وَأَثَرَة عَليْنَا، وَأَلا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلهُ. قَالَ: " إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ".
ــ
وقوله: " ولا ننازع الأمر أهله إلا أن يكون كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ": كذا رواية كافة شيوخنا هنا بالواو، أى جهاراً، ويفسره بقية الكلام.
يقال: باح الشىء يبوح: إذا ظهر واشتهر، وأباحه: جهر به، وعند ابن أبى جعفر وبعضهم: " براحاً " [بالراء، وهما بمعنى الراء لا ينافى سمعاً. يقال: برح الشىء وبرح الخفى: إذا بان وصفه. وقال ثابت: رواه النسائى: " بواحاً " وغيره: " براحاً "] (١)، قال: ولا معنى لقوله: " بُواحاً " إلا أن يكون " بوحاً " و " بووحاً "، من قولك: باح الشىء: إذا ظهر.
قال الإمام: لا يجوز الخروج على الإمام العدل باتفاق، فإذا فسق وجار؛ فإن كان فسقه كفراً وجب خلعه، وإن كان ما سواه من المعاصى فمذهب أهل السنة أنه لا يخلع، واحتجوا بظاهر الأحاديث وهى كثيرة؛ ولأنه قد يؤدى خلعه إلى إراقة الدماء وكشف الحريم، فيكون الضرر بذلك أشد من الضرر به. وعند المعتزلة أنه يخلع، وهذا فى إمام عُقد له على وجه يصح ثم فسق وجار، وأما المتغلبون على البلاد فالكلام فيهم يتسع، وليس هذا موضعه. والاستثناء بقوله: " إلا أن تروا كفراً بواحاً " يؤكد ما قلناه من التفرقة بين الكفر وغيره.
قال القاضى: لا خلاف بين المسلمين أنه لا تنعقد الإمامة للكافر، ولا تستديم له إذا طرأ عليه، وكذلك إذا ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها، وكذلك عقد جمهورهم البدعة. وذهب بعض البصريين إلى أنها تنعقد لها (٢) وتستديم على التأويل، فإذا طرأ مثل هذا على وال من كفر أو تغير شرع أو تأويل بدعة، خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على الناس القيام عليه وخلعه، ونصب إمام عدل أو والٍ مكانه إن أمكنهم ذلك،
стр. 3432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن لم يتفق ذلك إلا مع طائفة وفتنة وحرب فيجب القيام بذلك على الكافر. ولا يجب على المبتدع إذا لم يتخيلوا القدرة عليه، ويجب فى المبتدع إذا تخيلوا القدرة عليه، فإن حققوا العجز عنه فلا يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه. وقد يحتج فى المبتدع بقوله: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان "، فهذا يظهر أنه فيما لا تأويل فيه.
وكذلك لا تنعقد ابتداء للفاسق بغير تأويل، وهل يخرج منها بموافقة المعاصى. ذهب بعضهم إلى ذلك، وأنه يجب خلعه، فإن لم يقدر عليه إلا بفتنة وحرب لم يجز القيام عليه، ووجب الصبر عليه؛ لأن ما تؤدى الفتنة إليه أشد، وقال جمهور أهل السنة من أهل الحديث والفقه والكلام: لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعته؛ للأحاديث الواردة فى ذلك من قوله ﷺ : " أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك، ما أقاموا الصلاة "، وقوله: " صلِّ خلف كل بر وفاجر " (١)، وقوله: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان "، وقوله: " وألا ننازع الأمر أهله "، وأن حدوث الفسق لا يوجب خلعه. وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد فى هذه المسألة الإجماع.
وقد رد عليه بعضهم هذا القيام لحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بنى أمية، وجماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث (٢)، وتأولوا قوله: " وألا ننازع الأمر أهله " فى أئمة العدل وأهل الحق، وقيل: بل هذا مخاطبة للأنصار ألا ينازعوا قريشاً الخلافة.
وحجة الآخرين أن قيامهم على الحجاج ليس لمجرد الفسق، بل لما غير من الشرع وظاهر الكفر لبيعة الأحرار، وتفضيله الخليفة على النبى ﷺ ، وقوله المشهور المنكر فى ذلك. وقيل: نجل كان فى هذا الخلاف أولاً ثم وقع الاتفاق بعد على ترك القيام.
ومعنى قوله: " بايعنا ": هى من بيعة الأمراء. واختلف فى أصل اشتقاقها، فقيل: أصله من البيع؛ لأن المتبايعين يمد كل واحد منهما يده إلى صاحبه لسببه (٣)، ولما كان الأمراء عند التوثيق بمن يأخذون عليه العهد يأخذون بيده، ثسبه بذلك فسميت مبايعة، وقيل: بل كانوا يضربون بأيدى بعضهم على بعض عند التبايع؛ ولهذا سميت صفقة لصفق الأيدى عندها، فسميت بها، وقيل: بل سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة، تشبهاً بالبيع أيضاً؛ لما وعدهم من الجزاء والثواب على الإسلام وطاعة الرسول ﷺ ، قال
стр. 3433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١).
وقوله: " على أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف فى الله لومة لائم ": فيه لزوم قول الحق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وألا يداهن فيه الناس ولا يلتفت إلى لائميهم، بل يُغيّر بكل ما يقدر عليه؛ من فعل أو قول، ما لم يخش آثار فتنة وتسبب منكر أشد منه. واختلف فى قول الحق عند من يخشى منه، وإنكار المنكر عند من تتقى [منه] (٢) أذاه فى نفسك أو مالك، فالجمهور على أنه إن خشى ما يقوله عليه فى إنكار المنكر أو على غيره فليكن إنكاره بقلبه، وذهب بعضهم إلى قول الحق وإنكاره كيف كان. وقد تقدم الكلام عليه أول الكتاب.
وقوله: " وعلى أثرة علينا ": أى على الصبر عليها، ظاهره استتاب السلاطين على المسلمين (٣) بمال الله وحقوقهم. وفى البارع: الأثرة: الشدة، ويروى: " أثرة علينا ".
стр. 3434
(٩) باب الإمام جنة يقاتل به من ورائه ويتقى به
٤٣ - (١٨٤١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمَ، عنْ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِى زُهَيْرٌ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ؛ كَانَ لهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأمُرْ بَغَيْرِهِ؛ كَانَ عَليْهِ مِنْهُ ".
ــ
وقوله: " إنما الإمام جُنة، يقاتل من ورائه ويتقى به " الحديث: أى أنه كالساتر وكالترس لمنعه وحمايته بيضة المسلمين، واتقائهم بمكانه ونظره عدوهم، وهو معنى قوله: " يقاتل من ورائه ". وكذا جاء فى إمام الصلاة، لأنه ساتر مَنْ وراءه من المأمومين، وواق لهم السهو والزلل، وقطع المار بين أيديهم، كما بقى الترس سلاح العدو. وقيل: معنى " مِنْ ورائه ": من أمامه، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكْ﴾ (١) أى أمامهم.
قيل: وقوله: " ويتقى به ": أى يرجع إليه فى الأمور، وقيل: هو جنة بين الناس بعضهم من بعض، وتظالمهم فى أموالهم وأنفسهم، [فهو] (٢) ستر لهم وحرز لهم من ذلك.
وقيل فى قوله: " يقاتل من ورائه ": إنه على ظاهره، خصوصاً فى الإمام العدل، فمن خرج عليه وجب على الناس قتاله مع إمامهم وحمايته ونصرته.
стр. 3435
٤٥ - (٢٥٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلانَ - وهُوَ ابْنُ جَرِيرٍ الْمَعْوَلِىُّ - عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ.
٤٦ - (٢٥٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنَّ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
ــ
قوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّه﴾ (١)، وهى مسألة اختلف فيها أرباب الأصول أيضاً (٢).
وقوله: " يشوصُ فاهُ بالسواك إذا قام يتهجد " (٣)، قال الإمام: الشوص أن يستاك عرضًا، وكذلك المَوْصُ، قال: وقد قال قائل لأعرابيةٍ: اغسلى ثوبى، قالت: نعم
стр. 3436
٤٥ - (١٨٤٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِى أَثَرَةٌ وَأَمُورٌ تُنْكِرُونَهَا ". قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: " تُؤَدّونَ الحَقَّ الَّذِى عَليْكُمْ، وَتَسْأَلونَ اللهَ الَّذِى لكُمْ ".
٤٦ - (١٨٤٤) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الكَعْبَة، قَالَ: دَخَلتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ جَالِسٌ فِى ظِلِّ الكَعْبَةِ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَليْهِ. فَأَتَيْتُهُمْ، فَجَلسْتُ إِليْهِ. فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
للذى عقدت له فى بلد الإمام المتوفى قبله؛ لأن أهلها أخص بالعقد، وعلى الناس تفويض ذلك إليهم وتسليم عقدهم، وقيل: بل يقرع بينهما، وقيل: على كل واحد دفعها عن نفسه للآخر، وقيل: بل ذلك للسابق إن علم، وهو مذهب المحققين من الفقهاء وغيرهم، وإن كان فى وقت واحد فسد العقد لهما، كعقد النكاح لزوجين فى حال. ثم اختلف إذا بطلت فى حقها إذا لم يعلم أولهما، هل يجوز عقدها لغيرهما، وتركهما؟ قيل: لا يجوز العدول عن أحدهما.
وقوله: " ستكون بعدى أثرة وأمور تنكرونها ": كذا قيدناه هنا بضم الهمزة، ومعناه: الاستئثار بمال الله وبمال المسلمين عليهم، وإيثار بعضهم به دون بعض، أو الاستئثار بالخلافة والملك بالعهد لمن لا يستحقه، أو لعقد ذى السلطان والقوة ذلك لغير أهل، أو يكون المراد بالأثرة: الشدة. وقد روينا هذه الكلمة فى هذا الموضع عن بعض شيوخنا: " أثرة " بفتح الهمزة والثاء، ويقال أيضاً: " إثرة " بكسر الهمزة وسكون الثاء. قال الأزهرى: هو الاستيثاب، وهذا التفسير بالحديث أليق.
وقولهم: كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟، قال: " تؤدون الحق الذى عليكلم، وتسألون الله الذى لكم ": حض على الصبر ولزوم الطاعة على كل حال والاستسلام والضراعة إلى الله فى كشف ما نزل، وهو مثل الحديث المتقدم فى البيعة: " وعلى أثرة علينا ".
(١٣) باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، وفى كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة
٥١ - (١٨٤٧) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِى بُسْرُ بْنُ عُبيدِ اللهِ الحَضْرَمِىُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الخَوْلانِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِى. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِى جَاهِليَّةً وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ ". قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: " قَوْمٌ
ــ
وقوله: " فيه دخن ": قال أبو عبيد: أصل الدخن: أن يكون فى لون الدابة كدرة إلى سواد، وفى الحديث: " هدنة على دخن " (١)، يريد: لا تصفوا القلوب بعضها لبعض، ولا ينصع حبها كما كانت. وتفسيره فى الحديث، وهو قوله: " لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه " (٢). والدخن - أيضاً -: الدخان، ومنه الحديث، وذكر فتنة فقال: " دخنها تحت قدمى رجل من أهل بيتى " (٣)، يعنى: إثارتها وهيجها، شبه بالدخان الذى يرتفع.
قال القاضى: وقد قيل فى قوله فى الخير الذى يأتى بعد الشر وفيه دخن: إنها أيام عمر بن عبد العزيز.
وقوله: " تعرف منهم وتنكر منهم من جاء بعد ". وقوله: " إن أمتكم جعلت عافتها فى أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها " (٤): بيّن فى حالة الصدر الأول من زمن الخليفة بعد النبى ﷺ ، وعلو كلمة الإسلام وظهوره، واجتماع كلمتهم، وسلامة
стр. 3441
يَسْتَنُونَ بِغَيْرِ سُنَّتِى، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِى، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنكِرُ ". فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ
ــ
حالهم، واستقامة طريقتهم، ثم جاء من البلاء والفتنة وتغير [الحال] (١) ما كانوا عليه قبل، والاختلاف من زمن عثمان - رضى الله عنه - إلى وقتنا هذا.
وقوله: " فيجىء فتنة فيرقق بعضها بعضاً ": كذا رويناه عن كافتهم بالراء المفتوحة والقاف أولاً، ومعناه: يسبب بعضها بعضاً ويشير إليه، كما قيل: عن [صيوح] (٢) نرقق، وقد يكون يرقق هنا أى: يدور بعضها فى بعض، ويذهب ويجىء به، كما قيل: شراب رقراق. ورويناه عن الخشنى [عن الطبرى] (٣) عن الفارسى: " فيدفق " بالدال الساكنة والفاء بمعناه، أى يسوق بعضها بعضاً، ويدفع شرها غرة. ومنه: الماء الدافق.
وقوله: " وليؤت إلى الناس الذى يحب أن يؤتى إليه ": من جوامع كلمه، واختصار حِكَمه ﷺ ، وهذا معيار صحيح فيما يعتبره الإنسان من أفعاله، وتمييزه قبيحها من حسنها.
وقوله: " فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه ": تقدم الكلام فى معنى الصفقة. وقوله: " ثمرة قلبه ": إشارة إلى صدق بيعته وسلامة نيته فى ذلك.
وقوله: " هذا ابن عمك معاوية، يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا ": الحديث هذا - والله أعلم - فيما أورده حين سمعه يذكر الحديث فى منازعة الخلافة وقتل المنازع، فاعتقد ذلك لمنازعته علياً، وقد تقدمت بيعته، ورأى أن النفقة فى حربه ومنازعته والقتال فيه؛ من أكل المال بالباطل، وقتل النفس.
وقول ابن العاصى: " أطعه فى طاعة الله واعصه فى معصية الله ": يدل أن هذا لازم فى الملوك الثوار (٤) الذين لم يقدمهم خليفة، ولا تقدموا بإجماع ولا عهد. وأحاديث مسلم التى أدخل فى الباب كلها حجة فى منع الخروج على الأمراء الجورة ولزوم طاعتهم. وقوله عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة الصائدى (٥). كذا هو بالصاد والدال المهملة
стр. 3442
الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: " نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِليْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لنَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلسَنَتِنَا ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ؟ قَالَ: " تَلزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإمَامَهُمْ ". فَقُلْتُ: فَإِنْ لمْ تَكُنْ لهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ؟ قَالَ: " فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلوْ أَنْ تَعَضَّ عَلى أَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ، وَأَنْتَ عَلى ذَلِكَ ".
٥٢ - (...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ التَّمِيمِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلامٍ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ سَلامٍ عَنْ أَبِى سَلامٍ. قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قُلْتُ. فَهَلْ وَرَاءَ
ــ
فى سائر النسخ، وصوابه: " العائذى " بالعين والذال المعجمة (١) ونسبهُ ابن البيع: الأزدى. وعائذ فى الأزد، وهو عائذ وأخواه عياذ وعوذ بنو أسود بن الحجى بن عمران بن عمرو بن عامر ماء السماء. قاله ابن العباب النسابة.
وقوله فى حديث حذيفة: " دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها "، وفى رواية الطبرى: " رعاة " بالراء، والصواب الأول. هؤلاء - والله أعلم - من كان من الأمراء والسلاطين يدعو إلى بدعة أو ضلالة؛ كأصحاب المحنة والقرامطة والخوارج؛ بدليل قوله: " تلتزم جماعة المسلمين وإمامهم "، وأمره - إن لم تكن لهم جماعة - باعتزال تلك الفرق.
وقوله: وذكر مسلم حديث محمد بن سهل بن عسكر التميمى (٢) يرفعه عن أبى سلام، قال: حذيفة بن اليمان قال الدارقطنى: هذا عندى مرسل، أبو سلام لم يسمع من حذيفة (٣). وقد قال فيه: قال حذيفة.
стр. 3443
ذَلِكَ الخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: " يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَةٌ لا يَهْتَدُونَ بِهُدَاىَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِى، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلوبُهُمْ قُلوبُ الشَّيَاطِينِ فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ ". قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ".
٥٣ - (١٨٤٨) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جرِيرٌ - يَعْنِى ابْنَ حَازِمٍ - حَدَّثَنَا غَيْلانُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِى قَيْسِ بْنِ رِيَاحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، مَاتَ مَيْتَةً جَاهِليَّةً. وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلى أُمَّتِى، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلا يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِى لِذِى عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَليْسَ مِنِّى وَلسْتُ مِنْهُ ".
ــ
وقوله: " من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ": بكسر الميم، أى على هيئة ما مات عليه أهل الجاهلية، من كونهم فوضى لا يدينون لإمام.
وقوله: " من خلع يداً من طاعة لقىَ الله ولا حجة له ": لأنه محجوج بفراق الجماعة وتفريق الألفة، ولا حجة له فى فعل ما فعله ولا عذر ينفعه.
وقوله: " ومن قاتل تحت راية عُمِّية ": يقال: بكسر العين وبضمها، وكسر الميم وتشديدها وتشديد الياء، قال الإمام: قيل: الأمر الأ [عمى] (١) كالعصبية، لا يستبين ما وجهه، قاله أحمد بن حنبل. وقال إسحاق -: هذا فى تجارح (٢) القوم وقتل بعضهم بعضاً، وكأنه من التعمية وهو التلبيس. وفى حديث ابن الزبير: " يموت ميتة عمية ": أى ميتة فتنة وجهل.
قال القاضى: وقوله: " يغضب لغضبه أو يدعو إلى غضبه، أو ينصر غضبه ": كذا رواية العذرى بالغين والضاد المعجمتين. ورواية غيره فيها كلها: " عصبة " بالمهملتين، وهو يؤيد تفسير ابن حنبل المتقدم فى العمية، ويدل على صحتها الحديث بعدها:، يغضب للعصبة، ويقاتل للعصبية "، وفى معناها الرواية الأخرى، أى أنه إنما يقاتل لشهوة منه وغضبها له أو لقومه وعصبيته.
وقوله: " من خرج على أمتى يضرب برها وفاجرها، لا يتحاش من مؤمنها، ولا
٥٧ - (١٨٥٠) حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلى، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى مِجْلَزٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِىِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَدْعُو عَصَبِيَّةً، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، فَقِتْلةٌ جَاهِلِيَّةٌ ".
٥٨ - (١٨٤١) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْن مُعَاذِ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ - عَنْ زَيْدٍ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعِ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ، حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الحَرَّةِ مَا كَانَ، زَمَنَ يَزِيدَ بْن مُعَاويَةَ. فَقَالَ: اطْرَحُوا لأَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَادَةً. فَقَالَ: إِنَّى لمْ آتِكَ لأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لأُحَدَّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ خَلعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لقِىَ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ لا حُجَّةَ لهُ. وَمَنْ مَاتَ وَليْسَ فِى عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِليَّةً ".
(...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عن عُبَيْدُ اللهِ ابْنِ أَبِى جَعْفَرٍ، عَن بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ أَتَى ابْنَ مُطِيعٍ. فَذَكَرَ عَنِ النَبِىِّ ﷺ نَحْوَهُ.
ــ
ويرجح هذا التأويل قوله فى الحديث الآخر: " فليس من أمتى "، ويصح أن يكون فى طالبى الملك فى الثوار فى الأطراف، ويكون تبرىء النبى ﷺ منه، أى من أفعاله وسيرته، لا أنه ليس من أمته، وأمره بعد إلى مشيئة الله من العفو عنه أو مجازاته، ويكون قوله: " فليس من أمتى، فى الحديث الآخر مثل قوله: " فليس منا " أى لم يهتد بهدى أمتى ولا استن بسنتها. ومعنى " شق عصا المسلمين ": أى فرق جماعتهم، كما تتفرق العصا إذا شقها، وهو كلام يعبر به عن مثل هذا.
وفى اتخاذ ابن عمر على ابن مطيع القيام على يزيد بن معاوية وخلعه، ما تقدم من منع القيام على أئمة الجور. وعبد الله بن مطيع (١) كان أميراً لقومه حينئذ بالمدينة عند قيام
стр. 3446
(...) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَبِىِّ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
ــ
عبد الله بن الزبير على يزيد بن معاوية فى جماعة أبناء الأنصار والمهاجرين وبقية من مشيختهم، وجماعة من الصحابة. وعلى يديه كانت وقعة الحرة فى الجيش الذى وجهه يزيد لحربهم، فهزموا أهل المدينة وقتلوهم، واستباحوهم ثلاثة أيام، وقتل فيها عدة من بقية الصحابة وأبناء المهاجرين والأنصار، وعطلت الصلاة فى مسجد النبى ﷺ تلك الأيام والأذان فيه. وفى الحديث الآخر من رواية ابن نمير فى بعض النسخ: ابن أبى مطيع، والصواب ما للجماعة: ابن مطيع، كما تقدم فى الحديث الأول.
(١٦) باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا، ونحو ذلك
٦٢ - (١٨٥٤) حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمِّ سَلمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " سَتَكُونُ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ. وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِىَ وَتَابَعَ ". قَالوا: أَفَلا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: " لا، مَا صَلوا ".
٦٣ - (...) وَحَدَّثَنِى أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاذٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى غَسَّانَ - حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامِ، الدَّسْتَوَائِىُّ - حَدَّثَنِى أَبِى، عَنِ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ العَنَزِىِّ، عَنْ أُمِّ سَلمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَليْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِىَ وَتَابَعَ ". قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: " لا، مَا صَلوا " أَى مَنْ كَرِهَ بِقَلبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلبِهِ.
ــ
وقوله: " فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم ": أى من معاقبة الله له على الإقرار على المنكر، وبرئ بكراهيته من الرضا والمتابعة. وفيه حجة على لزوم قول الحق وإنكار المنكر.
وقوله: " ولكن من رضى وتابع ": دليل على أن المعاقبة على السكوت على المنكر إنما هو لمن رضيه، وأعان فيه بقول أو فعل أو متابعة، أو كان يقدر على تغييره فتركه. فأما مع عدم القدرة فبالقلب وعدم الرضا به، كما فسره بعد فى الحديث الآخر؛ أى كره بقلبه وأنكر بقلبه، وكما قال فى الحديث الآخر: " فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة الله " (١)، وكما قال أيضاً: " وذلك أضعف الإيمان " كما تقدم أول الكتاب. ووقع فى حديث هداب: " فمن عرفه فقد برئ "، وما فى رواية أبى غسان أبين: " من كره فقد برئ ".
وقوله: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا، ما صلوا " على ما تقدم من منع الخروج على الأئمة والقيام عليهم ما داموا على كلمة الإسلام، ولم يظهروا كفراً بينًا، وهو الإشارة
стр. 3450
٦٤ - (...) وَحَدَّثَنِى أَبُو الرَّبِيعِ العَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - حَدَّثَنَا المُعَلَّى ابْنُ زِيَادٍ وَهِشَامٌ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمِّ سَلمَةَ، قَالتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِنَحْوِ ذَلِكَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ ".
(...) وَحَدَّثَنَاهُ حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ البَجَلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَك عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمِّ سَلمَةَ. قَالتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ مِثْلَهُ. إِلا قَوْلهُ: " وَلكِنْ مَنْ رَضِىَ وَتَابَعَ ". لمْ يَذْكُرْهُ.
ــ
هاهنا: " ما صلوا "، أى ما كان لهم حكم أهل القبلة والصلاة، ولم يرتدوا ويبدلوا الدين ويدعوا إلى غيره. والإشارة أيضاً بقوله: " عبداً حبشيًا يقودكم بكتاب الله " أى بالإسلام وحكم كتاب الله وإن جار.
стр. 3451
(١٧) باب خيار الأئمة وشرارهم
٦٥ - (١٨٥٥) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ رُزَيْقِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَليْهِمْ. وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ ويُبْغضُونَكُمْ، وَتَلعَنُونَهُمْ وَيَلعَنُونَكُمْ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: " لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلهُ، وَلا تَنْزَعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ".
ــ
وفى الباب: عن رزيق بن حيان (١) عن مسلم بن قرظة (٢). اختلف فى تقديم الراء على الزاى فى هذا الاسم وتأخيرها عنه، فالذى رويناه فى مسلم تقديم الراء على الزاى فى هذا الاسم، وفى الموطأ تقديم الزاى. قال أبو عبيد: أهل العراق يقدمون الراء، وأهل المدينة والشام يقدمون الزاى، والذى ذكره البخارى (٣) والدارقطنى (٤) وعبد الغنى (٥) وأصحاب المؤتلف (٦) تقديم الراء وبينوه. وأبو قيس بن رياح، واسمه زياد بن رياح القيسى (٧)
(١٨) باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة
٦٧ - (١٨٥٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أَلفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَبَايَعْنَاهُ وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَهِىَ سَمُرَةٌ.
وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلى أَلا نَفِرَّ، وَلمْ نُبَايِعْهُ عَلى المَوْتِ.
٦٨ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لمْ نُبَايِعْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلى المَوْتِ، إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلى أَلا نَفِرَّ.
ــ
قال القاضى: وقوله فى حديث جابر: " بايعناه على ألا نفر، ولم نبايعه على الموت "، وفى حديث سلمة: "بايعنا رسول الله ﷺ على الموت "، ومثله فى حديث عبد الله بن زيد، وفى حديث مجاشع بن مسعود، وذكر البيعة على الهجرة والبيعة على الإسلام، وفى الجهاد وفى حديث ابن عمر وعبادة بن الصامت: " بايعنا رسول الله على السمع والطاعة، وألا ننازع الأمر أهله "، وفى حديث نافع عن ابن عمر فى غير مسلم البيعة على الصبر (١). قال بعضهم: وهذه اللفظة تجمع المعانى كلها، وكان الأمر فى البيعة على الموت على ما جاء فى حديث سلمة هو بمعنى: ألا نفر، فى حديث جابر. وبمعنى الصبر الذى ذكره فى حديث نافع فكانت بيعة الشجرة على الصبر وألا نفر حتى يغلب ويفتح له أو نقتل، وهو معنى: على الموت، وكذلك بيعته ﷺ على المنشط والمكره والعسر واليسر، كل هذا كان أول الإسلام، وكذلك البيعة على الهجرة، وفى نسخها: الجهاد أيضاً. وقد ارتجز المسلمون يوم الخندق:
نحن الذين بايعوا محمداً ... على الجهاد مابقينا أبداً (٢)
قالوا: فحكم من بايع قبل الفتح وأول الإسلام الجهاد أبداً وبكل حال، بخلاف من بايع بعد الفتح أن الجهاد ليس بواجب عليه، إلا أن يتعين عليه بنزول عدوه وضرورة داعيه.
стр. 3454
٦٩ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، سَمِعَ جَابِرًا يُسْأَلُ: كَمْ كَانُوا يَوْمَ الحُدَيْبِيَة؟ قَالَ: كُنَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، فَبَايَعْنَاهُ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَهِىَ سَمُرَةٌ. فَبَايَعْنَاهُ، غَيْرَ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِىِّ، اخْتَبَأَ تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ.
ــ
وأما بيعة الإسلام والجهاد فبعد الفتح وسقوط الهجرة، وظهور المسلمين. وكانت مختلفة على ما كانت أولا وآخراً؛ على ألا يفر الواحد من العشرة وهو فى سعة فى الفرار من أكثر منها، أو يصبر، ثم نسخ ذلك بألا يفر من اثنين لقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية (١)، وقيل: ليس نسخ، وإنما هو تخفيف، والصواب أنه نسخ بكل حال، والتخفيف نسخ.
قال أبو القاسم الطبرى: بيّن الله أن الواحد فى ابتداء الإسلام يعدل العشرة لأمور: منها: النصرة منه تعالى، ومنها: الصبر والقوة، ومنها: قوة النية والبصيرة. ثم بعد زمان نسخ ذلك لنقصان القوة فى الدين وضعف النية فى الجهاد، وهو معنى قوله: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾.
واختلف هل المراد بهذا الكلام مجرد العدد بالعدد أو بمراعاة القوة والشجاعة؟ فالجمهور على أن المراد بالمائة والمائتين والألف والألفين العدد دون مراعاة القوة فى الأقل، والضعف فى الأكثر. وذكر آخرون أن المراد بذلك القوة والمكافأة دون لفظ العدد، حكاه ابن حبيب عن مالك وعبد الملك. قال ابن حبيب: والأكثر من القول أن ذلك فى العدد، فلا يفر المائة من المائتين، وإن كانوا أشد جلداً وأكثر سلاحاً، والأول أظهر.
قال القاضى: وهو الذى عليه الناس. قال بعض شيوخنا: ولا أعلمهم يختلفون أنه متى جهل منزلة بعضهم من بعض فى القوة أن المراعى العدد، وقد ورد القرآن بالعدد عاماً ولم يفرق بين الأمم فى ذلك، وهم مختلفون فى الشجاعة، ومنهم من لم تعرف العرب حال قتاله قبل.
وفى حديث عبادة الآخر فى صحيح غير مسلم: " بايعنا رسول الله ﷺ على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا ولا تقتلوا أولادكم " (٢) على مضمن آية بيعة النساء، فهذا إنما كان أول بيعة بمكة، وهى بيعة العقبة الأولى قبل فرض الحرب، وهى بيعة النساء، ذكره أهل السير (٣).
стр. 3455
٧٠ - (...) وَحَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ، مَوْلى سُليْمَانَ بْنِ مُجَالدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يُسْأَلُ: هَلْ بَايَعَ النَّبِىُّ ﷺ بِذِى الحُليْفَةِ؟ فَقَالَ: لا، وَلَكِنْ صَلى بِهَا، وَلمْ يُبَايِعْ عِنْدَ شَجَرَةٍ، إِلا الشَّجَرَةَ التِى بِالحُدَيْبِيَةِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: دَعَا النَّبِىُّ ﷺ عَلى بِئْرِ الحُدَيْبِيَةِ.
٧١ - (...) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِىُّ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ - وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ - قَالَ سَعِيدٌ وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ، قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أَلفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ. فَقَالَ لنَا النَّبِىُّ ﷺ : " أَنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ ".
وَقَالَ جَابِرٌ: لوْ كُنْتُ أُبْصِرُ لأَرَيْتُكُمْ مَوْضِعَ الشَّجَرَةِ.
٧٢ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الجَعْدِ، قَالَ: سَأَلتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ؟ فَقَالَ: لوْ كُنَّا مِائَةَ أَلفٍ لكَفَانَا، كُنَّا أَلفًا وَخَمْسَمِائَةٍ.
٧٣ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى الطَّحَّانَ - كِلاهُمَا يَقُولُ: عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لوْ كُنَّا مِائَةَ ألَفٍ لكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً.
ــ
وقوله: " سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة، فقال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا ألفاً وخمسمائة ": هو حديث مختصر من حديث الحديبية فى بركة النبى ﷺ فى برها وكفايتهم ما جاش فيها من الماء ببركة النبى ﷺ ودعائه، على قلة ما كان فيها أولاً من الماء. وإنما كان بيض بمثل السواك فأشكل الكلام، وكذلك اختصر فى الحديث الآخر فقال: " دعا النبى ﷺ على بئر الحديبية ": يريد بالبركة فى مائها و " على " هنا بمعنى " فى ".
وفى سند هذا الحديث: نا رفاعة بن الهيثم كذا لجمهورهم وهو الصحيح، وعند بعض الرواة: رفاعة بن القاسم وهو خطأ. وفى حديث الشجرة: أنهم نسوها من العام
(١٩) باب تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه
٨٢ - (١٨٦٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ ابْنِ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ سَلمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلى الحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا بْنَ الأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلى عَقِبَيْكَ؟ تَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لا، وَلكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِى فِى البَدْوِ.
ــ
وقول الحجاج لابن الأكوع: " ارتددت على عقبيك؟ تعرَّبت؟ قال: لا، ولكن رسول الله ﷺ أذن لى فى البدو ": أجمعت الأمة على تحريم ترك المهاجر هجرته ورجوعه إلى وطنه وأن ارتداد المهاجر من الكبائر. وإلى هذا أشار الحجاج، حتى أعلمه سلمة بن الأكوع أن تبديه كان بأمر النبى ﷺ ، ولعله لغير وطنه أولى؛ إذ الغرض فى ملازمة المهاجر أرضه التى هاجر إليها، وفرض ذلك عليه إنما كان فى زمن النبى ﷺ لنصرته، ولكونه معه وذلك أول الإسلام وقبل الفتح.
стр. 3459
(٢٠) باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير، وبيان معنى: " لا هجرة بعد الفتح "
٨٣ - (١٨٦٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ، حَدَّثَنِى مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلمِىُّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ أَبَايعُهُ عَلى الهِجْرَةِ. فَقَالَ: " إِنَّ الهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لأَهْلِهَا، وَلكِنْ عَلى الإِسْلامِ وَالجِهَادِ وَالَخَيْرِ ".
٨٤ - (...) وَحَدَّثَنِى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِى مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلمِىُّ، قَالَ: جِئْتُ بِأَخِى - أَبِى مَعْبَدٍ - إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ الفَتْحِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايعْهُ عَلى الهِجْرَةِ. قَالَ: " قَدْ مَضَتِ الهِجْرَةُ بِأَهْلِهَا ". قُلْتُ: فَبِأىِّ شَىْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ: " عَلى الإِسْلامِ وَالجِهَادِ وَالخَيْرِ ". قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: فَلقِيتُ أَبَا مَعْبَدٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ مُجَاشِعٍ. فَقَالَ: صَدَقَ.
(...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: فَلقِيتُ أَخَاهُ. فَقَالَ: صَدَقَ مُجَاشِعٌ، وَلمْ يَذْكُرْ: أَبَا مَعْبَدٍ.
ــ
ولما كان الفتح، وأظهر الله الإسلام على الدين كله ودحر عدوه واعتز أهله - سقط فرض الهجرة، فقال ﷺ : " لا هجرة بعد الفتح "، وقال: " مضت الهجرة لأهلها "، أى لهؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم، وفارقوا أهليهم لمواساة أهليهم، ومؤازرته، ونصر دينه، وضبط شريعته، والفرار بدينهم ممن يفتنهم. ولم يختلف فى وجوبها على أهل مكة قبل الفتح، واختلف فى غيرهم، فقيل: لم تكن على غيرهم واجبة لكن ندباً ومرغباً فيها. ذكره أبو عبيد فى كتاب الأموال واستدل بالحديث الذى يأتى بعد هذا.
وقول النبى ﷺ للأعرابى عن الهجرة: " إن شأنها لشديد "، ولم يأمره بها ويحضه على التزام إبله، ولأنه ﷺ لم يأمر الوفود عليه قبل الفتح بالهجرة، وقيل: إنما كانت الهجرة واجبة على من لم يسلم جميع أهل بلده؛ لئلا يبقى فى طوع أحكام الشرك ودولة الكفر وخوف الفتنة.
стр. 3460
٨٥ - (١٣٥٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالا: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ -: " لا هِجْرَةَ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسَتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ".
(...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ - يَعْنِى ابْنَ مُهَلهِلٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسِى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، كُلُّهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٨٦ - (١٨٦٤) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى حُسَيْنٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الهِجْرَةِ؟ فَقَالَ: " لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ "، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ".
ــ
وقوله: " ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ": فيه دليل أن الجهاد بعد الفتح لم يجب بكل حال، ولا وقعت البيعة عليه حتماً كما كان قبل الفتح، لكن من شاء جاهد ومن شاء ترك بنية الجهاد متى أمكنه ونشط له، وهو معنى قوله ﷺ : " ولكن جهاد ونية " - والله أعلم - إلا أن ينزل بقوم عدو، أو تدعو إلى خروجه للجهاد ضرورة فيتعين عليه.
قال الإمام: كانت الهجرة فرضاً أول الإسلام ليسلموا بها من ذل الكفار لغلبتهم على الدار، وليكونوا له ﷺ من الأعوان والأنصار، يشدون أزره، ويدفعون عنه، فلما فتحت مكة سقط فرض الهجرة لزوال الذل عمن سكنها من المسلمين، ولاستغناء النبى ﷺ بمن معه عمن يحامى عنه. وصارت ندباً لما فى القرب من النبى ﷺ ومشاهدته والصلاة معه، وتلقى الوحى منه من الفضيلة على الغيبة عن ذلك.
وأما قوله ﷺ : " إذا استنفرتم فانفروا " فإنه إذا استنفر الناس للجهاد وجب عليهم إذا كان قعودهم عنه يؤدى إلى استباحة الحريم والأموال، وإن كان طلباً للاستظهار على العدو وقد قام بالجهاد من يكفى كان ندباً فى حق الباقين.
قال القاضى: وقوله: " وإذا استنفرتم فانفروا " هو على وجهين؛ فأما الاستنفار لعدوٍ صدم أرض قوم، فنفيرهم له واجب فرض متعين عليهم، وكذلك لكل عدو غالب ظاهر حتى يقع، وأما لغير هذين الوجهين فيتأكد النفير لطاعة الإمام لذلك، ولا يجب وجوب الأول.
стр. 3461
٨٧ - (١٨٦٥) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادٍ البَاهِلِىُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن عَمْرٍو الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِىُّ، حَدَّثَنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِىُّ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الهِجْرَةِ؟ فَقَالَ: " وَيْحَكَ! إِنَّ شَأْنَ الهِجْرَةِ لَشَدِيدٌ، فَهَلْ لكَ مِنْ إِبْلٍ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَهَلْ تُؤْتِى صَدَقَتَهَا؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللهَ لنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا ".
(...) وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللهَ لنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا ". وَزَادَ فِى الحَدِيثِ قَالَ: " فَهَلْ تَحْلبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا؟ ". قَالَ: نَعَمْ.
ــ
قوله فى الأعرابى الذى سأله عن الهجرة: " إن شأن الهجرة لشديد، فهل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: " فهل تؤدى صدقتها؟ " قال: نعم، قال: " فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئًا ": فيه أن الأعراب لا تجب عليهم الهجرة، وقد تقدم الاستدلال بهذا الحديث.
قوله: " فاعمل من وراء البحار ": والعرب تسمى القرى البحار، ومنه الحديث المتقدم: لقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه، قال أبو داود: ولنا البدو كله والبحار.
قال أبو جعفر الداودى: الهجرة التى سأل عنها الأعرابى النبى ﷺ هو لزوم المدينة مع النبى ﷺ ، ومفارقة أهله وداره، كما كان فرض أهل مكة، فأشفق ﷺ عليه، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (١)، وخشى عليه أن يخلف الله ما وعده، وينكفئ على عقبيه. وإنما كانت هجرة الأعراب نفور طائفة من كل فرقة منهم ليتفقهوا فى الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، كما قال الله تعالى (٢).
وقوله: " لن يترك من عملك شيئًا لنا "، قال الإمام: يعنى ينقصك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم﴾ (٣)، يقال: وترته: إذا نقصته.
وقوله: " تؤدى صدقتها "، وقوله: " فهل تحلبها يوم وردها "، قال القاضى: يريد إذاً حقوقها، ومنها: " حلبها يوم وردها " كما جاء فى كتاب الزكاة، وذلك أن الضعفاء والمحاويج من الأعراب يكونون على المياه، فإذا حلبت يوم الورد كثر الطالب والسائل، فواساهم الحالب من ذلك اللبن، ومن لا يريد ذلك لا يحلبها يوم الورد حتى يصرفها إلى موضعها من مرعاها، حيث لا يكون أولئك.
стр. 3462
(٢١) باب كيفية بيعة النساء
٨٨ - (١٨٦٦) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْن سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى عُرْوَة بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَبِىِّ ﷺ قَالتْ: كَانَتِ المُؤْمِنَاتُ، إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ ، يُمْتَحَنَّ بِقَوَلِ اللهِ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ (١).
قَالتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ المُؤْمِنَاتِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالمِحْنَةِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ، قَالَ لهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " انْطَلِقْنَ، فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ ". وَلا، وَاللهِ، مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُول اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايعُهُنَّ بِالكَلامِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ، مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النِّسَاء قَطُّ إِلا بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَليْهِنَّ: " قَدْ
ــ
وقول عائشة: " كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يمتحنهن بآية الممتحنة، فمن أقرّ بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة ": اختلف هل هذه الآية ناسخة لما كان هادن النبى ﷺ أهل مكة وشارطهم عليه؛ من رد من أسلم منهم إليه، فنزلت الآية بنسخ ذلك فى الآية إذا امتحن فاعترفن بالإسلام بقوله: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٢)، فهو من نسخ السنة بالقرآن، وقيل: إنما كان الشرط بالرجال خاصة دون النساء، ثم نسخ الله حكم الآية من قوله: ﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ (٣)، فكان النبى ﷺ يرد إليه مهرها الذى دفع لها وتمسك هى عند المسلمين، ونزول عصمتها عنه بقوله: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٤)، ثم نسخ رد المهر عند زوال المهادنة بزوال علته التى أوجبته. وفى القصة كلها حجة لنا، والشافعى أن موجب الفراق علته الإسلام بقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٥) لا أن العلة اختلاف الدار على ما قاله أبو حنيفة.
وقولها: " لا، والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، إنما يبايعهن بالكلام ":
стр. 3463
بَايَعْتُكُنَّ " كَلامًا.
٨٩ - (...) وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ - حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنْ بَيْعَةِ النِّسَاءِ، قَالتْ: مَا مَسَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ امْرَأَةً قَطُّ، إِلا أَنْ يَأخُذَ عَليْهَا، فَإِذَا أَخَذَ عَليْهَا فَأَعْطَتْهُ، قَالَ: " اذْهَبِى فَقَدْ بَايَعْتُكِ ".
ــ
فيه منع ملامسة شىء من المرأة الأجنبية، يداً أو غيرها مما نهيت عن إبدائه، أو أبيح لها. وفيه أن كلام المرأة ليس بعورة.
стр. 3464
(٢٢) باب البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع
٩٠ - (١٨٦٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَيُّوبَ - قَالوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. يَقُولُ لنَا: " فِيمَا اسْتَطَعْتُ ".
ــ
وقوله: كنا نبايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فيقول لنا: " فيما استطعت ": فيه ما كان ﷺ من الرأفة والرحمة بأمته وألا يتركهم من القول لما عساه أن يشق عليهم مطلقه، كما لم يتركهم فى ذلك من الفعل وقال: " عليكم بما تطيقون "، وامتثالاً لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾، وقوله: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا به﴾ (١). وفيه أن أعمال المكره وعقوده لا حكم لها.
стр. 3465
(٢٣) باب بيان سنّ البلوغ
٩١ - (١٨٦٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نميرِ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: عَرَضَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدِ فِى القِتَالِ - وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً - فَلمْ يُجِزْنِى، وَعَرَضَنِى يَوْمَ الخَنْدَقِ - وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً - فَأَجَازَنِى.
قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَليفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الحَدِيثَ. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لحَدٌ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ. فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلوهُ فِى العِيَالِ.
ــ
وقول ابن عمر: إن النبى ﷺ لم يجزه فى أحد وهو ابن أربع عشرة سنة وأجازه فى الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، وقول عمر بن عبد العزيز: إن هذا الحد ما بين الصغير والكبير، وكتب لعماله بالفرض لمن بلغ هذا السن وأن يجعل من دونه فى العيال، هذا عند مالك وعند جماعة من العلماء فى طاقة القتال لا فى مراعاة البلوغ، ودليله أنه لم يسأل عن سنه وإنما رآه مستحقاً للفرض حين عرض عليه لما ظهر له من قوته وطاقته وشبابه. وجعل عمر بن عبد العزيز هذا السن أصلاً فى الفرض، وذهب الشافعى والأوزاعى وابن حنبل وابن وهب من أصحابنا: أن هذا السن من تمام خمس عشرة سنة بعد البلوغ لمن لم يحتلم بعد ولا حاض من النساء، وأن ببلوغه يتوجه عليهم حقوق الله - تعالى - وحقوق الآدميين، ويلزمهم التكليف. وقال نحوه إسحاق، لكنه قال: إذا دخل فى الخامس عشرة سنة فهو بلوغ، وأبى عن ذلك مالك وأبو حنيفة وغيرهما من الحجازيين والمدنيين والكوفيين. قال مالك: لا يحكم لمن لم يحتلم بحكم البلوغ حتى يبلغ سناً لا يبلغه أحد إلا احتلم وذلك سبع عشرة إلى ثمان عشرة. وقال أبو حنيفة: ثمان عشرة فى الغلام وسبع عشرة سنة فى الجارية.
وهذا كله فى حقوق الله المجردة، وعباداته، وما يتعلق بها فهذان وجهان.
ووجه ثالث وهو من يستوجب القتل فى الحرب من الكفار ويحكم له - أيضاً - بحكم الكفار أو بحكم الذرية، ففيه سنة مخصوصة بقوله: " اقتلوا من جرت عليه المواسى ". فهذا أصل فى هذا الباب - أيضاً - وهو قول الشافعى.
ووجه رابع وهو ما تعلق بحقوق الآدميين وحقوق الله من الحدود فى الزنا ومن القذف والسرقة، فهذا - أيضاً - يراعى فيه الإثبات البيّن؛ لأنا نتهمه على كتم البلوغ لتسقط عنه
стр. 3466
(...) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُليْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ - يَعْنِى الثَّقَفِىَّ - جَمِيعًا عَنْ عُبيدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِهِمْ: وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَاسْتَصْغَرَنِى.
ــ
الحقوق، وبه قال مالك مرة وبعض أصحابه، وهو قول أحمد وإسحاق وأبى ثور، وروى عن القاسم وسالم. وقال الزهرى وعطاء: لا حد على من لم يحتلم، وهو قول الشافعى، ولم يراع الإثبات. ومال إليه مالك مرة، وقال به بعض أصحابه.
وعلى الاختلاف فى هذا الأصل اختلف عندنا فى إنكاح اليتيمة بمجرد الإثبات.
стр. 3467
(٢٤) باب النهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم
٩٢ - (١٨٦٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ.
٩٣ - (...) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ليْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالهُ العَدُوُّ.
٩٤ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ العَتَكِىُّ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تُسَافِرُوا بِالقُرْآنِ، فَإِنِّى لا آمَنُ أَنْ يَنَالهُ العَدُوُّ ".
قَالَ أَيُّوبُ: فَقَدْ نَالهُ العَدُوُّ وَخَاصَمُوكُمْ بِهِ.
ــ
[وقوله] (١): " نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله يد العدو ": والمراد بالقرآن هنا المصحف، وكذا جاء مفسراً فى بعض الحديث من رواية مالك (٢).
وعلة نيل العدو له لاستخفافهم به وامتهانهم إياه. وقد نبه على العلة فى الحديث، فإذا أمنت العلة فى الجيوش العظام قيل: ارتفع النهى، وهو مذهب أبى حنيفة. وقال به غيره من العلماء، وإليه أشار البخارى (٣)، وحملوا النهى على الخصوص للعلة المذكورة، ولأن نيل العدو له فى الجيوش الكثيرة نادر، والنادر لا يلتفت إليه، وقاله بعض متأخرى أصحابنا. ولم يفرق مالك بين الحالين. ورأى بعض أصحابنا المنع على العموم فى كل حال لتوقع سقوطه ونسيانه فتناله أيديهم. وإليه ذهب سحنون وابن حبيب وقدماء أصحابنا وحكى ابن المنذر عن أبى حنيفة جواز السفر به مطلقاً، والصحيح عنه ما قدمناه.
وما ذكر مسلم فى الروايات الأُخر عنه ﷺ : " إنى لا آمن أن يناله العدو " فى
стр. 3468
(...) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُليَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَالثَّقَفِىُّ، كُلهُمْ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ - جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
فِى حَدِيثِ ابْنِ عُليَّةَ وَالثَّقَفِىِّ: " فَإِنَى أَخَافُ ". وَفِى حَدِيثِ سُفْيَانَ وَحَدِيثِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ: " مَخَافَةَ أَنْ يَنَالهُ العَدُوُّ ".
ــ
الروايات الأخر من قول النبى ﷺ لا من قول مالك، كما ظنه بعضهم وصححه، وإن كان جاء فى الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الأندلسى، ويحيى بن بكير وجماعة من قول مالك، فيحتمل أنه شك (١)، هل هى من قول النبى ﷺ ؟ فجعل بتحريه هذه الزيادة من كلامه على التفسير، وإلا فهى صحيحة من قول النبى ﷺ من رواية الثقات إسماعيل بن أبى أمية، وليث بن أبى سليمان والضحاك بن عثمان وعبد الله العمرى وأيوب وغيرهم. وقد رويث عن مالك متصلة من كلام النبى ﷺ كرواية غيره من رواية عبد الرحمن بن مهدى ومن رواية ابن وهب عنه.
وأجاز الفقهاء أن يكتب لهم بالآية ونحوها إذا كان الكتاب ليدعوا به إلى الإسلام ويوعظوا به، وشبه هذا. والحجة كتاب النبى ﷺ إليهم بمثل ذلك فى كتبه.
واختلفوا فى تعليمهم شيئاً من القرآن، فمنعه مالك، وأجازه أبو حنيفة. واختلف فيه قول الشافعى. وحجة من أجازه: لعله يرغب فى الإسلام، وحجة من منع: كونه نجساً كافراً فى الحال عدواً لله ولكتابه، فلا يعرض لإهانته والاستخفاف به.
ولو طلب العدو أن يجهز إليهم مصحفاً لينظروا فيه لم يمكنوا من ذلك ولا جاز.
وقد كره مالك وغيره معاملة الكفار بالدنانير والدراهم التى فيها اسم الله - تعالى - أو ذكر اسم الله إذ لم يكن فى الدراهم التى كانت فى زمن النبى ﷺ ولا فى الدنانير شيئاً من ذلك، إنما كانت ضرب فارس أو من ضرب الروم وملساء.
стр. 3469
(٢٥) باب المسابقة بين الخيل وتضميرها
٩٥ - (١٨٧٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، قَالَ: قَرَأتُ عَلى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ،
ــ
أحاديث المسابقة
وذكر مسلم حديث المسابقة من الخيل المضمرة وغيرها. فيه جواز المسابقة بين الخيل وجواز تضميرها، وهذا مما لا خلاف فيه، وما كان فى الجاهلية فأقره الإسلام، وليس من باب تعذيب البهائم، بل من تدريبها للجرى وإعدادها لحاجتها والكر. واختلف هل من باب المباح أو من باب المرغب فيه والسنن.
ولا خلاف فى جواز المراهنة فيها وأنها خارجة عن باب القمار، لَكِنْ لذلك صور: أحدها متفق على جوازه، والثانى متفق على منعه، وفى الوجوه الأخر خلاف.
فأما المتفق على جوازه، فأن يخرج الوالى سبقاً يجعله للسابق من المتسابقين، ولا فرس له هو فى الحلبة فمن سبق له. وكذلك لو أخرج أسباقاً، أحدها للسابق، والثانى للمصلى، والثالث للتالى وهكذا، فهو جائز ويأخذونه على شروطهم. وكذلك إن فعل ذلك متطوعاً رجل من الناس ممن لا فرس له فى الحلبة؛ لأن هذا قد خرج من معنى القمار إلى باب المكارمة والتفضل على السابق، وقد أخرجه على يده بكل حال.
وأما المتفق على منعه، فأن يخرج كل واحد من المتسابقين سبقاً فمن سبق منهما أخذ سبق صاحبه وأمسك متاعه، فهذا قمار عند مالك والشافعى وأبى سفيان وجميع العلماء ما لم يكن بينهما محلل، فإن كان بينهما محلل فجعلا له السبق إن سبق ولا شىء عليه إن سبق، فأجازه ابن المسيب، وقاله مالك مرة، والمشهور منه أنه لا يجوز.
وقال الشافعى مثل قول ابن المسيب، قال: فإن سبق أحد المتسابقين أحرز سبقه وسبق صاحبه. وإن سبقا جميعاً كان لكل واحد منهما ما أخرج، وكانا كمن لم يسبق أحدهما صاحبه، وإن سبق المميز جاز السبقين. وسمى محللاً؛ لمقابلة السبق لتحليله السبق بدخوله لأنه علم أن المقصد بدخوله السبق فى المال. وإذا لم يكن بينهما محلل فمقصده بالمال والمخاطرة فيه، وقال محمد بن الحسن نحوه، وهو قول الزهرى والأوزاعى وأحمد وإسحاق.
ومن الوجوه المختلف فيها: أن يكون الوالى أو غيره ممن أخرج للسبق له فرس فى الحلبة فيخرج سبقاً على أن سبق يحبس سبقه، وإن سبق أخذه السابق. وأكثر العلماء يجيزون هذا الشرط، وهو أحد أقوال مالك وبعض أصحابه. وهو قول الشافعى والليث والثورى وأبى حنيفة، قالوا: إلا سباق على ملك أربابها، وهم فيها على شروطهم،
стр. 3470
عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ سَابَقَ بِالخَيْلِ التِى قَدْ أُضمِرَتْ مِنَ الحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنِ الخَيْلِ التِى لمْ تُضْمَرْ، مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِى زُرَيْقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا.
ــ
وأبى ذلك مالك - فى الرواية الأخرى - وبعض أصحابه وربيعة والأوزاعى وقالوا: لا يرجع إليه سبقه، قال مالك: وإنما يأكله من حضر إن سبق مخرجه إن لم يكن مع المتسابقين ثالث، فإن كان معهما ثالث فالذى يلى مخرجه إن سبق، فإن سبق غيره فهو له بغير خلاف فخرج هذا عندهم عن معنى القمار جملة ولحق بالأول؛ لأن صاحبه قد أخرجه عن ملكه جملة وتفضل بدفعه، وفى الوجوه الأخر يعنى من القمار، والحظر لأنها مرة ترجع الإسباق لمخرج أحدهما، ومرة تخرج عنه إلى غيره.
ومن شرط وضع الرهان فى المسابقة أن تكون الخيل متقاربة الحال فى سبق بعضها بعضاً، فمتى تحقق حال أحدهما فى السبق كان الرهن فى ذلك قماراً لا يجوز، وإدخال المحلل لغو لا معنى له. وكذلك إن كانت متقاربة الحال مما يقطع غالباً على سبق جنسها كالمضمرة مع غير المضمرة، والعراب (١) مع غيرها. فلا يجوز المراهنة فى مثل هذا، ويجوز فيها المسابقة بغير رهان، وإنما يدخل التحليل والتحريم مع الرهان، وليس فى حديث مسابقة النبى ﷺ ذكر الرهان، وفيه تمييز ما ضمر وسباقه. منفرداً عما لم يضمر.
وقد ذكر أبو داود وغيره فى ذلك عن أبى هريرة عن النبى ﷺ فيمن أدخل فرساً بين فرسين (٢)، وقد أمن أن يسبق فهو قمار. ومن شرطهما - أيضاً - ضرب الأصل لسباقها.
والتضمير هو تقليل علفها مدة وإدخالها بيتاً كنيناً، وتحليلها فيه لتعرق ويجف عرقها، فتصلب ويخف لحمها، وتقوى على الجرى. يقال: ضمرت الفرس وأضمرته.
وقوله: " من الحفياء إلى ثنية الوداع ": الحفياء تمد وتقصر. قال سفيان: بينهما خمسة أميال أو ستة. وقال ابن عقبة: ستة أميال أو سبعة.
وثنية الوداع موضع بالمدينة، سمى بذلك الخارج منها يودع مشيعه. وقيل: بل سمى بذلك لوداع النبى ﷺ فيه بعض المسلمين، والأول أصح؛ لقول نساء الأنصار حين مقدم النبى ﷺ :
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع