← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

(٤٢) باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود ١١٩ - (١٨٠١) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ المِسْوَرِ الزُّهْرِىُّ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ للِزُهْرِىِّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ لِكَعْب بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ "، فَقَالَ مَحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: ائْذَنْ لِى فَلأَقُلْ. قَالَ: " قُلْ ". فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ. وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا. وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً، وَقَدْ عَنَّانَا. فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيْضًا وَاللهِ، لَتَمَلّنَّه. قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ الآنَ، وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَىِّ شَىْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِى سَلَفًا. قَالَ: فَمَا تَرْهَنُنِى؟ قَالَ: مَا تَرِيدُ. قَالَ: تَرْهَنُنِى نِسَاءَكُمْ. قَالَ أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ أَنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا؟ قَالَ لَهُ: تَرْهَنُونِى أَوْلادَكُمْ. قَالَ: يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا، فَيُقَالُ: رُهِنَ فِى وِسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللأمَةَ - يَعْنِى السَّلاحَ - قَالَ: فَنَعَمْ. وَوَاعَدَهُ ــ حديث كعب بن الأشرف ذكر مسلم أول حديثه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد الله ابن محمد بن عبد الرحمن [بن المسور] (١) الزهرى. كذا لجمهورهم، وعند شيخنا القاضى أبى على عن العذرى: وعبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال لنا. وهو خطأ، والصواب الأول وكذا سقط من نسبه محمد، وفى رواية ابن الحذاء وصحح نسبه، كما تقدم أولاً. وكذلك نسبه النسائى (٢) وغيره. وجده المسور بن عبد الله بن الأسود بن عوف أخى عبد الرحمن بن عوف. قال الإمام: إنما قتل كعب بن الأشرف على هذه الصفة؛ لأنه نقض عهد النبى ﷺ وهجاه وسبه، وكان عاهده ألا يعين عليه أحداً، ثم جاء مع أهل الحرب معيناً عليه. وقد أشكل قتله على هذه الصفة على بعضهم، ولم يعرف هذا، والجواب ما قلناه. قال القاضى: اختلف الناس فى تأويل قتل كعب بن الأشرف على وجه مخادعة أصحابه له، فقيل: إنما كان ذلك لأن ابن سلمة لم يصرح له بتأمين فى شىء من لفظه، إنما كلمهُ فى أمر بيع وشراء وتشكر، وليس فى خبره معه عهد ولا أمان، فيقال: إنه نقضه عليه، وإنه غدر. وقيل ما تقدم؛ لأن من آذى الله ورسوله لا أمان له، والنبى ﷺ إنما قتله بوحى، فصار قتله أصلاً فى هذا الباب. ولا يحل أن يقال: إن كعباً قتل غدراً،

стр. 3362

أَنْ يَأتِيهِ بِالْحَارِثِ وَأَبِى عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ. قَالَ: فَجَاؤوُا فَدَعَوْهُ لَيْلاً، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ لَهُ امْرأَتُهُ: إِنِّى لأَسْمَعُ صَوتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ. قَالَ: إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ. إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِىَ إِلَى طَعْنَة لَيْلاً لأَجَابَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّى إِذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدّ يَدِى إِلَى رَأسِهِ، فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكُمْ. قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ وَهُو مُتَوَشِّحٌ. فَقَالُوا: نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيب. قَالَ: نَعَمْ. تَحْتِى ــ وقد قال ذلك فى مجلس على بن أبى طالب - رضى الله عنه - فأمر به على فضربت عنقه، وقاله [فِى] (١) آخر فى مجلس معاوية فأنكر ذلك محمد بن مسلمة وأنكر على معاوية سكوته له، وحلف ألا يظله وإياه سقف أبداً، ولا يخلو بقائلها إلا قتله، وإنما يكون الغدر بعد العهد والأمان، وهو قد نقض عهد النبى ﷺ ولم يؤمنه الآخرون، لكنه استأمن إليهم وظفروا به بغير أمان. وأما ما ترجم البخارى عليه: باب " الفسَك فى الحرب " (٢)، فليس بمعنى الغدر. والفتك: القتل على غرة وغفلة، والغيلة (٣) نحو منه. وقد استدل بقصة كعب وأشباهها للعلماء على جواز اغتيال من بلغته الدعوة من الكفار وتبينه وانتهازه الفريضة منه دون دعوة، وقد تقدم الكلام على الدعوة قبل القتال والاختلاف فيها. وقول محمد بن مسلمة: " ائذن لى فلأقل قال: قل ": دليل على جواز التعريض للضرورة، وأن المؤاخذة بالنية والمقصد. وقوله: " عنانا ": ظاهرهُ أتعبنا، وباطنه صحيح؛ لأن التعب فى مرضاة الله - سبحانه - والعناء فيه مشروع مأجور عليه، والجهاد والصلاة والصدقة وغير ذلك من أعمال البر، كله من التعب والعناء المحمود، والدعة والتضجيج عن القربات مذموم. وقوله: " يُسَبُّ ابْن أَحدِنَا فيقال: رُهِنَ فِى وسقين من تمر ": كَذَا لكافتهم بالسين المهملة من السب، وعند الطبرى: " يشب " بالشين المعجمة من الشباب، والوجه الأول. وقول كعب لامرأته: " إنما هو محمد ورضيعه وأبو نائلة " كذا فى سائر النسخ، قال لنا [شيخنا] (٤) القاضى الشهيد: صوابه: " إنما هو محمد ورضيعه أبو نائلة "، وكذا ذكره أهل السير أن أبا نائلة كان رضيعاً لمحمد بن مسلمة، وفى صحيح البخارى: " ورضيعى أبو نائلة " (٥)، وهذا عندى - إن صح - أنه كان رضيعاً لكعب فله

стр. 3363

فُلانَةُ، هِىَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ. قَالَ: فَتَأذَنُ لِى أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ. قَالَ: نَعَمْ. فَشُمَّ، فَتَنَاوَلَ فَشَمَّ. ثُمَّ قَالَ: أَتَأَذَنُ لِى أَنْ أَعُودَ؟ قَالَ: فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأسِهِ، ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ. قَالَ: فَقَتَلُوهُ. ــ وجه، والمعروف ما ذكرناه. وقوله: فوعده أن ياتيه بالحارث وأبى عيسى بن جبر (١) ولم ينسب هنا الحارث، هو الحارث بن أوس (٢) ابن أخى سعد بن [معاذ] (٣).

стр. 3364

(٤٣) باب غزوة خيبر ١٢٠ - (١٣٦٥) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَس؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ. قَالَ: فَصَلَّيْنَا عَنْدَهَا صَلاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ. فَرَكِبَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ ، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِى طَلْحَةَ فَأَجْرَى نَبِىُّ اللهِ ﷺ فِى زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِى لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِىِّ اللهِ ﷺ ، وَانْحَسَرَ الإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِىِّ اللهِ ﷺ ، وَإِنِّى لأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِىِّ اللهِ ﷺ . فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرَيَةَ قَالَ: " اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، وَإِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ". قَالَهَا ثَلاثَ مِرَارٍ. قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعَمَالِهِمْ فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ. قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ: وَقالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالْخَمِيسَ. قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً. ١٢١ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ أَبِى طَلْحَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَقَدَمِى تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ، وَقَدْ أَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ، وَخَرَجُوا بِفُؤوسِهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ وَمُرُورِهِم. فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسَ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ــ ذكر حديث فتح خيبر وذكر مسلم حديث فتح خيبر وإجراؤه فى زقاقها، وانحسار الإزار عن فخذه حتى رأى أنس بياضها، وإن ركبتيه كانت تمس فخذ النبى ﷺ ، قال الإمام: استدل بعض العلماء على أن الفخذ ليس بعورة؛ إذ لو كانت عورة لم يصح انكشافها من النبى ﷺ ، فإن كان عن قصد فذلك آكد فى الدلالة، وإن كان غير قصد فلأنه منزه عن انكشافها. وقد ذكر الراوى إنه رآه. قال القاضى: وفى تصبيحهم النبى ﷺ ولم يدعهم، حجة فى أن من بلغته الدعوة لا يدعى، وفيه أن المستحب فى الضرب على العدو أول النهار وصبيحته؛ لأنه وقت غرتهم وغفلة أكثرهم، ثم ينتشر له النهار وضوءه لما يحتاج إليه. بخلاف ملاقات الجيوش ومناصبة الحصون، فهذا المستحب فيه أن يكون من بعد الزوال ليدوم النشاط ببرد الهواء بخلاف صده. وقوله: " مكاتلهم ": أى قففهم وزنابيلهم، واحدها مكتل. و " مرورهم ": قيل: حبالهم التى يصعدون بها النخل واحدها مرّ ومر، وقيل: مساحيهم واحدها مرَّ لا غير.

стр. 3365

" خَربَتْ خَيْبَرُ، إِنا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ". قَالَ: فَهَزَمَهُمُ اللهُ . ١٢٢ - (...) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور، قَالا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ قَالَ: " إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ". ــ وقوله ﷺ : " خَرِبَتْ خيبر ": قيل: قال بذلك ﷺ لما رآه بأيديهم من آلات الهدم من القوس والمساحى، وقيل: بل من اسمها لما فيه من حروف الخراب، وقد يكون ذلك لما ألقى الله تعالى إليه من علم ذلك ووقوعه. وقولهم: " محمد والخميس ": أى الجش، قد جاء مفسراً كذا فى بعض روايات البخارى (١): " محمد والجيش "، ورويناه برفع السين على العطف، وبنصبها على المفعول معه، أى مع الجيش. قيل: سمى خميساً لقسمته على خمسة؛ ميمنة وميسرة وقلب ومقدمة وساقة، وقيل: الخميس لقسم الخمس منه، والأول أولى لتسميته بذلك قبل ورود الشرع بالخمس، وإنما كانت تعرف العرب المرباع وهو إخراج الربع للرئيس. وقوله: " إنا إذا أنزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ": الساحة: الفناء، وأصلها الفضاء بين المنازل، ويجمع السوح، وهى أيضاً السوحة والسمح والساحة: فيه جواز النزاع بآيات القرآن والاستشهاد بها فى الأمور الحقيقية، وقد جاء فى هذا كثير فى الآثار، ويكره عن ذلك ما كان على ضرب الأمثال فى المحاورات والأمزاح ولغو الحديث، تعظيماً لكتاب الله . وقوله: " أصبناها عنوة ": [قال الإمام: ظاهرهُ إنها كلها عنوة، وقد قال ابن شهاب: فما حكى مالك عنه بعضها عنوة] (٢) وبعضها صلح. والكتيبة: وهى أرض خيبر نفسها، بعضها أيضاً صلح؛ قال مالك: وهى فيها أربعون ألف عذق، يريد نخلة، وقد تقدم. العَذق بفتح العين: اسم النخلة، وبكسرها: الكباسة. وقد تشكل من هذا ما روى فى كتاب أبى داود أنه قسمها نصفين؛ نصف لنوائبه وحاجته، ونصفاً للمسلمين (٣). وقال بعضهم: كان حولها من الضياع والقرى ما أجلى عنه أهله، فكان خاصًا للنبى ﷺ وما سواه للغانمين، فكان تقدير ما أجلى عنه أهله النصف؛ فلهذا قسمها له بعين. قال القاضى: تقدم الكلام على حديث خيبر وما فيه مستوعباً فى كتاب المساقاة.

стр. 3366

١٢٣ - (١٨٠٢) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَاللَّفْظ لابْنِ عَبَّادٍ - قَالا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ، مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَتَسَيَّرْنَا لَيْلاً. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الأَكْوَعِ: أَلا تُسْمِعْنَا مِنْ هُنَيَّاتِكَ؟ وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلاً شَاعِرًا، فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا فَاغْفَرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا وَأَلْقِيْن سَكِينَةً عَلَيْنَا ... إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا وَبِالصِيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا ــ وقوله: " [ألا تسمعنا] (١) من هُنَيَّاتِكَ ": أى من أراجيزك. والهنة تقع على كل شىء. وفيه جواز سماع الأراجيز والشعر وقول ذلك، إذا لم يكن فيه ما ينكر من الهجر وذكر الحرام والهجر من القول كما جاء فى الحديث: " الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح " (٢). وقوله: " فنزل يحدو بالقوم ": فيه جواز الحداء فى الأسفار؛ لأن فيه تحريكاً لنفوس الدواب، وتنشيطاً لها ولمن معها على قطع الطريق. وقوله: اللهم لولا أنت ما اهتدينا كذا الرواية، وصوابه فى الوزن: لاهم أو تالله أو والله لولا الله، كما جاء فى الحديث الآخر: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداءً لك ما اقتفينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا ... إنا إذا أصيح بنا أتينا بالتاء باثنتين فوقها، وفى رواية السجزى بالباء بواحدة، وكلاهما صحيح، أى أبينا الفرار، والآخر: أى أتينا أعداءنا وتقدمنا إليهم ولم نَهَبْ صِيَاحَهُم وجعجعتهم. وقوله: " إن الملأ قد بغوا علينا ": الملأ: الأشراف مقصور مهموز ومهملة هنا للوزن،

стр. 3367

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟ " قَالُوا: عَامِرٌ. قَالَ: " يَرْحَمُهُ اللهُ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: وَجَبَتْ. يَا رَسُولَ اللهِ، لوْلاَ أَمْتَعْتَنَا بِهِ قَالَ: فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْنَاهُمْ، ــ قال الله : ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِك﴾ (١) أى الرؤساء والأشراف، ومعنى قوله فى الرواية الأخرى: " إنَّ الأُولى " (٢). وقوله: " وبالصياح عولوا علينا ": كذا روايتنا فى كتاب مسلم بياء باثنتين تحتها، وهو الصحيح. ومعنى " عولوا ": استعانوا، من التعويل على الشىء أو من الأعوال والعويل بالصوت والنداء. وقوله: " فداء لك ": يقال بالمد والقصر، والفاء مكسورة. حكاه الأصمعى وغيره، فأما فى المصدر فالمد لا غير. وحكى الفراء: " فدا " مفتوح مقصور، وروياناه بالرفع: " فداءُ " على المبتدأ، وخبره، أى نفسى فداء أو فداء نفسى لك، وبالنصب على المصدر، ومعنى " اقتفينا ": أى اكتسبنا، وأصله الاتباع. قال الخليل: قفوت الرجل: قذفته بريبة، وقال الله سبحانه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٣)، أى لا تتبعه بظنك وتقول فيه بغير علم. قال الإمام: وقع فى بعض النسخ: " فداء لك "، وفى بعضها: " فاغفر لنا فداك ما ابتغينا ". وهذه الرواية الثانية سالمة من الاعتراض، وأما " فداء لك " فإنه لا يقال: أفدى البارى تعالى، ولا يقال للبارى - سبحانه -: " فديتك " لأن ذلك إنما يستعمل فى مكروه يتوقع حلوله ببعض الأشخاص فيحب شخص آخر أن يحل به ويفديه منه. ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه، كما يقال: قاتله الله، وكما قال ﷺ : " تربت يمينك " (٤)، " وويل أمه مسعر حرب " (٥)، وقد تقدم، أو يكون فيه ضرب من الاستعارة؛ لأن الفادى لغيره قد بالغ فى طلب رضا المفدى حتى بذل نفسه فى محابه، فكان المراد فى هذا الشعر: أنى أبذل نفسى فى رضاك. وعلى كل حال، فإن المعنى وإن صرف إلى جهة يصح فيها، فإطلاق اللفظ واستعارته والتجوز به يفتقر إلى شرع. أو يكون المراد بقوله: " فداء لك " رجلاً يخاطبه، وقطع بذلك بين الفعل والمفعول، فكأنه يقول: فاغفر، ثم عاد إلى رجل ينبهه فقال: " فداء

стр. 3368

حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ. ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللهَ فَتَحَهَا عَلَيْكُمْ ". قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِى فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا هَذَهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَىِّ شَىْءٍ تُوقِدُوَنَ؟ ". فَقَالُوا: عَلَى لَحْمٍ. قَالَ: " أَىُّ لَحْمٍ؟ " قَالُوا: لَحْمُ حُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَهْريقُوهَا وَاكْسرُوهَا ". فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ يُهْرِيقُوهَا وَيَغْسِلُوهَا؟ فَقَالَ: " أَوْ ذَاكَ ". قَالَ: فَلَمَّا تَصَافَّ القَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِىٍّ لِيَضْرِبَهُ، وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ، فَمَاتَ ــ لك "، ثم عاد إلى الأول فقال: " ما اقتفينا "، وهذا تأويل يصح معه اللفظ والمعنى، لولا أن فيه تعسفاً اضطر إليه تصحيح الكلام، إن صحت الرواية. وقد يقع فى (١) لسان العرب من هذه الفواصل بين الجملة المعلق بعضها ببعض ما يسهل هذا التأويل (٢). قال القاضى: وقوله: " أصابتنا مخمصة ": أى ضيق من العيش وعدم الإكساء. قال الإمام: وأما ما وقع بعد هذا من قوله ﷺ : " على أى شىء توقدون؟ " قالوا: على لحم. قال: " أى لحم؟ " قالوا: لحم الحمر الإنسية (٣)، فقال ﷺ : " أهريقوها واكسروها "، فقال رجل: أو [يهريقونها ويغسلونها] (٤)، فقال ﷺ : " أو ذاك "، فإن فى الناس من تأول فى ذلك أنهم أخذوها من المغنم قبل القسمة، ومنهم من يقول: أراد استبقاءها للحاجة إليها، ومنهم من يقول: لأنها حرام لحمها. قال القاضى: تقدم الكلام عليه فى النكاح. وقوله: " لحم حمرِ الأنسية ": كذا ضبطناه بفتح الهمزة والنون هنا عن بعضهم، وكذا قيده بعض اللغويين منسوبة إلى الإنس. والإنس: الناس. رواه أكثر الشيوخ: الإنسية بكسر الهمزة وسكون النون، منسوبة إلى الإنس، وكلاهما بمعنى صحيح.

стр. 3369

مِنْهُ. قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ - وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِى - قَالَ: فَلَمَّا رَآنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاكِتًا قَالَ: " مَالَكَ؟ ". قُلْتُ لَهُ: فَدَاكَ أَبِى وَأُمِّى، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ: " مَنْ قَالَهُ؟ ". قُلْتُ: فُلانٌ وَفُلانُ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْر الأَنْصَارِىُّ. فَقَالَ: " كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأَجْرَانِ " وَجمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ " إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِىٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ "، وَخَالَفَ قُتَيْبَةُ مُحَمَّدًا فِى الْحَدِيثِ فِى حَرْفَيْنِ. وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّادٍ: وَأَلْقِ سَكِينَةً عَلَيْنَا. ١٢٤ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَنَسَبَهُ غَيْرُ ابْنِ وَهْبٍ، فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ ــ وقوله: " لجاهد مجاهد " بكسر الهاء فيهما وضم الميم والدال وتنوينها فى الحرفين، كذا لأكثر شيوخنا. وعند ابن أبى جعفر: لجاهَدَ مَجاهِدَ بفتح الهاء فى الأول، وفتح الميم وكسر الهاء من الثانى، وفتح الدال فيهما. وكذا - أيضًا - عند بعض رواة البخارى (١)، والأول الصواب ووجه الكلام. وكذا جاء فى الحديث الآخر بعده: " مات جاهداً مجاهداً " قال ابن دريد: يقال: رجل جاهد مثل ضارب، اسم فاعل، أى جاد فى أمره (٢). قال القاضى: وكرر اللفظين للمبالغة. وقال ابن الأنبارى: العرب إذا بالغت فى الكلام اشتقت من اللفظ الأول لفظة على غير بنائها [و] (٣) زيادة فى التوكيد، ثم أتبعوها إعرابها فقالوا: جاد مجدٌ، وليل لائل، وشعر شاعر، وقد يكون قوله: " جاهد " أى جاد مبالغ فى سبيل الخير والبر وإعلاء كلمة الإسلام مجاهد عداه. وقوله: " قل عربى مشى بها مثله ": كذا للرواة بفتح الميم، وللفارس: " مشابهاً " بضم الميم وتنوين الهاء، وكذا رواه المروزى فى البخارى (٤). قال الأصيلى: وكذا قرأه لنا، ووجه هذه الرواية بعيد، والأول أشبه. والهاء فى " بها " عائدة على الحرب، أى فيها. وقد وقع فى البخارى (٥) - أيضاً -: " نشأ بها " أى شب وكبر، يحتمل أن يريد الحرب - أيضاً - أو بلاد العرب، وهى أوجه الروايات. قال الإمام: خرج مسلم فى غزوة خيبر: حدثنا أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، أخبرنى يونس عن ابن شهاب قال: أخبرنى عبد الرحمن - قال مسلم: ونسبه غير ابن وهب فقال: ابن عبد الله بن كعب بن مالك أن سلمة بن الأكوع قال: " لما كان يوم خيبر ".

стр. 3370

مَالِكٍ - أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ قَالَ: لَمَا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ قَاتَلَ أَخِى قِتَالاً شَدِيدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى ذَلِكَ، وَشَكُّوا فِيهِ: رَجُلٌ مَاتَ فِى سِلاحِهِ. وَشَكُّوا فِى بَعْضِ أَمْرِهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِى أَنْ أَرْجُزَ لَكَ. فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَالَ عُمَرُ ابْنُ الخَطَّابِ: أَعْلَمُ مَا تَقُولُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَوْلا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " صَدَقْتَ ". وَأَنْزِلَنَّ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا قَالَ: فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ قَالَ هَذَا؟ ". قلْتُ: قَالَهُ أَخِى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَرْحَمُهُ اللهُ ". قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلاةَ عَلَيْهِ. يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلاحِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا ". ــ قال الإمام: قال بعضهم: كان ابن وهب يهم فى إسناد هذا الحديث فيقول: عن الزهرى، عن عبد الرحمن وعبد الله ابنى كعب. فغيره مسلم وأصلحه؛ ولذلك قال: ونسبه غير ابن وهب. قال: هكذا قال أحمد بن صالح وغيره: عن ابن وهب. وقال الدارقطنى: خالف ابن وهب فى هذا القاسم بن مبرور، ورواه عن يونس عن الزهرى، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب (١)، قال: وهو الصواب (٢). وقال بعضهم:

стр. 3371

قَالَ ابْنُ شِهَاب: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنًا لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ. فَحَدَّثَنِى عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ - حِينَ قُلْتُ: إِنَّ نَاسًا يَهَابُونَ الصَّلاةَ عَلَيْهِ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ " وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ. ــ وقد نبه أبو داود فى كتاب الستن على وهم ابن وهب فى هذا الإسناد (١)، وكذلك فعل أبو عبد الرحمن النسائى وذكر الصواب فى ذلك (٢).

стр. 3372

(٤٤) باب غزوة الأحزاب وهى الخندق ١٢٥ - (١٨٠٣) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظ لابْنِ الْمُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَلَقَدْ وَارَىَ التُّرَابُ بيَاَضَ بَطْنِهِ وَهُوَ يَقُولُ: " وَاللهِ؛ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... إِنَّ الأُلَى قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا " قَال: وَرُبَمَّا قَالَ: " إِنَّ الْمَلا قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا " وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ. (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ". ١٢٦ - (١٨٠٤) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقعْنَبىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزَيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ، وَنَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ، لا عَيْشَ إِلا عَيشُ الآخِرَةِ، فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ". ١٢٧ - (١٨٠٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " اللهُمَّ لاعَيْشُ إِلا عَيْشُ الآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلأنصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ " ١٢٨ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنِ بَشَّارٍ. قَال ابْنُ الْمُثَنّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3373

ابْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: " اللهُمَّ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ " قَالَ شُعْبَةُ: أَوْ قَالَ -: " اللهُمَّ لا عَيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَهْ ... فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ " ١٢٩ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَشَيْبَان بْنُ فَرُّوخَ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ - عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانُوا يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: اللهُمَّ لا خَيْرَ إِلاخَيْرُ الآخِرَهْ ... فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَهْ وفِى حَدِيثِ شَيْبَانَ بدلَ " فَانْصُرْ ": " فَاغْفِرْ ". ١٣٠ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِثٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ كَانُوا يَقُولُونَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الإِسْلامِ مَا بَقِينَا أَبَدًا أَوْ قَالَ: عَلىَ الْجِهَادِ. شَكَّ حَمَّادٌ. وَالنَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ للأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ " ــ قال القاضى: وفى حفر الخندق وعمل النبى ﷺ ، جواز على التحصن والاستخفاء من العدو بما قدر عليه من الخنادق والأسوار وغيرها، وعمل الفضلاء والصالحين فيه؛ لأن ذلك كله من التعاون على البر وتاسى غيره به من الناس. وجواز الارتجاز فى مثل هذا. وهذا الرجز وإن كان كثيراً فليس من قول النبى ﷺ . وقد تقدم قبل أنه من قول عامر، والآخر من قول الأنصار، مع أنه فى كثير من الروايات فى قول النبى ﷺ بغير الوزن فى بعض الأجزاء.

стр. 3374

(٤٥) باب غزوة ذى قرد وغيرها ١٣١ - (١٨٠٦) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْد قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَقُولُ: خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالأُولَى، وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَرْعَى بِذِى قَرَدٍ. قَالَ: فَلَقِيَنِى غُلامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف فَقَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ: مَنْ أَخَذَها؟ قَال: غَطَفَانُ. قَالَ: فَصَرَخْتُ ثَلاثَ صَرَخَاتٍ: يَا صَبَاحَاهْ. قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لابَتَىِ المَدِينَةِ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِى حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ بِذِى قَرَدٍ، وَقَدْ أَخَذُوا يَسْقُونَ مِنَ الْمَاءِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِى - وَكُنْتُ رَامِيًا - وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ ــ وفى قول سلمة: " صرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه ": جواز قول هذا لإنذار الناس وإشعارهم بالعدو. وقوله: فجعلت أرميهم وأقول: أَنَا ابن الأكوع .. ز واليوم يوم الرضع فيه جواز مثل هذا عند الرمى والطعن وتعريف الإنسان مثله (١) فى الحرب. وقد مضى فى هذا وفعله السلف، وكذلك الإعلام بعلامة يميز بها فى الحرب. وكرهه آخرون فى الاعلام لإخفاء أعمال البر. وقد روى من فعل ذلك عن الصحابة - رضى الله عنهم - ما لا يخفى. وقوله: " واليوم يوم الرضع "، قال الإمام: معناه: يوم هلاك اللئام، من قولهم: لئيم راضع. ومعنى " لئيم راضع ": أى رضع اللؤم فى ثدى (٢) أمه، وقيل: إنه يمتص الدر حتى لا يسمع اللبن وقع فى الحلاب فيسيل (٣). قال القاضى: وهذا أكثر ما قيل فيه وأظهره، وقيل: لأنه يرتضع طرف الخلالة التى يتخلل بها بعد طعامه، ويمص ما بقى فيها، وقيل: معناه: اليوم يعرف من رضع كريمه فأنجبته أو لئيمة فهجنته، وقيل: اليوم يعلم من أرضعته الحرب من صغره ويظهر.

стр. 3375

فَأَرْتَجِزُ. حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلاثِينَ بُرْدَةً. قَالَ: وَجَاءَ النَّبِىُّ ﷺ وَالنَّاسُ. فَقُلْتُ: يا نَبِىَّ اللهِ، إِنِّى قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ، وَهُمْ عِطَاشٌ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ. فَقَالَ: " يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، مَلَكْتَ فَاسْجِحْ ". قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا، وَيُرْدِفُنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ. ١٣٢ - (١٨٠٧) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ، كِلاهُمَا عَنْ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّار. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، وَهَذَا حَدِيثُهُ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِىٍّ الحَنفِىُّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - حَدَّثَنِى إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ: قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَائَةً، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لا تُرْويهَا. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَبَا الرَّكَيَّةِ، فَإِمَّا دَعَا وِإمَّا بَسَقَ فِيهَا. قَالَ: فَجَاشَتْ، فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِى أَصْلِ الشَّجَرَةِ. قَالَ: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعَ وَبايَعَ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِى وَسَطٍ مِنَ النَّاسِ قَالَ: " بَايِعْ يَا سَلَمَةُ ". قَالَ: ــ وقوله: " حميت القوم الماء " أى منعتهم، ومنه: حمية المريض: منعه أكل ما يضره. وقول النبى ﷺ له: " ملكت فاسجح ": أى أحسم وارفق. والسجاحة: السهولة، أى لا تأخذ بالشدة وتتبعها، فربما كانت العاقبة، والحرب، سجال، وقيل: لعله طمع فى إسلامهم فلم يرد استئصالهم. وقوله فى الحديث الآخر: " قدمنا الحديبية ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد النبى ﷺ على جَبَا الرّكية " بفتح الجيم والباء بواحدة مقصور، كذا رواية الكافة، وهو المعروف فى الحديث. والجبى ما حول البئر. والركية: البئر، والأشهر فيها الركى بغير هاء، وحكى بعضهم عن الأصمعى: الركية: البئر، وجمعه ركى. وفى رواية العذرى: " جب الركية ". الجب: البئر، ليست ببعيدة العقر، وليس هذا موضعه. وقوله: " فإما دعى فيها وإما بسق، فجاشت فسقينا واستقينا ": أى فاضت. وهذا من آياته ﷺ وعظيم معجزاته، وهذا باب منقول منها بالتواتر من تكثير قليل الماء فى مواطن عدة. قال الإِمام: وقوله: " فجاشت ": معناه: ارتفعت، يقال: جاش البئر: إذا ارتفع، يجيش جيشاناً، قال الشاعر:

стр. 3376

قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِى أَوَّلِ النَّاسِ. قَالَ: " وَأَيْضًا " - قَالَ: وَرآنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَزِلا - يَعْنِى لَيْسَ مَعَهُ سِلاحٌ - قَالَ: فَأَعْطَانِى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إذَا كَانَ فِى آخِرِ النَّاسِ قَالَ: " أَلا تُبَايِعُنِى يَا سَلَمَةُ؟ ". قَالَ: قلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رسُولَ اللهِ فِى أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِى أَوْسَطِ النَّاسِ. قَالَ: " وَأَيْضًا ". قَالَ فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ. ثُمَّ قَالَ لِى: " يَا سَلَمَةُ، أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِى أَعْطَيْتُكَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقيَنِى عَمِّى عَامِرٌ عَزِلا. فَأَعْطَيْتُهُ إِيَاهَا. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: " إِنَّكَ كَالَّذِى قَالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَ أَبْغِنِى حَبِيبًا هُوَ أَحَبُ إِلَىَّ مِنْ نَفْسِى ". ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ، حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِى بَعْضِ، وَاصْطَلَحْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، أَسْقِى فَرَسَهُ، وَأَحُسُّهُ، وَأَخْدِمُهُ، وآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ، وَتَرَكْتُ أَهْلِىَ وَمَالِى، ــ وقوله: " رآنى رسول الله ﷺ عزلا "، قال القاضى: كذا رويناه هنا، وفسره فى الأم: يعنى ليس معه صلاح، بفتح العين وكسر الزاى، وفى الحرف الذى بعده كذلك. قال بعضهم: وصوابه: أعزل، ولا يقال: عزل. ورويناه فى غير مسلم: " عُزل بضمها، وكذلك ضبطناه على شيخنا أبى الحسن، وكذا قيده بعضهم، وكذا ذكره الهروى. قال الإمام: كما يقال: ناقة غلظ، وجمل فنق، والجمع أعزال. كما يقال: جنب وأجناب، وماء سدم ومياه أسدام. قال القاضى: هذا نص ما ذكره الهروى، وأنشد [...] (١). رأيت الفتية الأعزال ... مثل الأنيق الرعد قال: ورجل أعز مثله. والحجفة: الترس. وقوله: "أبغنى حبيبا": أى أعطنى بغى طلب. وأبغيته: أتيته ما طلب وأعنته عليه. وقوله: " ثم إن المشركين راسُّونا الصلح ": كذا رويناه بضم السين مشددة على الخشنى عن الطبرى، وسمعناه من أبى بحر من غير طريق العذرى بفتح السين، ورويناه من طريق العذرى: " راسلونا، بزيادة لام بإسقاطه، صحيح بمعناه. يقال: رسى الحديث يرسه: إذا ابتداه، ورسست بين القوم: أصلحت بينهم. وقوله: " وكنت تبيعاً لطلحة " أى خديماً له أتبعه.

стр. 3377

مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . قَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ. أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا، فَاضْطَجَعْتُ فِى أَصْلهَا. قَالَ: فَأَتَانِى أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَبغَضْتُهُمْ، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى، وَعَلَّقُوا سِلاحَهُمْ، وَاضْطَجَعُوا. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِى: يَا لِلْمُهَاجِرِينَ، قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ. قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِى، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ، فَأَخَذْتُ سَلاحَهُمْ، فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا فِى يَدِى. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِى كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ، لا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأسَهُ إِلا ضَرَبْتُ الَّذِى فِيهِ عَيْنَاهُ. قَالَ: ثُمَّ جِئتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: وَجَاءَ عَمِّى عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَبَلاتِ - يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ - يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ، فِى سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " دَعُوهُمْ، يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ "، فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ الله ﷺ ، وَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ كُلَّهَا (١). قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِى لِحْيَانَ جَبَلٌ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ. فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ رَقِىَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيلَةَ، كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِىِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَنَا مَعَهُ، وخرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ، أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِىُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ، وَقَتَل رَاعِيَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، خُذْ هَذَا الْفَرَسَ فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ، وَأَخْبرْ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ. ــ وقوله: " أسقى فرسه وأحسه "، قال الإمام: أى أنفض عنه التراب. وقوله: " أتيت شجرة فكسحت شوكها ": قال ابن القوطية: كسح الشىء كسحا: كنسه، وكسح كسحًا: عرج. وقوله: " فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثًا فى يدى " الضغث فى اللغة: الحزمة. وقوله: " فخرجت معه بفرس طلحة أُنديه مع الظهر ".

стр. 3378

قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ فَاسْتَقْبَلتُ الْمَدِينَةَ، فَنَادَيْتُ ثَلاثًا: يَا صَبَاحَاهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ فِى آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ، وَأَرْتَجِزُ أَقُولُ: أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَاليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَأَلْحَقُ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَأَصُكُّ سَهْمًا فِى رَحْلِهِ، حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ. قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ ... وَاليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ قَالَ: فَوَاللهِ، مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَىَّ فَارِسٌ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَجَلَسْتُ فِى أَصْلِهَا، ثُمَّ رَمَيْتُهُ، فَعَقَرْتُ بهِ، حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ فَدَخَلُوا فِىِ تَضَايُقِهِ، عَلَوْتُ الْجَبَلَ، فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَاَرَةِ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتبَعُهُمْ حَتَّى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِى، وَخَلَّوْا بَيْنِى وَبَيْنهُ. ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ، حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِينَ بُرْدَةً وَثَلاثِينَ رُمْحًا، يَسْتَخِفُّونَ، وَلا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنَ الحِجَارَةِ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلانُ بنُ بَدْرٍ الفَزَارِىُّ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ - يَعْنِى يَتَغَدَّوْنَ - وَجَلَسْتُ عَلَى رَأسِ قَرْنٍ. قَالَ الْفَزَارِىُّ: مَا هَذَا الَّذِى أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ. وَاللهِ، مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ، يَرْمِينَا حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَىْءٍ فِى أَيْدِينَا. قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ، أَرْبَعَةٌ. قَالَ: فَصَعِدَ إِلَىَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِى الْجَبَلِ، قَالَ: فَلَمَّا أَمْكَنُونِى مِنَ الْكَلامِ، ــ قال الإمام: قال أبو عبيد عن الأصمعى: التندية أن يورد الرجل الإبل حتى تشرب فتشرب قليلاً، ثم يرعاها ساعة ثم يردها إلى الماء. وهو فى الإبل والخيل أيضًا. قال الأزهرى: وأنكره القتبى وقال: والصواب: لأبَدِّيَه، أى لأخرجه إلى البدو، وقال: ولا تكون التندية إلا للإبل. قال الأزهرى: أخطأ القتبى، والصواب ما قال الأصمعى. وللتندية معنى آخر وهو تضمير الفرس، وإجراؤه حتى يسيل عرقه. ويقال لذلك العرق إذا سال: النّدى. وقوله: " أُرَدِّيهِمْ بِالحجارة ": أى أرمهم بها. وقوله: " جعلت عليه آراماً من الحجارة يعرفها رسول الله ﷺ ": فيشبه أن يريد بها الأعلام. قال الأعشى:

стр. 3379

قَالَ: قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِى؟ قَالُوا: لا. وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، وَالَّذِى كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، لا أطْلُبُ رَجُلاً مِنْكُمْ إِلا أَدْرَكْتُهُ، وَلا يَطْلُبُنِى رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِى. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ. قَالَ: فَرَجَعُوا، فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِى، حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ. قَالَ: فَإِذَا أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِىُّ، عَلَى إِثْرِهِ أُبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِىُّ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ الْكِنْدِىُّ. قَالَ: فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الأَخْرَمِ. قَالَ: فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ، احْذَرْهُمْ، لا يَقْتَطَعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ: يَا سَلَمَةُ، إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلا تَحُلْ بَيْنِى وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ. قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ. فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَعَقَرَ بَعبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ. وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ. وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسَهِ وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ - فَارسُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ. فَوَالَّذِى كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّد ﷺ ، لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلَىَّ، حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِى، مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلا غُبَارِهِم شَيْئًا، حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ - يُقَالُ لَهُ: ذَا قَرَدٍ - لِيَشْرَبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ. قَالَ: فَنَظَرُوا إِلَىَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ، فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ - يَعْنِى أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ - فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطرَةً. قَالَ: وَيَخْرُجُونَ فَيَشْتَدُّونَ فِى ثَنِيَّة. قَالَ: فَأَعْدُو فَأَلْحَقُ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِى نُغْضِ كَتِفِهِ. قَالَ: قَلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. قَالَ: يَا ثَكَلَتْهُ أُمُّهُ، أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ. قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، يَا عَدُوَّ نُفْسِهِ، أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ. قَالَ: وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيةٍ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقهُمَا إِلَى رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَ: وَلَحِقَنِى ــ وبيداء تحسِب آرامَهَا ... رجَالُ إياد بأجلادها يعنى: بأشخاصها. قال: فالآرام الأعلام. والأرأم بالهمز بعد الراء الظب. قال زهير: بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهض من كل مجثم قال القاضى: قال بعضهم: لعله جعلت عليه آثار من الحجارة، أى علامته. قوله: " فلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فطعنه "، وذكر قتل عبد الرحمن للأخرم. كذا قال مسلم، وذكر ابن إسحاق أن صاحب هذه القصة حبيب بن عيينة بن حصن، ولم تكن العرب تسمى بعبد الرحمن فى الجاهلية. قال الإمام: وقوله: " لقينا من هذا البرح " يعنى الشدة، وقد تقدم.

стр. 3380

عَامِرٌ بسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ، وَسَطِيحَة فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأتُ وَشَرِبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المَاءِ الَّذِى حَلأتُهُمْ عَنْهُ. فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الإبِلَ، وَكُلَّ شَىْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ وَإِذَا بِلاَلٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الإِبِلِ الَّذِى اسْتَنْقَذْتُ مِنَ الْقَوْمِ، وَإِذَا هُوَ يَشْوِى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَلِّنِى فَأَنْتَخِبُ مِنَ القَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ، فَأَتَّبِعُ القَوْمَ فَلا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلا قَتَلْتُهُ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فِى ضَوْءِ النَّارِ. فَقَالَ: " يَا سَلَمَةُ، أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلاً؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. وَالَّذِى أَكْرَمَكَ فَقَالَ: " إِنَّهُمُ الآنَ لَيُقْرَوْنَ فِى أَرْضِ غَطَفَانَ ". قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ، فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلانٌ جَزُورًا. فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا، فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْقَوْمُ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ ". قَالَ: ثُمَّ أَعْطانِى رَسُولُ اللهِ ﷺ سَهْمَيْنِ: سَهْمُ الْفَارِسِ وَسَهْمُ الرَاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا لِى جَمِيعًا، ثُمَّ أَرْدَفَنِى رَسُولُ الله ﷺ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ، رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ. قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لا يُسْبَقُ شَدا، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلامَهُ قُلْتُ: أَمَا تُكْرمُ كَرِيمًا، وَلا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لاَ إِلا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِى وَأُمِّى، ذَرْنِى فَلأُسَابِقَ الرَّجُلَ. قَالَ: " إِنْ شِئْتَ ". قَالَ: قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيْكَ، وَثَنَيْتُ رِجْلَى فَطَفَرْتُ فَعَدَوْتُ. قَالَ: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفِيْنِ أَسْتَبْقِى نَفَسِى، ثُمَّ عَدَوْتُ فِى إِثْرِهِ، فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، ثُمَّ إِنِّى رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ. قَالَ: فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ وَاللهِ قَالَ: أَنَا أَظُنُّ. قَالَ: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَوَاللهِ، مَا لَبثْنَا إِلا ثَلاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّى عَامِرٌ يَرْتَجِزُ ــ وقوله: " يتخللون الشجرأ: أى يدخلون بين خلال الشجر. وخلالها أوساطها، والخلال جمع خلل، مثل جبل وجبال. ومنه: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ (١) يعنى: وسطكم. قوله: " مذْقَةَ لَبَن "، قال القاضى: أى شىء قليل من لبن مشوب بالماء. قال الإمام: يقال: مذقت اللبن، أى خلطته بالماء. ومذق المودة: لم يخلصها (٢)،

стр. 3381

بِالقَوْمِ: تَاللهِ لَولا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا وَنَحْنُ عَن فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا ... فَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا وأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " مَنْ هَذَا؟ ". قَالَ: أَنَا عَامِرٌ. قَالَ: " غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ ". قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لإنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلا اسْتُشْهِدَ. قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِىَّ اللهِ، لَوْلا مَا مَتَّعْتَنَا بعَامِرٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّى مَرْحَبُ ... شَاكِى السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ قَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّى عَامِرٌ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّى عَامِرٌ ... شَاكِى السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ قَالَ: فَاخْتَلَفْا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِى تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ. ــ ومذقها أيضًا: ملها. وقوله: " شاكى السلاح ": أى تام السلاح، يقال: رجل شائك (١) السلاح وشاك فى السلاح، من الشكة وهى السلاح أجمع، وشوكة الأسنان: شدته، قال الله : ﴿غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَة﴾ (٢) أى غير ذات السلاح التام. قال القاضى: تحقيق هذا: رجل شاك السلاح، ورجل شاك وشاكٌ مخففان وشائك، كله للذى جمع عليه سلاحه. والشكة: السلاح، والشوكة أيضًا، وسلاح شاك. قال الإمام: وقوله: " بطل مغامر " يشبه أن يكون أراد: يركب غمرات الحرب، وهى شدائدها. وقول على - رضى الله عنه -: " أنا الذى سمتنى أمى حيدرة " قيل: إنما تمثل علىُّ

стр. 3382

قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. قَالَ: " كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ "، ثُمَّ أَرْسَلَنِى إِلَى عَلِىّ، وَهُوَ أَرْمَدُ. فَقَالَ: " لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ". قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ، وَهُوَ أَرْمَدُ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَبَسَقَ فِى عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّى مَرْحَبُ ... شَاكِى السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فَقَالَ عَلِىٌّ: أَنَا الَّذِى سَمَّتْنِى أُمِّى حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ المَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ ــ ابتداء عند مبارزة مرحب هذا؛ لأنه كان رأى فى المنام أن مرحبًا يقتله سبع وكان على - رضى الله عنه - سمى أول ما ولد أسدًا وسبعاً. وحيدرة: الأسد فارتجز بذلك لينبه على المنام ويذكره به حتى تضعف منته ويخاف. وقوله: " أو فيهم بالصاع كيل السندرة ": معناه: أقتلهم قتلاً واسعًا؛ لأن السندرة مكيال واسع، وقيل: السندرة: العجلة، فيكون معناه على هذا: اقتلهم قتلاً عاجلاً. قال القتبى: ويحتمل أن يكون مكيالاً اتخذ من السندرة، وهى شجرة يعمل منها النبل والقسى. قال القاضى: قال صاحب العين: كيل السندرة: ضرب من الكيل غراف جزاف؛ وإنما سمى على - رضى الله عنه - عند ولادته أسدًا باسم جده لأمه أسد بن هاشم بن عبد مناف، سمته أمه فاطمة بنت أسد بذلك على اسم أبيها، فكان أبو طالب غائباً حينئذ، فلما قدم سماه علياً، فهو الذى أراد. وعبر بحيدرة عن أسد، فهو من أسماء الأسد، سمى بذلك لغلظه. والحادر: الغليظ، يريد: أنا السبع فى جرأته، والأسد فى إقدامة، وبه سمتنى أمى. قال القاضى: وبقى من الغريب فى حديث سلمة - مما لم يذكره - قوله: " اخترطت سيفى": معناه: سللته.

стр. 3383

قَالَ: فَضَربَ رَأسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ. ــ وقوله: " وجاء عمى برجل من العبلات فى سبعين من المشركين " هو بطن من بنى عبد شمس، وهم أمية الأصغر وأخواه نوفل وعبد شمس بن عبد مناف من قريش، نسبوا إلى أم لهم من تميم اسمها عبلة بنت عبيد بن البراجم. وقوله: " على فرس مجفف ": أى عليه تخفاف بكسر التاء، هو شبه الجُل. وقوله: " دعهم يكن لهم بدء الفجور وثناه " بكسر الثاء ومقصور، أى عودة ثانية، وفى رواية ابن ماهان: " وثنياه " بضم الثاء، وهو بمعنى الأول. وعفو النبى ﷺ عنهم ونزلهم لمجيئهم بهم - والله أعلم - لأنه بعد تمام الصلح، وكان هذا الخبر فى الحديبية التى كان فيها الصلح على ما تقدم فى الحديث. وإنما فعل هذا سلمة وعمر لما ذكر من قتل المقتول من المسلمين أسفل الوادى، فرأى المسلمون أن الصلح منتقض ولم ينقضه ﷺ ، فإما أن يكون لم يحقق أن المشركين قتلوه بعد الصلح، أولم يرتضى الصلح بذلك لجهل قاتله فأمضى الصلح. وقوله: " فنزلنا منزلاً بيننا وبين بنى لحيان جبل وهم المشركون ": هكذا ضبطناه بفتح الهاء وتشديد الميم على بعض شيوخنا، ومعناه: هم النبى ﷺ والمسلمين أمرهم لئلا يغدروهم ويبيتوهم لقربهم منهم، يقال: همنى الأمر وأهمنى، وقيل: همنى أذابنى، وأهمنى: غمنى. واستغفار النبى ﷺ لمن يكون طليعه فى الجبل يدل عليه. وضبطه بعضهم: " وهم المشركون " على الخبر عنهم. " وبعث رسول الله ﷺ بظهره ": أى بإبله التى تحمل أثقاله. والسّرح: الإبل والمواشى الراعية وهى السارحة أيضًا، سميت بسرحها للرعى، وهو إرسالها له بالغداوات. والأكمة: ما ارتفع من الأرض دون الجبل. وقوله: " فأصكه بسهم فى نُغض كتفه ": كذا روايتنا عن شيوخنا، وفى بعض النسخ: " إلى كعبه "، والمعنى بالرواية الأولى أشبه، لأنه يمكن أن يصيب بها أعلى آخرة الرجل، فيصيب حينئذ إذا نفذته (١) كتفه. ومعنى " أصك ": أضرب.

стр. 3384

(...) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِىُّ السُّلَمِىُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، بِهَذَا. ــ وقوله: " فما زلت أرميهم وأعقر بهم،: ورواه بعضهم: " أزد بهم " بفتح الهمزة، ومعناه: أرميهم. وكذا روايتنا فيه. ورواه بعضهم هنا: " أرميهم " والرادى: الرامى، رديت الحجر: رميته، والمرداة: الحجارة، والأشبه فى الأول: " أرميهم "؛ لأنه إنما أخبر عن رميه بالقوس. ومعنى قوله: " وأعقر بهم ": أى أعقر خيل فوارسهم، وكذلك قوله بعد: " فعقر بعبد الرحمن ": أى قتل فرسه، ويقال: عقر به: إذا عَرقَتْ دَابته. و" يتضحون ": فسره فى الحديث: " يتغدون ". و " يقرون ": يضافون. أخبر النبى ﷺ بوصولهم إلى بلادهم وفوتهم الطلب، وأنهم يقرون هناك، ونطعمهم من فى أولهم. وذكر بعضهم أنه يروى: " يقرون " بفتح الياء، أى يضيفون غيرهم، وأن سبب هذه الفعلة الحميدة ترك أتباعهم ورعاً بهم، وهذا بعيد جداً من مقصد الحديث. والقرن: جبل صغير منفرد منقطع من جبل كبير. وقوله: " فحليتهم منه ": يريد الماء، كذا روايتنا فيه غير مهموز مشدد الام بحاء مهملة، أى طردتهم عنه، كما فسره فى الحديث نفسه: " أجليتهم عنه ". وأصله الهمز، فسهل هنا، وجاء مهموزاً بعد هذا فى الحديث نفسه. ونغض الكتف: العظم الرقيق على طرفها، سمى بذلك لكثرة تحركه، وهو الناغض أيضًا. وقوله: " وأردوا فرسين ": كذا رواية الكافة فيه بالدال المهملة ورواه بعضهم بالمعجمة، وكلاهما متقارب المعنى. فبالمعجمة معناه: خلفوا، والردى: الضعيف من كل شىء. وبالمهملة فمعناه: أهلكوهما وأتعبوهما حتى أسقطوهما وتركوهما، ومنه: المتردية. وأردت الخيل الفارس: أسقطته. ومذقة اللبن: القليل منه الممزوج بالماء. والمذق ما مزج منه الماء. والسطيحة: إناء من جلود، سطح بعضها على بعض. وقوله فى خبر الذى سابقه: " فطفرت ": أى قفزت وعدوت وجريت. وقوله: " فربطت عليه شرفاً أو شرفين أستبقى نفسى " بفتح الفاء، أى حبست عليه قليلاً لأروح نفسى، ولا يقطع البهر وطول الجرى نفسى. والشرف: ما ارتفع من الأرض. والشد: الجرى. وقوله: " يخطر بسيفه ": أى يرفعه مرة ويضعه أخرى، [وقد تقدم معنى قول علىٍّ: " أنا الذى سمتنى أمى حيدرة "] (١).

стр. 3385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: " وذهب عامر يسفل له ": أى يضربه من أسفله. ومما فى هذا الحديث من الفقه والفوائد - سوى ما تقدم - أربع معجزات للنبى ﷺ : الأولى: تقدمت فى تكثير قليل الماء. والثانية: فى إبراء الأمراض وذوى العاهات بنفسه (١) وريقه، كلما ذكر هنا أنه قيل له: على، وهو أرمد، فبصق فى عينه فبرئ. والثالثة: إخباره عن الغيب عن حالة غطفان، وأنهم يقرون حين قال ذلك، فجاء الخبر بذلك (٢). والرابعة: قوله فى على - رضى الله عنه -: " يفتح الله على يديه "، فكان كما قال فإن لم يكن هذا اللفظ فى خبر على - رضى الله عنه - فى مسلم فهو فى غيره. وفيه جواز اتخاذ الطلائع كلما فعل ﷺ (٣)، ومصالحة العدو إذا رأى فى ذلك مصلحة المسلمي وجواز المسابقة على الأرجل كما جاء فى الحديث، وفى حديث مسابقة النبى ﷺ مع عائشة - رضى الله عنها - (٤) وما كان عليه سلمة مق القوة على المثى والشجاعة وجودة الرمى وفضل الرمى. وجواز عقر خيل العدو فى القتال. وجواز قول الرامى والطاعن فى الحرب: خدها، وأنا ابن فلان. وجواز الارجاز فى الحرب وبين الصفوف، وما كان عليه الصحابة - رضى الله عنهم - مق حبهم الشهادة. وجواز الاستقتال فى سبيل الله تعالى وطلب الموت وإلقاء الإنسان نفسه فى غمرات الحروب والعدد الكثير من العدو كلما فعل الأخرم وسلمة. وجواز المبارزة، ولا خلاف بين العلماء فى جوازها بإذن الإمام، إلا الحسن فإنه شذ ومنعها. واختلف بغير إذن الإمام، ومنع ذلك إسحاق وأحمد والثورى، واختلف فيه عن الأوزاعى، وأجازه مالك والشافعى. وهذا الحديث حجة لهما إذ لم يذكر فيه أن علياً وعامراً استأذنا النبى ﷺ فى المبارزة. واختلفوا بعد فى معونة المبارز على من برز إليه، فرخص فى ذلك أحمد وإسحاق والشافعى، واحتجوا بقصة على وحمزة وعبيدة يوم بدر (٥). قال الشافعى: إلا أن يقول

стр. 3386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له: لا يقاتلك غيرى، أو لم يقل إلا أنه يعرف أنه قصد واحداً فهو كالآمن من الجميع، وأكره معونته. وكره معاونة المبارز الأوزاعى بكل حالٍ وإن خشوا قتل العدو لصاحبهم؛ لأن المبارزة إنما تكون هكذا، إلا أن يعين المبارز من العدو وأصحابه، فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم. وفيه أن ما بقاه (١) المشركون حكمه حكم ما غنم منهم. وقوله فى على - رضى الله عنه -: " يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله ": من خصائص على - رضى الله عنه - وكراماته. وفيه من الفقه: أن للإمام الإرضاخ من النافلة والزيادة لمن رآه مستحقًا لذلك كما فعل لسلمة. وقوله: " أعطانى سهمين؛ سهم الفارس وسهم الراجل ": أما سهم الراجل فحقه، وأما سهم الفارس فلغنائه ما لا يغنيه فوارس عدة، كما نصه فى الخبر. فيحتمل أن النبى ﷺ خصه بذلك لذلك؛ ولأنه استنقذ تلك الغنائم قبل ورود العسكر، ويحتمل أنه أعطاه سهم الفارس من الخمس، والله أعلم. وفيه أن ما استنقذ من يد العدو من مال المسلمين فصاحبه أحق به، كما استنقذ هؤلاء لقاح النبى ﷺ .

стр. 3387

(٤٦) باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ الآية ١٣٣ - (١٨٠٨) حدّثنى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِىِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ. فَأَخَذَهُمْ سَلَماً، فَاسْتَحْيَاهُمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (١). ــ وقوله فى الذين أرادوا غرة النبى ﷺ : " فأخذهم سلماً ": كذا ضبطناه بسكون اللام، وفى نسخة: " سَلَمَا " بفتح اللام. وكذا ضبطناه عن هشام بن أحمد الفقيه عن أبى على الغسانى، وهو أظهر هنا، أى أسارى. والسلم: الأسير، سمى بذلك لأنه أسلم. والسَّلمُ والسِّلْم، بسكون اللام وكسر السين وفتحها: الصلح، وهو السلام أيضاً. وقوله: " فاستحياهم ": يدل على صحة الرواية بالفتح فى اللام، وأنها أظهر.

стр. 3388

(٤٧) باب غزوة النساء مع الرجال ١٣٤ - (١٨٠٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ ابنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أُمَّ سُلَيْم اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا، فَكَانَ مَعَهَا. فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خنْجَرًا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا هَذَا الْخِنْجَرُ؟ ". قَالَتِ: اتَّخَذْتُهُ، إِنْ دَنَا مِنِّى أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْحَكُ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاَءِ انْهَزَمُوا بِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، إِنَّ اللهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ ". (...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. فِى قِصَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ. ١٣٥ - (١٨١٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ، وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وُيدَاوِينَ الْجَرْحَى. ــ وفى حديث أم سليم خروج النساء فى الغزو ومباشرتهن القتال. والخنجر، بفتح الخاء: السكين. وبقرت بطنه: شققته. قال الإمام: أصل التبقر: التوسع والتفتح، ومنه يقال: بقرت بطنه. وفى الحديث: نهى عن التبقر فى الأهل والمال. قال أبو عبيد: [يراد به] (١) الكثرة والسعة. قال القاضى: وقول أم سليم: " اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك ": استحقوا عندها ذلك لتهمتهم قصد ذلك لقرب إسلامهم، ومنهم من لم يكن أسلم بعد، ومعنى " من بعدنا ": أى من سوانا ومن درانا. و" الطلقاء ": هم أهل مكة الذين أسلموا بعد الفتح؛ لأن النبى ﷺ منَّ عليهم وقال لهم: " أنتم الطلقاء ". وفى قوله فى النساء: " يسقين الماء ويداوين الجرحى " جواز تناول المرأة الفاضلة مثل هذا من الرجال الفضلاء، لا سيما فى هذا الموطن الذى لا يشغل فيه شىء عما هم فيه، وأن

стр. 3389

١٣٦ - (١٨١١) حدَّثنا عَبدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو - وَهُوَ أَبُو مَعْمَرٍ الْمِنْقَرِىُّ - حَدَّثنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَىِ النَّبِىِّ ﷺ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلاً رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ، وَكَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلاثًا قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنَ النَّبْلِ فَيَقُولُ: انْثُرْهَا لأَبِى طَلْحَةً. قَالَ: وَيُشْرِفُ نَبِىُّ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ. فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِىَّ اللهِ، بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى، لا تُشْرِفُ لا يُصِبْكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِى دُونَ نَحْرِكَ. قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِى بَكْر وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تَنْقُلانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِى أَفوَاهِهْم، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ ــ أكثرهن كن متجالات، وأن المداواة قد لا يكون فيها لمس ومباشرة. وقوله: " وأبو طلحة بين يدى النبى ﷺ مجوب عليه بحجفة "، قال الإمام: يعنى مترسًا يقيه بالحجفة، وهى الترس، والجوب: التُّرس. وقوله: " وكان أبو طلحة رامياً شديد النزع ": يعنى شديد الرمى بالسهام. قال القاضى: وفيه التترس (١) والتوقى من العدو، وفضل الرمى، وجواز قول الرجل للآخر: بأبى أنت وأمى، وتفديته؛ لقول أبى طلحة ذلك، ولقول غير واحد ذلك للنبى ﷺ ولم ينكره. وقد كره بعض العلماء التفدية بالآباء، وقال: لا يفدى بمسلم أحدٌ، وإنما فدى هؤلاء بأبيهم لأنهم مشركون، ورويت فى ذلك آثار ولم تثبت. وقد فدى أبو بكر النبى ﷺ وأبوه مسلم، وفدته عائشة - رضى الله عنها - فى حديث أم زرع فى بعض الروايات. وقوله من السلف بعضهم لبعض غير منكر والمراد به التعظيم وغاية البر. وقوله: " أرى خدم سوقها " أى خلاخيلِهن. والسوق جمع ساق، وواحد الخدم خدمة. وقيل. هى سور كالحلقة تجعل فى الرجل. قال الإمام: وفى حديث سلمان أنه رىء على حمار وخدمتاه تذبذبان: أراد بخدمتيه: ساقيه، فسميتا بذلك لأنها موضع القدمين [وهى الخلخالين] (٢) [ويقال: أريد بهما مخرج الرجل من السراويل] (٣)، ومنه الحديث: [" بادية خدامهن "، أى ظاهرة خلاخلهن، ومنه قيل: فرس مخدم إذا كان أبيض الرسغين] (٤).

стр. 3390

تُفْرِغَانِهِ فِى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَىْ أَبِى طَلْحَةَ، إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلاثًا، مِنَ النُّعَاسِ. ــ [قال القاضى: قيل: وفى حاجة الجيوش إلى مثل هذا - مداواة الجرحى وسقى الماء - تكليف ذوى] (١) الصناعات الخروج فى الجيوش مع المقاتلة، مما جعلهم يضطرون إلى عمله فى غزوهم. وأما ظهور خدم سوقهن ورؤية الرجال ذلك منهن، فلعله كان عن غير قصد وتعمد، وللضرورة حينئذ للتشمير واستقاء الماء وحمله، ولا يمكن ذلك مع إرخاء الذيل وستر الأرجل، مع الشغل حينئذ بما هم فيه بعضهم عن بعض. وقد قال بعض علمائنا - وهو القاضى أبو عبد الله بن الرابط -: إذا دخل الحرج على النساء فى ستر ما أمرنا ستره من المعصم والصدر والساق رفع عنهن للضرورة. وهذا الحديث يشهد له. أو يكون هذا قبل أمرهن بالستر، والحديث كان فى يوم أحد، وذلك فى أول الإسلام قبل نزول الحجاب، وقبل الأمر بالستر وإرخاء الذيل، والضرب بالخمر على الجيوب، والنهى عن إبداء الزينة، إلا لمن خصه الله سبحانه ممن ذكر فى كتابه العزيز فى سورة النور. وإنما نزل كثير منها بعد قصة الإفك وفى غزوة المريسيع بعدها سنة ست على قول ابن إسحاق، أو أربع على قول ابن عقبة، أو خمس على قول الواقدى. وفى حضور النساء أيضًا فى معارك الحرب ومظان القتال، إثارة غيرة الرجال، وحمية الأنوف؛ لصونهن عن النساء.

стр. 3391

(٤٨) باب النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يسهم والنهى عن قتل صبيان أهل الحوب ١٣٧ - (١٨١٢) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلالٍ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرمُزَ؛ أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْالُهُ عَنْ خَمْسِ خِلالٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلا أَنْ أَكْتُمَ عِلمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدةُ: أَمَّا بَعْدُ، فَأَخْبَرَنِى هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْم؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى ينْقَضِى يُتْمُ الْيَتِيمَ؟ وَعَنِ الْخُمْسِ لِمَنْ هُوَ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِى هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ فُيُدَاوِينَ الْجَرْحَى وَيحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ. وَأَمَّا بِسَهْمٍ، فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ. وَكَتَبْتَ تَسْأَلنِى: مَتَى يَنْقَضِى يُتْمُ الْيَتِيمَ؟ فَلَعَمْرِى إِنَّ الرَّجُلَ لَتنْبُتُ لِحْيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الأَخْذِ لِنَفْسِهِ، ضَعِيفُ الْعَطَاءِ ــ وفى حديث نجدة وابن عباس ما تقدم الكلام عليه؛ من منع قتل النساء والصبيان. وفيه أنه لا يضرب لهن بسهم، وهو قول كافة العلماء؛ مالك وأبو حنيفة والشافعى والثورى والليث، خلافاً للأوزاعى فى أنه يسهم لهن إذا قاتلن، وأنهن كن يداوين الجرحى. وقوله: " ويحذين من الغنيمة "، قال الإمام: أى يعطين. قال ابن ولاد: الحُذْيا والحُذَيَّا: مَا يعطى الرجل من الغنيمة أو من الجائزة، وكذلك الحذوة. قال القاضى: واختلف العلماء فى هذا، فقال مالك لا يرضخ لهن ولم يبلغنى ذلك، وقال الباقون: إنه يرضخ لهن. وذهب بعض العلماء إلى إنما ذلك لقلة غنائهن فى القتال، ولو ظهر من امرأة غناء لكان الاسهام لهن (١) صواباً، وقاله ابن حبيب. وذكر فى الحديث أنه لا يسهم للعبد، وبه قال جمهور العلماء، قالوا: ويرضخ، إلا مالك فلا يرى الارضاخ، كما قال فى النساء، ورواه بعض أصحابه، وذهب الحكم وابن سيرين والحسن وإبراهيم إلى أن العبد إن قاتل أسهم له. قال القاضى: وقوله: " وسألت متى ينقضى يُتم اليتيم؟ فلعمرى إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما

стр. 3392

مِنْهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأخُذُ النَّاسُ، فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ. وَكَتبْتَ تَسْأَلُنِى عَنِ الخمْسِ لَمَنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا، فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ. ١٣٨ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلاهُمَا عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ؛ أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ خِلالٍ. بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ حَاتِمٍ: وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ، إِلا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِىِّ الَّذِى قَتَلَ. وَزَادَ إِسْحَاقُ فِى حَدِيثِهِ عَنْ حَاتِمٍ: وَتُمَيِّز الْمُؤْمِنَ، فَتَقْتُلَ الْكَافِرَ وَتَدَعَ الْمُؤْمِنَ. ــ يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم " وفى الحديث الآخر: " حتى يبلغ ويؤنس منه رشد ": واختلف الناس فى هذا، فذهب مالك وأصحابه وكافة العلماء إلى أن يتم اليتيم لا يخرجه مجرد البلوغ ولا علو السن، حتى يؤنس منه الرشد وضبطه المال، وهو قول الشافعى وأبى يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسة (١) وعشرين سنة دُفع إليه ماله وإن كان غير ضابط له. واختلف عندنا هل من شرط ذلك العدالة فى الدين؟ وهو قول الشافعى وأبى يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: إنه لا يشترط إلا حسن الحال فى ضبط المال دون الرضا فى الدين، وهو مشهور المذهب. ثم اختلفوا إذا كان عليه مغرم، هل بنفس صلاح حاله يخرج من الولاية وهو أحد قولى الشافعى وأحد القولين عندنا، والثانى مشهور مذهبنا وأحد قولى الشافعى: أنه لا يخرج من الحجر إلا الإطلاق لمن حاكم أو وصى، ومالك وجمهور العلماء على جواز الحجر، بل وجوبه على الكبير إذا ثبت سفهه، خلافاً لأَبِى حنيفة. وقد حكى ابن القصار أن المسأله كأنها مسألة إجماع على خلاف من الخلفاء والصحابة والتابعين. وقول أهل المدينة وأهل الشام وأئمة الفتوى وعلماء الأمصار سواه. وقوله: " وكتبت تسألنى عن الخمس لمن هو؟ وإنا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذلك " تقدم الخلاف فى هذا الكلام فى سهم ذى القربى ومن هم؟ وإنما كان يسأله عنه بدليل بيانه فى الحديث الآخر، وقوله عن ذوى القربى: " من هم؟ ". وقوله: " إن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان، إلا أن تكون تعلم ما علم الخضر من الصبى الذى قتل ": يريد أن الله - سبحانه - أعلمه أنه كافر، وقتله إنما يكون بإذن الله - تعالى - فلا يقاس عليه غيره. وقد قال

стр. 3393

١٣٩ - (...) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيد المَقْبُرِىُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ الْحرُورىُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا؟ وَعَنْ قَتْلِ الوَلْدَانِ؟ وَعَنِ الْيَتِيمِ مَتَى يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْيُتْمُ؟ وَعَنْ ذَوِى الْقُرْبَى، مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ لِيَزَيدَ: اكْتُبْ إِلَيْهِ، فَلَوْلا أَنْ يَقَعَ فِى أُحْمُوقَة مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ. اكْتُبْ: إِنَّكَ كَتَبْتَ تَسْأَلُنِى عَنِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا شَىْءٌ؟ وَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا شَىْءٌ، إِلا أَنْ يُحْذَيَا. وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِى عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ؟ وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَقْتُلهُمْ، وَأَنْتَ فَلا تقْتُلْهُمْ، إِلا أَنْ تَعْلَمَ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ صَاحِبُ مُوسَى مِنَ الْغُلامِ الَّذِى قَتَلَهُ. وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِى عَنِ الْيَتِيمِ، مَتَى يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ؟ وَإِنَّهُ لا يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ حَتَّى يَبْلُغَ وُيؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدٌ. وَكَتَبْتَ تَسْأَلنِى عَنْ ذَوِى الْقُرْبَى، مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا زَعَمْنَا أَنَّا هُمْ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا. (...) وحدّثناه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ العَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَسَاقَ الْحَدِيَثَ بِمِثْلِهِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، بِطُولِهِ. ١٤٠ - (...) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِم، حَدَّثَنِى أَبِى، قَالَ: سَمْعْتُ قَيْسًا يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْن هُرْمُزَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْن حَاتِمٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنِى قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ ابْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: فَشَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ حِينَ قَرَأَ كِتَابَهُ وَحِينَ كَتَبَ جَوَابَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللهِ، لَوْلا أَنْ أَرُدَّهُ عَنْ نَتْنٍ يَقَعُ فِيهِ مَا كَتَبْتُ ــ حاكياً عن الخضر: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (١). وقوله: " لولا أن يقع فى أحموقة ما كتبت إليه ": أى فعلاً من الخصال الحمقى ورأياً من آرائهم. ومثله فى الرواية الأخرى: " عن نتن " أى عن فعل قبيح، ويعبر عن كل شىء مستقبح بالخبيث والنتن والرجس والقذر والقاذورة.

стр. 3394

إِلَيْهِ، وَلا نُعْمَةَ عَيْنٍ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ سَأَلْتَ عَنْ سَهْمِ ذِى الْقُرْبَى الَّذِى ذَكَرَ اللهُ، مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ قَرَابَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ هُمْ نَحْنُ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا. وَسَأَلْتَ عَنِ الْيَتِيمِ، مَتَى يَنْقَضِى يُتْمُهُ؟ وَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ النِّكَاحَ وَأُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ وَدُفِعَ إِلَيْهِ مَالُهُ، فَقَد انْقَضَى يُتْمُهُ. وَسَأَلْتَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْتُلُ مِنْ صِبْيَانِ الْمُشْرِكِينَ أَحَدًا؟ فَإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأَنْتَ فَلا تَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا، إِلاَ أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الْغُلامِ حِينَ قَتَلَهُ. وَسَأَلْتَ عَنِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، هَلْ كَانَ لَهُمَا سَهْمٌ مَعْلُومٌ، إِذَا حَضَرُوا البَأسَ؟ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مَعْلُومٌ، إِلا أَنْ يُحْذَيَا مِنْ غَنَائِمِ الْقَوْمِ. ١٤١ - (...) وحدّثنى أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ صَيْفِىٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. فَذَكَرَ بَعْضَ الْحَدِيثِ. وَلَم يُتِمَّ الْقِصَّةِ، كَإِتْمَامِ مَنْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ. ١٤٢ - (١٨١٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ، قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، أَخْلُفُهُمْ فِى رَحَالِهِمْ، فَأصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِى الْجَرْحَى وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى. (...) وحدَّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ــ وقوله: " ولا نعمة عين ": يريد به (١): أى لم أجاوبه إكراماً له، وإدخالاً للمسرة عليه، يقال: أنعم الله - سبحانه - بك عينًا، ونعم بك عينًا، بفتح العين وكسرها، ثلاث لغات. وحكى: نعمك الله عيناً كله، أى أقر الله عينك بما يسرك. ويقال: نُعْمَة عين ونَعْمَةَ عين ونَعم عين ونُعم عين ونعامى عين ونعيم عين ونَعام عين ونُعام عين. ومعنى قوله: " إذا حضروا البأس ": أى الحرب، قال الله : ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ (٢). وأصل البأس والبأساء: الشدة.

стр. 3395

(٤٩) باب عدد غزوات النبىّ ﷺ ١٤٣ - (١٢٥٤) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ خَرَجَ يَسْتَسْقِى بِالنَّاسِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ اسْتَسْقَى. قَالَ: فَلَقِيتُ يَوْمَئِذٍ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ. وَقَالَ: لَيْسَ بَيْنِى وَبَيْنهُ غَيْرُ رَجُل، أَوْ بَيْنِى وَبَيْنَهُ رَجُلٌ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ. فَقُلْتُ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً. قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا؟ قَالَ: ذَاتُ الْعُسَيْرِ أَوْ العُشَيْرِ. ١٤٤ - (...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، سَمِعَهُ مِنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةَ، وَحَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا، حَجَّةَ الْوَدَاعِ. ١٤٥ - (١٨١٣) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحِ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً. قَالَ جَابِرٌ: لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا ولا أُحُدًا، مَنَعَنِى أَبِى. فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمْ أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى غَزْوَةٍ قَطُّ. ١٤٦ - (١٨١٤) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ. ح وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تُميْلَةَ، قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ ــ قال الإمام: خرج مسلم فى عدد غزوات النبى ﷺ قال: حَدَّثَنَا أبُو بكر بن أبى شيبة، قال: نا يحيى بن آدم، نا زهير عن أبى إسحاق. قال بعضهم: هكذا روى هذا الإسناد عن الكِسَائِى على الصواب. وفى نسخة السجزى والرازى عن أبى أحمد: نا يحيى ابن آدم، قال: نا وهيب. وكذلك كان فى نسخة ابن ماهان فغيره. قال عبد الغنى: الصواب: زهير، وأما وهيب فخطأ؛ لأن وهيب لم يلق أبا إسحاق. قال القاضى: وقول جابر: " لم أشهد بدراً ولا أحداً منعنى أبى ": كذا فى هذا

стр. 3396

اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِى ثَمَانٍ مِنْهُنَّ. وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: مِنْهُنَّ. وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ. ١٤٧ - (...) وحدَّثنى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً. ١٤٨ - (١٨١٥) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِى عُبَيْدٍ - قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجْتُ - فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ - تِسْعَ غَزَوَاتٍ. مَرةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، وَمَرَّة عَلَيْنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. (...) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ، فِى كِلْتَيهِمَا: سَبْعَ غَزَوَاتٍ. ــ الحديث. وقد ذكر أبو عبيد فى حديثه عن جابر: كنت منيح أصحابى يوم بدر. قال ابن عبد البر: والصحيح أنه لم يشهد ذلك للحديث المتقدم. وقد ذكر ابن الكلبى أنه شهد أحداً.

стр. 3397

(٥٠) باب غزوة ذات الرقاع ١٤٩ - (١٨١٦) حدَّثنا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ الْهَمَدَانِىُّ - وَاللَّفْظُ لأَبِى عَامِرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى غَزَاةٍ، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَر، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقبُهُ. قَالَ: فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا، فَنَقِبَتْ قَدَمَاىَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِى، فَكُنَّا نَلُف عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ، فَسُمِّيتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ. قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ. قَالَ: كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ. قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَزَادَنِى غَيْرُ بُرَيْدٍ: وَاللهُ يُجْزِى بِهِ. ــ وقوله: " فنقبت أقدامنا ": أى قرحت من الحفى. وبقية الكلام فى الحديث يبينه من قوله: " وسقطت أظفارى، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع لذلك ": قد قيل: إنها سميت بذلك باسم جبل هناك، كان فيه بياض وسواد وحمرة. وقيل: بل باسم شجرة هناك. وقيل: بل كان فى ألويتهم رقاع. وكراهة أبى موسى لذكر هذا بَعْدُ، وأن يفشى شيئاً من عمله: فيه أن ما أصاب فى ذات الله فى نفس أو مال أن كتمه أولى وأعظم للأجر؛ لئلا يلحق بالتشكى، أو بالعجب بالعمل والتزين به، فتدخل فيه هذه الآفات، فخشى حط الأجر لذلك.

стр. 3398

(٥١) باب كراهة الاستعانة فى الغزو بكافر ١٥٠ - (١٨١٧) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِك بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ أَبِى عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نِيَارٍ الأَسْلَمَىِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: " فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ ". قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى، حَتَّى إذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّة. فَقالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. قَالَ: " فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ ". قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ، فقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: " تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَانْطَلِقْ ". ــ وقوله: " فلما كان بحرة الوبرة ": كذا هو بفتح الباء هنا عندنا، وكذا ضبطناه عن شيوخنا فى كتاب مسلم. وقد ضبطه بعضهم بسكون الباء. وهو موضع على نحو أربعةَ أميال من المدينة. وقول النبى ﷺ للذى قال له: جئت لأتبعك وأصيب معك -: " ارجع فلن أستعين بمشرك " كافة العلماء على الأخذ بهذا الحديث، والتمسك بهذه السنة، وهو قول مالك وغيره. وقال مالك وأصحابه: ولا بأس أن يكونوا نواتية وخدّاماً. قال ابن حبيب: ويستعملون فى رمِى المجانيق. وكره رميهم بالمجانيق غيره من أصحابنا، وأجاز ابن حبيب أن يستعمل من سالمه فى قتال من حاربه منهم، ويكونوا ناحية من عسكره لا فى داخله. وقال بعض علمائنا: إنما قال النبى ﷺ هذا فى وقت مخصوص لا على العموم. واختلفوا بعد إذا استعين بهم ما يكون لهم؟ فذهب الكافة - مالك والشافعى وأبو حنيفة وأبو ثور - إلى أنه لا يسهم لهم. وذهب الزهرى والأوزاعى إلى أن لهم كسهام المسلمين. وهو قول سحنون، إذا كان جيش المسلمين إنما قوى بهم، وإلا فلا شىء لهم. وقال الشافعى مرة: لا يعطوا من الفىء شيئاً، ويعطوا من سهم النبى ﷺ . وقال قتادة: لهم ما صولحوا عليه فى ذلك (١).

стр. 3399

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٣ - كتاب الإمارة (١) باب الناس تبع لقريش والخلافة فى قريش ١ - (١٨١٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ - يَعْنِيَانِ الحِزَامِىَّ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَفِى حَدِيثِ زُهَيْرٍ: يَبْلغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ . وَقَالَ عَمْرٌو: رِوَايَةً: " النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِى هَذَا الشَّأنِ، مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهِمْ ". ٢ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ ــ كتاب الإمارة قوله: " الناس تَبَعٌ لقريش فى هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم ". زاد فى الرواية الأخرى: " تبع لقريش فى الخير والشر "، وقوله: " لا يزال هذا الأمر فى قريش [ما بقى] (١) من الناس اثنان "، وفى البخارى: " ما بقى منهم اثنان " (٢): هذه الأحاديث - وما فى معناها فى هذا الباب - حجة أن الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم. وبهذا احتج أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحد عنه. وقد عدها الناس فى مسائل الإجماع؛ إذ لم يؤثر عن أحد من السلف فيها خلاف، قولاً ولا عملاً قرناً بعد قرن إلا ذلك، وإنكار ما عداه. ولا اعتبار بقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع: إنها تصح فى غير قريش. ولا بسخافة ضرار بن عمرو فى قوله: إن غير القرشى من النبط وغيرهم يقدّم على القرشى، هو أن خلعه إذا وجب ذلك؛ إذ ليست له عشيرة تمنعه، وهذا كله هزؤ من القول ومخالفة لما عليه السلف وجماعة المسلمين.

стр. 3400

رَسُولُ اللهِ ﷺ : " النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِى هَذَا الشَّأنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ ". ٣ - (١٨١٩) وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِى الخَيْرِ وَالشَّرِّ ". ــ ومعنى قوله: " الناس تبع لقريش، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم ": إشارة لقوله فى الرواية الأخرى: " فى الخير والشر "؛ لأنهم كانوا فى الجاهلية رؤساء العرب وأصحاب حرم الله وحج البيت، وكانت الجاهلية تنتظر إسلامهم واتباعهم النبى ﷺ . فلما أسلموا وفتحت مكة اتبعهم الناس، وجاءت وفود العرب من كل جهة. كذلك حكمهم فى الإسلام فى تقديمهم للخلافة، فنبه النبى ﷺ أنه كما كان كفار الناس تبعًا لقريش فى الجاهلية فى الخير والشر، كذلك يجب أن يتبع مسلمهم لمسلمهم، فيكون المقدم عليهم. وقد أشعر ﷺ أن هذا هو الحكم والحال، ما بقيت الدنيا وبقى من الناس أو من قريش اثنان. وقد ظهر ما قاله ﷺ . وقيل: هذا مثل قول العرب: دعوه وقومه لى إن قتلوه كُفيتموه، وإن ظهر عيهم كنتم ورأيكم. وقيل: لعل هذا فى أمر الجور، والأئمة المضلين. وقد استدلت بهذه الأحاديث الشافعية وبما قارب معناها على إمامته وتقديمه على غيره، مثل قوله ﷺ : " الأئمة من قريش "، وقوله: " قدموا قريشاً ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها " (١)، وهذا لا حجة فيه لهم؛ إذ المراد بالأئمة هنا الخلفاء، وكذلك بالتقديم، ولتقديم النبى ﷺ سالماً - مولى أبى حذيفة - يؤم فى مسجد قباء وفيهم أبو بكر وعمر، وتقديمه زيداً وابنه أسامة ومعاذاً وغير واحد وقريش موجودون. وأما الحديث الآخر فى التعليم فليس بصحيح لفظاً ولا معنى؛ لإجماع العلماء على التعليم من غير قريش ومن الموالى، وتعليم قريش منهم، وتعليم الشافعى من مالك وابن عيينة، ومحمد بن الحسن، وابن أبى يحيى، ومسلم بن خالد الزنجي، وغيرهم ممن ليس بقرشى. وقوله: " إن هذا الأمر لا ينقضى، حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من
следующие страницы →