. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنى رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتمونى فعلت " (١).
وقد قال بعض شيوخنا: لعل النهى منصرف لمن أتى أصحابه بماء ورده (٢) ليشربه قائماً قبلهم، استبداداً به، وخروجاً عن الأحسن من كون ساقى القوم آخرهم شرباً، وأيضاً فإن فى حديث أبى هريرة: " ومن شرب (٣) فليستقئ ".
ولا خلاف من أهل العلم أن من يشرب قائماً ناسياً فليس عليه أن يستقئ. قال بعض الشيوخ: والأظهر أن هذا موقوف على أبى هريرة، ولا خلاف فى جواز الأكل قائماً وإن كان قتادة قال: " فقلنا: فالأكل، قال: ذلك أشر وأخبث "، لكن حكى بعض شيوخنا أنه لا خلاف فى جواز الأكل، والذى يظهر لى أن الأحاديث الواردة بشربه ﷺ قائماً تدل على الإباحة والجواز، إن قلنا بتعدى أفعاله، ويحمل حديث النهى على جهة الاستحسان والحث على ما هو أولى وأجل، أن يكون لأن فى الشرب قائماً ضرراً ما، فكره من أجله وفعله ﵇ لأمته منه. وعلى هذا التأويل يكون قوله محمله على أن ذلك حرك منه خلطاً يكون السقاء (٤) منه فى فيه (٥)، وقد قال النخعى فى [النهى عن] (٦) ذلك: إنما ذلك لداء فى البطن، هذا نحو ما قلناه. هذا الأظهر عندى إن كان لا بد من بناء الحديثين.
قال القاضى: لم يدخل مالك فى موطئه، ولا البخارى فى صحيحه أحاديث النهى عن الشرب قائماً، فأدخلا إباحة ذلك من الأحاديث والآثار؛ إذ لم يصح عندهم النهى عن ذلك - والله أعلم.
وذكر مسلم فى الباب ثلاثة أحاديث: حديث قتادة عن أنس وهو معنعن، وكان شعبة يتقى من حديث قتادة من لا يقول فيه: حدثنا، وحديث قتادة - أيضاً - عن أبى عيسى الأسوارى عن أبى سعيد مثله، وأبو عيسى - أيضاً - هو غير مشهور واضطراب قتادة فى سند هذا الحديث مما يعلله فى مخالفة الأحاديث الأخر وأئمة الصحابة والخلفاء والتابعين. وحديث عمر بن حمزة لا يحتمل مثل هذا الحديث لمخالفة غيره عن أبى غطفان عن أبى هريرة، قالوا: وعمر بن حمزة لا يتحمل مثل هذا الحديث لمخالفة غيره له، والصحيح أنه موقوف على أبى هريرة.
وشرب النبى ﵇ وهو قائم لا يقال فيه: ترك ما هو الأولى لعلة إنما كان فى الحج - والله أعلم. على ما جاء فى كتاب الحج. وحاله حينئذ من ألا يخفى فى أعمال
стр. 3677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحج، وقلة التمكن للجلوس لكثرة الناس، بحيث لا يخفى أو لا يراه الناس فيعلموا أنه غير صائم، وإن كان فى غير هذا اليوم فليس إباحة ذلك، [إن كان النهى أولاً على] (١) ما تقدم، ولئلا يظن نهيه على العموم وللوجوب، أو ليبين نسخ ذلك إن كان النهى أولاً على الوجوب.
وقوله: " أشر وأخبث ": قد تقدم مثل هذا فى الحديث: " من أشر وأخير "، وإيجاز النحاة مثل هذا، وأن وجهه خير وشر، ولا يقال فيه: أفعل، قال الله تعالى: ﴿شَرٌّ مَّكَانًا﴾ (٢) ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ (٣).
стр. 3678
(١٥) باب فى الشرب من زمزم قائماً
١١٧ - (٢٠٢٧) وحدّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ.
١١٨ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ، مِنْ دَلْوٍ مِنْهَا، وَهُوَ قَائِمٌ.
١١٩ - (...) وحدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ. ح وَحَدَّثَنِى يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِىُّ وَإسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، قَالَ إسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ يَعْقُوبُ: حَدَّثَنَا - هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ وَمُغِيْرَةُ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ.
١٢٠ - (...) وحدّثنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ، سَمِعَ الشَّعْبِىَّ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ. فَشَرِبَ قَائمًا، وَاسْتَسْقَى وَهُوَ عِنْدَ الْبَيْتِ.
(...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِهِمَا: فَأَتْيتُهُ بِدَلْوٍ.
ــ
وقوله فى شرب النبى من زمزم: " فشرب قائمًا واستسقى " هو كذا، أى سألهم أن يسقوه، كما جاء مفسرًا فى حديث الحج، وفى رواية ابن الحذاء: " وأسقى " من الإسقاء، وهو غلط، بل قد نص أنه لم يفعله، وقال: " لولا أن يغلبوا عليه لأسقيت معكم ".
стр. 3679
(١٦) باب كراهة التنفس فى نفس الإناء واستحباب التنفس ثلاثاً خارج الإناء
١٢١ - (٢٦٧) حدَّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِىُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِى الإِنَاءِ.
١٢٢ - (٢٠٢٨) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَزْرَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِى الإِنَاءِ ثَلاثًا.
١٢٣ - (...) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِى عِصَامٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رسُولُ اللهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِى الشَّرَابِ ثَلاثًا، وَيَقُولُ: " إِنَّهُ أَرْوَى، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأُ ". قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِى الشَّرَابِ ثَلاثًا.
(...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قاَلا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِىِّ، عَنْ أَبِى عِصَامٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. وَقَالَ: فِى الإِنَاءِ.
ــ
وقوله: " كان ﵇ يتنفس فى الإناء ثلاثاً "، وفى الرواية الأخرى: فى الشراب، ويقال: " إنه أروى وأبرأ وأمرأ ". الأول مقصور والآخران ممدودان مهموزان، ومعنى " أروى " من الرى، أى أكثر رياً؛ لأنه فى شربه فى مدة واحدة قد يقطع عليه تمام نفسه دره فلا يستوفيه، و " أبرأ وأمرأ " بمعنى: أحسن شرباً وأهناه وأقله ضرراً، قال الله تعالى: ﴿هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ (١)، أى سائغاً غير منغض. يقال: هنأ فى الطعام وهنأنى بالفتح والكسر، هنأ وهنأ يهنأ، وأصله فى كل ما أتاك بغير مشقة، ويقال: استمريت الطعام: إذا انساغ لك، وهو إذا شرب فى مرة بنفس واحد فقد بعّض به وسوف ويكثر عنه فيضرّ به ويولد أدواء.
ومعنى قوله هنا فى الحديث الواحد: " فى الإناء " يفسره قوله فى الحديث الآخر:
стр. 3680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
" فى الشراب " يعنى أن يتنفس حين شربه ويقطعه، لا أنه يتنفس داخل الإناء، وقيل: " فى الإناء " هنا بمعنى: عن الإناء بمعنى قوله: " أبن القدح عن فيك ".
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة فى مسلم وغيره عن النهى فى التنفس فيه، وعن النفخ فى الطعام والشراب، ولقوله ﵇ فى الحديث الآخر: " أبن القدح عن فيك ثم تنفس " (١)، وعلة ذلك إما للتقزز أو التقذر، مما لعله يخرج عند التنفس والنفخ من أنفه أو فيه من ماء أو غيره، أو لما يكتسب الإناء من بخر ورائحة قبيحة بالنفس، أو لما لعله يكون متغير النكهة فيتعلق ذلك بالإناء وبفيه.
وقال عمر بن عبد العزيز: إنما نهى عن التنفس فى الإناء، فأما إذا لم يتنفس فاشرب إن شئت بنفس واحد. وقد حمل بعضهم تنفسه ﵇ فى الإناء على ظاهره ليرى جواز ذلك، ولأنه ﵇ كان لا يتقذر أحد بسؤره، ولا ما تنفس فيه، بل كانوا يتبركون به، كما أمر بالأكل مما يلى وكان هو يتبع الدبى من حول القصعة؛ لعلمه أنه كان يستحسن ذلك منه، بخلاف غيره، كما سنذكره بعد إن شاء الله. وقال بعض العلماء: هذا فى [غير] (٢) حق الشارب وأما الإنسان ومع من يعلم أنه لا يتقذره فلا بأس بتنفسه فى الإناء، كما فعل ﵇.
قال الإمام: مذهبنا جواز الشرب فى نفس واحد؛ لقوله ﵇ للذى شكى إليه أنه لا يروى من نفس واحد: " أبن القدح عن فيك، ثم تنفس "، فظاهره أنه أباح له الشرب فى نفس واحد إذا كان يروى منه. وقد استحب بعض العلماء الحديث الوارد فى مسلم فى التنفس ثلاثاً.
قال القاضى: اختلف السلف فى الأخذ بظواهر هذه الأحاديث، فكره بعضهم الشرب من نفس واحد، منهم: ابن عباس، وطاووس، وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان. وأباحه جماعة منهم: ابن المسيب، وعطاء بن أبى رباح، وعمر [بن] (٣) عبد العزيز، ومالك بن أنس، وقد ذكرنا مذهب عمر بن عبد العزيز فى الجمع بين الحديثين.
قال الإمام: ذكر مسلم فى الباب: حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا الثقفى، عن أيوب، عن يحيى بن أبى كثير، عن عبد الله بن أبى قتادة، عن أبيه. [قال بعضهم: هكذا روى إسناده مجرداً فى النسخة عن الجلودى، وفى رواية السجزى فيه وهم، قال: عن
стр. 3681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يحيى بن أبى كثير، عن عبد الله، عن أبى قتادة، وليس هذا بشىء، وإنما هو عبد الله ابن أبى قتادة عن أبيه] (١). واتفق الرازى مع الكسائى وابن ماهان على الصواب.
قال القاضى: وذكر مسلم فى الباب فى سند حديث يحيى بن يحيى: أنبانا عبد الوارث، عن أبى عصام. كذا لكافتهم، وعند الهوزنى: عن أبى عاصم. ولم يختلفوا فى حديث قتيبة عن أبى عاصم، وهذا هو الصواب. قال البخارى: أبو عصام عن أنس روى عنه الدستوائى وعبد الوارث (٢)، وقال أبو عبد الله بن البيع، أبو عصام عن أنس أخرج له مسلم.
стр. 3682
(١٧) باب استحباب إدارة الماء واللبن، ونحوهما، عن يمين المبتدئ
١٢٤ - (٢٠٢٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قاَلَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِىَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِىٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الأَعْرَابِىَّ. وَقَالَ: " الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ ".
١٢٥ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزَهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ أَنَسٍ، قَالَ: قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ. وَكُنَّ أُمَّهَاتِى يَحْثُثْنَنِى عَلَى خِدْمَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَارَنَا، فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ، وَشِيْبَ لَهُ مِنْ بِئْرٍ فِى الدَّارِ. فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ -: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ. فَأَعْطَاهُ أَعْرَابِيًّا عَن يَمِينِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ ".
١٢٦ - (...) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ - أَبِى طُوَالَةَ الأَنْصَارِىِّ - أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى بْنَ بِلالٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى دَارِنَا، فَاسْتَسْقَى. فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً، ثُمَّ شبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِى هَذِهِ. قاَلَ: فَأَعْطَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ
ــ
قوله: أتى بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابى، وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابى، وقال: " الأيمن فالأيمن "، وفى الحديث الآخر: فقال عمر: هذا أبو بكر يا رسول الله، يريه إياه، وأعطى رسول الله ﷺ الأعرابى وترك أبا بكر وعمر، وقال: " الأيمنون " ثلاثاً. قال أنس: فهى سنة، وفى الحديث الآخر: عن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: " أتأذن لى أن أعطى هؤلاء؟ ". فقال: لا والله، لا أوثر بنصيبى منك أحداً، فتله رسول الله ﷺ فى يده: قيل: إنما استأذن الغلام ولم يستأذن الأعرابى استئلافاً للأعرابى وحذر الحماسة من استئذانه فى صرفه عنه لأصحابه، وقرب عهده بأنفة الجاهلية واستأذن الغلام - وهو ابن عباس - ثقة منه بطيب نفسه باستئذانه بدفعه للأشياخ والكبراء من آله وقومه، وفى بعض الروايات: " عمك وابن عمك أتأذن لى
стр. 3683
عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ وُجُاهَهُ -، وَأَعْرَابِىٌّ عَنْ يَمِينِهِ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ شُرْبِهِ، قَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ، يَا رَسُولَ اللهِ - يُرِيهِ إِيَّاهُ - فَأَعْطَى رسُولُ اللهِ ﷺ الأَعْرَابِىَّ وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ ".
قَالَ أَنَسٌ: فَهْىَ سُنَّةٌ، فَهْىَ سُنَةٌ، فَهْىَ سُنَّةٌ.
١٢٧ - (٢٠٣٠) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ - فيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِىَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ. وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ. فَقَالَ لِلْغُلامِ: " أَتَأذَنُ لِى أَنْ أُعْطِىَ هَؤُلاءِ؟ ". فَقاَلَ الغُلامُ. لا، وَاللهِ، لا أوثِرُ بِنَصِيبِى مِنْكَ أَحَدًا.
ــ
أن أعطيه؟ " (١) يعنى خالد بن الوليد، ولحمله عليه، وإدلاله لقرباه منه وصغر سنه، واستئلاف الأشياخ أيضاً بهذا الاستئذان من تعريف الحكم فى ذلك، بأنه لا يصرف عنه إلا بإذنه لمن لم يكن علمه منهم، فشح ابن عباس على نصيبه من النبى ﷺ ، وفضل شرابه وبركته لا على نصيبه من المشروب، وقد يكون لم يستأذن الأعرابى للعادة عندهم فى جرى الشراب عندهم عن اليمين، كما قال:
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكأن الكاس مجراها اليمينا
فلو استأذنه لظن به غضاضة منه، وتقصيراً فى حقه مع أنفة الجاهلية، وجفاء الأعرابى، لاسيما قد بدا من عمر - رضى الله عنه -[قبل ذلك] (٢) ما بدا له من قوله: أعطه أبا بكر يا رسول الله، فإنه هو يدفعه إليه دون استئذانه. وفيه أن مثل هذا من الحقوق إذا تميزت لأحد أن صاحب الحق أولى به، لا يلتفت فى ذلك إلى الأسن، ولا الأفضل. كصاحب الدابة أولى بمقدمها، وإمامة صاحب الدار، وإنما يراعى الترجيح بالفضائل والمزايا مع استواء الأقدام فى ذلك الحق، وترك السبق إليه، كالبداية بالشرب، وغسل اليد، وبالشهادة، والتقديم للصلاة، وغير ذلك.
قال الإمام: هذا مطابق لأصول الشرع من استحباب التيامن، فإن عورض هذا بما وقع فى الحديث الآخر من تقدمه الأكبر، قلنا: هذا مع تساوى الأحوال فيرجح بالسن، وهكذا الرواية عند استحباب التيامن فى الشهادات المثبتة فى الكتاب وفى الوضؤء، وغيره تقدم الأيمن.
стр. 3684
قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى يَدِهِ.
١٢٨ - (...) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيز بْنُ أَبِى حَازِمٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ - كِلاهُمَا عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُولا: فَتَلَّهُ، وَلَكِنْ فِى رِوَايَةِ يَعْقُوبَ: قَالَ: فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
ــ
وشوب اللبن بالماء لشربه يجوز، وشوبه لبيعه لا يجوز؛ لأنه تدليس. ومعنى " شيب بماء ": أى خلط بماء.
وقوله: " فتله فى يده ": قال ابن الأنبارى [فى قوله ﷺ ] (١): " بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت فى يدى " [معناه: ألقيت فى يدى] (٢)، يقال: تللت الرجل: إذا ألقيته، وقال [ابن الأعرابى] (٣): معناه: فصبت فى يدى، والتل: الصب، يقال: تل يتل: إذا صب، وتل تيل بكسر التاء: إذا سقط، وقوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِين﴾ (٤): أى صرعه، والتل: الدفع والصرع، قاله غير ابن الأعرابى.
قال القاضى وذكر فى حديث الغلام والأشياخ فى حديث ابن أبى شيبة مفسراً: أن الغلام: عبد الله بن عباس الذى عن يساره، والأشياخ: خالد بن الوليد. يريد أقربهم إلى النبى ﷺ .
قال: المهلب: التيامن فى الأكل والشرب وجميع الأشياء من السنن. قال غيره: وما روى عن مالك أن ذلك فى الشراب خاصة لم يقل غيره، و [فى] (٥) حديث عائشة " أنه كان يحب التيامن فى أمره كله " يقضى عليه ويعم كل شىء. قال أبو عمر: ولا يصح ما روى فى ذلك عن مالك مما ظاهره خلافه.
قال القاضى: يشبه أن يكون قول مالك: إن ذلك فى الشرب خاصة، يعنى أن فيه جاءت السنة مثبتة بتقديم الأيمن فالأيمن، وغير ذلك إنما هو بالاجتهاد، والقياس عليه، وأن حديث التيامن فى غير ذلك، والبداية باليمين إنما جاءت فى فعل الإنسان بنفسه وتقديمه يمينه من أعضائه فى أعماله على شماله.
وفى الحديث من الفقه: شرب اللبن المشوب بالماء، وإنما يشابه ليبرد أو ليكثر إن كان قليلاً، وأنه ليس من باب الخليطين؛ إذ ليس كل واحد ينبذ بنفسه، وإنما الخليطان
стр. 3685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى النبيذين أو فيما يكون منهما ينبذ، وفيه مشاركة المهدى له من حضر، أى فيما [يكون] (١) قصد به من هدية وإكرام، وقبول الأفاضل ذلك واستعمالهم ممن يعرف صحة قصده فى ذلك، ومناولة الفضلاء، وتواضع الأجلاء ومجالستهم الضعفاء والأعراب وأهل البوادى، [أبيض] (٢) إلى مجلس كان أولى به، وإن جاء من هو أفضل منه أن يعرف له قدره، ويوسع له أو يجلسه مكانه، على ما جاء فى الحديث، وسيأتى الكلام على هذا إن شاء الله وقد يحتمل أن يكون هذا الأعرابى من زعماء القبائل الذين كانوا يتسابقون على الإسلام؛ فلذلك - أيضاً - تمكن من النبى ﵇ وجلس منه هذا المجلس، ولم يسبقه أحد إليه، وقد قال ﵇: " ليلينى منكم أولو الأحلام والنهى " (٣).
قال بعضهم: وفيه دليل على أن من قدم إليه شىء مما يأكله أو يشربه، ولم يعرف هو مكسب مقدمه، أنه لا يلزمه السؤال من حيث كان لما لم يسأل هذا وهذا لا حجة فى ظاهره وإن كان صحيح المعنى، لأنه قد فسر فى حديث أنس أنه حلبه من شاة لهم وشاة بما من يبدأهم والأظهر أن تلك بمرائى من النبى ﵇.
стр. 3686
(١٨) باب استحباب لعق الأصابع والقصعة، وأكل اللقمة الساقطة بعد مسح ما يصيبها من أذى، وكراهة مسح اليد قبل لعقها
١٢٩ - (٢٠٣١) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا ".
١٣٠ - (...) حدّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ ابْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو عَاصِمٍ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءٌ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مِنْ الطَّعَامِ، فَلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا ".
١٣١ - (٢٠٣٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلاثَ مِنَ الطَّعَامِ. وَلَمْ يَذْكُر ابْنُ حَاتِمٍ: الثَّلاثَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ فِى رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ.
(...) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ
ــ
وأمره ﵇ بلعق الأصابع، ولعقه إياها، وأمره ألاَّ يمسح يده بالمنديل حتى يفعل ذلك من بدء الطعام، وأنه لا يتهاون بقليله ولا كثيره، وكذلك أمره بسلت الصحفة ولعقها وهما بمعنى، ومن مروءة البدء وتنظيفها إن لم يكن الغسل واللعق (١) وذهاب وضر الطعام وبقيته عنها، مع ما جاء فى ذلك فى الحديث من قوله: " فإنكم لا تدرون فى أى طعامكم البركة "، ومعنى ذلك - والله أعلم - زيادة التغذية وكفاية التقليل منه والتقوى به. واْصل البركة: الزيادة والاتساع فى الشىء، ويكون بمعنى الثبات واللزوم.
стр. 3687
الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأكُلُ بِثَلاثِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدْهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا.
١٣٢ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ - أَوْ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ - أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأكُلُ بِثَلاثِ أَصَابِعَ، فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا.
(...) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ حَدَّثَاهُ - أَوْ أَحَدُهُمَا - عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
ــ
وقوله: " كان يأكل بثلاثة أصابع ": هو من أدب الأكل وسننه ومن المروءة؛ لأن الأكل بأكثر منها إنما هو من الجشع وسوء الأدب فيه وتكثير اللقم، وذلك من غير آدابه ومستحسناته، ولأنه غير [مضطر] (١) لأكثر من ثلاث لجمع لقمته وإمساكها من جهاتها، إلا أن يضطر إلى غير ذلك لخفة الطعام، وعدم تلفيفه بالثلاث فيدعمه بالرابعة.
وفيه جواز مسح اليد بعد الطعام بالمنديل وهذا - والله أعلم - فيما لم يحتج فيه لغسل مما ليس فيه غمر ولزوجة مما لابد منه إلا الغسل، فقد جاء فى الحديث فى الترغيب فى غسله أو الحذر من تركه، فذكر أبو داود فى مصنفه، والترمذى وغيره من رواية أبى هريرة: " من نام وفى يده غمر ولم يغسله فأصابه شىء، فلا يلومن إلا نفسه " (٢)، وسئل مالك عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال الترمذى فيه: حديث حسن غريب.
وقد ذكر أصحاب المصنفات من حديث سلمان عنه ﵇ قال: " بركة الطعام الوضوء قبله وبعده " (٣)، قال أبو عيسى: ولا نعلمه إلا من حديث قيس بن
стр. 3688
١٣٣ - (٢٠٣٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: " إِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ فِى أَيِّهِ الْبَرَكَةُ ".
١٣٤ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا منْ أَذَىَ وَلْيَأكُلْهَا، وَلا يَدَعْهَا للِشَّيْطَانِ، وَلا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ، حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لا يَدْرِى فِى أَىِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ ".
(...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُد الْحَفَرِىُّ. ح وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلاهُمَا عنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلِهِ.
وَفِى حَدِيِثِهِمَا: " وَلا يَمْسَحُ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلعَقَهَا أَوْ يُلعِقَهَا " وَمَا بَعْدَهُ.
ــ
الربيع وهو ضعيف (١).
وقد ذكروا حديث ابن عباس أن النبي ﷺ : قُرب إليه طعام فقيل له ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: " إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة " (٢).
وكان سفيان ومالك والليث يكرهون الوضوء قبل الطعام، وقال مالك: هو من فعل الأعاجم، وحكى الدراوردى كراهة مالك له أيضاً بعد الطعام، وكان الليث يراه بعد الطعام، ولعل مالكًا إنما كرهه فيما لا معنى له لمن يده طاهرة، ومن طعام لا دسم فيه ولا دهونة، وقد أمر ﵇ بالمضمضة من اللبن وقال: " إن له دسمًا " (٣).
وقوله: " إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى، وليأكلها ولا يدعها للشيطان ": أى يزيله وينحيه عنها، ومعنى ذلك: ألا يتركها كبرًا عن أكل ما سقط واستهانة بالنعمة؛ فإن الذى يحمله على ذلك الشيطان ترفيعًا لنفسه، وكبراً عن أكلها بعد سقوطها، وقد يحتمل أن يكون بركتها للشيطان أن يكون له فيها غذاء، والأول أظهر.
سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لا يَدْرِى فِى أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىٍّ - قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:. " وَلْيَسْلُتْ أَحَدُكُمُ الصَّحْفَةَ ". وَقَالَ: " فِى أَىِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ، أَوْ يُبَارَكُ لَكُمْ ".
ــ
ابن نافع، والأول الصواب إن شاء الله، وإن كانا جميعاً من شيوخ مسلم والبخارى وممن خرجا عنهم، لكن المكنى بأبى بكر هو ابن نافع، وأما ابن رافع فيكنى بأبى عبد الله.
стр. 3691
(١٩) باب ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام، واستحباب إذن صاحب الطعام للتابع
١٣٨ - (٢٠٣٦) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وتَقَارَبَا فِى اللَّفْظِ - قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلامٌ لَحَّامٌ، فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَرَفَ فِى وَجْهِهِ الْجُوعَ. فَقَالَ لِغُلامِهِ: وَيْحَك، اصْنَعْ لَنَا طَعَامًا لِخَمْسَةِ نَفَرٍ، فَإِنِّى أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِىَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ. قَالَ: فَصَنَعَ، ثُمَّ أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَدَعَاهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ. فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " إِنَّ هَذَا اتبَعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ ". قَالَ: لا، بَلْ آذنُ لَهُ، يَا رَسُولَ الله.
ــ
وذكر حديث أبى شعيب وأنه كان له غلام لحّام - أى يبيع اللحم - وأنه دعى النبى خامس خمسة واتبعهم رجل، وقول النبى ﷺ له: " إن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع " قال: بل آذن له، وفى الحديث الآخر فى الفارسى الطيب المرق، إذ جاءه يدعوه، فقال النبى: " وهذه "، تعنى عائشة، فقال: لا، فقال النبى ﷺ : " لا "، ثم قال فى الثانية: نعم، قال الإمام: ذكرها هنا أنه استأذن صاحب المحل، وذكر فى حديث أبى طلحة أنه قال لمن معه: " قوموا " - وهم سبعون أو ثمانون - ولم يستأذن، وعن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن يقال: علم من أبى طلحة رضاه بذلك فلم يستأذن، ولم يعلم رضا أبى شعيب فاستأذنه.
والجواب الثانى: أن أكل القوم عند أبى طلحة إنما خرق به العادة لنبيه ﷺ ، وبركة أحدثها لا ملك لأبى طلحة عليها، إنما أطعمهم مما لم يملكه فلم يفتقر إلى استئذانه.
والجواب الثالث: أن يقال: فإن الأقراص جاء بها النبى ﷺ مسجده ليأخذها منه، فكأنه قبلها وصارت ملكاً له، فإنما استدعى لطعام ملكه، فلا يلزمه أن يستأذن فى ملكه.
قال القاضى: فيه جواز [صناعة] (١) الجزارة وأكل مال الجزار، وجواز اتخاذ الأمراق
стр. 3692
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ.
قَالَ نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ فِى رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الأعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىُّ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا عَمَّار - وَهُوَ ابْنُ رُزَيْقٍ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنِى سَلَمَةُ ابْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْينَ، حَدَّثَنَا زهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ.
ــ
الطيبة وألوان الطعام الحسنة وأكلها، واستعمال ما أخرج الله لعباده وأحله لهم والطيبات من الرزق.
وفيه وفى حديث أبى طلحة، وجابر، وأبى الهيثم بن التيهان: ما كان ﵇ فيه من شظف العيش، وما اختار لنفسه من ذلك فى الدنيا، وما ابتلى به.
وأما استئذانه الفارسى حين دعاه أن يأذن لعائشة فقال: لا، فيحتمل أنه إنما كان صنعه للنبى ﷺ خاصة لما رأى فى وجهه من الجوع، وقدر ما يكفيه، فرأى أن مواساة النبى فيه مما يضر به فى نفسه، وأراد إفراد النبى ﷺ به ليقع منه بموقع ويسد خلته، فأبى النبى ﷺ إلا مشاركة من حضره فى الكرامة، على ما كان عليه من الخلق الجميلة، وكانت عائشة مع خصوصيتها به حيث كانت. ولعله رأى من حاجتها مثل حاجته، فلما لم يأذن لها وقال: لا، قال له النبى ﷺ عن نفسه أيضاً: " لا " ممتنعاً من إجابة دعوته، وكراهة للاستئثار على من حضر بكرامته.
ومثل هذا قول مالك فى الرجل يدعو الرجل يكرمه، قال: إذا أراد: فليبعث بذلك إليه بأكله مع أهله، فإنه قبيح بالرجل أن يذهب بكل الطيبات ويترك أهله.
стр. 3693
١٣٩ - (٢٠٣٧) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ جَارًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَارِسِيًّا، كَانَ طَيِّبَ الْمَرَقِ. فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ. فَقَالَ: " وَهذِهِ؟ " - لِعَائِشَةَ - فَقَالَ: لا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا ". فَعَادَ يَدْعُوهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَهَذِهِ؟ ". قَالَ: لا، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا ". ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " وَهَذِهِ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فِى الثَّالِثَةِ. فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ، حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ.
ــ
وفيه إجابة دعوة الجار والصديق، وجواز الشفاعة فى مثل هذا، وجواز أكله بعد الإذن وطيب نفسه وإن تقدم منعه لِعِلة ومنع ذلك بغير إذنه وتحريم طعام الطفيليين، ومنع أن يحمل الإنسان غيره إذا دعى إكرامه، إذ لا يدرى ما يوافق صاحب الطعام من ذلك، وقاله مالك إلا أن يأذن له صاحب الطعام أو يأمره بذلك، ومنع أن يظهر الرجل دعوة الرجل وفى نفسه الكراهة؛ لأنه يطعمه ما نفسه تكرهه ولا علم عند الآخر، فجمع الرياء والبخل وصفة ذى الوجهين، وإطعامه المسلم ما لم يطب له به نفسه.
стр. 3694
(٢٠) باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، ويتحققه تحققاً تاماً، واستحباب الاجتماع على الطعام
١٤٠ - (٢٠٣٨) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَقَالَ: " مَا أخْرَجَكُمَا مِنْ بِيُوُتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ ". قَالا: الْجُوعُ،
ــ
وذكر مسلم حديث أبى هريرة وخروج النبى ﷺ وأبى بكر وعمر، وأن الجوع أخرجهم، وقصدهم رجلاً من الأنصار، وهو أبو الهيثم بن التيهان، واسمه مالك، وإكرامه لهم وإطعامه إياهم - الحديث: فيه ما ابتلى به الأنبياء والفضلاء من ضيق العيش أحياناً، وصبرهم على ذلك، وفيه دلال الصديق على صديقه وقصده إياه ليطعمه ويطعم عنده والحركة فى طلب الرزق، وفيه ما كان ينالهم أول الإسلام من الجهد وقلة ذات اليد، وذلك قبل فتوح الله عليهم ما فتح واستغنائهم بذلك، وفى بعض الأخبار دون بعض فقد مات ﵇ ودرعه مرهونة عند يهودى فى شعير (١).
وقد فتح الله عليه من الفتوح، وأفاء الله عليه من أموال أهل القرى ما علم، وقسم فى آل بيته وغيرهم من الأموال ما قسم، وأعطى الجزيل، لكنه ﵇ كانت تأتيه وتأتى أصحابه أوقات يضيق بها حالهم؛ لإخراجهم قبل ذلك ما بأيديهم فى نوائب الحقوق، ومواساة المسلمين، وتجهيز الجيوش.
وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار مع برهم له ﵇ وإكرامهم إياه وإتحافهم له فى الأحيان، وبما (*) لم يعرفوا ما يبلغ منه الحاجة ولا فراغ ما عنده بإيثاره على نفسه، وبذله ما عنده، ومن علم ذلك ربما كان حاله فى تلك الأحيان كحاله، كحال أبى بكر وعمر فى هذا الحديث، وإيثارهم بما عندهم فى وجوه البر، والنفقة فى السبل المرضية، والحقوق الطارئة، وقد خرج أبو بكر عن ماله كله مرة، وعمر عن نصفه مرة، وعثمان جهز جيش العسرة، وهكذا غيرهم.
فلا يبعد أن تأتى عليهم أحوال وليس عندهم ما يواسى به بعضهم بعضاً، ومن عنده قد لا ينكشف له حال غيره، فإذا انكشف له بادر إلى تلافيها كما جاء فى حديث أبى طلحة إذ قال: سمعت صوت رسول الله ﷺ أعرف فيه الجوع، وكما قال فى حديث جابر: " رأيت رسول الله ﷺ : خمصاً "، وفى حديث مولى الغلام اللحام: " فعرف فى وجهه الجوع " (٢)، ومثل هذا.
стр. 3695
يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " وَأَنَا، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأَخْرَجَنِى الَّذِى أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا ". فَقَامُوا مَعَهُ. فَأَتَى رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِى بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا، وَأَهْلاً. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهَ ﷺ : " أَيْنَ فُلانٌ ". قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ. إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِىُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّى. قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقِ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ. فَقَالَ: كُلُوا
ــ
ولا يظن بهم أنهم عرفوا من حاله ضرورة فاعرضوا عنها، أو من حال بعضهم بعضاً، وقد وصفهم الله بأنهم: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ (١) وبأنهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة﴾ (٢)، فكيف معه ﵇ وقد كانوا يفدونه بأنفسهم؟ فكيف بأن يشحوا عليه بأموالهم؟، فهذا يدفع الاعتراض والتعارض بين الأحاديث فى هذه الأبواب، ولنحو ما ذكرناه أشار أبو جعفر الطبرى.
وفى قوله: " فأنا أخرجنى الجوع ": جواز إجهار الرجل بما يصيبه عند الضرورة، لا بطريق التشكى وقلة الرضا، بل لفائدة، وتسلية المسلم كما [كان هناك] (٣) لصاحبيه، وفيه برُّ الضيف والصديق والمبالغة فى ذلك، والاختيار لطيب الطعام له.
ودخوله منزل الأنصارى وهو غائب، فيه جواز إذن الزوجة فى منزل زوجها لمن تعلم أنه لا يشق [ذلك عليه] (٤).
وفى قولها: " يستعذب لنا الماء " جواز استعذاب الماء والمشروب، وقد منّ الله بذلك على عباده فقال: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُه﴾ (٥).
وقول الأنصارى: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافاً منى ": شكراً لله تعالى على ما منحه من مجىء النبى ﷺ إليه، وإدلاله فى منزله وطلبه أكل طعامه (٦).
وفيه تلقى الضيف بالكلام الحسن وإظهار المبرة به؛ وجواز قول الرجل للآخر: مرحباً وأهلاً، وهى من البرّ، أى صادفت رحباً وسعة وأهلاً تأنس بهم.
ومجيؤه إياهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب. العذق هنا بكسر العين: الكباسة وهو العرجون، وإنما جاءهم بمثل هذا العذق لاختلاف ألوانه، وليأكلوا من أنواع فاكهته لاختلاف طعوم أجناسها، وقد قال بعض المتكلمين: لعله: " بعرق " يعنى الزنبيل، فعبر بعذق لما ذكر من جمعه فيه البسر والتمر والرطب، ولا ضرورة لما قاله، ولا ينكر أن يجمع العذق الواحد ما أرطب بتبكير ويبس بعضه، ويبقى بعض ما فيه بعد ليأخذه بسراً، وقد روى هذا الحرف أبو عيسى الترمذى فقال فيه: " يقنو " وهذا تصحيح أنه العرجون.
стр. 3696
مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ "، فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا. فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ: " وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَتُسْألُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ ".
(...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ - يَعْنِى الْمُغِيْرَةَ بْنَ سَلَمَةَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَيْنَا أَبُو بَكْرٍ قَاعدٌ وَعُمَرُ مَعَهُ؛ إِذْ أَتاَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " مَا أَقْعَدَكُمَا هَهُنَا؟ ". قَالا: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ مِنْ بِيُوُتِنَا، وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ.
١٤١ - (٢٠٣٩) حدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِى الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ مِنْ رُقْعَةٍ عَارَضَ لِى بِهَا، ثُمَّ قَرَأهُ عَلَىَّ، قَالَ: أَخْبَرَنَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ،
ــ
وفيه المبادرة إلى الضيف أولاً كما حضروا كرامة له به إلى أن يجىء ما يتكلف له، لاسيما إن علم حاجته إلى الطعام، وهذا من أدب الضيف، فقد يكون محتاجاً إلى تعجيل ما تقدم إليه ويضر به [انتظار] (١) ما يتكلف له، وقد يكون مستعجلاً للحركة فيضر به الانتظار، وقد روى عن السلف كراهة التكلف للضيف لما ذكرناه - والله أعلم - لما عليه فيه مشقة، فأما بما قدر عليه فمن السنن، قد ذبح إبراهيم لأضيافه عجلاً، وقال ﵇ فى الضيف: " جائزته يوم وليلة " (٢) على أحد التأويلين فى المحافة [والتكلف له، وهو تأويل قدمه أصحابنا وغيرهم تناول أن يُعطَى ما يجوز] (٣) به يوماً وليلة.
وفيه استعمال الفاكهة قبل الطعام وهو أوفق للمعدة وقوام الصحة لسرعة هضمها، بخلاف غيرها مما يبطئ هضمه.
وقوله: " وأخذ المدية " يعنى السكين.
وقول النبى ﷺ : " إياك والحلوب " هى: التى تحلب، فعول بمعنى: مفعولة، مثل ناقة ركوب، وقد تكون بمعنى فاعلة، أى ذات حلب ومعطية من نفسها، مثل ماء طهور، بمعنى مطهر وطاهر، وهو من باب المبالغة. وفى الحديث الآخر: " فكف عن ذوات
стр. 3697
قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَمَصًا. فَانْكَفَأتُ إِلَى امْرَأَتِى، فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَىْءُ؟ فَإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا. فَأَخْرَجَتْ لِى جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ. وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنُ. قَالَ: فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِى، فَقَطَّعْتُهَا فِى بُرْمَتِهَا، ثَمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ .
ــ
الدر " (١)، أى ذات اللبن. وفيه حجة لمن لم ير من أصحابنا ذبح حوامل الماشية، وكذلك فيما كان يصلح من البقر للحريث؛ لأن هذا - إذا لم يضطر إليه - من الفساد.
[وقوله] (٢): " فأكلوا حتى شبعوا ": فيه جواز الشبع فى الأكل وما جاء من كراهة الشبع عن النبى ﷺ وعن السلف فذلك حكم المداومة عليه؛ لأنه يقسى القلب، وينسى أمر المحتاجين وحالهم، ويكثر عليه المحاسبة، غير أن المباح منه ما لم يزد على القدر، ويشغل عن أداء الواجب، ويضر بالنفس، ويضيقه ويورث التخمة، ويثقل المعدة وما زاد على هذا فغير مباح، قد جاء عن النبى ﵇ فى الحديث: " إن كان ولابد فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس " (٣) وخرجه أصحاب المصنفات.
وقول النبى ﷺ : " لتسألن عن نعيم هذا اليوم ": قال المفسرون: كل شىء من لذة الدنيا من النعيم الذى يسأل عنه (٤)، والسؤال عنه: هل يقيم بحق شكره ومنة الله عليه فيه بنعمته؟
وذكر مسلم فى سند هذا الحديث: حدثنا إسحاق بن منصور، أنبأنا أبو هشام - يعنى المغيرة بن سلمة - حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا يزيد - هو ابن كيسان - حدثنا أبو حازم، سمعت أبا هريرة - الحديث، قال الإمام: هكذا روى هذا الحديث مجوداً عن أبى أحمد الجلودى من طريق السجزى، وسقط منه فى رواية ابن ماهان والرازى رجل وهو: عبد الواحد بن زياد، ولا يتصل إلا به. وكذلك خرجه أبو مسعود الدمشقى عن مسلم، عن إسحاق عن مغيرة، عن عبد الواحد بن يزيد بن كيسان، عن أبى حازم، عن أبى هريرة. قال بعضهم: والذى عند ابن ماهان خطأ بين، قال البخارى: مغيرة بن سلمة أبو هشام سمع عبد الواحد بن زياد وهشام ومروان الفزارى، مات سنة مائتين.
стр. 3698
فَقَالَتْ: لا تَفْضَحْنِى بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ فِى نَفَرٍ مَعَكَ. فَصَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: " يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا، فَحَيَّهَلا بِكمْ ". وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلا تَخْبِزُنَّ عَجِينَتَكُمْ، حَتَّى أَجِىءَ ". فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْدُمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِى. فَقَالَتَ: بِكَ، وَبِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِى قُلْتِ لِى. فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينَتَنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ. ثُمَّ قَالَ: " ادْعِى خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِى مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلا تُنْزِلُوهَا ". وَهُمْ أَلْفٌ. فَأُقْسِمُ بِاللهِ، لأَكَلُوَا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ
ــ
حديث جابر وفضله يوم الخندق:
قال القاضى: قوله: " رأيت رسول الله ﷺ خمصاً ": أى رأيته ضامر البطن، وأخمص: حالة البطن من الجوع.
وقوله: " فانكفأت إلى امرأتى ": أى انصرفت وانقلبت.
وقوله: " فأخرجت لى جراباً فيه صاع من شعير ": الجراب: وعاء من جلد.
وقوله: " ولنا بهيمة داجن "، قال الإمام: لعله أراد تصغير بهمة. والبهم: صغار الغنم. والداجن: ما ألف البيت.
وقوله: " إن جابراً صنع لكم سوراً فحيهلا بكم ": السور: هو الطعام بالفارسية.
قال القاضى: [وقال غيره] (١) هو الدعوة للطعام بالفارسية. قال الطبرى: أى اتخذ طعاماً لدعوة الناس، كلمة فارسية. فيه أن النبى ﵇ قد كان يتكلم بالفارسية وغيرها من لغات الأمم.
وقوله: " فحيهلا بكم "، قال الإمام: ذكر الهروى فى الحديث: " إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر " (٢)، أن معناه: حى هلم، وهلا حثاً، فجعلا كلمة واحدة، يريد: إذا ذكروا فهات وعجل بعمر، وذكر فى موضع آخر من كتابه: معنى " حى ": [أى] (٣) أسرع بذكره، ومعنى " هلا ": أى أسكن عند ذكره حتى تنقضى فضائله، ومنه قول ليلى: وأى حصان لا يقال لها هلا.
أى أسكن للزوج، فإن شددت اللام من " هلا " صارت للوم والتحضيض.
قال القاضى: كان فى هذا الكلام من العلم تعبير عما فى كتاب الهروى، فجئنا به على الصواب، إذ عنه حكاه (٤).
стр. 3699
كَمَا هِىَ، وَإِنَّ عَجِينَتَنَا - أَوْ كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ - لَتُخْبَزُ كَمَا هُو.
١٤٢ - (٢٠٤٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ضَعِيفًا، أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَىْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ،
ــ
وفى هذه اللفظة لغات: قال الأحمر: يقال: حى هل وهل وهلا. وحكى أبو عبيد: حى هلك، قال غيره: يقال: حى هل، مثل بل لكثرة الحركات والوقف، تشبيهاً بصه وَمَه، وحى هلا مثل " على " مقصور، [و" حى هلاً " منون على المصدر، و" حى هلن " بالنون] (١)، و" حى هل " بنصب اللام لكثرة الحركات، و" حى هل " بسكونهما مثل بخ بخ، تشبيهاً بها، و" حى هلك " بالكاف.
وجاء فيها - أيضاً - " حى على " بمعناها. ومعناه عند أبى عبيد: عليك بكذا أو ادع بكذا. وقال السلمى: " حى " أعجل و" هلا " صلة.
وتقدم الكلام على حمل النبى الناس إلى منزل أبى طلحة ولم يستأذنه فى ذلك، وكذلك فعل فى حديث جابر [هذا.
وقول امرأة جابر] (٢). " بك وبك ": إشفاقاً من فضيحتها بأن طعامها لا يقوم بالناس، وكذلك فى حديث أبى طلحة من قوله: " قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما يطعمهم "، لكن كان عند زوجته من اليقين ما يثبته بقولها: " الله وسوله أعلم "، وقد يحتمل أن امرأة جابر ظنت أنه لم يبين للنبى ﷺ مقدار الطعام؛ ولذلك قال لها: " قد فعلت الذى قلت لى " يعنى قولها: " لا تفضحنى برسول الله ﷺ ومن معه "، أى لا تدع إلا بمقدار الطعام، ولذلك ساره النبى ﵇ بالأمر.
ومعنى قولها: " بك وبك " عتباً، كأنما قالت له: برأيك وسوء نظرك للإفتاء فعلت هذا، وبك تلحق الفضيحة، وبك يتعلق الذم. أو يكون كالدعاء عليه بذلك، أوقع الله بك الفضيحة وأدناك اللوم. وقد تكون الباء بمعنى: من أجل، أى من أجلك حل بنا ما يتوقعه من الفضيحة والخزى مع الناس.
وقوله: " فجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس ": هذا جاء له هنا؛ لأنه دعاهم لهذا الطعام، فهم يسيرون خلفه له فلا يتقدمونه، وكانت عادته فى غير هذا إذا مشى مع الناس أن يتقدمهم (٣) بين يديه؛ كيلا يتخلق بأخلاق أهل الكبر والدنيا فى وطء عقبه الذى ذم فاعل ذلك ﵇.
стр. 3700
ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِى، وَرَدَّتْنِى بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَذَهَبْتُ بَهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَالِسًا فِى الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ ". قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: " أَلِطَعَامِ؟ " فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: " قُومُوا ". قَالَ: فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ. فَقَالَتِ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِىَ
ــ
وفى حديث جابر وأبى طلحة أن صاحب الدار لا يستأذن فى داره، وأن من يدخل معه يستغنى عن الإذن؛ لأن دخوله معه إذن له فى الدخول.
وفى حديث أبى طلحة أن الناس لم يدخلوا إلا بإذن؛ لقوله: " ائذن لعشرة "؛ إذ لم يدعوا ولا أتوا مع أبى طلحة، وإنما دعاهم النبى ﷺ ، فلما جاء الطعام أذن لهم حينئذ. ففيه أن أحداً لا يدخل منزل أحد إلا بإذنه وإن علم أنه خال ممن يستتر منه؛ لأن دخول العشرة [الأولين] (١) والإذن لهم لم يكن إلا بعد تمام امرأة أبى طلحة من شغلها، فلم يكن الإذن للعشرة [الأول] (٢) إذناً للباقين حتى أذن لهم فى الدخول، مع أن فى هذا الإذن مصلحة للكافة؛ إذ لو أذن لجميعهم لضاق بهم المحل ولم يتمكنوا من الأكل، فالإذن لهم عشرة عشرة من صلاح حالهم.
وفيه مواساته ﷺ فيما خص به ولما لم يكن قسم ذلك بينهم على حاله دعاهم إليه جميعاً، وجمعهم عليه زمرة بعد أخرى ببركته وآياته.
وما ذكر فيه من أن النبى ﷺ بصق فى العجين والبرمة وبارك، هذا كما فعل فى الماء - أيضاً - رجاء بركته كما كانت، وليس فيه ما يعترض به؛ إذ كان بصاق النبى ﷺ غير متقذر (٣) عند المسلمين، بل كانوا يرغبون في ذلك، ويحكون بها وبنخامته وجوههم.
وقوله: " ادعى خابزة " كذا للسجزى، وهو صواب الكلام، ووجهه بأنه إنما خاطب المرأة، ورواه غيره: " ادعنى " بنون، وبعضهم: " ادعونى " بزيادة واو. كله له وجه، أى اطلب أو اطلبوا لى، كما يقال: بغيته كذا وبغيته له بمعنى. قال الله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَة﴾ (٤).
وقوله: " اقدحى من برمتكم ": أى اغرفى. والمقدحة: المغرفة. وأمر النبى بذلك، ودعاء النبى لجابر: فيه إدلال الضيف والصديق فى دار صديقه، وأمره فى ذلك بما يراه، لاسيما فى هذه القصة التى كان أمر النبى فيها وتناوله [لها] (٥) بسبب البركة والمعجزة البينة. وفيه قبول مواساة الصديق وأكل طعامه.
стр. 3701
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: " إنهم أكلوا من ذلك وهم ألف، وانحرفوا " أى انصرفوا " والبرمة تغط " أى تغلى وتسمع غليانها. والغطغطة، والغطيط: الصوت من ذلك وما يشبهه، وكذلك صوت النائم.
وفيه آيتان بينتان من علامات نبوته ﵇:
إحداهما: فعلية فى تكثير القليل من الطعام وبركة بصاقه وإجابة دعوته.
والثانية: قولية بدعوة النبى العدد الكثير لما قد علم قلته، وأنه على ذلك بارك فيه ويكفيهم بوحى الله، ويقين منه بذلك، ومثله فى حديث أبى طلحة، وقوله: " فإن الله سيجعل فيه بركة ".
ودعاء النبى الناس لطعام غيره تقدم الكلام عليه أيضاً فى حديث الغلام اللحام، وغيره معنى مما نبهنا عليه قبل مما هو فى حديث جابر أيضاً، وفيه أنه لا يجب لإنسان أن يدعو لطعامه أكثر من قدره فيفضح نفسه، ويخجل الحاضرين، إلا عند الضرائر والشدائد والمواساة. وفيه فضل الثريد، وكون البركة معه، ومعونة المرأة زوجها فى أضيافه وخدمتها فى بيتها وطعامها.
وذكر حديث أبى طلحة وقوله: " لقد سمعت رسول الله ﷺ ضعيفاً أعرف فيه الجوع ": فيه من معنى ما تقدم من ابتلاء الفضلاء وصبرهم على ذلك وكتمانه، وغير ذلك مما تقدم فى حديث جابر من المعانى والفقه الذى طابقت هذا الحديث، مما نبهنا عليه من المعجزتين.
قال بعضهم: وفيه الحجة فى جواز الشهادة على الصوت لقوله: " أعرف فيه الجوع " وإنكاره منه ما عرف، قيل: وفى هذا ضعف جداً، أى إنما هو حكم على ما دل عليه الصوت من ضعفه، فأما سماع الصوت [فمع المشاهدة كان، وإنما الشهادة على الصوت] (١) المتكلم فيها قمع غيبة العين.
وقد نازع فيه الخالف، وقال: إنه دليل على منع الشهادة على الصوت؛ إذ إنما علم تغير صوته بالمشاهدة، فلا يبعد أن يعترى بعض الناس تغير فى أصواتهم، فكيف تصح الشهادة على الصوت؟ وهذا أضعف؛ لأنه إنما شهد على ما حققه ولم يتغير عنده وأما ما تغير فلا يشهد به.
وفى حديث أبى طلحة - مما لم يتقدم فى الأحاديث الأخر -: الخروج لتلقى الضيفان إلى الطريق، وتحسين الهدية، وإكرام المهدى لها؛ للف أم سليم تلك الأقراص فى خمارها.
وفيه أن الخبز كان عندهم - من شعير أو غيره - أفضل الطعام، فقد كان أبو طلحة من أكثر أنصاره بالمدينة مالاً ونخلاً، فإنما عدل عن التمر للخبز لفضله. ويحتمل أن يكون
стр. 3702
رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ حَتَّى دَخَلا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَلُمِّى، مَا عِنْدَك، يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ". فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: " ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ "، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا. ثُمَّ قَالَ: " ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ "،
ــ
فى وقت قد نفد ما عنده من التمر، ألا تراه كيف قال لزوجته: هل عندك [شىء] (١) من شىء؟ ويحتمل أن يريد شيئاً حاضراً لتعجيل ذهاب ما بالنبى مما أضعفه من الجوع، أو كان تمره يبعد تناوله، إما من حيث أخبرته أو لمعاناة جمعه والمجىء به من حائطه، وأما على الحديث الآخر ففيه: أن أم سليم قالت له: عندنا كسر من الخبز وتمرات، فقد زاد هنا [- إن صح الخبر - تمراً] (٢).
قوله: " ثم دسته تحت ثوبى ": كذا فى مسلم من رواية يحيى بن يحيى التميمى عن مالك، وفى رواية غيره فى الموطأ: " تحت يدى " (٣) أى إبطى؛ صيانة لما حمله من ذلك، ولعله ليحبس ما فيها من دفء وسخانة.
وقوله: " وردتنى ببعضه ": فيه تأويلان [أحدهما] (٤): قيل: ردتنى بطرف خمارها. فيه - أيضاً - تجميل الرسول [ما أهدته] (٥). وقيل: ردت جوعى ببعضه، أى أعطتنى من ذلك شيئاً. فيه مناولة الخادم من طعام مخدومه حتى لا يتعلق باله إليه، وتنازعه شهوته له، لاسيما الصبيان الصغار ومن يتعلق باله بالطعام.
قالوا: وفى هذا الحديث من الفقه أن من استحق شيئاً مع غيره وعلم أن ذلك يصح قسمته بالاعتدال أو بإسهام، أنه لا بأس أن يبدأ به من شاء على غير قرعة كالمكيل والموزون، إذا كان إقسامهم له بالقرب.
وفيه دليل أنه يستحب ألا يكون على مائدة أكثر من عشرة؛ لإدخالهم هنا عشرة عشرة. وقد يكون هذا قدر ما يتخلق بهذه الجفنة، وإذا كانت كبيرة يتخلق عليها أكثر من هذا العدد فلا يجب أن يقتصر هنا على العشرة، بل ذلك على قدر الموائد والجفان، ويقدر ما لا يضر بعضهم فى التضايق عليها بعضاً.
وقوله: " وعصرت عليه عكة لها فأدمته ": العكة، بضم العين: وعاء من جلد صغير للسمن خاصة والنجى أكبر منه، ومعنى " أدمته " بمد الألف وقصره، قال الإمام: أى
ثُمَّ أَكَلَ النَّبِىُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَهْلُ الْبَيْتِ، وَتَرَكُوا سُؤْرًا.
(...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكٍ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، فِى طَعَامِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَقَالَ فِيهِ: فَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى الْبَابِ، حَتَّى أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَانَ شَىْءٌ يَسِيرٌ. قَالَ: " هَلُمَّهُ، فَإِنَّ اللهَ يَجْعَلُ فِيهِ الْبَرَكَةَ ".
(...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْبَجَلِىُّ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ فِيهِ: ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَكَلَ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَأَفْضَلُوا مَا أَبْلَغُوا جِيَرَانَهُمْ.
(...) وحدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَى أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِى الْمَسْجِدِ، يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، فَأَتَى أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَ: إِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِى الْمَسجَدِ، يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَأَظُنَّهُ جَائِعًا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ فيه: ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ وَأُمُّ سُلَيْمٍ وَأَنَسُ ابْنُ مَالِكٍ. وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَأَهْدَيْنَاهُ لِجِيرَانِنَا.
ــ
وقوله: " ثم أكل رسول الله ﷺ وأبو طلحة، وأم سليم، وأنس ": فيه أن المضيف هو يأكل آخر القوم، والنبى وإن كان المدعى فقد صار ناظراً فى إطعام الناس من هذا الطعام الذى كان إنما صنع له، فكان حكمه حكم أصحابه مُطْعَمِيهِ وكواحد منهم، وقد قال ﵇: " ساقى القوم آخرهم شرباً " (١) أصل فيه، وهو وإن كان الشرب لا يتأتى فيه المشاركة فى إناء واحد فى وقت واحد بخلاف الأكل، فقد يتفق أحياناً أن يكون المشروب كثيراً والأوانى كثير فيوافق الأكل.
وفيه مُآكلة النبى لأم سليم وزوجها، وأكل الضيف مع المضيف وزوجه إذا شاء وقد أجاز العلماء ذلك.
стр. 3705
(...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ؛ أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ الأَنْصَارِىَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمًا، فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ، وَقَدْ عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ - قَالَ أُسَامَةُ: وَأَنَا أَشُكُّ - عَلَى حَجَرٍ. فَقُلْتُ لِبَعْضَ أَصْحَابِهِ: لِمَ عَصَّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَطْنَهُ؟ فَقَالُوا: مِنَ الْجُوعِ. فَذَهَبْتُ إِلَى أَبِى طَلْحَةَ - وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ بِنْتِ مِلْحَانَ - فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ، قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: مِنَ الْجُوعِ. فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّى. فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَىْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، عِنْدِى كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَحْدَهُ أَشْبَعْنَاهُ، وَإِنْ جَاءَ آخَرُ مَعَهُ قَلَّ عَنْهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ بِقِصَّتِهِ.
ــ
وقال مالك: لا بأس للمرأة أن تأكل مع غير ذى محرم أو مع غلامها إذا كان على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال، وهذا ليس فيه إلا إبداء كفيها ووجهها، وذلك مباح منها النظر إليه لغير تلذذ ومداومة لتأمل المحاسن. قال ابن عباس: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) قال: الوجه والكفان، وقاله عطاء، وذكر ابن بكير: أنه قول مالك وغيره، وإليه مال إسماعيل القاضى قال: لأنه الذى يبدو من المرأة فى الصلاة.
ففيه دليل أن للغرباء والأجانب رؤيته من المرأة. وقال الأزهرى: معنى قول مالك التقدم فى المؤاكلة ذلك فى الحِجَال.
وقد يحتمل أن تكون أم سليم امرأة أبى طلحة ذات محرم من النبى ﵇ إذ ذكر أن أختها أم حرام كانت خالته من الرضاعة، فقد تكون هذه - أيضاً - مثلها، أو تكون أجنبية على ما تقدم، إذ ليس كل أخت خالة من الرضاعة والسبب حاله. وفيه مآكلة المضيف مع الضيف؛ لأنه أبسط له.
[وقوله: " وتركوا سؤراً ": هى البقية من الطعام أو الشراب] (٢).
وقوله فى آخر الروايات: " رأيت رسول الله ﷺ يتقلب ظهراً لبطن، وأظنه جائعاً "، وفى الأخرى عن أنس: " وقد عصب بطنه على حجر، فسألت، فقيل: من الجوع، فذهبت إلى أبى طلحة فأخبرته " وذكر الحديث: فليس فى هذا كله بمخالف، وإنما هى
стр. 3706
(...) وحدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ فِى طَعَامِ أَبِى طَلْحَةَ، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
ــ
زيادات من بعض الرواة، وحفظ بعضهم ما لم يحفظ آخرون؛ إذ يحتمل أن أنسًا نَبَّه أبا طلحة متثبتاً فرأى ذلك منه وسمع صوته، فأتى أم سليم عند ذلك فأخبرها بصفة ما صنعت.
ومعنى قوله: " عصب بطنه على حجر ": قيل: هو استعارة وكناية على شدة الحال به، وقيل: بل هو على وجهه، وهى عادتهم فى بلاد الحجاز؛ لأن ما يصل من برد الحجر إلى باطن الحشا يبرد حرارة الجوع ويسكن سورته، أو لأن عادتهم كانت عند ضمور بطونهم شد الحجارة عليها ليعتمد، وقيل: إنما فعل هذا ﵇ موافقة لأصحابه، أو ليعلمهم أنه ليس عنده طعام استأثر به دونهم، وإن كان هو فى هذا الباب بخلافهم لقوله: " إنى لست كهيئتكم، إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقينى " (١).
وفى الباب فى سند هذا الحديث: حدثنا حسن بن الحلوانى، حدثنا وهب بن جرير ابن يزيد، [حدثنا أبى، سمعت جرير بن يزيد] (٢)، بزيادة ياء على مثال يعيش، وهو وَهْم، وإنما هو: جرير بن زيد، وهو جرير بن حازم، ذكره البخارى وابن أبى حاتم الرازى.
стр. 3707
(٢١) باب جواز أكل المرق، واستحباب أكل اليقطين، وإيثار أهل المائدة بعضهم بعضاً وإن كانوا ضيفاناً إذا لم يكره ذلك صاحب الطعام
١٤٤ - (٢٠٤١) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيَما قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ، وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ. قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَىِ الصَّحْفَةِ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ.
١٤٥ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ - أَبُو كُرَيْبٍ - حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَجِىءَ بِمَرَقَةٍ فِيهَا دُبَّاءُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأكُلُ مِنْ ذَلِكَ الدُّبَّاءِ وَيُعْجِبُهُ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أُلُقِيهِ إِلَيْهِ ولا أَطْعُمُهُ. قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: فَمَا زِلْتُ بَعْدُ يُعْجِبُنِى الدُّبَّاءُ.
ــ
وقول أنس: " فرأيت رسول الله ﷺ يتبع الدباء حوالى الصحفة "، قال القاضى: الدباء، بالمد وضم الدال: القرع المأكول فى هذا الحديث، وقد جاء مقصوراً أيضاً، فمن مده قال فى واحده: دباءة، ومن قصر قال فى الواحدة: دباة. أنبأنا به بعض شيوخنا عن أبى مروان بن سراج: لم يذكر فيها أبو على غير المد.
وقوله: " وجعلت ألقيه إليه ولا أطعمه ": فيه جواز مناولة من على المائدة ما بين أيديهم بعضهم بعضاً مما بين أيديهم؛ لأن جميعه لهم، وإنما يكره من ذلك أن يتناول من على مائدة لمن على مائدة أخرى، وقاله ابن المبارك، وكذلك أن يتناول إنسان ما أمام غيره لآخر؛ لأنه يجمع سوء الأدب، وعلة الأكل مما بين يدى غيره، وأنس هنا لم يكن معه غير النبى ﵇ وكان الطعام بين أيديهما معاً لا غير، فإنما ناول أنس ما بين يدى نفسه، وغير ذلك كان بين يدى النبى ﵇.
قال الإمام: وتتبع النبى ﷺ الدباء يحتمل أن يكون من باب الطعام المختلف، أو لأنه كان يأكل مع من يعلم سروره بذلك ولا يستثقله.
قال القاضى: أو لأن الطعام إنما كان عمل النبى ﵇ فكان جميعه له؛
стр. 3708
(...) وحدَّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ وَعَاصِم الأَحْوَلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلاً خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ . وزَادَ: قَالَ ثَابِتُ: فَسَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: فَمَا صُنِعَ لِى طَعَامٌ بَعْدُ، أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُصْنَعَ فِيهِ دُبَّاءٌ إِلا صُنِع.
ــ
لأن حكم الزمن والرجل المعظم عندهم جواز ذلك، وهو نحو ما تقدم من أن ذلك لا يستقذر منه ولا يكره، بل يتودد له بذلك ويستحب منه، ويحابى به وإن لم يتناوله هو بنفسه.
وقول أنس: " فما زلت أحب الدباء من يومئذ ": لأجل ما رأى من حب النبى ﷺ له، ومن تمام الإيمان حب كل ما أحب النبى، وتتبع آثاره فى كل شىء، والتخلق بأخلاقه. فقد كان ابن عمر يحب موافقة ذلك منه فى كل شىء حتى فى مواطئ حافر ناقته، وقد قال ابن المنذر: يستحب أكل الدباء لأجل هذا الحديث.
وفى طبخ القديد بالدباء جواز استعمال ذلك، وطبخ اللحم والقديد مع غيره من الخضر وغيرها لتكثير الطعام وتطييبه، وليس من باب إدامين ولا من السرف، وقد جاء فى الخبر الآخر يكثر به طعامنا، مع ما فى ذلك من تدبير طى لكسر حرارة القديد، وتعديل يبسه ببرد القرع ورطوبته، كما قال ﵇ فى أكل القثاء بالرطب: " يكسر برد هذا حر هذا ".
وفى أكل أنس مع النبى ﷺ إما بإذن صاحب الطعام، أو لأنه كان صنع للنبى ﷺ وملكه، فلو شاء أكله كله إذا كان قدر كفايته، فله مواساة غيره منه.
وفيه أن الخياط لم يؤاكلهما، ففيه دليل أنه ليس من الواجب على المضيف أكله، لكن قد يستحب له أحياناً لتبسطه بذلك وتنشطه، لاسيما إذا كان الضيف وحده، وقد يستحب له ترك ذلك إذا كان الطعام قليلاً يؤثره به، ولا يضيق عليه فيه، وقد يأتى مواضع يكون الحال فيها سواء والخيار له فيما فعل، وكل واسع.
стр. 3709
(٢٢) باب استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام، وطلب الدعاء من الضيف الصالح، وإجابته لذلك
١٤٦ - (٢٠٤٢) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ، قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِى. قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً، فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِىَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأكُلُهُ وَيُلْقِى النَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَابَةَ وَالْوُسْطَى - قَالَ شُعْبَةُ: هُوَ ظَنِّى. وَهُوَ فِيهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ، إِلْقَاءُ
ــ
قوله: " فقربنا إليه طعاماً ووطئة ": كذا ضبطناه على أبى بحر بالواو وكسر الطاء مهموزاً، وكان فى كتاب العذرى مهملاً، وقيده فى كتاب ابن عيسى: " رطبة " [بالراء وفتح] (١) الطاء وباء موحدة، والصواب من هذا كله الأول، قال ابن دريد: الوطية: التمر يستخرج نواه ويعجن باللبن، وفى كتاب البزار: " فقربنا له طعاماً ووطئة فجاؤوه بحيس فأكل منه "، قال أبو مروان بن سراج: لعله طعاماً وطية على البدل؛ لقوله: فأكل منها، وهو خير من العطف، وهو طعام يتخذ من اللبن.
وفى كتاب ثابت قال سهل بن سعد: إن النبى استسقاه، قال: فحصب له وطية فثسرب. قال ثابت: قال بعض أهل اللغة: هو طعام للعرب تتخذه من ثمر أراه كالحيس، قال: وهذا أولى مما ذكر ابن قتيبة (٢)، ويعضد ما قاله رواته: فجاؤوه بحيس فأكل، ثم جاؤوه بتمر - الحديث، فقال: " حيساً كان وطية " فدل أنهما بمعنى، ومسلم والبزار جاءا أنه عن شيخ واحد بسند ومعناه. وقال ابن دريد: الوطية: عصيدة التمر، وقال القتبى فى الحديث: " أتيت رسول الله ﷺ من تبوك فأخرج لنا ثلاث أكل من كل وطية "، قال: والوطية: الغرارة.
قال القاضى: فعلى هذا تكون الواو الأولى فى الأم مغيرة من " فى "، أو من " من "، أى طعاماً من وطية، أو فى وطية، ومعنى " ثلاث أكُل ": أى ثلاث لقم، أو يكون ثلاث لقم من هذا الحيس - والله أعلم.
وقوله: " ثم أتى بتمر فكان يأكله ويلقى النوى يين إصبعيه، ويجمع بين السبابة والوسطى ": دليل على قلة ما كان يأكله ﵇ لأن ما يجتمع بين السبابة
стр. 3710
النَّوَى بَيْنَ الإِصْبَعَيْنِ - ثُمَّ أُتِىَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِى عَنْ يَمِينِهِ. قَالَ: فَقَالَ أَبِى - وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ -: ادْعُ اللهَ لَنَا. فَقَالَ: " اللهُمَّ، بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ ".
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ. ح وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَشُكَّا فِى إِلْقَاءِ النَّوَى بَيْنَ الإِصْبَعَيْنِ.
ــ
والوسطى إنما يكون من تمر قليل. وفيه أنه لم يلقه فى التمر لنهيه عن ذلك لما فيه من إفساد للطعام، وخلطهُ بغيره مما يطرح فيه، وهذه سنة، وفيه أنه لم يلق النوى [من حوله وفى المنزل] (١) فيزيل نظافته فيه الكناسات، وهذا من الأدب والمروءة.
وذهب ابن المنذر أن معناه: أنه كان يجمعه على ظهر إصبعيه فيرمى به، وقول شعبة: وفيه ظنى، وهو فيه إن شاء الله إلقاء النوى بين الأصبعين، يعنى أنه شك هل هو فى الحديث؟ ثم غلب ظنه فيه، كذا الرواية للكافة وهو صواب بيِّن، ألا تراه قال فى الحديث الآخر: " ولم يشك فى ذلك "، وعند السمرقندى [قال شعبة] (٢) [ضبطه] (٣) وهم، والصواب ما تقدم.
وفى دعاء النبى ﷺ لهم أخذاً بالبركة فى الرزق وفى الآخرة بالمغفرة والرحمة، دعاء جامع لمصالح الدنيا والآخرة، وفيه دعاء الضيف للمضيف، وسؤال الناس الرجل الفاضل الدعاء.
стр. 3711
(٢٣) باب أكل القثاء بالرطب
١٤٧ - (٢٠٤٣) حدَّثنا يَحْيَى بْن يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلالِىُّ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا - إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأكُلُ القِثَّاءَ بِالرُّطَبِ.
ــ
وقوله: " كان يأكل القثاء بالرطب ": فيه جواز أكلهما معاً، وجواز التطبيب والعلاج وأكل الطعامين، لاسيما إذا كان فى ذلك مصلحة، كما فسره فى بعض الحديث بقوله: " يكسر حر هذا برد هذا، وبرد هذا حر هذا "، وجواز التوسع فى اليسير وأكل الطيبات، وفيه أكل الفاكهتين وخلطهما معاً وخلط الطعامين؛ لأنه زيادة الطيب، وجواز أكل إدامين معاً، ولا خلاف بين العلماء فى ذلك إلا ما روى عن عمر من كراهته، ونحوه عن النبى ﷺ فى معناه فى العسل باللبن، على جهة التواضع، والتقلل وترك السرف لا على التحريم.
стр. 3712
(٢٤) باب استحباب تواضع الآكل وصفة قعوده
١٤٨ - (٢٠٤٤) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، كِلاَهُمَا عَنْ حَفْصٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيْتُ النَبِىَّ ﷺ مُقْعِيًا، يَأكُلُ تَمْرًا.
١٤٩ - (...) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُتِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْسِمُهُ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ، يَأكُلُ مِنْهُ أَكْلاً ذَرِيًعا. وَفِى روَايةِ زُهَيْرٍ: أَكْلاً حَثِيثًا.
ــ
وقوله: والحديث الآخر: " أتى بتمر فجعل النبى ﷺ يقسمه وهو محتفز " بالزاى: مستعجل مستوف، وغير متمكن فى جلوسه، والاحتفاز: الاستيفاز، وفسره فى الرواية الأخرى بقوله: " مُقْعِياً "، والإقعاء: جلسة المستوفز على أطراف إليتيه، وهذا هو تفسير قوله: " أما أنا فلا آكل متكئاً " عند أبى سليمان الخطابى: أى متمكناً فى الجلسة من التربع وشبهه، والاعتماد على الوطاء الذى تحته، قال: وكل من استوى قاعداً على وطاء فهو: متكئ، ومعناه عنده: أى لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الأطعمة، ويتمكن للقعود لها قعد مستوفز، أو أكل العلقة للضرورة، كما قال آخر الحديث: " بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد ".
وروى أنه ﵇ كان يجلس إذا أكل مقعياً، وهو نحو قوله هنا: " مستوفزاً "، وإنذار الخطابى أن يكون تفسير الحديث: الاتكاء على الجانب، وهو تأويل أكثر الناس، وعلته عندهم وجهان:
أحدهما: أنه من شيم أهل الكبر والترفه.
والثانى: يخشى ضرره لأجل ضغط مجارى الطعام بضغط الجانب والأضلاع بالاتكاء.
وقوله: " ويأكل منه أكلاً ذريعاً ": أى كثيراً، وفى الرواية الأخرى: " حثيثاً ": أى مستعجلاً، وهو تفسير معنى الذريع الكبير المتقدم، أنه فى صفة الأكل، وحثه وكثرة استعجاله لاستيفازه لا كثرة المأكول؛ إذ لم يكن صفته ﵇ الإكثار من الأكل، وقيل: إن هذا التمر لم يكن من الصدقة؛ لأكل النبى ﷺ منه، أو يكون استعجاله وإكثاره الأكل لحاجته إليه.
стр. 3713
(٢٥) باب نهى الآكل مع جماعة، عن قران تمرتين ونحوهما فى لقمة، إلا بإذن أصحابه
١٥٠ - (٢٠٤٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ. قَالَ: وَقَد كَانَ أَصَابَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ، وَكُنَّا نَأكُلُ فَيَمُرُّ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ وَنَحْنُ نَأكُلُ. فَيَقُولُ: لا تُقَارِنُوا، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلا أَنْ يَسْتَأذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ.
قَالَ شُعْبَةُ: لا أُرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلا مِنْ كَلِمَةِ ابْنِ عُمَرَ - يَعْنِى: الاسْتِئْذَانَ.
ــ
وقوله: " نهى رسول الله ﷺ عن الإقران، إلا أن يستأذن الرجل أخاه ": وفى النهى عن القران فائدتان، ولمنعه علتان:
أحدهما: الشَّرَة والجشع، وبهذا عللته عائشة بقولها لإنهاء سؤاله، وجابر يقول: لا بأس به إلا أنها طعمة قبيحة.
والثانية: إيثار الإنسان نفسه بأكثر من حقه مع مؤاكله أو شريكه، أو رفيقه، وحكمهم فى ذلك كله التساوى، ولذلك قال: " إلا أن يأذن "، وكما روى عن أبى هريرة: " بعث إلينا النبى ﷺ بتمر فكنا نقرن من الجوع، فكان أحدنا إذا قرن قال: قد قرنت فأقرنوا " (١)، وقد روى مثل هذا الكلام عن النبى ﵇ وحمل أهل الظاهر هذا النهى على الوجوب، وقال غيره من علمائنا: وهذا فيما اشتركوا فيه أو هرقوه، وأما ما كان على طريق النقلة وغير التقوت والمجاعة فليس القران فى ذلك بممنوع، إلا على سبيل الأدب (٢) والمروءة.
قال الإمام: يحتمل إذا علم من أصحابه أن ذلك مما يرضوه ويخف عليهم ألا يمنع منه، وقد قال: " إلا أن يستأذن أخاه "، ولا فرق بين أن ينطق بإذن أو يفهم عنه، ويقال: قرنت بين التمرتين: أكلتهما عبرة، وقرنت بين الحج والعمرة: جمعتهما، والشىء
стр. 3714
(...) وحدّثناه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِى حَدِيِثِهِمَا قَوْلُ شُعْبَةَ. وَلا قَوْلُهُ: وَقَدْ كَان أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ.
١٥١ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ، حَتَّى يَسْتَأذِنَ أَصْحَابَهُ.
ــ
بالشىء: شددته إليه.
قال القاضى: قالى الخطابى: هذا كان فى زمنهم لما كانوا عليه من الضيق والمواساة؛ فأما اليوم مع اتساع الحال [فلا يحتاجون] (١) إلى الاستئمار، وفى الأمر نظر.
قوله هنا: " الإقران " كذا فى جميع النسخ، إنما يأتى من أقرن، وقد قال الفراء: قرن فى الحج والعمرة، ولا يقال: أقرن، وقال غيره: وإنما يقال: أقرن على الشىء: إذا قوى عليه وأطاقه.