← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

٨٦ - (...) حدَّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، قَالَ: وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ - وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ - فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصْنَعُ طَعَامًا يَوْمًا لأَصْحَابِهِ. فَكَانَتْ نَوْبَتِى. فَقُلْتُ: يَا أَبَا هَرَيْرَةَ، اليَوْمُ نَوْبَتِى. فَجَاؤُواَ إِلَى المَنْزِلِ، وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا. فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا. فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ عَلَى المُجَنِّبَةِ اليُمْنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى المُجَنِّبَةِ اليُسْرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى البَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الوَادِى. فَقَالَ: " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، ادْعُ لِىَ الأَنْصَارَ "، فَدَعَوْتُهُمْ، فَجَاؤُوا يُهَرْوِلُونَ. فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشِ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: " انْظُرُوا، إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصِدُوهُمْ حَصْدًا "، وَأَخْفَى بيدهِ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَقَالَ: " مَوْعِدُكُمْ الصَّفَا ". قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ يَوْمئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلا أَنَامُوهُ. قَالَ. وَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّفَا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ، ــ وقوله ﷺ : " احصدوهم حصداً " وأخفى بيده ووضع يمينه على شماله: يحاكى صفة الحصد والقطع باليد اليمنى لما قبضت عليه بالشمال، يريد قتلهم واستئصالهم. ومعنى " أخفى ": استأصل، كذا روايتنا، وروى بعضهم: " وأكفى بيده " (١) أى مال. قال الإمام: يقال: حصدت الشىء والقوم بالسيف حصداً وحصاداً، وحصد الأمر والحبل: صار وثيقاً محكماً، وأحصد الشىء: حان حصاده. قال القاضى: وقوله: " موعدكم الصفا " لخالد بن الوليد ومن معه من الذين أخذوا من السفلة فى بطن الوادى، وأخذ هو ومن معه على أعلى مكة. وقوله: " فما أشرف لهم أحد إلا أناموه ": أى ما ظهر لهم إلا قتلوه، فوقع إلى الأرض كالنائم وقد يكون بمعنى أسكتوه، وقطعوا حينئذ بقتله. يقال: قامت الريح وأسكتت، كما قالوا: ضربه حتى سكت، أى مات. قال الإمام: يقال: نامت الشاة وغيرها: إذا ماتت، ونامت السوق: كسدت. وقال الفراء: النائمة الميتة، وفى حديث على - رضى الله عنه - فى قتال الخوارج -: " إذا أتيتموهم فأنيموهم " أى اقتلوهم (٢).

стр. 3327

فَأَطَافُوا بِالصَّفَا. فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِى سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ ــ قال القاضى: وقوله:" وما أحد يوجه إلينا شيئاً ": أى يدفع عن نفسه. وقول أبى سفيان: " أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم ": كذا جاء فى حديث شيبان بن فروخ، وفى حديث الدارمى: " أبيدت " وكلاهما بمعنى متقارب، أى استؤصلوا. وأبيدت " بمعنى فنيت. و " خضراء قريش " كناية عن جماعتهم، ويعبر عن الجماعة المجتمعة بالسواد والخضرة؛ ولهذا قالوا: السواد الأعظم. ويقال فى مثل هذا: " غضراؤهم " أيضاً، وهم بمعنى الأول، أى استؤصلوا. والصلة من الغضارة، وهو الجيش النائم، وكذلك غضارة الشباب. قال الإمام: قال الهروى: أباد الله خضراءهم: أى جماعتهم. وقال ابن الأعرابى: معناه: أباد الله سوادهم. قال ابن الأنبارى: سواد القوم معظمهم. قال ابن الأعرابى: الخضرة عند العرب السواد، يقال لليل: أخضر؛ لسواده. وأنشد: يا ناقُ خبى خبباً زِورَّا ... وعارضى الليل إذا ما اخضرَّا ويقال: أباد الله خضراءهم: أى حصدهم وشعثهم. قال النابغة: يصونون أبداناً قديماً نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب قال الإمام: اختلف الناس فى فتح مكة، هل كان صلحاً أو عنوة؟ فذهب مالك وجمهور الفقهاء وأهل السير: أنها عنوة، وقال الشافعى: بل هى صلح (١)، وانفرد بهذا المذهب. ودليل الجماعة عليه قوله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (٢)، ومثل هذا اللفظ لا يستعمل فى الصلح وإنما يستعمل فى الغلبة والقهر. وقولهم: إن ذلك إنما أراد به صلح الحديبية؛ لما ذكره مسلم فى قصة الحديبية، قال: فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح، فأرسل إلى عمر - رضى الله عنه - فاقرأه إياه، فقال: يا رسول الله، أفتح هو؟ قال:" نعم "، لا يصح لأن هذه الآية إنما نزلت والمراد بها فتح مكة. وهذا الحديث يؤكد ما قلناه؛ لأنه قال فيه: " إذا لقيتموهم غداً أن تحصدوهم حصداً "، وهذا أمر بقتلهم. ولا يكون ذلك إلا مع العنوة. وقد اغتروا بقوله: " إذا لقيتموهم غداً "، وظنوا أن هذا القول كان منه قبل الفتح بيوم، ثم وقع الصلح فى غده. هذا غير صحيح؛ لأنه قال: " فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه "، وقال

стр. 3328

أَلْقَى السِّلاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ "، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِى قَرْيَتِهِ. وَنَزَلَ الوَحْىُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: " قُلْتُمْ: ــ أبو سفيان: " أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم " وهذا يدل على القتال، وقد قال ﷺ : " من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن "، فلو كانوا كلهم آمنين لم يحتج إلى هذا. وهذا كله واضح فى هذا الحديث دال على فساد ما قال الشافعى. وتأويلهم: أنه إنما أمر رسول الله ﷺ بقتل من لم يقبل أمانه، وأن المعاقدة على ذلك كانت دعوى، وإضافة إلى الحديث ما ليس منه، وكيف تتفق المعاقدة على مثل هذا. ومن آكدِ أيضاً ما يدل على ما قلناه: حديث أم هانئ (١) وقد ذكر فيه أنَّ علياً - رضى الله عنه - أراد أن يقتل الرجلين (٢)، وأنها أجازت، وأمضى ﷺ جوارها، فكيف يدخل مكة صلحاً ويخفى ذلك عن على - رضى الله عنه - حتى يحاول قتل الرجلين؟ وكيف يحتاج أحد إلى أمان أم هانئ وهو آمن بالصلح؟ وقد تقدم حديث أم هانئ. وإنما شبه على القوم لأجل أنه ﷺ لم يستبح أموالها، ولا قسمها بين الغانمين. فلما رأى الشافعى هذا وخروجه عن الأصل اعتقد أنه صلح. وهذا لا تعلق له فيه؛ لأن الغنيمة لا يملكها الغانمون بنفس القتال على قول كثير من أصحابنا، وللإمام أن يخرجها عن الغانمين ويمن على الأسرى بأنفسهم وحريمهم وأموالهم، وكأنه ﷺ رأى من المصلحة بعد إثخانهم والاستيلاء عليهم، أن يبقيهم لحرمة العشيرة وحرمة البلد، وما رَجَى من إسلامهم وتكثير عدد المسلمين بهم، فلايرد ما قدمناه من الأدلة الواضحة بمثل هذا المحتمل. وقد قال بعض العلماء: يمنع من بيع بيوتها لقول الله : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد﴾ (٣). وقد حكى منع بيعها وكراء دورها عن مالك، وذكر أبو جعفر الأبهرى عنه أنه كره بيعها وكراءها، فإن بيعت أو أكريت لم يفسخ. وكان بعض شيوخنا يستقرى من المدونة الجواز من قوله فى فض الكراء إذا انهارت البئر: إنه يُفض، قال فى مثل دور مكة فى نفاقها أيام الموسم. وقد اختلف هل من بها على أهلها أو اْقرت للمسلمين فعلى القول بأنه مَنَّ بها على أهلها يجب الجواز، وقد تقع الكراهة حرصاً على المواساة وندباً إليها؛ لشدة حاجة الناس وضرورتهم، ومراعاة للخلاف. وذكر ابن عباس - رضى الله عنه - عن النبى ﷺ أنه قال: " مكة كلها مباح، لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها ". قال القاضى: تقدم الكلام فى دور مكة فى كتاب الحج، وأما أمرها فى العنوة أو

стр. 3329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصلح فمضى فيه الآن كفاية، لكن ذهب بعض العلماء إلى جمع هذه المذاهب والآثار، واختصار مكة بكة لم يختص به غيرها، فقال أبو عبيد: افتتح رسول الله ﷺ مكة ومنَّ على أهلها وردها ولم يقسمها، ولم يجعل شيئاً منها غنيمة [ولا فيئاً] (١)، فرأى بعضهم أن ذلك جائز له ولغيره من الأئمة. قال: والذى أرى أنه خاص له فى مكة وليس ذلك لغيره فى غيرها أو مكة لا يشبهها شىء من البلاد، ولأن الله - سبحانه - خص رسوله من الأنفال بما لم يخص به غيره. وأنكر بعضهم قول أبى عبيد هذا وقول أبى يوسف: عفا رسول الله ﷺ عن مكة وأهلها ولم يجعل شيئاً منها فيئاً. وقال أصحاب الشافعى أراد الشافعى بقوله: إن النبى ﷺ دخل مكة صلحاً، أى فعل فيها فعله فيمن صالحه فملكه نفسه وأرضه وماله؛ لأنه لم يدخلها إلا بعد أن أمن أهلها كلهم، وهذا من قول أصحابه اعتذار عن قوله الذى انفرد به، وميل إلى قول الجماعة من أن افتتاحها عنوة، وإنما من عليهم وعفا وملكهم أموالهم. قال بعضهم: والصحيح أن مكة بلدة مؤمنة لم يجز فيها شىء من أحكام العنوة، ولا شىء. من أحكام الصلح فتتفق معانى المذاهب على هذا، وأن قول مالك والجمهور: دخلت عنوة، وأن هذا فى ابتداء أمرها، لأمر النبى ﷺ جيوشه بقتل من لقوه وقاتلهم، وندائه بالأمان لمن دخل المسجد وأغلق عليه بابه، إلا من استثناه، وصورة هذا كله صورة العنوة والقهر، لا أن حكم العنوة جرى فى أهلها وأرضها وأموالهم بمن النبى ﷺ عليهم، وأن حالهم جرى فى هذا مجرى حال أهل الصلح لا أنهم عقدوا معه صلحاً؛ إذ لم يأت أثر فى شىء من هذا بمصالحتهم إياه، وبالله التوفيق. وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة: انظر لما أسلم أهل مكة من النبى ﷺ وترك لهم أموالهم ولم ينزل فى شىء لمنه عليهم بها ونزل فى الوادى، ولما أبطأت هوازن بإسلامها قسم الفىء بين أصحابه، ثم وهبهم سبيهم على استطابة نفوس أصحابه؛ لأنه مال الله لا شىء للغانمين فيه إلا أن يقسمه عليهم. وفيه الحجة لمذهب مالك. قال القاضى: وقول الأنصار: " والله ما قلنا الذى قلنا إلا الضن بالله ورسوله ﷺ ": بكسر الضاد، أى البخل إن يرحل عنا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُو عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِين﴾ (٢) فى قراءة من قرأه بالضاد، أى ببخيل. ومعناه هنا: محبة الاختصار به، والغيرة عليه أن يرجع إلى بلده. يقال: فلان ضنين من بين إخوانى، أى الذى اختص به، وأضن بمودته، ألا ترى قولهم: أدركته رغبة فى قربته ورأفة بعشيرته، وليس فى هذا ما يكون عليهم فيه إثم؛ إذ ليس فيه عيب للنبى ﷺ ولا نقص له، بل هو من مكارم أخلاق الأشراف الحنين للأوطان. فأجابهم النبى ﷺ بأنه وإن كان ذلك من رأفته بعشيرته وبلدته

стр. 3330

أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِى قَرْيَتِهِ، أَلا فَمَا اسْمِى إِذًا - ثَلاثَ مَرَّات - أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ وَإِلَيْكُمْ، فَالمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ ". قَالُوا: وَاللهِ مَا قُلْنَا إِلا ضِنا بِاللهِ وَرسُولِهِ. قَالَ: " فَإِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُصْدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ ". ــ فإنه لا يفارقهم؛ " المحيا محياكم، والممات مماتكم ". وبكاؤهم فرحاً بما قاله لهم، وخجلاً لما بلغه من ظنهم به (١) غير ذلك. وقوله - لما اعترفوا له بقوله -: " فما اسمى إذاً ": يحتمل معنيين؛ أحدهما: أنى نبى، لإعلامه إياهم بما تحدثوا به بينهم، بدليل قوله بعده: " كلا إنى عبد الله ورسوله "، والآخر: أى كان فعلى لا يطابق اسمى من مفارقتكم، وترك الوفاء لكم والرجوع إلى قومى، إما لأن هذا غير مطابق معنى الحمد لله الذى اشتق منه اسمى، وأن هذا من فعلى كان يوصف بغير وصف الحميد من الأخلاق، أو لأن اسمى كان ينتقل إلى غيره من أوصاف الغدر وقلة الوفاء لو فعلت ذلك. وقوله: " فأقبل رسول الله ﷺ إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت " فيه السنة بالبداية - لمن دخل مكة - أن يكون أول ابتدائه استلام الحجر والطواف بالبيت. وقد تقدم هذا فى كتاب الحج، والاختلاف فى دخول مكة بغير إحرام ولغير الحج والعمرة لمن لا يتردد عليها دائماً مستوعباً. ولم يختلف فى دخول النبى ﷺ مكة أنه كان حلالاً بدخوله والمغفر على رأسه، ولأنه دخلها محارباً حاملاً للسلاح هو وأصحابه. ولم يختلفوا فى تخصيص النبى ﷺ بذلك. ولم يختلفوا فى أنه من دخلها لحرب بعده أو بقى أنه لا يحل له دخولها حلالاً.

стр. 3331

(٣٢) باب إزالة الأصنام من حول الكعبة ٨٧ - (١٧٨١) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى شَيْبَةَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِىُّ ﷺ مَكَّةَ، وَحَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ، وَيَقُول: " ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١)، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيد﴾ (٢) " زَادَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: يَوْمَ الفَتْحِ. (...) وحدَّثناه حَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِىُّ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿زَهُوقًا﴾. وَلَمْ يَذْكُرِ الآيَةَ الأُخْرَى. وَقَالَ: بَدَل " نُصُبًا ": " صَنَمًا ". ــ وقوله: " فأتى صنماً إلى جانب البيت كانوا يعبدونه "، وأنه طعنه بسية قوسه، وهو معنى قوله فى الحديث الآخر فى النصب: " فجعل يطعنها بعود فى يده ". وسية الجيوش بكسر السين وفتح الياء، ما عطف من طرفها.

стр. 3332

(٣٣) باب لا يقتل قرشىٌّ صبراً بعد الفتح ٨٨ - (١٧٨٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَوَكِيعٌ، عَنْ زِكْرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ مُطِيعٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ -: " لا يُقْتَلُ قُرَشِىٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا اليَوْمِ، إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ". ٨٩ - (...) حدَّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا زَكْرِيَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ أَحَدٌ مِنْ عُصَاةِ قُرَيْشٍ، غَيْرَ مُطِيعٍ. كَانَ اسْمُهُ العَاصِى، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُطِيعًا. ــ وقوله ﷺ : " لا يقتل قرشى صبراً بعد اليوم إلى يوم القيامة ": إعلام منه ﷺ بانهم سيسلمون كلهم كما كان، وأنهم لا يرتدون بعده كما ارتد غيرهم ممن حورب وقتل صبراً. ولم يرد أنهم يقتلون ظلماً صبراً وغير صبر، فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم. وقوله: " لم يكن أسلم من عصاة قريش غير مطيع بن الأسود كان اسمه العاص فسماه النبى ﷺ مطيعاً ": عصاة هنا - جمع العاص - من الأسماء لا من الصفات، أى لم يسلم ممن كان اسمه العاص؛ مثل العاص بن وائل السهمى، والعاص بن هشام أبو البخترى، والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية، والعاص بن هشام بن المغيرة المخزومى، والعاص بن منبه بن الحجاج وغيرهم، سوى العاص بن الأسود العدوى فغير النبى ﷺ اسمه فسماه مطيعاً، وإلا فقد أسلم عصاة قريش وعتاتهم كلهم بحمد الله، لكنه قد ذكر أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو - وهو ممن أسلم واسمه أيضاً العاص. فإذا صح أيحتمل أن هذا لما غلبت عليه كنيته وجهل اسمه لم يعرفه المخبر، فلم يستثنه كما استثنى مطيع بن الأسود.

стр. 3333

(٣٤) باب صلح الحديبية فى الحديبية ٩٠ - (١٧٨٣) حدّثنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاء بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَتَبَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ الصُّلْحَ بَيْنَ النَّبِىِّ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَة. فَكَتَبَ: " هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحُمَّدٌ رَسُولُ اللهِ "، فَقَالُوا: لا تَكْتُبْ: رَسُولُ اللهِ فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، لَمْ نقَاتِلْكَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِعَلِىٍّ: " امْحُهُ "، فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِى أَمْحَاهُ. فَمحَاهُ النَّبِىُّ ﷺ بِيَدِهِ. قَالَ: وَكَانَ فِيمَا اشْتَرَطُوا: أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلاثًا، وَلا يَدْخُلُهَا بِسِلاحٍ، إِلا جُلُبَّانَ السَّلاحِ. قلْتُ لأَبِى إِسْحَاقَ: وَمَاجُلُبَّانُ السِّلاحِ؟ قَالَ: الْقِرَابُ وَمَا فِيهِ. ــ وقوله فى أحاديث الحديبية فى الصلح الذى كان بين النبى ﷺ وبين المشركين وكتب على - رضى الله عنه - " هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله ﷺ " وفى الرواية الأخرى: " هذا ما قاضى عليه "، فَقالوا: لا تكتب: رسول الله ﷺ ، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، وفى الآخر: ولكن اكتب محمد بن [عبد المطلب] (١) فقال لعلى: " امحه " فقال: ما أنا بالذى أمحاه، فمحاه النبى ﷺ بيده، قال: وفى الرواية الأخرى: فقال رسول الله ﷺ : " أرنى مكانها " فمحاها، وكتب: " ابن عبد الله "، وفى الرواية الأخرى: فقال لعلى: " اكتب من محمد بن عبد الله ": معنى " قاضى ": أى فاصل، وأمضيا أمرهما عليه وأتماه، ومنه: قضاء القاضى، أى فصل الحكم وأمضاه؛ ولذلك سميت عام المقاضاة لما كان فيها، وسميت عمرة القضية لذلك وعمرة القضاء أيضاً، وليس كما يظن من لا يعلم أنها سميت بذلك لقضاء العمرة التى صد عنها؛ إذ لا يلزم قضاء ما صد عنه من ذلك، إلا أن يريد أنها لما كانت عوضاً عنها وبإثرها كانت كأنها قضاء عنها. قال الإمام: أنكر بعض المتاخرين أن يقال فى افتتاح الوثاثق: هذا ما اشترى فلان، وهذا ما أصدق فلان، وشبه ذلك هروباً من أن يدل ذلك على الجحد والنفى، وهذا الحديث حجة عليهم [لأنه كتب باللفظ الذى كرهوه، فقال: " هذا ما كاتب "] (٢). قال القاضى: وفيه حجة - أيضاً - على أنه يكتفى بالاسم المشهور وإن اقتصر عليه،

стр. 3334

٩١ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَراءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، كَتَبَ عَلِىٌّ كِتَابًا بَيْنَهُمْ. قَالَ: فَكَتَبَ: " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ". ثُمَّ ذَكَرَ بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاَذٍ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِى الْحَدِيثِ: " هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ ". ــ خلافاً لمن ذهب إليه من الموثقين من أنه لابد من أربع؛ اسم المذكور، وأبيه، وجده، ونسبه. قال الإمام: فى هذا الحديث دلالة على أن للإمام أن يعقد الصلح على ما يراه صلاحًا للمسلمين، وإن كان يظهر فى بادئ الرأى أن فيه ما ظاهره اهتضام للحق؛ لأنه ﷺ محا اسمه وعاقدهم - على ما ذكر مسلم - فيمن جاء منهم إلينا ومنا إليهم. وقد قال عمر - رضى الله عنه -: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: " بلى "، قال: أليس قتلانا فى الجنة وقتلاهم فى النار؟ قال: " بلى "، قال: فلم نعطى الدنية فى ديننا؟ الحديث. ومذهبنا أنه إذا عاقد الإمام على الرد لمن جاء مسلماً ينفذ عقده فى الرجال دون النساء، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار﴾ (١)، ولكن اختلف الناس إذا طلب زوجته التى جاءت مسلمة، هل يعاض عنها الصداق الذى كان أعطاها؟ فقال بعض الناس: يعاض عنها لقوله : ﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ (٢). وقال بعضهم: لا يعاض عنها، والآية منسوخة. وقال بعض العلماء: إن منع رد النساء بالقرآن نسخ لما تقدم من السنة وفيه نسخ السنة القرآن وفى ذلك خلاف بين أهل الأصول (٣). قال القاضى: قد قيل: إن هذا ليس فيه نسخ ولا معارضة بين الكتاب والسنة؛ لأن الشرط إنما كان على رد الرجال دون النساء، وكذا جاء مبيناً فى بعض طرق هذا الحديث - فى صحيح البخارى فى كتاب الشروط -: " ولا يأتيك منا رجل وهو على دينك إلا رددته إلينا " (٤) ألا ترى أن فى هذا الحديث نفسه - فى غير مسلم - أنهم أخرجوا معهم بنت حمزة من العام المقبل، وفى جملة الحديث: " ولا يخرج من أهلها بأحد ". وذهب أهل الكوفة إلى أن الصلح ومهادنة الكفار على رد من جاء منهم مسلماً رجلاً كان أو امرأة لا يجوز، وأنه منسوخ بآية النساء، خلاف ما ذهب إليه مالك. وحكى أصحاب الشافعى أن ذلك يجوز فى الرجال إذا كانوا مأمونين على ذمتهم وإلا لم يجز، وحكى مكى فى كتاب الناسخ والمنسوخ مجملاً: أنه لا يجوز أن يهادن المشركون اليوم على شىء من هذه الشروط، [وإنما هو السيف أو الإيمان أو الصلح على غير شىء من هذه الشروط] (٥) التى لا يجوز فى الدين، وأما مع أهل الكتاب والمجوس فجائز، قال: وقيل:

стр. 3335

٩٢ - (...) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِىُّ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ - وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِىُّ ﷺ عِنْدَ البَيْتِ، صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَها فَيُقِيمَ بِهَا ثَلاثًا، وَلا يَدْخُلَهَا إِلا بِجُلُبَّانِ السِّلاحِ - السَّيْفِ وَقِرَابِهِ - وَلا يَخْرُجَ ــ إن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (١) ناسخ للهدنة بيننا وبينهم، وقال فى أهل الكتاب: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَة﴾ (٢)، فيه نفى حكم الهدنة معهم. وقال ابن زيد: نسخت كلها بسورة براءة، ونفذ النبى ﷺ إلى كل ذى عهد عهده، وأن يقتلوا حيث وجدوا، ويقتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، ونحوه لقتادة. وقيل: إنما فعل النبى ﷺ ذلك مع الضرورة وضعف الإيمان ورجاء الصلاح لهم. فيه - كما تقدم - أنه إنما ردهم لأبائهم وعشائرهم وأمن إهلاكهم وقتلهم لعطفهم عليهم، ليس فى ذلك إلا إمساكهم وخوف الفتنة عليهم، وقد عزرنا الله - سبحانه - وأباح لنا التقية بإظهار كلمة الكفر مع إضمار الإيمان، فلم يكن فى ردهم إهلاكهم، ولا ردهم من الإيمان إلى الكفر (٣). وقد جاء فى الحديث ما دل على ثقة النبى ﷺ بصلاح حالهم وسلامتهم بقوله: " سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً ". وأما إمساكهم من صار إليهم منا فلا إشكال فيه لأنه كافر مثلهم، وقد بينه ﷺ بقوله: " ومن ذهب منا إليهم فابعده الله ". وقوله ﷺ لعلى - رضى الله عنه - لما أمره يمحو " رسول الله " فقال: لا، والله لا أمحاها: " أرنى مكانها " فأراه فمحاها، وكتب، لم يكن من على - رضى الله عنه - خلافاً لأمره ﷺ ، ولكن أدباً أن يمحى وصفه الكريم من النبوة، ومساعدة النبى ﷺ المشركين فى ذلك غير ضار؛ إذ علم قيام الحجة عليهم بذلك فيما يكتبونه على أنفسهم من ذلك، وأنه كالإقرار والاعتراف، ومثل هذا إذا احتيج إليه للضرورة صنع، إذا لا يلزم من لا يعتقد شيئاً أن يقوله. ومثله منعهم - فيما ذكره مسلم - بعد لما كتبوا بسم الله الرحمن الرحيم فى ذلك، وأنهم لا يعرفون ما الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف: " باسمك اللهم "، فساعدهم النبى ﷺ على ذلك؛ رغبة فى تمام الصلح، الذى أثمر بعد ذلك الظهور التام والغلبة، ومعنى التسميتين واحد؛ لأنه راجع كله إلى اسم الله - سبحانه. وقد تقدم

стр. 3336

بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلا يَمْنَعَ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ. قَالَ لِعَلِىٍّ: " اكْتُبِ الشَّرْطَ بَيْنَنَا. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحِيمِ. هَذَا مَا قَاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ "، فَقَالَ لَهُ المُشْرِكُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ تَابَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا، فَقَالَ عَلِىٌّ: لا. وَاللهِ، لا أَمْحَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" أَرِنِى مَكَانَهَا "، ــ الكلام على معنى " اللهم " وقول من قال معناها: بالله أمنا بخيرك واقصدنا، فذكر بعض الحروف اختصاراً، فإنما ساعدهم على مخالفة القادتين منه ومنهم لا فيما اختلف من جهة المعنى لا لبس فى ترك وصفه بالنبوة نفياً لها عنه، ولا فى ترك بعض صفات الله تعالى نفياً لها عنه، وإنما الذى لا يجوز لو طالبوهم أن يكتب لهم ما لا يحل قوله واعتقاده للمسلمين؛ من ذكر اكهتهم وشركهم. وقد قيل: إن حرص النبى ﷺ على هذا للصلح وتمامه بكل حال، إنما كان النبى ﷺ لما فهم عن ربه من إرادته ذلك لخلاء ناقته به. وقوله: " حبسها حابس الفيل ": يريد أمر الله ومراده. وقد يحتج بما تقدم أن النصارى والمجوس لا يلزمون الحلف فى الحقوق بالله الذى لا إله إلا هو، وفيها خلاف عندنا فى المذهب، واختلاف فى التأويل على مراده فى المدونة بقوله: " لا يحلفون إلا بالله ". وقوله فى رواية زكرياء عن أبى إسحاق عن البراء: " فمحاها وكتب: ابن عبد الله ": احتج بهذا اللفظ بعض الناس على أن النبى ﷺ كتب ذلك بيده على ظاهر هذا اللفظ، ونحوه منه ذكره البخارى من رواية إسرائيل عن أبى إسحاق، وقال: " فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب " وزاد عنه من طريق آخر ولا يحسن أن يكتب فكتب، وقال هؤلاء فإن الله - سبحانه - أجرى على يديه ذلك إما بأن كتب ذلك القلم فى يده وهو غير عالم بما يكتب، أو أن الله - سبحانه - علمه ذلك حينئذ حتى كتب، وجعل هذا زيادة فى معجزته ﷺ وإن كان أمياً، فكما علمه ما لم يعلم من العلم وجعله قرأ ما لم يقرأ، وتلا ما لم يتل، فكذلك علمه أن يكتب ما لم يكتب، وخط ما لم يخط بعد النبوة وأجرى ذلك على يديه، وأن هذا لا يقدح فى وصفه بالأمية، واحتجوا بأقوال حاتم عن الشعبى وبعض السلفيين، هذا وإن النبى ﷺ لم يمت حتى كتب. وإلى جواز ذلك ذهب الباجى وحكاه عن الشيبانى وأبى ذر وغيرهما. وذهب الأكثر إلى منع هذا جملة، أن وصفه الله تعالى بالأمية وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِك﴾ (١)، وقوله ﵇: " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " (٢) يرده. وزعم هؤلاء أن كتابه هذا وإن صورناه معجزة لو صح يبطل

стр. 3337

فَأَرَاهُ مَكَانَهَا. فَمَحَاهَا، وَكَتَبَ: " ابْنُ عَبْدِ اللهِ "، فَأَقَامَ بِهَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ يَوْمُ الثالِثِ قَالُوا لِعَلِىّ: هَذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ، فَأمُرْهُ فَلْيَخْرُجْ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: " نَعَمْ "، فَخَرجَ وَقَالَ ابْنُ جَنَابٍ فِى رِوَايَتِهِ مَكَانَ " تَابَعْنَاكَ ": " بَايَعْنَاكَ ". ــ معجزته بالأمية، وأن لفظ " كتاب " يحتمل أن يرجع إلى أمره بذلك؛ إذ يقال: قتل الأمير، وقطع السارق، وإنما أمر به، واحتجوا بالرواية الأخرى: فقال لعلى - رضى الله عنه -: " اكتب: من محمد بن عبد الله "، والأولون يقولون: إنما وصفه الله - سبحانه - بأنه لم يتل ولم يخط من قبل تعليمه، كما قال من قبله، فكما جاز أن يتلو فكذلك جاز أن يخط، ولا يقدح هذا فى كونه أمياً؛ إذ ليست المعجزة مجرد كونه أمياً، وإنما المعجزة أن كان أولاً كذلك ثم جاء بعلوم لا يعلمها الأميون ولم يقدح ذلك فى حالته، فكذلك يجوز أن يكون بخط فلا يقدح فيه، بل يكون تأكيداً فى معجزته. قالوا: وظاهر قوله: " ولا يحسن أن يكتب فكتب " كالنص أنه هو بنفسه كتب، وعدوله إلى غيره تجوز فى الكلام، وحمل على ما لم يفهم منه لغير ضرورة. وطال كلام كل فرقة فى هذا الباب وشنعت كل واحدة على صاحبتها، ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا﴾ (١). وقوله فى الشرط: " أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثاً ": وذلك أن المهاجر لا تحل له الإقامة بمكة أكثر من ثلاث، وهذا أصل فى مدة الإقامة فى تقصير الصلاة فى السفر أنها فيما زاد على الثلاث (٢)، وأن الثلاث غير إقامة. وهذا الشرط إنما كان من العام القابل، وأن النبى ﷺ غير بدنه وتحلل. وهذا الحديث أصل فى تفسير قوله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ (٣)، وقد تقدم فى الحج بيانه، ومعنى الكلام هناك على معنى " حصر " و " أحصر ". واختلفت رواية مسلم هنا، فعند أكثرهم: " لما حصر النبى ﷺ " وعند السمرقندى: " [لما] (٤) أحصر ". وقوله: " لما أحصر عند البيت ": كذا فى جميع النسخ، وفى رواية ابن الحذاء: " عن البيت " وهو الوجه. قال الإمام: وقوله: " ولا يدخلها إلا بجُلُبَّان السلاح: السيف وقرابه ": قال الأزهرى: القراب: غمد السيف، والجلبان: شبه (٥) الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغمود، فيطرح فيه الراكب سوطه وأداته، ويعلقه من آخرة الرحل أو واسطته. و [قد] (٦) قال شمر: كان اشتقاق الجلبان من الجلبة، وهى الجلدة التى تجعل على القتب، والجلدة التى تغش التميمة لأنها كالغشاء للقراب، يقال: أجلب قتبه: إذا غشاه الجلبة. وروى ابن قتيبة فى هذا الحرف: " جلُبَّان " بضم اللام وتشديد الباء، والجلبان: أوعية السلاح بما

стр. 3338

٩٣ - (١٧٨٤) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَبِىَّ ﷺ ، فِيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِعَلِىٍّ: " اكْتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا بِاسْمِ اللهِ، فَمَا نَدْرِى مَا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلَكِن اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَالَ: " اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ". قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لاتَّبَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ "، فَاشْتَرَطُوا علَى النَّبِىِّ ﷺ : أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا ". ــ فيها، قال: ولا أراه يسمى به إلا لجفائه، ولذلك قيل للمرأة الجافية الغليظة: جلبانة. قال الهروى: والقول ما قال الأزهرى وشمر. قال القاضى: وفائدة اشتراطهم ألا يدخلوا إلا بالسلاح فى القرب لوجهين: أحدهما: ألا يظهروا عليهم دخول المحاربين الغالبين المشهرين (١) السلاح من تنكب القسى، واعتقال القنا، وتقليد السيوف، ولكن بزى الأمن والمهادنة والسفر. والثانى (٢): فإن كون السلاح فى القرب أمن التقلد بها وحبسها فى الأيدى؛ لسرعة السلت والمبادرة بها لأول هيشة وهيعة. وفى هذا الحديث على الجملة: جواز مصالحة الكفار لما فيه من مصلحة المسلمين ومهادنتهم. ولم يختلفوا إذا دعت إلى ذلك ضرورة، إذ يكون على غير شىء أو على مال يأخذه منهم، فإن لم تدع إلى ذلك ضرورة ولم يكن فى العدو قوة إلا لما بذلوه من أموالهم (٣) فأجاز ذلك جماعة، منهم الأوزاعى وغيره. ومنع ذلك مالك وأصحابه وعلماء أهل المدينة وغيرهم؛ لما فيه من ضيعة الثغور تلك المدة، وأن المسلمين بمغاوراتهم وجيوشهم قد ينالوا منهم اكثر من ذلك غالباً، وإنما صالح النبى ﷺ أهل مكة لقلة أهل الإسلام حيئنذ. واختلف العلماء فى أمدها فمالك يرى ذلك مفوضًا إلى اجتهاد الإمام، ولا حد له من القلة والكثرة، إلا لما يراه مصلحة لهم. والشافعى يحد أكثرها بعشرة أعوام لا يكون أكثر؛

стр. 3339

٩٤ - (١٧٨٥) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ - وَتَقَارَبَا فِى اللَّفْظِ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِى ثَابِتٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ، قَالَ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهمُوا أَنْفُسَكُمْ، لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وَلَوْ نَرَى قِتَالاً لَقَاتَلْنَا، وَذَلِكَ فِى الصُّلْحِ الَّذِى كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ. فَجَاءَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: " بَلَى ". قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلانَا فِى الْجَنَّةِ وَقَتْلاهُمْ فِى النَّارِ؟ قَالَ: " بَلَى ". قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِى دِينِنَا، وَنَرجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: " يَابْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّى رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِى اللهُ أَبَدًا ". قَالَ: فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلانَا فِى الْجَنَّةِ وَقَتْلاهُمْ فِى ــ لأنه الأمد الذى عاقد عليه ﷺ أهل مكة. وقيل: إنما كان عاقدهم على ثلاث سنين. وقيل: على أربع. فأما على ما يؤخذ من الكفار فجائز ما كان من مال أو روس من أحرارهم أو عبيدهم، وإن كانت مما يغيرون به ويأخذونه من غيرهم، وهو قول الأوزاعى وأحمد وإسحاق واختلف إذا كان من أبنائهم ونسائهم، فمنعه أبو حنيفة قال: لأن الصلح وقع عليهم وعلى ذراريهم، وأجازه أصحاب مالك إذا كتبوا ذلك فى شرط عهدهم، فإن لم يكتبوه فلا يجوز: ولهؤلاء من العهد ما لرجالهم، ونحوه عن مالك. واختلف إذا دعت ضرورة لشغل المسلمين بفتنة، أو غدر آخر، أو خوف استيلاء العدو عليهم، هل يصالحونه على أن يعطيهم المسلمون مالاً؟ فأجاز ذلك الأوزاعى، ومنعه الشافعى إلا أن يخافوا استئصال العدو لهم (١). وقول سهل بن حنيف يوم صفين: " اتهموا أنفسكم " وذكر كراهة المسلمين صلح الحديبية: يريد سهل بن حنيف بتبصير الناس ما فى الصلح من الخير، وأنه قد يدل - وإن كان ظاهره مكروهاً - إلى المحبوب، كما كان فى شأن الحديبية، وإنما كان ذلك لما ظهر فى أصحاب على - رضى الله عنه - من كراهة شأن التحكيم ومراوضة الصلح، وكان الظهور لهم حتى رفع لهم أهل الشام المصاحف ودعوهم إليها، ورغبوا فى المصالحة. وما كان مراجعة عمر - رضى الله عنه - النبى ﷺ فى شأن صلح الحديبية وما عظم على قلوب

стр. 3340

النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَعَلامَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِى دِينِنَا، وَنَرجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: يَابْنَ الْخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَدًا. قَالَ: فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْفَتْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَو فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: " نَعَمْ " فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ. ٩٥ - (...) حدَّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْر، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ - بِصِفِّينَ -: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا رَأيَكُمْ. وَاللهِ، لَقْد رَأَيْتُنِى يَوْمَ أَبِى جَنْدَلٍ وَلَوْ أَنِّى أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَرَدَدْتُهُ. وَاللهِ، مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَواتِقِنَا إِلَى أَمْرٍ قَطُّ، إِلا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ، إِلا أَمْرَكُمْ هَذَا. لَمْ يَذكُرِ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِلَى أَمْرٍ قَطُّ. ــ المسلمين منه وكرهوه، وما خالطهم من الحزن والكآبة، لرجوعهم دون تمام عمرتهم، وصد الكفار لهم عن البيت، وتثبطهم عن التحلل، رجاء تمام ما خرجوا عليه، وقهر النبى ﷺ لهم على (١) الصلح، وكانوا متبصرين في قتال عدوهم، وكان ذلك رأيهم، والله ورسوله أعلم بمصلحتهم ولهذا قال عمر - رضى الله عنه -: " علام نعطى الدنية فى ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ ". والدنية: النقيصة والحالة الخسيسة. والدنى بغير هاء: الخسيس من كل شىء، ومنه قوله: المنية ولا الدنية (٢)، أى ولا الحالة التى توجب على الإنسان ذلاً وخساسة. وجواب النبى ﷺ بما جاوبه به من تثبته ووعده الفتح الذى كان من خيبر ثم من مكة، ولم يكن ما كان من عمر - رضى الله عنه - وسؤاله له ﷺ عما سأله [عنه] (٣) شكاً [من عمر] (٤) ولا ريباً، بل كشفاً لما خفى عنه من ذلك، وحثاً على إذلال الكفر، وحرصاً على ظهور المسلمين، بما كان عليه من القوة والعزة فى دين الله. وموافقة جواب أبى بكر لما جاوبه به النبى ﷺ ، دليل على فضل علمه وإيمانه، وقوة يقينه على سائرهم. وقوله.: " ما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا ": أى يشق علينا ويعظم. وقوله: " إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه ": استعارة بنزول السهل من الأرض، والخروج إلى السعة من الضيق، وإلى اللين من الشدة.

стр. 3341

(...) وحدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِهِمَا: إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا. ٩٦ - (...) وحدّثنى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْف بِصِفِّينَ يَقُولُ: اتَّهِمُوا رَأيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتِنُى يَوْمَ أَبِى جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُد أَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مَا فَتَحْنَا مِنْهُ فِى خُصْمٍ إِلا انْفَجَرَ عَلَيْنَا مِنْهُ خُصْمٌ. ٩٧ - (١٧٨٦) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عُرُوبَةَ، عَنْ قَتادَةَ؛ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: لمَّا نَزلتْ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١) مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُمْ يُخَالِطُهُمُ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ، وَقَدْ نَحَرَ الهَدْىَ بِالْحُدَيْبِيَةِ. فَقَالَ: " لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَىَّ آيَةٌ هِىَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا ". (...) وحدّثنا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِىُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِى عَرُوبَةَ. ــ وقوله: " إلا أمركم هذا ": يريد الفتنة مع أهل الشام. وقوله: " ما فتحنا منه من خُصم إلا انفجر علينا منه خُصم " بضم الخاء، قال الإمام: خصم كل شىء طرفه وناحيته، ومنه قيل للخصمين: خصمان، لأن كل واحد منهما يأخذ فى ناحية من الدعوى غير ناحية صاحبه. قال القاضى: كذا جاء هذا الكلام فى كتاب مسلم: " ما فتحنا منه من خصم إلا انفجر علينا منه خصم " وفيه وهم وتغيير في الكلام، وصوابه: " ماسددنا مكان فتحنا "، وكذا جاء فى البخارى (٢) وغيره: " ما شذ منها خصم إلا انفجر علينا خصم " وبهذا

стр. 3342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يستقيم الكلام، ويتقابل " انفجر " لـ " سددنا ". وأحسن معانى الخصم هنا أن يكون مأخوذاً من طرف الرواية [وهو الخصم، لقوله: " ما نسد "، ولقوله: " انفجر "، فشبهه بانفجار الماء من طرف الرواية] (١)، وكذلك خصم العدل طرف جانبه الذى يؤخذ به.

стр. 3343

(٣٥) باب الوفاء بالعهد ٩٨ - (١٧٨٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ. قَالَ: مَا مَنَعنِى أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلا أَنِّى خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِى، حُسَيْلٌ. قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشِ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا؟ فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلا الْمَدِينَةَ. فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلا نُقَاتِلُ مَعَهُ. فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: " انْصَرِفَا، نَفِى لَهُم بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ ". ــ وقول حذيفة: " خرجت أنا وأبى حُسيل " كذا صوابه مرفوعاً على البدل، وهو اسم اليمان والد حذيفة بن اليمان (١)، وهو رواية ابن أبى جعفر. وبعضهم رواه - الصدفى عن العذرى -: " حسراً " ورواه أبو بحر: " حسير " بالراء مكان " حسيل "، وكلاهما وهم، وإنما سمى اليمان لأنه كان أصاب دماً فى قومه ففر إلى المدينة، فحالف بنى عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان لحلفه اليمانية. وقيل: بل سمى بذلك باسم جده الأعلى وهو حذيفة بن حسيل بن جابر بن ربيعة بن عمرو بن اليمان العبسى. وقوله: فأخذه كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمداً؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لا نقاتل معه، وأنهم ذكروا ذلك للنبى ﷺ فقال: " انصرفا، نفى لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم ": فيه أولاً: جواز الكذب للحالف والتعريض إذا أمكنه وعند الضرورة. وفيه وجوب الوفاء بالعهد وإن كان مكرهاً. وقد اختلفوا إذا عاهدوا الأسير ألا يهرب، فرأى الكوفيون والشافعى: لا يلزمه هذا العهد. وقال مالك: لا يجوز له ذلك. وقال ابن القاسم ومحمد بن المواز ذلك، بخلاف لو أجبروه أن يحلف ألا يهرب لم يلزمه اليمين لأنه مكره. وقال بعض العلماء: لا فرق بين اليمين والعهد وهجرته عن مَلِكِ الكفر واجبة (٢) والحجة فعل أبى بصير وتصويب النبى ﷺ فعله ورضاه به؛ ولا حجة فى هذا إذ ليس فيه أن أبا بصير عاهدهم على ذلك، وأن

стр. 3344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبى ﷺ إنما عاهدهم على ألا يخرج معه بأحد منهم ولا يحبسه عنهم، ولم يعاهدهم على ألا يخرج منهم من أسلم فيلزم ذلك أبا بصير (١).

стр. 3345

(٣٦) باب غزوة الأحزاب ٩٩ - (١٧٨٨) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَيْمِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ، فَقَال رَجُلٌ: لو أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاتَلْتُ مَعَهُ وَأَبْلَيْتُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ لَقَدْ رَأَيتُنَا مَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الأَحْزَابِ، وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَلا رَجُلٌ يَأتِينِى بِخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللهُ مَعِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ "، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: " أَلا رَجُلٌ يَأتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللهُ مَعِى يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ " فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَ: " أَلا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللهُ مَعِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ "، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ. فَقَالَ: " قُمْ يَا حُذَيْفَةُ، فَأتِنَا بِخَبَرِ القَوْمِ "، فَلَمْ أَجِدْ بُدا، إِذْ دَعَانِى بِاسْمِى، أَنْ أَقُومَ. قَالَ: " اذْهَبْ، فَأتِنِى بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلا تَذْعَرهُمْ عَلَىَّ "، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِى فِى حَمَّامٍ، حَتَّى أَتَيْتُهُمْ، فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِى ظَهْرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِى كَبِدِ الْقَوسِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : " وَلا تَذْعَرْهُمْ عَلَىَّ "، وَلَوْ رَمَيْتُهُ لأَصَبْتُهُ، فَرَجَعْتُ وَأَنَا ــ وقول القائل: " لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت ": أى بالغت فى امتحانها فى نصرته وأغْنَيْت. وقول حذيفة له: " أنت كنت تفعل ذلك؟ " كأنه فهم منه أنه قام بباله أنه كان يفعل أكثر مما كانت تفعله الصحابة، ويأتى بأبلغ مما أتوه، ثم أخبره بخبره ليلة الأحزاب. والقُر، بضم القاف: البرد، وكذلك قوله بعد ذلك: " قررت ". قال الإمام: أى أصابنى القر، يقال: قُرَّ الإنسان قراً. وقوله: " لا تذعرهم علىّ ": أى لا تفزعهم. قال القاضى: ولشدته لم يجبه أحد حين دعا من يأتيه بخبرهم، وتواكل الناس بعضهم لبعض لعله يكفى، فلما عينه النبى ﷺ بالدعوة وجبت عليه الإجابة. ومعنى قوله: " لا تذعرهم علىَّ " هنا عندى: أى لا تفزعهم على، كأنه - والله أعلم - خاف ما يصيبه هو من ذلك إن حرك عليهم ما يدعوهم، فيتحسسمون له، فيأخذونه، فيعود ذلك على النبى ﷺ بقتل عَيْنِه وَرَسُوله - والله أعلم. واما تنفيرهم مما يُخَاف منه وهو كان المطلوب.

стр. 3346

أَمْشِى فِى مِثْلِ الْحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَفَرَغْتُ، قُرِرْتُ، فَأَلْبَسَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّىَ فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: " قُمْ يَا نَوْمَانُ ". ــ ومعنى: " يصلى ظهره بالنار ": أى يدنيه منها من البرد، وهو الصلاء ممدود مكسور، وهو الصلى - أيضاً - مفتوح مقصور. " وكبد القوس ": مقبضها. قال الخليل: كبد كل شىء وسطه. وقوله: " فرجعت كأنى أمشى فى حمام ": يعنى أنه لم يصبه من القر وبرد تلك الريح (١) شىء ببركة إجابته للنبى ﷺ ، وتصرفه فيما وجهه فيه، أو لأنه دعا له. وكذلك ذكر فى انصرافه، ألا تراه كيف قال: فلما أتيته وأخبرته بخبر القوم قررت، أى أصابنى البرد الذى كان يجده الناس. فتعد هذه من آياته ﷺ . والعباءة: الكساء فيه خطوط، وقد تقدم.

стр. 3347

(٣٧) باب غزوة أحد ١٠٠ - (١٧٨٩) وحدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ زَيْدٍ وَثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِى سَبْعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا رَهِقوهُ قَالَ: " مَنْ يردُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ، أَوْ هُو رَفيقِى فِى الْجَنَّةِ؟ "، فَتَقَدَّمَ رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا، فَقَالَ: " مَنْ يُردُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ، أَوْ هُو رَفِيقِى فِى الْجَنَّةِ؟ "، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِصَاحِبَيْهِ: " مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا ". ــ وقوله فى أول أحاديث أحد: نا هداب (١) بن خالد الأزدى. كذا فى الأصل، وكذا نسبه البخارى أخاه أمية بن خالد (٢) فى بابه، فنسبه قيسياً. وذكر الباجى فقال: القيسى الأزدى، وهذان نسبان فى الظاهر مختلفان؛ أزد فى اليمن وقيس فى معد، تلك حقيقة هذا، أن قيساً هنا ليس قيس غيلان، لكنه قيس بن ثوبان من الأزد، فيصح النسبان. وقد جاء مثل هذا - أيضاً - لمسلم فى زياد بن رياح القيسى، ويقال: رباح (٣) كذا ذكره فى غير موضع، ونسبه فى النذور: التيمى (٤). قيل: لعله من تيم بن قيس بن ثعلبة بن بكر بن وائل، فيجتمع النسبان، وإلا فتيم قريش لا يجتمع مع قيس بن غيلان. وقوله: " أفرد النبى ﷺ يوم أحد فى سبعة من الأنصار ورجلين من قريش "، وأن العدو لما رهقه، أى غشيه، قال الله سبحانه: ﴿وَلا ترْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (٥) أى لا تغشنى. وذكر أن السبعة قاتلوا عنه واحداً بعد آخر حتى قتلوا، فقال النبى ﷺ لصاحبيه:

стр. 3348

١٠١ - (١٧٩٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأسِهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلَىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لا يَزِيدُ الدَّمَ إِلا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةً حَصِيرٍ فَأَحَرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلْصَقَتُهُ بِالْجُرْحِ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ. ١٠٢ - (...) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَن الْقَارِىَّ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ فَقَال: أَمَ، وَاللهِ إِنِّى لأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ، وَبِمَاذَا دُووىَ جُرْحُهُ. ثُمَّ ذَكَرُ نَحْوَ حَدِيث عَبْدِ الْعَزِيزِ. غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: وَجُرِحَ وَجْهُهُ. وَقَالَ مَكَانَ " هُشِمَتْ ": " كُسِرتْ ". ١٠٣ - (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلالٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ ابْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِىُّ، حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ - يَعْنِى ابْنَ مُطَرِّفٍ - كُلُّهُمْ عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . فِى حَدِيثِ ابْنِ أَبِى هِلالٍ: أُصِيبَ وَجْهُهُ. وَفِى حَدِيث ابْنِ مُطَرِّفٍ: جُرِحَ وَجْهُهُ. ــ " ما أنصَفْنا أصحابَنا " بالنصب يعنى بهذا القُرَشِيَّيْن، أى لم يدلهما القتال حتى قتلوهم. خاصة وقد روى بعض شيوخنا: " ما أَنْصَفَنا أَصْحَابُنا "، وهذا يرجع إلى من مر عنه وتركه. والله أعلم. قال الإمام: قد ذكر مسلم فى الباب: أبو بكر بن أبى شيبة، نا عبد العزيز بن أبى حازم. كذا إسناده عند الرازى فى بعض الطرق، وكذلك فى رواية السجزى، جميعاً عن أبى أحمد. وفى نسخة أبى العلاء بن ماهان فى مسلم: نا يحيى بن يحيى التميمى، قال: نا عبد العزيز بن أبى حازم. كذا فى نسخة الكسائى، وخرجه أبو مسعود الدمشقى من حديث يحيى بن يحيى عن عبد العزيز، قال بعضهم: وهو الصواب.

стр. 3349

١٠٤ - (١٧٩١) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِى رَأسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: " كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُو يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟ " فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١). ١٠٥ - (١٧٩٢) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَحْكِى نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُو يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُول: " رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِى؛ فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ". (...) حدَّثنا أَبوُ بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ومُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَهُوَ يَنْضِحُ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ. ــ قال القاضى: رواية الطبرى مثل رواية الرازى. وذكر فى الحديث ما أصاب النبى ﷺ من كسر رباعيته وجرح وجهه. والرباعية، مخففة الياء: السن التى بعد كل ثنية، وهى أربع رباعيات. فيه ما ابتلى به الأنبياء وأهل الفضل لينالوا جزيل الأجر، وشمهل على أممهم وغيرهم ما أصابهم، ويتأسوا بهم، وليعلم أنهم من البشر يصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر ليتحققوا أنهم مخلوقون مربون، ولا يدخل اللبس في المفعول بسبب ما ظهر على أيديهم من العجائب والآيات ما يشكك فى بشريتهم، ويلبس الشيطان من أمرهم ما لبس به على النصارى وأشباههم، حتى اعتقدوا فى عيسى ﵇ أنه إله. والمجن: الترس. و " يسكب ": يصب. " وشج ": جرح. وحمل الماء فى المجن يدل أن ترسهم أو ما كان منها مقعداً، وفيه استعمال السلاح فى مصالح المسلمين وإن كان فى غير ما وضعت له. وفيه المداواة وجواز ذلك. وقوله عن بعض الأنبياء ﷺ أنه قال - حين ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه -: " اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون " وفى الرواية الأخرى: " ينضح " بكسر الضاد، أى يغسل، وجاء فى غير مسلم: " ينضح الدم عن جبينه " (٢) ومعناه هنا: يفور ويسيل، يقال: نضحت العين: فارت. وقد يكون هنا بمعنى: يغسل الدم الذى على جبينه. وقد روى مثل هذا القول عن نبينا ﷺ يوم أحد. فيه ما كانوا عليه صلوات الله عليهم من الحلم والصبر والشفقة على قومهم وأممهم، وأنهم مع فعلهم بهم وأذاهم لهم دعوا بالغفران، وعذروهم بالجهل وقلة العلم بما أتوه.

стр. 3350

(٣٨) باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ ١٠٦ - (١٧٩٣) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْم فَعَلُوا هَذَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ " وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللهِ فِى سَبِيلِ اللهِ ". ــ وقوله: " اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله ": كذا. ذكر هذا اللفظ مسلم. لم يزد. قوله: " فى سبيل الله " أى وهو يقاتل رسول الله ﷺ ، كما جاء فى حديث آخر: " أشد الناس عذاباً من قتله نبى أو قتل نبياً " (١) فقوله: " فى سبيل الله " تخصيص ممن قتله فى حد أو قصاص.

стр. 3351

(٣٩) باب ما لقى النبى ﷺ من أذى المشركين والمنافقين ١٠٧ - (١٧٩٤) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ - يَعْنِى ابْنَ سُلَيْمَانَ - عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِىِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأمْسِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلا جَزُورِ بَنِى فُلانٍ فَيَأخُذُهُ، فَيَضَعُهُ فِى كَتَفِىْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَد؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِىُّ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ. لَوْ كَانَتْ لِى مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَالنَّبِىُّ ﷺ سَاجِدٌ، مَا يَرْفَعُ رَأسَهُ، حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ - وَهِىَ جُوَيْرِيَةٌ - ــ قال القاضى: وثبات النبى ﷺ فى الصلاة حين طرح عليه كفار قريش سلا الجزور، دليل على طهارة ما يخرج من أجواف الحيوان المأكول اللحم؛ من فرث ورطوبة وغيرها، ما خلا الدم؛ لأن السلا لا ينفك منه. وسلا الجزور هو: اللفافة التى يكون فيها الوليد فى بطن الناقة، وهى الجزور هنا، وكذلك السلا من سائر البهائم وهى المشيمة من بنى آدم. وأشقاها الذى ذكر أنه طرحه عليه " عقبة بن أبى معيط " فسره فى الكتاب. وصبره ﵇ حتى نزع منه إما لأنه خشى بحركته بها وقيامه وهى عليه انفتاق ما فيها وتمريث ثيابه، أو لأنه أطال السجود للدعاء عليهم، لا لغرض غيره، فاتفق في طوله مقدار ما بلغ الخبر ابنته، وجاءت فأزالته. وقد استدل به بعضهم على أحد القولين عن مالك؛ فيمن صلى بثوب نجس فتذكر في الصلاة أنه يطرحه عنه وتجزيه صلاته، ومشهور مذهبه القطع، وعبد الملك يقول: يتمادى ويعيد للخلاف فى حكم النجاسة. كما رأى مالك فيها الإعادة فِى الوقت للناسى، ولا حجة له عندى بهذا الحديث؛ إذا ليس فيه حقيقة نجاسة، وأيضاً فإن من ألقى عليه فإنه ينبغى أن يكون بخلاف من ابتدأ الصلاة وقضى منها جزءًا بالنجاسة؛ لأنه إذا ألقى عليه ثوب نجس فيطرحه لخبثه كان الأظهر هنا إجزاؤه، ولا يقطع إذا لم يقض ركناً من صلاته بنجاسته. وقول ابن مسعود: " لو كانت لى منعة طرحته ": بفتح النون، أى من يمنعنى من أذاهم. وقد كان ممن يؤذَى فى الله تعالى؛ لأنه كان عربياً فيهم، إنما هو من هذيل. ودعاء النبى ﷺ عليهم ثلاثاً: " اللهم عليك بأبى جهل " وسماهم وسمى فيهم

стр. 3352

فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِىُّ ﷺ صَلاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا، دَعَا ثَلاثًا، وَإِذَا سَأَلَ، سَأَلَ ثَلاثًا. ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ، عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ " ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضِّحْكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ. ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ، عَلَيْكَ بِأَبِى جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِى مُعَيْطٍ " - وَذَكَر السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ - فَوَالَّذِى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ ﷺ فِى هَذَا الْحَدِيثِ. ١٠٨ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ المُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو ابْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِى مُعَيْطٍ بِسَلا جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلمَ يَرْفَعْ رَأسِهِ. فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكِ. فَقَالَ: " اللَّهُمَّ، عَلَيْكَ ــ الوليد بن عقبة: كذا وقع فى جميع نسخ مسلم الواصلة إلينا، وفى أصول جميع شيوخنا. وصوابه: " عتبة " بالتاء، وكذا هو فى صحيح البخارى (١). وقد نبه عليه مسلم آخر الحديث، أو ابن أبى سفيان، وقال: " الوليد بن أبى عقبة غلط في هذا الحديث "، وقد جاء فى بعض الروايات للسجزى: " عتبة " على الصواب، وهو إصلاح لا شك فيه لاعتذار مسلم عنه، أو رواية ابن سفيان لاختلاف الشيوخ في كلامه من هو؟ وأن مسلماً إنما سمعه من شيخه عقبة. والوليد بن عقبة هو ابن أبى معيط، ولم يكن في هذا الحين مولود، أو كان طفلاً صغيراً. وقد أتى به النبى ﷺ يوم الفتح ليمسح على رأسه وهو صبى، وقال بعضهم: قد ناهز الاحتلام. وقوله: " ونسيت السابع ولم أحفظه ": ذكر أبو بكر البرقانى فى صحيحه هذا السابع، وسماه عمارة بن الوليد. وكذا ذكره البخارى (٢) - أيضاً - فى الصحيح. اعترض بعضهم ذكر عمارة بن الوليد فى هذا الحديث لقوله آخره: " لقد رأيت الذين سمى صرعى

стр. 3353

الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ؛ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِى مُعَيْطٍ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أُبِىَّ بْنَ خَلَفٍ - شُعْبَةُ الشَّاكُّ ". قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِى بِئْرٍ. غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةَ أَوْ أُبَيًّا تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ، فَلَمْ يُلْقَ فِى الْبِئْرِ. ١٠٩ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَزَادَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ ثَلاثًا يَقُولُ: " اللهُمَّ، عَلَيكَ بِقُرَيْشٍ. اللهُمَّ، عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ. اللهُمَّ، عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ " ثَلاثًا. وَذَكَرَ فِيهِمُ الْوَلِيدَ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُميَّةُ بْنَ خَلَفٍ. وَلَمْ يَشُكّ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَنَسِيتُ السَّابِعَ. ١١٠ - (...) وحدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَيْتَ. فَدَعَا عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْش، فِيهمْ أَبُو جَهْلٍ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِى مُعَيْطٍ. فَأُقْسِمُ بِاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى عَلَى بَدْرٍ، قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا. ١١١ - (١٧٩٥) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِىُّ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُد؟ فَقَالَ: ــ يوم بدر ". وذكر أهل السير أن عمارة المذكور كان عند النجاشى فاتهمه بأمر فى حرمة، وكان جميلاً وسيمًا، فنفخ فى إجليل سحراً فهام مع الوحش في بعض جزيرة الحبشة. وهذا عندى لا يعترض به. ويكون قوله: " رأيت الذين سمى صرعى ببدر " يعنى أكثرهم؛ بدليل أن عقبة بن أبى معيط منهم ولم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيراً، وإنما قتله النبى ﷺ صبراً بعد منصرفه عن بدر وبعرق الطيبة و" قليب بدر ": بئرها، والقليب: كل بئر لم تطو. وقوله فى حديث ابن أبى شيبة: " وكان يستحث ثلاثاً ": كذا هو بالثاء بثلاث نقط عند العذرى، وكان عند السمرقندى والطبرى: " يستحب " بالباء، والأول أظهر، يريد ما جاء فى الرواية الأخرى من تكراره الدعاء ثلاثاً. واستحث بمعنى: ألح فى الدعاء واستعجل الإجابة - والله أعلم. والأخشبان: جبلا مكة.

стр. 3354

لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِى عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِى إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِى، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأسِى فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِى، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِى. فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِى مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَىَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمَكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِى رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأمُرَنِى بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ ". فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ، لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ". ١١٢ - (١٧٩٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى عَوَانَةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ. قَالَ: دَمِيَتْ إِصْبَعُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى بَعْضِ تِلْكَ المَشَاهِدِ. فَقَالَ: " هَلْ أَنْتِ إِلا إِصْبَعٌ دَمِيتِ ... وَفِى سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ " ١١٣ - (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، ــ وقوله: " فلم أستفق إلا بقرن الثعالب ": أى لم أنتبه حتى أتيت هذا الموضع، لقوله قبل: " فسرت مهموماً على وجهى ". وقرن الثعالب أو قرن المنازل: وهو ميقات أهل نجد، على يوم وليلة من مكة. وأصله الجبل الصغير ينقطع من الجبل الكبير. وقوله: دميت إصبع رسول الله ﷺ فى بعض تلك المشاهد فقال: " هل أنت إلا إصبعٌ دميت ... وفى سبيل الله ما لقيت " فيه التمثل بالأرجاز فى الحوادث تحدث على عادة العرب، وقد تقدم الاختلاف فى الرجز وهل هو شعر؟ وجه قول النبى ﷺ له وإنما قاله فيما روى الوليد بن الوليد بن المغيرة في هجرته، وروى - أيضاً - لزيد بن حارثة فى مؤتة. وقد رواه بعضهم: " دميت " و " لقيت " ليذهب وزنه، وذلك لا يغنى من وزنه وزن ثابت، وقد تقدم الكلام قبل على أن مثل هذا كان من قوله أو متمثلاً به غير معارض لقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (١).

стр. 3355

عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى غَارٍ، فَنُكِبَتْ إِصْبَعُهُ. ١١٤ - (١٧٩٧) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا يَقُولُ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١). ــ وقوله في الرواية الأخرى: " كان النبى ﷺ فى غار فنكبت إصبعه "، قال القاضى أبو الوليد الكنانى: لعله غار مصحف من غرو، ولما جاء بعد: " فى بعض المشاهد ". ورواية البخارى (٢): بينا النبى ﷺ يمشى إذا جاءته حجر. قال القاضى: قد يراد بالغار هنا الجيش والجمع، لا واحد الغيران التى هى الكهوف، فيوافق قوله: " فى بعض المشاهد ". وقوله: يمشى ولا يعد شىء منه وهماً، وفى حديث على جمع بين هذين الغارين، أى الجمعين والعسكرين. قال الإمام: ذكر مسلم فى حديث جندب بن صفوان في إبطاء جبريل بالوحى: عن إسحاق بن إبراهيم، عن ابن عيينة، عن الأسود، عن جندب. كذا إسناده عند الجلودى والكِسَائى، وكذا أخرجه الدمشقى من حديث مسلم. وفى نسخة ابن ماهان: نا أبو بكر ابن أبى شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعاً، عن ابن عيينة. زاد فى الإسناد: نا أبو بكر بن أبى شيبة قال. وقول المشركين: قد ودع محمد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها، قال الإمام: قال ابن عباس: ﴿مَا وَدَّعَك﴾: ما قطعك منذ أرسلك، ﴿وَمَا قَلَى﴾: ما أبغضك. وسمى الوداع وداعاً؛ لأنه فراق ومتاركة. وفى الحديث: " الحمد لله غير مودع ربى ولا مكفور " (٣): أى غير تارك طاعة ربى. قال القاضى: هذه قراءة الجمهور مشددة، وقرأ بعضهم: " ما ودعك " مخففة. قال أبو عبيدة: من ودعه يدعه، معناه: ما تركك. وأهل النحو ينكرون أن يأتى منه ماض أو مصدر، وإنما جاء منه المستقبل والأمر لا غير عندهم، وكذلك " يذر ". وقد جاء الماضى والمستقبل منهما وفى مسلم: " لينتهين قوم عن ودعهم الجمعة " (٤)، وفى مسلم والبخارى: " من ودعه الناس لشره أو فحشه " (٥). وقال الشاعر:

стр. 3356

١١٥ - (...) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ - حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنِ الأَسْودِ بْنِ قَيْسٍ. قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ: اشْتَكَى رَسُولُ الله ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَجَاءَتْهُ امْرأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّى لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم، أَخْبَرَنَا الْمُلاِئىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلاهُمَا عَنِ الأَسُودِ بْنِ قِيْسٍ. بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِهِمَا. ــ وكان ما قدموا لأنفسهم ... أكثر نفعاً من الذى ودعوا وقال آخر: ........ ما الذى ... غاله فى الود حتى ودعه وإنما قال فى النبى ﷺ هذا المشركون ومن فى قلبه مرض، ألا ترى قول المرأة: " إنى لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك "، وإن صح ما جاء فى كتاب التفسير أن قائلة هذا له خديجة: " أحسب أن ربك قلاك " فإنما يصح ذلك منها قبل إيمانها، وفى حين نظرها قبل فى تصحيح نبوته ﷺ ، وإلا فلا يصح ذلك منها بعد إيمانها (١). وقولها: " ولم أره قرِبك منذ ليلتين " بكسر الراء، إذا كان مُعَدًا، أقرب بالفتح، فإذا لم يُعَدَّ كان بضمها، فقلت: قرب الرجل، وكقولك: قربت منه، إذا عديته بحرف الجر يقرب فيها، فإذا أضفت فعله إلى الماء خاصة فتحتها فقلت: قرب الماء: إذا طلبه ليلاً، يقربه فهو قارب. ولا يقال ذلك لطالبه نهاراً.

стр. 3357

(٤٠) باب فى دعاء النبى ﷺ ، وصبره على أذى المنافقين ١١٦ - (١٧٩٨) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ؛ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَكِبَ حِمَارًا، عَلَيْهِ إِكَافٌ، تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ، وَهُو يَعوُدُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِى بَنِى الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. وَذَاكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ، فِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبىٍّ، وَفِى الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ. فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَىٍّ أَنْفَهُ بِردَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لا تُغَبِّروُا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِىُّ ﷺ ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَىٍّ: أَيُّهَا الْمَرْءُ، لا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلا تُؤذِنَا فِى مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. ــ وقوله: " ركب النبى ﷺ حماراً عليه إكاف، تحته قطيفة فدكية ": كذا هى الرواية الصحيحة، صحفه بعضهم وقال مكان " فدكية ": " فركبه " ولا وجه له؛ لأنه قد ذكر ركوبه أولاً. وفدكية منسوبة إلى فدك. والإكاف بكسر الهمزة مثل الستر لليل. قوله: " حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود "، وذكر أنه سلم عليهم. واحتج به بعضهم فى جواز السلام على مجلس فيه المسلمون وغيرهم من الكفار، وهذا لا خلاف فيه. وعجاجة الدابة: ما ارتفع من غبار جوافرها. وقوله: " فخمر عبد الله بن أبى أنفه " أى غطاه، ثم قال: " لا تغبروا علينا " مع ما هو أجفى من هذا فى الحديث الآخر. وتسليم النبى ﷺ عليهم ووقوفه ثم نزوله كما جاء فى الحديث. ودعاؤهم إلى الله - سبحانه - وتلاوته عليهم القرآن كل ذلك استئلافاً لهم، وطمعاً فى إسلامهم، وتبليغاً لما أمره الله تعالى به من ذلك. وفيه من الصبر على الأذى والحلم والإغضاء ما كان من خلقه ﷺ وأدب الله - تعالى له بقوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُون﴾ (١)، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَح﴾ (٢). وقول ابن أبى: " لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حقاً فلا تؤذنا فى مجالسنا فمن جاءك منا فاقصص عليه ": كذا رواية الكافة بالمد، وكان عند القاضى أبى على: " لأحسن

стр. 3358

فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: اغْشَنَا فِى مَجَالِسِنَا، فَإنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: فَاسْتَبَّ الْمُسْلِموُنَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَتوَاثَبُوا. فَلَمْ يَزَلِ النَّبِىُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. فَقَالَ: " أَىْ سَعْدُ، أَلمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَىٍّ - قَالَ كَذَا وَكَذَا ". قَالَ: اعفوُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ وَاصْفَحْ، فَواللهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الَّذِى أَعْطَاكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِى أَعْطَاكَهُ، شَرِقَ بِذَلِكَ. فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ النَّبِىُّ ﷺ . (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ - يَعْنِى ابْنَ الْمُثَنّى - حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ ــ من هذا " بالقصر، وهو عندى أوجه وأشبه بصلة قوله: " إن كان حقاً " وإلا كيف يشك فى قوله " حقاً "، ويضعفه بأنه لا شىء أحسن منه وإنما مراده - والله أعلم -: لأحسن من قصدك لنا وتسورك علينا فى مجالسنا، إن كان الذى يأتى به حقاً ألا تؤذنا وتقعد فى رحلك، فمن جاءك أسمعته ما عندك، وهو أليق بمقصد المنافق الشاك - والله أعلم. وقد قيل: إن ابن أبى لم يكن حينئذ بعد إلا على شركه، لم يظهر الإسلام بعد، وهو دليل لفظ الحديث ومساقه، ولقوله: " لاتؤذنا به " يعنى: القرآن، ولقوله: " فى أخلاط من المشركين والمسلمين ". وقوله: لما استب حينئذ المشركون والمسلمون؛ " فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم ": أى يسكنهم ويسهل الأمر بينهم. وقول سعد له: " لقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة " كذا ضبطناه " البحيرة " هنا مصغراً. قال لنا أبو الحسن بن سراج. وقال: " البحيرة "، ورويناه فى غير مسلم: " البحرة " (١) غير مصغر وكله بمعنى (٢). قال الإمام: البحيرة مدينة النبى ﷺ ، والبحار القرى، قال الشاعر: ولنا البدو كله والبِحَار (٣).

стр. 3359

عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فِى هَذَا الإسْنَادِ، بمِثْلِهِ. وَزَادَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللهِ. ١١٧ - (١٧٩٩) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِىِّ ﷺ : لَوْ أتَيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَىٍّ؟ قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَيْهَ، وَرَكِبَ حمَارًا، وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ. وَهِىَ أَرْضٌ سَبَخَةٌ. فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّى. فَواللهِ، لَقَدِ آذَانِى نَتْنُ حِمَارِكَ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللهِ، لَحِمَارُ رسُولِ اللهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. قَالَ: فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قَومِهِ. قَالَ: فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحَدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ. قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَبِالأَيْدِى وَبِالنِّعَالِ. قَالَ: فَبَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١). ــ أى: والقرى. وقوله: " يُعَصِّبُوه ": أى يسودوه، كانوا يسمون السيد المطاع معصَّباً لأنه يعصَّب بالتاج، أو يعصَّب به أمور الناس، وكان - أيضاً - يقال [له] (٢): المعمَّم. والعمائم: تيجان العرب وهى العصائب. وقوله: " شرق بذلك " أى غُص به. يقال: شَرِقَ بكسر الراء شرقاً، فالشرق الغَصَص واسم الفاعل شَرِقٌ، عَلى مثال حَذِرَ، قَال الشاعر: لو بغير الماء حَلْقِى شرَقُ ... كُنْتُ كالغصَّان بالماء اعتصارى قال القاضى: قد يكون هنا " يعصبوه " على وجهه، لاسيما مع قوله: " بالعصابة " وهذا بيان أنه حقيقة لا مجاز، أى يربطون له عصابة الرياسة والملك، فقد ذكر ابن إسحاق وأصحاب السير فى هذا الخبر: لقد جاءنا الله بك وإنا لننظم له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أن سلبته ملكاً (٣). والعمائم تيجان العرب، فإذا انضمت لملوكهم فهى تاجه. وقد قال: " يتوجوه ويعصبوه بالعصابة ". والأرض السبخة: التى لا تنبت لملوحة أرضها، وهى كثيرة الغبار.

стр. 3360

(٤١) باب قتل أبى جهل ١١٨ - (١٨٠٠) حدَّثنا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ التَّيْمِىُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟ "، فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَوجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَكَ. قَالَ: فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ: آنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُل قَتَلْتُمُوهُ - أَوْ قَالَ -: قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟ قَالَ: وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِى. (...) حدَّثنا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِىُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ يَعْلَمُ لِى مَا فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ؟ " بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَقَوْلِ أَبِى مِجْلَزٍ. كَمَا ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ. ــ وقوله فى مقتل أبى جهل: " ضربه ابنا عفراء حتى برد (١) ": كذا رواية الجمهور، أى مات. يقال: برد، أى مات. وفى رواية السمرقندى: " حتى برك " بالكاف، والأول المعروف، لا يبعد صحة هذا؛ فإن ابنى عفراء تركاه عقيراً لم يمت بعد، ألا تراه كيف كلم ابن مسعود، وله معه كلام كثير فى غير مسلم. وابن مسعود هو الذى اجتز رأسه وأجهز عليه. وقوله: " وهل فوق رجل قتلتموه ": أى هل على عار غير قتلكم إياى. وقوله: " فلو غير أكَّار قتلنى ": إشارة إلى الأنصار لعملهم النخيل. والأكار: الزراع والفلاح. ووقع مكان الكلام فى بعض نسخ مسلم: " فلو غيرك كان قتلنى " وهو تصحيف من الأول، والأول المعروف (٢).

стр. 3361

(٤٢) باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود ١١٩ - (١٨٠١) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ المِسْوَرِ الزُّهْرِىُّ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ للِزُهْرِىِّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ لِكَعْب بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ "، فَقَالَ مَحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: ائْذَنْ لِى فَلأَقُلْ. قَالَ: " قُلْ ". فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ. وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا. وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً، وَقَدْ عَنَّانَا. فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيْضًا وَاللهِ، لَتَمَلّنَّه. قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ الآنَ، وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَىِّ شَىْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِى سَلَفًا. قَالَ: فَمَا تَرْهَنُنِى؟ قَالَ: مَا تَرِيدُ. قَالَ: تَرْهَنُنِى نِسَاءَكُمْ. قَالَ أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ أَنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا؟ قَالَ لَهُ: تَرْهَنُونِى أَوْلادَكُمْ. قَالَ: يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا، فَيُقَالُ: رُهِنَ فِى وِسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللأمَةَ - يَعْنِى السَّلاحَ - قَالَ: فَنَعَمْ. وَوَاعَدَهُ ــ حديث كعب بن الأشرف ذكر مسلم أول حديثه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد الله ابن محمد بن عبد الرحمن [بن المسور] (١) الزهرى. كذا لجمهورهم، وعند شيخنا القاضى أبى على عن العذرى: وعبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال لنا. وهو خطأ، والصواب الأول وكذا سقط من نسبه محمد، وفى رواية ابن الحذاء وصحح نسبه، كما تقدم أولاً. وكذلك نسبه النسائى (٢) وغيره. وجده المسور بن عبد الله بن الأسود بن عوف أخى عبد الرحمن بن عوف. قال الإمام: إنما قتل كعب بن الأشرف على هذه الصفة؛ لأنه نقض عهد النبى ﷺ وهجاه وسبه، وكان عاهده ألا يعين عليه أحداً، ثم جاء مع أهل الحرب معيناً عليه. وقد أشكل قتله على هذه الصفة على بعضهم، ولم يعرف هذا، والجواب ما قلناه. قال القاضى: اختلف الناس فى تأويل قتل كعب بن الأشرف على وجه مخادعة أصحابه له، فقيل: إنما كان ذلك لأن ابن سلمة لم يصرح له بتأمين فى شىء من لفظه، إنما كلمهُ فى أمر بيع وشراء وتشكر، وليس فى خبره معه عهد ولا أمان، فيقال: إنه نقضه عليه، وإنه غدر. وقيل ما تقدم؛ لأن من آذى الله ورسوله لا أمان له، والنبى ﷺ إنما قتله بوحى، فصار قتله أصلاً فى هذا الباب. ولا يحل أن يقال: إن كعباً قتل غدراً،

стр. 3362

أَنْ يَأتِيهِ بِالْحَارِثِ وَأَبِى عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ. قَالَ: فَجَاؤوُا فَدَعَوْهُ لَيْلاً، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ لَهُ امْرأَتُهُ: إِنِّى لأَسْمَعُ صَوتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ. قَالَ: إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ. إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِىَ إِلَى طَعْنَة لَيْلاً لأَجَابَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّى إِذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدّ يَدِى إِلَى رَأسِهِ، فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكُمْ. قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ وَهُو مُتَوَشِّحٌ. فَقَالُوا: نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيب. قَالَ: نَعَمْ. تَحْتِى ــ وقد قال ذلك فى مجلس على بن أبى طالب - رضى الله عنه - فأمر به على فضربت عنقه، وقاله [فِى] (١) آخر فى مجلس معاوية فأنكر ذلك محمد بن مسلمة وأنكر على معاوية سكوته له، وحلف ألا يظله وإياه سقف أبداً، ولا يخلو بقائلها إلا قتله، وإنما يكون الغدر بعد العهد والأمان، وهو قد نقض عهد النبى ﷺ ولم يؤمنه الآخرون، لكنه استأمن إليهم وظفروا به بغير أمان. وأما ما ترجم البخارى عليه: باب " الفسَك فى الحرب " (٢)، فليس بمعنى الغدر. والفتك: القتل على غرة وغفلة، والغيلة (٣) نحو منه. وقد استدل بقصة كعب وأشباهها للعلماء على جواز اغتيال من بلغته الدعوة من الكفار وتبينه وانتهازه الفريضة منه دون دعوة، وقد تقدم الكلام على الدعوة قبل القتال والاختلاف فيها. وقول محمد بن مسلمة: " ائذن لى فلأقل قال: قل ": دليل على جواز التعريض للضرورة، وأن المؤاخذة بالنية والمقصد. وقوله: " عنانا ": ظاهرهُ أتعبنا، وباطنه صحيح؛ لأن التعب فى مرضاة الله - سبحانه - والعناء فيه مشروع مأجور عليه، والجهاد والصلاة والصدقة وغير ذلك من أعمال البر، كله من التعب والعناء المحمود، والدعة والتضجيج عن القربات مذموم. وقوله: " يُسَبُّ ابْن أَحدِنَا فيقال: رُهِنَ فِى وسقين من تمر ": كَذَا لكافتهم بالسين المهملة من السب، وعند الطبرى: " يشب " بالشين المعجمة من الشباب، والوجه الأول. وقول كعب لامرأته: " إنما هو محمد ورضيعه وأبو نائلة " كذا فى سائر النسخ، قال لنا [شيخنا] (٤) القاضى الشهيد: صوابه: " إنما هو محمد ورضيعه أبو نائلة "، وكذا ذكره أهل السير أن أبا نائلة كان رضيعاً لمحمد بن مسلمة، وفى صحيح البخارى: " ورضيعى أبو نائلة " (٥)، وهذا عندى - إن صح - أنه كان رضيعاً لكعب فله

стр. 3363

فُلانَةُ، هِىَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ. قَالَ: فَتَأذَنُ لِى أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ. قَالَ: نَعَمْ. فَشُمَّ، فَتَنَاوَلَ فَشَمَّ. ثُمَّ قَالَ: أَتَأَذَنُ لِى أَنْ أَعُودَ؟ قَالَ: فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأسِهِ، ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ. قَالَ: فَقَتَلُوهُ. ــ وجه، والمعروف ما ذكرناه. وقوله: فوعده أن ياتيه بالحارث وأبى عيسى بن جبر (١) ولم ينسب هنا الحارث، هو الحارث بن أوس (٢) ابن أخى سعد بن [معاذ] (٣).

стр. 3364

(٤٣) باب غزوة خيبر ١٢٠ - (١٣٦٥) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَس؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ. قَالَ: فَصَلَّيْنَا عَنْدَهَا صَلاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ. فَرَكِبَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ ، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِى طَلْحَةَ فَأَجْرَى نَبِىُّ اللهِ ﷺ فِى زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِى لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِىِّ اللهِ ﷺ ، وَانْحَسَرَ الإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِىِّ اللهِ ﷺ ، وَإِنِّى لأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِىِّ اللهِ ﷺ . فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرَيَةَ قَالَ: " اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، وَإِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ". قَالَهَا ثَلاثَ مِرَارٍ. قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعَمَالِهِمْ فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ. قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ: وَقالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالْخَمِيسَ. قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً. ١٢١ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ أَبِى طَلْحَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَقَدَمِى تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ، وَقَدْ أَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ، وَخَرَجُوا بِفُؤوسِهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ وَمُرُورِهِم. فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسَ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ــ ذكر حديث فتح خيبر وذكر مسلم حديث فتح خيبر وإجراؤه فى زقاقها، وانحسار الإزار عن فخذه حتى رأى أنس بياضها، وإن ركبتيه كانت تمس فخذ النبى ﷺ ، قال الإمام: استدل بعض العلماء على أن الفخذ ليس بعورة؛ إذ لو كانت عورة لم يصح انكشافها من النبى ﷺ ، فإن كان عن قصد فذلك آكد فى الدلالة، وإن كان غير قصد فلأنه منزه عن انكشافها. وقد ذكر الراوى إنه رآه. قال القاضى: وفى تصبيحهم النبى ﷺ ولم يدعهم، حجة فى أن من بلغته الدعوة لا يدعى، وفيه أن المستحب فى الضرب على العدو أول النهار وصبيحته؛ لأنه وقت غرتهم وغفلة أكثرهم، ثم ينتشر له النهار وضوءه لما يحتاج إليه. بخلاف ملاقات الجيوش ومناصبة الحصون، فهذا المستحب فيه أن يكون من بعد الزوال ليدوم النشاط ببرد الهواء بخلاف صده. وقوله: " مكاتلهم ": أى قففهم وزنابيلهم، واحدها مكتل. و " مرورهم ": قيل: حبالهم التى يصعدون بها النخل واحدها مرّ ومر، وقيل: مساحيهم واحدها مرَّ لا غير.

стр. 3365

" خَربَتْ خَيْبَرُ، إِنا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ". قَالَ: فَهَزَمَهُمُ اللهُ . ١٢٢ - (...) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور، قَالا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ قَالَ: " إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ". ــ وقوله ﷺ : " خَرِبَتْ خيبر ": قيل: قال بذلك ﷺ لما رآه بأيديهم من آلات الهدم من القوس والمساحى، وقيل: بل من اسمها لما فيه من حروف الخراب، وقد يكون ذلك لما ألقى الله تعالى إليه من علم ذلك ووقوعه. وقولهم: " محمد والخميس ": أى الجش، قد جاء مفسراً كذا فى بعض روايات البخارى (١): " محمد والجيش "، ورويناه برفع السين على العطف، وبنصبها على المفعول معه، أى مع الجيش. قيل: سمى خميساً لقسمته على خمسة؛ ميمنة وميسرة وقلب ومقدمة وساقة، وقيل: الخميس لقسم الخمس منه، والأول أولى لتسميته بذلك قبل ورود الشرع بالخمس، وإنما كانت تعرف العرب المرباع وهو إخراج الربع للرئيس. وقوله: " إنا إذا أنزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ": الساحة: الفناء، وأصلها الفضاء بين المنازل، ويجمع السوح، وهى أيضاً السوحة والسمح والساحة: فيه جواز النزاع بآيات القرآن والاستشهاد بها فى الأمور الحقيقية، وقد جاء فى هذا كثير فى الآثار، ويكره عن ذلك ما كان على ضرب الأمثال فى المحاورات والأمزاح ولغو الحديث، تعظيماً لكتاب الله . وقوله: " أصبناها عنوة ": [قال الإمام: ظاهرهُ إنها كلها عنوة، وقد قال ابن شهاب: فما حكى مالك عنه بعضها عنوة] (٢) وبعضها صلح. والكتيبة: وهى أرض خيبر نفسها، بعضها أيضاً صلح؛ قال مالك: وهى فيها أربعون ألف عذق، يريد نخلة، وقد تقدم. العَذق بفتح العين: اسم النخلة، وبكسرها: الكباسة. وقد تشكل من هذا ما روى فى كتاب أبى داود أنه قسمها نصفين؛ نصف لنوائبه وحاجته، ونصفاً للمسلمين (٣). وقال بعضهم: كان حولها من الضياع والقرى ما أجلى عنه أهله، فكان خاصًا للنبى ﷺ وما سواه للغانمين، فكان تقدير ما أجلى عنه أهله النصف؛ فلهذا قسمها له بعين. قال القاضى: تقدم الكلام على حديث خيبر وما فيه مستوعباً فى كتاب المساقاة.
следующие страницы →