١٧٨ - (١١١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإسْلامِ: " هذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ "، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالاً شَدِيدًا فَأصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ الَّذِى قُلْتَ لَهُ آنِفًا: " إنَّهُ مِنْ أهْلِ النَّارِ " فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالاً
ــ
وقوله: " من حلف على يمين صبرٍ فاجرة "، قال الإمام: أصلُ الصبر: الحبسُ والإمساك، يقال: صبَر فلانٌ فلانًا إذا حبسه، وكل من حبسته لقتلٍ أو يمين فهو قتلُ صَبْرٍ ويمينُ صَبْر، وأصبَره الحاكم على اليمين (١) أكرهه على يمين صبر. قاله (٢) الهروى وغيرهُ. وقال [أبو] (٣) العباس (٤): الصبر ثلاثة أشياء: الإكراه، ومنه: أصبره الحاكم. والحبْسُ، ومنه: صبرته إذا حبسته. والجرأة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (٥).
قال القاضى: يمينُ الصبر هى التى يَصْبرُ صاحبُها، أى يحبس ويُكره حتى يحلفها، وقد يكون من معنى الجرأة والإقدام عليها كما قال ثعلب. ومعنى فاجرة: أى كاذبة.
ولم يأت فى الحديث هنا الخبر عن هذا الحالف، إلا أن تعطفه على قوله قبلُ: " ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثَّر بها لم يزده الله بها إلا قلةً " أى: وكذلك الحالف اليمين الفاجرة مثل هذا. وقد ورد معنى هذا الحديث مُبَيَّنًا تامًا فى حديث آخر: " من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقى الله وهو عليه غضبان " (٦).
стр. 387
شَدِيدًا. وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " إلى النَّارِ " فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذلِكَ إذْ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا! فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِىُّ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: " اللهُ أَكْبَرُ أشْهَدُ أنِّى عَبْدُ اللهِ وَرَسُوِلُهُ " ثُمَّ أمَرَ بِلالاً فَنَادَىَ فِى النَّاسِ: " إنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُسْلِمَة وَإنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ".
١٧٩ - (١١٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىُّ، حَىٌّ مِنَ الْعَرَبِ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عسْكَرِهِ وَمَالَ الآخَرُونَ إلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إلا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا
ــ
ويُستدل من هذا الحديث: أن الأيمان كلها التى تُقتَطعُ بها الحقوق لا ينفعُ فيها المعاريض والنيات، وإنما هى على نيَّةِ صاحب الحق المحلوف له لا على نية الحالف.
قال شيخنا [القاضى] (١) أبو الوليد: وهذا مما لا يختلف فيه أنه آثم فاجر فى يمينه متى اقتطع بها حق مسلم، واختلف إذا حلف لغيره تبرعًا متطوعًا أو مُستحلَفًا أو مُكْرَهًا، فقيل: ذلك كله (٢) على نية المحلوف له، وقيل: على نيَّة الحالف، وقيل: للمتطوع نيته بخلاف المستحلف وقيل بعكسه، وكل هذه الأقوال فى مذهبنا ولأئمتنا (٣).
وقوله فى حديث أبى هريرة: " شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينًا " كذا وقعت الرواية فيها عن عبد الرزاق فى الأم، هـ قد رواه الذهلى " خيبر " وهو الصواب.
وقوله: " لا يدع شاذَّةً ولا فَاذَّة إلا اتبعها [يضربها بسيفه] (٤): الشاذ الخارج عن
стр. 388
بِسَيْفِهِ. فَقَالُوا: مَا أجْزَأ مِنَّا الْيَوْمَ أحَدٌ كَمَا أجْزَأ فُلانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أمَا إنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أبَدًا. قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وقف مَعَهُ، وَإِذَا أسْرعَ أسْرعَ مَعَه، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ " قَالَ:
ــ
الجماعة، والشاذ المتفرق - أيضًا -، والفاذ الفرد، معناه: لا يخلُص منه من خرَج وفرّ (١). وَأنَّثَ (٢) الكلمة على معنى النسمة، أو تشبيه الخارج بشاذة الغنم وفاذَّتها، وهو بمعنى أنه مُتقصٍ للقتل حتى لا يدع أحدًا، على طريق المبالغة. قال ابن الأعرابى: يقال: فلان لا يدع شاذةً ولا فاذَّةً، إذا كان شجاعًا لا يلقاه أحد إلا قتله. وفيه دليل على جواز الإبلاغ والغُلوُّ فى الكلام، وأن يُعَبَّر بالعُموم عن الكثرة والغالب، كقوله ﷺ : " لا يضع عصاه عن عاتقه ".
وقوله: " ما أجزأ منا اليوم أحدٌ ما أجزأ فلان "، قال الإمام: قال الهروى فى قوله: لا تجزى عن أحد بعدك: [أى] (٣) لا تقضى، يقال: جزى عنى، بغير همز، ومعنى قولهم [جزاه الله عنى] (٤) خيرًا: أى قضاه الله ما أسلف، فإذا كان بمعنى الكفاية قلت: جزأ عنى - مهموزًا - وأجزأ. قال أبو عبيد: ويقال: جزأت [بـ] (٥) الشىء واجتزأت [وتجزأت وتجزات] (٦): أى اكتفيت [به] (٧) وأنشد:
فإنَّ اللَّوم (٨) فى الأقوام عارٌ ... وإن المرأ يُجْزأ بالكُرَاع
قال القاضى: كذا روينا هذا الحرف هنا بالهمز، وهو بمعنى الكفاية والغناء، وعن أبى زيد: هذا الشىء يجزى عن هذا، أى يقوم مقامه، وقد يهمز.
قال الخليل: جزيت عن كذا أغنيتُ عنه، وجزيتُه كافيته، وأجزانى (٩) كفانى، يقال: جزأت الإبل بالرطب إذا استغنت به عن الماء تجزأ جزيًا (١٠).
стр. 389
الرَّجُلُ الَّذِى ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأعْظَمَ النَّاسُ ذلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِى طَلَبَهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، عِنْدَ ذلِكَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيَما يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِن أَهْلِ الْجَنَّةِ ".
ــ
وقول الآخر: " أنا صاحبه أبدًا ": أى لا أفارقه، وأتبع أمره حتى أعرف ماله، إذ أخبر النبى ﷺ بما دل على سوء عقباه، وخاتمته، وسوء سريرته بكونه من أهل النار، وخبره صادق لا شك فيه، وكان ظاهره غير ذلك من نصر الدين وحسن البصيرة فيه، فأراد معرفة السبب الموجب لكونه من أهل النار ليزداد يقينًا وبصيرة كما فَعَل وذكر فى نفس الحديث (١)، وتجديد شهادته بالنبوة (٢).
ودلَّ بمجموع (٣) هذا أن الأعمال بخواتيمها كما أشار إليه رسول الله آخر الحديث، وهذا يرجح هذا التأويل فى قوله: " حتى ما يبقى بينه وبين الجنة إلا ذراع " وذكر فى النار مثيله على من تأوَّل أن معناه: الحيف فى الوصيَّة (٤).
وذكر الذراع هنا والشبر تمثيل للقرب وسرعة اللحاق، واستعارة لذلك.
стр. 390
١٨٠ - (١١٣) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِىُّ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: " إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ، فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنَ كِنَانَتِهِ، فَنَكأهَا، فَلَمْ يَرْقَأ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ". ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إلَى الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: إى وَاللهِ، لَقَدْ حَدَّثَنِى بِهذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فىِ هذَا الْمَسْجِدِ.
١٨١ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أبى. قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِىُّ فِى هذَا الْمَسْجِدِ.
فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخْشى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجٌ " فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
ــ
ويعقوب بن عبد الرحمن القارى المذكور فى سنده مُشَدَّد الياء، منسوب [إلى القارة] (١)، قبيلة معروفة فى العرب (٢).
وقوله: " فنكأها " يقال: نكأتُ القَرحةَ مهموز: أى قشرتُها، وقوله عن ربه تعالى: " حَرَّمتُ عليه الجنة ": يحتمل أنه كان مستحلاً، أو يمنعُها حين يدخُلها السابقون والأبرار والناجون وأصحاب اليمين، حتى تنفذ فيه مشيئة ربه ويعاقبه بذنبه فى نار جهنم، أو يطيل حسابه، أو يُحبَسُ فى الأعراف.
стр. 391
(٤٨) باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون
١٨٢ - (١١٤) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى سِمَاكٌ الْحَنَفِىُّ، أَبُو زُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَما كَانَ يَوْمُ خَيْبَر أقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِىّ ﷺ . فَقَالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ. فُلانٌ شَهيِدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقالُوا: فُلانٌ شَهِيدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَلا. إنِّى رَأَيْتُهُ فِى النَّارِ، فِى بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ " ثَمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اذْهَبْ فَنَادِ فىِ النَّاسِ، أَنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا الْمُؤْمِنُونَ ". قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ: " أَلا إنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلا الْمُؤْمِنُونَ ".
ــ
وقوله: " فى بُردةٍ غَلَّها أو عباءةٍ "، قال الإمام: قال أبو عُبيد: الغلول الخيانة فى المغنم خاصةً، يُقال مِنْه: غلَّ يغُل (١) بفتح الياء وضم الغين، وقرئ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يُغَلَّ﴾ و ﴿يَغُلَّ﴾ (٢) فَمن قرأ يُغَل [بضم الياء وفتح الغين] (٣) فإنه يحتمل معنيين: أن يكون يُغَل يُخان، يعنى: يؤخذُ من غنيمته، ويكون يَغُل (٤) ينسب إلى الغلول، وقال: لم نسمع أحدًا قرأ بكسر الغين لأن يَغِل بكسر الغين وفتح الياء من الغِلّ وهو الشحناء، ومنه قوله فى الحديث [الآخر] (٥): " ثلاث لا يَغِلُّ عليهن قلبُ مؤمن " (٦).
стр. 392
١٨٣ - (١١٥) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدُّؤلِىِّ، عَنْ سَالِمٍ أَبِى الْغَيْثِ، مَولَى ابْنِ مُطِيع، عَنْ أبى هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَذَا حَدِيثُهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحمَّدٍ - عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىَّ ﷺ إلَى خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللهُ عَليْنَا، فَلَمْ نغْنَمْ ذَهَبًا ولا وَرِقًا، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إلى الْوَادِى، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ منْ جُذَامٍ، يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِى الضُّبيْبِ، فَلَمَّا نزَلْنَا الْوَادِىَ قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِىَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ. فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَلا، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ اَلشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا، أخَذَهَا مِنَ الغْنَائمِ يَوْمَ خَيْبَرَ، لَمْ تُصِبهَا الْمَقَاسِمُ ".
ــ
وأما قوله فى الحديث الآخر: " لا إغلال ولا إسلال " (١) فالإغلال: الخيانة، والإسلال: السرقة، يقال: رجل مُغِل مُسِل، أى صاحب خيانة وسرقة.
قال القاضى: ويقال: غَلَّ الرجلُ إذا خان، قال ابن قتيبة: وأصله من إدخال ما غل [على] (٢) رحله، ومنه الغللُ، الماء الذى يجرى بين الثمار.
والبردة: كساء مُرَبَّعٌ أسود فيه صِغَر (٣)، وقيل: هى الشملة المخططة وهى كساء يؤتزر به، والعباءة ممدود الكساء.
وقوله: " إن الشملة لتلتهبُ عليه نارًا "، وقوله: " شِرَاك أو شراكان من نار " تنبيه على المعاقبة عليهما، وقد يكون المعاقبة بهما أنفسهما فيعذب بهما وهما من نار، وقد يكون ذلك على أنهما سبب لعذاب النار.
стр. 393
قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ. فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ. أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ ".
ــ
وفى هذا الحديث دليلٌ لإحدى الروايتين عن مالك ﵀ فى منع الانتفاع بغير الطعام من الغنائم، إذ قد يحتمل أخذ هذين للشملة والشراكين للحاجة أو يقال: إنهما أخذاهما لغير حاجة فلا يكون فى ذلك حجة. وهو دليل لفظ الحديث لأنها أخرجت من الرَّحل، ولو أخذِت للحاجة لاستعملت (١) فيما أخذَت له ولم تُستَرْ ولم تُغَل، أو تكون أمسكت بعد أن قضيت منها الحاجةُ ولم تُصرَف للمغانم.
وسُمى هذا العبدُ فى الموطأ فى هذا الحديث بنفسه بسند مالك فيه بعينه " مِدْعَمٌ "، وكذا سماه أبو عمر بن عبد البر. وقال غيره: هو غير مِدْعَم - وورد فى حديث مثل هذا اسمه " كركرة " - ذكره البخارى (٢).
وقوله فى هذا الحديث: " إلى خيبر " وهو الصواب، وكذا عند أكثر أصحاب الموطأ (٣)، وعند بعضهم حنين، وفى قبول النبى ﷺ هذا الغلام هديةً، وقد كرهها فى حديث ابن اللُّتْبِيَة وقال: " هدية الأمراء غلول " وقبلها - أيضًا - من المقوقس وغيره، وفى صفته [ ﷺ ] (٤) أنه يأكل الهدية وردها على بعضهم ممن لم يُسْلم وقال: " لا نَقْبَلُ
стр. 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زَبْدُ المشركين " (١)، وقد كرهها بعض أهل العلم للأمراء وقالوا: كان هذا خاصًا بالنبى ﷺ أن يقبلها من المسلمين والمشركين، ولا يجوز ذلك لغيره؛ وأبى بعضهم هذا. وقال: لا يقبلها ممَّن فى عمله، وأما مِنْ مُشرك فيجوز ما لم يكن مصانَعةً على توهين أمر المسلمين وصدِّهم عن الظهور على العدو فتكون رشوة (٢).
وسيأتى بقية الكلام على ذلك فى موضعه إن شاء الله (٣).
ذكر مسلم ثور بن زيد الدولى، بضم الدال وسكون الواو، وكذا ضبطناه عن أبى بحر، وضبطناه عن غيره الديلى، وكذا ذكره مالك فى الموطأ والبخارى فى التاريخ وغيرهم (٤)، وهو القبول فى نسبه.
قال بعض أهل هذا الشأن (٥): الدُّول فى حنيفة وفى الأزد وفى غيره وفى الرَّباب، وينسب إلى كل هؤلاء دُولى بسكون الواو.
والديل، بكسر الدال، فى إياد وثعلب وضَبَّة وعبد القيس وفى الأزد أيضًا، والنسبة إليها كلها ديلى، بكسر الدال. واختلف فى الذى فى [كنانة] (٦) [فى] (٧) الذى يُنسبُ إليه أبو الأسود [الدولى] (٨) فقيل فيه الديلى، بكسر الدال، كما تقدم والنسب إليه كما تقدم، وهو قول أكثر أهل النسب، وأهل العربية يقولون فيه: الدُّئِل، بضم الدال [وهمزة بعدها مكسورة - وينسبون إليه دُؤلى، بضم الدال] (٩) وفتح الهمزة، وقال بعضهم: الدُّئلى، بضم الدال وكسر الهمزة، وأنكرها النحاة وسائر من ينسبُ إلى هذا البطن حاشا
стр. 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبى الأسود فإنما يقال له: دُيلى أو دولى كالنسبين المتقدمين [أولاً، ساكن] (١) الأوسط فيهما، والذى فى الهون ابن خزيمة دُئِلى (٢) بضم الدال وكسر الهمزة، بيَّنه محمد بن حبيب وغيره (٣).
стр. 396
(٤٩) باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر
١٨٤ - (١١٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَبُو بَكْر: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَجَّاج الصَّوَّافِ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ الطفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِىَّ أتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فىِ حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ - قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِى الْجَاهِلِيَّةِ - فَأبى ذلِكَ النَّبِىُّ ﷺ لِلَّذِى ذَخَرَ اللهُ لِلأنْصَارِ. فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِىُّ ﷺ إلى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إلَيْهَ الطُّفيْلُ بْنُ عَمْرو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ. فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ. فَرَاهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرو فىِ مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَراَهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِى بَهِجْرَتِى إلَى نَبِيِّهِ ﷺ . فَقَالَ: مَالِى أرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِى: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمَّ، وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ ".
ــ
وقوله: فى حديث الطفيل: " هل لك فى حصنٍ حصينٍ ومنَعةٍ " كذا رويناه بالفتح هنا، أى جماعة تمنعك من عِداك، جمع مانِع، قال الخليل: ويقال أيضًا: منْعة بالإسكان، أى حال تمنعك أو فى تمنُّع على من رامك، أو قوم عندهم منعة لك من عَدَاك.
وذكر أبو حاتم فيه الفتح قال: والعامة تسكن النون ومنهم من يكسر الميم. قال وذلك غلط.
قوله: " فكان فيه حتْفُه ": الحتف: الموت، لم يشتق منه فعل (١).
وقوله: " فى الذين اجتووا المدينة "، [قال الإمام] (٢) قال أبو عبيد: اجتويتُ البلاد إذا كرهتها، وإن كانت موافقةً لك فى بدنك، واستوبلتهَا إذا أحببتها، وإن لم توافقك فى بدنك (٣). قال الإمام: ومنه قول ابن دريد:
стр. 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى كل يوم منزلٌ مُسْتَوبَل ... يشتَفُ ماءَ مهجتى أو مُجْتوى
قال القاضى: [أصل الاجتواء] (١): استوبال (٢) المكان وكَرَاهة المقام به لضُرّ يلحق، وأصله من الجوى، داء يُصيبُ الجوف. قاله الخطابى.
وقوله: " فأخذ مشاقص "، قال الإمام: المشقص أصل السهم إذا كان طويلاً ليس بعريض.
وقوله: " فقطع بها براجمه "، قال أبو عبيد فى الغريب المصنَّف: الرواجبُ والبراجم جميعًا مفاصل الأصابع كلها، وقال أبو مالك الأعرابى فى كتاب خلق الإنسان: الرَّواجب رؤوس العظام فى ظهر الكف والبراجم الفاصل التى تحتها.
قال القاضى: قال الخليل: الشقص سهم فيه مصل عريض (٣)، وغيره يقول: الطويل ليس بالعريض كما تقدم. وإنما العريض المِعبَل (٤) وقطع هذا بها البراجم يشهد لعرضها، إذ لا يتأتى الذبح والقطع إلا بالعريض. وقال الداودى: هو السكين ولم يقل شيئًا.
وقوله: " فَشَخَبَتْ يداه ": أى سال دمهما. قال ابن دريد: كل شىء سال فقد شخب، والشخب - بالضم والفتح - لما خرَج من الضرع من اللبن، وكأنه الدفعة منه، وكذلك قالوا فى المثل: شخبٌ فى الأرض وشَخْبٌ فى الإناء. وكأنه سمى بذلك من صوت وقعته فى الإناء.
[و] (٥) فى هذا الحديث غفران الله تعالى لهذا قتله نفسه، [و] (٦) فيه دليل لأهل السنة على غفران الذنوب لمن شاء الله تعالى (٧)، وشرح للأحاديث قبله الموهم ظاهرُها التخليد وتأبيد الوعيد على قاتل نفسه، وردٌّ على الخوارج والمعتزلة، وفيه مؤاخذته بذنبه ومعاقبته، وهو رد على المرجئة.
стр. 398
(٥٠) باب فى الريح التى تكون قرب القيامة تقبض من فى قلبه شىء من الإيمان
١٨٥ - (١١٧) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو عَلْقَمَةَ الْفَرْوِىُّ قَالا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ اللهِ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ الْيَمَنِ، ألْيَنَ مَنَ الْحَرِيرِ، فَلا تَدَعُ أحَدًا فىِ قَلْبِهِ - قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ: مِثْقَالُ حَبَّةٍ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - مِنْ إيمَانٍ إلا قَبْضَتْهُ ".
ــ
وقوله: " إن الله يبعث ريحًا من اليمن ... " الحديث، هو بمعنى الحديث الآخر: " لا تقوم الساعة على أحدٍ يقول الله "، و " لا إله إلا الله " وسيأتى الكلام عليه (١).
وقال فى سنده: ثنا صفوان بن سُليم عن عبد الله بن سلمان، عن أبيه، كذا فى الرواية عندنا. قال البخارى فى باب عبيد الله: عُبيدِ الله بن سلمان الأغرّ المدنى مولى جُهينة وهو ابن أبى عبد الله، وقيل: أصلهم من أصبهان عن أبيه، روى عنه مالك وابن عجلان وسليمان بن بلال.
قال: ويُقال عبد الله (٢). وقال فى باب عبد الله: عبد الله بن سلمان أخو عُبَيْد الله ابن سلمان الأغر المدنى مولى جهينة، وذكر له هذا الحديث من رواية صفوان بن سُليم عنه كما ذكره مسلم (٣). ونقل الجيَّانى بعد نقله بعض كلام البخارى الذى ذكرناه، وزاد: وعبيد الله أصح، ولم يكن هذا عندنا فى تاريخ البخارى ولا فى أصل شيخنا الشهيد ﵀.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اشتد حذرُه أكثر من غيره، حتى سَكَّن النبى ﷺ رَوْعَه، وأمَّنَ خوفه (١).
وقد قيل: إن بسببه نزلت هذه الآية، ولهذا روى أن أبا بكر وعمر كانا لا يكلمانه [بعد] (٢) إلا كأخى السّرار (٣)، وقد قيل: بسببهما نزلت الآية وفى محاورة جرت بينهما بين يدىّ النبى ﷺ واختلاف ارتفعت فيه أصواتُهما (٤)، وقيل: نزلت فى وفد
(٥٣) باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية ؟
١٨٩ - (١٢٠) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَة، حدّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، أنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فىِ الْجَاهِلِيَّة؟ قَالَ: " أمَّا مَنْ أحْسَنَ مِنْكُمْ فِى الإِسْلامِ فَلا يُؤَاخذُ بِهَا، وَمَنْ أَسَاءَ أخِذ بِعَمَلِهِ فِى الْجَاهِلِيَّةِ والإسْلامِ ".
١٩٠ - (...) حدّثنا مُحَمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ أبى شَيْبَةَ - واللَّفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأعْمشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عبْدِ اللهِ؛ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنؤُاخَذْ بِمَا عَمِلْنا فِى الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: " مَنْ أحْسَنَ فِى الإِسْلام لَمْ يُؤاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ أسَاءَ فِى الإِسْلامِ أُخِذَ بالأوَّلِ والآخِرِ ".
١٩١ - (...) حدّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمىُّ، أَخْبَرَنَا عَلِى بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
ــ
وقول الصحابة (١) لرسول الله ﷺ : " أنُؤَاخَذُ بما عملْنا فى الجاهلية؟ " فقال: " أما من أحسن منكم فى الإسلام فلا يؤاخذ به، و [أما] (٢) من أساء أُخِذَ [بما عَمِل] (٣) فى الجاهلية والإسلام "، قال الإمام: قال بعض الشيوخ: معنى الإساءة هنا: الكفر، فإذا ارتد عن الإيمان أخِذ بالأول والآخر.
قال القاضى: ومعنى قوله: " أمَّا من أحسن فى الإسلام فلا يؤاخذ به ": أى أحْسَنَ بإسلامه، لأنه (٤) يَجُبُّ ما قبله، أو أحسن فى إجابته إلى الإسلام، أو فى الاستقامة عليه دون تبديلٍ ولا تغيير.
стр. 404
(٥٤) باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج
١٩٢ - (١٢١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ وَأَبُو مَعْنٍ الرَقَاشِىُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أبى عَاصِمٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى - حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِى أَبَا عَاصِمٍ - قَالَ: أخْبَرَنَا حَيْوةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ شُمَاسَةَ الْمَهْرِىِّ، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِى سِيَاقَةِ الْمَوْتِ. فَبَكَى طَوِيلاً وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إلى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أبتَاهُ، أمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَذَا؟ أمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَذَا؟ قَالَ: فَأقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادةُ أَنْ لا إلَه إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، إنِّى قَدْ كُنْتُ عَلَى أطْبَاقٍ ثَلاثٍ، لَقدْ رَأيْتُنِى وَمَا أحَدٌ أشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنِّى، وَلا أحَبَّ إلَىَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإسْلامَ فِى قَلْبِى أتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأبَايعْكَ: فَبَسَطَ يَمِينَهُ. قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِى. قَالَ: " مَالَكَ يَا عَمْرُو؟ " قَالَ: قُلْتُ: أرَدْتُ أَنْ أشْتَرِطَ. قَالَ: " تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ " قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِى. قَالَ: " أمَا عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأنَّ
ــ
وقول عمرو بن العاص: " إنى قد كنت على أطباق ثلاث ": أى منازل وأحوال؛ ولهذا جاء بثلاث التى تكون للمؤنث والطبق مذكر لكنه أنَّثه على المعنى. قال الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَق﴾ (١).
وقوله ﷺ : " الإسلام يجبُّ ما قبله، والهجرة تهدم ما قبلها " وذكر فى الحج مثله أى من أعمال الشرك، إذ عنها طلب عمرو الغفران، ثم من مقتضى عموم اللفظ يأتى على الذنوب، لا سيّما مع ذكره الحج، فقد يكون ذكره الهجرة كناية عن الإسلام فيجب (٢) ما قبله من الكفر وأعماله، وهى مسألة عمرو، وذكَرَ الحجَّ ليُعلمه أيضًا أن: ﴿الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ (٣) كما قال تعالى.
стр. 405
الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ " وَمَا كَانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَىَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلا أجَلَّ فِى عَيْنِى مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أطِيقُ أَنْ أمْلأ عَيْنَىَّ مِنْهُ إجْلالاً لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أصِفَهُ مَا أطَقْتُ، لأنِّى لَمْ أَكُنْ أمْلأ عَيْنَىَّ مِنْه، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أشْيَاء مَا أدْرِى مَا حَالِى فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ، فَلا تَصْحَبْنِى نَائحَةٌ وَلا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنتُمُونِى
ــ
وقوله: " إذا متُ فلا تصحبنى نائحة ولا نار " امتثال لنهيه ﷺ عن ذلك فى حديث أبى هريرة: " ولا تُتَّبَعُ الجنازة بصوت ولا نار " (١)، وقد تقدم منع الشرع من النياحة وذمها، وكره أهل العلم اتباع الميت بالنار. وأوصت أسماء بنت أبى بكر ألا تُتَّبَعُ به جنازتها.
قال ابن حبيب: تفاؤلاً من خوف النار والمصير إليها، وأن يكون آخر ما يصحبه من الدنيا النار. وقال غيره: يحتمل أن هذا كان من فعل الجاهلية فشُرعت مخالفتهم، ويحتمل أنه كان فُعِل على وجه الظهور والتعالى فمُنِع لذلك.
وقوله: " فإذا دفنتمونى فشُنُّوا علىَّ الترابَ " بالسين والشين معًا، وهو الصبُّ، وقيل: بالمهملة الصبُ فى سهولة، وبالمعجمة التفريق. وهذه سنة فى صبّ التراب على الميت فى القبر (٢)، وكره مالك فى العتبية الترصيص (٣) على القبر بالحجارة والطين والطوب.
стр. 406
فَشُنُّوا عَلَىَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِى قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أسْتَأنِسَ بِكُمْ، وَأنْظُرَ مَاذَا أرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّى.
١٩٣ - (١٢٢) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَإبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ - واللَّفْظُ لإبْرَاهِيمَ - قَالا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يَعْلَى ابْنُ مُسْلِمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ ، فَقالُوا: إِنَّ الَّذِى تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً! فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (١) وَنَزَلَ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّه﴾ (٢).
ــ
وقوله: " ثم أقيموا على قبرى قدر ما تُنحَرُ جزور ": الجزور: بفتح الجيم من الإبل والجَزرَة من غيرها، وفى كتاب العين: الجزرة من الضأن والمعز خاصة.
وفى هذا الحديث حجة لفتنة القبر، وأن الميت تصرُف روحه إليه إذا أدخل قبره لسؤال الملكين وفتنتهما، أنه يعلم حينئذ ويسمع (٣). ولا يعترض على هذا بقوله [تعالى]: (٤) ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (٥): الآية، للاختلاف فى معناها واحتمال تأويلها (٦)؛ ولأنه قد يكن المراد بها فى وقت غير هذا لما ورَدت به الآثار الصحاح (٧) من فتنة القبر وسؤال الملكين. ولا ينافى هذا السماع. وسيأتى الكلامُ عليه بعد هذا.
وفى حديث عمرو معرفة حال الصحابة فى توقير النبى ﷺ وتعظيمه، كما أمر الله به المؤمنين فقال: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوه﴾ (٨)
وفى قول ابنه له: " يا أبتاه، أما بشَّرك رسول الله ﷺ ... " سُنَّة فى ترجى المحتضَر وأن يذكر له عند احتضاره خيرُ عمله، وتذكر له سَعَةُ رحمة الله، وتتلى عليه
стр. 407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
آيات الرجاء وأحاديث العفو، حتى يغلب عليه عند الموت الرجاءُ ويموتُ عليه (١).
стр. 408
(٥٥) باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده
١٩٤ - (١٢٣) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أرَأيْتَ أمُورًا كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِهَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ، هَلْ لِى فِيهَا مِنْ شَىْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أسْلَمْتَ عَلَى مَا أسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ ".
وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ.
١٩٥ - (...) وحدّثنا حَسَن الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ الْحُلْوَانِىُّ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِى - يَعْقُوبُ - وهوَ ابْنُ إبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِح، عَنِ
ــ
وقول حكيم بن حزام (١): " أرأيت أمورًا كنتُ أتحنَّث بها فى الجاهلية ... " الحديث، قال الإمام: تحنَّثَ الرجلُ إذا فَعَل فعلاً خرَج به عن الحنث، والحنث الذنب، وكذلك تأثم إذا ألقى عن نفسه الإثم، ومثله تحرَّج وتحوَّب إذا فعل فعلاً خرج به من الحرج والحوب، وفلان يتهجد إذا كان يخرج من الهجود، ويتنجَّسُ إذا فعل فعلاً يخرج به من النجاسة، وامرأةً قذُور إذا كانت تتجنَّبُ الأقذار، ودابةٌ رَيَّضٌ إذا لم تُرَضْ.
هذا كله عن الثعالبى إلا تأثم فإنه عن الهروى. وأنشد غيرهما:
تجنَّبتُ إتيانَ الحبيب تأثُّما ... ألا إِنَّ هجران (٢) الحبيب هو الإثمُ
قال القاضى: فسَّر مسلم التحنث التَّعبدَ، وما فَسَّرَه به مسلم قد فسَّره أبو إسحاق الحربى قال: يقول: أدينُ وأتعبَّدُ، وذكر نحوه عن ابن إسحاق.
стр. 409
ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أىْ رَسُولَ اللهِ، أرَأيْتَ أمُورًا كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِهَا فِى الْجَاهِلِيَّة، مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أفِيهَا أجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أسْلَمْتَ عَلَى مَا أسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ ".
(...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بنُ حُمَيدٍ. قَالا: أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ح وَحَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أشْيَاء كُنْتُ أفْعَلُهَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ - قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِى أتَبَرَّرُ بِهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أسْلَمْتَ عَلَى مَا أسْلَفْتَ لَكَ مِنَ الْخَيْرِ " قُلْتُ: فَوَالله لا أدَعُ شَيْئًا صَنَعْتُهُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ إلا فَعَلتُ فِى الإسْلامِ مِثْلَهُ.
١٩٦ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أعْتَقَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ ثُمَّ أعْتَقَ فِى الإِسْلامِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أتَى النَّبِىَّ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
ــ
وقوله: " أسلمت على [ما سَلفَ لك] (١) من خير "، قال الإمام: ظاهره خلاف ما تقتضى (٢) الأصول؛ لأن الكافِر لا يصح منه التقرب فيكون مثابًا على طاعته ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب كنظره فى الإيمان، فإنه مطيع فيه من حيث كان موافقًا للأمر، والطاعة عندنا موافقة الأمر، ولكنه لا يكون متقربًا؛ لأن من شرط التقرب أن [يكون] (٣) عارفًا بالمتقرب إليه، وهو فى حين نظره لم يحصُل له العلم بالله تعالى بعد، فإذا تقرر هذا عُلِمَ أن الحديث متأولٌ، وهو يحمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون المعنى: إنَّك اكتسبت طباعًا جميلةً، وأنت تنتفع بتلك الطباع (٤) فى الإسلام، وتكون تلك العادة تمهيدًا لك ومعونةً على فعل الخير والطاعات.
والثانى: أن يكون المعنى: إنك اكتسبت بذلك ثناءً جميلاً، فهو باق عليك فى الإسلام.
стр. 410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثالث: أنه لا يبعد أن يزاد فى حسناته التى يفعلها فى الإسلام ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الجميلة، وقد قالوا فى الكافر: [إنه] (١) إذا كان يفعل الخيرَ فإنَّه يُخفَّف عنه به، فلا يبعد أن يُزاد هذا فى الأجور.
قال القاضى: وقيل: معناه: ببركة ما سبق لك من خير هداك الله إلى الإسلام، أى سبق لك عند الله من الخير ما حملك على فعله فى جاهليتك وعلى خاتمة الإسلام لك، وأنَّ من ظهر منه خير فى مبتدئه فهو دليل على سعادة أخراه وحسن عاقبته.
وقال الحربى: معناه: ما تقدم لك من خير عملته فهو لك، كما تقول: أسلمت (٢) على ألف درهم، أى على أن أعطاها.
стр. 411
(٥٦) باب صدق الإيمان وإخلاصه
١٩٧ - (١٢٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إدْرِيسَ وأبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمَ بِظُلْم﴾ (١) شَقَّ ذَلِكَ عَلَىَ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالُوا: أيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ (٢)
١٩٨ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى - وَهوَ ابْنُ يُونُس. ح وَحَدَثنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِىُّ، أخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ إدْرِيسَ، كُلُّهُمْ عنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: قَالَ ابْنُ إدْرِيسَ: حَدَّثَنِيهِ أوَّلاً أَبِى، عَنْ أبَان بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الأَعْمَشِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مَنْهُ.
ــ
وقول الصحابة لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْم﴾: " وأيُّنا لم يظلم نفسه "، قال الإمام: [هذا] (٣) يدلُ بظاهره عند بعض أهل الأصول على أنهم كانوا يقولون بالعموم؛ لأن الظلم عندهم يعم الكفر وغيره، فلهذا أشفقوا (٤)، وفيه [أيضًا] (٥) تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
قال القاضى: الظلم فى كلام العرب وضع الشىء فى غير موضعه، ثم استُعمل فى كل عَسْفٍ، فمن كفر بالله وجحد آياته وعبد غيره فقد عدل عن الحق، وتعسَّفَ فى فعله، ووضع عبادته غير موضعها، وكذلك فى غير ذلك من الأشياء، ومنه قولهم: ظلمت السّقاء، إذا تلقيته (٦) قبل إخراج زَبَده، وظلمتُ الأرض إذا حفرت غيْرَ موضع الحفر، وقولهم: لزموا (٧) الطريق فلم يظلموه، أى: لم يعدلوا عنه إلى غير طريق، فإطلاقه
стр. 412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على الكفر والشرك كثير كما فى هاتين الآيتين. وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِه﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ (٢) والمؤمن العاصى ظالم من حيث تعديه الأوامر والنواهى ووضعها غير موضعها ونقص إيمانهم بذلك، وقد يقع الظلم بمعنى النقص، وقد قيل ذلك فى قوله سبحانه: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ الآية (٣).
وهى قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ وهو بمعنى الأول، وليس يظهر لى فى هذا الحديث حجة للعموم، ومِنْه حمل بعض الصحابة الآيةَ على ظلم الإنسان نفسه، وكل ظلم [كما] (٤) تقدم، بل أقول: إن طريقهم - رضى الله عنهم - فيه (٥) الطريقة المثلى والنظر الأولى من حملهم لفظ الظلم على أظهر معانيه وأكثر استعمالاته فى محتملاته، فإنه وإن كان ينطلق على الكفر وغيره لغةً وشرعًا، فعُرف استعماله غالبًا، والأظهر من مفهومه إطلاقه فى العسف والتعدى والعدول عن الحق فى غير الكفر، كما أن لفظ الكفر ينطلق على معان من جحد النعم والحقوق وسترها، لكن مجرد إطلاقه وغالب شيوعه على ضد الإيمان، فعلى هذا وقع فهم الصحابة [رضى الله عنهم] (٦) المراد بالظلم، وتأويلهم الآية وإشفاقهم من ذلك، إذ [قد] (٧) ورد دون قرينة ولا بيان يصرفه عن أظهر وجوهه إلى بعض محتملاته، حتى بين لهم النبى ﷺ مراد ربه بما ذكر فى الحديث. وأما قوله: فيه تأخير البيان إلى وقت الحاجة فما (٨) يتوجه عندى فى هذه القضية؛ لأنها ليست قضيَّة تكليف عملٍ (٩)، وإن كان فيها تكليفُ اعتقاد بتصديق الخبر عن المؤمن الآمن (١٠)، واعتقادُ التصديق بذلك يلزم لأول وروده، فمتى [هى] (١١) الحاجة المؤخر لها البيان؟ لكن لما أشفقوا منه بيَّن لهم المراد به كتبيين سائر ما بين من المشكلات.
стр. 413
(٥٧) باب بيان أنه لم يكلف إلا ما يطاق
١٩٩ - (١٢٥) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، وَأمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِىُّ - وَاللَّفْظُ لأمَيَّةَ - قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعْ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسَبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (١) قال: فَاشْتدّ ذلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الركَبِ، فَقَالُوا: أىْ رَسُول اللهِ، كُلفْنَا مِنْ الأعْمَالِ مَا نُطِيقُ، الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِهِ الآيَةُ،
ــ
وقوله فى الحديث: لما أنزل على النبى ﷺ : ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم﴾ الآية، اشتدَّ ذلك على الصحابة .. الحديث .. إلى قوله: نسخها [الله] (٢)، فأنزل [الله] (٣): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية (٤)، قال الإمام: إشفاقهم وقولهم: لا نطيقها يحتمل أن يكون اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر التى لا تكتسب، فلهذا رأوه (٥) من قبيل ما لا يطاق [لا أنهم أرادوا ألا يؤاخذوا بالمكتسب، وهذا على طريقة من يرى أَنَّ السيئة تكتب إذا اعتقدها وإن لم يفعلها، وسنذكر وجه تأويل الأحاديث عند صاحب هذا القول] (٦).
فإن كان المراد هذا كان الحديث دليلاً على أنهم كُلّفوا ما لا يطاق. وعندنا أن تكليفه جائزٌ عقلاً، واختلف هل وقع التعبد به فى الشريعة أم لا (٧)؟ وأما قول الراوى: إن
стр. 414
ولا نُطِيقُها. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وأطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ ". قَالُوا: سَمِعْنَا وأطَعْنَا غُفْرَانَك ربَّنا وإلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا ألْسَنَتُهُمْ، فَأنْزَلَ اللهُ فِى إثْرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بَاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١) فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى. فَأنْزَل اللهُ : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢) قَالَ: نَعمْ ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قَالَ: نَعم ﴿رَبَّنَا وَلا تحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ: نَعم.
ــ
ذلك نسخ، ففى النسخ ها هنا نظر؛ لأنه إنما يكون النسخ إذا تعذر البناء ولم يكن ردُّ إحدى الآيتين إلى الأخرى.
وقوله: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّه﴾: عموم يصح أن يشتمل على ما يُملَكُ من الخواطر وما لا يُمْلك، فتكون الآيةُ الأخرى مخصصة، إلا أن يكون فهم الصحابة بقرينة الحال أنه تقرر تعبدهم بما لا يُملك من الخواطر، فيكون حينئذ نسخًا لأنه رفع ثابت مستقر.
قال القاضى: لا وجه لإبعاد النسخ فى هذه القضيَّة، وراويها قد روى فيها النسخ ونص عليه لفظًا ومعنى بأمر النبى ﷺ لهم بالإيمان والسمع والطاعة لما أعلمهم الله من مؤاخذته لهم، فلما فعلوا ذلك وألقى الله الإيمان فى قلوبهم وذلت بالاستسلام لذلك ألسنتهم - كما نصَّ فى الحديث نفسه - رفع الله الحرج عنهم، ونسخ هذه الكلفة بالآية الأخرى، كما قال. وطريق علم النسخ إنما هو بالخبر عنه أو بالتاريخ، وهما مجتمعان فى هذه الآية، وقول الإمام ﵀: إنما يكون النسخ إذا تعذر البناء، كلام
стр. 415
٢٠٠ - (١٢٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَة وَأَبُو كُريْبٍ وإسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ واللَّفْظُ لأبِى بَكْر - قَالَ إسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرانِ حَدَّثَنَا - وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، مَوْلَى خَالِدٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّه﴾ (١) قَالَ:
ــ
صحيح فيما لم يرد به النصُّ بالنسخ، وأما إذا ورد وقفنا عنده (٢).
لكن قد اختلف أرباب الأصول فى قول الصحابى نُسِخَ حكم كذا بكذا، هل هو حجةٌ يثبتُ به النسخ أم لا يثبت لمجرد قوله؟ وهو قول القاضى أبى بكر والمحققين منهم؛ لأنه قد يكون قوله هذا عن اجتهاده وتأويله حتى ينقل ذلك نصًا عن النبى ﷺ .
وقد اختلف الناس فى هذه الآية، فأكثر المفسّرين من الصحابة ومن بعدهم على ما تقدم فيها من النسخ (٣)، وأبعده بعض المتأخرين، قال: لأنه خبر، ولا يدخل النسخ الأخبار. ولم يُحصّل ما قال، فإنه وإن كان خبرًا فهو خبر عن تكليف ومؤاخذة بما تُكنُّ والتعبد بما أمرهم النبى ﷺ فى الحديث بذلك، وأن يقولوا سمعنا وأطعنا، وهذه أقوال
стр. 416
دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَىْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبهُمْ مِنْ شَىْءٍ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " قُولُوا: سَمِعْنَا وأطَعْنَا وَسَلَّمْنَا " قَالَ: فألْقَى اللهُ الإيمَانَ فِى قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللهُ تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ: قَدْ فَعَلْت ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قَالَ: قَدْ فَعَلْت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا﴾ قَالَ: قَدْ فَعَلْت.
ــ
وأعمال للشأن والقلب، ثم نسخ ذلك عنهم برفع الحرج والمؤاخذة.
وروى عن بعض المفسرين أن معنى النسخ هنا: إزالة ما وقع فى قلوبهم من الشدَّة والفَرَق من هذا الأمر، فأزيل عنهم بالآية الأخرى واطمأنت نفوسهم. وكأن هذا يرى أنهم لم يُلزموا ما لا يطيقون لكن ما يشق عليهم من التحفظ من خواطر النفس وإخلاط (١) الباطن، وأشفقوا أن يُكَلَّفوا من ذلك ما لا يطيقون، فأزيل عنهم الإشفاق، وبيَّن أنَّهم لم يُكلَّفوا إلا وُسْعَهم.
وهذا غير ما أشار إليه الإمام أولاً، وعلى هذا لا حُجةَ فيه لجواز تكليف ما لا يطاق؛ إذ ليس فيه نص على تكليفه. [واحتج بعضهم (٢) باستعاذتهم منه بقوله سبحانه: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ولا يستعيذون إلا مما يجوز تكليفه] (٣).
وأجاب عن هذا بعضهم (٤) بأن معنى ذلك: أى ما لا نطيقُه إلا بمشقة وكلفة. وذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة فى إخفاء اليقين والشك للمؤمنين والكافرين، فيغفر للمؤمنين [ويعذب الكافرين] (٥). وقيل: هو الهمُّ بالمعصية.
وقوله [تعالى] (٦): ﴿إِصْرًا﴾ (٧) أى عهدًا، وقيل: ذنبًا، وقيل: ثقلاً، أى تكليفًا يشق، وقيل: عقوبة.
стр. 417
(٥٨) باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر
٢٠١ - (١٢٧) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِىُّ - واللَفْظُ لِسَعيدٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أوْفَى، عَن أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأمَّتِى مَا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ ".
٢٠٢ - (...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أبِى عَدِىٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ ".
وحّدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ وَهِشَامٌ. ح وَحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ ابْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ زَائدَةَ، عَنْ شَيْبَانَ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلَهُ.
ــ
وقوله: " إن الله تجاوز لأمتى [عما حدَّثتْ به أنفُسَها] (١) ما لم تعمل أو تتكلم به "، كذا هو أنفُسها بالفتح (٢) ويدل عليه قوله: " إن أحدنا يُحدّث نفسه ".
قال الطحاوى: وأهل اللغة يقولون: أنفُسها، بالضم، يريدون بغير اختيارها كما قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (٣).
стр. 418
(٥٩) باب إذا همّ العبد بحسنة كتبت وإذا همّ بسيئة لم تكتب
٢٠٣ - (١٢٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لأبِى بَكْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قَالَ اللهُ : إِذَا هَمَّ عَبْدِى بِسَيّئَةٍ فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوُهَا عَشْرًا ".
ــ
وقوله فى الحديث الآخر: " إذا هَمَّ عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإن هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنةً، فإن عملها فاكتبوها عشراً [إلى سبعمائة ضعف] (١) "، وفى حديث آخر وذكر السيئة: " فإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرّاى "، قال الإمام: مذهب القاضى أبى بكر بن الطيب [أن] (٢) من عزم على المعصية [بقلبه] (٣) ووطن عليها آثم (٤) فى اعتقاده وعزمه، وقد يحمل ما وقع فى هذه الأحاديث وأمثالها على أن ذلك فيمن لم يوطن نفسه على المعصية وإنما مَرّ ذلك بفكره من غير استقرار، ويُسمى مثل هذا الهمَّ، ويفرق بين الهم والعزم، فيكون معنى قوله فى الحديث: أنَّ من هم لم يكتب عليه على هذا القسم الذى هو خاطِرٌ غيرُ مستقر، وخالفه كثير من الفقهاء والمحدثين أخذاً بظاهر الأحاديث، ويحتج [القاضى] (٥) بقوله ﷺ :" إذا التقى المسلمان بسيفيهما ... " الحديث، وقال فيه: " لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه " فقد جعله إثماً (٦) بالحرص على القتل، وهذا قد يتأولونه على خلاف هذا التأويل، فيقولون: قد قال: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما " (٧)، فالإثم إنما يتعلق
стр. 419
٢٠٤ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ قَالَ: " قَال اللهُ : إِذَا هَمَّ عَبْدِى بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنةً فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ اُكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً ".
٢٠٥ - (١٢٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَاِفِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّام بَنِ مُنَبِّهٍ؛ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنْهَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قَالَ اللهُ : إذَا تَحَدَّثَ عَبْدِى بِأنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أكْتُبُهَا لَهُ حَسَنةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأنَا أكْتُبُهَا بِعَشْرِ أمْثالِهَا، وإذَا تَحَدَّثَ بِأنْ يَعْمَل سَيِّئَةً فَأنا أغْفرُهَا لهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأنَا أكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا ".
ــ
بالفعل والمقابلة، وهو الذى وقع عليه اسم الحرص [هنا] (١) ويتعلق بِالكلام فى الهم ما فى قصة يوسف ﵇ وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ (٢)، أما على طريقة الفقهاء فذلك مغفور له غير مؤاخذ به إذا كان شرعه كشرعنا فى ذلك، وأما على طريقة القاضى فيُحملُ ذلك على الهمّ الذى ليس بتوطين النفس، ولو حُمل على غيره لأمكن أن يقال: هى صغيرة، والصغائر تجوز على الأنبياء (٣) على أحد القولين.
وقد قيل فى تأويل الآية غير ذلك مما يتسع بسطه ولا يحتاج إلى ذكره هنا (٤).
قال القاضى: [﵀] (٥): عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين على ما ذهب إليه القاضى أبو بكر، وقد قال ابن المبارك: سُئل سفيان عن الهَمَّةِ أيؤاخذ بها؟ فقال: إن كانت عزْمًا أوخذ بها، والأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب كثيرة، لكنهم قالوا: إن هذا الهم يُكتب سيئةٌ، وليست السيئة التى هم بها ونواها؛ لأنه لم يعملها بعدُ وقطعهُ عنها قاطِعٌ غير خوف الله [تعالى] (٦) والإنابة، لكن نفس الإصرار والعزم معصية فيكتب سيئة، فإذا عملها كتبت معصية تامة، فإن تركها خشية الله كتبت حسنة على ما جاء فى الحديث الآخر: " إنما تركها من جرّاى " فصارَ تركه لها خوف الله، ومجاهدته نفسه الأمَّارة بالسوء وعصيانه هواه حسنة. وأما الهمَّ الذى لا يكتب فهى الخواطر التى لا تُوطَّنُ عليها النفس، ولا يصحبها عَقدٌ ولا نية وعزمٌ.
стр. 420
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قَالَت الْمَلائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً - وَهوَ أبْصَرُ بِهِ - فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّاىَ ".
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أحْسَنَ أحَدُكُمْ إسْلامَهُ فُكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، وَكلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حتّى يَلْقَى اللهَ ".
٢٠٦ - (١٣٠) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ، وَإِنْ عَمَلَهَا كُتِبَتْ ".
ــ
وقد ذكر بعض المتكلمين أنه يُختلف إذا تركها لغير خوف الله، بك خوف الناس هل تكتب حسنةً. قال: لأنه إنما حَمَله على تركها الحياء. وهذا ضعيفٌ لا وجه له.
وأما قصة يوسف ﵇ فالكلام فى تأويلها كثير، وأحسنه قول أبى حاتم ومن وافقه: أنَّه ما هَمَّ؛ لأنه رأى برهان ربه وإنما همَّت هى، والكلام عنده فيه تقديم وتأخير، والمعنى: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها (١)، وقد أشبعنا القول عليها وما قيل فيها، وفى إبعاد جواز الصغائر على الأنبياء، ونصرة هذا القول والأجوبة عن مشكلات هذا الباب ومعانى ظواهر الآى والأحاديث الموهمة لجواز ذلك فى كتابنا المسمى بالشفاء (٢).
وقوله: " إنما تركها من جرّاى " بتشديد الراء وفتح الياء، قال الإمام: أى من
стр. 421
٢٠٧ - (١٣١) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِى عُثْمَان، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِىُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهِ ﵎، قَالَ: " إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ. فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى أضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ".
٢٠٨ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِى عُثْمَانَ، فىِ هَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ. وَزَادَ: " وَمَحَاهَا اللهُ، وَلا يَهَلِكُ عَلَى اللهِ إلا هَالِكٌ ".
ــ
أجلى، وفيه لغتان، جرّاء بالمد، وجرى بالقصر، ومنه الحديث: " إِنَّ امرأةً دخلت النار من جرَّى هِرَّةٍ " [أى من أجل هِرَّةٍ] (١).
وقوله فى الحديث: " ولن (٢) يهلك على الله إلا هالك "، قال القاضى: أى من ختم عليه الهلاك وَسُدَّ عليه أبواب الهدى لسعة رحمة الله تعالى وكرمه؛ إذ جعل السيئة حسنة ولم يكتبها حتى يعمل بها، فإذا عملت كتبت واحدةً، وكتب الهم بالحسنة حسنةً، وكتبها إذا عملها عشرًا إلى سبعمائة وأضعافًا كثيرة، وكل هذا فضل الله، إذ ضاعف حتى [تكثر] (٣) وتزيد على السيئات لكثرة سيئات بنى آدم، فمن حُرِم هذه السعة وضُيِّق عليه رحبها حتى غلبت عليه سيئاته مع إفرادها حسناته مع تضعيفها، فهو الهالك الذى سبق عليه ذلك فى أم الكتاب.
قال أبو جعفر الطبرى: وفى الحديث دليل على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب وعقدها، خلافًا لمن قال: إنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة.
стр. 422
(٦٠) باب بيان الوسوسة فى الإيمان وما يقوله من وجدها
٢٠٩ - (١٣٢) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ فَسَألُوهُ: إنَّا نَجِدُ فِى أنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: " وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: " ذَاكَ صَريحُ الإيمَانِ ".
٢١٠ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ شُعْبَة. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهذَا الْحَدِيثِ.
٢١١ - (١٣٣) حدّثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ. حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ عَثَّامٍ، عَنْ سُعَيْرِ ابْنِ الْخِمْسِ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الْوَسْوَسَةِ، قَالَ: " تِلْكَ مَحْضُ الإيمَانِ ".
٢١٢ - (١٣٤) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوف وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَام، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا، خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهِ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ ".
ــ
وقوله عن الصحابة: " إنا نجِدُ فى أنفُسِنا ما يتعاظَمُ أحدنا أن يتكلَّم به " ثم قال: " ذلك صريحُ الإيمان "، وفى الحديث الآخر: " سُئل ﷺ عن الوسوسة فقال: " تلك محض الإيمان "، وزاد فى حديث آخر: " من وجد من ذلك شيئًا فليقُل: آمنت بالله "، قال الإمام: بُوب على هذا الحديث فى بعض نسخ [كتاب] (١) مسلم: باب الوسوسة محض الإيمان، [وزاد فى حديث آخر: أنه قال ﷺ لمن شكا هذا المعنى أن قال: فيمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله " أما قوله ذلك محض الإيمان] (٢). فلا يصح أن يراد به أن الوسوسة هى الإيمان؛ لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوا من
стр. 423
٢١٣ - (...) وحدّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤدِّبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذا الإسْنَادِ. أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: " يأتِى الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ. مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الأرْضَ؟ فَيُقولُ: اللهُ " ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ. وَزَادَ " وَرُسُلِهِ ".
٢١٤ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا ابنُ أخِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَأتِى الشَّيْطَانُ أحَدُكمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ ".
(...) حدّثنى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، قَالَ: حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَأتِى الْعَبْدَ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ " مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أخِى ابْنِ شَهَابٍ.
ــ
الخوف من الله تعالى أن يُعاقبوا على ما وقع فى نفوسهم، فكأنَّه يقول: جزعُكم من هذا هو محض الإيمان، إذ الخوف من الله - سبحانه - ينافى الشك فيه، فإذا تقرر هذا تبيَّن أن هذا التبويب غَلط على مقتضى ظاهره، وأما أمره ﷺ عند وجود ذلك بأن يقول (١): آمنت بالله، فإن ظاهره أنه أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها والردِّ لها، من غير استدلال ولا نظر فى إبطالها.
والذى يقال فى هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين، فأما التى ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهى التى تُدْفَع بالإعراض عنها، على هذا يحملُ الحديث، وعلى مثلها يخطلق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمرًا طارئًا على غير أصل دُفِع بغير نظر [فى دليل] (٢)، إذ لا أصل له يُنَظرُ فيه، وأما الخواطر المستقرة التى أوجبتها الشبْهة فإنها لا تُدفَعُ إلا باستدلالٍ ونظر فى إبطالها، ومن هذا المعنى حديث: " لا عدوى " (٣)، مع
стр. 424
٢١٥ - (١٣٥) حدّثنى عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا يَزَالُ النَّاسُ يَسْألُونَكُمْ عَنِ الْعِلْمِ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَنَا، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ ".
قال: وَهُو آخِذٌ بِيَد رَجُلٍ فَقَالَ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، قَدْ سَألَنِى اثْنَانِ وَهَذَا الثَّالثُ. أَوْ قَالَ: سَألَنِى وَاحِدٌ وَهَذَا الثَّانِى.
وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَيَعْقُوبُ الدوْرَقِىُّ قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهْوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أيُّوبَ عَنْ مُحمَّدٍ؛ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " لا يَزَالُ النَّاس "، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِىَّ ﷺ فى الإِسْنَادِ، ولَكنْ قَدْ قَالَ فىِ آخِرِ الْحَدِيثِ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ.
ــ
قول الأعْرابى: فما بال الإبل الصحاح تجربُ بدخول الجمل الأجرْب فيها (١)، وعَلمَ النبى ﷺ أنه أغترَّ بهذا المحسوسِ، وأن الشبهة قَدَحَتْ فى نفسه فأزالها عنه ﷺ من نفسه بالدليل، فقال له: " فمن أعدى الأول ".
بسط (٢) هذا أنه ﷺ كأنه قال له: إذا كنت تقول أن هذه الجَربَة جَرَبَتْ من هذا العادى عليها، فهذا العادى [أيضاً] (٣) ممَّن (٤) تعلَّق به الجرب؟ فإن قلت: من غيره ألزمناك فيه ما ألزمناك فى الأول حتى يؤدى ذلك إلى ما لا يتناهى، أو يقف الأمر عند جملٍ وُجِدَ الجربُ فيه من غير أن ينتقل إليه من غيره، وإذا صحَّ وجود جربٍ من غير عدوى بل من الله - سبحانه - صح أن يكون جربُ (٥) هذه الإبل من نفسها لا من غيرها.
قال المتكلمون: وهذا الدليلُ الذى أشار إليه ﷺ هو الذى يُعتمدُ عليه فى إبطال قول من جَوَّز وجود حوادثَ لا أوَّل لها، فيقال لهم: لو كان لا يصح وجودُ الشىء إلا من الشىء لأدَّى ذلك إلى ما لا يتناهى، وإذا عُلِّقَ وجودُ ما نحن فيه بوجود ما لا يتناهى شيئًا بعدَ شىء لم يصح وجودُ ما نحن فيه.
стр. 425
(...) وحدّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِىِّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، وَهوَ ابْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ لىِ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَزَالُونَ يَسْألُوَنَكَ، يا أَبَا هُرَيْرَةَ، حَتَّى يَقُولُوا: هذَا اللهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ " قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِى الْمَسْجدِ إذْ جَاءَنِى نَاسٌ مِنَ الأعْرَابِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هذَا اللهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ قَالَ: فَأخَذَ حَصى بِكَفِّهِ فَرَمَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا، قُومُوا، صَدَقَ خَلَيلِى.
٢١٦ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأصَمِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَيَسْألَنَّكُمُ النَّاسُ عَنْ كُلِّ شَىْءٍ، حَتَّى يَقُولُوا: اللهُ خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ، فَمَنْ خَلَقَهُ؟ ".
ــ
قال القاضى: الترجمة التى ذكر ﵀ لم تقع فى كتبنا بذلك النصِّ، لكنَّ نصها فى الأم من قول النبى ﷺ من رواية ابن مسعود: سئل النبى ﷺ عن الوسوسة، فقال: " تلك محض الإيمان "، وما ذكره [وفقه الله] (١) من التأويل فى قوله: " ذلك صريح الإيمان " بيِّن مع المقدمة التى فى ذلك الحديث الآخر الذى ذكرناه ولم يذكره (٢)، إذ ليس فيه ذكر إنكار ولا استعظام، إلا أن نردَّه إلى الحديث الأول، ونجعله قاضيًا عليه، وهذا مختصر منه، أو يطلب له تأويلاً آخر يجمع الأحاديث كلها، وهو ما أشار إليه بعضهم مما بسطه أن وسوسة الشيطان وتحدثه فى نفس المؤمن إنما هو لإياسه من قبوله إغواءَه، وتزيينه الكفرَ له وعصمة المؤمن منه، فرجع إلى نوعٍ من الكيد والمخاتلة بالإيذاء بحديث النفس بما يكره المؤمن من خفى الوساوس (٣)، إذ لا يَطمَعُ من موافقته له على كفره هذا، ولا يكون منه إلا مع مؤمن صريح الإيمان ثابت اليقين [على] (٤) محض الإخلاص بخلاف غيره من كافرٍ وشاكٍّ، وضعيف الإيمان، فإنه يأتيه من حيث شاء ويتلاعب به كما أراد، والمؤمن معصومٌ منه، مُنافرٌ له، فلما (٥) لم يمكنه منه مراده رجع (٦) إلى شغل سره بتحديث [نفسه] (٧) ودسِّ (٨) كُفرهِ بحيث يسمعُه المؤمن فيشوش [عليه] (٩) بذلك فكْرَه، ويُكدِّر نفسه ويؤذيه باستماعه له، كما قال ﷺ : " الحمد لله الذى ردَّ كيدَه إلى الوسوسة " (١٠)، إذ حقيقة هذه اللفظة الصَّوت