٦٣ - (٩٧٧) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنْ أَبِى سِنَانٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنّى: عَن ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ - عَنْ مُحَارِبٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ - أَبُو سِنَانٍ - عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : " نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلا فِى سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِى الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا ".
٦٤ - (...) وحدَّثنا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا ضَحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ، وَإِنَّ الظُّرُوفَ أَوْ ظرفًا - لا يُحِلُّ شَيْئًا وَلا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامُ ".
ــ
حجارة وهو التور. قال الخليل: التور معروف، يذكره العرب. وقيل: هو دخيل.
وذكر مسلم كذا فى الباب: حدَّثنا شيبان بن فروخ، حدثنا القاسم - يعنى ابن المفضل. كذا قيدناه عن أبى بحر، وضبطناه عن الصدفى والخشنى: " ابن الفضل ". كذا ذكر أبى (١) عبد الله الحاكم. قال القاسم بن المفضل: [أعرفه بالدلل الحرابى فيما تفرد به مسلم، وكذا جاء بعد هذا فى باب نبذ رسول الله على الصواب] (٢).
ذكره مسلم - أيضاً - فى الباب: حدَّثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن يحيى بن [أبى] (٣) عمر، عن ابن عباس. كذا قيدناه عن جميع شيوخنا، ورواه بعضهم هنا.
وفى حديث إسحاق فى باب نبيذ النبى ﷺ : عن يحيى بن أبى عمر، وهو وهم، وإنما هو يحيى بن عبيد أبو عمر البهرانى.
وكذا جاء بعد هذا فى باب نبيذ النبى ﵊: شعبة عن يحيى بن [أبى عمر] (٤) البهرانى، سمعت ابن عباس فى حديث عبيد الله العنبرى، وكذا ذكره ابن البيع فيمن تفرد به مسلم، وقال البخارى فى التاريخ مثله، وقال: كوفى سمع ابن عباس، يروى عنه الأعمش وشعبة (٥).
стр. 3646
٦٥ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُعَرِّفِ بْنِ وَاصِلٍ عَنْ مُحارب بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُنَتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ فِى ظُرُوفِ الأَدَمِ، فَاشْرَبُوا فِى كُلِّ وِعَاءٍ، غَيْرَ أَلا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا ".
٦٦ - (٢٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى عُمَرَ قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِى عِيَاضٍ، عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ النَّبِيذِ فِى الأَوْعِيَةِ، قَالُوا: لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ فَأَرْخَصَ لَهُمْ فِى الْجَرِّ غَيْرَ المُزَفَّتِ.
ــ
وذكر فى الباب: عبد الخالق بن سلمة، عن سعيد بن المسيب. ضبطناه بكسر اللام وفتحها، وبالوجهين ذكر البخارى فى تاريخه (١) وأصحاب المؤتلف فى كتبهم.
قال الإمام: وذكر مسلم فى الباب فى حديث ابن أبى شيبة وابن أبى عمر قالا: حدثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن مجاهد عن ابن أبى عياض، عن عبد الله بن عمرو، قال: " لما نهى رسول الله ﷺ عن النبيذ " الحديث: هكذا عن ابن ماهان، ووقع فى النسخة: عن أبى العباس الرازى، عن عبد الله بن عمر - يعنى ابن الخطاب. قال بعضهم: كذا عند السجزى والكسائى، كلهم قال: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب والمحفوظ: لعبد الله بن عمرو بن العاص، وكذا جعله الحميدى وابن أبى شيبة عن سفيان ابن عيينة فى مسند عبد الله بن عمرو بن العاص.
قال القاضى: وكذا ذكره البخارى (٢)، وكذا رويناه عن الأسدى من طريق السجزى والسمرقندى، وروينا من طريق الكسائى وابن الحذاء: عمرو.
ذكر مسلم فى حديث الخليطين: عن أبى كثير الحنفى. كذا فى جميع النسخ. قال بعضهم: صوابه: السحمى، واسمه يزيد بن عبد الرحمن، وكذا نسبه الحاكم أبو عبد الله، لكن قال فيه: يزيد بن عبد الله بن أزنية (٣).
(...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُمَا: " بَشِّرَا وَيَسِّرَا، وَعَلِّمَا وَلا تُنَفِّرَا "، وَأُرَاهُ قَالَ: " وَتَطَاوَعَا ". قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى رَجَعَ أَبُو مُوسَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَهُمْ شَرَابًا مِنَ الْعَسَلِ يُطْبَخُ حَتَّى يَعْقِدَ، وَالْمِزْرُ يُصْنَعُ مِنَ الشَّعِيرِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنِ الصَّلاةِ، فَهُوَ حَرَامٌ ".
٧١ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ أَبِى خَلَفٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى خَلَفٍ - قَالا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ - وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِى أُنَيْسَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: " ادْعُوَا النَّاسَ، وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا ". قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفْتِنَا فِى شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ: الْبِتْعُ، وَهُوَ مِنَ الْعَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ. وَالْمِزْرُ، وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أُعْطِىَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ بِخَوَاتِمِه. فَقَاَلَ: " أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنِ الصَّلاةِ ".
ــ
وقوله: ﵇: " كل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام ": نبه بهذا عن المسكر من غيرها؛ بدليل إطلاقه هذا اللفظ فى سائر الأحاديث دون ذكر الصلاة، وقد كان أولاً قبل تحريم الخمر ورد النهى عن قرب الصلاة فى حال السكر، على قول أكثر العلماء فى المراد بالآية أنه من سكر الخمر. ثم اختلفوا فى ذلك، فذهب بعضهم إلى أن المفهوم منها السكر دون غيره وذلك قبل تحريم الخمر، ثم نسخ جميع ذلك [بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (١) وبقوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون﴾ (٢)، وقيل: بل نسخ ذلك] (٣) بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاة﴾ الآية (٤)، فلم يبح لهم تأخير الصلاة جملة وقيل: المراد سكر النوم.
وقوله: " يطبخ حتى يعقد " بفتح الياء وكسر القاف، يقال: عقد العسل فهو عقيد، وأعقدته أنا فهو معقد: إذا شددته بالنار، وعقدت الحبل وغيره فهو معقود.
واختلف فيما طبخ من العصير بالحد المباح منه، فجمهور العلماء على أن ينقص الثلثين يبيحه ويؤمن معه السكر، وهو المذكور فى حديث عمر (٥)، وحكى مثله عن مالك. وكافة العلماء وفى كتاب محمد: لا حد فى ذلك، إلا أن يكون لا يسكر، والأكثر أنه يحل
стр. 3649
٧٢ - (٢٠٠٢) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَردِىَّ - عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابَرٍ؛ أَنَّ رَجُلاً قَدِمَ منْ جَيْشَانَ - وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ - فَسَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " أَو مُسْكِرٌ هُوَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ عَهْدًا، لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ، أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: " عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ ".
ــ
بذهاب الثلثين وليس فى كل شراب ولا كل عصير، وأما الوضع المعروف فلا بأس بذلك. وجواب النبى ﵇ عن هذا بقوله: " كل ما أسكر " يعضد هذا كله.
وأجاز أبو حنيفة وأصحابه شرب ما ذهب منه ثلثاه وإن أسكر، وجعلوا ذهاب الثلثين حدًا للحل، وروى عن جماعة من السلف أن ذهاب النصف بالطبخ حد يبيح شربها، وروى - أيضاً - عن أبى حنيفة وأبى يوسف. والمراعاة فى ذلك ما ذهب إليه أصحابنا، وهى حقيقة قول مالك: مراعاة عدم الإسكار، وأن حديث عمر: أن عصير عنبهم كان إذا ذهب ثلثاه بالطبخ أمن منه ذلك (١).
قال ابن حبيب: ومن تحفظ التزم الشرطين: عدم الإسكار، وذهاب الثلثين، كأنه احتاط لرفعه واختزانه، وحديث [أبى] (٢) موسى ومعاذ هذا له علة، فذكره مسلم عن شعبة، عن أبى بردة، عن أبيه، [عن جده] (٣) [عن أبى موسى. وذكره - أيضًا - عن محمد بن عباد، عن سفيان بن عمر - وهو ابن كيثار - عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن جده، (٤) وذكره - أيضًا - عن زيد بن أبى أنَيْسَة، عن سعيد بن أبى بردة، حدثنا أبو بردة، عن أبيه. قال الدارقطنى: اختلف فيه على شعبة، فأخرجه البخارى عنه، عن سعيد بن أبى بردة، عن أبيه: " بعث النبى ﵇ جده (٥) أبا موسى ومعاذ " الحديث. كذا قاله البخارى (٦) من رواية مسلم عن شعبة، وتابعه العبدى ووهيب عنه، وقال وكيع والنضر وأبو داود: عن أبيه، عن جده. كما ذكر مسلم هنا. وأما رواية ابن عباد، فقال الدارقطنى: لم يتابع ابن عباد عليه، ولا يصح هذا عن عمرو بن دينار، وقد روى عن ابن عيينة عن ابن مسعود، ولا يثبت، ولم يخرجه البخارى من حديث عيينة، وهذا مما استدركه الدارقطنى على مسلم (٧).
стр. 3650
٧٣ - (٢٠٠٣) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِى الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا، لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِى الآخِرَةِ ".
ــ
والذى عندى: إنما ذكر مسلم حديث محمد بن عباد ليستشهد به على رواية وكيع لموافقته له فى إسناد الحديث، وهذا ومثله يبين أن مسلماً استوفى فى كتابه الأقسام التى أشار إليها، والعلل التى وعد بذكرها، خلاف ما ذهب إليه الحاكم أبو عبد الله من تأويله أنه مات قبل أن يؤلف من ذلك إلا الضرب، وقد بينا هذا أول الكتاب.
وقوله: " نهيتكم عن الأشربة فى ظروف الأدم فاشربوا فى كل وعاء " (١) كذا لفظه فى حديث ابن أبى شيبة، وفيه تغيره من النعلة، وصوابه: " إلا فى ظروف الأدم " بدليل الحديث قبله: " نهيتكم عن النبيذ إلا فى سقاء "، وأنه ﵇ حين نهاهم عن الأوعية أباح أسقية الأدم للغاية التى ذكرناها من أمر خفاء التغيير؛ لما فيها من شد أعلاها، كما قال: " ولا يشرب إلا من موكأ لهم " ثم أباح ﵇ سائر الظروف ما لم يسكر، ولذلك قوله فى حديث ابن نمير: " نهيتكم عن النبيذ إلا فى سقاء، فاشربوا فى الأسقية كلها " قيل: فيه تغيير أيضاً، وصوابه: " فاشربوا فى الأوعية أو الظروف كلها " إذ كانت الأسقية كلها قبل مباحة كما تقدم، وبدليل قوله فى حديث حجاج بعده: " نهيتكم عن الظروف " (٢).
وقوله فى حديث ابن أبى شيبة: " فاشربوا فى كل وعاء " (٣): فالنسخ إذا كان فى الأوعية والظروف عن الأسقية، وفيها اختلف الحكم. وأما الأسقية فلم تزل مباحة، وقد ذكر البخارى فى حديث عبد الله بن عمرو: " نهيتكم عن الأوعية "، فقالوا: ليس كل الناس يجد سقاء (٤). وهذا هو الصحيح، وقد ذكره من رواية أخرى عن الأسقية، والصواب الأول.
وكان نهى النبى لهم أولاً حيطة لهم على دينهم فى أن يوقعهم الانتباذ فيها فى شرب المسكر، وعلى أموالهم فى أن يفسد أنبذتهم لسرعة الشدة والإسكار فيها، فلما أعلموه بضرورتهم بذلك راعى أخف الضررين، وأن منيعتهم بالانتباذ أُخذ من خوف فساد أنبذتهم، وحذرهم من موافقة الحرام المسكر.
стр. 3651
٧٤ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، كِلاهُمَا عَنْ رُوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ".
(...) وحدّثنا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ السُّلَمِىُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ المُطَّلِبِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
ــ
وقوله: " وكان أوتى جوامع الكلم وخواتمه " (١): المراد بجوامع الكلم هنا: الإيجاز فى اللفظ، وجمع المعانى الكثيرة فى الألفاظ القليلة، وهو فى غير هذا الحديث القرآن، ومعنى خواتمه من هذا، كأنه يختم على المعانى ويضمها لوجيز اللفظ كما يختم الكتاب ويجمعه به.
وقوله: " كل مسكر خمر، وكل خمر حرام "، قال الإمام: نتيجة هاتين المقدمتين أن كل مسكر حرام، وقد أراد بعض أهل الأصول أن يمزج هذا بشىء من علم أصحاب المنطق [فيقول: إن أهل المنطق] (٢) يقولون: لا يكون القياس ولا تصح النتيجة إلا بمقدمتين. فقوله: " كل مسكر خمر " مقدمة لا يبح بانفرادها شيئاً، وهم يسمون اللفظة الأولى من المقدمة موضوعاً، واللفظة الثانية محمولاً؛ بمعنى أن اللفظة الأولى وضعت لأن تحمل الثانية [محمولاً] (٣) عليها، فيكون المحمول فى المقدمة الأولى هو الموضوع فى المقدمة الثانية، وتكون النتيجة موضوع المقدمة الأولى ومحمول الثانية، فيصير: كل مسكر حرام. ويجعل أصحاب المنطق هذا أصلاً يسهلون به معرفة النتائج والقياس.
وهذا وإن اتفق لهذا الأصولى هاهنا وفى موضع أو موضعين فى الشريعة، فإنه لا يستمر فى سائر أقيستها، ومعظم طرق الأقيسة الفقهية لا يسلك فيها هذا المسلك، ولا يعرف من هذه الجهة؛ وذلك أنَّ مثلاً لو عللنا تحريمه ﷺ التفاضل فى البُرِ بأنه مطعوم، كما قال [به] (٤) الشافعى، لم يقدر أن نعرف هذه العلة إلا ببحث وسبر وتقسيم، فإذا عرفناها فللشافعى أن يقول حينئذ: كل سفرجل مطعوم، وكل مطعوم ربوى، فتكون النتيجه [السفرجل ربوى، على حسب ما قلناه من كون النتيجة] (٥) موضوع الأولى ومحمول الثانية، ولكن هذا ما يفيد الشافعى فائدة؛ لأنه إنما عرف هذا وصحة هذه النتيجة بطريقة أخرى، فلما عرفها من تلك الطريقة أراد أن يضع عبارة يعبر بها عن مذهبه، جاء
стр. 3652
٧٥ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ - وَلا أَعْلَمَهُ إِلا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ ".
ــ
بها على هذه الصيغة. ولو جاء بها على أى صيغة أراد مما يؤدى عنه مراده لم يكن لهذه الصيغة مزيد عليها، وإنما نبهنا على ذلك لما ألفينا بعض المتأخرين؟ صنّف كتاباً أراد أن يرد فيه أصول الفقه لأصول علم المنطق.
وقد وقع فى بعض طرق مسلم: " كل مسكر حرام ": هذا نتيجة تينك المقدمتين من غير أن تذكر، وتانك المقدمتان ذكرتا فى طريق أخرى من غير نتيجة، وفى طريق ثالثة: " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام "، وهذا ذكر فيه إحدى المقدمتين مع نتيجتهما لو اجتمعتا، وهذا يشعرك بأن الشرع لا يلتفت إلى الناحية التى التجأ (١) إليها هذا المتأخر.
قال القاضى [عياض] (٢): اختلف فى هذا الحديث عن نافع فى رفعه عن ابن عمر، فرواه أبو الزناد، وعبد الله العمرى، وابن عجلان، وأيوب، والليث، وحماد بن زيد، وموسى بن عقبة، وجماعة من الحفاظ مرفوعاً، واختلف فيه عن مالك [موقوفاً على عبد الله] (٣) والعمرى، قد ذكره مسلم وأصحاب الموطأ عن مالك موقوفاً على عبد الله بن عمر، ولم يرفعه من أصحاب الموطأ غير معن؛ ولذلك رواه عنه عبد الملك بن الماجشون مرفوعاً. واختلف فيه عن عبد الله بن عمر، فكان مرة يوقفه، وربما قال أحياناً: لا أعلمه إلا عن النبى ﵇ وكذلك رفعه جماعة عن ابن عمر غير نافع، فيهم أبو سلمة ابن عبد الرحمن وزيد بن أسلم، وعبد الله بن كسار، وسالم، كلهم رفعوه عن ابن عمرو، ورفعه صحيح.
وقوله: " إن على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال "، وفسرها بعرق أهل النار أو عصارة أهل النار. السكر، بفتح السين هنا: الخمر المسكر، وكذا وقع فى رواية الطبرى: " المسكر "، وفيه الحديث: " حرمت الخمر بعينها، والسكر من غيرها "، كذا رواه أحمد بن حنبل: " والمسكرات كلها من غيرها " (٤). وقال المفسرون فى قوله:
стр. 3653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿تَتَّخِذونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ (١) أى خمراً، قالوا: وذلك قبل تحريم الخمر (٢). قال ابن عرفة: السكر خمر الأعاجم، ويقال لما يسكر: السكر.
ومعنى " أن على الله عهداً ": أى ألزم ذلك وأوجبه، وقضى به، والعهد الموثق. وهذا الحديث حجة - أيضاً - فى تحريم الخمر، وأن شرب ذلك من الكبائر؛ لأن ما أوعد الله عليه بالعقاب فهو حرام.
стр. 3654
(٨) باب عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منها بمنعه إياها فى الآخرة
٧٦ - (...) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِى الدُّنْيَا، حُرِمَهَا فِى الآخِرَةِ ".
٧٧ - (...) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِى الدُّنْيَا فَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِى الآخِرَةِ فَلَمْ يُسْقَهَا ". قِيلَ لِمَالِكٍ: رَفَعَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
٧٨ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِى الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِى الآخِرَةِ، إِلا أَنْ يَتُوبَ ".
(...) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ - يَعْنِى ابْنَ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِىَّ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ.
ــ
[وقوله] (١): " من شرب الخمر فى الدنيا فمات وهو مدمنها لم يتب منها لم يشربها فى الآخرة ": ففى قوله: " لم يتب " دليل أن التوبة تكفر الذنوب على ما تظاهرت به دلائل الشريعة، ولم يختلف أئمة أهل السنة. أن قبولها وتكفير الخطايا بها واجب شرعاً، واختلف أئمة المتكلمين من أهل السنة: هل هى مسألة قطعية أو ظنية؟ فيرجح فيها بعضهم، وذهب غيرهم من المعتزلة إلى أن ذلك واجب عقلاً على أصولهم.
وقوله: " حرمها فى الآخرة ": أى أن عاقبه الله بها، وأنفذ عليه وعيده، وأنه بعد العفو عنه أو المعاقبة فى النار إن عاقبه الله وأنفذ عليه وعيده، وحينئذ يحرم شربها فى الجنة؛ إذ هى من أشربة الجنة، وإن كانت بخلاف خمر الدنيا كما قال تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُون﴾ (٢). قال بعض العلماء: ينساها، وقال غيره: يحتمل ألا يشتهيها،
стр. 3655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: بل دليله أنه يحرم الجنة جملة بأنه إن حرم شربها وهو فى الجنة، عالم بمنعه لذتها الحقة حزن وغم، والجنة لا حزن فيها ولا غم، وإن كان لم يعلم بذلك ولم يخطر بباله فلا عقوبة فى هذا أيضاً. ومعنى هذا عند هذا القائل أن يُحبس عن الجنة ويحرمها مدة ما كما جاء فى غير حديث فى العقاب: لم يُرْح رائحة الجنة، ولم يدخل الجنة. فيكون عقابه منعه من الالتذاذ تلك المدة، ويكون إما من أصحاب الأعراف وأهل البرزخ، وإما أن يحرم الجنة بالكلية، فليس مذهب أهل السنة فى أصحاب الذنوب، ويقول الأولون: لا يقول: إن فى ذلك كله عليه حسرة، ولا يكون بتنسيتها إياه أو ترك شهوتها عقوبة، وإنما هو نقص نعيم ومباينة لغيره ممن تم نعيمه، كما اختلفت درجاتهم ومنازلهم فيها دون نقص ولا غم على أحد منهم، ولا تطلع نفس وحسرة على ما مالت.
стр. 3656
(٩) باب إباحة النبيذ الذى لم يشتد ولم يصر مسكراً
٧٩ - (٢٠٠٤) حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْد أَبِى عُمَرَ الْبَهْرَانِىِّ، قَالَ: سَمِعتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَيَشْرَبُهُ، إِذَا أَصْبَحَ، يَوْمهُ ذَلِكَ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِى تَجِىءُ، وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الأُخْرَى، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِىَ شَىْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمُ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ.
٨٠ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى الْبَهْرَانِىِّ، قَالَ: ذَكَرُوا النَّبِيذَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْتَبَذُ لَهُ فِى سِقَاءٍ. قَالَ شُعْبَةُ: منْ لَيْلَةِ الإِثْنَيْنِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالثَّلاثَاءِ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَىْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ صَبَّهُ.
٨١ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْرٍ وَأَبِى كُرَيْبٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ، فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ، إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَأمُرُ بِهِ فَيُسْقَى أَوْ يُهَرَاقُ.
٨٢ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى عُمَر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِى السَّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَىْءٌ أَهْرَاقَهُ.
٨٣ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى، أَبِى عُمَرَ النَّخَعِىِّ، قَالَ: سَأَلَ قَوْمٌ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ
ــ
وقوله: " كان ينبذ لرسول الله ﷺ أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التى تجىء والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر، فإن بقى شىء سقاه الخادم، أو أمر به فصب ": فيه جواز شرب النبيذ ما دام حلواً ولم يتغير ولم يغل، وجواز الانتباذ، ولا خلاف فى هذا وأنه بعد ثلاث يخشى تغيره ولا يؤمن أن تداخله داخلة فتحرّى النبى ﷺ ذلك بعد ذلك ولم يشربه وسقاه غيره، كراهية ما لعله يوجد فيه من رائحة لا أنه مسكر، إذا لو كان مسكراً لما سقاه الخادم ولا غيره، كما لم يشربه هو.
стр. 3657
الْخَمْرِ وَشِرَائِهَا وَالتِّجَارَةِ فِيهَا؟ فَقَالَ: أَمُسْلِمُونَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ لا يَصْلُحُ بَيْعُهَا وَلا شِرَاؤُهَا وَلا التِّجَارَةُ فِيهَا. قَالَ: فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّبِيذِ؟ فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فى سَفَرٍ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ نَبَذَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِى حَنَاتِمَ ونَقِيرٍ وَدُبَّاءٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُهَرِيقَ، ثُمَّ أَمَر بِسِقَاءٍ فَجُعِلَ فِيهِ زَبِيبٌ وَمَاءٌ، فَجُعِلَ مِنَ اللَّيْلِ فَأَصْبحَ، فَشَرِبَ مِنْهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَلَيْلَتَهُ الْمُسْتَقْبِلَةَ، وَمِنَ الْغَدَ حَتَّى أَمْسَى، فَشَرِبَ وَسَقَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَمَر بِمَا بَقِىَ مِنْهُ فَأُهَرِيقَ.
٨٤ - (٢٠٠٥) حدَّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ - يَعْنِى ابْنَ الفَضْلِ الْحُدَّانِىَّ - حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ - يَعْنِى ابْنَ حَزْنٍ الْقُشَيْرِىَّ - قَالَ: لَقِيتُ عَائِشَةَ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ النَّبِيذِ؟ فَدَعَتْ عَائِشَةُ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً، فَقَالَتْ: سَلْ هَذِهِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالتِ الْحَبَشِيَّةُ: كُنْتُ أَنْبِذُ لَهُ فِى سِقَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَأوكِيهِ وَأعَلِّقُهُ، فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ.
٨٥ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولُ اللهِ ﷺ فِى سِقَاءٍ، يُوكَى أَعْلاهُ، وَلَهُ عَزْلاءُ، نَنْبِذُهُ غُدْوةً فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً، وَنَنْبِذُهُ عِشَاءً فيَشْرَبُهُ غُدْوَةً.
ــ
وأما قوله: " أو صبه أو أراقه " إذا رأى فيه شبهة التغيير والفساد، وأنكر أخذه وسقيه بعد ثلاث ما لم يخش ذلك منه وتحفظ هو عنه تنزهاً عن تغير رائحته وابتداء فساده، ولا يتفق صبه وإراقته وقت جوازه سقيه لغيره لأنه من إتلاف المال، وإنما الوجهان من سقى الخادم أو غيره أو صبه وإراقته بإختلاف الحالين - والله أعلم - والحالة الأولى التى كان يشربها هو فيها قبل تمام الثلاث حيث لا تغير فيه فى رائحة ولا طعم ولا مغل.
وقد ذكر مسلم عن عائشة أنه " كان ينتبذ له عشاء فيشربه غدوة، وينتبذ له غدوة فيشربه عشية ": وهذا حال فيما انتبذ من النبيذ القليل والذى يفرغ ويشرب من يومه وليلته، والحديث الآخر فيما كثر منه وسقى فلم يتعد بعد ثلاث لما تقدم، وقد يحتمل أن حديث عائشة فى زمن الحروب يخفى فساده فى الزيادة على يوم وليلة أو تتغير رائحته، وفى حديث ابن عباس فى زمن آخر بخلافه مما يؤمن عليه الفساد، وتغيير الريح والطعم إلا بعد ثلاث - والله أعلم.
وقوله: " وله عزلاء ": أى فم أسفل يكون فى السقاء.
وقوله: " أوكيه ": أى شد فمه بالوكاء، وهو الخيط الذى يشد به القربة.
стр. 3658
٨٦ - (٢٠٠٦) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى حَازِمٍ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِىُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِى عُرْسِهِ، فَكَانَتِ امْرَأتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمهُمْ، وَهِىَ الْعَرُوسُ. قَالَ سَهْلٌ: تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِى تَوْرٍ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ.
(...) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ: أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِىُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَدعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَقُلْ: فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ.
٨٧ - (...) وحدثّنى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى أَبَا غَسَّانَ - حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ، عَن سَهْلَ بْنِ سَعْدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ: فِى تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ فَسَقَتْهُ، تَخُصُّهُ بِذَلِكَ.
ــ
وقوله: " فلما فرغ رسول الله ﷺ من الطعام أماثته فسقته تخصه بذلك ": يعنى ما أنقعت له من تمر، كذا رويناه بالثاء المثلثة فى الأولى والمثناة فى الثانية.
قال الإمام: وقع فى بعض النسخ: " أماتته " بتائين، كل واحدة منهما معجمة باثنتين فوقها. وفى بعض النسخ: " أماثته " بالثاء المعجمة ثلاثاً أو ما بعدها معجمة باثنتين، ومعناه: إذا إذابته. قال ابن السكيت: [يقال: ماث الشىء يمثه ويموثه موثاً وموثاناً: أذابه. لكن ابن السكيت] (١) ذكره ثلاثياً، والذى وقع فى الحديث هنا رباعياً.
قال القاضى: الوجهان فيه معروفان، رباعى كما جاء فى الحديث، وثلاثى كما قال ابن السكيت. وفسره غيره بمعنى: غركته ولبنته ليستخرج قوته وعسيلته، وهو أحسن عبارة وأولى بالتفسير. وقال الهروى: مثت الشىء أمثه وأمتثه: دقته، وهو بهذا المعنى وقد تقدم تفسيره، وقال آخر فى أماث الطعام: لينه، وكله بمعنى.
وقوله: " تخصه بذلك ": أى تخص به النبى ﷺ ، إذ لم يكن ذلك الشراب يتسع لكل من حضر الوليمة. فيه جواز خصوص بعض أهل الوليمة والحاضرين بنوع من اللبن والطعام دون الآخرين، لأن هذا موكول إلى صاحب الدعوة، لكن مكارم الأخلاق وحسن المروءة توجب اجتناب هذا لئلا يخدش الصدور. ولا يعترض على قولنا بما ذكرناه من تخصيص هذا للنبى بكرامتها، فإن الكل كان مسروراً بتخصيصها إياه، مفضلاً له على نفسه ﷺ . كذا جاء هذا اللفظ عند مسلم " تخصه "، وكذا رواه بعض رواة البخارى وعند
стр. 3659
٨٨ - (٢٠٠٧) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: حَدَّثَنَا - ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ مُطَرِّفٍ، أَبُو غَسَّانَ - أَخْبَرَنِى أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: ذُكرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ، فَنَزَلَتْ فِى أُجُمِ بَنِى سَاعِدَةَ. فَخَرَجَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى جَاءَهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، قَالَ: " قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّى ". فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ منْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: لا. فَقَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، جَاءَكِ لِيَخْطبَكِ. قَالَتْ: أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ سَهْلٌ: فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِى سَقِيفَةِ بَنِى سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: " اسْقِنَا " لِسَهْلٍ. قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحَ، فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ.
ــ
ابن السكن منهم: " تتحفه بذلك " وهو قريب من " تخصه "، وبمعناه قال ابن دريد: أتحفت الرجل بالشىء إتحافاً: إذا أطوقته به أو تخصه به.
و" أُجُم بنى ساعدة " بضم الهمزة والجيم، خصه بها. قال أبو عبيد: الأجام: الحصون، واحدها أجم (١).
وقول النبى للذى دخل عليها ليخطبها واستعاذت منه: " أعذتك منى ": يحتمل أنه كافأها فيها بذلك لسوء مابدا له من قلة حرصها وزينتها، ويحتمل أنه فعل ذلك كراهة لها لما تخيل فيها من التكبر والزهو؛ إذا ذكر أنه دخل عليها وهى منكسة رأسها ثم استعاذتها [منه] (٢)، أو أنها لم تعجبه، مع أن الحديث يدل أنها لم تعرف أنه النبى ﵇ ولا لما دعيت له، فهى أعذر (٣) فى قولها.
وفى استيهاب عمر بن عبد العزيز القدح الذى يشرب فيه النبى وشرب [فيه] (٤) فعلاً المسلمين تبركاً به: جواز التبرك بما مسه ﵇ أو شرب فيه، أو كان له سبب، [لم يزل المسلمون على استعمال هذا وتعظيم جميع ما كان منه له سبب] (٥)، والتبرك به والسقى به للمرضى، وسيأتى فى الكتاب منه فى باب غسل عيادة للمرضى، ومضى منه فى اقتسامهم شعره وما فعله ﵇ من إعطائه حقوه لكفن ابنته،
стр. 3660
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فأَخْرَجَ لَنَا سُهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا فِيهِ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَوَهَبَهُ لَهُ. وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ: قَالَ: " اسْقِنَا يَا سَهْلُ ".
٨٩ - (٢٠٠٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ بِقَدَحِى هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ؛ الْعَسَلَ وَالنَّبِيذَ وَالمَاءَ وَاللبَنَ.
ــ
وإعطائه القميص لعبد الله بن أبى، وجعله الجريدتين على القبر وغير ذلك، وما استمر به عمل المسلمين من دخول الغار لدخول النبى ﷺ فيه، ومن صلاتهم فى مصلاه فى الروضة ومثل هذا.
وقول أنس: " لقد سقيت رسول الله ﷺ بقدحى هذا الشراب كله العسل والنبيذ والماء واللبن ": فيه جواز شرب النبيذ والعسل وغيره إذا كان حلواً، ولا خلاف فى هذا.
стр. 3661
(١٠) باب جواز شرب اللبن
٩٠ - (٢٠٠٩) حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَمَّا خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَرَرْنَا بِرَاعٍ، وَقَدْ عَطِشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَحَلَبْتُ لَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيت.
٩١ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ البَرَاءَ يَقُولُ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَتْبَعَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ بنِ جُعْشُمٍ. قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَاخَتْ فَرَسُهُ. فَقَالَ: ادْعُ اللهَ لِى وَلا أَضُرَّكَ. قَالَ: فَدَعَا اللهَ. قَالَ: فَعَطِشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَمَرُّوا بِرَاعِى غَنَمٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ فِيهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ.
ــ
وقوله: " مررنا براع وقد عطش رسول الله ﷺ فحلبت له كُثبة من لبن " بضم الكاف: قال بعضهم: هو قدر حلبة. وقال الخليل: هو القليل منه، وكل ما جمعته من شىء فهو كثبة.
وقوله: " شرب منها حتى رضيت ": أى حققت أنه أخذ حاجته وروى، فأرضانى ذلك. وشربه ﵇ من لبن الغنم وربها غير حاضر؛ إما لأنها العادة عندهم لكل أحد، أو أنه لا قيمة للبن الغنم فى الطرق هناك، وإنما هو للرعاة الذين يلون أمرها ويتعيشون به فى فلواتهم، وقد تكون الغنم لمن يعلم ﵇ أنه يسره شربه للعجماء.
وقد جاء فى مسلم آخر الكتاب: أنها لرجل من أهل المدينة، وهو وَهْم، والصحيح من أهل مكة إن شاء الله، وقد ذكر البخارى فيه من رواية إسرائيل: " لرجل من قريش " (١)، وفى رواية أخرى: " من أهل مكة أو المدينة " (٢).
стр. 3662
٩٢ - (١٦٨) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّاد وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ عَبَّادٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ، أَخْبَرَنَا يُونُس، عَنِ الزُّهْرِىِّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ بِإِيليَاءَ بِقَدَحَيْنِ منْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ. فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇: الْحَمْدُ للهِ الَّذِى هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ، غَوَتْ أُمَّتُكَ.
(...) وَحَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أُتِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: بِإِيليَاءَ.
ــ
وقد سُئل مالك عن مثل هذا على الجملة فكرهه، وسئل - أيضاً - فيما يشبه فى الرجل يدخل الحائط فيجد التمر ساقطاً، فمنعه إلا أن يعلم أن نفس (١) صاحبه تطيب بذلك، أو يكون محتاجًا. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة، وهل يغرم المضطر؟ ومن أباح ذلك ومنعه قيل آخر الأقضية.
وقوله: " أتى ليلة الإسراء بقدحين من خمر (٢) ولبن فأخذ اللبن، فقال جبريل له: الحمد لله الذى هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك ": قيل فى قوله لأخذه اللبن: هداك للفطرة؛ لأن اللبن أول ما يتغذاه الصبى، وأصل الفطرة: الابتداء، فاستدل من ذلك على الجبلة التى خلق الله عليها بنى آدم فى صلب أبيهم من الإسلام، كما قال ﵇: " كل مولود يولد على الفطرة " (٣)، وقد يحتمل أنها علامات وصفها الله لجبريل ليعلم بظاهرها ما قسمه الله لمحمد ﵇ ولأمته من الهداية، ويحتمل أنه لما كان اللبن غذاء الأجسام ومصلحة لهم مجردة عن المضار غالباً فى دنياهم، دل أخذه له على توفيقه، وسداد أمته لما فيه مصلحتهم فى أحوالهم وهدايتهم لذلك. ولما كانت الخمر تذهب العقول وتثير الفحشاء والعداوة والبغضاء، دل على خلاف ذلك.
وقوله: " غويت وغويت أمتك ": أى ملت عن الخير والاستقامة والغى والانهماك فى الشر. وفيه حجة على تحريم الخمر؛ لأن ما هو سبب للغى والفساد محرم، وبهذا وضعها الله وعلل تحريمها فى الآية.
стр. 3663
(١١) باب فى شرب النبيذ وتخمير الإناء
٩٣ - (٢٠١٠) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِى عَاصِمٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنّى: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىُّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ مِنَ النَّقِيعِ، لَيْسَ مُخَمَّرًا، فَقَالَ: " أَلا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا ".
قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: إِنَّمَا أُمِرَ بِالأَسْقِيَةِ أَنْ تُوكأَ لَيْلاً، وَبِالأَبْوَابِ أَنْ تُغْلَقَ لَيْلاً.
(...) وحدّثنى إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا رَوحُ بْنُ عُبَادَة، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ وَزَكَرِيَّاءُ ابْنُ إِسْحَاق، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىُّ؛ أَنَّهُ أَتَى النَّبِىَّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ. بِمِثْلِهِ. قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ زَكَرِيَّاءُ قَوْلَ أَبِى حُمَيْدٍ: بِاللَّيْلِ.
ــ
وقوله: " أتيت النبى ﵇ بقدح من النقيع ": كذا روينا هذا الحرف عن أبى بحر بالباء بواحدة، وعن غيره من شيوخنا بالنون. واختلف فيه الرواة - أيضاً - عن البخارى، قال أبو ذر والقابسى هنا بالنون، وكذا ذكره الهروى فى هذا الحديث. وهو حد وادى العقيق على عشرين فرسخاً من المدينة، وهو موضع حمى عمر لنعم الصدقة. وقد روى أن النبى ﷺ حماه قبل، وإنما زاد عمر فى حماه. وضبطه أبو عبيد السكرى بالباء وصححه، ولم يذكر خلافاً. والأشهر فيه النون، وبالنون ذكر الخطابى، وقال: البقيع: القاع، وقال السكرى: البقيع: قاع ينبت، وأصله كل موضع يستنقع فيه الماء، وأما بقيع الغرقد - وهو مدفن موتى المدينة - بالتاء بغير خلاف. وبقيع بطحان بالباء أيضاً. قال الخليل: البقيع، بالباء: كل موضع من الأرض فيه شجر شتى (١).
وقوله: ليس مخمراً، فقال: " ألا خمرته " أى غير مغطى، وتخمير الإناء: تغطيته.
وقوله: " ولو تعرض عليه عوداً " بضم الراء: أى تمده عليه عرضاً، يريد عند عدم ما يغطيه به، كما قال فى الحديث الآخر: " إن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً، ويذكر اسم الله "، كذا رويناه بضم الراء، وكذا قاله الأصمعى، ورواه أبو عبيد
стр. 3664
٩٤ - (٢٠١١) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كُرَيْبٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاسْتَسْقَى فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا نَسْقِيكَ نَبِيذًا؟ فَقَال: " بَلَى ". قَالَ: فَخَرَجَ الرَّجُلُ يَسْعَى، فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ نَبِيذٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَلا خَمَّرتهُ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا " قَالَ: فَشَرِبَ.
٩٥ - (...) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ وَأَبِى صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حُمَيْدٍ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ مِنَ النَّقِيَعِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَلا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا ".
ــ
بكسر [الباء الموحدة] (١) والراء، والوجه الأول؛ لأنه من جعله بالعرض الذى هو خلاف الطول، أما ما خصه على تغطيته بكل حال فإنه أنظف؛ مخافة ما يسقط فيه. وأما أمره به بذلك بالليل فقد بين العلة فيه من أجل ولوغ الشيطان فيه، أو أذاه بما يقدر عليه بقوله: " فإن الشيطان لا يكشف إناء " وقد أعلم ﵇ أنه إذا اجتهد العبد فيما أمر به من ذلك وسمى اسم الله على كل ذلك - كما جاء فى الحديث الآخر - كفاه الله الشيطان، ولم يجعل له قدرة على كشف غطاء ولا حل سقاء ولا فتح باب، ولا يصل إليه إذا أخذ فى ذلك، ولا ينال بها فى هذه الأشياء شيئاً، ولو لم يحجبها إلا بعود وذكر اسم الله، وكما منعه المبيت إذا سمى عند دخوله منزله كما جاء فى الحديث الآخر، وكما منعه أن يجول بين المصلى وقبلته إذا دنى من سترته وامتثل فى كل ما أمر به حدود الشرع ولم يتعدها، وللعلة الأخرى التى ذكرها فى الحديث الآخر من نزول الوباء فى ليلة من السماء فيما لم يغط. قال الليث بن سعد: والأعاجم يتقون ذلك فى كانون الأول (٢).
وأيضاً فمخافة ما عساه يدخله من الهوام والحشرات المؤذية إذا لم يغط، ولعل صاحبه يقوم إليه من الليل فيشرب منه ولا يعلم ما فيه.
стр. 3665
(١٢) باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء وإغلاق الأبواب وذكر اسم الله عليها، وإطفاء السراج والنار عند النوم وكفّ الصبيان والمواشى بعد المغرب
٩٦ - (٢٠١٢) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلا يَفْتَحُ بَابًا، وَلا يَكْشِفُ إِنَاءً. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللهِ، فَلْيَفْعَلْ. فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ "، وَلَمْ يَذْكُرَ قُتَيْبَةُ فِى حَدِيثِهِ: " وَأَغْلِقُوا الْبَابَ ".
(...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِهَذَا الْحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَأَكْفِئوا الإِنَاءَ، أَوْ خَمِّرُوا الإِنَاءَ ".
وَلَمْ يَذْكُرْ: تَعْرِيضَ الْعُودِ عَلَى الإِنَاءِ.
(...) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَغْلِقُوا الْبَابَ ". فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَخَمِّرُوا الآنِيَةَ ". وَقَالَ: " تُضْرمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ ثِيَابهُمْ ".
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ. وَقَالَ: " وَالْفُوَيْسِقَةُ تُضْرِمُ الْبَيْتَ عَلَى أَهْلِهِ ".
ــ
ومعنى قوله: " وأوكوا السقاء " (١): أى شدوا فمه بالوكاء، وهو الخيط الذى يشد به ويربط، وعلى أن ذلك بالليل حمل أبو عبيد فى الكتاب الأمر بتغطية الإناء فى الباب كله. والفويسقة هنا الفأرة، وقد جاء - أيضاً - فى حديث ابن عباس أنه من فعل الشيطان، وأنه ﵇ قال: " إن الشيطان يدلها على ذلك فتحرقكم ".
стр. 3666
٩٧ - (...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقولُ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ - أَوْ أَمْسَيْتُمْ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشَرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا. وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا. وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ ".
(...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ نَحْوًا ممَّا أَخْبَرَ عَطَاءٌ، إِلا أَنَّهُ لا يَقُولُ: " اذْكُرُوا اسْمَ اللهِ ".
(...) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. كَرِوَايَةِ رَوْحٍ.
٩٨ - (٢٠١٣) وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ
ــ
وذكر مسلم فى الباب: [حدثنا عمرو الناقد، حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا الليث ابن سعد] (١) حدثنا يزيد بن عبد الله عن يحيى بن سعيد عن جعفر بن عبد الله، قال الإمام: هكذا إسناده عن الرازى والكسائى، وفى النسخة [المقروءة] (٢) على الجلودى: حدثنى يزيد بن عبد الله ويحيى بن سعيد بواو العطف (٣)، وكذلك عند ابن ماهان، والمحفوظ فى هذا الإسناد: عن [يزيد عن] (٤) يحيى، وهكذا أخرجه أبو مسعود الدمشقى عن مسلم.
وقوله: " إذا أجنح الليل ": أى أقبل ظلامه. وأصل الجنوح: الميل، والجنح والجُنح الظلام، بالضم والكسر.
وقوله: " لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت [الشمس] (٥) يذهب فحمة
(١٣) باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما
١٠٢ - (٢٠١٧) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قاَلا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِى حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا، حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَيَضَعَ يَدَهُ. وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِى الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَلا يُذْكَرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِها، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الأَعْرَابِىِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِى
ــ
[كتاب الأطعمة والأشربة] (١)
وقوله: " كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ " فيضع يده "، قال القاضى: هذا من أدب الأكل ألا يتقدم الكبير والفاضل [والمعظم] (٢)، لا فى غسل اليد ولا فى ابتداء الطعام ولا الشراب، إلا أن يؤاكلهم صاحب الطعام. فقد استحبوا أن يكون هو البادئ للحاضرين بالغسل والأكل لتنشيطهم بذلك، وبعكسه فى رفع اليد وغسلها عند انتهاء الطعام؛ لئلا يظهر [منه] (٣) بالبداية حرصه على رفع [أيديهم] (٤).
وقوله: " فجاءت جارية كأنها تدفع "، وفى الرواية الأخرى: " كأنما يُطردُ " أى لشدة إسراعها فذهبت لتضع يدها فى الطعام، وأخذ رسول الله ﷺ بيدها. وذُكر عن أعرابى نحوه.
وقول النبى ﷺ : " إن الشيطان يستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه، وأنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، الحديث: فيه أن التسمية مشروعة فى أول الطعام والشراب، مع ما جاء فى الحديث الآخر: " سم الله، وكل مما يليك "، كما أن الحمد مشروع فى أخره كما جاء عن النبى ﷺ .
[وقوله: " إن الشيطان كان يستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه "] (٥)، [يحتمل
стр. 3669
يَدِى مَعَ يَدِهَا ".
(...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى حُذَيْفَةَ الأَرْحَبِىِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ،
ــ
أن يكون على ظاهره، وأنه يصيب منه إذا لم يسم عليه، (١) ويحتمل أن يكون استحلاله له استحسانه له لرفع البركة منه إذا لم يسمّ عليه [الله] (٢)، وهذا مثل الحديث الآخر: " إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله عند دخوله وطعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء ".
وقد اختلف فى معنى ما جاء فى الآثار من أكل الشيطان وشربه، فجعله الأكثر من أصحاب الحديث والفقهاء وغيرهم على الحقيقة؛ إذ قد جاء بذلك آثار كثيرة متظاهرة، وليس ثم ما يحيله ويمنعه، ولا للأقيسة والعقول فيها مجال. وهم وإن كان ليس منهم أجسام لطيفة روحانية، فلا يبعد أن يكون لهم ببعض الأغذية إلام من لطيف لرطوبتها أو روايحها، [فقد جاء فى الحديث: " من بات وفى يده غمر فأصابه شىء، فلا يلومن إلا نفسه] (٣) فقد قيل: وقد يكون له طعام يختص به من الأنجاس والأقذار، ويشارك الناس فيما نبهت الآثار عليه من الروائح والطعام والأرواث، وما لم يذكر اسم الله عليه وبات غير مغطى، وما أكل بالشمال، ونحوه. وقيل: بل هذا كله على الاستعارة والمجاز، وأن معنى ذلك أنه من أمر الشيطان وموافقته وإغوائه؛ ليبعد فاعله عن امتثال السنة، ومخالفة أمر النبى ﵇ ونهيه، وليضر المسلمين من ذلك بما عليه من رفع بركة طعامهم بترك التسمية عليه، والمخالفة للسنة.
وقد قيل: إن أكلهم شمُّ واسترواح؛ إذ المضغ والبلع لذوات الأجسام والأمعاء وآلات الأكل، وقد جاء فى الآثار: أن منهم ذوات أجسام وجنان، ومنهم جنان البيوت، ومثل هذا يتهيأ منه الأكل والشرب المعلوم، وإن كانت تلك [جميع] (٤) خليقتهم الأصلية، أو فى الوقت الذى يصورهم الله فيها بتلك الصورة - والله أعلم. وروى عن وهب بن منبه قال: هم أجناس: فخالص الجن لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون، هم ريح، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون ويتوالدون، ومنهم السعالى والغيلان والقبطارية.
стр. 3670
قَالَ: كُنَّا إِذَا دُعِينَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى طَعَامٍ. فَذَكَرَ بِمَعْنى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ. وَقاَل: " كأَنَّمَا يُطْرَدُ ". وَفِى الْجَارِيَةِ: " كأَنَّمَا تُطْرَدُ ". وَقَدَّمَ مَجِىءَ الأَعْرَابِىِّ فِى حَدِيثِهِ قَبْلَ مَجِىءِ الجَارِيَةِ. وَزَادَ فِى آخِرِ الْحَدِيثِ: ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ وَأَكَلَ.
(...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، بَهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَدَّمَ مَجِىءَ الْجَارِيَةِ قَبْلَ مَجِىءِ الأَعْرَابِىِّ.
١٠٣ - (٢٠١٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى الْعَنَزِىُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِى أَبَا عَاصِمٍ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشَاءَ. وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ. وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالعَشَاءَ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرِيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقولُ؛ إِنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ. بِمِثْلِ
ــ
وقوله: " إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء ": مما تقدم الكلام عليه، وأن يذكر اسم الله واستعمال العبد ما ندب إليه منه فى مواطنه منع الشيطان من الاستقذار والأكل من عشائه، ولم يجعل له قدرة عليه إذا جعل الحديث على وجهه وظاهره، وإن صرف إلى المجاز كان معناه: أى لا منفعة لكم بالمبيت؛ إذ كفاه الله - بذكره إغوائكم له وضركم إياه، ومنعه رغبتكم من نقص طعامه ورفع البركة منه، وقلة الانتفاع به بمعاقبة الله إياه بذلك؛ إذ لم يسمه ولا امتثل أمر الله فى ذلك.
وقوله: " والذى نفسى بيده، إن يده فى يدى مع يدها ": ظاهره مباشرة الشيطان الأكل بنفسه ويده على أحد التأويلين المتقدمين، وكذا فى النسخ: " مع يدها "، قالوا الوجه مع أيديهما؛ لأنه ذكر فى الحديث أخذه بيد الجارية والأعرابى.
وقوله: " ثم ذكر اسم الله [عليه] (١) وأكل ": فيه [أن] (٢) التسمية مشروعة عند ابتداء الطعام، كما شرع الحمد آخره، واستحب بعضهم ذلك فى كل لقمة يأكلها،
стр. 3671
حَدِيثِ أَبِى عَاصِمٍ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: " وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عِنْدَ طَعَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عِنْدَ دُخُولِهِ ".
١٠٤ - (٢٠١٩) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قاَلَ: " لا تَأكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأكُلُ بِالشِّمَالِ ".
١٠٥ - (٢٠٢٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ نُمَيْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ جَدِّهِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قاَلَ: " إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرَبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ ".
(...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيَما قُرِئَ عَلَيْهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
ــ
وأمره ﵇ بالأكل والشرب باليمين ونهيه عن ذلك بالشمال، وزاد فى حديث نافع: " ولا يعطى بها، ولا يأخذ بها " على ما تظاهرت به سنته ﵇ من أمره بذلك فى غير شىء، وحبه التيامن فى أمره كله، ولما فى اللفظة من اليُمن، ولثناء الله على أصحاب اليمين، واختصاصه أصحاب اليمين باليمين؛ لأخذهم كتبهم بذلك، ولكونهم عن يمين العرش وتشريفهم بذلك، وتفضيل اليمين فى قوتها وبطشها، وإضافة العرب كل خير لها، وضد ذلك لضدها، وتسميتهم إياها شؤماً، وقد قال الله فى أصحاب الشمال: ﴿أَصْحَابُ الْمَشْأَمَة﴾ (١)، وقال الشاعر:
أبينى أفى يمينى يديك جعلتنى ... فافرح أو صيرتنى فى شمالِك
وليتناول إزالة الأقذار من الجسم وغيره بالشمال.
وقوله: " فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ". كمثل أكله هو على الحقيقة، أو أنه على ما تقدم على المجاز. فإن قيل: إنه حقيقة فنهى عن التشبه فى مخالفته ومضادته الاستقامة فى أموره، وقد تكون الهاء هنا فى " شماله " عائدة على الشارب والطاعم، أى يأكل بها الشيطان معه. أو يكون على المجاز، أى ذلك من محبة الشيطان ونزغه حتى خالف سنة نبيه.
стр. 3672
نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهْوَ الْقَطَّانُ - كِلاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِىِّ. بِإسْنَاد سُفْيَانَ.
١٠٦ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ حَرْمَلَةُ: حَدَّثَنَا - عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِى القَاسِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَهُ عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قاَلَ: " لا يَأكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِن الشَّيْطَانَ يَأكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا ".
قاَلَ: وَكاَنَ ناَفِعٌ يَزِيدُ فِيهَا: " وَلا يَأخُذُ بِهَا وَلا يُعْطِى بِهَا ". وَفى رِوَايَة أَبِى الطَّاهِرِ: " لا يَأكُلَنَّ أَحَدُكُمْ ".
١٠٧ - (٢٠٢١) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ عِكْرِمَةَ ابْنِ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِى إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِشِمَالِهِ. فَقَالَ: " كُلْ بِيَمِينِكَ ". قَالَ: لا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: " لا اسْتَطَعْتَ "، مَا مَنَعَهُ إلا الْكِبْر. قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ.
١٠٨ - (٢٠٢٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانَ بن عُيَيْنَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، سَمِعَهُ مِنْ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ فِى حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَتْ يَدِى تَطِيشُ فِى
ــ
وقوله ﵇ للذى أكل عنده بشماله فقال: " كل بيمينك "، فقال: لا أستطيع، فقال: " لا استطعت "، قال: " ما منعه إلا الكبر " فما أكل بها بعد: فيه إجابة دعاء النبى ﵇ وتعجيل معاقبة من خالف أمره فى الدنيا، وهذا يدل على أن الرجل كان منافقاً - والله أعلم - لقوله: " ما منعه إلا الكبر " أى لن يتواضع بنفسه مخالفة هواها، وطاعة النبى ﷺ فيما أمر به؛ ولهذا استحباب النبى ﷺ الدعاء عليه، ولو علم أن قوله: " لا أستطيع " صحيحاً لما دعا عليه. وقد أجاز العلماء لمن به عذر بيمينه أكله بشماله وشربه به؛ إذ هو غاية مقدوره. وقد ذكره العلماء تباعاً لهذه الأحاديث كما تحب لمناوله بالشمال والصدقة بها. روى ذلك عن نافع وعطاء.
وقوله: " كنت فى حجر رسول الله ﷺ " بفتح الحاء: أى فى حضانته، هذا إذا أريد به المصدر، وبالكسر إذا أريد به الاسم.
стр. 3673
الصَّحْفَةِ. فَقَالَ لِى: " يَا غُلامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ".
١٠٩ - (...) وحدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قاَلا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجعلتُ آخُذُ مِنْ لَحْمٍ حَوْلَ الصَّحْفَةِ. فَقاَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلْ مِمَّا يَلِيكَ ".
١١٠ - (٢٠٢٣) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ.
١١١ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدُ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى
ــ
وقوله: " فكانت يدى تطيش فى الصحفة ": أى تحف فى جوانبها، وتفسيره قوله فى الرواية الأخرى: " فجعلت آكل من لحم حول الصحفة "، وفى البخارى: " من نواحى الصحفة " (١) كذا رواية جميعهم، وللهوزنى: " تبطش " وليس بشىء، والأول المعروف.
وقول النبى له: " يا غلام، سمّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليكَ " فيه ثلاثة سنن فى أدب الطعام مشهورة، مضى الكلام على اثنتين منها، والثالث قوله: " كل مما يليك ". وهى أيضاً سنة متفق عليها؛ لأن كل أكل جاء ما يليه من الطعام فإدخال غيره يده عليه وتركه ما أمامه قبيح، ومشاركته له فيما فيه حوزة بغير إذنه، مع ما فى ذلك من تقزز النفوس بما خاضت فيه الأيدى، واختلف فيه أصابع الغير، وليس كل أحد يستحسن ذلك منهم لاسيما فى الطعام الرطب والأمراق وأشباهها؛ ولما فيه من الجشع والحرص على الطعام، وإيثار النفس على المؤاكل، وكل هذا مذموم؛ ولأنه إذا كان نوعاً واحداً فلا فائدة فى ذلك إلا سوء الأدب وشرههم بذلك، بخلاف إذا اختلف أجناس الطعام، فقد أباح العلماء اختلاف الأيدى فى الطبق والصحفة وشبهها لطلب كل نفس ما تشتهيه من ذلك، بخلاف إذا كان جنساً واحداً.
وقوله: " نهى ﵇ عن اختناث الأسقية "، قال الإمام: أصل هذه الكلمة من التكسر والتثنى واللين، ومنه سمى الرجل المشبه بالنساء فى طبعه وكلامه مخنثاً؛
стр. 3674
رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ: أَنْ يُشْرَبَ مِنْ أَفْوَاهِهَا.
(...) وحدّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَهُ قَالَ: وَاخْتِنَاثُهَا أَنْ يُقْلَبَ رَأسُهَا ثُمَّ يُشْرَبَ مِنْهُ.
ــ
لتكسره ولين معاطفة، ويحتمل أن يكون نهى عنها لئلا ينال الشارب أذىً مما يكون فى الماء ولا يشعر به؛ لأنه يشرب ما لا يبصر، أو يكون ذلك لأنه يغير رائحة السقاء بما يكتسبه نكهة الشارب.
قال القاضى: فسره فى الحديث نفسه [قال] (١): " واختناثها أن يُقَلَبَ برأسها ثم يشرب منه ". قال ابن دريد: اختناث الأسقية: كسر أفواهها إلى خارج ليشرب منها، فأما كسرها إلى داخل فهو القبع. والنهى عن هذا الباب كله، والأمر به عند العلماء من باب الأدب والترغيب لا من باب الواجب والغرض، وقد قيل فى النهى عن اختناث الأسقية والشرب من فم السقاء: أنه للتقذر أيضاً، لإدخالها فى فيه أو إدخال شفتيه فيها، أو لما يخشى من وقوع بصاقه فيها، أو غيره. [وفى النهى عن اختناث الأسقية] (٢) قيل: قد يكون للتقذر أيضاً؛ مخالفة ما يكون برأسها، وما تطويه من خارجه من قذر، فينعكس عند جلبه فى الماء فيقذره.
وقد روى عن أبى سعيد؛ أن رجلاً شرب من فى سقاء فانساب جان فى بطنه، فنهى النبى ﷺ عن اختناث الأسقية (٣)، ذكره ابن أبى شيبة من رواية الزهرى.
وقد خرج الزبيدى وغيره: أن النبى ﵇ قام إلى قربة فخنثها وشرب من فيها، فهذا يدل على وجه التعلل بالتقذر؛ إذ لا يتقذر منه ﵇[شىء] (٤)، ولأنه فى قربة نفسه.
стр. 3675
(١٤) باب كراهية الشرب قائماً
١١٢ - (٢٠٢٤) حدَّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَبِىَّ ﷺ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قاَئِماً.
١١٣ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِماً قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْنَا: فَالأَكْلُ؟ فَقَالَ: ذَاكَ أَشَرُّ أَوْ أَخْبَثُ.
(...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ قَتَادَةَ.
١١٤ - (٢٠٢٥) حدَّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِى عِيسَى الأُسْوَارِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدِ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قاَئِماً.
١١٥ - (...) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرِ وَابْنِ الْمُثَنّى - قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِى عِيسَى الأُسْوَارِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا.
١١٦ - (٢٠٢٦) حدّثنى عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى الفَزَارِىَّ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ، أَخْبَرَنِى أَبُو غَطَفَانَ الْمُرِّىُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمٌ، فَمَنْ نَسِىَ فَلْيَسْتَقِئْ ".
ــ
وذكر مسلم الأحاديث فى نهيه ﵇ عن الشرب قائماً، قيل فالأكل، قال: " أشْرُّ أو أخبث "، وفى الحديث الآخر: " فمن نسى فليستقئ "، وذكر مسلم حديث ابن عباس: " سقيت النبى ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم "، قال الإمام: اختلف الناس فى الشرب قائماً، فأجازه عمر وعثمان وعلى وجمهور الفقهاء - رضى الله عنهم - ومالك ابن أنس، وكرهه آخرون لهذا الحديث المذكور فى كتاب مسلم، وحجة الجمهور قوله هاهنا: " شرب من زمزم وهو قائم "، وما خرّجه البخارى والترمذى وأبو داود عن على - رضى الله عنه - أنه شرب قائماً وقال: " إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم
стр. 3676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنى رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتمونى فعلت " (١).
وقد قال بعض شيوخنا: لعل النهى منصرف لمن أتى أصحابه بماء ورده (٢) ليشربه قائماً قبلهم، استبداداً به، وخروجاً عن الأحسن من كون ساقى القوم آخرهم شرباً، وأيضاً فإن فى حديث أبى هريرة: " ومن شرب (٣) فليستقئ ".
ولا خلاف من أهل العلم أن من يشرب قائماً ناسياً فليس عليه أن يستقئ. قال بعض الشيوخ: والأظهر أن هذا موقوف على أبى هريرة، ولا خلاف فى جواز الأكل قائماً وإن كان قتادة قال: " فقلنا: فالأكل، قال: ذلك أشر وأخبث "، لكن حكى بعض شيوخنا أنه لا خلاف فى جواز الأكل، والذى يظهر لى أن الأحاديث الواردة بشربه ﷺ قائماً تدل على الإباحة والجواز، إن قلنا بتعدى أفعاله، ويحمل حديث النهى على جهة الاستحسان والحث على ما هو أولى وأجل، أن يكون لأن فى الشرب قائماً ضرراً ما، فكره من أجله وفعله ﵇ لأمته منه. وعلى هذا التأويل يكون قوله محمله على أن ذلك حرك منه خلطاً يكون السقاء (٤) منه فى فيه (٥)، وقد قال النخعى فى [النهى عن] (٦) ذلك: إنما ذلك لداء فى البطن، هذا نحو ما قلناه. هذا الأظهر عندى إن كان لا بد من بناء الحديثين.
قال القاضى: لم يدخل مالك فى موطئه، ولا البخارى فى صحيحه أحاديث النهى عن الشرب قائماً، فأدخلا إباحة ذلك من الأحاديث والآثار؛ إذ لم يصح عندهم النهى عن ذلك - والله أعلم.
وذكر مسلم فى الباب ثلاثة أحاديث: حديث قتادة عن أنس وهو معنعن، وكان شعبة يتقى من حديث قتادة من لا يقول فيه: حدثنا، وحديث قتادة - أيضاً - عن أبى عيسى الأسوارى عن أبى سعيد مثله، وأبو عيسى - أيضاً - هو غير مشهور واضطراب قتادة فى سند هذا الحديث مما يعلله فى مخالفة الأحاديث الأخر وأئمة الصحابة والخلفاء والتابعين. وحديث عمر بن حمزة لا يحتمل مثل هذا الحديث لمخالفة غيره عن أبى غطفان عن أبى هريرة، قالوا: وعمر بن حمزة لا يتحمل مثل هذا الحديث لمخالفة غيره له، والصحيح أنه موقوف على أبى هريرة.
وشرب النبى ﵇ وهو قائم لا يقال فيه: ترك ما هو الأولى لعلة إنما كان فى الحج - والله أعلم. على ما جاء فى كتاب الحج. وحاله حينئذ من ألا يخفى فى أعمال
стр. 3677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحج، وقلة التمكن للجلوس لكثرة الناس، بحيث لا يخفى أو لا يراه الناس فيعلموا أنه غير صائم، وإن كان فى غير هذا اليوم فليس إباحة ذلك، [إن كان النهى أولاً على] (١) ما تقدم، ولئلا يظن نهيه على العموم وللوجوب، أو ليبين نسخ ذلك إن كان النهى أولاً على الوجوب.
وقوله: " أشر وأخبث ": قد تقدم مثل هذا فى الحديث: " من أشر وأخير "، وإيجاز النحاة مثل هذا، وأن وجهه خير وشر، ولا يقال فيه: أفعل، قال الله تعالى: ﴿شَرٌّ مَّكَانًا﴾ (٢) ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ (٣).
стр. 3678
(١٥) باب فى الشرب من زمزم قائماً
١١٧ - (٢٠٢٧) وحدّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ.
١١٨ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ، مِنْ دَلْوٍ مِنْهَا، وَهُوَ قَائِمٌ.
١١٩ - (...) وحدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ. ح وَحَدَّثَنِى يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ وَإسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، قَالَ إسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ يَعْقُوبُ: حَدَّثَنَا - هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ وَمُغِيْرَةُ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ.
١٢٠ - (...) وحدّثنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ، سَمِعَ الشَّعْبِىَّ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ. فَشَرِبَ قَائمًا، وَاسْتَسْقَى وَهُوَ عِنْدَ الْبَيْتِ.
(...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِهِمَا: فَأَتْيتُهُ بِدَلْوٍ.
ــ
وقوله فى شرب النبى من زمزم: " فشرب قائمًا واستسقى " هو كذا، أى سألهم أن يسقوه، كما جاء مفسرًا فى حديث الحج، وفى رواية ابن الحذاء: " وأسقى " من الإسقاء، وهو غلط، بل قد نص أنه لم يفعله، وقال: " لولا أن يغلبوا عليه لأسقيت معكم ".
стр. 3679
(١٦) باب كراهة التنفس فى نفس الإناء واستحباب التنفس ثلاثاً خارج الإناء
١٢١ - (٢٦٧) حدَّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِىُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِى الإِنَاءِ.
١٢٢ - (٢٠٢٨) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَزْرَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِى الإِنَاءِ ثَلاثًا.
١٢٣ - (...) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِى عِصَامٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رسُولُ اللهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِى الشَّرَابِ ثَلاثًا، وَيَقُولُ: " إِنَّهُ أَرْوَى، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأُ ". قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِى الشَّرَابِ ثَلاثًا.
(...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قاَلا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِىِّ، عَنْ أَبِى عِصَامٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. وَقَالَ: فِى الإِنَاءِ.
ــ
وقوله: " كان ﵇ يتنفس فى الإناء ثلاثاً "، وفى الرواية الأخرى: فى الشراب، ويقال: " إنه أروى وأبرأ وأمرأ ". الأول مقصور والآخران ممدودان مهموزان، ومعنى " أروى " من الرى، أى أكثر رياً؛ لأنه فى شربه فى مدة واحدة قد يقطع عليه تمام نفسه دره فلا يستوفيه، و " أبرأ وأمرأ " بمعنى: أحسن شرباً وأهناه وأقله ضرراً، قال الله تعالى: ﴿هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ (١)، أى سائغاً غير منغض. يقال: هنأ فى الطعام وهنأنى بالفتح والكسر، هنأ وهنأ يهنأ، وأصله فى كل ما أتاك بغير مشقة، ويقال: استمريت الطعام: إذا انساغ لك، وهو إذا شرب فى مرة بنفس واحد فقد بعّض به وسوف ويكثر عنه فيضرّ به ويولد أدواء.
ومعنى قوله هنا فى الحديث الواحد: " فى الإناء " يفسره قوله فى الحديث الآخر:
стр. 3680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
" فى الشراب " يعنى أن يتنفس حين شربه ويقطعه، لا أنه يتنفس داخل الإناء، وقيل: " فى الإناء " هنا بمعنى: عن الإناء بمعنى قوله: " أبن القدح عن فيك ".
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة فى مسلم وغيره عن النهى فى التنفس فيه، وعن النفخ فى الطعام والشراب، ولقوله ﵇ فى الحديث الآخر: " أبن القدح عن فيك ثم تنفس " (١)، وعلة ذلك إما للتقزز أو التقذر، مما لعله يخرج عند التنفس والنفخ من أنفه أو فيه من ماء أو غيره، أو لما يكتسب الإناء من بخر ورائحة قبيحة بالنفس، أو لما لعله يكون متغير النكهة فيتعلق ذلك بالإناء وبفيه.
وقال عمر بن عبد العزيز: إنما نهى عن التنفس فى الإناء، فأما إذا لم يتنفس فاشرب إن شئت بنفس واحد. وقد حمل بعضهم تنفسه ﵇ فى الإناء على ظاهره ليرى جواز ذلك، ولأنه ﵇ كان لا يتقذر أحد بسؤره، ولا ما تنفس فيه، بل كانوا يتبركون به، كما أمر بالأكل مما يلى وكان هو يتبع الدبى من حول القصعة؛ لعلمه أنه كان يستحسن ذلك منه، بخلاف غيره، كما سنذكره بعد إن شاء الله. وقال بعض العلماء: هذا فى [غير] (٢) حق الشارب وأما الإنسان ومع من يعلم أنه لا يتقذره فلا بأس بتنفسه فى الإناء، كما فعل ﵇.
قال الإمام: مذهبنا جواز الشرب فى نفس واحد؛ لقوله ﵇ للذى شكى إليه أنه لا يروى من نفس واحد: " أبن القدح عن فيك، ثم تنفس "، فظاهره أنه أباح له الشرب فى نفس واحد إذا كان يروى منه. وقد استحب بعض العلماء الحديث الوارد فى مسلم فى التنفس ثلاثاً.
قال القاضى: اختلف السلف فى الأخذ بظواهر هذه الأحاديث، فكره بعضهم الشرب من نفس واحد، منهم: ابن عباس، وطاووس، وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان. وأباحه جماعة منهم: ابن المسيب، وعطاء بن أبى رباح، وعمر [بن] (٣) عبد العزيز، ومالك بن أنس، وقد ذكرنا مذهب عمر بن عبد العزيز فى الجمع بين الحديثين.
قال الإمام: ذكر مسلم فى الباب: حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا الثقفى، عن أيوب، عن يحيى بن أبى كثير، عن عبد الله بن أبى قتادة، عن أبيه. [قال بعضهم: هكذا روى إسناده مجرداً فى النسخة عن الجلودى، وفى رواية السجزى فيه وهم، قال: عن