(٢٣) باب أكل القثاء بالرطب
١٤٧ - (٢٠٤٣) حدَّثنا يَحْيَى بْن يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلالِىُّ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا - إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأكُلُ القِثَّاءَ بِالرُّطَبِ.
ــ
وقوله: " كان يأكل القثاء بالرطب ": فيه جواز أكلهما معاً، وجواز التطبيب والعلاج وأكل الطعامين، لاسيما إذا كان فى ذلك مصلحة، كما فسره فى بعض الحديث بقوله: " يكسر حر هذا برد هذا، وبرد هذا حر هذا "، وجواز التوسع فى اليسير وأكل الطيبات، وفيه أكل الفاكهتين وخلطهما معاً وخلط الطعامين؛ لأنه زيادة الطيب، وجواز أكل إدامين معاً، ولا خلاف بين العلماء فى ذلك إلا ما روى عن عمر من كراهته، ونحوه عن النبى ﷺ فى معناه فى العسل باللبن، على جهة التواضع، والتقلل وترك السرف لا على التحريم.
стр. 3712
(٢٤) باب استحباب تواضع الآكل وصفة قعوده
١٤٨ - (٢٠٤٤) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، كِلاَهُمَا عَنْ حَفْصٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيْتُ النَبِىَّ ﷺ مُقْعِيًا، يَأكُلُ تَمْرًا.
١٤٩ - (...) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُتِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْسِمُهُ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ، يَأكُلُ مِنْهُ أَكْلاً ذَرِيًعا. وَفِى روَايةِ زُهَيْرٍ: أَكْلاً حَثِيثًا.
ــ
وقوله: والحديث الآخر: " أتى بتمر فجعل النبى ﷺ يقسمه وهو محتفز " بالزاى: مستعجل مستوف، وغير متمكن فى جلوسه، والاحتفاز: الاستيفاز، وفسره فى الرواية الأخرى بقوله: " مُقْعِياً "، والإقعاء: جلسة المستوفز على أطراف إليتيه، وهذا هو تفسير قوله: " أما أنا فلا آكل متكئاً " عند أبى سليمان الخطابى: أى متمكناً فى الجلسة من التربع وشبهه، والاعتماد على الوطاء الذى تحته، قال: وكل من استوى قاعداً على وطاء فهو: متكئ، ومعناه عنده: أى لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الأطعمة، ويتمكن للقعود لها قعد مستوفز، أو أكل العلقة للضرورة، كما قال آخر الحديث: " بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد ".
وروى أنه ﵇ كان يجلس إذا أكل مقعياً، وهو نحو قوله هنا: " مستوفزاً "، وإنذار الخطابى أن يكون تفسير الحديث: الاتكاء على الجانب، وهو تأويل أكثر الناس، وعلته عندهم وجهان:
أحدهما: أنه من شيم أهل الكبر والترفه.
والثانى: يخشى ضرره لأجل ضغط مجارى الطعام بضغط الجانب والأضلاع بالاتكاء.
وقوله: " ويأكل منه أكلاً ذريعاً ": أى كثيراً، وفى الرواية الأخرى: " حثيثاً ": أى مستعجلاً، وهو تفسير معنى الذريع الكبير المتقدم، أنه فى صفة الأكل، وحثه وكثرة استعجاله لاستيفازه لا كثرة المأكول؛ إذ لم يكن صفته ﵇ الإكثار من الأكل، وقيل: إن هذا التمر لم يكن من الصدقة؛ لأكل النبى ﷺ منه، أو يكون استعجاله وإكثاره الأكل لحاجته إليه.
стр. 3713
(٢٥) باب نهى الآكل مع جماعة، عن قران تمرتين ونحوهما فى لقمة، إلا بإذن أصحابه
١٥٠ - (٢٠٤٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ. قَالَ: وَقَد كَانَ أَصَابَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ، وَكُنَّا نَأكُلُ فَيَمُرُّ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ وَنَحْنُ نَأكُلُ. فَيَقُولُ: لا تُقَارِنُوا، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلا أَنْ يَسْتَأذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ.
قَالَ شُعْبَةُ: لا أُرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلا مِنْ كَلِمَةِ ابْنِ عُمَرَ - يَعْنِى: الاسْتِئْذَانَ.
ــ
وقوله: " نهى رسول الله ﷺ عن الإقران، إلا أن يستأذن الرجل أخاه ": وفى النهى عن القران فائدتان، ولمنعه علتان:
أحدهما: الشَّرَة والجشع، وبهذا عللته عائشة بقولها لإنهاء سؤاله، وجابر يقول: لا بأس به إلا أنها طعمة قبيحة.
والثانية: إيثار الإنسان نفسه بأكثر من حقه مع مؤاكله أو شريكه، أو رفيقه، وحكمهم فى ذلك كله التساوى، ولذلك قال: " إلا أن يأذن "، وكما روى عن أبى هريرة: " بعث إلينا النبى ﷺ بتمر فكنا نقرن من الجوع، فكان أحدنا إذا قرن قال: قد قرنت فأقرنوا " (١)، وقد روى مثل هذا الكلام عن النبى ﵇ وحمل أهل الظاهر هذا النهى على الوجوب، وقال غيره من علمائنا: وهذا فيما اشتركوا فيه أو هرقوه، وأما ما كان على طريق النقلة وغير التقوت والمجاعة فليس القران فى ذلك بممنوع، إلا على سبيل الأدب (٢) والمروءة.
قال الإمام: يحتمل إذا علم من أصحابه أن ذلك مما يرضوه ويخف عليهم ألا يمنع منه، وقد قال: " إلا أن يستأذن أخاه "، ولا فرق بين أن ينطق بإذن أو يفهم عنه، ويقال: قرنت بين التمرتين: أكلتهما عبرة، وقرنت بين الحج والعمرة: جمعتهما، والشىء
стр. 3714
(...) وحدّثناه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِى حَدِيِثِهِمَا قَوْلُ شُعْبَةَ. وَلا قَوْلُهُ: وَقَدْ كَان أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ.
١٥١ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ، حَتَّى يَسْتَأذِنَ أَصْحَابَهُ.
ــ
بالشىء: شددته إليه.
قال القاضى: قالى الخطابى: هذا كان فى زمنهم لما كانوا عليه من الضيق والمواساة؛ فأما اليوم مع اتساع الحال [فلا يحتاجون] (١) إلى الاستئمار، وفى الأمر نظر.
قوله هنا: " الإقران " كذا فى جميع النسخ، إنما يأتى من أقرن، وقد قال الفراء: قرن فى الحج والعمرة، ولا يقال: أقرن، وقال غيره: وإنما يقال: أقرن على الشىء: إذا قوى عليه وأطاقه.
(٢٧) باب فضل تمر المدينة
١٥٤ - (٢٠٤٧) حدَّثنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلاَلٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَكَل سَبْعَ تَمَراتٍ، مِمَّا بَيْنَ لابَتَيْهَا، حِينَ يُصْبِحُ، لَمْ يَضُرَّهُ سَمُّ حَتَّى يُمْسِىَ ".
١٥٥ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، قَالَ: سَمِعُتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ تَصَبَّح بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلا سِحْرٌ ".
ــ
وقوله: " من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سحر ولا سم "، وخص فى الرواية الأخرى ذلك مما بين لابتى المدينة، وعم التمر ولم يخص العجوة، وقال فى الحديث الآخر: " عجوة العالية شفاء أو ترياق أول البُكْرَةِ ": والعالية: ما كان من الحوائط والقرى والعمائر فى جهة المدينة العليا مما يلى نجد، والسافلة من الجهة الأخرى مما يلى تهامة، وأدنى العالية ثلاثة أميال، وأبعدها ثمانية أميال من المدينة. والعجوة: ضرب من جيد التمر.
قال الإمام: هذا مما لا يعقل معناه فى طريقة علم الطب، ولو صح أن يخرج لمنفعة التمر فى السم وجه من جهة الطب لم يقدر على [إظهار] (١) وجه الاقتصار منه على هذا العدد [الذى هو] (٢) السبع، ولا هذا الجنس الذى هو العجوة، ولعل هذا كان لأهل زمنه خاصة أو لأكثرهم؛ إذ لم يثبت عندى استمرار وقوع الشفاء بذلك فى زمننا غالباً، وإن وجدنا ذلك فى زمننا فى أكثر الناس حمل على أنه أراد وصف غالب الحال.
قال القاضى: تخصيصه ﵇ ذلك بعجوة العالية وبما بين لابتى المدينة، يرفع هذا الإشكال، ويكون خصوصاً لها، كما وجد الشفاء لبعض الأدواء فى بعض الأدوية التى تكون في بعض البلاد دون ذلك الجنس فى غيره، لتأثير يكون فى ذلك من الأرض أو الهواء، والله أعلم.
стр. 3717
(...) وحدّثناه ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيم، أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، كِلاهُمَا عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مِثْلَهُ. وَلا يَقُولانِ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ .
ــ
وكثير من النباتات فى بعض البلاد عذبة مأكولة، وفى بعضها سموم قاتلة، أو مؤذية لاختلاف الأهوية والأراضى، مع أنه لا يبعد أن يعقل معناه على قانون الطب، فقد نص أئمة الأطباء أن التين نافع من السموم، وخص بعضهم يابسه وهو فى الحرارة بقرب من التمر، وقد ذكر بعضهم أن منفعة التصبح على العجوة من السموم؛ أن معظم السموم إنما تقتل لإفراط بردها ويبسها فتجمد دم القلب تخنق الحرارة الغريزية، فمن دام على التصبح على العجوة تحكمت فيه الحرارة، واستعانت بها الحرارة الطبيعية التى ركبها الله فى عباده على مقاتلة برد السم ويبسه فيغلب بردها.
وأكثر السموم الحيوانية كالأفاعى والعقارب والريقلى والحيات باردة يابسة، وهى التى تخشى عادتها ببلاد الحجاز والصحارى والفيافى غالباً، وكذلك أكثر النباتات كالبنج والأفيون وأشباههما من السموم النباتية التى معاناتها بالمواد المقوية حرارة القلب، بخلاف غرائب السموم التى لا يوجد فى بلادهم ولا نبتها من النباتات والمركبات، كالبيش، والبلادر والأفربيون التى سمها يفرط حرارتها لتذويبها الدم وحلها الحرارة الغريزية.
وأما تخصيص هذا العدد فأمر جاء فى الشرع فى هذا الباب كثير، كقوله " صبوا على من سبع قرب " (١)، وكان هذا العدد مبالغة كثيرة ويرد الايراد والإشفاع؛ لأنه زاد على نصف العشرة وفيه إشفاع ثلاثة وإيتار أربعة فجمع جمع الشفع والوتر الأعداد، كما جاء فى غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً (٢) ولقوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَنَابِل﴾ (٣)، وكما أن السبعين مبالغة كثيرة العشرات، كما جاء فى قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّة﴾ (٤)، وفى ذكر سبعين حجاباً فى الحديث، وكما أن سبعمائة مبالغة فى كثرة المبين لقوله: " إلى سبعمائة ضعف " وهكذا ما جاء فى السبعين ألف ملك (٥) وغير ذلك، وقال بعض أهل
стр. 3718
١٥٦ - (٢٠٤٨) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَابْنُ حُجْرٍ - قَالَ يَحْيَى ابْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ شَرِيكٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِى نَمِرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى عَتِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ فِى عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً، أَوْ إِنَّهَا تَرْيَاقٌ، أَوَّلَ الْبُكْرَةِ ".
ــ
اللغة: العرب يضع السبع موضع الكثرة ولا يريد به الحصر، ولابتى المدينة: حرتاها، وأراد جانبيها، وتقدم تفسير الحرة. والترياق بكسر التاء، ويقال: درياق وطرياق أيضاً، وهو دواء مركب معلوم لدفع السموم.
قوله: " لا يجوع أهل بيت عندهم التمر " (١)، و " بيت لا تمر فيه جاع أهله " (٢): حجة فى جواز إدخار الأقوات من التمر وشبهه مما يدخر وتحريض عليه.
стр. 3719
(٢٨) باب فضل الكمأة، ومداواة العين بها
١٥٧ - (٢٠٤٩) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " الْكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنَ ".
١٥٨ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " الْكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنَ ".
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِىِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
قَالَ شُعْبَةُ: لَمَّا حَدَّثَنِى بِهِ الْحَكَمُ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
١٥٩ - (...) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، الَّذِى أَنْزَلَ اللهُ ﵎ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ ".
ــ
وقوله: " والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين "، قال الإمام: قال أبو عبيد: يقال: إنما شبهها بالمن الذى كان يسقط على بنى إسرائيل؛ لأن ذلك كان ينزل عليهم عفواً بلا علاج منهم، وإنما كانوا يصبحون وهو بأفنيتهم فيتناولونه، وكذلك الكمأة ليس على أحد منها مؤونة فى بذر ولا سقى ولا غيره، وإنما هو شىء ينشئ الله فى الأرض حتى يصير إلى من يجتنيه.
قال القاضى: جاء فى الرواية الأخرى فى الأم: " من المن الذى أنزل على بنى إسرائيل " فيحتمل أنه على وجهه، وهو ظاهر الكلام، ويحتمل أنه على التشبيه كما تقدم.
стр. 3720
١٦٠ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الْحَكَمِ ابْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِىِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِى أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ ".
١٦١ - (...) حدَّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ يَقُولُ: قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُوَلُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِى أَنْزَلَ اللهُ عَلَىَ بَنِى إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ ".
١٦٢ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: فَلَقِيْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَحَدَّثَنِى عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : " الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ ".
ــ
قال الإمام: " وماؤها شفاء للعين ": يقال: إنه ليس معناه أن يؤخذ ماؤها بحتاً، أى صرفاً، فيقطر فى العين، ولكنه يخلط ماؤها فى الأدوية التى تعالج بها العين فعلى هذا يوجه الحديث.
قال القاضى: قال بعض أهل المعرفة بالطب والحذق فيه وغيره فى بعض ما ألفه وتكلم عليه فى معنى هذا الحديث: إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة فشفى بنفسها مفردة، وأما لغير ذلك فمركبة مع غيرها.
стр. 3721
(٢٩) باب فضيلة الأسود من الكباث
١٦٣ - (٢٠٥٠) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَنَحْنُ نَجْنِى الْكَبَاثَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ ". قَالَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّكَ رَعَيْتَ الْغَنَمَ. قَالَ: " نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِىٍّ إِلا وَقَدْ رَعَاهَا " أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ.
ــ
قوله: كنا نجنى الكباث، فقال ﵇: " عليكم بالأسود منه "، قال الإمام: هو النضيج من ثمر الأراك.
قال القاضى: هذا قول الهروى، وهو قول الأصمعى وغيره، وقال كذا أبو الحسين بن سراج حين قرأت عليه هذا الحرف: صوابه أن الكباث الذى لم ينضج، والمراد هو الذى نضج وأسود، وأنشدنا عليه بيت أبى ذؤيب:
وسود ماء المرد فاها فلونه ... كلون النؤر وهى أدماء سارها
أى سايرها، وحكى مثل هذا عن الأصمعى أيضاً.
قال القاضى: ويدل على صحة هذا قوله فى الحديث: " عليكم بالأسود منه " وقال الحربى عن الأصمعى: المراد هو: الغض. والكباث: النضج، وكلاهما بفتح الكاف والضم، وحكى عن ابن الأعرابى أن الذى لم يسود هو الكباث والأسود هو البرير، وجماعه المزد، وحكى عن مصعب: ثم الأراك إذ ورد فهو مر فإذا حصوم وهو الكباث، فإذا أسود فهو البرير، ويحكى عن عمه: العصير، فإذا نضج بالعنب فهو البرير، فإذا تدنب فهو الكباث، وقال فى كتاب آخر: الغض ونضيجه المراد وكله البرير، وحكى عن الأصمعى.
وقوله: كأنك رعيت الغنم؟ قال: " نعم، وهل من نبى إلا رعاها؟ ": فى هذا تدريب الله لأنبيائه برعاية الغنم؛ للين جانبها وقلة تعبها؛ لسياسة أممهم بغيرهم، ولما أراده الله لهم من الخلوة، والاستعداد لهدايته، والعزلة عن الناس؛ لصفاء قلوبهم؛ ولما أعد الله من كرامته لهم؛ وليأخذوا حظهم من التواضع فى رعايتها.
стр. 3722
(٣٠) باب فضيلة الخل، والتأدم به
١٦٤ - (٢٠٥١) حدّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " نِعْمَ الأُدُمُ - أَوِ الإِدَامُ - الْخَلُّ ".
١٦٥ - (...) وحدّثناه مُوسَى بْنُ قُرَيْشِ بْنُ نَافِعٍ التَّمِيمِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: " نِعْمَ الأُدُمُ " وَلَمْ يَشُكَّ.
١٦٦ - (٢٠٥٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الأُدُمَ. فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلا خَلٌّ.
ــ
وقوله: " نعم الإدام الخل ": قال بعضهم: سماه إدامًا لأنه يصطنع به، [قال: وكل ما يصطنع به] (١) فهو إدام، هذا قول أصحاب أبى (٢) حنيفة، يقال: طعام مأدوم، وجمع الإدام: أدم، مثل إهاب وإهب، والأدم بالسكون رواه أيضاً، وجمعه أدم، ومنه فى الرواية الأخرى: " نعم الأدم الخل " وفيه إثبات أن الخل أدم ولم يختلف فيه.
وقد اختلف الناس فيما ينطلق عليه اسم الإدام، فمن حلف لا يأكل إدامًا، فحقيقة مذهبنا أن ذلك راجع إلى اعتياد البلاد فى الائتدام، ومعرفة الناس ذلك فيه، ويحنث بما هو عند الحالف إدام، ولكل قوم عادة أكلهم لخبزية غالباً، كان مائعاً أو غيره؛ السمن، والعسل، والخل، والزيت، والودك، والشحم، والزيتون، والجبن، والحالوم، واللحم، والحوت مشوياً وطبيخاً، طريهما أو مملوحهما، والطير، والسلجم، والمركب، والسراز، وشبهه. ولم يروا الملح الجريش ولا المطيب إداماً، وجعله بعضهم إداماً.
وذهب الكوفيون إلى أن الإدام: كل ما يصطنع به مما يستهلكه الخبز، مثل: اللبن، والزيت، والخل، وشبهه.
وقال أبو ثور مثل قولنا، قال: والإدام: كل ما كان من طبيخ، أو شواء، أو لبن، أو سمن، أو خل، أو زيت، أو خبز، أو زيتون، وسمك طرى أو مالح، أو بيض، أو تمر، أو ما يأتدم به الناس، ونحوه قاله الشافعى وابن الحسين، وقال أبو حنيفة وأبو
стр. 3723
فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: " نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ، نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ ".
١٦٧ - (...) حدّثنى يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِى طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِى، ذَاتَ يَوْمٍ، إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ فِلَقًا مِنْ خُبْزٍ، فَقَالَ: " مَا مِنْ أُدُمٍ؟ " فَقَالُوا: لا، إِلا شَىْءٌ مِنْ خَلٍّ. قَالَ: " فَإِنَّ الْخَلَّ نِعْمَ الأُدُمُ ".
قَالَ جَابِرُ: فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ نَبِىِّ اللهِ ﷺ . وَقَالَ طَلْحَةُ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ جَابِرٍ.
١٦٨ - (...) حدَّثنا نَضْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ. إِلَى قَوْلِهِ: " فَنِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ " وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدهُ.
١٦٩ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ ابْنُ أَبِى زَيْنَبَ، حَدَّثَنِى أَبُو سُفْيَانَ، طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِى دَارِى. فَمَرَّ بِى رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَأَشَارَ إِلَىَّ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ بِيَدِى. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَذِنَ لِى، فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا.
ــ
يوسف فى الخبز، والبيض، واللحم المشوى، وشبه ذلك مما لا يصطنع به، ليس بإدام، ولا يحنث به. وحجتنا وحجة الجمهور قوله ﵇: " وقد أخذتموه " وكسره هذه إدام هذه، وقوله: " فما إدامهم؟ قال: زيادة كبد النون "؛ لأن المعنى فى الائتدام الجمع بين الخبز وما يطيبه عند الأكل ويسيغه، فما كان لهذه السبل معهود وهو إدام. قال الخطابى: وقصده فى الحديث التى على الاقتصاد فى الأكل ولا يتألق فى المأكل، كأنه يقول: ائتدموا فى الخل وما تيسر (*).
وقول جابر: " فما زلت أحب الخل منذ سمعت من النبى ﷺ ، مثل قول أنس فى الدباء، وقد تقدم الكلام فيه.
وإدخال النبى ﷺ جابر بعض حجر نسائه بعد إذنه له، وقوله: " دخلت الحجاب عليها "، ليس فيه أنه رآها، فقد يحتمل أن يكون قبل نزول الحجاب، وقد يحتمل أنه بعد دخل الحجاب بعد استتارها فى جهة منه واحتجابها بشىء دونه.
стр. 3724
فَقَالَ: " هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ ". فَقَالُوا: نَعَمْ. فَأُتِىَ بِثَلاثَةِ أَقْرِصَةٍ، فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِىٍّ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرْصًاً فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ قُرْصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَىَّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثْنَيْنِ، فَجَعَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَىَّ. ثُمَّ قَالَ: " هَلْ مِنْ أُدُمٍ؟ ". قَالُوا: لا، إِلا شَىْءٌ مِنْ خَلٍّ. قَالَ: " هَاتُوهُ، فَنِعْمَ الأُدُمُ هُوَ ".
ــ
واستدعاء النبى ﷺ " هل من غداء " من كريم أخلاقه ﵇ وكرمه، وبره بأصحابه.
قوله: " فأتى بثلاثة أقرصة فوضعن على بتى " (١)، كذا ضبطناه عن الصدفى والأسدى من شيوخنا بفتح الباء بواحدة، وبعدها تاء باثنين من فوقها مكسورة مشددة، وبعدها ياء باثنين تحتها مشددة منونة. قال: البت: كِساء من وبر أو صوف، فلعله منديل وضع عليه هذا الطعام كما لفته أم سليم بخمارها. وكان فى كتاب الخشنى عن الباجى نحوه، وكان عنده لابن ماهان مثله، إلا أنه بفتح الباء والتاء معاً.
وعنده للطبرى: " بنى " بضم الباء أوله بكسر النون فى ثانيه وتشديدها. قال القاضى الكنانى: وهو صواب، وهو طبق من خوص. قال ابن وضاح: بنى طبق أو مائدة من خوص أو حلفى، وجاء فى بعض النسخ: " على نبى " بتقديم النون المفتوحة وكسرها الباء بواحدة بعدها.
وقيل فى تفسيرها: إنها مائدة من خوص، قال ثعلب: الثقبة شىء مدور يعمل من خوص وشريط، وهى التى تسميها العرب الثنية، قال ابن الأعرابى: هى البعتة والنعتة والمكيل والمكيلة، وفى كتاب العينى: البقعة: طبق من خوص عريض يبقى فيه الطعام. وقال كراع: البقعة: سفرة مدورة يتخذ من خوص.
وقوله: " فأخذ رسول الله ﷺ قرصاً فوضعه بين يديه، وأخذ آخر فوضعه بين يدى، وكسر الثالث [باثنين] (٢)، فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يدى ": هذا حقيقة المواساة، وموافق لقوله: " طعام الواحد كافى الاثنين " (٣)، ولاشك أن هذه الأقرصة كانت صغاراً مقدار غذائه ﵇.
ويحيى بن صالح الوحاظى، المذكور فى سند الحديث، بضم الواو وحاء مهملة وآخره ظاء معجمة. ووحاظة قبيلة من حمير، كذا قيدناه عن شيوخنا، وقال القاضى أبو الوليد الباجى: بفتح الواو.
فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " لا، وَلَكِنِّى أَكْرَهُهُ ". قَالَ: فَإِنِّى أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ، أَوْ مَا كَرِهْتَ.
قَالَ: وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُؤْتَى.
ــ
وقوله فيه: " وكان النبى ﷺ يؤتى ": كذا فى روايتنا، وفى بعض الروايات: " يؤتى بالوحى " وهو معناه، وتفسره الأحاديث الأخر: " إنى أناجى من لا تناجون، وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم " (١).
وفى إرساله فضلة الطعام الذى كان يوجهه إليه أبى أيوب: أدب من آداب الطعام، أن يفضل الآكل والشارب مما يأكل ويشرب، وقد أمر السلف بذلك، قد يحتمل أن يكون هذا الطعام الموجه به إلى النبى ﷺ كان عشاء جميعهم، فكانوا يبدؤون بالنبى ﵇ فيأخذ حاجته ويبقى فضله.
ونزول النبى ﷺ أولاً عند أبى أيوب فى السفل فسره فى الحديث: " هو أرفق بى "؛ لقلة العناء له فى طلوع العلو والمشقة فى ذلك، ولمن يغشاه - أيضاً - من المسلمين، فيكون من فى السفل (٢) أستر (٣) وأرفق لقلة العناء له فى طلوع العلو، والمشقة بهم هم أيضاً، لكن أبا أيوب استقبح بقاءهم فوق رسول الله ﷺ فى العلو ومشيه فوق رأسه، ومخافة ما يناله فى ذلك من ضرر من شىء يسقط عليه لتحركهم فوقه، أو ما ينصب من ماه وغيره، فلم يزل به حتى نقله، فآثر ﵇ فى ذلك أخف الضررين.
وتتبعه مواضع أصابع النبى ﷺ فى الطعام تبركاً بذلك.
وكراهة أبى أيوب لما كره النبى ﷺ ، مما تقدم؛ لحبهم ما أحبه، وأن هذا كله من تمام الإيمان، ومحبة النبى ﵇ لأن من أحب أحداً أحب ما يحب، وكره ما يكرهه، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٤).
وقول مسلم فى سند هذا الحديث: حدثنا حجاج بن الشاعر وأحمد بن سعيد بن صخر (٥)، قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا ثابت فى رواية حجاج بن يزيد - أبو زيد الأحول - حدثنا عاصم. كذا فى أصل الكتاب، وكذا ضبطناه عند شيوخنا، إلا أنه كان
стр. 3727
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عند القاضى أبى على عن العذرى، وفى رواية حجاج بن زيد: أخو زيد، وكتب عليه خطأ.
قال القاضى: أما قوله: " أخو " فخطأ محض، كما قال: وإنما أراد مسلم بن حجاج، قال فى نسب ثابت الذى روى عنه أبو النعمان: ثابت بن يزيد وهو أبو زيد الأنصارى، قال البخارى: ثابت بن يزيد أبو زيد سمع عاصماً الأحول، وهلال بن حبان كناه لنا موسى ابن إسماعيل، وهو ثابت الأحول، ويعد فى البصريين، قال أبو داود: عن ثابت بن يزيد أبو زيد، والأول أصح (١)، فقد ذكر البخارى الاختلاف فى اسم أبيه كما تقدم، وهو بصرى خرج عنه البخارى ومسلم، قال أبو حاتم الرازى: هو ثقة أحفظ من عاصم، وذكر أن شعبة دل عليه.
وقال يحيى بن سعيد: هو وسط، وعاصم هو عاصم بن سليمان أبو عبد الرحمن البصرى، يعرف بالأحول أيضاً.
قال البخارى: مولى تميم، ويقال: مولى عثمان بن عفان، قاضى المدائن، خرج عنه البخارى ومسلم: وقال الثورى: كان حفاظ البصرة يليه سليمان التيمى، وعاصم الأحول، وداود بن أبى هند، وعاصم أحفظهم. وقال شعبة: عاصم أحب إلىّ من قتادة وأبى عثمان النهدى؛ لأنه أحفظهما. وقال يحيى بن سعيد القطان: لم يكن بالحافظ وكان يضعفه. وقال ابن المدينى: هو ثبت. وقال ابن معين وأبو زرعة الرازى: هو ثقة. قال أبو حاتم: هو صالح الحديث. وروى عن ابن سيرين أنه قال: ما أبالى سمعت الحديث أو حدثنيه عاصم الأحول، توفى سنة ثنتين وأربعين ومائة (٢).
стр. 3728
(٣٢) باب إكرام الضيف وفضل إيثاره
١٧٢ - (٢٠٥٤) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ فُضْيلِ ابْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّى مَجْهُودٌ. فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ. فَقَالَتْ: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا عِنْدِى إِلا مَاءٌ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلُ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلُ ذَلِكَ: لا، وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا عِنْدِى إِلا مَاءٌ. فَقَالَ: " مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ، ﵀ ". فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَىْءٌ؟ قَالَتْ: لا، إِلا قُوتُ صِبْيَانِى. قَالَ: فَعَلَّلِيِهِمْ بِشَىْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِى السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأكُلَ فَقُومِى إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ. قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ: " قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ
ــ
وحديث الذى نزل فى قصته: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم﴾ الآية (١)، وقوله: " إنى مجهود ": أى أصابنى الجهد، أى الهزال، رجل مجهود: أى هزيل، وقد يكون من الشدة والمبالغة فى الحاجة، ومنه جهد البلاء، وكله بالفتح. ومنه فى حديث المقداد بعده: " فذهبت أبصارنا وأسماعنا من الجهد ".
وسؤال النبى ﷺ بعض نسائه عما تصنعوا به؟ فقالت: " ما عندى إلا ماء " وكذلك سائر أزواجه: فيه ما كان يتحفهم أحياناً من الضيقة وشدة العيش.
وقوله بعد: " من يضيفُ هذا ": فيه أنه بدأ أولاً بنفسه، وهذا حكم المواساة (٢) فى الشدائد.
وقصة الأنصارى معه، فيه غاية بر الضيف، والإيثار، وحسن السياسة فى الأمور؛ إذ لو لم يطفئ السراج لرأى الضيف أنهم لا يأكلون ويؤثرونه، فربما امتنع من الأكل وأكل قليلاً. ومعنى " أهوى بيده ": أى أمالها لشىء يأخذه، وقد تقدم.
وقوله: " عجب ربكم من صنيعكم الليلة ": قيل: فيما جاء فى القرآن، والحديث من إضافة العجب إلى الله أى رضى فعل ذلك (٣)، وقيل: جازى وأثاب عليه، وقيل: عظم
стр. 3729
صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ ".
١٧٣ - (...) حدَّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ ضَيْفٌ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ. فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: نَوِّمِى الصِّبْيَةَ وَأَطْفِئِى السِّرَاجَ، وَقَرِّبِى للِضَّيْفِ مَا عِنْدَكِ. قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة﴾ (١).
(...) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيُضِيفَهُ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُضِيفُهُ. فَقَالَ: " أَلا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا، ﵀ ". فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ. وَذَكَرَ فِيهِ نُزُولَ الآيَةِ كَمَا ذَكَرَهُ وَكِيعٌ.
١٧٤ - (٢٠٥٥) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنِ الْمِقْدَادِ. قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِى، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الْجَهْدِ، فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِىَّ ﷺ فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ،
ــ
فعله ذلك عند الله، وقد يكون التعجب مضافاً إلى ملائكة الله وكتبه ورسله أفعال العباد وأقوالهم، وأضيف إلى الله تشريفاً لهم، كما قيل فى قوله: " اهتز العرش لموت سعد " (٢) أى ملائكة، وفى غير حديث.
وقد فسر مسلم فى الرواية الأخرى أن صاحب هذه القصة هو: أبو طلحة.
وقوله فى حديث المقداد وأصحابه أنهم عرضوا أنفسهم على أصحاب النبى ﷺ فلم يقبلوهم، يعنى - والله أعلم - القيام بهم؛ إذ ليس بفرض عين ويعلمهم أنهم لا يهلكون ولابد من قائم بهم، فكان متولى ذلك النبى ﷺ بخلاف الأعنز الثلاثة بينهم وبينه، ولعل الصحابة فى ذلك الوقت كانوا من القلة والجهد حيث كان ذلك موجب قعودهم عن القيام بهم. " والجُرعة ": الشربة الواحدة، بضم الجيم، وشرب شراب النبى ﷺ .
стр. 3730
فَإِذَا ثَلاَثَةُ أَعْنُزٍ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا ". قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيْبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِىِّ ﷺ نَصِيْبَهُ. قَالَ: فَيَجِىءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيما لا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ. قَالَ: ثُمَّ يَأَتِى الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّى، ثُمَّ يَأَتِى شَرَابَهُ فَيَشْرَبُ، فَأَتَانِى الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِى. فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأَتِى الأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ، وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ، مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ. فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِى بَطْنِىَ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ، قَالَ: نَدَّمَنِى الشَّيْطَانُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ! مَا صَنَعْتَ؟ أَشَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ؟ فيَجِىءُ فَلا يَجِدُهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِكُ، فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وآخِرَتُكَ. وَعَلَىَّ شَمْلَةٌ، إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَىَّ خَرَجَ رَأسِى، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأسِى خَرَجَ قَدَمَاىَ، وَجَعَلَ لا يَجِيْئُنِى النَّوْمُ. وَأَمَّا صَاحِبَاىَ فَنَامَا وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْتُ. قَالَ: فَجَاءَ النَّبِىُّ ﷺ فَسَلَّمَ كمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ: الآنَ يَدْعُو عَلَىَّ فَأَهْلَكُ. فَقَالَ: " اللَّهُمَّ، أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِى، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِى ". قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَىَّ، وَأَخَدْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى الأَعْنُزِ، أَيُّهَا أَسْمَنُ فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَإِذَا هِىَ
ــ
وقوله: " فلما وغلت فى بطنى ندمنى الشيطان "، قال الإمام: الوغول: الدخول فى الشىء وإن لم يتعد فيه، وكل داخل فهو واغل، يقال منه: وغلت أغل وغولاً ووغلاً، ولهذا قيل للداخل على الشرب من غير أن يدعى: [واغل ووغل، والذى جاء فى الحديث: " إن هذا الدين متين] (١) فأوغل فيه برفق " (٢). قال الأصمعى وغيره: الإغال: السير الشديد والإمعان فيه، يقال: أوغلت إيغالاً.
قال القاضى: وخوفه من دعاء النبى ﷺ لما فعله من شرب شرابه، ولقاء النبى ذلك بالتسليم، والدعاء بأن يطعم الله من يطعمه ويسقى من سقاه، بما كان جبل عليه من العفو، والصبر، والإغضاء، وحسن الكلام، والمعاشرة، وكرم النفس، والنزاهة.
وذهاب المقداد بالشفرة ليذبح من تلك الشياة فوجدها حفلاً، كلها آية من آيات النبى،
стр. 3731
حَافِلَةُ، وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ. فَعَمَدْتُ إِلَى إِنَاءٍ لآلِ مُحمَّدٍ ﷺ مَا كَانُوا يَطْمَعُونَ أَنْ يَحْتَلِبُوا فِيهِ. قَالَ: فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ "، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَةَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِى. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِى. فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَدْ رَوِىَ، وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ، ضَحِكْتُ حَتَّى أُلْقِيتُ إِلَى الأَرْضِ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ مِنْ أَمْرِى كَذَا وَكَذَا، وفَعَلْتُ كَذَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " مَا هَذِهِ إِلا رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ، أَلا كُنْتَ آذَنْتَنِى، فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فَيُصِيبَانِ مِنْهَا ". قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُبَالِى إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ، مَنْ أَصَابَهَا مِنَ النَّاسِ.
(...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
١٧٥ - (٢٠٥٦) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، جَمِيعًا عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ مُعَاذٍ - حَدَّثَنَا
ــ
وبركة من بركاته؛ لحاجته إلى شرابه ذلك الوقت، وكما كن حلبن قبل هذا واستخرج ما فيهن من لبن.
وقوله: " فلما عرفت أن النبى روى وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض ": أى سقط من كثرة الضحك، يريد: ذهبت بما كان من الحزن على فعله من شرب شراب النبى، وسرّ بإجابة دعوة النبى ليسقى من سقاه، وإطعام من أطعمه.
وبشرب النبى ﵇ وريه من اللبن وتعجبه من قبح فعله أولاً وحسنه آخراً، وكون ذلك على يديه وذريعة لإعلام النبى ﷺ بالقضية، ولذلك قال له النبى ﵇: " إحدى سوآتك " وفى رواية الهوزمى وأراها رواية، وابن ماهان: " أخبرنى بسوأتك "، وليس بشىء، هو تصحيف، والصواب الأول، أى ضحكك هذا من أحد الأفعال السيئة من أفعالك. فأخبره خبره فقال ﵇: " ما كانت هذه إلا رحمة من الله ": أى إحداث هذا اللبن فى غير حينه وعادته، وإن كان الكل من فضل الله.
стр. 3732
الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ - وَحَدَّثَ أَيْضًا - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ثَلاثِينَ وَمِائَةً. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ ". فَإِذَا مِعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ - مُشْرِكٌ مُشْعَانٌ طَوِيلٌ - بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " أَبَيْعٌ أَمْ عَطِيَّةٌ - أَوْ قَالَ - أَمْ هِبَةٌ؟ " فَقَالَ: لا. بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَوَادِ الْبَطْنَ أَنْ يُشْوَى. قَالَ: وَايْمُ اللهِ، مَا مِنَ الثَّلاثِينَ وَمِائَةً إِلا حَزَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُزَّةً حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهُ، وإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ.
قَالَ: وَجَعَلَ قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُمَا أَجْمَعُونَ، وَشَبِعْنَا، وَفَضَلَ فِى الْقَصْعَتَيْنِ، فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ - أَوْ كَمَا قَالَ.
ــ
وقوله: " روى " بكسر الواو، وكذا يقال فى الشرب: روى يروَى، بفتحها فى المستقبل. وأما " روى " بفتحها فى الماضى وكسرها فى المستقبل كذا الاستقاء على الإبل وغيرها فى الرواية ونحوها، وكذلك فى رواية الحديث وغيره.
وقوله فى حديث عبد الرحمن بن أبى بكر: " هل مع أحد منكم طعام؟ " فإذا مع رجل صالح [من طعام] (١) فأمر به فعجن، وذكر أنهم كانوا مائة وثلاثين: فيه استدعاء الفاضل من أصحابه ما معهم، لاسيما إذا كان ليطعمهم إياه ويشبع جميعهم.
فيه: واشترى لى الشاة، وأنهم جعلوا الطعام قصعتين، فأكلوا أجمعون من ذلك، وفضلت فضلة من القصعتين حملت على البعير، وأنه أمر بسوادِ بطن الشاة فشوى، وأنه حز لكل واحد من المائة وثلاثين حزة من سواد بطنها، إن كان شاهداً أعطاه وإن كان غائباً خبأ له. وسواد البطن قيل: الكبد، وقد يحتمل أنه جميع الحشى.
وكيف كان؟ ففى هذا الخبر معجزتان: إحداهما: [فى] (٢) تكثير سواد البطن حتى وسع هذا العدد، والأخرى: تكثير الصاع ولحم الشاة حتى وسعهم أجمعين وشبعوا، كما جاء فى الحديث: " وفضلت منه فضلةٌ ".
قال الإمام: وقوله فى الحديث: فجاء رجل مشرك مشعانُ. [قال الأصمعى: رجل مشعان] (٣) وشعر مشعان، وهو الثائر المتفرق.
стр. 3733
١٧٦ - (٢٠٥٧) حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِىُّ، كُلُّهُمْ عَنِ الْمُعْتَمِرِ - وَاللَّفْظُ لابْنِ مُعَاذٍ - حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ أَبِى: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ؛ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَةِ كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ مَرَّةً: " مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ، فَليَذْهَبْ بِثَلاثَةٍ. وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ، فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ، بِسَادِسٍ " - أَوْ كَمَا قَالَ - وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاثَةٍ. وانْطَلَقَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ بِعَشَرَةٍ. وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلاثَةٍ. قَالَ: فَهُوَ وَأَنَا وَأَبِى وَأُمِّى وَلا أَدْرِى هَلْ قَالَ: وَامْرَأَتِى وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِى بَكْرٍ - قَالَ:
ــ
قال القاضى: هو بضم الميم وشين معجمة وتشديد النون، يقال: اشعان الشعر إشعاناً: إذا انتفش.
وقوله ﵇: " من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ": كذا صحيح الحديث، وكذا ذكره البخارى (١)، وجاء فى جميع نسخ مسلم: " فليذهب بثلاثة "، والأول الصواب. ثم قال: " ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس ": هذا حقيقة المواساة بثلث القوت؛ لأن المد إذا نقصه ثلث قوته لم يضره، وهذا مثل الحديث الآخر: " طعام الاثنين كافى الثلاثة، وطعام الثلاثة كافى الأربعة " (٢).
وقد ذكر مسلم فى حديث جابر: " طعام الواحد كافى الاثنين، وطعام الاثنين كافى الأربعة، وطعام الأربعة كافى الثمانية " (٣): وهذا على المواساة بنصف القوت، وإلى هذا ذهب عمر فى سنة الجماعة، وهو أن يجعل على كل بيت مثلهم، وقال: " لن يهلك أحد عن نصف قوته ".
قيل: يحتمل أن يريد بذلك ﵇ التغذى وكفاية القوة ورد كلب الجوع لا الشبع والتملى، أى طعام الواحد يغذى اثنين وإن لم يشبعهما؛ إذ فائدة الطعام التغذى وحذر القوة. قيل: ويحتمل أن يريد به الحض على المواساة بما يضطر إليه الإنسان، وأن الله يجعل فيه البركة حتى يكفى اثنين.
وفيه حض على التقليل من المأكل لأنه أصفى للذهن، وأنتج للجسم. وفى الإكثار من التملى والتخم الأسقام، وجادة النفس، وكلالة الذهن.
وقوله: " فجاء أبو بكر بثلاثة، وانطلق النبى بعشرة ": هذا على أخذ النبى بأفضل
стр. 3734
وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ . ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ؟ - قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِىءَ، قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ. قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، وَقَالَ: يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ. وَقَالَ: كُلُوا، لا هَنِيْئًا. وَقَالَ: وَاللهِ، لا أَطْعَمُهُ أَبَدًا. قَالَ: فَايْمُ اللهِ، مَا كُنَّا نَأخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا. قَالَ: حَتَّى شَبِعْنَا، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ. فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِىَ كَمَا هِىَ أَوْ أَكْثَرُ. قَالَ لامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِى فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لا. وَقُرَّةِ عَيْنِى! لَهِىَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاثِ مِرَارٍ. قَالَ: فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِى يَمِينه - ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ. قَالَ: وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الأَجَلُ، فَعَرَّفْنَا اثْنَا عَشَر رَجُلاً، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ معَ كُلِّ رَجُلٍ، إِلا أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ - أَوْ كَمَا قَالَ.
١٧٧ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوْحٍ العَطَّارُ، عَنِ الْجُرَيْرِىُّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، قَالَ: نَزَلَ عَلَيْنَا أَضْيَافٌ لَنَا. قَالَ: وَكَانَ أَبِى يَتَحَدَّثُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ. قَالَ: فَانْطَلَقَ وَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، افْرُغْ مِنْ أَضْيَافِكَ. قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جِئْنَا بِقِرَاهُمْ. قَالَ: فَأَبَوْا. فَقَالُوا: حَتَّى يَجِىءَ أَبُو
ــ
الأمور وأعظم المواساة، وإن جعل لواحد مثله؛ لأن عيال النبى لم يكونوا عشرين حتى تكون العشرة من حساب لكل اثنين واحد، وإنما هذا على الحديث الآخر عن جابر.
وأما فعل أبى بكر ومجيؤه بثلاثة وعد من عياله نحو خمسة، فهو على الحديث الأول عن أبى هريرة: " طعام الاثنين كافى الثلاثة " (١)، وعلى مضمون حديث عبد الرحمن هذا " من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس ".
وما ذكر من تعشى أبى بكر عند النبى ﷺ ، وتغيبه عن أضيافه، فيه: جواز مثل هذا إذا كان وراءه من يقوم بأمرهم كعبد الرحمن هذا.
[وقوله] (٢): " أفرغ إلى أضيافك ": أى اقصد لهم واعتمد على شغلهم، وهو
стр. 3735
مَنْزِلِنَا فَيَطْعَمَ مَعَنَا. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا خِفْتُ أَنْ يُصِيْبَنِى مِنْهُ أَذًى. قَالَ: فَأَبَوْا. فَلَمَّا جَاءَ لَمْ يَبْدَأْ بِشَىْءٍ أَوَّلَ مِنْهُمْ. فَقَالَ: أَفَرَغَتُمْ مِنْ أَضْيَافِكُمْ؟ قَالَ: قَالُوا: لا، وَاللهِ، مَا فَرَغْنَا. قَالَ: أَلَمْ آمُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: وَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَتَنَحيْتُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا غنْثَرُ! أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِى إِلا جِئْتَ. قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: وَاللهِ، مَالِى ذَنْبٌ، هَؤُلاَءِ أَضْيَافُكَ فَسَلْهُمْ،
ــ
التأويل فى قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلان﴾ (١) وقد يكون " أفرغ إلى أضيافك ": أى يفرغ من كل شغل إلا شغلهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (٢) من كل شىء إلا من ذكره والاهتمام به، وقيل غير هذا.
وقوله: " وكان أبى يتحدث إلى رسول الله ﷺ من الليل "، وقوله: " ولبث حتى تعشى رسول الله ﷺ ": فيه جواز السمر بعد العشاء إذا كان علم أو مصالح المسلمين، ومسامرة الرئيس مع وزرائه لتدبير أموره ومصالح رعاياه. وإنما نهى عنه للحديث فى غير فائدة.
إيابة الأضياف من الأكل حتى يأتى أبو بكر أدب منهم، لئلا يتعشوا دونه ولم يعلموا أنه يتعشى عند النبى ﵇ لكن الصواب للضيف ألا يتحكم على رب الدار فيما أدياه من طعام، وألا يكون له اختيار معه فى ذلك، فربما كان لرب الدار عذر لا يمكن إبداءه فتحرجه مخالفتهم له كما كان من قصة أبى بكر وحرجه.
وقول عبد الرحمن " فذهبت فاختبأت " يعنى: خوفاً من أبى بكر، وكان - رضى الله عنه - فى خلقه حدة، كما قال فى الحديث نفسه: " إنه رجل حديد "، وأخشى أن يصبنى منه أذى. ورواه القابسى: " فاحتبذت "، والأوجه الأول.
وقول أبى بكر له: " يا غنثر، فجدع وسب " بضم العين المعجمة وفتح الثاء المثلثة وضمها معاً، قال الإمام: قال الهروى: أحسبه الثقيل الوخيم، وقيل: هو الجاهل. والغثارة: الجهل، يقال: رجل غثر والنون فيه زائدة.
قال القاضى: وقيل: الغنثر: سفهاء الناس. وقال كراع: الغنثر: ذباب أزرق، وقال غيره: هو مأخوذ من الغثر وهو اللؤم والسقوط، كأنه قال له: يا لئيم. النون هاهنا زائدة، وهذه الكلمة إنما قالها له أبو بكر على سبيل السب والتعنيف له والتحقير؛ إذ لم يبلغه أمله من بر أضيافه وتقديمهم، وظن به التفريط فيهم، ألا تراه كيف قال: " فجدع وسب ".
стр. 3736
قَدْ أَتَيتهُمْ بِقِرَاهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يَطْعَمُوا حَتَّى تَجِىءَ قَالَ: فَقَالَ: مَا لَكُمْ، أَلا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ، لا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَقَالُوا: فَوَاللهِ، لا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ. قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ كَالشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ قَطُّ. وَيْلَكُمْ، مَا لَكُمْ أَلا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الأُوَلَى فَمِنَ الشَّيْطَانِ، هَلُمُّواَ قِرَاكُمْ. قَالَ: فَجِىءَ بِالطَّعَامِ فَسَمَّى فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. قَالَ: فَلَمَّا
ــ
قال أبو عمر الشيبانى: جادعته مجادعة: ساببته، والمجادعة بالدال المهملة: المساببة والمساررة، وقال غيره: معناه دعى عليه بالجدع، وهو قطع الأنف والأذن وقد ذكر الخطابى هذا الحرف ورواه: " يا عنتر " بفتح العين المهملة وتاء بثنتين مفتوحة. وقال: هو الذباب تحقيراً له، وقيل: هو الأزرق منه، وحكى فى الرواية الأخرى عن البخارى وغيره كما تقدم. وعلقنا عن بعض الشيوخ أن صوابه: " غنثر " بفتح الغين المعجمة وفتح الثاء المثلثة، وبضم الغين ضبطها الخطابى فى الرواية الأخرى، وبها ضبطناها عن عامة شيوخنا.
وقوله: " كلوا لا هنيئاً " فى الحديث الأول صفة للحال التى أخرجته، وأخرجه الحال بتأخرهم عن قِراهم وقت أتاهم، وأنهم لم يتهيؤوه حينئذ، إلا أنه دعا عليهم. وقد يحتمل أن الحرج والضجر الذى طبع عليه بنو آدم حمله على هذه الكلمة.
وحلفه ألا يطعمه وحلفهم هم ألا يطعموا حتى يطعم، كله من عدم الهناء.
وتحنيث أبى بكر نفسه، من كرم الأخلاق، والأولى تحمل المضيف على نفسه، إذ لو لم يحنث نفسه لا هو ولا هم خرجوا عنه دون قِرى، وفيه ما فيه وهم أعذر منه، فكان الأولى بصاحب المنزل والمضيف الحمل على نفسه والصبر، وتحنيث نفسه، وتطييب قلوب أضيافه بأكله معهم وإزالة حرجه، بذلك سنتهم، وتمام برهم بإجابتهم إلى مرادهم وتأنيسهم. والحديث الثانى فى أكله معهم مفسر للأول، وهو أحسن مساقاً، وفى الأول تقديم وتأخير، ولم يذكر فيه أكله معهم.
قوله: " أما الأولى فمن الشيطان ": يعنى [حلفه ألا يطعمه، وقد جاء كذا فى الحديث نفسه مفسراً، يعنى] (١) يمينه. وقيل: بل أراد اللقمة الأولى للشيطان، أى لقمعه وأخرى به ومخالفته الذى أغواه باليمين إذ بها وقع الحنث فيها.
وما ذكر فى بقية الحديث من أنهم ما كانوا يأخذون منها لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، وأنهم أكلوا حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت، وأنهم بعد أكل جميعهم حملوا منها إلى رسول الله ﷺ ، فأصبحت عنده حتى أكل منها الناس الكثير. الذي ذكر فى
стр. 3737
أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول اللهِ، بَرَّوا وَحَنِثْتُ. قَالَ: فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: " بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَخْيَرُهُمْ ".
قَالَ: وَلَمْ تَبْلُغْنِى كَفَّارَةٌ.
ــ
الحديث فيه كرامات الصديقين والأولياء، وإظهار الله قدرته وبركته على أيديهم.
وقول زوجه: " لا وقرة عينى، لهن الآن أكثر منه قبل ذلك بثلاث ": معنى " لا " هنا - والله أعلم -: أى ما نقصت شيئاً، بل زادت فحذفت اختصارًا، وأقسمت بما رأته من قرة عينها من بركة بعلها وطعامها وسرورها بذلك. و" قرة العين " يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان ويوافقه. قيل هو: ألا تستشرف عنه لشىء، ويقر لبلوغه أمنيته، مأخوذ من القرار. وقيل: هو مأخوذ من القر وهو البرد، أى بقى الله عينه باردة. قال الأصمعى: معنى " أقر الله عينه ": أى أبرد دمعته؛ لأن دمعة الفرح باردة. وضده عنده: " أسخن الله عينه "؛ لأن دمعة العين سخنة.
وقول أبى بكر للنبى ﷺ : بروا وحنثت، فقال له: " بل أنت أبرهم وأخيرهم ": دليل على أنه لا حرج فى تحنيث الإنسان نفسه إذا كفر كفارة يمينه، ولاسيما إذا أدى حنثه إلى مكرمة وفعل خير وصلاح.
قال مسلم: بل هو مندوب إلى الحنث فى مثل هذا، وربما وجب عليه أحياناً بحسب تغير ذلك، وهذا مثل الحديث الآخر: " من حلف على يمين فرأى [غيرها] (١) خيراً منها، فليأت الذى هو خير، وليكفر عن يمينه " (٢).
وقوله هنا: " قال: ولم تبلغنى كفارة ": حجة للكافة من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار فى جواز الحنث قبل الكفارة؛ لأن أبا بكر لم يكفر قبل أكله، ولو كان لرواه فى الحديث، فجاء أن كفارته إنما كانت بعد، وقد تكلمنا على المسألة فيمن منعها قبل.
وقوله: " ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم " بتخفيف اللام على التحضيض، واستفتاح الكلام عند الجمهور، وعند ابن أبى جعفر بتشديدها، ومعناه: ما لكم لا تقبلوا قراكم، وما منعكم ذلك وأحوجكم إلى تركه، كما قيل فى قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إذْ
стр. 3738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَرْتُك﴾ (١)، ومثل قوله: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِين﴾ (٢). والقرى، بالكسر والقصر: ما يصنع للضيف من مأكول ومشروب.
وقول أبى بكر: " يا أخت بنى فراس ": نسب أم رومان، وفراس هو ابن غنم بن مالك بن كنانة. ولا خلاف فى نسب أم رومان إلى غنم بن مالك. واختلف فى رفع نسب أبيها إلى غنم اختلافاً كثيراً، وهل هى من بنى فراس بن غنم؟ أو من بنى الحارث ابن غنم؟ وهذا الحديث تصحيح كونها من بنى فراس بن غنم.
وقوله: " فعرفنا اثنا عشر رجلاً مع كل رجل ناس ": أى جعلناهم عرفاء فيه جواز العرافة. وفى كتاب أبى داود عنه ﷺ : " العرافة حق " (٣)، وذلك لما فيه من المصلحة للناس، وقوله فى الحديث الآخر: " العرفاء فى النار " (٤) قيل: يريد التعرض للرياسة والإثارة؛ لما يخشى فى ذلك من الغيبة، وتحذير القيام فيها بحق الله، والتقصير المؤدى للنار، وفيه نهيه عن مثل هذا.
(٣٤) باب المؤمن يأكل فى معى واحد، والكافر يأكل فى سبعة أمعاء
١٨٢ - (٢٠٦٠) حدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " الْكَافِرُ يَأكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالْمُؤْمِنُ يَأكُلُ فِى معى وَاحِدٍ ".
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، كِلاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
١٨٣ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا قَالَ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ مِسْكِينًا، فَجَعَلَ يَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَأكُلُ أَكْلاً كَثِيرًا. قَالَ: فَقَالَ: لا يُدْخَلَنَّ هَذَا عَلَىَّ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ الْكَافِرَ يَأكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ".
ــ
وقوله: " الكافر يأكل فى سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل فى معى واحد "، وذكر أن النبى ﷺ ضافه ضيف - وهو كافر - فأمر له بشاة فحلبت، فشرب حلاب شاة ... ولم يستتم أخرى، فقال ﷺ : " المؤمن يشرب فى معى واحد، والكافر يشرب فى سبعة أمعاء "، وذكر قول ابن عمر لنافع فى المسكين الذى رآه يأكل أكلاً كثيراً: " لا يدخلن هذا على، فإنى سمعت رسول الله ﷺ " وذكر الحديث، قال القاضى: قوله: " ضافه ضيف " يقال: ضفت الرجل: إذا نزلت به، وأضفته: أنزلته إلى ضيافتى، وكذلك ضفته. والضيف: اسم الواحد والجميع، يقال: هذا ضيفى، وهؤلاء ضيفى وأضيافى وضيفانى وضيوفى، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ (١) وكانوا جماعة من الثلاثة، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ الآيات (٢).
قال الإمام: قيل: إن هذا فى رجل بعينه، وقيل: إنه على جهة التمثيل، وقيل: المراد به أن المؤمن يقتصد، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ
стр. 3741
١٨٤ - (٢٠٦١) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الْمُؤْمِنُ يَأكُلُ فِى مِعى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ".
(...) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكَرِ: ابْنَ عُمَرَ.
١٨٥ - (٢٠٦٢) حدَّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " الْمُؤْمِنُ يَأكُلُ فِى مِعىً وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأكُلُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ".
(...) حدَّثنا قُتَيُبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُريْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيِثِهِمْ.
١٨٦ - (٢٠٦٣) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ -
ــ
وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُم﴾ (١)، ويمكن أن يراد به: أن المؤمن يسمى الله عند طعامه، [ولا يشركه الشيطان فيه، والكافر لا يسمى الله تعالى عند طعامه] (٢)، وقد روى مسلم أنه ﷺ قال: " إن الشيطان يستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه " (٣)، فإذا شاركه الشيطان فيه يضاعف الأكل وأربا على أكل المؤمن.
وقوله: " ضافه ضيف ": يعنى صار ضيفه، وأضفته: أنزلته على نفسك. وفيه ضيافة الكافر، ولعله استئلافاً له لِيسلم، أو لأن له عهداً فخاف أن يضيع، وقيل: إنه ثمامة بن آثال، وقيل: هجاجة الغفارى. وكره مالك أن يؤكل مع النصرانى فى إناء واحد.
[قال القاضى: وقيل: إن الرجل اسمه: نضلة، وقد جاء كذلك مسمى فى حديث وهو: نضلة بن عمرو الغفارى، وقيل: هو] (٤) نضرة بن أبى نضرة الغفارى.
стр. 3742
وَهُوَ كَافِرٌ - فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلابَ سَبْعِ شِيَاهٍ. ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلابَهَا، وَأَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِى مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِى سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ".
ــ
وزعم أهل الطب والتشريح أن أمعاء الإنسان سبعة: المعدة، ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها: التواب، والصايم، والرقيق، وهى كلها رقائق. ثم ثلاثة غلاظ: الأعور، والقولون، والمستقيم، [وطرفة الدبر] (١). فيكون على هذا موافقاً لما قاله ﵇: أن الكافر المذكور إن كان يعنيه، أو بعض الكفار، أو من يأكل منهم بشرهة أو جشعة، أو لا يسمى اسم الله على أكله، لا يشبعه إلا بملء أمعائه السبعة كالأنعام وأكلة الخضر، والمؤمن المقتصد فى أكله بسبعة؛ بل وعاء واحد، ويكفيه شغله بالطعام وتسكين ثورة الجوع عن استيفاء ما يوضع بين يديه وملء أمعائه به، قال الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَل﴾ (٢).
وقيل: المراد بالسبعة: صفات سبعة: الحرص، والشره، وبعد الأمل، والطمع، وسوء الطبع، والحسد، والسِّمن.
وقيل: شهوات الطعام على سبعة: شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، والضرورة سابعها وهو الجوع.
والمؤمن لا يأكل إلا للضرورة، [ولا يأكل للشهوة، فهو سُبع ما يأكله الكافر، ومن لا يأكله للضرورة] (٣) يأكل لهذه الأسباب السبعة وأن يملأ من الطعام، وقد قال ﵇: " ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطن، فإن كان لابد فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس " (٤) ففى قوله: " لابد " كان غاية المباح، فيجب أن يكون المستحسن بصفة وهو السدس أو أقل منه شيئاً وهو السبع.
قال القاضى: والذى عندى أن قوله: " فإن كان ولابد " غاية إلى ضرورة الأكل لا إلى غاية مقداره، وأن الثلث فى خير الاستحباب والإباحة، وقيل: المراد بالمؤمن هنا: التام الإيمان، المعرض عن شهواته والآخذ بالضرورة من أكله وشرابه.
стр. 3743
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفائدة الحديث على الجملة - والله أعلم -: التقلل من الدنيا، والزهد فيها، وقصر الأمل، والقناعة، قال الله تعالى فى الكفار: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَل﴾ (١)، مع أن قلة الأكل من محاسن أخلاق الرجال، وضده كثرته، وبه مدحت أم زُرْعَ أبا زرع بأنه " يشبعه ذراع الجفرة، ويروية قبعة البعرة "، وذمت صاحبتها زوجها بأنه " إذا أكل لف، وإذا شرب اشتف " (٢).
وكراهة ابن عمر أن يدخل عليه المسكين الذى أكل كثيراً؛ لشبهه بالكافر، ولما رأى من حرصه وشرهه، وأن ما يتصدق به عليه من الطعام يكفى جماعة غيره ويسد خلتهم.
стр. 3744
(٣٥) باب لا يعيب الطعام
١٨٧ - (٢٠٦٤) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا - جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ.
(...) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، بهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِىُّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
١٨٨ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كُرَيْبٍ - قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى يَحْيَى -
ــ
وقوله: " ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط " الحديث: هو من آداب الطعام.
وذكر مسلم فى الباب حديث أبى معاوية: حدثنا الأعمش عن أبى يحيى - مولى أبى جعدة - عن أبى هريرة، من رواية ابن أبى شيبة وأبى كريب (١) ومحمد بن المثنى (٢) وعمرو الناقد. وذكره - أيضاً - من رواية أبى كريب وابن المثنى عن أبى معاوية، عن الأعمش، عن أبى حازم، عن أبى هريرة، وهو مما ذكره الدارقطنى وعلله (٣). ومن جملة الأحاديث المعللة فى كتاب مسلم التى أبان مسلم علتها كما وعد، وذكر الوجهين فيها والآراء والاختلاف، وأبو معاوية هذا: خالفه جماعة من الحفاظ فى أبى يحيى منهم: الثورى، وشعبة، وجرير، وزهير، فرووه عن الأعمش عن أبى حازم، وقد ذكر مسلم روايتهم هذه إلا طريق شعبة أول الباب، وجاء بحديث أبى معاوية [أخراً بعدهم لعلته،
стр. 3745
مَوْلَى آلِ جَعْدَةَ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَابَ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ سَكَتَ.
وحدّثناهُ أَبُو كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
ــ
ولم يذكر البخارى حديث أبى معاوية] (١) لعلة، ولا خرجه من طريقه، وخرجه من طريق غيره.
стр. 3746
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٧ - كتاب اللباس والزينة
(١) باب تحريم استعمال أوانى الذهب والفضة فى الشرب وغيره، على الرجال والنساء
١ - (٢٠٦٥) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ زَيْدِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ أُمِّ سَلمَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الَّذِى يَشْرَبُ فِى آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِى بَطْنِهِ نَارُ جَهَنَّمَ ".
(...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا
ــ
كتاب اللباس والزينة (١)
قوله ﵇: " الذى يشرب فى آنية الفضة إنما يجرجر فى بطنه نار جهنم "، وفى بعض الطرق: " الذى يأكل ويشرب فى آنية الذهب والفضة "، قال الإمام: النهى (٢) عن ذلك؛ لأنه من السرف والتشبه بفعل الأعاجم، والمذهب عندنا: كراهية الشرب فى إناء مضبب بالفضة، كما كره أن ينظر فى المرآة فيها حلقة فضة، قال عبد الوهاب (٣): ويجوز استعمال المضبب إذا كان يسيراً.
стр. 3747
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرَّوخٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِى ابْنَ حَازِمٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجِ، كُلُّ هَؤلاءِ عَنْ نَافِعٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ عَلِىِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ: " أَنَّ الَّذِى يَأكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِى آنِيَةِ الْفَضَّةِ وَالذَّهَبِ "، وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ ذِكْرُ الأَكْلِ وَالذَّهَبِ، إِلا فِى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ.
ــ
قال القاضى: قال بعض شيوخنا (١): وعلة مجرد السرف لا يقتضى التحريم، كأوانى [البلاد] (٢) التى لها الثمن الكبير والياقوت، فإن استعمالها عندنا جائز غير حرام، لكنه مكروه للسرف. واختلف قول الشافعى فى ذلك، فرأى مرة تحريمها لعلة السرف، قياساً على الذهب والفضة، وكذلك يلزم هذا على مجموع العلة بالسرف واتخاذ الكفار لها، والصحيح أن تحريمها لعينها، وأن تعليلها لكونها قيم المتلفات، فإذا اتخذت أوانى قلت فى أيدى الناس، كما حرم فيها التجارة والربا.
وأجمع العلماء أن الأكل والشرب فى آنية الفضة والذهب واستعمالها لا يحل، وما روى عن بعض السلف (٣) فى إجازة ذلك فشاذ، والظن به أنه لم يبلغه السنة فى ذلك.
واختلفوا فى اقتنائها لغير الاستعمال، فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء: أنه لا يجوز، وذهبت طائفة من العلماء إلى جواز اتخاذها دون استعمالها، كاتخاذ ثياب الحرير واقتنائها، وذهب بعض شيوخنا إلى تخريج ذلك من مسائلنا فى التجارة بها، ولشيوخنا فى هذه المسائل تأويلات معروفة (٤).
واختلف فى المتوضئ من ذلك، فعندنا: أنه يصح مع تحريم فعله، وقال داود: لا
стр. 3748
٢ - (...) وحدّثنى زَيْدُ بْنُ يَزِيدٍ - أَبُو مَعْنٍ الرَّقَّاشِىُّ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ - يَعْنِى ابْنَ مُرَّةَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ شَرِبَ فِى إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِى بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ ".
ــ
يصح، بناء على الأصل فى الصلاة فى الدار المغصوبة، وعندنا وعند الكافة: يصح، واختيار بعض أصحابنا الإعادة فى الوقت، وهو مبنى على الصحة، وعند أهل الظاهر: أنها باطل (١).
واختلف فيما ضبب منها [أو كانت] (٢) فيه حلقة، فمذهبنا ومذهب الجمهور من السلف والعلماء: كراهة ذلك كما تقدم، وأجاز ذلك أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق (٣) إذا لم يجعل فاه على الفضة، وروى مثله عن بعض السلف (٤) قالوا: وهو كالعلم فى الثوب، والخاتم فى اليد يشرب به، وفرق بعض العلماء بين الحلقة والضبة فاستخف الحلقة.
واختلف إذا غشيت آنية الفضة والذهب برصاص أو نحاس أو كانت من نحاس فموهت بالذهب والفضة، فإن اعتبرنا مجرد السرف، جاز فى الأول ولم يجز فى الثانى، وهو أصل الشافعى، وإن اعتبرنا تحريم العين لم يجز فيهما، وهو أظهر ما فى المذهب، وقيل: يجوز فى الثانية لاستهلاك العين فيها. وأجمعوا على إيجاب الزكاة فيها إذا بلغ ذهبها النصاب (٥).
وقوله: " إنما يجرجر فى بطنه نار جهنم " رويناه بالفتح والضم، قال الإمام فى معنى يجرجر: يصوت. والجرجرة: صوت البعير عند الهدير، فعلى هذه الرواية تكون الرواية: " نار جهنم " بالرفع، وقد يكون " يجرجر " بمعنى: يتجرع، وتكون الرواية على هذا: " نار جهنم " بالنصب. وقال الزجاج: " يجرجر فى جوفه ": أى يردده فى جوفه.
قال القاضى: اختار الخطابى نحو هذا من النصب، ويدل عليه قوله فى الحديث الآخر: " ناراً من جهنم "، قيل: معنى هذا أنه يعاقب عليها فى جهنم، فيحتمل أن
стр. 3749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكون العقاب بجنس كسبه، كما جاء فى عقاب شارب الخمر غير حديث (١)، وذلك بأن يسقى المهل، أو حميم شرابها الذى يوصف بأنه نار أو كالنار، أو يكون أىّ عقاب عوقب به عليها من شربها المسبب له جرجرته؟
واختلف فى المراد بالحديث، فقيل: المراد به: الخبر عن الكفار من ملوك العجم التى هى عادتهم: " هى لهم فى الدنيا ولكم فى الآخرة "، وصفتهم كما قال فى الحديث الآخر: " هى لهم فى الدنيا ولكم فى الآخرة ومن شرب بهما فى الدنيا لم يشرب بهما فى الآخرة " (٢)، وكقوله فى ثوب الحرير: " إنما يلبس هذه من لا خلاق له " (٣)، يريد: أنها لباس الكفار من الأعاجم، فأعلمنا بحالهم وحذرنا أن نتشبه بهم، وقيل: بل المراد بذلك نهى المسلمين عن ذلك، وأن من ارتكب نهيه استوجب هذا الوعيد إلا أن يغفر الله له.
стр. 3750
(٢) باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء. وإباحة العلم ونحوه للرجل، ما لم يزد على أربع أصابع
٣ - (٢٠٦٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِى الشَّعْثَاءِ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الْجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ - أَوِ الْمُقْسِمِ - وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِى، وَإِفْشَاءِ السَّلامِ. وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمَ - أَوْ عَنْ تَخَتمٍ - بِالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بِالْفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَاثِرِ، وَعَنِ القِسِّىِّ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالإِسْتَبْرَقِ وَالدَّيبَاجِ.
(...) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ العَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ. إِلا قَوْلَهُ: وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ أَوِ الْمُقْسِمِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الحَرْفَ فِى الْحَدِيثِ. وَجَعَلَ مَكَانَهُ: وَإِنْشَادِ الضَّالِّ.
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِى الشَّعْثَاءِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
ــ
قوله: " أمرنا بسبع ونهانا عن سبع "، قال الإمام: تشميت العاطس: هو الدعاء له، يقال: شمت العاطس وسمته، بالسين والشين [والمعجمة أعلاهما] (١)، قال ابن الأنبارى (٢): يقال: سمت فلان، وشمت فلاناً، وشمت عليه، فكل داع بالخير مسمت ومشمت. قال ثعلب: الأصل السين من السمت: وهو القصد، ومنه الحديث: