراء فى حديثه.
стр. 3320
(٢٩) باب غزوة الطائف
٨٢ - (١٧٧٨) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ زهُيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى العَبَّاسِ الشَّاعِرِ الأَعْمَى، عَنْ عَبْد اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَاصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا. فَقَالَ: " إِنَّا قَافِلُونَ، إِنْ شَاءَ اللهُ " قَالَ أَصْحَابُهُ: نَرْجِعُ وَلَمْ نَفْتَتِحْهُ! فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اغْدُوا عَلَى القِتَالِ "، فَغَدَوْا عَلَيْهِ فَأَصَابَهَمْ جِرَاحٌ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّاَ قَافِلُونَ غَدًا ". قَالَ: فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
ــ
ذكر مسلم فى حصار أهل الطائف حديث سفيان، رفعه عن عبد الله بن عمرو، قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف. قال القاضى: كذا فى رواية الجلودى وأكثر الأصول، وعند ابن ماهان: عن عبد الله بن عمرو. قال لنا القاضى الشهيد أبو على: صوابه: ابن عمر، وكذا ذكره البخارى (١) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضى الله عنهم. وكذا صوبه الدارقطنى، وذكر ابن أبى شيبة فى مسنده الحديث عن سفيان، فقال: عن عبد الله ابن عمرو بن العاص، ثم قال: ابن عيينة حدث به مرة أخرى عن عبد الله بن عمر (٢).
وقوله ﷺ : " إنا قافلون غداً "، فقال أصحابه: نرجع ولم نفتحه! فقال لهم: " اغدوا على القتال ": فيه ترك الإنسان رأيه لرأى الجماعة ومساعدتهم، لاسيما وكان هو ذهب إلى الرفق بهم والحيطة عليهم، لما رأى من تحصين أهل الطائف وجدهم ورجاءه، أو تيقنه فتح ذلك عليه بغير مشقة بعد كما كان، فلما رأى منهم الجد والصبر فى الجهاد ساعدهم على ذلك، فلما أصابهم من الجزع ما أصابهم رجع إلى رأيه من الرفق بهم، وقال: " إنا قافلون غداً " فساعدوه إذا رأوا أنه الرأي؛ لما خبروه من الحال.
وضحك النبى ﷺ حين وافقهم ذلك تعجب (٣) من اختلاف قولهم بين أمس واليوم للحالين المختلفين، ورجوعهم إلى الرأى السديد.
стр. 3321
(٣٠) باب غزوة بدر
٨٣ - (١٧٧٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَس؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَاوَرَ، حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِى سُفْيَانَ. قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولُ اللهِ؟ وَالَّذِى نَفسِى بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا البَحْرَ لأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الغِمَادِ لَفَعَلْنَا. قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ غُلامٌ أَسْوَدُ لِبَنِى الحَجَّاجِ، فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِى سُفيَانَ وَأَصْحَابِهِ؟ فَيَقُولُ: مَا لِى عِلْمٌ بِأَبِى سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَف. فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، ضَرَبُوهُ. فَقَالَ: نَعَمْ، أَنَا أُخْبِرُكُمْ. هَذَا أَبُو سُفْيَانَ. فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ فَقَاَلَ: مَا لِى بَأَبِى سُفْيَانَ عِلْمٌ،
ــ
وقوله ﷺ فى مشاورة المسلمين فى خروجهم إلى بدر وإعراضه عمن تكلم من المهاجرين؛ لأنه ما كان المقصود إلا أن يعرف ما عند الأنصار؛ إذ لم يكن فى بيعتهم الخروج معه وطلب عدوه (١)، وإنما كان فيها منعه من الأحمر والأسود. فلما عرض الخروج لعير أبى سفيان أراد أن يعلم: هل يجيبوه إلى هذا. ففيه المشاورة ومعرفة الرأى من أهله قبل الفعل. وكان من إجابة الأنصار له ما ذكره فى الحديث.
وقوله: " لو أمرتنا أن نضرب أكبادها - يعنى الخيل - إلى برك الغماد لفعلنا ". كذا ضبطناه هنا بفتح الباء وسكون الراء من " برك ". وقال أهل اللغة: صوابه: " برك " بكسر الباء. وكذا قيده شيوخ أبي ذر فى البخارى (٢)، وضبطنا " الغماد " فى الصحيحين بكسر الغين المعجمة، وحكى ابن دريد الكسر والضم فى الغين. " وبرك الغماد " موضع بأقاصى هجر. وضبط الأصيلى " برك " بفتح الراء وسكونها معاً، والمعروف السكون. قال أبو إسحاق الحربى: برك الغماد، وسعفان هجر، [وذى] (٣) بليان كان يقال فيما تباعد، وذكر ألفاظاً أخر اختصرناها.
стр. 3322
وَلكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِى النَّاسِ. فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضًا ضَرَبُوهُ. وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّى، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ. قَالَ: " وَالَّذِى نَفْسِى بيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ ".
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَذَا مَصْرَعُ فُلان ". قَالَ: ويَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، هَهُنَا وَهَهُنَا. قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
ــ
قال القاضى: ويقال فيه: " بليان " بكسر الباء وتشديد الياء أيضاً، ويقال: " بذى بلى " بتخفيف اللام أيضاً.
وفى ضرب أصحاب النبى ﷺ غلام قريش ليسألوه، جواز تهديد المتهم وتخويفه ليصدق، وجواز ضرب الأسير من العدو لمعنى يوجب ذلك، ويستخبر ما عنده من سر العدو. ويحتج به فى تهديد الحكام للمتهمين ليصدقوا عن أحوالهم، وينكشف لهم تهمتهم.
واختلف فى إقرارهم فى تلك الحال هل يقبل أم لا؟ فعند أصحاب الشافعى وكثير من أصحابنا: لايقبل حتى يتمادى على إقراره، سواء عين ما أقر به من سرقة أو قتل أم لا. ومن أصحابنا من ألزمه ذلك إذا المقر به وإن رجع عن إقراره، ومنهم من أجازه وإن لم يعين، ومنهم من منعه وإن تمادى عليه لأن خوفه أن يعاد عليه العقاب باق. وأما ضربه ليقر فلا يجوز عندهم، ولا يعتد بإقراره إلا أن يتمادى عليه. ويختلف فى التمادى على ما تقدم.
وإعلام النبى ﷺ أصحابه بأنهم يضربونه إذا صدق ويتركونه إذا كذب، من آيات نبوته ﷺ ، وذلك أن أصحابه كانوا يكذبونه فيما يقول من أمر قريش؛ إذ لم يكن عندهم إلا خبر العير ولا طلبوا سواها. وكذلك إخبار النبى ﷺ بمصارع قريش وإشارته لها وتعيينها فلم يعد، ذلك آية أخرى ومعجزة ثانية فى هذا الحديث.
وقوله: " فما ماط أحدهم عن موضع يده "، قال الإمام: أى تباعد، يقال: ماط الرجل: إذا تباعد، وأماط غيره: إذا باعده، ويقال: ماط الرجل وأماط: إذا تباعد، لغتان.
стр. 3323
(٣١) باب فتح مكة
٨٤ - (١٧٨٠) حدَّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرةَ، قَالَ: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ - وَذَلِكَ فِى رَمَضَانَ - فَكَانَ يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِبَعْضِ الطَّعَامَ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُونَا إِلَى رَحْلِهِ. فَقُلْتُ: أَلا أَصْنَعُ طَعَامًا فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِى؟ فَأَمَرْتُ بِطَعَامٍ يُصْنَعُ، ثُمَّ لِقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنَ العَشِىِّ، فَقُلْت: الدَّعْوَةُ عِنْدِى اللَّيْلَةَ. فَقَالَ: سَبَقْتَنِى. قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَوْتُهُمْ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ؟ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حتى قَدِمَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى المُجَنِّبَتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى المُجَنِّبَةِ الأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الحُسَّرِ، فَأَخَذُوا بَطْنَ الوَادِى، وَرَسُولُ
ــ
قال القاضى: وقوله فى حديث فتح مكة: " وفدت وفودٌ على معاوية، فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام " وفى الحديث الآخر: " فكان كل رجل منا يصنع طعاماً يوماً لأصحابه فكانت نوبتى "، وفى الحديث الآخر: " فقال أبو هريرة: سبقتنى " فيه مكارمة الرفقاء بعضهم بعضاً، وجواز جعل (١) ذلك نوباً بينهم، وأن مثل هذا من باب المكارمة لا من باب المعاوضة، وفيه ما كان عليه الصدر الأول من الكرم والمسابقة فيه، والبر بعضهم لبعض. ومعنى " نوبتى ": أى وقتى. وفى قول أبى هريرة: " إن سبقتنى " دليل أن نوبهم ومكارمتهم لم تكن على المشاحنة والمنافسة. وحديث أبى هريرة لهم بفتح مكة ليقيد بذلك من لم يحضر من أبناء الأنصار؛ ولذلك قال لهم: " ألا أعلمكم (٢) بحديث من بحديثكم " وفيه أن أحسن ما يحدث به عند الاجتماع فى الولائم وانتظار الطعام أمثال هذا من أخبار الحدثان وما جرى من الحروب وغيرها؛ لنشاط النفوس لسماعه، وقطع مدة الانتظار بذلك؛ إذ ليس فى ذلك ما يدخل إثماً، لاسيما ما فيه للنبى ﷺ فخر، والذى ذكر وكان حديثهم هذا كما جاء فى الحديث: " وهم ينتظرون نفخ الطعام " وهو معنى قوله: " ولم يدرك طعامنا ".
وقوله: " وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر " كذا رويناه، وهو الصواب. قال الهروى: أى على من لا درع عليه، والذى يظهر لى فيه أنه سمى الرجالة ومن ليس عليه شكاية
стр. 3324
اللهِ ﷺ فِى كَتِيبَةٍ. قَالَ: فَنَظَرَ فَرَآنِى. فَقَالَ: " أَبُو هُرَيْرَةَ ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ، يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: " لا يَأتِينِى إِلا أَنْصَارِىٌّ ".
زَادَ غَيْرُ شَيْبَانَ: فَقَالَ: " اهْتفْ لِى بِالأَنْصَارِ ". قَالَ: فَأَطَافُوا بِهِ، وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا. فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَىْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِى سُئِلْنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ "، ثُمَّ قَالَ بَيدَيْهِ، إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى. ثُمَّ قَالَ: " حَتَّى تُوَافُونِى بِالصَّفَا ". قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَمَا
ــ
كاملة حسراً، ليس عليهم كبير سلاح. وبينه فى الحديث الآخر: " وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادى " أى الرجالة. واْصله بالفارسية: أصحاب ركاب الملك ومن يتصرف فى أموره. كذا رويناه فى هذا الحرف هنا.
وقد وقع فى بعض روايات " الساقة " (١) مكان " البياذقة " و " الجيش " مكان " الحسر " فى الرواية الأخرى. ورواه بعضهم: " الشارفة " مكان " البياذقة " وفسروه: الذين يشرفون على مكة وليس بشىء، والأول أظهر؛ لأنه ذكر أنه قدم على المجنبتين خالداً على الواحدة، والزبير على الأخرى، وكان هو ﷺ فى القلب فى الدارعين من المهاجرين والأنصار، وقدم أبا عبيدة على الرجالة، وقد يعبر بها عن ساقة الجيش، وقد تكون ساقة ورجالة فيجتمع الوصفان وهم الحسر أيضاً.
وقوله: " وبطن الوادى ". أى جعل طريقه بطن الوادى كما بينه فى الحديث الآخر: " فأخذوا بطن الوادى "، وهذا يبطل رواية " الشارفة " المتقدمة ويناقضه.
وقوله ﷺ : " اهتف لى بالأنصار ": أى ادعهم لى.
وقوله: " لا يأتنى إلا أنصارى " فأطافوا به: ثقة منه بهم واستماعه إليهم، وتقريباً لهم لما قرب من داره وقومه، وقد كان معه هناك المهاجرون - أيضاً - يحيطون به، كما كان فى كتيبته، ومعنى " يهرولون ": يسرعون، وإنما أراد: لا يأتنى من قابل العرب النافرين معه - والله أعلم - غير الأنصار. وهذا يجمع بين ما جاء فى البخارى (٢) من أن كتيبة الأنصار كانت مع سعد بن عبادة، وأن كتيبة المهاجرين مع الزبير فيهم رسول الله ﷺ . وبعض ما جاء فى السير أن النبى ﷺ كان في كتيبة من المهاجرين والأنصار، فيدل ما فى كتاب مسلم أنه دعا الأنصار فجمعهم بعد افتراقهم، أو أنه فرقهم بعد هذا الاجتماع بذى
٨٦ - (...) حدَّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، قَالَ: وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ - وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ - فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصْنَعُ طَعَامًا يَوْمًا لأَصْحَابِهِ. فَكَانَتْ نَوْبَتِى. فَقُلْتُ: يَا أَبَا هَرَيْرَةَ، اليَوْمُ نَوْبَتِى. فَجَاؤُواَ إِلَى المَنْزِلِ، وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا. فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا. فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ عَلَى المُجَنِّبَةِ اليُمْنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى المُجَنِّبَةِ اليُسْرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى البَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الوَادِى. فَقَالَ: " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، ادْعُ لِىَ الأَنْصَارَ "، فَدَعَوْتُهُمْ، فَجَاؤُوا يُهَرْوِلُونَ. فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشِ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: " انْظُرُوا، إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصِدُوهُمْ حَصْدًا "، وَأَخْفَى بيدهِ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ: " مَوْعِدُكُمْ الصَّفَا ". قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ يَوْمئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلا أَنَامُوهُ. قَالَ. وَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّفَا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ،
ــ
وقوله ﷺ : " احصدوهم حصداً " وأخفى بيده ووضع يمينه على شماله: يحاكى صفة الحصد والقطع باليد اليمنى لما قبضت عليه بالشمال، يريد قتلهم واستئصالهم. ومعنى " أخفى ": استأصل، كذا روايتنا، وروى بعضهم: " وأكفى بيده " (١) أى مال.
قال الإمام: يقال: حصدت الشىء والقوم بالسيف حصداً وحصاداً، وحصد الأمر والحبل: صار وثيقاً محكماً، وأحصد الشىء: حان حصاده.
قال القاضى: وقوله: " موعدكم الصفا " لخالد بن الوليد ومن معه من الذين أخذوا من السفلة فى بطن الوادى، وأخذ هو ومن معه على أعلى مكة.
وقوله: " فما أشرف لهم أحد إلا أناموه ": أى ما ظهر لهم إلا قتلوه، فوقع إلى الأرض كالنائم وقد يكون بمعنى أسكتوه، وقطعوا حينئذ بقتله. يقال: قامت الريح وأسكتت، كما قالوا: ضربه حتى سكت، أى مات.
قال الإمام: يقال: نامت الشاة وغيرها: إذا ماتت، ونامت السوق: كسدت. وقال الفراء: النائمة الميتة، وفى حديث على - رضى الله عنه - فى قتال الخوارج -: " إذا أتيتموهم فأنيموهم " أى اقتلوهم (٢).
стр. 3327
فَأَطَافُوا بِالصَّفَا. فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِى سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ
ــ
قال القاضى: وقوله:" وما أحد يوجه إلينا شيئاً ": أى يدفع عن نفسه.
وقول أبى سفيان: " أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم ": كذا جاء فى حديث شيبان بن فروخ، وفى حديث الدارمى: " أبيدت " وكلاهما بمعنى متقارب، أى استؤصلوا. وأبيدت " بمعنى فنيت. و " خضراء قريش " كناية عن جماعتهم، ويعبر عن الجماعة المجتمعة بالسواد والخضرة؛ ولهذا قالوا: السواد الأعظم. ويقال فى مثل هذا: " غضراؤهم " أيضاً، وهم بمعنى الأول، أى استؤصلوا. والصلة من الغضارة، وهو الجيش النائم، وكذلك غضارة الشباب.
قال الإمام: قال الهروى: أباد الله خضراءهم: أى جماعتهم. وقال ابن الأعرابى: معناه: أباد الله سوادهم. قال ابن الأنبارى: سواد القوم معظمهم. قال ابن الأعرابى: الخضرة عند العرب السواد، يقال لليل: أخضر؛ لسواده. وأنشد:
يا ناقُ خبى خبباً زِورَّا ... وعارضى الليل إذا ما اخضرَّا
ويقال: أباد الله خضراءهم: أى حصدهم وشعثهم. قال النابغة:
يصونون أبداناً قديماً نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب
قال الإمام: اختلف الناس فى فتح مكة، هل كان صلحاً أو عنوة؟ فذهب مالك وجمهور الفقهاء وأهل السير: أنها عنوة، وقال الشافعى: بل هى صلح (١)، وانفرد بهذا المذهب. ودليل الجماعة عليه قوله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (٢)، ومثل هذا اللفظ لا يستعمل فى الصلح وإنما يستعمل فى الغلبة والقهر.
وقولهم: إن ذلك إنما أراد به صلح الحديبية؛ لما ذكره مسلم فى قصة الحديبية، قال: فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح، فأرسل إلى عمر - رضى الله عنه - فاقرأه إياه، فقال: يا رسول الله، أفتح هو؟ قال:" نعم "، لا يصح لأن هذه الآية إنما نزلت والمراد بها فتح مكة. وهذا الحديث يؤكد ما قلناه؛ لأنه قال فيه: " إذا لقيتموهم غداً أن تحصدوهم حصداً "، وهذا أمر بقتلهم. ولا يكون ذلك إلا مع العنوة. وقد اغتروا بقوله: " إذا لقيتموهم غداً "، وظنوا أن هذا القول كان منه قبل الفتح بيوم، ثم وقع الصلح فى غده. هذا غير صحيح؛ لأنه قال: " فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه "، وقال
стр. 3328
أَلْقَى السِّلاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ "، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِى قَرْيَتِهِ. وَنَزَلَ الوَحْىُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: " قُلْتُمْ:
ــ
أبو سفيان: " أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم " وهذا يدل على القتال، وقد قال ﷺ : " من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن "، فلو كانوا كلهم آمنين لم يحتج إلى هذا. وهذا كله واضح فى هذا الحديث دال على فساد ما قال الشافعى.
وتأويلهم: أنه إنما أمر رسول الله ﷺ بقتل من لم يقبل أمانه، وأن المعاقدة على ذلك كانت دعوى، وإضافة إلى الحديث ما ليس منه، وكيف تتفق المعاقدة على مثل هذا. ومن آكدِ أيضاً ما يدل على ما قلناه: حديث أم هانئ (١) وقد ذكر فيه أنَّ علياً - رضى الله عنه - أراد أن يقتل الرجلين (٢)، وأنها أجازت، وأمضى ﷺ جوارها، فكيف يدخل مكة صلحاً ويخفى ذلك عن على - رضى الله عنه - حتى يحاول قتل الرجلين؟ وكيف يحتاج أحد إلى أمان أم هانئ وهو آمن بالصلح؟ وقد تقدم حديث أم هانئ.
وإنما شبه على القوم لأجل أنه ﷺ لم يستبح أموالها، ولا قسمها بين الغانمين. فلما رأى الشافعى هذا وخروجه عن الأصل اعتقد أنه صلح. وهذا لا تعلق له فيه؛ لأن الغنيمة لا يملكها الغانمون بنفس القتال على قول كثير من أصحابنا، وللإمام أن يخرجها عن الغانمين ويمن على الأسرى بأنفسهم وحريمهم وأموالهم، وكأنه ﷺ رأى من المصلحة بعد إثخانهم والاستيلاء عليهم، أن يبقيهم لحرمة العشيرة وحرمة البلد، وما رَجَى من إسلامهم وتكثير عدد المسلمين بهم، فلايرد ما قدمناه من الأدلة الواضحة بمثل هذا المحتمل.
وقد قال بعض العلماء: يمنع من بيع بيوتها لقول الله : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد﴾ (٣). وقد حكى منع بيعها وكراء دورها عن مالك، وذكر أبو جعفر الأبهرى عنه أنه كره بيعها وكراءها، فإن بيعت أو أكريت لم يفسخ. وكان بعض شيوخنا يستقرى من المدونة الجواز من قوله فى فض الكراء إذا انهارت البئر: إنه يُفض، قال فى مثل دور مكة فى نفاقها أيام الموسم. وقد اختلف هل من بها على أهلها أو اْقرت للمسلمين فعلى القول بأنه مَنَّ بها على أهلها يجب الجواز، وقد تقع الكراهة حرصاً على المواساة وندباً إليها؛ لشدة حاجة الناس وضرورتهم، ومراعاة للخلاف. وذكر ابن عباس - رضى الله عنه - عن النبى ﷺ أنه قال: " مكة كلها مباح، لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها ".
قال القاضى: تقدم الكلام فى دور مكة فى كتاب الحج، وأما أمرها فى العنوة أو
стр. 3329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصلح فمضى فيه الآن كفاية، لكن ذهب بعض العلماء إلى جمع هذه المذاهب والآثار، واختصار مكة بكة لم يختص به غيرها، فقال أبو عبيد: افتتح رسول الله ﷺ مكة ومنَّ على أهلها وردها ولم يقسمها، ولم يجعل شيئاً منها غنيمة [ولا فيئاً] (١)، فرأى بعضهم أن ذلك جائز له ولغيره من الأئمة. قال: والذى أرى أنه خاص له فى مكة وليس ذلك لغيره فى غيرها أو مكة لا يشبهها شىء من البلاد، ولأن الله - سبحانه - خص رسوله من الأنفال بما لم يخص به غيره. وأنكر بعضهم قول أبى عبيد هذا وقول أبى يوسف: عفا رسول الله ﷺ عن مكة وأهلها ولم يجعل شيئاً منها فيئاً. وقال أصحاب الشافعى أراد الشافعى بقوله: إن النبى ﷺ دخل مكة صلحاً، أى فعل فيها فعله فيمن صالحه فملكه نفسه وأرضه وماله؛ لأنه لم يدخلها إلا بعد أن أمن أهلها كلهم، وهذا من قول أصحابه اعتذار عن قوله الذى انفرد به، وميل إلى قول الجماعة من أن افتتاحها عنوة، وإنما من عليهم وعفا وملكهم أموالهم.
قال بعضهم: والصحيح أن مكة بلدة مؤمنة لم يجز فيها شىء من أحكام العنوة، ولا شىء. من أحكام الصلح فتتفق معانى المذاهب على هذا، وأن قول مالك والجمهور: دخلت عنوة، وأن هذا فى ابتداء أمرها، لأمر النبى ﷺ جيوشه بقتل من لقوه وقاتلهم، وندائه بالأمان لمن دخل المسجد وأغلق عليه بابه، إلا من استثناه، وصورة هذا كله صورة العنوة والقهر، لا أن حكم العنوة جرى فى أهلها وأرضها وأموالهم بمن النبى ﷺ عليهم، وأن حالهم جرى فى هذا مجرى حال أهل الصلح لا أنهم عقدوا معه صلحاً؛ إذ لم يأت أثر فى شىء من هذا بمصالحتهم إياه، وبالله التوفيق.
وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة: انظر لما أسلم أهل مكة من النبى ﷺ وترك لهم أموالهم ولم ينزل فى شىء لمنه عليهم بها ونزل فى الوادى، ولما أبطأت هوازن بإسلامها قسم الفىء بين أصحابه، ثم وهبهم سبيهم على استطابة نفوس أصحابه؛ لأنه مال الله لا شىء للغانمين فيه إلا أن يقسمه عليهم. وفيه الحجة لمذهب مالك.
قال القاضى: وقول الأنصار: " والله ما قلنا الذى قلنا إلا الضن بالله ورسوله ﷺ ": بكسر الضاد، أى البخل إن يرحل عنا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُو عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِين﴾ (٢) فى قراءة من قرأه بالضاد، أى ببخيل. ومعناه هنا: محبة الاختصار به، والغيرة عليه أن يرجع إلى بلده. يقال: فلان ضنين من بين إخوانى، أى الذى اختص به، وأضن بمودته، ألا ترى قولهم: أدركته رغبة فى قربته ورأفة بعشيرته، وليس فى هذا ما يكون عليهم فيه إثم؛ إذ ليس فيه عيب للنبى ﷺ ولا نقص له، بل هو من مكارم أخلاق الأشراف الحنين للأوطان. فأجابهم النبى ﷺ بأنه وإن كان ذلك من رأفته بعشيرته وبلدته
стр. 3330
أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِى قَرْيَتِهِ، أَلا فَمَا اسْمِى إِذًا - ثَلاثَ مَرَّات - أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ وَإِلَيْكُمْ، فَالمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ ". قَالُوا: وَاللهِ مَا قُلْنَا إِلا ضِنا بِاللهِ وَرسُولِهِ. قَالَ: " فَإِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُصْدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ ".
ــ
فإنه لا يفارقهم؛ " المحيا محياكم، والممات مماتكم ". وبكاؤهم فرحاً بما قاله لهم، وخجلاً لما بلغه من ظنهم به (١) غير ذلك.
وقوله - لما اعترفوا له بقوله -: " فما اسمى إذاً ": يحتمل معنيين؛ أحدهما: أنى نبى، لإعلامه إياهم بما تحدثوا به بينهم، بدليل قوله بعده: " كلا إنى عبد الله ورسوله "، والآخر: أى كان فعلى لا يطابق اسمى من مفارقتكم، وترك الوفاء لكم والرجوع إلى قومى، إما لأن هذا غير مطابق معنى الحمد لله الذى اشتق منه اسمى، وأن هذا من فعلى كان يوصف بغير وصف الحميد من الأخلاق، أو لأن اسمى كان ينتقل إلى غيره من أوصاف الغدر وقلة الوفاء لو فعلت ذلك.
وقوله: " فأقبل رسول الله ﷺ إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت " فيه السنة بالبداية - لمن دخل مكة - أن يكون أول ابتدائه استلام الحجر والطواف بالبيت. وقد تقدم هذا فى كتاب الحج، والاختلاف فى دخول مكة بغير إحرام ولغير الحج والعمرة لمن لا يتردد عليها دائماً مستوعباً. ولم يختلف فى دخول النبى ﷺ مكة أنه كان حلالاً بدخوله والمغفر على رأسه، ولأنه دخلها محارباً حاملاً للسلاح هو وأصحابه. ولم يختلفوا فى تخصيص النبى ﷺ بذلك. ولم يختلفوا فى أنه من دخلها لحرب بعده أو بقى أنه لا يحل له دخولها حلالاً.