اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِى ثَمَانٍ مِنْهُنَّ. وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: مِنْهُنَّ. وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ.
١٤٧ - (...) وحدَّثنى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً.
١٤٨ - (١٨١٥) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِى عُبَيْدٍ - قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجْتُ - فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ - تِسْعَ غَزَوَاتٍ. مَرةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، وَمَرَّة عَلَيْنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ.
(...) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ، فِى كِلْتَيهِمَا: سَبْعَ غَزَوَاتٍ.
ــ
الحديث. وقد ذكر أبو عبيد فى حديثه عن جابر: كنت منيح أصحابى يوم بدر. قال ابن عبد البر: والصحيح أنه لم يشهد ذلك للحديث المتقدم. وقد ذكر ابن الكلبى أنه شهد أحداً.
стр. 3397
(٥٠) باب غزوة ذات الرقاع
١٤٩ - (١٨١٦) حدَّثنا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ الْهَمَدَانِىُّ - وَاللَّفْظُ لأَبِى عَامِرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى غَزَاةٍ، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَر، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقبُهُ. قَالَ: فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا، فَنَقِبَتْ قَدَمَاىَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِى، فَكُنَّا نَلُف عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ، فَسُمِّيتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ.
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا الْحَدِيثِ. ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ. قَالَ: كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ.
قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَزَادَنِى غَيْرُ بُرَيْدٍ: وَاللهُ يُجْزِى بِهِ.
ــ
وقوله: " فنقبت أقدامنا ": أى قرحت من الحفى. وبقية الكلام فى الحديث يبينه من قوله: " وسقطت أظفارى، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع لذلك ": قد قيل: إنها سميت بذلك باسم جبل هناك، كان فيه بياض وسواد وحمرة. وقيل: بل باسم شجرة هناك. وقيل: بل كان فى ألويتهم رقاع.
وكراهة أبى موسى لذكر هذا بَعْدُ، وأن يفشى شيئاً من عمله: فيه أن ما أصاب فى ذات الله فى نفس أو مال أن كتمه أولى وأعظم للأجر؛ لئلا يلحق بالتشكى، أو بالعجب بالعمل والتزين به، فتدخل فيه هذه الآفات، فخشى حط الأجر لذلك.
стр. 3398
(٥١) باب كراهة الاستعانة فى الغزو بكافر
١٥٠ - (١٨١٧) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِك بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ أَبِى عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نِيَارٍ الأَسْلَمَىِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: " فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ ". قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى، حَتَّى إذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّة.
فَقالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. قَالَ: " فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ ". قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ، فقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: " تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَانْطَلِقْ ".
ــ
وقوله: " فلما كان بحرة الوبرة ": كذا هو بفتح الباء هنا عندنا، وكذا ضبطناه عن شيوخنا فى كتاب مسلم. وقد ضبطه بعضهم بسكون الباء. وهو موضع على نحو أربعةَ أميال من المدينة.
وقول النبى ﷺ للذى قال له: جئت لأتبعك وأصيب معك -: " ارجع فلن أستعين بمشرك " كافة العلماء على الأخذ بهذا الحديث، والتمسك بهذه السنة، وهو قول مالك وغيره. وقال مالك وأصحابه: ولا بأس أن يكونوا نواتية وخدّاماً. قال ابن حبيب: ويستعملون فى رمِى المجانيق. وكره رميهم بالمجانيق غيره من أصحابنا، وأجاز ابن حبيب أن يستعمل من سالمه فى قتال من حاربه منهم، ويكونوا ناحية من عسكره لا فى داخله. وقال بعض علمائنا: إنما قال النبى ﷺ هذا فى وقت مخصوص لا على العموم. واختلفوا بعد إذا استعين بهم ما يكون لهم؟ فذهب الكافة - مالك والشافعى وأبو حنيفة وأبو ثور - إلى أنه لا يسهم لهم. وذهب الزهرى والأوزاعى إلى أن لهم كسهام المسلمين. وهو قول سحنون، إذا كان جيش المسلمين إنما قوى بهم، وإلا فلا شىء لهم. وقال الشافعى مرة: لا يعطوا من الفىء شيئاً، ويعطوا من سهم النبى ﷺ . وقال قتادة: لهم ما صولحوا عليه فى ذلك (١).
стр. 3399
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٣ - كتاب الإمارة
(١) باب الناس تبع لقريش والخلافة فى قريش
١ - (١٨١٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ - يَعْنِيَانِ الحِزَامِىَّ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَفِى حَدِيثِ زُهَيْرٍ: يَبْلغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ . وَقَالَ عَمْرٌو: رِوَايَةً: " النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِى هَذَا الشَّأنِ، مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهِمْ ".
٢ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ
ــ
كتاب الإمارة
قوله: " الناس تَبَعٌ لقريش فى هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم ". زاد فى الرواية الأخرى: " تبع لقريش فى الخير والشر "، وقوله: " لا يزال هذا الأمر فى قريش [ما بقى] (١) من الناس اثنان "، وفى البخارى: " ما بقى منهم اثنان " (٢): هذه الأحاديث - وما فى معناها فى هذا الباب - حجة أن الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم. وبهذا احتج أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحد عنه. وقد عدها الناس فى مسائل الإجماع؛ إذ لم يؤثر عن أحد من السلف فيها خلاف، قولاً ولا عملاً قرناً بعد قرن إلا ذلك، وإنكار ما عداه. ولا اعتبار بقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع: إنها تصح فى غير قريش. ولا بسخافة ضرار بن عمرو فى قوله: إن غير القرشى من النبط وغيرهم يقدّم على القرشى، هو أن خلعه إذا وجب ذلك؛ إذ ليست له عشيرة تمنعه، وهذا كله هزؤ من القول ومخالفة لما عليه السلف وجماعة المسلمين.
стр. 3400
رَسُولُ اللهِ ﷺ : " النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِى هَذَا الشَّأنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ ".
٣ - (١٨١٩) وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِى الخَيْرِ وَالشَّرِّ ".
ــ
ومعنى قوله: " الناس تبع لقريش، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم ": إشارة لقوله فى الرواية الأخرى: " فى الخير والشر "؛ لأنهم كانوا فى الجاهلية رؤساء العرب وأصحاب حرم الله وحج البيت، وكانت الجاهلية تنتظر إسلامهم واتباعهم النبى ﷺ . فلما أسلموا وفتحت مكة اتبعهم الناس، وجاءت وفود العرب من كل جهة. كذلك حكمهم فى الإسلام فى تقديمهم للخلافة، فنبه النبى ﷺ أنه كما كان كفار الناس تبعًا لقريش فى الجاهلية فى الخير والشر، كذلك يجب أن يتبع مسلمهم لمسلمهم، فيكون المقدم عليهم. وقد أشعر ﷺ أن هذا هو الحكم والحال، ما بقيت الدنيا وبقى من الناس أو من قريش اثنان. وقد ظهر ما قاله ﷺ . وقيل: هذا مثل قول العرب: دعوه وقومه لى إن قتلوه كُفيتموه، وإن ظهر عيهم كنتم ورأيكم. وقيل: لعل هذا فى أمر الجور، والأئمة المضلين.
وقد استدلت بهذه الأحاديث الشافعية وبما قارب معناها على إمامته وتقديمه على غيره، مثل قوله ﷺ : " الأئمة من قريش "، وقوله: " قدموا قريشاً ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها " (١)، وهذا لا حجة فيه لهم؛ إذ المراد بالأئمة هنا الخلفاء، وكذلك بالتقديم، ولتقديم النبى ﷺ سالماً - مولى أبى حذيفة - يؤم فى مسجد قباء وفيهم أبو بكر وعمر، وتقديمه زيداً وابنه أسامة ومعاذاً وغير واحد وقريش موجودون.
وأما الحديث الآخر فى التعليم فليس بصحيح لفظاً ولا معنى؛ لإجماع العلماء على التعليم من غير قريش ومن الموالى، وتعليم قريش منهم، وتعليم الشافعى من مالك وابن عيينة، ومحمد بن الحسن، وابن أبى يحيى، ومسلم بن خالد الزنجي، وغيرهم ممن ليس بقرشى.
وقوله: " إن هذا الأمر لا ينقضى، حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من
стр. 3401
٤ - (١٨٢٠) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِى قُرَيشٍ، مَا بَقِىَ من النَّاسِ اثْنَانِ ".
٥ - (١٨٢١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ. ح وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الهَيْثَمِ الوَاسِطِىُّ - وَاللفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنُ عَبْدِ اللهِ الطَّحَّان - عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: دَخَلتُ مَعَ أَبِى عَلىَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لا يَنْقَضِى حَتَّى يَمْضِىَ فِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً ". قَالَ: ثُمَّ تَكَلمَ بِكَلامٍ خَفِىَ عَلىَّ. قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِى: مَا قَالَ؟ قَالَ: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ".
ــ
قريش "، وفى الرواية الأخرى: " لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، ويكون عليكم اثنا عشر خليفة "، وفى الرواية الأخرى: " لا يزال هذا الدين [عزيزاً منيعاً إلى اثنى عشر خليفة ": أعلم ﵇ بعزة الدين والأمر حتى يلى] (١) اثنا عشر خليفة، وأن الدين لا يزال قائماً حتى تقوم الساعة، ويلى هذا العدد المذكور، فأما بقاء الدين إلى قيام الساعة فثابت صحيح من أحاديث أخر أيضاً، وقد تقدم الكللام عليه وعلى ما تظهر مخالفته له. مما جاء: " لا تقوم الساعة حتى لا يبقى من يقول: الله، الله " (٢)، وأن هذا حال من تقوم عليه الساعة عند قيامها، وقبض أرواح المؤمنين، وهذه الأحاديث الأخر بتمادى الإسلام إلى ذلك الحين.
وأما تخصيصه بالاثنى عشر خليفة، فقد يُوجه عليه سؤالان؛ لأن:
أحدهما: أن قوله: " الخلافة بعدى ثلاثون ثم تكون ملكاً " يعارض ظاهره، وقوله: " اثنا عشر خليفة "؛ إذ لم يكن فى الثلاثين إلا الخلفاء الأربعة، والأشهر التى بويع فيها الحسن بن على؟
والجواب عن هذا: أنه أراد هنا خلافة النبوة، وكذا جاء مفسراً فى بعض الروايات: " خلافة النبوة بعدى ثلاثون ثم تكون ملكاً [ملكاً] (٣) "، ولم يشترط فى الآخر خلافة النبوة، وبيّنه قوله: " ثم تكون ملكاً ".
стр. 3402
٦ - (...) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ ابْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " لا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَليَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً ". ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِىُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلىَّ، فَسَأَلتُ أَبِى: مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: " كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ".
(...) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الحَدِيثِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: " لا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا ".
ــ
والسؤال الثانى: أنه قد ولى أكثر من هذا العدد؟
وهذا اعتراض غير لازم فإنه ﷺ لم يقل: لا يلى إلا اثنا عشر خليفة، وإنما قال: " يلى اثنا عشر خليفة "، فقد ولى هذا العدد، وكان ما أعلم به النبى ﷺ ، ثم ولى غيرهم. هذا إن جعل اللفظ واقعاً على كل والٍ، وقد يحتمل أن يكون المراد به: مستحقى الخلافة من أئمة العدل، وقد مضى منهم من علم، ولابد من تمام العدد قبل قيام الساعة إن كان هذا مُراد النبى ﷺ . وقيل: إنهم يكونون فى زمن واحد يفترق الناس عليهم.
ولا يبعد أن هذا قد كان إذا تتبعت التواريخ. فقد كان بالأندلس منهم وحدها فى عصر واحد بعد أربعمائة وثلاثين سنة: ثلاثة، كلهم يدعيها ويلقب بها، ومعهم صاحب مصر كذلك، وخليفة الجماعة العباسى ببغداد إلى من كان يدعى ذلك فى ذلك الوقت أيضاً فى أقطار الأرض من بلاد البرابر وخُراسان من العلوية والخوارج وغيرهم. ويعضد هذا التأويل قوله فى كتاب مسلم بعد هذا: " ستكون خلفاء فتكثر " قالوا: فما تأمرنا؟ قال: " فوا بيعة الأول فالأول " (١). وقد يحتمل أن المراد بذلك إعزاز الخليفة (٢) وإمارة الإسلام، واستقامة أمرها، و [الاجتماع] (٣) على من تقدم لها، كما جاء فى كتاب أبى داود: " كلهم تجتمع عليه الأمة " (٤)، وهذا قول قد وجد فيمن اجتمع عليه إلى أن اضطرب أمر بنى أمية، واختلفوا وتقاتلوا زمن يزيد بن الوليد على الوليد بن يزيد، واتصلت فتونهم، وخرج عليهم بنو العباس فاستأصلوا أمرهم، وهذا العدد موجود صحيح إلى حين خلافتهم إذا اعتبر.
وقد يحتمل وجوهاً أخر، الله أعلم بمراد نبيه ﷺ فيها.
كَسْرَى ". وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " إِنَّ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ فَاحْذَرُوهُمْ ". وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " إِذَا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا، فَليَبْدَأْ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ". وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " أَنَا الفَرَطُ عَلى الحَوْضِ ".
(...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ مهَاجِرِ ابْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ سَمُرَةَ العَدَوِىِّ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَاتِمٍ.
ــ
وقوله: " إذا أعطى الله أحدكم خيرًا فليبدأ بنفسه وأهل بيته " مثل قوله فى الأحاديث الأخر: " وابدأ بمن تعول " (١)، وكقوله: " وأدناك ثم أدناك " (٢)، وكقوله: " إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه" (٣).
وقوله: " أنا الفرط على الحوض " بفتح الراء، تقدم معناه، وتفسيره: السابق لكم إليه والمنتظر لسقيكم منه. والفرط: الذى يتقدم القوم إلى الماء ليهيئ لهم ما يحتاجون إليه فيه. وهو الفارط أيضاً. وأصله من السبق. والفرط بالسكون: السبق والتقدم.
وقوله فى حديث محمد بن رافع: عن عامر [بن] (٤) سعد بن أبى وقاص؛ أنه أرسل إلى ابن سمرة العدوى. كذا فى الأصل، وليس بعدوى، إنما هو عامرى ثم سوائىٌّ. فلعله تصحف العامرى بالعدوى؛ لأن سواة بن عامر بن صعصعة هو زهرى الحلف، خاله سعد بن أبى وقاص، وأمه خالدة بنت أبى وقاص، واسمه جابر (٥).
стр. 3405
(٢) باب الاستخلاف وتركه
١١ - (١٨٢٣) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَضَرْتُ أَبِى حِينَ أُصِيبَ، فَأَثْنَوْا عَليْهِ. وَقَالوا: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا. فَقَالَ: رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ. قَالوا: اسْتَخْلِفْ. فَقَالَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا؟ لوَدَدْتُ أَنَّ حَظِّى مِنْهَا الكَفَافُ، لا عَلىَّ وَلا لِى، فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّى - يَعْنِى أَبَا بَكْرٍ - وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّى، رَسُولُ اللهِ ﷺ .
قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ - حِينَ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ.
ــ
وقول عمر حين أثنى عليه: " راغب وراهب ": أى راج وخائف. يقال: رغب فى الأمر: إذا طلبه، ورغب عنه: إذا كرهه، هو من الأضداد، ورهبه: إذا خاف منه، وهذا أولى عندى بمعنى الحديث من قول من جعله فى باب الاستخلاف، وأن له معنيين؛ أى أن الناس يخها على صنفين: راغب يخها فلا يجب تقديمه، وكاره لها يخشى عجزه، وقيل: راغب فى حسن رأيى وتقديمى، وكاره لذلك راهب بإظهار ما بنفسه منه، والأول أشبه بمجيئه به بعد أن أثنوا عليه، وذكر الاستخلاف إنما كان بعد هذا الكلام.
وقوله - لما قيل له: استخلف -: " إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى - يريد أبا بكر - وإن أترككم فقد ترككم من هو خير منى - يعنى رسول الله ﷺ ": فيه أن الاستخلاف غير لازم؛ إذ لم يفعله النبى ﷺ . وفيه جواز انعقاد الخلافة بالوجهين بالتقديم والعقد من المتولى كفعل أبى بكر لعمر، أو بعقد أهل الحل والعقد والاختيار كفعل الصحابة بعد النبى ﷺ ، وهذا مما أجمع المسلمون عليه.
وفيه أنه لابد من إقامة خليفة، وهذا - أيضاً - مما أجمع المسلمون عليه بعد النبى ﷺ وفى سائر الأعصار، خلافاً للأمم، حتى ذهب بعض الناس إلى أن ذلك واجب عقلاً؛ إذ صلاح الناس فى رجوع أمرهم إلى واحد يقيم أمورهم، وأن فى تركهم فوضى مختلفى الآراء فساد دينهم ودنياهم؛ لاختلاف الآراء وتضاد المقاصد، وهذا خطأ إذ لا يوجب العقل شيئاً ولا يحسنه ولا يقبحه إلا بحكم العادة لا بالأمر القطعى. ولا حجة للأمم فى بقاء الصحابة دون خليفة مدة التشاور فى يوم السقيفة (١) وأيام الشورى بعد موت عمر؛ إذ
стр. 3406
١٢ - (...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَأَلفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالَ إِسْحَاقُ وَعَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: دَخَلتُ عَلى حَفْصَةَ فَقَالتْ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ. قَالتْ: إِنَّهُ فَاعِلٌ. قَالَ: فَحَلفْتُ أَنِّى أُكَلِّمُهُ فِى ذَلِكَ، فَسَكَتُّ، حَتَّى غَدَوْتُ، وَلمْ أُكَلِّمُهُ. قَالَ: فَكُنْتُ كَأَنَّمَا أَحْمِلُ بِيَمِينِى جَبَلاً، حَتَّى رَجَعْتُ فَدَخَلتُ عَليْهِ، فَسَأَلنِى عَنْ حَالِ النَّاسِ، وَأَنَا أُخْبِرُهُ. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لهُ: إِنِّى سَمِعْتُ النَّاسِ يَقُولونَ مَقَالةً، فَآليْتُ أَنْ أَقُولهَا لكَ، زَعَمُوا أَنَّكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ، وَإِنَّهُ لوْ كَانَ لكَ رَاعِى إِبِلٍ أَوْ رَاعِى غَنَمٍ، ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا، رَأَيْتَ أَنْ قَدْ ضَيَّعَ. فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ. قَالَ: فَوَافَقَهُ قَوْلِى، فَوَضَعَ رَأسَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَىَّ. فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَحْفَظُ دِينَهُ، وَإِنِّى لئِنْ لا أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلفَ. قَالَ: فَوَالله، مَا هُوَ إِلا أن ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدًا، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ.
ــ
عمر؛ إذ لم يتركوها كرهاً، وإنما كانوا فى النظر فى [تعيين الخلافة لـ] (١) إقامتها تلك المدة.
وفيه حجة بينة: أن النبى ﷺ لم ينص على خلافة أبى بكر، ولا على علىٍّ، ولا على العباس، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وأن عقد ولاية أبى بكر - رضى الله عنه - بالاختيار والإجماع لا بالنص، خلافاً لقول بكر بن أخت عبد الواحد؛ من أن تقديم أبى بكر بالنص من رسول الله ﷺ والتنبيه عليه، ولابن الراوندى فى دعواه النص على القياس، ولجماعة الشيعة والرافضة فى دعواهم النص والوصية لعلى.
وإجماع الصحابة على الاختيار بعد موت النبى ﷺ ، وعلى تنفيذ عهد أبى بكر لعمر، وتنفيذ شورى عمر فى الستة - يرد هذا كله؛ إذ لو كان ما قالوه صحيحاً لم يخالفه الصحابة، ولا أقرت على ما فعله فاعله بوجه، ولكن نقل ذلك من الأمور المهمة التى لا تغفل.
وقوله: " لم يستخلف رسول الله ﷺ ": ليس بمنع الاستخلاف، ولا حجة لذلك، وإنما احتج أنه لم يعين للخلافة أحد؛ لأنه لم ير الاستخلاف.
وقول ابن عمر: " فآليت أن أقولها ": أى حلفت.
стр. 3407
(٣) باب النهى عن طلب الإمارة والحرص عليها
١٣ - (١٦٥٢) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلةٍ أُكِلتَ إِليْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ أُعِنْتَ عَليْهَا ".
(...) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ وَمَنْصُورٍ وَحُمَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ وُيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، كُلُّهُمْ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ.
١٤ - (١٧٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: دَخَلتُ عَلى النَّبِىِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلانِ مِنْ بَنِى عَمِّى - فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُليْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلى بَعْضِ مَا وَلاكَ اللهُ . وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: " إِنَّا وَاللهِ لا نُوَلى عَلى هَذَا العَمَلِ أَحَدًا سَأَلهُ، وَلا أَحَدًا حَرصَ عَليْهِ ".
ــ
وقوله فى الإمارة: " إن أعطيتها عن مسألة أُكلت إليها ": كذا فى النسخ مهموز، وصوابه: " وكلت " بغير همز، أى أسلمت إلى مسألتك ورغبتك ولم تعن، بخلاف إذا جاءت من غير مسألة، كذا جاء بقية الحديث. والوكيل: الضامن للشىء والقائم به.
وقوله: " إنا لا نولى هذا الأمر أحداً سأله ولا حرص عليه ": لما تقدم من أنه لا يعان عليهما؛ ولأن فى الحرص على الشىء التعاطى للقيام به، وذلك فى الغالب مقرون بالخذلان، ولما يقع من تهمة الطالب للولاية فى ذلك. وقد اختلف العلماء فى طلب الولاية مجرداً، هل يجوز أو يمنع؟ وأما إن كان لرزق يرتزقه، أو فائد جائز يستحقه بسببها، أو لتضييع القائم بها، أو خوفه حصولها فى غير مستوجبها (١) ونيته فى إقامة الحق فيها فذلك جائز له، وقد قال يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزائِنِ الأَرْضِ﴾ (٢).
стр. 3408
١٥ - (...) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ حَاتِمٍ - قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ، حَدَّثَنِى أَبُو بُرْدَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: أَقْبَلتُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ وَمَعِى رَجُلانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ؛ أَحَدُهُمَا
ــ
وقول معاذ فى المرتد: لا أجلس (١) حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. فقتل، ولم يذكر استتابته. اختلف الناس فى استتابة المرتد، فجمهور السلف وأئمة [الفقهاء] (٢) الفتوى وفقهاء الأمصار على استتابته. وحكى ابر القصار: أنه إجماع من الصحابة، وعن الحسن وطاووس وبعض السلف: أنه لا يستتاب، وحكى عن عبد العزيز بن أبى سلمة، وهو قول أهل الظاهر. وحكاه الطحاوى عن أبى يوسف، قالوا: وتنفعه توبته عند الله، ولكن لا ندرأ عنه القتل؛ لقوله ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه " (٣)، وفرّق عطاء بين من ولد مسلماً وبين من أسلم ثم كفر، فاستتاب هذا ولم يستتب الأول.
واختلف من قال باستتابته فى مدة الاستتابة، وهل يضرب له أجل؟ فقال أحمد وإسحاق: ثلاثة أيام، واستحسنه مالك وأبو حنيفة، وقاله الشافعى مرة، وحكى ابن القصار عن مالك فيه قولين: الوجوب والاستحباب. وقال الزهرى: يُدعى إلى الإسلام ثلاث مرات فإن أبى قُتل، وقال الشافعى: مرة، والمزنى: يقتل مكانه إن لم يتب. وروى عن على: أنه يستتاب شهرًا. وقال النخْعِى: يستتاب أبدًا، وقاله الثورى. وعن أبى حنيفة أيضاً: يستتاب ثلاث مرات أو ثلاث جمع أو ثلاثة أيام، مرة فى كل يوم أو جمعة (٤)، وأن الرجل والمرأة سواء، والحر والعبد عند الجمهور، وفرّق أبو حنيفة فى آخرين بين الرجل فى ذلك والمرأة، فقالوا: تُسجن المرأة ولا تُقتل. وشذ قتادة والحسن فقال: لا تسترق ولا تقتل، ورُوى مثله عن على. وخالف أصحاب الرأى فى الأمة فقالوا: تدفع إلى سيدها ويجبرها على الإسلام.
وقتله بالسيف (٥) عند كافة العلماء. وذهب ابن شريح - من أصحاب الشافعى - إلى أنه يُقتل بالخشب ضربًا؛ لأنه أبطأ لقتله، لعله يراجع التوبة أثناء ذلك (٦).
стр. 3409
عَنْ يَمِينِى وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِى، فَكِلاهُمَا سَأَلَ العَمَلَ، وَالنَّبِىُّ ﷺ يَسْتَاكُ. فَقَالَ: " مَا تَقُولُ يَا أَبَا مُوسَى؟ - أَوْ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ؟ ". قَالَ: فَقُلْتُ: وَالذِى بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا أَطْلعَانِى عَلى مَا فِى أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَهُمَا يَطْلُبَانِ العَمَلَ. قَالَ: وَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكهِ تَحْتَ شَفَتَهِ، وَقَدْ قَلصَتْ. فَقَالَ: " لنْ - أَوْ لا - نَسْتَعْمِلُ عَلى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ، يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ " فَبَعَثَهُ عَلى اليَمَنِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ ابْنَ جَبَلٍ، فَلمَّا قَدِمَ عَليْهِ قَالَ: انْزِلْ، وَأَلقَى لهُ وِسَادَةً. وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ. قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ - دِينَ السَّوْءِ - فَتَهَوَّدَ. قَالَ: لا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ: اجْلِسْ، نَعَمْ. قَالَ: لاَ أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. ثُمَّ تَذَاكَرَا القِيَامَ مِنَ اللَّيْلِ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا - مُعَاذٌ -: أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَأَرْجُو فِى نَوْمَتِى مَا أَرْجُو فِى قَوْمَتِى.
ــ
وفيه الحجة أن لأئمة الأمصار إقامة الحدود فى القتل وغير ذلك، وهو مذهب كافة العلماء؛ مالك وأبو حنيفة والشافعى وغيرهم. واختلف أصحاب مالك وغيرهم فى إقامة ولاة المياه وأشباههم لذلك، فرأى أشهب: أن ذلك لهم إذا جعل ذلك لهم الإمام. وقال ابن القاسم نحوه، وقال الكوفيون: لا يقيمه إلا أمراء الأمصار، ولا يقيمه عامل [السواد] (١). وقال الشافعى: إذا كان عدلاً والى الصدقة فله عقوبة من ولى صدقته، وليس ذلك لغير العدل.
واختلف هل ذلك للقضاة إذا كانت ولايتهم مطلقة غير مقيدة على نوع من الأحكام؟ فجمهور العلماء أن للقضاة إقامة الحدود والنظر فى جميع الأشياء؛ من إقامة الحقوق، وتغيير المناكر، [والنظر] (٢) فى المصالح قام بذلك قائم أو اختص بحق الله، وحكمه عندهم حكم الوحى المطلق اليد فى كل شىء، إلا ما يختص بضبطه البيضة، من إعداد الجيوش، وجباية الخراج واختلف أصحاب الشافعى، هل من نظره. مال الصدقات وللتقديم للجُمع والأعياد أم (٣) لا، إذا لم يكن على هذا ولاة من السلطنة مخصوصون؟ على قولين. ولا يختلفون إذا كانت هذه مختصة بولاية من قِبَل السلطنة أنه لا نظر له فيها. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا نظر له فى إقامة حد، ولا فى مصلحة ولا لطالب مخاصم، ولا تنطلق يده إلا على ما أذن له فيه، وحكمه عنده (٤) حكم الوكيل.
стр. 3410
(٤) باب كراهة الإمارة بغير ضرورة
١٦ - (١٨٢٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِىِّ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الأَكْبَرِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا تَسْتَعْمِلُنِى؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى مَنْكَبِى. ثُمَّ قَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزْىٌّ وَنَدَامَةٌ، إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِى عَليْهِ فِيهَا ".
١٧ - (١٨٢٦) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، كِلاهُمَا عَنِ المُقْرِئِ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ القُرَشِىِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى سَالِمٍ الجَيْشَانىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالِ: " يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّى أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّى أُحِبُّ لكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِى، لا تَأَمَّرَنَّ عَلى اثْنَيْنِ، ولا تَوَلَّيْنَّ مَالَ يَتِيمٍ ".
ــ
وقوله ﷺ فى الإمارة: " يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزى وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذى عليه فيها "، وقوله: " إنى أحب لك ما أحب لنفسى، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم ": تشديد فى الحض على البعد من هذا، لاسيما لمن يخيل فيه الضعف عن القيام بها. وواضح المعين فى أن الخزى والندامة إنما هو لمن لم يعدل فيها ولا قام بما يجب عليه، فيفضحه الله ويخزيه يوم القيامة، ويندم على ما فرط منه (١)، وإلا فقد جاء فى الإمام العادل من الفضل والثواب ما جاء، لكن لكثرة الحظر فى أمرها وشدة العهدة، وعظم الإمانة فيها ما رغبه عنها، وزهده فيها، وحضه على تركها؛ لما خافه عليه من الضعف عنها حتى قرر عنده بمحض نصحه له فى ذلك، وأنه إنما يحب له ما يحب لنفسه من الخير ودفع الضرر.
قال الإمام: وذكر مسلم فى سند هذا الحديث: نا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: نا أبى، نا الليث، قال: نا يزيد بن أبى حبيب، عن بكر بن عمرو، عن الحارث بن يزيد. هكذا روى هذا الإسناد عن أبى أحمد الجلودى، ووقع عند ابن ماهان: حدثنى يزيد بن أبى حبيب وبكر بن عمرو، بواو العطف، والصواب: عن بكر بن
стр. 3411
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَمرو، كما تقدم. قاله عبد الغنى.
وخرّج فى الباب - أيضاً -: نا زهير وإسحاق، كلاهما عن المقرئ، قال زهير: نا عبد الله بن يزيد، نا سعيد بن أبى أيوب، عن عبيد الله بن أبى جعفر، عن سالم بن أبى سالم، عن أبيه، عن أبى ذر. وقال الدارقطنى فى كتاب العلل، وذكر الحديث: اختلف فيه على عبيد الله بن أبى جعفر، فرواه سعيد بن أبى أيوب، كما تقدم، وخالفه عبد الله بن لهيعة، فرواه عن عبيد بن أبى جعفر، عن مسلم بن أبى مريم، عن أبى سالم الجيشانى، عن أبى ذر، والله أعلم بالصواب. قال: ولم يحكم الدارقطنى فيه بشىء (١). وأبو سالم: هو سفيان بن هانئ الجيشانى، يروى عن على وأبى ذر.
стр. 3412
(٥) باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهى عن إدخال المشقة عليهم
١٨ - (١٨٢٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِى ابْنَ دِينَارٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ: يَبْلغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ . وَفِى حَدِيثِ زُهَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ؛ الذِينَ يَعْدِلونَ فِى حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلوا ".
ــ
وقوله: " المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين " الحديث، قال القاضى: المقسطون: العادلون، وقد فسره آخر الحديث بقوله: " الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا ". فدل هذا الفضل لكل من عدل فيما تقلده من خلافة، وإمارة، أو ولاية يتيم، أو صدقة، أو غير ذلك. أو فيما يلزمه من حقوق أهله، أو من يقوم به. والأقساط والقسط: العدل، قال الله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (١). يقال: أقسط: إذا عدل، وقسط: إذا جار، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣).
قوله: " على منابر من نور ": أصل تسمية المنبر لارتفاعه، فيحتمل أن يكون " منابر " كما ذكر على وجهها، أو منازل رفيعة وأماكن علية، كما جاء فى الحديث الآخر: " يجىء يوم القيامة على تل " (٤)، وفى آخر: " على كوم " (٥).
وقوله: " عن يمين الرحمن ": معناه: فى الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة. قال ابن عرفة: يقال: أتاه عن يمينه: إذا أتاه من الجهة المحمودة، والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين، وضده اليسار. قالوا: واليمين من اليُمن وتسمى اليمين، وتسمى الشمال الشؤمى من الشؤم، ومنه أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. وقال المفسرون فى
стр. 3413
١٩ - (١٨٢٨) حَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى حَرْمَلةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلهَا عَنْ شَىْءٍ. فَقَالتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ. فَقَالتْ: كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لكُمْ فِى غَزَاتِكُمْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مَا نَقِمْنَا مِنْهُ شَيْئًا، إِنْ كَانَ ليَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا البَعِيرُ فَيُعْطِيهِ البَعِيرَ، وَالعَبْدُ فَيُعْطِيهِ العَبْدَ،
ــ
قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ (١) أى أصحاب المنزلة الرفيعة، ﴿وَأَصْحَابُ الشّمَالِ﴾ (٢) أى أصحاب المنزلة الخسيسة وقيل: يسلك بهم يميناً إلى الجنة، وقيل: لأن الجنة عن يمين الناس، وقيل: سُموا بذلك؛ لأنهم أخذوا بذلك كتبهم بأيمانهم، وقيل: لأنهم ميامين على أنفسهم. وبضد هذا كله أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة. وقيل: سموا أصحاب اليمين، لأن الله - تعالى - أودعهم أول الخلق جانب آدم اليمين، وضده أصحاب الشمال.
وفى قوله: " وكلتا يديه يمين ": تنبيه أنه لم يرد بيمين الرحمن ولا بيده هنا الجارحة، تعالى الله عنها؛ إذ لو كان المراد الجارحة لكان لها مقابلة الشمال، ويكون فيهما تحديد لله - تعالى - وتقدير جهات له، عن ذلك، وذلك إنما يصح فى الأجسام والمتحيزات والمقدرات.
وقول عائشة: كيف كان صاحبكم فى غَزاتكم؟ قال: ما نقمنا عليه شيئاً، قال الإمام: أى ما كرهنا، أو ما فى معناه.
قال القاضى: يقال فى هذا: نقم ينقم، ونقم ينقم إذا أنكر وكره، وقُرئ بهما جميعاً: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ (٣) و " وما ينقموا ". وأما من الانتقام فبفتح الماضى.
وقولها: " أما إنه لا يمنعنى الذى فعل فى محمد بن أبى بكر - أخى - أن أحدثك الحديث ": تعنى: قتله له. فيه أن قول الحق وذكر فضل ذى الفضل مرغب فيه مع العدو والصديق، وكان هذا الأمير المذكور على يديه جرىء مثل محمد بن أبى بكر بمصر، وأنه كان صاحب الجيش المتحرك إلى محمد بمصر فى فتنة معاوية، وهو كان أمير هذه الغزاة التى ذكرت فيها عائشة ما ذكرت فى كتاب مسلم.
واختلف أهل التاريخ فيمن كان من الأمراء صاحب الجيش لحرب محمد بمصر، فقيل: عمرو بن العاص، فيما قاله خليفة بن خياط، وقيل: معاوية بن خديج التجيبى، فيما قاله الهمذانى، قال: وكان سيد تجيب ورأس اليمانية بمصر، وهو الذى عنت عائشة بقولها هذا فيه فى هذا الحديث.
واختلف فى صفة قتل محمد بن أبى بكر، فقيل: قُتل فى المعركة، وقيل: جىء به
стр. 3414
وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ. فَقَالتْ: أَمَا إِنَّهُ لا يَمْنَعُنِى الَّذِى فَعَلَ فِى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ - أَخِى - أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ فِى بَيْتِى هَذَا: " اللهُمَّ، مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَليْهِ. وَمَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ ".
(...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ حَرْمَلةَ المِصْرِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَمَاسَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
٢٠ - (١٨٢٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ليْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. فَالأَمِيرُ الَّذِى عَلى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ. وَالمَرْأةُ رَاعِيَةٌ عَلى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلدِهِ، وَهِىَ مَسْؤُولةٌ عَنْهُمْ. وَالعَبْدُ رَاعٍ عَلى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ. أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ".
ــ
أسيراً فقتل، وقيل: دخل بعد الهزيمة فى حربه فوجد حماراً ميتا فدخل فى جوفه فأحرق فيه. وقوله: " اللهم من ولى من أمر أمتى شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه " وذكر فى الرفق بهم مثله: فيه الحض على الرفق والنهى عن المشقة، وهو الذى أمر الله به نبيه ﷺ ووصفه به، وحض عليه ﷺ فى غير حديث، وأثنى عليه، وأنه يثيب على الرفق ما لا يثيب على المشقة. والمشقة: المضرّة، والجَهد ومثله.
قوله فى الحديث الآخر: " شر الرعاء الحطمة،، قال الإمام: يعنى الذى يكون عنيفاً برعيه الإبل يحطمها، يلقى بعضها على بعض، ويقال أيضاً: حُطم بلا هاء، ومنه قول الحجاج فى خطبته:
قد لفها الليل بسواق حطَم
وقوله: " ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " الحديث، قال القاضى: الراعى: هو الحافظ المؤتمن، وأصله: النظر. رعيت فلاناً: نظرتُ إليه، ومنه: رعيت النجوم، ومنه قولهم: راعنا، أى حافظنا، وقيل: استمع منا، وأرعنى سمعك: استمع إلىّ، وقال الله تعالى: ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ (١). وهذا يصحح أن أصل الكلمة النظر، كما ذكرنا.
стр. 3415
(...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنُ الحارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى القَطَّانَ - كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْن عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَاكُ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْن سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى أُسَامَةُ، كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ.
(...) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِهَذَا، مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ.
(...) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنِ حُجْرِ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ح وحَدَّثَنِى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ. بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ: قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: " الرَّجُلُ رَاعٍ فِى مَالِ أَبِيهِ، وَمسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ".
(...) وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمِّى عَبْدُ اللهِ بْنُ وهْبٍ، أَخْبَرَنِى رَجُلُ سَمَّاهُ، وَعَمْرُو بْنُ الحَارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا المَعْنَى.
ــ
فيه أن كل من تولى من أمر أحد شيئاً فهو مطالب بالعدل فيه، وأداء الحق الواجب، والقيام بمصلحة ما تولاه؛ كالرجل فى أهل بيته، والمرأة فيما تتولاه من بيتها ومال زوجها وولده، والعبد فيما يتولاه ويتصرف فيه من مال سيده. وفيه حجة أنه لا قطع على العبد فى مال سيده، ولا على المرأة فى مال زوجها، إلا ما حجبه عنها، ولم يجعل لها فيه تصرفاً، خلافاً لأبى حنيفة، وأحد قولى الشافعى: أنه لا قطع على أحد الزوجين فيما سرق من مال الآخر كيف كان. وفيه حجة على جواز إقامة السيد الحد على عبده.
стр. 3416
٢١ - (١٤٢) وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ المُزَنِىَّ، فِى مَرَضِهِ الذِى مَاتَ فِيهِ. فَقَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّى مُحَدِّثُكَ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِى حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌ لِرَعِيَّتِهِ، إِلا حَرَّمَ اللهُ عَليْهِ الجَنَّةَ ".
(...) وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ. قَالَ: دَخَلَ ابْنُ زِيَادٍ عَلى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ وَجِعٌ. بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى الأَشْهَبِ. وَزَادَ: قَالَ: أَلا كُنْتَ حَدَّثْتَنِى هَذَا قَبْلَ اليَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ. أَوْ لمْ أَكُنْ لأُحَدِّثَكَ.
٢٢ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ - حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى المَلِيحِ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ دَخَلَ عَلى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِى مَرَضِهِ. فَقَالَ لهُ مَعْقِلٌ: إِنِّى مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ، لوْلا أَنِّى فِى المَوْتِ لمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِى أَمْرَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ ".
ــ
وقوله: " ما من عبد يسترعيه الله رعية فيموت وهو غاش لها، إلا حرم الله عليه الجنة "، وفى الحديث الآخر: " لا يجتهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة ": يفسر أحد الحديثين الآخر فى وجوب نصحها، والنظر لها، والعدل فيها، وأنه لا يدخل معهم الجنة عند دخولهم إن عاقبه الله، بل يحبسه دونها ويحرمها عليه مدة معاقبته إياه فى جهنم أو البرزخ، أو طول المحاسبة بما الله أعلم بمدته، إلى أن يرحمه وينقضى أمد ما أراد من عقابه.
وفى قوله: " يموت يوم يموت وهو غاش لها ": دليل أن التوبة قبل الموت مكفرة السيئات، وأن الأعمال بخواتيمها.
وقول معقل لعبيد الله بن زياد فى هذا الحديث: " لو علمت أن لى حياة "، وفى الرواية الأخرى: " لولا أنى فى الموت ما حدثتك به ": إما لأنه خافه على نفسه من توبيخه بهذا الحديث ووعيده، أو لأنه رأى وجوب ذلك الحديث عليه قبل أن يموت؛ لئلا يكون كتم علماً علمه حتى مات، فيخرج بذلك.
стр. 3417
(...) وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مكْرَمٍ العَمِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِى سَوَادَةُ بْنُ أَبِى الأَسْوَدِ، حَدَّثَنِى أَبِى؛ أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ مَرِضَ، فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ يَعُودُهُ. نَحْوَ حَدِيثِ الحَسَنِ عَنْ مَعْقِلٍ.
٢٣ - (١٨٣٠) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوْخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ؛ أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ. فَقَالَ: أَىْ بُنَىَّ، إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ "، فَقَالَ لهُ: اجْلِسْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَقَالَ: وَهَلْ كَانَتْ لهُمْ نُخَالةٌ؟ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالةُ بَعْدَهُمْ، وَفِى غَيْرِهِمْ.
ــ
وقول عبيد الله بن زياد لعائذ بن عمرو: " وانما أنت من نخالة أصحاب محمد ": يعنى لست من صفوهم ولبابهم ومشاهيرهم، وإنما أنت من حشوهم وسقطهم. والنخالة: ما ينخل عن الدقيق من قشوره ونفايته، ومثله الحثالة والخصالة والحشافة، وهو ما يتساقط من قشور الشعير والتمر وغيره.
وتوله: " وهل فى أصحاب محمد من نخالة؟ إنما كانت النخال عندهم (١) وفى غيرهم ": رد صحيح وكلام حق، فإن أصحاب محمد كلهم صفوة الناس وفضلاؤهم، وأفضل من يأتى بعدهم، كلهم معدلون قدوة، وانما جاء التخليط والفساد فيمن بعدهم. وذكر الغلول، ومعناه فى الأصل: الخيانة، ثم صار عرفاً فى خيانة المغانم. قال نفطويه: سمى بذلك؛ لأن الأيدى مغلولة عنه محبوسة يقال: غل وأغل غلولاً وإغلالاً.
стр. 3418
(٦) باب غلظ تحريم الغلول
٢٤ - (١٨٣١) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى حَيَّانَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الغُلولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ. ثُمَّ قَالَ: " لا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِىءُ يَوْمَ القِيَامَةِ، عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِى. فَأَقولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلغْتُكَ. لَاَ أُلفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِىءُ يَوْمَ القِيَامَةِ، عَلىَ رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
ــ
وقوله: " لا ألفين أحدكم يوم القيامة يجىء على رقبته بعير ": كذا رويناه بالمد وبالفاء، وهو وجه الكلام، أى: لا تفعلوا فعلاً أجدكم فيه على هذا الصفة. ووقع عند العذرى: " لا ألقين " بالقاف، وله وجه على ما تقدم، وكذلك فى الحديث الآخر: " لا أعرفن " على ما تقدم، وعند أكثرهم: " لأعرفن " بغير مد، والأول أعرف.
قال الإمام: قوله: " له رغاء ": الرغاء: صوت البعير، وكذا ما ذكره بعده صوت كل شىء وصفه به.
وقوله: " لا يأتى أحدكم وعلى رأسه رقاع تخفق ": فيه دلالة على زكاة العروض، وقد يستدل به - أيضاً - من يرى الزكاة فى الخيل بذكره الفرس فى هذا الحديث، وقد تقدم الكلام على ذلك.
قال القاضى: لورود هذا فى كتاب الزكاة ومعرض عنها أمكن الاحتجاج به لنا وعلينا فى الموضعين، وإنما ورد فى باب الغلول فبعيد الاستدلال به على غيره. وفى الحديث تعظيم أمر الغلول والعقوبة عليه. ولا خلاف أنه من الكبائر وشهرة المعاصى فى الآخرة يوم تبلى السرائر، وكشفهم على رؤوس الناس، وهتك سترهم بحملهم على رؤوسهم ما اختانوه واغتالوه، واستتروا به عن الخلق فى الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١). وبزيادة شهرة ذلك فتصويب الناطق وخفق غير الناطق، ومن رغاء الإبل (٢) وحمحمة الفرس، وثغاء الشاة، وصياح الآدمى، وخوار البقرة، وبعار المعز - وهو صوتها خاصة - وهو معنى قوله: " شاة تيعر " وتصويب الرياح فى الثياب، وما لا ينطق وهو قوله: " رقاع تخفق "، وقد يكون حمله لها من عقابه لها وثقلها عليه فى ذلك المقام،
стр. 3419
أَغِثْنِى، فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِىءُ يَوْمَ القِيَامَةِ، عَلى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لهَا ثُغَاءٌ. يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِى، فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِىءُ يَوْمَ القِيَامَةِ، عَلى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لهَا صِيَاخٌ. فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِى، فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِىءُ يَوْمَ القِيَامَةِ، عَلى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ، تَخْفِقُ. فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِى، فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِىءُ يَوْمَ القِيَامَةِ، عَلى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ. فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِى، فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ ".
(...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُليْمَانَ، عَنْ أَبِى حَيَّانَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَبِى حَيَّانَ، وَعُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِى حَيَّانَ.
ــ
وتعظيمها بما الله أعلم به. كما جاء فى حمل من غصب من الأرض شبرًا، وتطويقه إياه من سبع أراضين (١)، وتكون النفس التى غل هنا من سبى الغنائم وأساراها - والله أعلم.
وقوله: " لا أملك لك من الله شيئاً ": إما من المغفرة أو من الشفاعة، إلا أن يأذن الله فى ذلك، ويكون فيه ذلك ﷺ أولاً غيظاً عليهم، ألا تراه قال: " قد بلغت "، ثم بعد ذلك أدركه من الرقة والرأفة التى خصه الله ووصفه بها ما سأل ربه الشفاعة فيهم، حتى يأذن له في الشفاعة فيمن شاء منهم، على ما مضى فى حديث الشفاعة. وفيه أن العقوبات من جنس الذنوب، كما جاء فى غير حديث. والصامت: الذهب والفضة.
وأجمع العلماء على أن الغال رد (*) ما أغل، وأخذ فى المقاسم ما لم يفترق الناس. فإذا افترقوا وفات فاختلفوا فى ذلك، فذهب معظمهم إلى أنه يدفع خُمسه إلى الإمام ويتصدق بالباقى، هذا قول الحسن ومالك والزهرى والأوزاعى والثورى والليث، وروى معناه عن معاوية وابن مسعود وابن عباس وأحمد. وقال الشافعى: فى هذا الأصل ليس له الصدقة بمال غيره (٢). ثم اختلفوا ما يفعل بالغال، فجمهور العلماء وأئمة الفتوى والأمصار: أنه يعزر باجتهاد الإمام، ولا يحرق رحله. ولم يثبت عندهم الحديث عن ابن عمر فى تحريق
стр. 3420
٢٥ - (...) وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو ابْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الغُلولَ فَعَظَّمَهُ. وَاقْتَصَّ الحَدِيثَ. قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ سَمِعْتُ يَحْيَى بَعْدَ ذَلِكَ يُحَدِّثُهُ. فَحَدَّثَنَا بِنَحْوِ مَا حَدَّثَنَا عَنْهُ أَيُّوبُ.
(...) وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
ــ
رحله؛ لأنه مما انفرد به صالح بن محمد عن سالم وهو ضعيف، ولأن النبى ﷺ لم يحرق رحل الذى وجد عنده الخرز والعباءة. وقال قوم بحديث ابن عمر، وقالوا: يحرق رحله ومتاعه كله، وهو قول مكحول والحسن والأوزاعى. قال الأوزاعى: إلا ما غل وسلاحه وثيابه التى عليه، وقال الحسن: إلا الحيوان والمصحف. قال الطحاوى: ولو صح حديث ابن عمر لحمل على أنه كان إذا كانت العقوبة فى الأموال، كما جاء فى التضعيف على مانعى الزكاة، وضالة الإبل، وسارق التمر، وذلك كله منسوخ.
стр. 3421
(٧) باب تحريم هدايا العمال
٢٦ - (١٨٣٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْرٍ - تَالوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَسْدِ، يُقَالَ لهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ - قَالَ عَمْرٌو وابْنُ أَبِى عُمَرَ: عَلى الصَّدَقَةِ - فَلمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لكُمْ، وَهَذَا أُهْدِىَ لِى. قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَليْهِ. وَقَالَ: " مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لكُمْ، وَهَذَا أُهْدِىَ لِى! أَفَلا قَعَدَ فِى بَيْتِ أَبِيهِ - أَوْ فِى بَيْتِ أُمِّهِ - حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِليْهِ أَمْ لا؟! وَالذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلى عُنُقِهِ، بَعِيرٌ لهُ رُغَاءٌ، أَو بَقَرَةٌ لهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ ". ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتىْ إِبْطَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: " اللهُمَّ، هَلْ بَلغْتُ؟ " مَرَّتَيْنِ.
(...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِىُّ ﷺ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ - رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ - عَلى الصَّدَقَةِ. فَجَاءَ بِالمَالِ فَدَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِى. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : " أَفَلا قَعَدْتَ فِى بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ
ــ
وقوله: " استعمل رجلاً يقال له: ابن اللتبية ": كذا ضبطناه فى الحديث الأول بفتح التاء، وصوابه سكونها. ولُتْب، بضم اللام وسكون التاء: بطن من العرب. وجاء فى الحديث الآخر فى رواية السمرقندى والسجزى: " الألتيبية "، وفى غير مسلم: " الألتبية " (١)، والصواب ما ذكرناه.
وفى إنكار النبى ﷺ أخذها باسم الهدية، وأن عقابه عقاب الغال، كما ذكر فى الحديث من أنه يجىء به على عنقه، كما ذكر فى الغال، مطابق لقوله: لا هدايا الأمراء غلول " (٢) وإن كان ذلك كأنه خيانة لله تعالى وللمسلمين، إما لأنه يأخذه لنفسه منهم باسم الهدية ليسامحهم فى بقية ما يأخذ منهم، فهى خيانة للطائفتين. أو لأجل مجرد
стр. 3422
فَتَنْظُرَ أَيُهْدَى إِليْكَ أَمْ لا؟ ". ثُمَّ قَامَ النَّبِىُّ ﷺ خَطِيبًا. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ.
٢٧ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ عَلى صَدَقَاتِ بَنِى سُليْمٍ - يُدْعَى ابْنُ الأُتْبِيَّةِ - فَلمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ. قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَهَلا جَلسْتَ فِى بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟ ". ثُمَّ خَطَبَنَا، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَليْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّى أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلى العَمَلِ مِمَّا وَلانِى اللهُ، فَيَأْتِى فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِى، أَفَلا جَلسَ فِى بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، إِنْ كَانَ صَادِقًا؟! وَاللهِ، لا يَأَخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلا لقِىَ اللهَ تَعَالى يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ. فَلأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لقِىَ اللهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لهُ رُغَاَءٌ، أَوْ بَقَرَةً لهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعِرُ ". ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُؤِىَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ؟ " بَصُرَ عَيْنِى وَسَمِعَ أُذُنِى.
٢٨ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَابْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُليْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ عَبْدَةَ وَابْنِ نُمَيْرٍ: فَلمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ. كَمَا قَالَ أَبُو أُسَامَةَ. وَفِى حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: " تَعْلمُنَّ وَاللهِ، وَالذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لا يَأَخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا ". وَزَادَ فِى حَدِيثِ سُفْيَانَ قَالَ: بَصُرَ عَيْنِى وَسَمِعَ أُذُنَاىَ. وَسَلوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مَعِى.
ــ
ولايته والتصنع إليه بما يهدى إليه، فهى خيانة لأمانة الله. وكله غلول. وبيّن له النبى ﷺ علة المنع من ذلك، وأنه إنما يهدى إليه لما ذكر لقوله: " هلا جلس فى بيت [أبيه] (١) وأمه، فينظر هل يُهدى له "، وقد تقدم الكلام على هدايا الأمراء، وقبول النبى ﷺ للهدية قبل هذا وردها، ووجه ذلك بما فيه كفاية.
قال الإمام: قوله: " حتى رأينا عفرتى إبطيه ": قال الأصمعى: العفرة: هو البياض وليس بالناصع، لكنه لون الأرض، ومنه قيل للظباء: عُفْر، سميت بعفر الأرض وهو وجهها. قال شَمِر: هو البياض إلى الحمرة قليلاً.
стр. 3423
٢٩ - (...) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنِى جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ ذَكْوَانَ - وَهُوَ أَبُو الزِّنَادِ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلىَ الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ بِسَوَادٍ كَثِيرٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِىَ إِلَىَّ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ لأَبِى حُمَيْدِ السَّاعِدِىِّ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِى.
٣٠ - (١٨٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ عَنْ عَدِىِّ بْنِ عَمِيرَةَ الكِنْدِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنِ اسْتَعْمَلنَاهُ مِنْكُمْ عَلى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلولاً يَأَتِى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ". قَالَ: فَقَامَ إِليْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ، مِنَ الأَنْصَارِ، كَأَنِّى أَنْظُرُ
ــ
قال القاضى: رويناه: " عفرتى إبطيه " مثنى، بفتح العين وضمها، والصواب الفتح. مع فتح الراء، مما يقال: عفرة وعفرة وعفر. وتقدم أول الكتاب قوله: " بَصُرَ عينى، وسمع أذنى ".
وذكر مسلم فى الباب: نا إسحاق بن إبراهيم، ورفع الحديث عن عروة بن الزبير؛ أن النبى ﷺ استعمل رجلاً. كذا لجميعهم، وعند الهوزنى والسمرقندى: عن عروة بن الزبير، عن أبى حميد الساعدى؛ أن النبى ﷺ . لكنه متصل مسند؛ لأن فى آخره: قال عروة: فقلت لأبى حميد الساعدى: أسمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: من فيه إلى أذنى، لكن [مسياق] (١) رواية الهوزنى والسمرقندى أحسن وأبين.
وقوله فى الحديث: " فجاء بسواد كثير " (٢): أى باشياء كثيرة وأشخاص ظاهرة. والسواد يعبر (*) به عن شخص كل شىء، وكانه ضد الفراغ؛ لأن الموضع الفارغ (٣) أبيض والمعمور بشىء فيه سواد شخصيه، ومنه: سواد العراق.
وقوله: " من استعملناه فكتم مخيطًا فما فوقه كان غلولاً ": المخيط: الإبرة. وفيه تعظيم القليل من الغلول بقوله: " فليجئ بقليله وكثيره، فما أُوتى منه أخذ " ذلك على قدر ما يراه الإمام له، من استحقاقه فى عمله أو حاجته أو سابقته. وقد جاء أنه أباح لمعاذ قبول الهدية حين وجهه إلى اليمين ليخبر بها ما جرى عليه من التفليس، والظن بمعاذ أنه
стр. 3424
إِليْهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْبَلْ عنِّى عَمَلكَ. قَالَ: " وَمَالكَ؟ ". قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَاَ وَكَذَا. قَالَ: " وَأَنَا أَقُولُهُ الآنَ، مَنِ اسْتَعْمَلنَاهُ مِنْكُمْ عَلى عَمَلٍ فَليَجِئْ بِقَلِيَلهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِىَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِىَ عَنْهُ انْتَهَى ".
(...) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ.
(...) وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِىَّ بْنَ عَمِيرَةَ الكِنْدِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ. بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.
ــ
لا يقبل منها إلا ما طابت به نفس مهديه، وأنه ممن لا يصانع أحداً فى حق من أجلها، فكانت خصوصاً لمعاذ؛ لما عليه (*) منه النبى ﷺ من النزاهة والورع والديانة، ولم يبح ذلك لغيره ممن لم يكن عنده بمنزلته، وحذر عليه ما قدمناه. وعدى بن عميرة، بفتح العين، وهو اسم مشهور فى الرجال والنساء من الصحابة فمن بعدهم، وأما عميرة بضم العين فلا يعرف فى الرجال جملة، وهو فى النساء خاصة.
стр. 3425
(٨) باب وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية وتحريمها فى المعصية
٣١ - (١٨٣٤) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأَوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) فِى عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِىٍّ السَّهْمِىِّ، بَعَثَهُ النَبِىُّ ﷺ فِى سَرِيَّةٍ. أَخْبَرَنِيهِ يَعْلِى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٣٢ - (١٨٣٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِزَامِىُّ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَطَاعَنِى فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ يَعْصِنِى فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِى، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِى ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلمْ يَذْكُرْ: " وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِى ".
ــ
وقوله: " نزل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فى عبد الله بن حذافة ": قيل: المراد بأولى الأمر: من أوجب الله عليك طاعته، أى أولى الطاعة والائتمار. والائتمار: الطاعة، فظاهره أن المراد بأولى الأمر الولاة والأمراء. وهو قول أكثر السلف، واستدل بعضهم بما جاء قبل الآية من قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢)، وقيل: هم العلماء، وقيل: هم عامة الأمراء والعلماء، وقيل: هم أصحاب محمد.
وقوله: " من أطاعنى فقد أطاع الله، ومن يعصنى فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعنى، ومن يعص الأمير فقد عصانى ": بين؛ لأن الله - تعالى - قد أمر بطاعة رسوله، فمن عصاه فقد عصى أمر الله. وأمر الرسول بطاعة أميره، فمن عصاه فقد عصى أمر رسوله. ولا خلاف فى وجوب طاعة الأمراء فيما لا يخالف أمر الله وما لم يأمر بمعصية، كما جاء فى الحديث الصحيح بعد.
стр. 3426
٣٣ - (...) وَحَدَّثَنِى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَطَاعَنِى فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِى فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِى فَقَدْ أَطَاعَنِى، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِى فَقَدْ عَصَانِى ".
(...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِهِ. سَوَاءً.
(...) وَحَدَّثَنِى أَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِى عَلْقَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِىَّ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلى بْنِ عَطَاءٍ، سَمِعَ أَبَا عَلْقَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
(...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.
ــ
وفى الباب فى حديث أبى كامل الجحدرى عن أبى عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن أبى علقمة الهاشمى. كذا جاء نسبه فى بعض الروايات، وسقط نسبه من أصول أكثر نسخ شيوخنا، وفى تاريخ البخارى: أبو علقمة مولى بنى هاشم، ويقال: مولى ابن عباس، ويقال: حليف بنى هاشم (١)، روى عنه يعلى بن عطاء ومحمد بن الحارث، وذكر له البخارى فى التاريخ حديثا عن أبى هريرة فى أشراط الساعة (٢)، ولم يخرج عنه البخارى فى صحيحه شيئاً، وذكره أبو عبد الله الحاكم، ونسبه الهاشمى، لكنه لم يذكره فى التابعين فوهم.
стр. 3427
٣٤ - (...) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ، مَوْلى أَبِى هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ. وَقَالَ: " مَنْ أَطَاعَ الأَمِيرَ " وَلمْ يَقُلْ: " أَمِيرِى ". وَكَذَلِكَ فِى حَدِيثِ هَمَّامِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ.
٣٥ - (١٨٣٦) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ. قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " عَليْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فِى عُسْرِكَ وُيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَليْكَ ".
٣٦ - (١٨٣٧) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِىُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِى عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: إِنَّ خَلِيلِى أَوْصَانِى أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ.
ــ
وذكر مسلم فى الباب أحاديث فى السمع والطاعة فى منشطك ومكرهك وأثرة عليك. فيه وجوبها فيما يشق ويكره فى باب الدنيا لا فيما يخالف أمر الله، كما قال فى الحديث الآخر: " إلا أن يأمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة "، وبهذا يجمع بين الأحاديث، وهذا يفسر عموم الحديث المتقدم.
قال الطبرى: فيه أنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، وأخبار رسول الله ﷺ لا تضاد، وإنما أحاديث السمع والطاعة مجملة تفسرها الأحاديث الأخر المفسرة ما لم يخالف أمر الله، وهذا قول عامة السلف (١).
وقوله: " فى عسرك ويسرك ": يحتمل أن يكون مثل ما تقدم من حاله، ويحتمل أن يختص بالمال.
وقوله: " اسمع وأطع وإن كان عبداً حبشياً مُجَدَّع الأطراف ": الجدع: القطع. وإنما أشار بهذا الوصف إلى أدنى العبيد السود، ووحشهم ووغدهم لاستعمالهم فى الرعية للإبل وغليظ الخدمة، فقد تنقطع أصابع أرجلهم من خشونة الأرض وشديد الأعمال، على طريق المبالغة فى طاعة الأمراء كيف ما كانوا من شرف أو ضعة. وفى قوله فى آخر الحديث: " يقودكم بكتاب الله " تفسير لما تقدم؛ إذ الطاعة فى هذا فيما لم يخالف أمر الله.
وَأَثَرَة عَليْنَا، وَأَلا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلهُ. قَالَ: " إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ".
ــ
وقوله: " ولا ننازع الأمر أهله إلا أن يكون كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ": كذا رواية كافة شيوخنا هنا بالواو، أى جهاراً، ويفسره بقية الكلام.
يقال: باح الشىء يبوح: إذا ظهر واشتهر، وأباحه: جهر به، وعند ابن أبى جعفر وبعضهم: " براحاً " [بالراء، وهما بمعنى الراء لا ينافى سمعاً. يقال: برح الشىء وبرح الخفى: إذا بان وصفه. وقال ثابت: رواه النسائى: " بواحاً " وغيره: " براحاً "] (١)، قال: ولا معنى لقوله: " بُواحاً " إلا أن يكون " بوحاً " و " بووحاً "، من قولك: باح الشىء: إذا ظهر.
قال الإمام: لا يجوز الخروج على الإمام العدل باتفاق، فإذا فسق وجار؛ فإن كان فسقه كفراً وجب خلعه، وإن كان ما سواه من المعاصى فمذهب أهل السنة أنه لا يخلع، واحتجوا بظاهر الأحاديث وهى كثيرة؛ ولأنه قد يؤدى خلعه إلى إراقة الدماء وكشف الحريم، فيكون الضرر بذلك أشد من الضرر به. وعند المعتزلة أنه يخلع، وهذا فى إمام عُقد له على وجه يصح ثم فسق وجار، وأما المتغلبون على البلاد فالكلام فيهم يتسع، وليس هذا موضعه. والاستثناء بقوله: " إلا أن تروا كفراً بواحاً " يؤكد ما قلناه من التفرقة بين الكفر وغيره.
قال القاضى: لا خلاف بين المسلمين أنه لا تنعقد الإمامة للكافر، ولا تستديم له إذا طرأ عليه، وكذلك إذا ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها، وكذلك عقد جمهورهم البدعة. وذهب بعض البصريين إلى أنها تنعقد لها (٢) وتستديم على التأويل، فإذا طرأ مثل هذا على وال من كفر أو تغير شرع أو تأويل بدعة، خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على الناس القيام عليه وخلعه، ونصب إمام عدل أو والٍ مكانه إن أمكنهم ذلك،
стр. 3432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن لم يتفق ذلك إلا مع طائفة وفتنة وحرب فيجب القيام بذلك على الكافر. ولا يجب على المبتدع إذا لم يتخيلوا القدرة عليه، ويجب فى المبتدع إذا تخيلوا القدرة عليه، فإن حققوا العجز عنه فلا يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه. وقد يحتج فى المبتدع بقوله: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان "، فهذا يظهر أنه فيما لا تأويل فيه.
وكذلك لا تنعقد ابتداء للفاسق بغير تأويل، وهل يخرج منها بموافقة المعاصى. ذهب بعضهم إلى ذلك، وأنه يجب خلعه، فإن لم يقدر عليه إلا بفتنة وحرب لم يجز القيام عليه، ووجب الصبر عليه؛ لأن ما تؤدى الفتنة إليه أشد، وقال جمهور أهل السنة من أهل الحديث والفقه والكلام: لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعته؛ للأحاديث الواردة فى ذلك من قوله ﷺ : " أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك، ما أقاموا الصلاة "، وقوله: " صلِّ خلف كل بر وفاجر " (١)، وقوله: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان "، وقوله: " وألا ننازع الأمر أهله "، وأن حدوث الفسق لا يوجب خلعه. وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد فى هذه المسألة الإجماع.
وقد رد عليه بعضهم هذا القيام لحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بنى أمية، وجماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث (٢)، وتأولوا قوله: " وألا ننازع الأمر أهله " فى أئمة العدل وأهل الحق، وقيل: بل هذا مخاطبة للأنصار ألا ينازعوا قريشاً الخلافة.
وحجة الآخرين أن قيامهم على الحجاج ليس لمجرد الفسق، بل لما غير من الشرع وظاهر الكفر لبيعة الأحرار، وتفضيله الخليفة على النبى ﷺ ، وقوله المشهور المنكر فى ذلك. وقيل: نجل كان فى هذا الخلاف أولاً ثم وقع الاتفاق بعد على ترك القيام.
ومعنى قوله: " بايعنا ": هى من بيعة الأمراء. واختلف فى أصل اشتقاقها، فقيل: أصله من البيع؛ لأن المتبايعين يمد كل واحد منهما يده إلى صاحبه لسببه (٣)، ولما كان الأمراء عند التوثيق بمن يأخذون عليه العهد يأخذون بيده، ثسبه بذلك فسميت مبايعة، وقيل: بل كانوا يضربون بأيدى بعضهم على بعض عند التبايع؛ ولهذا سميت صفقة لصفق الأيدى عندها، فسميت بها، وقيل: بل سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة، تشبهاً بالبيع أيضاً؛ لما وعدهم من الجزاء والثواب على الإسلام وطاعة الرسول ﷺ ، قال
стр. 3433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١).
وقوله: " على أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف فى الله لومة لائم ": فيه لزوم قول الحق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وألا يداهن فيه الناس ولا يلتفت إلى لائميهم، بل يُغيّر بكل ما يقدر عليه؛ من فعل أو قول، ما لم يخش آثار فتنة وتسبب منكر أشد منه. واختلف فى قول الحق عند من يخشى منه، وإنكار المنكر عند من تتقى [منه] (٢) أذاه فى نفسك أو مالك، فالجمهور على أنه إن خشى ما يقوله عليه فى إنكار المنكر أو على غيره فليكن إنكاره بقلبه، وذهب بعضهم إلى قول الحق وإنكاره كيف كان. وقد تقدم الكلام عليه أول الكتاب.
وقوله: " وعلى أثرة علينا ": أى على الصبر عليها، ظاهره استتاب السلاطين على المسلمين (٣) بمال الله وحقوقهم. وفى البارع: الأثرة: الشدة، ويروى: " أثرة علينا ".
стр. 3434
(٩) باب الإمام جنة يقاتل به من ورائه ويتقى به
٤٣ - (١٨٤١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمَ، عنْ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِى زُهَيْرٌ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ؛ كَانَ لهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأمُرْ بَغَيْرِهِ؛ كَانَ عَليْهِ مِنْهُ ".
ــ
وقوله: " إنما الإمام جُنة، يقاتل من ورائه ويتقى به " الحديث: أى أنه كالساتر وكالترس لمنعه وحمايته بيضة المسلمين، واتقائهم بمكانه ونظره عدوهم، وهو معنى قوله: " يقاتل من ورائه ". وكذا جاء فى إمام الصلاة، لأنه ساتر مَنْ وراءه من المأمومين، وواق لهم السهو والزلل، وقطع المار بين أيديهم، كما بقى الترس سلاح العدو. وقيل: معنى " مِنْ ورائه ": من أمامه، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكْ﴾ (١) أى أمامهم.
قيل: وقوله: " ويتقى به ": أى يرجع إليه فى الأمور، وقيل: هو جنة بين الناس بعضهم من بعض، وتظالمهم فى أموالهم وأنفسهم، [فهو] (٢) ستر لهم وحرز لهم من ذلك.
وقيل فى قوله: " يقاتل من ورائه ": إنه على ظاهره، خصوصاً فى الإمام العدل، فمن خرج عليه وجب على الناس قتاله مع إمامهم وحمايته ونصرته.
стр. 3435
٤٥ - (٢٥٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلانَ - وهُوَ ابْنُ جَرِيرٍ الْمَعْوَلِىُّ - عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ.
٤٦ - (٢٥٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنَّ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
ــ
قوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّه﴾ (١)، وهى مسألة اختلف فيها أرباب الأصول أيضاً (٢).
وقوله: " يشوصُ فاهُ بالسواك إذا قام يتهجد " (٣)، قال الإمام: الشوص أن يستاك عرضًا، وكذلك المَوْصُ، قال: وقد قال قائل لأعرابيةٍ: اغسلى ثوبى، قالت: نعم