رَسُولِ اللهِ ﷺ .
٤٧ - (١٩٤٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، قَالَ: دَعَانَا عَرُوسٌ بِالمَدِينَةِ، فَقَرَّبَ إِليْنَا ثَلاثَةَ عَشْرَ ضَبًّا، فَآكِلٌ وَتَارِكٌ، فَلقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنَ الغَدِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَكْثَرَ القَوْمُ حَوْلهُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا آكُلهُ، وَلا أَنْهَى عَنْهُ، وَلا أُحَرِّمُهُ ". فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. بِئْسَ مَا قُلْتُمْ. مَا بُعِثَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ إِلا مُحِلاً وَمُحَرِّمًا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، بَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ، وَعِنْدَهُ الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ وَامْرَأَةٌ أُخْرَى، إِذْ قُرِّبَ إِليْهِمْ خِوَانٌ عَليْهِ لحْمٌ، فَلمَّا أَرَادَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَأكُلَ، قَالتْ لهُ مَيْمُونَةُ: إِنَّهُ لحْمُ ضَبٍّ، فَكَفَّ يَدَهُ، وَقَالَ. " هَذَا لحْمٌ لمْ آكُلهُ قَطٌ ". وَقَالَ لهُمْ: " كُلوا "، فَأَكَلَ مِنْهُ الفَضْلُ وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ وَالمَرْأَةُ.
وَقَالتْ مَيْمُونَةُ: لا آكُلُ مِنْ شَىْءٍ إِلا شَىءٌ يَأكُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
٤٨ - (١٩٤٩) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أُتِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأكُلَ مِنْهُ. وَقَالَ: " لا أَدْرِى، لعَلهُ مِنَ القُرُونِ التِى مُسِخَتْ ".
٤٩ - (١٩٥٠) وَحَدَّثَنِى سَلمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلتُ جَابِرًا عَنِ الضَّبِّ؟ فَقَالَ: لا تَطْعَمُوهُ، وَقَذِرَهُ. وَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمْ يُحَرِّمْهُ، إِنَّ اللهَ يَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ. فَإِنَّمَا طَعَامُ عَامَّةِ الرِّعَاءِ مِنْهُ، وَلوْ كَانَ عِنْدِى طَعِمْتُهُ.
ــ
فى الصحابة، وهى رواية النسائى (١) عن البخارى، وكان فى رواية بعض شيوخ ابن أبى جعفر: " أم حميد " وهو خطأ، وعند ابن السكن: " أم جعيرة " وهو خطأ أيضاً.
وقوله: " ولو كان حراماً ما أكل على مائدة رسول الله ﷺ ": حجة فى أن إقرار النبى ﷺ دليل على جواز ما أقره (٢)، إذا كان لا يقر على منكر، ولا يحرر ذلك فى حقه لأنه جاء بالبيان والبلاغ وهذا ضده؛ لما فيه من الإشكال والالتباس.
стр. 3575
٥٠ - (١٩٥١) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ مَضَبَّةٍ، فَمَا تَأمُرُنَا؟ أَوْ فَمَا تُفْتِينَا؟ قَالَ: " ذُكِرَ لِى أَنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ "، فَلمْ يَأمُرْ وَلمْ يَنْهَ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللهَ ليَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّهُ لطَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ، وَلوْ كَانَ عِنْدِى لطَعِمْتُهُ، إِنَّمَا عَافَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
٥١ - (...) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّى فِى غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِى. قَالَ: فَلمْ يُجِبْهُ. فَقُلنَا: عَاوِدْهُ. فَعَاوَدَهُ فَلمْ يُجِبْهُ، ثَلاثًا. ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى الثَّالِثَةِ فَقَالَ: " يَا أَعْرابِىُّ، إِنَّ اللهَ لعَنَ - أَوْ غَضِبَ - عَلى سِبْطٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، فَمَسَخَهُمْ دَوابَّ يَدِبُّونَ فِى الأَرْضِ، فَلا أَدْرِى لعَلَّ هَذَا مِنْهَا، فَلسْتُ آكُلُهَا، وَلا أَنْهَى عَنْهَا ".
ــ
وقوله: " وهى خالته وخالة ابن عباس ": الهاء عائدة على خالد بن الوليد، وبسبب المحرمية كان دخولهما عليها وإدلالهما فى بيتها. أم ابن عباس أم الفضل لبابة الأكبر، وأم خالد لبابة الصغرى وهى العصماء، وهما شقائقها وهما [معاً] (١) وأم حفيد هذيلة وميمونة أخوات بنات الحارث بن جرن الهلالى، وزينب وسلمى وأسماء بنت عميس أخوات ميمونة أيضاً لأمها. أمهن هند بنت عوف الجرشية. وزعم الباجى أن أم حفيدة لبنى الصغرى لأم خالد، وأما ابن عمر فجعلها غيرها، وقال: فى صحبة لبنى الصغرى وإسلامها نظر.
وفى أكل خالد له باجتراره، ولم يأت أن النبى ﷺ أذن له فى ذلك وهو بيته؛ إما لعلمه بأن ميمونة وهى ربة البيت، والمهدى لها أخرجته لجميعهم وهو الأظهر، أو بحكم إدلال خالد فى بيت خالته وهو ما أباح الله الأكل منه.
стр. 3576
(٨) باب إباحة الجراد
٥٢ - (١٩٥٢) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى يَعْفُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَأكُلُ الجَرَادَ.
(...) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى يَعْفُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِى رِوَايَتِهِ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: سِتَّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: سِتٌ أَوْ سَبْعٌ.
(...) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِى يَعْفُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ.
ــ
وقوله: " غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد " قال الإمام: اضطرب المذهب عندنا فيه، واختلف الناس أيضاً، هل تحرم ميتته لعموم قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١)؟ أو يحل لقوله ﵇: " أُحلت لى ميتتان: السمك والجراد " (٢)؟ والمشهور عندنا افتقاره إلى الذكاة، وقال مطرِّف: يؤكل بغير ذكاة، وعامة السلف أجازوا كل ميتة الجراد، وعلى القول بافتقاره إلى الذكاة اختلفوا فى ذكاته، فقال ابن وهب: أخذه زكاته. وابن القصار قال: لا تؤكل ميتته، ولو وقع فى قدر أو نار وهو حى لأُكل، وفى المدونة: لا يؤكل إلا أن يموت من فعل [من] (٣) يفعله بها، من قطع أرجلها وأجنحتها، أو بطرحها فى نار فيسلقها أو يقليها. وقال أشهب فى مدونته: لا يؤكل إذا قطعت أجنحته أو أرجله ثم مات قبل أن يسلق، ولا يؤكل إلا بقطع [رأسه] (٤) أو يعمل صباً، يريد يطرح فى ماء أو نار. واختلف إذا سلقت الأحياء والأموات أو الأرجل معها، فقال أشهب فى مدونته: يطرح كله، وجميعه حرام. وقال سحنون: يؤكل الأحياء بمنزلة خشاش تموت فى القدور. وقد روى عن النبى ﷺ أنه سُئل عن الجراد، فقال: " أكثر جنود الله، لا آكله ولا أُحرّمه " (٥).
стр. 3577
(٩) باب إباحة الأرنب
٥٣ - (١٩٥٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَرَرْنَا فَاسْتَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَوْا عَليْهِ فَلغَبُوا. قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَدْرَكْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا. فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَبِلهُ.
(...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الحَارِثِ - كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ يَحْيَى: بِوَرِكِهَا أَوْ فَخِذَيْهَا.
ــ
[قوله] (١): " فاستبعجنا (٢) أرنباً بمرّ الظهران فسعوا عليه فلغبوا ": قال ابن القوطية: بعج بطنه بعجاً: شقه، وتبعج السحاب بالمطر، وبعجه حب كذا: اشتد وجده به، وقوله: " فلغبوا ": اللغوب: الإعياء، يقال: لغب - بفتح الغين - يلغب لغوباً ولغب - بكسر الغين - لغة.
قال القاضى: لم نر من رواه: " استبعجنا " بالباء والعين، وهو تصحيف ممن رواه لا شك فيه فاسد المعنى، فكيف يشقوا بطنها، ثم يسعون خلفها حتى لغبوا، ثم بعد ذلك يأخذونها ويذبحونها؟! وكيف يصح ذبحها وفتها بعد شق بطنها؟! وإنما الحرف فى الرواية واللغة: " استنفجنا " بالنون والفاء، وكذا فى سائر النسخ وسائر المصنفات والشروح، وكذا رويناه عن جميع من لقيناه، ومعناه: أثرناها من لحمها. تنفجت: يقال: نفجت الأرنب: إذا وثبت. قال الهروى: يقال: أنفجت الأرنب من جحرة فنفج، أى أثر به فثار، وهذا الفعل هو الذى يصح معه السعى خلفها، ويحصل الإعياء حتى يؤخذ ويذبح. فأكل الأرنب حلال عند جمهور العلماء وكافة الأمة؛ إلا ما ذكر عن ابن أبى ليلى وعبد الله بن عمرو بن العاص من كراهة ذلك، وجاء فى حديث خرّجه أبو داود وغيره من أصحاب المصنفات؛ أن النبى ﷺ لم ينه عنها، ولم يأمر بأكلها، وزعم أنها تحيض (٣). فال بعضهم: وهذا من نحو تقذره أمر الضب.
стр. 3578
(١٠) باب إباحة ما يستعان به على الاصطياد والعدو وكراهة الخذف
٥٤ - (١٩٥٤) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهَ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ. قَالَ: رَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ المُغَفَّلَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ يَخْذِفُ. فَقَالَ لهُ: لا تَخْذِفْ، فَإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ - أَوْ قَالَ - يَنْهَى عَنِ الخَذْفِ، فَإِنَّهُ لا يُصْطَادُ بِهِ الصَّيْدُ، وَلا يُنْكَأ بِهِ العَدُوُّ، وَلكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ وَيَفْقَأ العَيْنَ، ثُمَّ رآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ. فَقَالَ لهُ: أُخْبِرُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ - أَوْ يَنْهَى - عَنِ الخَذْفِ، ثُمَّ أَرَاكَ تَخْذِفُ، لا أُكَلمُكَ كَلِمَةً، كَذَا وَكَذَا.
(...) حَدَّثَنِى أَبُو دَاوُد، سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا كَهْمَسٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٥٥ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مُغَفَّلٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الخَذْفِ. قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ فِى حَدِيثِهِ: وَقَالَ: إِنَّهُ لا يَنْكَأُ العَدُوَّ وَلا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ وَيَفْقَأُ العَيْنَ. وَقَالَ ابْنُ مَهْدِىٍّ: إِنَّهَا لا تَنْكَأُ العَدُوَّ. وَلمْ يَذْكُرْ: تَفْقَأ العَيْنَ.
ــ
وقوله: " كان ينهى عن الخذف " بالخاء والذال المعجمتين، قال الإمام: قال الليث: رميك حصاة أو نواة، تأخذها بين سبابتيك، أو تجعل مخذفة من خشبة ترمى بها بين إبهامك والسبابة.
قال القاضى: نهى النبى ﷺ عنه إذ لم يره من آلات الحرب فيتمرن به التمرن الجائز فى رمى السهام، ولا من آلات الصيد فينتفع بذلك؛ لأنه إنما يرض فقتله موقوذ كما تقدم فى السرقة، فلم يكن فيه منفعة، ولم يكن اللهو به مباحاً، مع ما يخشى من عقباه من كسر السن وفقء العين.
وقوله: " لا ينكأ العدو ": كذا رويناه [عن] (١) مهموزاً، وفى الروايات: " ينكئ "
стр. 3579
٥٦ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُليَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفلٍ خَذَفَ. قَالَ فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الخَذْفِ، وَقَالَ: " إِنَّهَا لا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلا تَنَكَأ عَدُوًّا، وَلكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ العَيْنَ " قَالَ: فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ! لا أُكَلمُكَ أَبَدًا.
(...) وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِىُّ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
بكسر الكاف، وهو أوجه فى هذا الموضع؛ لأن المهموز إنما هو نكأت القرحة، وليس هذا موضعه إلا على تجوز، وإنما هذا من النكاية، ويقال منه: نكيت العدو وأنكيته نكاية. قال صاحب العين: ونكأت لغة: فعلى هذا تتوجه رواية شيوخنا فى الخذف.
وقول عبد الله: " أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف ثم تخذف! لا أكلمك أبداً ": فيه هجران من خالف السنن على علم، وتأديب أهل المعاصى بالهجران.
стр. 3580
(١١) باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة
٥٧ - (١٩٥٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُليَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: " إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلى كُلِّ شَىْءٍ، فَإِذَا قَتَلتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَليُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ".
(...) وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ. بِإِسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ عُليَّةَ ومَعْنَى حَدِيثِهِ.
ــ
وقوله: " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ": عام فى كل شىء من التذكية والقصاص وإقامة الحدود وغيرها، من أنه لا يعذب خلق الله وليجهز فى ذلك. والقِتلة، بالكسر: الهيئة والصفة، وبالفتح: الفعلة من ذلك.
وقوله: " وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته ": تفسير الإحسان: الذبح الذى إذا حدّ الشفرة أراح الذبيحة فأحسن الذبح بخلاف ضد ذلك، ومن إحسان القتلة ألا يحد الذبيحة إلى مذبحها، قاله عمر بن الخطاب، ومنها: ألا تذبح وآخر ينظر، قاله ربيعة، وحكى عن مالك جوازه.
стр. 3581
(١٢) باب النهى عن صبر البهائم
٥٨ - (١٩٥٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلتُ مَعَ جَدِّى - أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - دَارَ الحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ، فَإِذَا قَوْمٌ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا. قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُصْبَرَ البَهَائِمُ.
(...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ. ح وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٥٨ م - (١٩٥٧) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِىٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَبِىَّ ﷺ قَالَ: " لا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا ".
(...) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ.
٥٩ - (١٩٥٨) وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو كَامِلٍ - وَاللفْظُ لأَبِى كَامِلٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَتَرَامُوْنَهَا، فَلمَّا رَأَوا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ إِنَّ
ــ
قوله: " نهى أن تصبر البهائم "، قال الإمام: معناه: أن نحبسها وهى حية، ثم نرميها، وكل من حُبس لقتل أو يمين فهو قتل صبر أو يمين صبر.
قال القاضى: ونهيه أن يقتل شىء من الدواب صبراً فى الحديث الآخر.
قوله: " لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً ": يفسر صبراً للبهائم، وقد تقدم صدر الكتاب وتصحيف من صحفه فيه، وحكاه فى تفسيره فى الأم؛ وذلك لأنه قتل روح لغير منفعة كان الذكاة لا تحصل بهذا، وإنما هى ميتة لأنها ليست بصيد ولا ذكيت بما يذكى به الإنسى المقدور عليه، مع ما فيها من تعذيب الحيوان وإتلاف نفسه لغير منفعة جائزة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٥ - كتاب الأضاحى
(١) باب وقتها
١ - (١٩٦٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، حَدَّثَنِى جُنْدَبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ الأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلمْ يَعْدُ أَنْ صَلى وَفَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ، سَلمَ، فَإِذَا هُوَ يَرَى لحْمَ أَضَاحِىَّ قَدْ ذُبِحَتْ، قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلاتِهِ. فَقَالَ: " مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلىَ - أَوْ نُصَلْى - فَليَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لمْ يَذْبَحْ، فَليَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ ".
ــ
كتاب الضحايا
قوله ﵇: " من ذبح أضحيته قبل أن يصلى - أو نصلى - فليذبح مكانها أخرى ": يقال: أضحية، وإضحية، بالضم والكسر مشددة الياء، وجمعها أضاحى، مشدد الآخر. وضحية وجمعها ضحايا، وأضحاه وجمعها أضحى وأضاح، ومنه قيل: يوم الأضحى، ومنه سميت بذلك، وقيل: سميت بذلك اليوم لأن وقتها وقت ضحى النهار، وهو ارتفاعه. وقيس تذكر الأضحى، وتميم تؤنثه.
قال الإمام: اختلف الناس فى الأضحية، فعندنا أنها سنة مؤكدة، وقال أبو حنيفة والأوزاعى والليث: إنها واجبة. واشترط أبو حنيفة فى الوجوب أن يكون المضحى يملك نصاباً. وقد زعم بعض شيوخنا أن المذهب على قولين فى وجوبها (١)، وخرج القول بالوجوب من قوله فى المدونة: إذا اشتراها ولم يضحّ حتى ذهبت أيام الأضحى أثم. وكان شيخنا - رحمه الله تعالى - ينكر هذا الاستقراء ويقول: لعله رآه باشترائها ملتزماً لذبحها، فأثم لترك ما التزم. وخرّجوا القول بالوجوب أيضاً من قوله فى الموازية: هى سنة واجبة، وهذا قد يقال فيه أيضاً: إنهم ربما يطلقون هذا اللفظ بالتأكيد للسنة، ولكن ابن حبيب نص على التأثيم، وهو من كبار أصحاب مالك، ولكن قد وقع - أيضاً - لأصحابنا التأثيم بترك السنن على صفةٍ، وقد يكون هذا النحو نحى ابن حبيب وإن كان الأظهر حمل هذا الجواب على إفادة الإيجاب.
стр. 3584
٢ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ سَلامُ بْنُ سُليْمٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: شَهِدْتُ الأَضْحَى مَعَ رسُولِ اللهِ ﷺ ،
ــ
وقد تعلق من نفى الوجوب بقوله ﷺ : " من رأى هلال ذى الحجة وأراد أن يضحى فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحى " (١) فوكل الأضحية إلى إرادته، وذلك يدل على نفى وجوبها، وهذا قدح فيه بأنه قد يستعمل مثله فى الواجب، فيقال: من أراد أن يحج فليلبِّ، ومن أراد أن يصلى الظهر فليتوضأ. وتعلقوا - أيضاً - بقوله ﷺ : " أمرت بالنحر وهو لكم سنة " (٢)، وروى: " ثلاث هن علىَّ فرائض، وهن لكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الفجر " (٣).
وتعلق من أثبت الوجوب بقوله ﷺ لأبى بردة: " اذبحها ولن تجزى عن أحد بعدك "، وقوله: " فمن ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى "، وهذا [الأمر] (٤) وذكر الإجزاء يدلان على الوجوب، وقدح فى هذا بأنه لما خالف السنة بأن أوقعها على غير الجهة المشروعة بين [له الجهة المشروعة] (٥) له فقال: " اذبح مكانها "، وقال: " لن تجزى "، يعنى عن السنة التى شرعت.
وخرّج الترمذى والنسائى وغيرهما: " على أهل كل بيت فى كل عام أضحية وعَتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ هذه التى يقول الناس: الرجبية " (٦) ولفظه على تقييد الوجوب، وهذا الحديث لعله لم يثبت عند من أنكر الوجوب. وقد قال بعض المحدثين: هو ضعيف المخرج، وأظنه أحد رواته مجهولاً، لا سيما وقد عطف على الأضحية العتيرة، وهى غير واجبة باتفاق. ولو صح نسخ وجوب العتيرة، كما قال أبو داود (٧)، لأمكن أن يحمل قوله: " على أهل كل بيت " أن المراد به: عليهم إن أرادوا إقامة السنة، وقد قال فى المتعة: ﴿حَقًّا عَلَى
стр. 3585
فَلمَّا قَضَى صَلاتَهُ بِالنَّاسِ، نَظَرَ إِلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ. فَقَالَ: " مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَليَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لمْ يَكُنْ ذَبَحَ، فَليَذْبَحْ عَلى اسْمِ اللهِ ".
ــ
الْمُتَّقِينَ﴾ (١)، وقال: " غسل الجمعة واجب على كل محتلم " (٢)، ولم يحمل مالك ذلك على الوجوب لأدلة [قامت] (٣) عليه، فكذلك هذا. وأما العتيرة فقد فسرها فى الحديث بأنها الشاة التى تذبح فى رجب، وهو الذى يشبه معنى الحديث، وأما العتيرة التى تعرفها الجاهلية: فهى الشاة تذبح ويصب من دمها على رأس الصنم، والعتير بمعنى الذبح، قال الحارث بن حلزة:
عنَنًا باطلا وظلما كما تعـ ... ـتر حجرة الربيض الظباء
قال أبو (٤) عمرو الشيبانى: سمعت الأصمعى ينشد هذا، فصحف البيت تعتر بتعنز فقلت له: وما تعنز. قال: تنحر بالعنزة وهى الرمح الصغيرة، فقلت: إنما هى تعتز فصاح على فأكثر، فقلت له: إنك لا ترويها بعد اليوم إلا كما قلت لك، وذكر بقية الحكاية، وفيه: أن الأصمعى أيضاً ألقى عليه بيتاً غلطه فيه " الفراء "، ففسره الشيبانى أنه على أنه جمع فروء، فقال له الأصمعى: أخطأت، إنه جمع فِرى مقصور، وهو حمار الوحش. هذا الكلام فى وجوب الضحية.
وإنما تفسير البيت: [فمعنى] (٥) " عنناً ": إعراضاً، وكانوا فى الجاهلية إذا طلب أحدهم أمراً نذر إن ظفر به ذبح عدداً من الغنم فى رجب وهى العتاير، فإذا ظفر به قد يضن بغنمه وهى الربيض فيذبح عددها ظباء، فيضرب مثلُ لمن أخذ بذنب غيره.
قال القاضى: قد أجمع المسلمون أن الذبح لأهل الحضر لا يجوز قبل الصلاة، وإنما اختلفوا إذا ذبح بعدها وقبل الإمام، واختلف فيه الآثار. وأما أهل البوادى ومن لا إمام له أو إذا لم يبرز الإمام أضحيته، فعندنا فى المذهب قولان، وقال ربيعة وعطاء فيمن لا إمام له: إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يجزه، ويجزئه بعد، وقال أهل الرأى: يجزئهم من بعد الفجر، قال بعض المفسرين: وإنما كره الذبح قبل الصلاة والإمام لئلا يشتغل الناس بذلك عن الخروج للصلاة، وتركه دعوة المسلمين، وسماع الخطبة والذكر فيها، مع حض النبى ﷺ على حضورها حين أمر بخروج العواتق وذوات الخدور.
стр. 3586
(...) وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ
ــ
وقال الهروى فى العتيرة: كان الرجل ينذر النذر إن كذا وإذا بلغ نساؤه كذا فعليه أن يذبح من كل عشرة منها فى رجب كذا، فكانت تسمى العتاير، قال أبو عبيد: وهى الرجبية، وقال ابن دريد: العتيرة: شاة كانت تذبح فى رجب فى الجاهلية يبقون بها، وكان ذلك فى صدر الإسلام أيضاً، والعتر: الذبح، وعامة أهل العلم على تركها للنهى عنها؛ لأن ابن سيرين كان يذبح فى رجب العتيرة، ولم يره منسوخاً، وسيأتى حديثها آخر الباب.
قال الإمام: وأما ما تضمنه الحديث من إعادتها إذا ذبح قبل الصلاة، فاختلف الناس فيه، فعند مالك: لم يشرع الذبح إلا بعد صلاة الإمام وذبحه، إلا أن يؤخر تأخيراً يتعدى فيه فيسقط الاقتضاء به، وعند أبى حنيفة: الفراغ من الصلاة دون مراعاة ذبح، وعند الشافعى: إذا حلت الصلاة، وذهب مقدار ما يتوقع فيه فبانصرام وقتها شرعت الذبيحة، فاعتبر الوقت دون الصلاة، واعتبر أبو حنيفة الصلاة دون الذبح، واعتبر مالك الصلاة والذبح جميعاً.
فأما أصحابنا فيتعلقون بما ذكر مسلم عن جابر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبى ﷺ قد نحر، فأمر النبى ﷺ من كان نحر قبله أن يعد نحراً آخر، ولا تنحروا حتى ينحر النبى ﵇ (١). وهذا نص فى مذهب مالك؛ لأنه أمر بالإعادة من نحر قبله، وذكر أنهم ظنوا أنه ﵇ نحر؛ فدل أن هذا الحكم مشهور ولم يعذرهم بظنهم وغلطهم، وهذا يؤكد ما قاله مالك. وأما أبو حنيفة فتعلق بهذا الذى أخذنا بالكلام عليه وهو قوله: " من ذبح قبل أن يصلى أو نصلى فليذبح مكانها أخرى "، وفى بعض طرقه: " من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها "، وفى بعض طرقه: " ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين "، فاعتبر فى هذه الأحاديث الصلاة دون الذبح، وقد قال فى بعضها: " فمن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه "، واشتراط الذبح زيادة تفتقر إلى دليل، وأما الشافعى فرأى أن المراد بذكر الصلاة الوقت، وجعل الفراغ منها علماً عليه، فلهذا اعتبر الوقت.
هذا الكلام فى مبتدأ زمن الذبح، وأما منتهاه: فمن الناس من قال: يوم النحر خاصة، ومنهم من قال: يوم النحر ويومان بعده، وهو مذهب مالك، ومنهم من قال: يوم النحر وثلاثة بعده، ومنهم من قال: إلى آخر الشهر، وقال أصحابنا: قوله : ﴿وَيَذْكرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (٢) يرد قول من
стр. 3587
أَبِى عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، كِلاهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالا: عَلى اسْمِ اللهِ. كَحَدِيثِ أَبِى الأَحْوَصِ.
٣ - (...) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ، سَمِعَ جُنْدَبًا البجَلِىَّ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلى يَوْمَ أَضْحَى، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: " مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلىَ، فَليُعِدْ مَكَانَهَا، وَمَنْ لمْ يَكُنْ ذَبَحَ، فَليَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ ".
(...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ.
٤ - (١٩٦١) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: ضَحَّى خَالِى - أَبُو بُرْدَةَ - قَبْلَ الصَّلاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
ــ
قال: يوم النحر خاصة؛ لأن الأيام [جمع] (١) لا يعبر بها عن اليوم الواحد، وأقل الجمع ثلاثة على رأى كثير من أهل الأصول، فيحمل على هذا المتيقن، وزيادة أيام عليه يفتقر إلى دليل.
قال القاضى: اختلف أهل العلم، هلِ يضمن ذكره - تعالى - الأيام لياليها فى قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (٢)، فرأى مالك فى مشهور قوله وعامة أصحابه: أنها لا تتضمن الليالى، ولا يجزى الهدى والضحية ليلاً. وقال أبو حنيفة والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور: الليالى داخلة فى الأيام وتجزى فيها، وقد روى عن مالك وأشهب نحوه، ولأشهب تفريق بين الهدى والضحية، وأجاز الهدى ليلاً ولم يجز الضحية فيه ليلاً.
وقوله: " صلى يوم أضحى ثم خطب ": الحديث حجة على أن خطبة العيد بعد الصلاة، وقد تقدم الكلام على ذلك فى كتاب الصلاة.
وقوله للذى ذبح قبل الصلاة: " تلك شاة لحم ": أى ليست بنسك وضحية ولا فيها أجر، ولكن ينتفع بلحمها، كما قال آخر الحديث: " من ضحى قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين "، وكما قال فى الحديث الآخر: " إنما هو لحم قدمته لأهلك ".
وقوله: " فليذبح على اسم الله " معنى قوله فى الحديث الآخر: " فليذبح باسم الله " ويحتمل معانى:
стр. 3588
" تِلْكَ شَاةُ لحْمٍ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِى جَذَعَةً مِنَ المَعْزِ. فَقَالَ: " ضَحِّ بِهَا، وَلا تَصْلحُ لِغَيْرِكَ ". ثُمَّ قَالَ: " مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلاةِ، فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلمِينَ ".
٥ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ أَنَّ خَالهُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِىُّ ﷺ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ، اللحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَإِنِّى عَجَّلتُ نَسِيكَتِى لأُطْعِمَ أَهْلِى وَجِيرَانِى وَأَهْل دَارِى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَعِدْ نُسُكًا ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِى عَنَاقَ لبَنٍ، هِىَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَى لحْمٍ. فَقَالَ: " هِىَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ، وَلا تَجْزِى جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ".
ــ
أحدها: فليذبح لله والباء بمعنى اللام، والاسم هو المسمى.
الثانى: فليذبح بملة الله ومشيئته.
الثالث: فليذبح بتسمية الله على ذبيحته إظهارًا لإسلامه ومخالفة لمن ذبح لغيره، وقمعاً للشيطان.
الرابع: تبركاً باسمه ويمنا بذكره، كما قال: يقول: سر على بركة الله، وسر باسم الله. وكره بعض العلماء أن يقول: افعل كذا على اسم الله، قال: لأن اسمه على كل شىء ولم يقل شيئاً يرد قوله.
وقوله: يا رسول الله، إن عندى جذعة من المعز قال: " ضح بها، ولن تجزى عن أحد بعدك "، قال الإمام: فيه دلالة على أن الجذعة من المعز لا تجزئ فى الضحايا، وأما الجذع من الضأن فيضحى به، خلافاً لمن منعه. والحجة فى الإجزاء ما ذكره مسلم بعد هذا عن عقبة بن عامر؛ أن النبى ﷺ أعطاه غنماً يقسمها على أصحابه ضحايا، فبقى عتود، فذكره لرسول الله ﷺ فقال: " ضح به أنت " (١)، وفى بعض طرقه عن عقبة بن عامر قال: قسم فينا رسول الله ﷺ ضحايا، فأصابنى منهم جذع، فقلت يا رسول الله، إنما أصابنى جذع، فقال: " ضح به " (٢)، وعند النسائى وأبى داود: أنه ﵇ كان يقول: " إن الجذع يوفى بما يوفى منه الثنى " (٣)، وعند الترمذى عن أبى هريرة: سمعت النبى ﷺ يقول: " نعم - أو نعمت - الأضحية الجذع من الضأن " (٤).
стр. 3589
(...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: " لا يَذْبَحَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلى ". قَالَ: فَقَالَ خَالِى: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ، اللحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ هُشَيْمٍ.
٦ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ صَلى صَلاتَنَا، وَوَجَّهَ قِبْلتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَلا يَذْبَحْ حَتَّى يُصَلىَ ". فَقَالَ خَالِى: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ نَسَكْتُ عَنِ ابْنٍ لِى. فَقَالَ: " ذَاكَ شَىْءٌ عَجَّلتَهُ لأَهْلِكَ ". فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِى شَاةً خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ. قَالَ: " ضَحِّ بِهَا، فَإِنَهَا خَيْرُ نَسِيكَةٍ ".
٧ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللفْظُ لابْنِ المُثَنَّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ الإِيَامِىِّ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ،
ــ
فإن تعلق المخالف بقوله فى كتاب مسلم: " لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن " (١)، قيل: يصح حمل هذا على الاستحباب للمكثر؛ أن يذبح فوق سن الجذعة، لا على أنها لا تجزئ أصلاً. كيف وقد قال ﷺ : " إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن "، فلو كانت مدخل لها فى الأضاحى لم يقل هذا، كما لم يقل بما لا يجزئ من الحيوان.
قال القاضى: وقوله: " إن هذا يومٌ اللحم فيه مكروه ": كذا رويناه بالهاء والكاف من طريق السجزى والفارسى، وكذا ذكره الترمذى (٢)، ورويناه من طريق العذرى: " مقدوم " بالقاف والميم، وصوب بعضهم هذه الرواية، وقال: معناه: يوم يشتهى فيه اللحم، [يقال: كرمته إلى اللحم] (٣) وكرمته: إذا اشتهيته، وإنما معنى (٤) قوله فى الحديث الآخر فى غير مسلم: " عرفت أنه يوم أكلٍ وشربٍ فتعجلت وأكلت وأطعمت أهلى وجيرانى " (٥)، وكما
стр. 3590
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأ بِهِ فِى يَوْمِنَا هَذَا، نُصَلى ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، ليْسَ مِنَ النُّسُكِ فِى شَىْءٍ ". وَكَانَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ قَدْ ذَبَحَ. فَقَالَ: عِنْدِى جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. فَقَالَ: " اذْبَحْهَا، وَلنْ تَجْزِىَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ".
(...) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، سَمِعَ الشَّعْبِىَّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلهُ.
(...) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَهُنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، كِلاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلاةِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
٨ - (...) وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ
ــ
قال فى الحديث الآخر: " إن هذا اليوم يوم أكل وشرب، يشتهى فيه اللحم "، وكذا رواه البخارى (١) أيضاً. وأما على رواية: " مكروه " فقال بعض شيوخنا: صوابه: اللحم فيه مكروه، بفتح الحاء أى ترك الذبح والضحية فيه، وأن يترك العلة بلا لحم حتى يشتهوه. واللحم، بالفتح: اشتهاء اللحم. وقال لى الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان (٢): معنى قوله: " اللحم مكروه ": أى ذبح ما لا يجزئ فى الأضحية، كما هو لحم مكروه لمخالفته السنة، كما قال فى الحديث: " شاتك شاة لحم ".
وقوله: " عندى عناق لبنى ": العناق: اللبنى من المعز. قال غيره: ابن خمسة أشهراً ونحوها، وهو سن الجذعة.
وقوله هاهنا: " عناق لبن ": يشير لصغرها، وأنها ترضع بعد. كما قال جذعة من المعز، وقيل: معناه: أنثى، وليس بشىء.
وقوله: " هى خير من شاتى لحم ": يريد لطيب لحمها وسمنها. قيل: فيه حجة أن المقصود فى الضحايا طيب اللحم لا كثرته، وحجة مالك وأصحابه فى ذلك لإجازته
стр. 3591
الفَضْلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ - يَعْنِى ابْنَ زِيَادٍ - حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، حَدَّثَنِى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى يَوْمِ نَحْرٍ. فَقَالَ: " لا يُضَحِّيَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلىَ ". قَالَ رَجُلٌ: عَنْدِى عَنَاقُ لبَنٍ هِىَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَىْ لحْمٍ. قَالَ: " فَضَحِّ بِهَا، وَلا تَجْزِى جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ".
٩ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلمَةَ، عَنْ أَبِى جُحَيْفَةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: ذَبَحَ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلاةِ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " أَبْدِلهَا ". فَقَالَ: يَا رسُولَ اللهِ، ليْسَ عِنْدِى إِلا جَذَعَةٌ - قَالَ شُعْبَةُ: وَأَظُنُّهُ قَالَ - وَهِىَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اجْعَلهَا مَكَانَهَا، وَلنْ تَجْزِىَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ".
(...) وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنِى وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلمْ يَذْكُرِ الشَّك فِى قَوْلِهِ: هِىَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ.
١٠ - (١٩٦٢) وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُليَّةَ - وَاللفْظُ لِعَمْرٍو - قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ،
ــ
هذه الجذعة على صغرها؛ لما ذكره من أنها عناق لبن خير من شاتى لحم، أى مما يراد به مجرد اللحم وكثرته.
قال بعضهم: وخصه النبى ﷺ بإجزائها دون غيرها لما ذكر من ذبحه قبل ما ذبح، وإطعامه منه جيرانه لما ذكر من حاجتهم وخصاصتهم، فسمح له الجميل فعله، وقد قال فى الحديث نفسه: " وكان النبى عذره ".
وقوله: " خير نسيكتيك ": أى خير من الذى زعمت نسكت بها قبل الصلاة؛ إذ لا يجزيك، ثم خصه بإجزاء هذه، وأنها لا تجزئ لأحد بعده. وقد يحتمل أنه سماها بنسيكة وإن لم يكن ضحته لقصده بها إطعام جيرانه المساكين.
قال الإمام: قال أبو الحسن القابسى: فيه دلالة على أن ما ذبح قبل الإمام أنه لا يباع وإن كان لا يجزئ؛ لأنه سماه بنسيكة، والنسك لا يباع.
قال القاضى: وفى هذا نظر.
стр. 3592
عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ -: " مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَليُعِدْ ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللحْمُ، وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ. كَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَدَّقَهُ. قَالَ: وَعِنْدِى جَذَعَةٌ هِىَ أَحَبُّ إِلىَّ مِنْ شَاتَىْ لحْمٍ، أَفَأَذْبَحُهَا؟ قَالَ: فَرَخَّصَ لهُ. فَقَالَ: لا أَدْرِى أَبَلَغَتْ رُخْصَتُهُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لا؟ قَالَ: وَانْكَفَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى كَبْشَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، فَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ. فَتَوَزَّعُوهَا - أَوْ قَالَ: فَتَجَزَّعُوهَا.
١١ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الغُبَرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَهِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلى ثُمَّ خَطَبَ، فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ أَنْ يُعِيدَ ذِبْحًا. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُليَّةَ.
١٢ - (...) وَحَدَّثَنِى زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الحَسَّانِىُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِى ابْنَ وَرْدَانَ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أَضْحَى. قَالَ: فَوَجَدَ رِيحَ لحْمٍ، فَنَهَاهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا. قَالَ: " مَنْ كَانَ ضَحَّى فَليُعِدْ ". ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا.
ــ
وقوله فى هذا الحديث: " وذكر هنة من جيرانه ": كذا لأكثر الرواة، أى حالة وأمراً وحاجة، كما جاء فى الرواية الأخرى عند البخارى (١). وإنما قال: " هنة " خطأ، وإنما قال: " لهم فقر "، وفى رواية الفارسى: " سنة " والأول أوجه، قيل: لأجل ما ذكر فى الحديث من حاجة جيرانه، فإنه رخص له النبى ﷺ فى ذبح الجذعة وخصه بها، إذ ذكر أنه ليس عنده سواها، ألا ترى قوله: " وكأن رسول الله ﷺ صدقه ". ويحتمل أن يكون هذا من الضحية بالجذع من المعز جائزاً، وبدليل إجازته لعقبة فى الحديث الذى يأتى بعد هذا، ثم نسخه النبى ﵇ بقوله هنا: " ولن تجزئ عن أحد بعدك " على ما قاله بعضهم.
وقوله فى حديث أنس: " فلا أدرى أبلغت رخصته من سواه أم لا؟ ": قال بمبلغ علمه وإذ بيّن فى حديث البرَاء ذلك بقوله: " ولن تجزئ عن أحد بعدك ".
стр. 3593
(٢) باب سنّ الأضحية
١٣ - (١٩٦٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حدثنا زهير، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً، إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَليْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأنِ ".
ــ
وقوله: " لا تذبحوا إلا مُسِنَّة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن ": هذا خصوص أنه لا يجزئ من غير الضأن، وهو موضع بيان، ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجزئ الجذع إلا من الضأن وحدها، وهو عند بعضهم ابن ستة أشهر، وقيل: ابن سبعة، فإذا تمت له سنة فهو ثنى. وقيل: الجذع ابن سنة تامة وهو أشهر، وقيل: ابن عشرة أشهر، وقيل: ابن ثمانية أشهر. قال الداودى: التى قاربت سقوط بنيتها، وقال الأخفش: هى التى سقطت لها بنية، فإذا سقطت بنتاها فهى ثنية، وقال أبو عبيد فى المعز والضأن: يكون جذعاً فى السنة الثانية ثم تثنى، والمسن التى من كل ثنى من الأنعام فما فوقه. وفيه الاستحباب أن يكون الثنى من الضأن مقدماً على الجذع.
وقوله: " انكفأ رسول الله ﷺ إلى كبشين قد ذبحهما " (١) أى مال وعطف. قال الإمام: والأصناف التى يضحى بها: غنم وإبل وبقر. وعندنا أن الغنم أفضل؛ اتباعاً لفعل النبى ﷺ فى أضحيته. وعند المخالف الإبل أفضل؛ لأنها أكثر ثمناً وأعم نفعاً، ولم يرد عند مالك هذا الذى ظنه المخالفة، وإنما أراد ما هو أطيب لحماً. واختلف عندنا إذا عدل عن الغنم، ما الذى يليها فى الفضل؟ فقيل: الإبل، وقيل: البقر، وقيل: الغنم.
قال القاضى: ولا خلاف بين العلماء سمينها وطيبها وفضلة ذلك، واختلف فى تسميتها (*)، فالجمهور على جوازه، وفى البخارى عن أبى أمامة: " كنا نُسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون " (٢)، وحكى ابن نصر عن ابن القرطى (٣) أنه كان يكره ذلك لئلا يتشبه باليهود.
وفى ذبحه ﵇ كبشين حجة فى جواز الضحية بالعدد وأكثر من واحد.
стр. 3594
١٤ - (١٩٦٤) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: صَلى بِنَا النَّبِىُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بِالمَدِينَةِ، فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَنَحَرُوا، وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَدْ نَحَرَ، فَأَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ مَنْ كَانَ نَحَرَ قَبْلهُ، أَنْ يُعِيدَ بِنَحْرٍ آخَرَ، وَلا يَنْحَرُوا حَتَّى يَنْحَرَ النَّبِىُّ ﷺ .
١٥ - (١٩٦٥) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ليْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ أَبِى الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلى أَصْحَابِهِ ضَحَايَا، فَبَقِىَ عَتُودٌ. فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " ضَحِّ بِهِ أَنْتَ ".
قَالَ قُتَيْبَةُ: عَلى صَحَابَتِهِ.
١٦ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوائِىِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ بَعْجَةَ الجُهَنِىِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنىِّ. قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِينَا ضَحَايَا، فَأَصَابَنِى جَذَعٌ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَصَابَنِى جَذَعٌ. فَقَالَ: " ضَحِّ بِهِ ".
ــ
وفى قوله فى حديث عقبة: " أن النبى ﷺ أعطاه غنماً يقسمها على أصحابه ضحايا " جواز ضحية الرجل بما وهب له بذلك. وفى فعل النبى ﷺ ذلك دليل على تأكيد الضحية، فإن كان أعطاها الأغنياء فكانت من الفىء والخمس، وإن كان خص بها الفقراء فمن الصدقة، والله أعلم.
وقول عقبة: فبقى عتود، فقال: " ضح به أنت ". العتود: الصغير من ولد المعز. قيل: حديث أبى بردة ناسخ لهذا لقوله فى الجذعة من المعز: " لن يجزئ عن أحد بعدك "، وقال فى الحديث الآخر عن عقبة: " جذع "، فتبين أن سنة العتود سن الجذع، ومما يعضد أنه منسوخ بحديث أبى بردة، وأنه كان أولاً يجزئ على ما جاء ها هنا، قوله فى أول هذا الحديث: " أعطاه غنماً يقسمها على أصحابه ضحايا "، وقوله: " فأصابنى منها عتود " ولا يعطى للضحايا كان قد بلغ سن ما يجوز فى الضحايا، بدليل قول من قال من أهل اللغة: إن العتود الجدى الذى بلغ السفاد.
وقال ابن الأعرابى: المعز والإبل والبقر يضرب فحولتها إلا بعد أن يثنى، فإذا كان هذا فهو جائز فى الضحايا لكن قوله فى الرواية الأخرى: " العتود، الذى بلغ السفاد.
стр. 3595
(...) وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرُّحْمَنِ الدَّارِمِىّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ حَسَّانَ - أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ - وَهُوَ ابْنُ سَلامٍ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِى بَعْجَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجُهَنِىُّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَسَمَ ضَحَايَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ. بِمِثْلِ مَعْنَاهُ.
ــ
وقيل: الذى استكرش، وقال ابن عمر: العتود من أولاد المعز ما شق وقرب، وقال أبو عبيد: العريض إذا ادعى وقوى، والعتود نحوٌ منه. وقد أجمع العلماء على الأخذ بحديث أبى بردة، وأنه لا يجزئ الجذع من المعز.
стр. 3596
(٣) باب استحباب الضحية، وذبحها مباشرة بلا توكيل، والتسمية والتكبير
١٧ - (١٩٦٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: ضَحَّى النَّبِىُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلهُ عَلى صِفَاحِهِمَا.
١٨ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ. قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلى صِفَاحِهِمَا. قَالَ: وَسَمَّى وَكَبَّرَ.
ــ
وقوله: " بكبشين أملحين ": اختلفوا فى تفسير هذا الحديث، فقال الأصمعى: هو الأبيض لون الملح، قال: وهو بياض يشوبه شىء من سواد، وقال أبو حاتم: هو الذى يخلط بياضه حمرة، وقال بعضهم: هو الأسود يعلوه حمرة، وقال الكسائى: هو الذى فيه بياض وسواد والبياض أكثر، وقال الخطابى: هو الأبيض الذى فيه خلال صوفه طبقات سود، وقال الداودى: هو المتغير الشعر بالبياض والسواد كالشهبة، وقال ابن الأعرابى: هو النقى البياض.
وقوله: " أقرنين ": استحب العلماء القرناء على الجماء والذكران على الإناث اقتداء بفعل النبى ﷺ ، ولا خلاف بين العلماء فى جواز الضحية فى الأجم. واختُلف فى مكسورة القرن، فجمهورهم على جوازه. ورُوى عن النبى ﷺ فى النهى عنه أثر، وكرهه مالك إن كان يدمى؛ لأنه رآه مرضاً، فإذا لم يدم فأجازه، واستحب جميعهم فيها غاية الكمال واجتناب النقص.
وأجمعوا أن العيوب الأربعة فى حديث البراء من المرض والعجف والعور والعرج (١) لا يجزئ فيها الضحية، وكذلك ما هو من نوعها أشنع كالعمى وقطع الرجل وشبهه.
واختلف فيما عدا ذلك، فذهب قوم إلى أن تجزى بكل عيب غير هذه الأربعة إذا لم
стр. 3597
(...) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
قَالَ قُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: نَعَمْ.
(...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ: " بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ ".
١٩ - (١٩٦٧) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ حَيْوَةُ: أَخْبَرَنِى أَبُو صَخْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ فِى سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِى سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِى سَوَادٍ، فَأُتِىَ بِهِ
ــ
ينص النبى ﷺ على غيرها وهو موضع بيان، وبه قال بعض أئمتنا البغداديين وذهب الجمهور إلى اعتبار ما كان نقصاً وعيباً، ثم اختلفوا فى أعيانها على ما ترتب فى علم الفقه (١). ولم يجمع مسلم ولا البخارى حد عيوب الضحايا؛ لأنه مما تفرد به عبيد بن فيروز ولا يُعرف إلا بهذا الحديث، وأدخله مالك فى الموطأ (٢) لما صحبه عنده العمار من المسلمين ووطأه اتفاقهم على قبوله.
وقوله فى الحديث الآخر: " يطأ فى سواد ويبرك فى سواد ": أى أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود، فإن كان هو أحد الكبشين الأولين فهذا تفسير للحجة، وحجة لمن قال: إن فيه بياضاً وسواداً، وأمره بشحذ المدية، أى حد السكين ليذبح، يقال: شحذت السكين بالحجر: حددته به. وهذا لما تقدم من أمره بذلك لإحسان الذبح وإراحة الذبيحة.
وقوله: " فأضْجعه ثم ذبحه ": سُنّة فى صفة الذبح، من إضجاعه برفق، ولا تذبح قائمة ولا باركة، ومضى العمل بإضجاعها على الشق الأيسر؛ لأنه أهنأ لمناولة ذبحها باليمين وإمساك رأسها باليسار.
وقوله: " ووضع رجله على صفاحهما ": أى صفحتى أعناقهما، وهما جانباها. وصفحة كل شىء جانبه. قال الأزهرى: صفحة كل شىء وجهه وجانبه، وإنما فعل ذلك ليكون أثبت له، ولئلا يضرب الكبش برأسه عند الذبح فتزهق يد الذابح. وهذا أصح من الحديث الآخر الذى جاء بالنهى عن هذا.
стр. 3598
لِيُضَحِّىَ بِهِ. فَقَالَ لهَا: " يَا عَائِشَةُ، هَلمِّى المِدْيَةَ ". ثُمَّ قَالَ: " اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ "،
ــ
وقوله: " فسمى وكبر " وفى الحديث الآخر: " فقال بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد "، وتولى النبى ﷺ ذبح أضحيته بيده سنة فى الضحايا مستحبة تولى ذلك بيده. قال مالك: وذلك من التواضع، ولأنها نسك وفدية ودم مهراق لله فنحر لنا، فيستحب أن يتولاه ويجوز أجره، ولا يوليه غيره، فإن ولى ذلك مسلماً أجزأه، والأولى توليه بيده إلا من عذر، وكذلك الهدى فإن ولاه ذمياً فاختلف عندنا، هل يجزيه عن الضحية أم لا؟ ورأى مالك فى أحد القولين: عليه الإعادة؛ إذ هى قربة لا تصح على يد كافر، وكره ذلك جماعة من السلف وعامة أصحاب الفتوى وأئمة الأمصار إلا أنهم قالوا: تجزئ إذا فعل ذلك عطاء ابتداء. وفى الحديث الآخر قال: " باسم الله ".
وقوله: " فسمى وكبر ": فيه التسمية على الضحية والذبيحة، وقد تقدم ذكر صفة التسمية والتكبير، وهو استحباب كافة العلماء، ولا خلاف أن " باسم الله " تجزئ فيها. قال ابن حبيب: وكذلك لو قال: " الله أكبر " فقط و " لا إله إلا الله " أو " باسم الله " أو شيئاً من كل تسمية. ولكن ما مضى عليه العمل من " باسم الله، والله أكبر " أحسن. وقال نحوه محمد بن الحسن، قال: ولو قال: " الحمد لله " ولا يريد بذلك تسمية لم يجزه ولا يؤكل، وقاله الشافعى. ولا يجزئ شىء من ذلك عند أبى ثور، وقال: التسمية كالتكبير فى الصلاة، لا يجزئ من ذلك غيرها. وكره كافتهم من أصحابنا وغيرهم الصلاة على النبى عند التسمية فى الذبح أو ذكره، وقالوا: لا يذكر هنا إلا الله وحده، وأجاز الشافعى الصلاة عليه عندنا (١).
وقوله: " اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد ": أجاز أكثر العلماء من أصحابنا وغيرهم أن يقول فى الضحية: " اللهم تقبل منى " اقتداء بقول النبى ﷺ . واستحب ذلك بعض أصحابنا، واستحب بعضهم أن يقول ذلك بعد الآية: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). وكره أبو حنيفة أن يقول شيئاً من ذلك عند الذبح والتسمية، قال: ولا بأس به قبل ذلك، وكره مالك قولهم: " اللهم منك وإليك "، وقال: هذه بدعة. وأجاز ذلك الحسن وابن حبيب من أصحابنا.
وقوله: " اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد " حجة لمالك وكافة علماء الأمصار فى تجويز ذبح الرجل عنه وعن أهل بيته الضحية، وإشراكهم فيها معه، مع استحباب مالك أن يكون واحد عن كل واحد. وكان الثورى وأبو حنيفة وأصحابه
стр. 3599
فَفَعَلتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: " بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ، تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ "، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ.
ــ
يكرهون ذلك. وقال الطحاوى: لا يجزئ، وزعم أن الحديث فى ذلك من فعل النبى ﷺ عن أمته منسوخ أو مخصوص (١)، وما ادعاه من النسخ يحتاج إلى توقيف.
وضبط من يصح أن يدخله الرجل عندنا فى أضحيته بثلاث صفات:
أن يكونوا من قرابته والد، وحكم الزوجة وأم الولد حكمهم عند مالك والكافة، وأباه الشافعى فى أم الولد، وقال: لا أجيز لها ولا للمكاتب والمدين والعبد أن يضحوا. والثانى: أن يكونوا فى نفقة وجب عليه أو تطوع بها.
الثالث: أن يكونوا فى بيته ومساكنه غير بايتين عنده.
فإن انخرم شرط من هذه الشروط لم يصح إشراكهم فى أضحيته، والنبى مع أمته كالرجل مع قرابته، ومن فى بعضه لقوله: " أنا أولى بالؤمنين من أنفسهم " (٢)، [ولقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ] (٣) وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم﴾ (٤) وكما حكم أزواجه حكم الأمهات، فكذلك حكمه هو حكم الأب، ولا يجوز عند جميعهم شركة جماعة فى ضحية يشترونها ويذبحونها عن أنفسهم أو فى هدى، إذا كانوا أكثر من سبعة. واختلفوا فيما دونها، فمذهب الليث ومالك: أن الشركة لا تجوز بوجه فيها، كانت بدنة أو بقرة أو شاة، أهدوا أو أضحوا. وذهب جمهور الفقهاء من الحجازيين والكوفيين والشاميين إلى جواز اشتراك السبعة فما دون ذلك فى البدنة والبقرة فى الهدى والضحية، ولا تجزئ شاة إلا عن واحد.
стр. 3600
(٤) باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظام
٢٠ - (١٩٦٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى العَنَزِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ عَبَايَةَ بْن رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لاقُو العَدُوِّ غَدًا. وليْسَتْ مَعَنَا مُدًى. قَالَ ﷺ : " أَعْجِل - أَوْ أَرْنِى - مَا
ــ
وقوله: " إنا لاقو العدو غداً، وليس معنا مدى ": أى سكاكين.
وقوله: " فنذكى بالليط ": هى شظايا القصب، وأصله قشوره، وليط كل شىء: قشره. وقد جاء مفسراً فى الحديث الآخر: " أفنذبح بالقصب "، وفى كتاب أبى داود وغيره: " أفنذبح بالمدوة وشقة العصا " (١).
[قال الإمام: قال عيسى: الليطة: فلقة القصبة، والشطير فلقة العصا] (٢)، والضرر فلقة الحجر، فكل ما ذبح به هذا فلا بأس به إذا قطع الأوداج والحلقوم، قال: والشطاط عود محدد الطرف، والذكاة به جائزة فى حال الضرورة.
قال القاضى: قوله: " الضرر " كذا هو بالضاد فى النسخ الواصلة إلينا من المعلم، وصوابه بالظاء. والشظاظ فلقة العود أيضاً. وفى الحديث دليل أنه إنما يعدل بغير الحديد فى التذكية عند عدمه، ولا خلاف فى هذا، والأمر بحد الشفار وإحسان القِتلة يعضده؛ ولهذا ترجم مالك على الذكاة بشظاظ: ما يجوز فى الذكاة على الضرورة. وإنما سألوه عن الذبح بالقصب وشبهه إذا لم يكن معهم مدى، وعندهم السيوف وأسنّة الرماح؛ استبقاء للسلاح وصيانة لها - والله أعلم - عن امتهانها فى الذبح، لا أنه لا يجوز بها الذبح؛ إذ لا خلاف فى جوازه بكل آلة محددة من حديد أو غيره، ما لم يكن ظفراً أو سنًا، وما فى معناهما من القرن والعظم، على ما يذكره بعد.
وقوله: " أعجل أو أرنى ": اختلف فى ضبط هذا الحرف وتفسيره، وكذا رويناه هنا بسكون الراء وياء الإضافة بعد النون مثل: أقضى، ووقع فى كتاب أبى داود (٣) بنون مطلقة وسكون الراء، وفى كتاب البخارى من رواية الأصيلى: " أرنى " بكسر الراء، ومن رواية
стр. 3601
أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ، ليْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ. أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا
ــ
السبعى وغيره: " أرن " بسكون النون (١)، مثل: فخذ، وكذا فى بعض روايات أبى داود. قال الإمام: هذه اللفظة تفيد قريباً من معنى الأول، وهى بمعنى النشاط والسرعة، من قولهم: [أرن] (٢) المهر يأرن، وقال بعض أهل اللغة: صوابه أن يكون مهموزاً.
قال القاضى: قال أبو سليمان الخطابى: طالما استفتيت فيه الرواة (٣) وسألت عنه أهل العلم، فلم أجد عند أحد منهم شيئاً يقطع بصحته وخرجه، فهو على وجوه، منها: أن يكون صوابه: " أأرن " على وزن أعجل وبمعناه، أى خِف وانشط لئلا تموت حتفاً، فإن الذبح إذا كان بغير الحديد خشى عليه ذلك، يقال: أَرن المهر يأرن إذا نشط، قال: ويكون " أرن " بكسر الراء من أران القوم: إذا هلكت مواشيهم، أى أهلكها ذبحاً. قال: ويكون " أرن " بالسكون، أى أرن الحز ولا تغتر من رنوت، أى أدمت النظر، ويحتمل أن يكون " أزن " بالزاى، أى شديدك على المحز من أزرت الجرادة: إذا أدخلت ذنبها فى الأرض لتبيض إن ساعدت هذا الوجه رواية، ويكون " أرن ": بمعنى هات (٤). وقد رد بعضهم من قول الخطابى أنه من أران القوم إذا هلكت مواشيهم؛ لأن هذا لا يتعدى والذى فى الحديث تعدى على ما فسره، ورد أيضاً عليه قوله:" أارن "؛ إذ لا يجمع همز ثان فى كلمة أحدهما ساكنة، وإنما يقال فى هذا: " أيرن " بالياء، وقال بعضهم: معنى " أرنى " على رواية من رواه: أى سيلان الدم، وقال لنا بعض المسندات من رواية على بن عبد العزيز وضبطه: " أرنى وأعجل ما أنهر الدم " كان الراوى شك: أى اللفظين قال النبى ﷺ من ذلك؟ فإذ أبيت هذا فقد اتضح الإشكال كأنه قال: ما أسرع ما أنهر الدم أعجله أو أدناه وبالله التوفيق.
وقوله: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكُلْ ": أى أساله وصبه بكثرة، أفعل من النهر، يشبه. خروج الدم من المذبح يجرى الماء فى النهر أن المعبر فى الذكاة بما يقطع ويجرى الدم، لا بما يدفع ويقتل من غير ذلك، وذكر الخشنى فى شرحه هذا الحرف " ما أنهز الدم " بالزاى، والنهز بمعنى الدفع. والمشهور بالراء كما تقدم، ذكره الحربى وغيره. قال بعض العلماء: حكمة الله فى الذبح وإنهار الدم يميز ما أحل من اللحم والشحم مما حرم من الدم، وتأكد تحريم الميتة لبقاء دمها [فيها واختلاطه بلحمها] (٥).
وقوله: " ليس السن والظفر " الحديث، قال الإمام: كل ما تمكن الذكاة به وينهر
стр. 3602
الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ ". قَالَ: وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبْلٍ وَغَنَمٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ
ــ
الدم، وليس فيه معنى يمنع من حصول التذكية فالتذكية به تصح، وأما ما استثناه رسول الله ﷺ من السن والظفر، فقد اضطرب العلماء فى ذلك. والذى وقع فى مذهبنا منصوصاً: التفرقة بين المتصل فى ذلك والمنفصل، فيمنع حصول التذكية بالسن والظفر المتصلين بالإنسان، ويحصل التذكية بالمنفصلين عنه إذا تأتت بهما التذكية. وقد وقع فى بعض ما نقل عن مالك المنع مطلقاً، ووقع لبعض أصحابنا ما يشير إلى صحة التذكية مطلقاً إذا أمكنت بهما. فمن منع على الإطلاق أخذ بعموم الحديث، لا سيما والإشارة للتعليل منه بالعظم يدل على المساواة بين المتصل والمنفصل لكون السن عظماً فى الحالين.
وأما الإجازة على الإطلاق فيحتمل الحديث على أن المراد به سن يصغر عن التذكية، ولا يسلم القول بالعموم فيه. ولذلك ندعى التخصيص والتعليل فنقول: لما علم أن العظم لا تتأتى به الذكاة، وأن ذلك مما تعلمونه أحال التعليل عليه، وأما المنصوص من المذهب فهو التفرقة فكأنه يرجع إلى هذا القول الآخر الذى هو الإجازة على الإطلاق؛ لأن المجيز على الإطلاق يشترط كون التذكية متأتية بهما، ولكنه لم يعين الوجه الثانى وعينه فى المنصوص، فرأى أن كونه متصلاً يمنع من الثانى، ومنفصلاً لا يمنع منه؛ فلهذا فرق بينهما.
وأما العظم فإنه يجوز التذكية به إذا أمكن ذلك، ولم ير فيه نص خلاف، وتعليل النهى فى الحديث به يقتضى أن يقال فيه ما قيل فى السن، وقد كان بعض شيوخنا يشير إلى هذا [ويجريه مجرى السن] (١)، ويعتل بما عللناه من التعليل به فى الحديث.
فإن قيل: ما وجه أمره ﷺ الذابح هنا بالعجلة؟ قيل: يحتمل أن يكون ذلك لأن الحديد يجهز القتل بحدته وغيره لا يفعل ذلك، فإذا لم يشرع الذبح به خشى أن يقتل الذبيحة بالضغط والخنق، فكان الأحوط الإسراع فى الفعل، وهذا يظهر صوابه الحسن.
وقوله: " أما الظفر فمدى الحبشة، وأما السن فعظم "، قال القاضى: فيه بيان أن العلة فى الظفر كونه مدى الحبشة وأنه به يذبح، وقيل: يغرز أظفارها فى موضع الذبح فيخنقه، وهذا تنبيه على المتصل. وقوله: " وأما السن فعظم " تنبيه على علته، وحجة لمن منعه بالعظم، وظاهره فى المتصل والمنفصل، وبه يحتج المخالف.
وقد اختلف الناس فى الذبح بهما فذهب النخعى والحسن بن صالح والليث والشافعى وفقهاء أصحاب الحديث إلى منع الذكاة بالعظم والظفر كيف، وأجازوه بما عداهما للحديث المتقدم، وهو قول مالك فى كتاب محمد بن القصار؛ أنه حقيقة مذهب مالك. وذهب أبو
стр. 3603
فَحَبَسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَإِذَا غَلبَكُمْ مِنْهَا شَىْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا ".
ــ
حنيفة وصاحباه إلى أنه بالسن والظفر المنفصلين المنزوعين، ولا يجوز بالمتصلين، ولا يؤكل لأنه خنق. وحكى هذا عن مالك، وهو قول ابن حبيب، وعن مالك التفريق بين السن والعظم وأنه يجزيه بالعظم وهو مشهور مذهبه ويكرهه بالسن وفى المبسوط (١)، وحكى ابن المنذر عنه جوازه بالقرن والعظم، وكل شىء يمر مراً، وهذا نحو قول من أجاز جميع ذلك بما كان بعظم أو سن أو ظفر أو غيره. واختاره ابن القصار إذا كان عريضاً محدوداً يقطع الحلقوم والأوداج بمدوة كان مما يؤكل لحمه أو لا، ويمنعه ابن جريج بما لا يؤكل لحمه، وقال فى الحديث: " كل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل " كذا رواه مسلم والبخارى (٢)، وفيه حذف وتمامه فى رواية غيرهما وذكر اسم الله عليه (٣). وقد بين فى غيره تتمة المسألة بقوله: " وفرا الأوداج "، وفى حديث آخر: " ما فرى الأوداج فكل " (٤). فأخذ بظاهره قوم، منهم ابن عباس وعطاء، وتأوله بعض شيوخنا عن مالك من ألفاظ وقعت له فيما قطعت أوداجه أنه قد تمت ذكاته، ولم يشترط غير الودجين. ومشهور مذهبه ومذهب أصحابه اشتراط قطع الحلقوم مع الودجين، وهو قول الليث، وحكى عنه البغداديون شرطاً رابعاً وهو قطع المرىء، وهو قول أبى ثور باشتراط الأربعة.
ثم اختلف أصحابنا فى مراعاة قطع ذلك من الحلقوم أو أكثره، واختلاف عن مالك فى جواز قطع أحد الودجين والحلقوم. وذهب الشافعى إلى اشتراط الحلقوم والمدى دون الودجين، لكن من تمامهما الودجان ولا يجزى دونهما، ويجريان دون الودجين (٥). ثم عن قدماء أصحابنا خلاف كثير فى مراعاة الغلصمة، وكون الذبح تحتها. والناس مجموعون متى كان القطع فى الأعضاء المذكورة تحت الغلصمة فقد تمت الذكاة، وكذلك يتعلق بقوله: " ما أنهر الدم " من يتخير نحر ما يذبح وذبح ما ينحر، وأن الذبح والنحر ذكاة للجميع لإنهاره الدم، وهو قول عامة السلف والعلماء وفقهاء الأمصار. وأشهب من أصحابنا ومالك يمنع أكله، مرة بالكراهة، ومرة جملة، وله قول فى أكل ذبح ما ينحر دون نحر ما يذبح. وقال ابن المنذر: لا أعلم أحداً حرم أكل شىء من ذلك كله. ولم يختلفوا أن الذبح أولى فى الغنم، والنحر أولى فى الإبل، والتخير فى البقر. وقيل: الذبح لأنه الذى ذكر الله.
стр. 3604
٢١ - (...) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رسُولِ اللهِ ﷺ بِذِى الحُليْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلاً، فَعَجِلَ القَوْمُ، فَأَغْلوْا
ــ
وقوله: " وأصبنا نهب الإبل ": يريد غنيمة إبل، ومنه قوله: " أتجعل نهبى ونهب العبيد ".
وقوله: فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال ﵇: " إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شىء فاصنعوا به هكذا ". معنى " ند " شرد ونفر.
قال الإمام: اختلف الناس فى الإنسى إذا توحش حتى صار غير مقدور عليه، فمذهب مالك: ألا يذكى إلا بما يذكى به الإنسية، والحجة له لاستصحاب الأصل الذى كان عليه قبل استيحاشه، ولأن الأحكام باقية عليه كبقاء الملك إلى غير ذلك، وكذلك يجب أن يبقى عليه حكم المنع من التذكية بالعقر، وأما أبو حنيفة والشافعى فإنهما أخرجاه عن الأصل ورأيا تذكيته بما يذكى به الوحش؛ اعتباراً بالحالة التى هو عليها، ووجود العلة التى من أجلها أبيح العقر فى الوحش وهو عدم القدرة عليه، وكذلك هذا المستوحش قد صار غير مقدور عليه، واعتمدوا على هذا الحديث، وقد قال فيه ﷺ : " إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شىء فاصنعوا به هكذا "، فقد أباح ﷺ اصطياد البعير إذا ند بالرمى وهذا نفس ما قالاه.
وقد قال بعض أصحابنا فى الانفصال عن هذا إن الحديث خبر عن فعلة واحدة، لا ندرى كيف وقعت، وجوابه ﷺ محال عليها، فيقع فى جوابه من الاحتمال ما يقع فيها، ويحتمل أن يكون هذا البعير حبسه السهم ولم يقتله، فكأنه ﷺ أخبرهم أن حبسه بالرمى وغيره، مما فيه ألم له وتعريض لتلفه يجوز لا على أنه يحصل التذكية به، ويحتمل الحديث سقط التعلق به.
وقد يتعلق المخالف بما خرجه الترمذى عن رجل ذكره، قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا فى الحلق واللبة؟ فقال له: " لو طعنت فى فخذها لأجزأ عنك ". قال يزيد بن هارون: هذا فى الضرورة (١). وهذا الحديث لم يسلم بعض أصحابنا بثبوته، وقال بعضهم: يمكن أن يراد به الصيد الذى لا يقدر عليه، وكان ﷺ فهم عن السائل بقرينة حال أنه سأله عن صيد أراد أن يتصيد، هلا يزكى إلا فى الحلق واللبة؟ فأجابه ﷺ بما قال. وأما ابن حبيب المجيز لقتل ما سقط فى مهواه بالطعن فى الجنب ونحوه، فإنه قد يحمل هذا الحديث على مثل هذا الذى انفرد بإجازته دون أصحاب مالك، وقد ألزم على
стр. 3605
بِهَا القُدُورَ، فَأمَرَ بِهَا فَكُفِئَتْ، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ. وَذَكَرَ بَاقِى الحَدِيثِ، كَنَحْوِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
٢٢ - (...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ. ثُمَّ حَدَّثَنِيهِ عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لاقُو العَدُوِّ غَدًا، وَليْسَ مَعَنَا مُدًى، فَنُذَكِّى بَالليطِ؟ وَذَكَرَ الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَقَالَ: فَنَدَّ عَليْنَا بَعِيرٌ مِنْهَا، فَرَمَيْنَاهُ بِالنَّبْلِ حَتَّى وَهَصْنَاهُ.
ــ
هذا الذى انفرد به جواز صيد البعير إذا ند بالعقر كما حكيناه عن المخالف، وقد لا يلزمه ذلك لأنه إذا سقط فى مهواه يتبقى تلفه، فقد يبيح صيانة المال عن التلف هذا النوع من التذكية، والبعير إذا ند فقد يعود إلى التأنس وإلى الملك كما كان أول [مرة] (١) فيذكى ذكاة [الإنسية، وقد يتحيل عليه قبل أن يعود بنفسه حتى يحصل سليماً أو جريحاً جرحاً يؤمن عليه معه فيذكى ذكاة] (٢) الإنسية، فلا يلزمه عندى أن يقول فيما ند ما قاله المخالف.
ومعنى قوله: " أوابد كأوابد الوحش " فإن الأوابد قد تأبدت: أى توحشت، ونفرت من الإنس، وقد أبدت تأبد، وتأبدت الديار: توحشت وخلت من قطانها، ومنه قولهم: جاء بآبدة، أى بكلمة أو خصلة ينفر منها ويستوحش. قال ابن الأنبارى: وقد أبدى الشاعر: إذا أتى بالعويص فى شعره وما لا يعرف معناه، وهى أمثال مؤبدة: إذا كانت وحشية معتاصة على المخرج لها والباحث عنها.
وقوله: " فرميناه بالنبل حتى وهصناه "، قال القاضى: قيل: معناه: رميناه رمياً عنيفاً، ويكون بمعنى: أسقطناه إلى الأرض، ويكون بمعنى: أنخناه وشدخناه، ويكون بمعنى: أثقلناه. ورواه بعضهم فى غير مسلم: " رهصناه " بالراء (٣)، ومعناه: حبسناه، وفيه قوة لتأويل المالكية أنه لم ينفذ السهم مقاتله، وإنما أشواه وحبسه حتى أدركت ذكاته كما قال فى الحديث: " فحبسه ".
قال الإمام: فى الحديث: " إلا وَهَصه الله إلى الأرض "، قال بعض أهل اللغة: أى حطه الله ودقه، يقال: وهصت الشىء ووقصته ووطسته، ومنه الحديث: " إن آدم ﵇ حين أهبط من الجنة وهصه الله إلى الأرض " (٤). وقال أبو حمزة رُمى رمياً عنيفاً، وكلّ من وضع قدمه على شىء فشدخه فقد وهصه.
стр. 3606
(...) وَحَدَّثَنِيهِ القَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، الحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ بِتَمَامِه. وَقَالَ فِيهِ: وَليْسَتْ مَعَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟
٢٣ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لاقُو العَدُوِّ غَدًا، وَليْسَ مَعَنَا مُدًى. وَسَاقَ الحَدِيثَ. وَلمْ يَذْكُرْ: فَعَجِلَ القَوْمُ، فَأَغَلوْا بِهَا القُدُورَ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَتْ. وَذَكَرَ سَائِرَ القِصَّةِ.
ــ
وقوله: " أصبنا غنماً وإبلاً فعجل القوم، فأغلوا بها القدور، فأمر بها فكفئت " الحديث، قال القاضى: أى قلبت، وقد تقدم.
قال القاضى: يمكن أن يكون أمره بإكفاء القدور لأنهم استباحوا منها على القرب ما كانوا يعرفون فيما بعد عن بلاد الإسلام، وموضع الأمر مطاع مما هو مضطرون إليه، وفى هذه الغنيمة كانوا بذى الحليفة - كما جاء فى الحديث - قريباً من المدينة ومن منازلهم، فلم يكونوا مضطرين إليها، فمنعهم من ذلك إلا بإذنه، وأراهم أن ما فعلوه فلا يجوز لهم، وأنه من باب الغلول. قال: ولو قيل إن ذلك كان من قبل أنهم بادروا قبل القسم لكان داخلاً فى المعنى، وقال غيره: إنما أبيح أكل الطعام والحيوان فى بلاد العدو، وقيل: تخليص الغنيمة إلى أرض الإسلام، وأما فى أرض الإسلام فلا يأخذوا منها إلا ما قسم لهم لأنها غنيمة خالصة، وقد يكون عندى من باب أنهم إن نهبوها ولم يأخذوها باعتدال وقدر الحاجة، وكذلك وقع فى غير مسلم فى غير هذا الحديث: فانتهبناها، فأمرهم النبى ﷺ بإكفاء القدور بما فيها، وقال: " إنها لا تحل النهبة " الأثر (١). كيف قال فى هذا الحديث: " فأصبنا نهب إبل وغنم "، وأنه عدل بينهم فيما بقى بعد ذلك، فقد عدل عشراً من الغنم بجزور. ولم يذكر هنا قرعة، ولا خلاف أن ما اختلف أجناسه ولم يدخله قرعة أنه جائز، تفاضلوا فيه أو تساووا لأنها مراضاة، ولا يجوز القرعة إلا فى التساوى والجنس الواحد، والتعديل فى عدل النبى ﷺ جزوراً الأصل عندنا المذهب، والأظهر والأكثر جوازه وفيه حجة لنقوص ذلك فى الهدايا على ما تقدم فى الحج.
قال المهلب: إنما أمرهم بإكفاء القدور وطرح ما فيها عقوبة لهم؛ لاستعجالهم وتركهم النبى ﷺ فى أخريات القوم، ولما يخشى من مكيدة، كما جاء فى الحديث: والنبى فى أخريات القوم فعجلوا ويقدم مسرعاً والناس، فنصبوا القدور فحرمهم ما تعجلوا له عقاباً لهم؛ كما منع القاتل الميراث وشبهه.
стр. 3607
(٥) باب بيان ما كان من النهى عن أكل لحوم الأضاحى بعد ثلاث فى أول الإسلام. وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء
٢٤ - (١٩٦٩) حَدَّثَنِى عَبْدُ الجَبَّارِ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ، عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ، قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ، فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الخُطبَةِ. وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَأكُلَ مِنْ لحُومِ نُسُكِنَا بَعْدَ ثَلَاثٍ.
٢٥ - (...) حَدَّثَنِى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى أَبُو عُبَيْدٍ - مَوْلى ابْنِ أَزْهَرَ - أَنَّهُ شَهِدَ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ. قَالَ: ثُمَّ صَليْتُ مَعَ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ. قَالَ: فَصَلى لنَا قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَاكَمْ أَنْ تَأكُلوا لحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، فَلا تَأكُلوا.
(...) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الحُلوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ.
ــ
قال مسلم فى أول باب النهى عن أكل لحوم الأضاحى بعد ثلاث: حدثنى عبد الجبار ابن العلاء، حدثنا سفيان، حدثنا الزهرى - وذكر الحديث. هذا الحديث عند أهل الصنعة علة فى رفعه؛ فإن الحافظ عن سليمان لم يرفعوه، وكذلك لم يخرجه البخارى من رواية سفيان، وخرّجه من غير طريقه (١). قال الدارقطنى: هذا مما وهم فيه عبد الجبار بن العلاء؛ لأن ابن المدينى وابن حنبل والقعنبى وأبا خيثمة وإسحاق وغيرهم رووه عن سفيان بن عيينة موقوفاً، ورفع الحديث عن الزهرى ومالك من رواية جويرية، كلهم رووه عن الزهرى مرفوعاً (٢)، وقول علىّ: " نهانا رسول الله ﷺ أن نأكل من نُسكنا بعد ثلاث فلا تأكلوا " (٣)، ومثله عن ابن عمر، قال سالم: " فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحى بعد ثلاث " ثم ذكر
стр. 3608
٢٦ - (١٩٧٠) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ليْثٌ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " لا يَأكُلْ أَحَدٌ مِنْ لحْمِ أُضْحِيَّتِهِ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ".
(...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ - كِلاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ الليْثِ.
٢٧ - (...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ - أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لحُومُ الأَضَاحِى بَعْدَ ثَلاثٍ.
قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَأكُلْ لحُومَ الأَضَاحِى فَوْقَ ثَلاثٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: بَعْدَ ثَلاثٍ.
٢٨ - (١٩٧١) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَاقِدٍ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ فَقَالتْ: صَدَقَ. سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ حَضْرَةَ الأَضْحَى، زَمَنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ادَّخِرُوا ثَلاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِىَ ". فَلمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ
ــ
حديث جابر بمثله فى النهى، ثم قال: " كلوا بعد وادخروا وتزودوا "، وحديث عائشة فيه: دَفَّ أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى من أهل البادية زمن النبى ﷺ فقال: " ادخروا ثلاثة أيام ثم تصدقوا بما بقى " الحديث، وفيه: " إنما نهيتكم من أجل الدافة التى دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا "، وذكر معناه من حديث سلمة بن الأكوع وأبى سعيد وثوبان وبريدة. الدافة: قوم يسيرون جماعة سيراً ليس بالشديد. ودافة الأعراب من يرد منهم المصر، والمراد هنا من ورد عليهم من ضعف الأعراب للمواساة والدفف (١).
وقوله: " حضرة الأضحى ": كذا رويناه عن أكثرهم بالسكون، وفيه بعضهم بالفتح، وهما بمعنى القرب والمشاهدة. قال يعقوب: يقال: كلمته بحضرة فلان وحضرته
стр. 3609
قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ النَّاسِ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَةَ مِن ضَحَايَاهُمْ، وَيَجْمِلونَ مِنْهَا الوَدَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَمَا ذَاكَ؟ ". قَالوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ. فَقَالَ: " إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ التِى دَفَّتْ، فَكُلوا وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا ".
٢٩ - (١٩٧٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ
ــ
وحضرة. قال أبو عبيد: وحضرته. اختلف فى الأخذ لهذه الأحاديث، فذهب قوم إلى تحريم إمساكها والأكل منها بعد ثلاث، على ما تقدم عن على وابن عمر، وأن حكم المنع باق، وذهب آخرون إلى إباحة ذلك ونسخ النهى جملة، وهو قول الكافة والجمهور، وظاهر الأحاديث. وهذا من نسخ السنة بالسنة.
وقيل: كان النهى الأول على التحريم فوردت الإباحة، والإباحة بعد التحريم نسخ، وقيل: ليس بنسخ وإنما كان تحريماً لعلة، فلما ارتفعت ارتفع الحكم، واستدل قائل هذا بما فى حديث سلمة وقد سألوه عن ذلك، فقال: إن ذاك عام كان الناس فيه بجهد، فأردت أن يفشوا فيهم (١)، وعن عائشة وسُئلت: أحرّم رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا، ولكنه لم يكن ضحى منهم إلا قليل (٢)، ففعل ذلك ليطعم من ضحى من لم يضح.
وقيل: بل كان النهى الأول على الكراهة، وعلى هذا فيحتمل أن تكون الكراهة باقية مع الإباحة والجواز، والنهى باق ورد مورد العموم، والمراد به الخصوص للعلة الواردة المذكورة، وأن الحاجة لو نزلت اليوم بقوم قذفت الناس مواساتهم، وعلى هذا يحتمل [مذهب] (٣) على وابن عمر، وقيل: يحتمل أن تكون الكراهة منسوخة وهو أظهر.
وقوله: " بعد ثلاث ": يحتمل من أول يوم النحر فلا يتعدى وإن ذبحت فى أخراها، ويحتمل أن تكون بعد ثلاث ثم ذبحها متى ذبحها من أيام النحر؛ لئلا يضيق عليهم فى أمد ذبحها إن أرادوا التأخير، والأول أظهر إذا لم يعتد ذلك بذبحها، وإن ما أطلقه فهو محمول من يوم قوله.
واستدل بقوله: " بعد ثلاث " بعض مشائخنا على مذهب مالك؛ أن أيام الذبح ثلاث، خلاف من قال: هى أربع أو أكثر من ذلك على ما تقدم لغيره.
стр. 3610
جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ لحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: " كُلوا، وَتَزَوَّدُوا، وَادَّخِرُوا ".
٣٠ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مِسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُليَّةَ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - وَاللفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كُنَّا لا نَأكُلُ مِنْ لحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلاثِ مِنًى، فَأَرْخَصَ لنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " كُلوا وَتَزَوَّدُوا ".
قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَالَ جَابِرٌ: حَتَّى جِئْنَا المَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
٣١ - (...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا لا نُمْسِكُ لحُومَ الأَضَاحِى فَوْقَ ثَلاثٍ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتَزَوَّدَ مِنْهَا، وَنَأكُلَ مِنْهَا - يَعْنِى فَوْقَ ثَلاثٍ.
٣٢ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا نَتَزَوَّدُهَا إِلَى المَدِينَةِ، عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
ــ
وقوله: " فكلوا وتصدقوا وادخروا "، قال الإمام: جمهور الفقهاء على أن الأكل من الضحية غير واجب، وشذ بعضهم فأوجب الأكل منها لظاهر هذه الأوامر، والجمهور لما كانت عندهم [جاءت] (١) بعد الحظر حملت على الإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٢)، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْض﴾ (٣).
قال القاضى: لمالك فى كتاب ابن حبيب ما يدل أن ذلك على الندب، وأنه كان لم يأكل مخطى، وقال: لو أراد أن يتصدق بلحم أضحيته كله، كان كأكله كله حتى يفعل الأمرين جميعاً. وقال الطبرى: جميع الأمصار على جواز ألا يأكل منها إن شاء ويطعم جميعها، وهو قول محمد بن المواز. وقد اختلف الأصوليون من الفقهاء والمتكلمين فى لفظة " أفعل " إذا جاءت بعد الحظر، هل يحتمل على الوجوب أو الإباحة؟ فجمهور محققيهم