٨٩ - (...) حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ وَعَبْدُ الأَعْلَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَزَادَ فِيهِ - يُرِيدُ عَبْدَ الأَعْلَى -: فَلَمْ يَأمُرْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَطْعِهِ.
٩٠ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَدِمِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَّرْتُ عَلَى بَابِى دُرْنُوكًا، فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ، فَأَمَرَنِى فَنَزَعْتُهُ.
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ عَبْدَةَ: قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ.
٩١ - (...) حدَّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِى مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بُنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مُتَسَتِّرَةٌ بِقِرَامٍ
ــ
ثوب له خمل، وفى الحديث الآخر: " نمرقة ": [والنمرقة، بضم النون والراء وكسرهما: الوسادة، وقيل: المرفقة] (١). ويقال: نمروق. ويدل عليه قولها: " اشتريتها لك لتتوسدها وتقعد عليها "، وقال الله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَة﴾ (٢)، وقيل فى هذه المجالس - أيضاً - عن ابن عباس (٣)، وفى الرواية الأخرى: وقد سترت سهوة لى بقرام فيه صور، فتلون وجهه ثم هتكه، وقال: " من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله".
قال الإمام: قال الأصمعى: الشبهوة (٤): شبيه بالرف أو بالطاق، يوضع فيه الشىء. قال أبو عبيد: وسمعت غير واحد من أهل اليمن يقولون: إن الشبهوة (٥) عنده بيت صغير منحدر فى الأرض، [وشملة] (٦) مرتفع من الأرض، شبيه بالخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع، قال: وهذا عندى أشبه ما قيل فى الشبهوة (٧). والقرام: الستر الرقيق فإذا حفظ (٨) فصار كالبيت فهو كله، وقال لبيد يصف الهودج:
من كل محفوف يظل عصيه ... زوج عليه كله وقرامها
والعصى: عيدان الهودج، والزوج: النمط.
стр. 3818
فِيهِ صُورَةٌ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ. ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللهِ ".
(...) وحدّثنى حَرْمَلَة بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا. بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثَمَّ أَهْوَى إِلَى الْقِرَامِ فَهَتَكَهُ بِيَدِهِ.
(...) حدَّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِهِمَا: " إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا " لَمْ يَذْكُرَا: مِنْ.
٩٢ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِى بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ، أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الَّذِينَ
ــ
قال القاضى: قال الخليل: الشبهوة (١) أربعة أعواد أو ثلاثة يعارض بعضها على بعض، ثم يوضع عليها شىء من الأمتعة، قيل: هو أن يبنى من (٢) حائط البيت حائط صغير، ويجعل السقف على الجميع. فما كان فى وسط البيت فهو شبهوة (٣)، وما كان داخله فهو المخدع.
وقال بعضهم: الشبهوة (٤): كالصُّفَّة، تكون بين يدى البيت. وقيل: هى شبيه دخلة فى ناحية البيت. وقيل: الشبهوة (٥): الكوة بين الدارين، قاله ابن الأعرابى. وقيل: بيت صغير شبه المخدع.
واستدل بعضهم بهذا الحديث على منع دخول الوليمة إذا رأى فيها منكراً (٦).
قال الإمام: وقال بعض أصحابنا: وما وقع فى حديث عائشة من كراهة الصور المرقومة يحتمل أن يكون ذلك أولاً عند كونهم حديثى عهد بجاهلية وعبادة الصور، فلما
стр. 3819
يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ ".
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ.
٩٣ - (...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ لَهَا ثَوْبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ، مَمْدُودٌ إِلَى سَهْوَةٍ. فَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى إِلَيْهِ. فَقَالَ: " أَخِّرِيهِ عَنِّى ". قَالَتْ: فَأَخَّرْتُهُ فَجَعَلْتُهُ وَسَائِدَ.
(...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٩٤ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَىَّ وَقَدْ سَتَرْتُ نَمَطًا فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَنَحَّاهُ، فَاتَّخَذْتُ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ.
٩٥ - (...) وحدّثنا هَارُونَ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْن الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَائِشَة -
ــ
طال الأمر [وأمن عليهم] (١) أبيح لهم الرقم فى الثوب، ويكون ذلك كالناسخ لما وقع فى حديث عائشة. ولم يحرم مالك من الصور المرقومة ما كان يمتهن (٢)؛ لأن امتهانه ينافى تعظيمه على حسب ما كانت الجاهلية تعظم بعض الصور.
قال القاضى: اختلف الناس فى هذه الأحكام، فذهب بعضهم [إلى أن الممنوع من ذلك ما كان له ظل، فأما ما لا ظل له فلا بأس به وذهب بعضهم] (٣) إلى منع الصور على العموم واستعمال ما هى فيه، ودخول البيت التى (٤) هى فيه، رقماً كانت أو غير رقم، فى ثوب أو آلة أو حائط، يمتهن أو لا يمتهن، وهو مذهب ابن شهاب على ظاهر بعض الأحاديث العامة فى ذلك (٥)، ومنه حديث النمرقة وغيره.
وذهب آخرون إلى جواز كل ما كان منها رقماً فى ثوب، [تمتهن] (٦) أو لا تمتهن،
стр. 3820
زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهَا نَصَبَتْ سَتْرًا فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَنَزَعَهُ. قَالَتْ: فَقَطَعْتُهُ وِسَادَتَيْنِ. فَقَالَ رَجُلٌ فِى المَجْلَسِ حِيْنَئِذٍ - يُقَالُ لَهُ: رَبِيْعَةُ بْنُ عَطَاءٍ، مَوْلَى بَنِى زُهْرَةَ -: أَفَمَا سَمِعْتَ أَبَا مُحَمَّدٍ يَذْكُرُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا. قَالَ: لَكِنِّى قَدْ سَمِعْتُهُ. يُرِيدُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ.
٩٦ - (...) حدَّثنا يَحْيَىِ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ ابْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ. فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفْتُ - أَوْ فَعُرِفَتْ - فِى وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةُ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَاذَا أَذْنَبتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ ". فَقَالَتِ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ، تَقْعُدُ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدُهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ. وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ". ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِى فِيهِ الصُّوَرُ لا تَدْخُلُهُ الْمَلائِكَةُ ".
(...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْحٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ
ــ
مما يعلق أم لا، وكره ما كان له ظل أو كان مصوراً فى الحيطان وشبهها، مرقوماً أو غير مرقوم، وحجتهم: قوله: " رقماً فى ثوب "، فخصوه بالثوب وهو مذهب القاسم بن محمد.
وذهب آخرون إلى كراهة ما كان منها فى غير ثوب، وكراهة ما كان [منها] (١) فى ثوب لا يمتهن، أو يعلق لنصبه منصب العبادة، وعادة الكفار المعظمين لها، وأجازوا ما كان من ذلك رقماً فى ثوب يمتهن ويوطأ، وحجتهم: هتك النبى ﷺ القرام، واستعماله للوسادتين منه بعد ذلك، واتكاؤه على إحداهما [على إحداهما] (٢) على ما جاء فى الأحاديث، وهو أوسط الأقاويل وأصحها (٣). والجامع للأحاديث المختلفة فى ذلك وهو قول كثير من الصحابة والتابعين، وقول مالك والثورى وأبى حنيفة والشافعى (٤). ولا يختلف فى كراهة ما كان له ظل ووجوب تغييره وكسره، إلا ما ورد فى اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة فى ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل لها لابنته؛ لأنه ليس من
стр. 3821
جَدِّى، عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ ابْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - ابْنُ أَخِى الْمَاجِشُونِ - عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَبَعْضُهُمْ أَتَمُّ حَدِيثًا لَهُ مِنْ بَعْضٍ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ ابْنِ أَخِى الْمَاجِشُونِ: قَالَتْ فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَتَيْنِ، فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِى الْبَيْتِ.
٩٧ - (٢١٠٨) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا - عَلَىُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: " الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ".
(...) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِىُّ، كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
ــ
أخلاق أهل المروءة والهيئات. وقد ذهب بعض الناس إلى أن اللعب بالبنات وإباحته منسوخ بهذه الأحاديث.
وفيه وجوب تغيير الصور بهتك النبى ﷺ الستر، وفيه أن عملها من الذنوب الكبار المتوعد عليها بالنار والعذاب، وفيه جواز اتخاذ النمارق والوسائد للقعود عليها والارتفاق واتخاذ الستور والكمال (١) إذا كانت لعلة ستر الأبواب والأسرة وبعض الأمتعة فى البيت وشبهها عن الأبصار، فهذا [ما كان] (٢) يكره، وهو الذى صنعته عائشة، وذلك أن النبى ﷺ إنما هتكه للعلة التى ذكر من أجل الصورة، وفى الحديث الآخر لتذكيره له الدنيا وزينتها.
وأما الستر بالأنماط للحيطان وتزيينها بذلك فمكروه؛ للحديث المتقدم، أو لأنه
стр. 3822
٩٨ - (٢١٠٩) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِى الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ "، وَلَمْ يَذْكُرِ الأَشَجُّ: إِنَّ.
(...) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى روَايَةِ يَحْيَى وَأَبِى كُرَيْبٍ عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ: " إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا المُصَوِّرُونَ ".
وَحَدِيثُ سُفْيَانَ كَحَدِيثِ وَكِيعٍ.
(...) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَسْرُوقٍ فِى بَيْتٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ مَرْيَمَ. فَقَالَ مَسْرُوقٌ: هَذَا تَمَاثِيلُ كِسْرَى. فَقُلْتُ: لا، هَذَا تَمَاثِيلُ مَرْيَمَ. فَقَالَ مَسْرُوقٌ: أَمَا إِنِّى سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ ".
٩٩ - (٢١١٠) قاَلَ مُسْلِمٌ: قَرَأتُ عَلَى نَصْرِ بْنِ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىِّ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى ابْنِ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى الحَسَنِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ
ــ
لمجرد زينة الحياة الدنيا وليس بحرام، قال بعض علمائنا: ويحتمل ما قاله ﵇ فى النهى فى جميع الصور على الكراهة، ويحتمل أنه على التحريم إلا ما استثناه من الرقم فى الثوب (١).
وقوله: " أشد الناس عذاباً يوم القيامة: المصورون "، وفى الحديث الآخر: " الذين يضاهون خلق الله "، وفى الآخر: " كل مصور فى الدنيا يجعل بكل صورة صورها نفس تعذبه فى جهنم ": يحتمل أن الصورة التى صور هى تعذبه بعد أن يجعل فيها نفس أو روح، والباء بمعنى " فى "، ويحتمل أن يجعل له بعدد كل صورة ومكانها نفس أى شخص يعذبه، وتكون الباء بمعنى لام السبب، أو من أجل.
стр. 3823
إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ: إِنِّى رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ، فَأَفْتِنِى فِيهَا. فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّى. فَدَنَا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنِّى. فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأَسِهِ. قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " كُلُّ مُصَوِّرٍ فِى النَّارِ، يجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا، فَتُعَذِّبُهُ فِى جَهَنَّمَ ".
وَقَالَ: إِنْ كُنْتَ لابُدَّ فَاعِلاً، فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لا نَفْسَ لَهُ. فَأَقَرَّ بِهِ نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ.
١٠٠ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُفْتِى وَلا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّى رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ. فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: ادْنَهْ. فَدَنَا الرَّجُلُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِى الْدُّنْيَا كُلِّفَ إِنْ يَنَفُخَ فِيهَا الرُّوْحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ ".
(...) حدَّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
ــ
وقوله: " من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ " وما جاء فى لعن المصورين: كل هذا يدل على تحريم صنعة الصور، وأنها من الكبائر، قيل: قوله: " من أشد الناس عذاباً " فى عمل ذلك على القصد لعبادتها ونحت الأصنام فهى فى الكفار؛ إذ لا يكون مذنب أشد عذاباً من كافر، وقيل: بل ذلك فيمن قصد المعنى الذى جاء فى الحديث من مضاهاة خلق الله واعتقد ذلك، فهو كافر بقصده، فله من أشد العذاب ما للكفار.
وأما من لم يضاه بذلك خلق الله ولا قصده ولا نواه، فليس يناله هذا الوعيد وإن كان مخطئاً فى فعله وعاصياً، وفى قوله: " يضاهون " دليل أن هذا مما له ظل وشكل قائم.
وقوله: " أحيوا ما خلقتم " وحتى ينفخ فيه الروح: دليل على أن هذا الوعيد فى المصور لما له روح، خلاف ما لا روح فيه من الثمار، فقد أجاز هذا العلماء، وأجازوا صنعته والتكسب به، إلا مجاهداً فإنه جعل الشجر المثمر من المكروه ولم يقله غيره (١)،
стр. 3824
١٠١ - (٢١١١) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ فِى دَارِ مَرْوَانَ، فَرَأَى فِيهَا تَصَاوِيرَ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " قَالَ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِى؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جِرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ. قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ دَارًا تُبْنَى بِالْمَدِينَةِ لِسَعِيدٍ أَوْ لِمَرْوَانَ. قَالَ: فَرَأَى مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ فِى الدَّارِ. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: " أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً ".
١٠٢ - (٢١١٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ بِلالٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةَ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ أَوْ تَصَاوِيرُ ".
ــ
وقد استدل بعضهم على هذا بقوله: " ومن أظلم ممن ذهب أن يخلق خلقاً كخلقى " فعم، وبقوله: " فليخلقوا حبة "، هذا أشد ما جاء فى هذا الباب. قال المهلب: ثم استقرت الكراهة على ما فيه الروح.
وقال بعض العلماء (١): إن رأس الصورة إذا قطعت فهو تغيير لها، ويباح اتخاذها حينئذ. وقد جاء [فى] (٢) هذا أثر ذكره أبو داود (٣)، وعليه تأول بعضهم اتخاذ القرام وسائد؛ إذ لعله فى قطعه وهتك النبى ﷺ له تقطعت صورته وانقسمت أشكالها، فلم يبق منها فى وسادة منها صورة كاملة (٤)، وهذا يقوله من يمنعها فى الممتهن وغيره، وإذا كان هذا لم تكن فيه حجة فى جواز اتخاذها فيما يمتهن.
وليس فى شىء من هذه الأحاديث أن هذا الدرنوك أو الستر أو القرام أو النمط كان من حرير أو ديباج حتى يحتج به عبد الملك من أصحابنا، والمخالف فى جواز [افتراش الحرير وتخصيص تحريمه باللباس على ما تقدم منها] (٥). وجمهور العلماء على خلافه والتسوية بينهما، ونص الحديث فى النهى عن افتراشه.
وقولها: " كانت لنا قطيفة، كنا نقول عَلَمُها من حرير، وكنا نلبسها " [زاد] (٦)
стр. 3825
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النسائى: " فلم يقطعه " (١)، وفى غيره: " ولا ينهانا عنه ": وفيه حجة للرخصة فى العلم، وهو قول الكافة وقد تقدم، والقطيفة [كساء فيه خمل] (٢).
قال الإمام: وخرج مسلم فى باب كراهة الصور: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا على بن مسهر، عن سعيد بن أبى عروبة، عن النضر بن أنس، قال: كنت جالساً عند ابن عباس، هكذا إسناده فى هذا الحديث، رواه سعيد بن أبى عروبة عن النضر ابن أنس، ووهم بعضهم فأدخل بينهما قتادة وليس بشىء، فإنه قد سمع سعيد [بن النضر] (٣) هذا الحديث وحده، ذكره البخارى فى الجامع: حدثنا عياش، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد بن أبى عروبة، [قال: سمعت النضر بن أنس يحدث قتادة، قال: كنت عند ابن عباس - فذكر الحديث (٤). قال البخارى: سمع] (٥) سعيد بن أبى عروبة من النضر بن أنس هذا الحديث [الواحد] (٦).
قال القاضى: قال عبد الغنى: ذكر قتادة هنا خطأ، وأما فى الحديث الذى بعده عن معاذ بن هشام، حدثنى أبى، عن قتادة، عن النضر فإثباته صواب.
стр. 3826
(٢٧) باب كراهة الكلب والجرس فى السفر
١٠٣ - (٢١١٣) حدَّثنا أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حَسَيْنٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُفَضَّلٍ - حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا تَصْحَبُ المَلائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلا جَرَسٌ ".
(...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - كِلاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
١٠٤ - (٢١١٤) وحدّثنا يَحَيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ ".
ــ
وقوله: " لا تصحب الملائكة [رفقة فيها كلب ولا جرس ": هو مما تقدم من منافرة الملائكة] (١) الكلاب للعلل التى ذكرناها، وفيه حجة على منع اتخاذها فى الأسفار لحراسة الدواب والسراق، وهو قول أصحاب مالك (٢)، وأجاز هشام بن عروة اتخاذها لحراسة البقر من السائمة. وفيه كراهة الأجراس، وهو قول مالك وغيره، ومنافرة الملائكة لها إما لشبهها بالنواقيس، أو لأنها من باب المعاليق المنهى عنها فى الأعناق، وقيل: لصوته، وهو تأويل مالك، وعليه يدل قوله فى الحديث: " الجرس من مزامير الشيطان " [وهذا يعضد أن منافرة الملائكة لها وللكلب من سبب الشيطان] (٣).
وفرق أهل الشام بينهما فقالوا: هذه الكراهة إنما هى فى الجرس الكبير، فأما الصغير فلا بأس به، وروينا هذا الحرف بفتح الراء وهو الأكثر، وضبطناه عن أبى بحر بسكونها اسم الصوت، وأصله الصوت الخفى.
وقوله فى الحديث الآخر: " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه تماثيل أو تصاوير " (٤) [قيل] (٥): يحتمل أنه شك من الراوى فى اللفظ.
والمعنى واحد، وقيل: لعله أراد بالتماثيل: ما كان قائم الشخص. وبالتصوير (*): ما كان رقماً وتزويقاً فى ثوب أو حائط، ويحتمل أن تكون " أو " بمعنى الواو (٦).
стр. 3827
(٢٨) باب كراهة قلادة الوتر فى رقبة البعير
١٠٥ - (٢١١٥) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ؛ أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الأَنْصَارِىَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ. قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَسُولاً - قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِى مَبِيتِهِمْ -: " لا يَبْقَيَنَّ فِى رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلادَةٌ، إِلا قُطِعَتْ ".
قَالَ مَالِكٌ: أُرَى ذَلِكَ مِنَ الْعَيْنِ.
ــ
وقوله: " لا يبقين (١) فى رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت ": قال مسلم: قال مالك: أرى ذلك من العين.
قال الإمام: الظاهر من مذهب مالك قصر النهى على الوتر خاصة، وأجازه ابن القاسم بغير الوتر، وقال بعض أصحابنا: فيمن قلد بعيره شيئاً ملوناً فيه خرز قال: إن كان للجمال فلا بأس به (٢). وقد اختلف الناس فى تقليد البعير وغيره من الحيوان - والإنسان أيضاً - ما ليس بتعاويذ قرآنية (٣) مخافة العين، فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة إليه، وأجازه عند الحاجة إليه لنفى ما أصابه من ضرر العين [وشبهه، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها، كما يجوز الاستظهار بالتداوى قبل حلول المرض، قال عبد الوهاب: يكره للمسافرين الأجراس والأوتار، واحتج بقوله: " لا تصحب الملائكة [رفقة] (٤) [فيها كلب ولا] (٥) جرس "، وأما الأوتار فقد تؤدى إلى جناية تكره [يعنى] (٦) الاختناق بها] (٧) وشبه ذلك. وقد خرج مسلم: " لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس " (٨)، وقد قال بعضُ الناس (٩): إن النهى عن تقليد الأوتار محمول على الدخول وما اعتادوا من طلب الدماء عليها.
стр. 3828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقول الراوى: قلادة من وتر أو قلادة، يحتمل أن يكون على الشك من التخصيص للوتر أو التعميم لسائر القلائد فيكون الوتر ثابتاً فى الحالين مع القول بالعموم؛ ولهذا قصر مالك النهى على الوتر كما قدمنا.
قال القاضى: قوله هنا: " قلادة من وتر " يضعف تأويل من تأول فى تقليد الأوتار [الدخول] (١).
стр. 3829
(٢٩) باب النهى عن ضرب الحيوان فى وجهه، ووسمه فيه
١٠٦ - (٢١١٦) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَن أَبِى الزُّبَيْرِ، عَن جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ فِى الْوَجْهِ، وَعَنِ الْوَسْمِ فِى الْوَجْهِ.
(...) وحدّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
١٠٧ - (٢١١٧) وحدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَن أَبِى الزُّبَيْرِ. عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِى وَجْهِهِ. فَقَالَ: " لَعَنَ اللهُ الَّذِى وَسَمَهُ ".
١٠٨ - (٢١١٨) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ؛ أَنَّ نَاعِمًا - أَبَا عَبْدِ اللهِ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ - حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَمِارًا مَوْسُومَ الْوَجْهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ. قَالَ: فَوَاللهِ، لا أَسِمُهُ إِلا فِى أَقْصَى شَىْءٍ مِنَ الْوَجْهِ. فَأَمَرَ بِحِمَارٍ لَهُ فَكُوِىَ فِى جَاعِرَتَيْهِ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَوَى الجَاعِرَتَيْنِ.
ــ
وقوله: " نهى عن الضرب فى الوجه وعن الوسم فى الوجه " وأنه لعن فاعله الذى وسم حماراً فى وجهه، وقوله فى حديث ابن عباس: " [قال] (١): فلا والله لا أسمه إلا فى أقصى شىء من الوجه، فكوى حماره فى جاعرتيه، فهو أول من كوى الجاعرتين ": قائل هذا هو العباس والده لا ابنه عبد الله صاحب الحديث، وكذا بينه فى كتاب أبى داود (٢)، وكذا ذكره البخارى فى التاريخ مفسراً (٣)، وهو فى كتاب مسلم مشكل ليس فيه
стр. 3830
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر لقائله، وتوهم أنه من قول النبى ﷺ وبيانه ما تقدم.
وكذا ضبطنا هذا الحرف - الوسم - بالسين المهملة، وبعضهم يقول: فيه الوجهين السين والشين، وبعضهم فرق فقال: بالمهملة فى الوجه، وبالمعجمة فى سائر الجسد. والجاعرتان حرفا الورك المشرفان مما يلى الدبر.
وأما نهيه عن الضرب فى الوجه، فإن فيه المحاسن وأقل أثر فيه يشينه، وربما آذى البصر أو أذهبه، مع إهانة الصورة التى اختص الله بها بنى آدم وكرمهم [بها] (١)، ونبه فى الحديث الآخر على إكرامها بخلق نبيه آدم أبى البشر عليها (٢).
قال الإمام: قال عبد الوهاب: تكره السمة فى الوجه ولا أكرهه فى غيره؛ لأن النبى ﷺ نهى عن السمة فى الوجه وأرخص فيها فى الأذن، قال: ويجوز فى غيره؛ لأن بالناس حاجة إلى علامات يعرفون بها بهائمهم.
[قال القاضى: وما ذكره مسلم أن النبى ﷺ وسم غنماً] (٣)، وذكر فى آذانها (٤): يدل على ما ذكر وعلى جواز الوسم بالقطع والشق؛ لأنه الذى يمكن فى الأذن.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵇ من التواضع وخدمة مال نفسه ومال المسلمين، والنظر فى مصالحهم. وقول أم أنس: " انظر هذا الغلام، ولا يصيبن شيئاً حتى تغدو به إلى النبى ﷺ يُحنكه ": فيه أن هذه سنة مستحسنة (١) مرغب فيها من حمل الأطفال عند ولادتهم للفضلاء للدعاء لهم، وأم سليم ذلك ما قصدته، وألا يدخل جوفه شىء حتى يحنكه النبى ﷺ بما يمضغه من تمر كانت وجهته معه، فتناله بركة ريقه وطعامه ودعائه.
وقولها: " وعليه خميصة (٢) حوينية ": كذا رويناه عن العذرى بالحاء [المفتوحة المهملة] (٣) وبعد الواو الساكنة تاء باثنتين فوقها مفتوحة بعدها نون، ووقع عندنا من رواية الهوزنى: " حونية " بضم الحاء وكسر النون بعد الواو، وعن عبد الغافر الفارسى (٤): " خويتة " بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون الياء باثنتين تحتها بعدها [تاء باثنتين فوقها] (٥)، ورواه البخارى (٦): " حريثية " منسوبة إلى حريث، قيل: رجل من قضاعة، وصوبه ابن مفرج: " حونبية " بفتح الحاء المهملة وفتح النون بعدها وكسر الباء بواحدة بعدها.
والخميصة: كساء أسود مربع.
قال الإمام: قال الأصمعى: الخمائص: [ثياب خز أو صوف معلمة] (٧) كانت من لباس الناس.
стр. 3833
(٣١) باب كراهة القزع
١١٣ - (٢١٢٠) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِى يَحْيَى - يَعْنِى ابْنِ سَعِيدٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنَ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعَ. قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: وَمَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأسِ الصَّبِىِّ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ.
(...) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَجَعَلَ التَّفْسِيرَ، فِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ، مِنْ قَوْلِ عُبَيْدِ اللهِ.
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُثْمَانَ الْغَطَفَانِىُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ. ح وَحَدَّثَنِى أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ عُمَرَ ابْنِ نَافِعٍ. بِإِسْنَادِ عُبَيْدِ اللهِ. مِثْلَهُ. وَأَلْحَقَا التَّفْسِيرَ فِى الْحَدِيثِ.
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَان، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَّاجِ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِذَلِكَ.
ــ
وقوله: " نهى عن القزع " بفتح القاف والزاى، قال الإمام: إذا كان ذلك فى مواضع كثيرة فمنهى عنه بلا خلاف، وقال نافع (١): هو أن يحلق بعض رأس الصبى ويترك بعضه، وإن لم يكن كذلك كالناصية وشبهها، فاختلف فى جوازه.
قال القاضى: ومذهب مالك منعه، وقال: هو من جهة القزع، وكرهه فى الجارية والغلام. وقال نافع: أما القصة والقفا للغلام فلا بأس به، وأما أن يترك ناصيته شعراً دون غيرها فذلك القزع، وقد ذكر مسلم فى حديث بعد هذا: أن التفسير ملحق فى الحديث، يريد لم يذكره من قول نافع، وقد ذكر بعضهم أن علة ذلك: أنه تشويه،
стр. 3834
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال بعض العلماء: إن الكراهة فى ذلك لعلة؛ لأنه زى أهل الدعارة والشر، وأن الأمر فى ذلك راجع إلى عادة البلاد، فحيث يكون زى غير هؤلاء، فلا ينبغى أن ينكر، وفى هذا نظر، لأن العوايد لا تغير السنن، والنهى عن ذلك سنة مأثورة (١)، وقد ذكر أبو داود فيه علة فى الحديث وقال: إنه زى اليهود (٢).
عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُسْلِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ تَزَوَّجَتْ، وَأَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَمَرَّطَ شَعْرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهُ. فَسَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَلَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ.
١١٨ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ، أَخْبَرَنِى الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ بْنِ يَنَّاقَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ زَوَّجَتِ ابْنَةَ لَهَا، فَاشْتَكَتْ فَتَسَاقَطَ شَعْرُهَا، فَأَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجَهَا يُرِيْدُهُا، أَفَأَصِلُ شَعَرَهَا؟ فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " لُعِنَ الْوَاصِلاتُ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: " لُعِنَ الْمُوصِلاتُ ".
١١٩ - (٢١٢٤) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - واللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّان - عَنْ
ــ
قال القاضى: اختلف العلماء فى معنى نهيه ﵇ عن ذلك، [فقال بعضهم] (١): لا بأس فى وصلها شعرها بما وصلته من صوف أو خرق ما لم يكن شعراً، والنهى إنما يختص بالصلة بالشعر، وهو قول الليث بن سعد. وقال آخرون: الوصل بكل شىء ممنوع لعموم الخبر، وهو قول مالك وجماعة من العلماء واختيار الطبرى. وأباح آخرون وضع الشعر على الرأس، قالوا: وإنما ينهى عن الوصل، وهو قول إبراهيم (٢)، وقال آخرون: كل ذلك جائز (٣)، وروى عن عائشة نحوه (٤) وتأولت أن الحديث على غير وصل الشعر، ولا يصح عنها، والصحيح عنها مثل قول الجمهور.
فأما ربط خيوط الحرير الملونة وشبهها مما لا يشبه الشعر، فليس من الوصل، ولا هو مقصده وإنما هو للتجميل والتحسين، كما يشد منه فى الأوساط، ويربط من الحلى فى الأعناق، ويجعل فى الأيدى والأرجل.
وفيه من الفقه أن هذا ممنوع لضرورة وغيرها، للعروس وغيرها، وأنه من الكبائر
стр. 3838
عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ.
(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنُ بَزِيْعٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا صَخْرُ ابْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
١٢٠ - (٢١٢٥) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ - أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَن عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِى أَسَدٍ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ، وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ. فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِى عَنْكَ؛ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: وَمَا لِىَ لا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ وَهُوَ فِى كِتَابِ اللهِ. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأتُ مَا بَيْنَ لَوْحَى الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ. فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ. قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (١) فَقَالَتْ الْمَرْأةُ: فَإِنِّى أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الآنَ. قَالَ: اذْهَبِى فَانْظُرِى. قَالَ: فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا. فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا. فَقَالَ: أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ
ــ
للعن فاعله، وفيه أن المعين على الشىء مثل فاعله فى الإثم والأجر (٢) بأن هذه التى وصلت شعر غيرها وهى الواصلة قد لعنت كما لعنت المستوصلة، وهى طالبة ذلك لنفسها.
وأما قوله: " والواشمة والمستوشمة " قال الإمام: قال أبو عبيد: الوشم فى اليد وذلك أن المرأة كانت تغرز ظهر كفها أو (٣) معصمها بإبرة أو مسلة حتى تؤثر فيه، ثم تحشوه كحلاً أو بالنَّور فيخضر بفعل ذلك بداراة (٤) ونقوش، يقال منه: قد وشمت تشم وشماً فهى واشمة والأخرى موشومة ومستوشمة (٥).
стр. 3839
نُجَامِعْهَا.
(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَهُوَ ابْنُ مَهْدِىٍّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ - وَهُوَ ابْنُ مُهَلْهِلٍ - كِلاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ سُفْيَانَ: الْوَاشِمَاتِ وَالْمَسْتَوْشِمَاتِ. وَفِى حَدِيثِ مُفَضَّلٍ: الْوَاشِمَاتِ وَالْمَوْشُمَاتِ.
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، بَهَذَا الإِسْنَادِ، الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، مُجَرَّدًا عَنْ سَائِرِ الْقِصَّةِ، مِنْ ذِكْرِ أُمُّ يَعْقُوبَ.
ــ
وقوله: " المتنمصات ": قال أبو عبيد: النامصة: التى تنتف الشعر من الوجه، ومنه قيل للمنقاش: المنماص لأنه ينتف. والمتنمصة التى يفعل ذلك بها (١).
و" المتفلجات ": الفلج فى الأسنان، والمراد أنها تعالج أسنانها، وكذلك "الواشرة " المذكورة فى غير هذا الموضع (٢)، هى التى تنشر أسنانها تفلجها وتحددها حتى يكون لها أشر، والأشر: تحدد [ورقة] (٣) فى أطراف الأسنان، ومنه قيل: ثغر موشر، وإنما يكون ذلك فى أسنان الأحداث؛ تفعله المرأة الكبيرة تشبيهاً بأولئك (٤).
قال القاضى: جاء فى صحيح البخارى من قول نافع: الوشم فى اللثة (٥)، وكل هذا غير مختلف؛ لأن أبا عبيد أخبر بالغالب من وشم ظهر (٦) الكف والمعصم، وقد تشم لثتها وغير ذلك، وقد روى عن الحسن وابن مسعود فى قوله تعالى: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٧) قال: هو الوشم، وعن ابن عمر وأنس وطائفة: هو الخصى، وعن مجاهد: ﴿خَلْقَ اللَّه﴾: دين الله (٨).
ووقع عندنا فى كتاب مسلم فى حديث محمد بن نمير من رواية الهوزنى فى " الواشية والمستوشية " والمشهور المعروف ما تقدم، لكنه صحيح المعنى؛ لأنها توشى يديها بذلك
стр. 3840
(...) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِى ابْنَ حَازِمٍ - حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
١٢١ - (٢١٢٦) وحدّثنى الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: زَجَرَ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَأَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأسِهَا شَيْئًا.
١٢٢ - (٢١٢٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ، عَامَ حَجَّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ كَانَتْ فِى يَدِ حَرَسِىٍّ. يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مَثْلِ هَذَهِ، وَيَقُولُ: " إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِيْنَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ ".
(...) حدَّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بن حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
ــ
الوشم، وقد روى عن عائشة اختلاف فى ذلك، ورخصة فى جواز النمص وحف المرأة جبينها لزوجها وقالت: " أميطى عنك الأذى " وكذلك قالت فى التى تقشر وجهها: إن كانت للزينة فلا يحل وإن كان بوجهها كلف شديد فكأنها كرهته ولم تصرح.
قال بعض علمائنا: وهذا المنهى عنه المتوعد على فعله فيما يكون باقياً، فإنه من تغيير خلق الله، فأما ما لا يكون باقياً كالكحل فلا بأس به للنساء والتزين به عند أهل العلم، وقد أجازه مالك للنساء، وكرهه للرجال، وكذلك أجاز أن توشى المرأة يديها (١) بالحناء، وروى عن عمر إنكار ذلك وقال: إما أن تخضب يديها (٢) كله أو تدع (٣)، وأنكر مالك هذا عن عمر، وجاء فى حديث النهى عن تسويد الحناء، ذكره صاحب النصائح.
قال أبو جعفر الطبرى فى هذا الحديث: إنه لا يجوز لامرأة تغيير شىء من خلقها الذى خلقها الله عليه بزيادة فيه أو نقص منه التماس الحسن لزوج (٤) أو غيره، سواء
стр. 3841
مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ. بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ مَعْمَرٍ: " إِنَّمَا عُذِّبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ ".
١٢٣ - (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَنَا وَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلا اليَهُودَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَلَغَهُ فَسَمَّاهُ الزُّورَ.
١٢٤ - (...) وحدّثنى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ اْلمُثَنَّى، قَالا: أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ - حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ:
ــ
فلجت أسنانها أو نشرتها، أو كان لها سن زائدة فأزالتها، أو أسنان طوال فقطعت أطرافها طلب التحسين والتجمل، كل ذلك منهى عنه، وهى مقدمة على ما نهى عنه الله على لسان نبيه، وكذلك لا يجوز لها حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبت ذلك لها؛ لأن كل ذلك تغيير لخلق الله (١).
قال القاضى: ويأتى على ما ذكره وأدخله فى جملة [النهى] (٢) أن من خلق بأصبع زائدة أو عضو زائد أنه لا يجوز له قطعه ولا نزعه عنه؛ لأنه من تغيير خلق الله، إلا أن يكون هذا الزائد مما يؤذيه من أصبع أو ضرس ويؤلمه. فلا بأس على [كل] (٣) حال بنزعه عند هذا وغيره.
وقول عبد الله بن مسعود للتى قالت له أرى شيئاً (٤) من هذا على امرأتك. تريد ما تقدم أول الحديث من ذكر الواشمة وأصحابها فقال: " لو كان ذلك لم أجامعها " أظهر ما فيه: لم أبق معها وأفارقها، ويحتمل لم أطأها (٥).
فيه وجوب هجرة أصحاب الذنوب، فإن هجرة الرجل زوجته لسبب معصية جاءت بها ليست بإثم ولا حرج عليه فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٦).
стр. 3842
إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثَتُمْ زِىَّ سَوْءٍ، وَإِنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الزُّورِ. قَالَ: وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأسِهَا خِرْقَةٌ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلا وَهَذَا الزُّورُ. قَالَ قَتادَةُ: يَعْنِى مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعارَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ.
ــ
وذكر مسلم فى الباب: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا جرير، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبى ﷺ . هذا السند مما استدركه الدارقطنى وتتبعه على مسلم، وقال: الصحيح عن الأعمش إرساله، ولم يسنده عنه غير جرير، وخالفه أبو معاوية وغيره فرووه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله مرسلاً، وهو صحيح مسند من رواية منصور عن إبراهيم (١).
قال القاضى (٢): وقد ذكره مسلم عن منصور مسنداً كما قال من رواية جرير وشعبة وسفيان ومَفْضَل بن مهلهل.
وقوله فى حديث جابر: " زجر النبى ﷺ : أن تصل المرأة شعرها بشىء " (٣): حجة لمالك والكافة فى منعه بكل شىء، خلافاً لمن يخص بذلك الشعر على ما تقدم.
وقول معاوية، وتناول قُصةَ شعرٍ كانت فى يد حَرَسِىٍّ: " يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا " (٤) الحديث: القُصة: ما أقبل على الجبهة من شعر الرأس، قاله الأصمعى. وفيه حجة - أيضاً - على من ذهب إلى جواز إلقاء الشعر والجمة على الرأس، وخص النهى بالوصل، وقد تقدم؛ لأن القُصة مما توضع وليست موصولة. وفيه قيام الأئمة بالنهى عن المنكر والتعريف به على المنابر، ولا سيما إذا رآه مشتهراً.
وفى قوله: " أين علماؤكم ": قيل: استعانة بهم على التعريف بهذا المنكر وتغييره و (٥) الإنكار عليهم (٦) إن كانوا لم ينكروه، وهذا أظهر بقصده على مساق كلامه.
واحتج به بعضهم على المالكية، ومن قال بإبطال الحجة بإجماع أهل المدينة وعملهم (٧)، ولا حجة له فى هذا؛ إذ لم يثبت أن هذا كان شائعاً بالمدينة، وغير منكرٍ بها، وإنما تناولها [معاوية] (٨) من يد حرس وجدها على امرأة، ولم تسلم المدينة ولا غيرها فى [وقت] (٩) من مذنب [ولا] (١٠) مرتكب للمعاصى بمشيئة الله فى زمن النبى
стр. 3843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ وبعده.
وليس فى قوله: " أين علماؤكم؟ " ما يدل أنهم جهلوه أو رأوه ولم ينكروه، والحجة بعمل أهل المدينة [أشهر على التحقيق فيما نقلوه] (١) النقل المستفيض، وتداوله (٢) عملهم خلفاً عن سلف إلى زمان النبى ﷺ كالأذان والصاع ونحو ذلك، وهذا مما وافق عليه المخالف فيه حين بين له، ورجع إليه أبو يوسف حين مناظرته لمالك فى المسألة.
واختلفوا فيما أجمعوا عليه من جهة الاجتهاد. واختلف فيه تأويل شيوخنا على مذهب مالك، فذهب قدماء أصحابه العراقيين أنه ليس بحجة ولا هو مراد مالك، ومذهب بعض المدنيين والمتأخرين من العراقيين والمغاربة من أصحابه أنه حجة. وذهب الكثير من أئمة الأصوليين إلى أنه ترجيح للآثار التى اختلفت، وكل هذا غير موجود فى مسألتنا.
وقوله: " إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم " (٣): إعلام بتعجيل العقوبة لهم بذلك، قيل: ويحتمل أنه كان محرماً عليهم فعوقبوا باستعماله وهلكوا بسببه، وقيل: يحتمل أن الهلاك كان به وبمجموع [غيره مما] (٤) ارتكبوه، فكان هلاكهم لذلك كله عند ظهور هذا فيهم وزمنه. وفيه معاقبة الكافة [بفشو المنكر بين أظهرهم] (٥). وفى تناوله قصة الشعر وهو على المنبر: حجة على طهارة شعر بنى آدم، خلافاً للشافعى (٦) وقد تقدم الكلام عليه.
وقول [معاوية: " إن نبى الله ﷺ نهى عن الزور. وجاء رجل بعَصًا على رأسها خرقة فقال: وهذا من الزور، يعنى ما يكثر به النساء أشعارهن من الخرق ": حجة لعموم النهى عن ذلك بكل شىء على ما تقدم] (٧).
стр. 3844
(٣٤) باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات
١٢٥ - (٢١٢٨) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قاَلَ: قاَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا؛ قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنَمِةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ".
ــ
قوله: " صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ": يحتمل أن وجوب النار لهم من أجل ظلمهم وتعذيبهم واستطالتهم على الناس بالضرب بهذه السياط وغيرها، ويحتمل أن ذلك لمعاصٍ (١) أخرى أوجبت النار لهم من كفرهم وغير ذلك، وأنَّ ذكر سياطهم وضربهم قصد الوصف لا قصد علة التعذيب بالنار.
وقوله: " نساء كاسيات عاريات " الحديث، ذكره الإمام وفسره آخر الكتاب حيث كرره فلم يكرره هنا (٢)، وذكرنا هناك ما قاله وما فيه من زيادات فى التفسير والمعانى.
وقوله: [فى] (٣) رؤوسهنَّ كأسنمة البخت المايلة " (٤): بياء باثنتين من تحتها، كذلك الرواية فى جميع النسخ، وكان القاضى أبو الوليد الوقشى يقول: صوابه: " الماثلة " بالثاء المثلثة، يعنى الظاهرة، ولا معنى للماثلة هنا، وقد تكلمنا عليه هناك وعلى تصويب الرواية، فانظره فى موضعه مع الكلام على بقية الحديث.
стр. 3845
(٣٥) باب النهى عن التزوير فى اللباس وغيره، والتشبع بما لم يُعط
١٢٦ - (٢١٢٩) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقُولُ: إِنَّ زَوْجِى أَعْطَانِى مَا لَمْ يُعْطِنِى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ، كَلابِسِ ثَوْبَىْ زُورٍ ".
١٢٧ - (٢١٣٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ لِى ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَىَّ جُنَاحٌ أَنْ أَتَشَبَّعَ مِنْ مَالِ زَوْجِى بِمَا لَمْ يُعْطِنِى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ، كَلابِسِ ثَوْبَىْ زُورٍ ".
(...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلاهُمَا عَنِ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
ــ
وقول المرأة التى قالت للنبى ﵇: إن لى ضرة فهل على جناح أن أتشبع من مال زوجى بما لم يعطنى؟ فقال: " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى زور ": الضرة: الشريكة فى الزوج، سميت بذلك لاستضرار الأخرى بها، ويقال: تزوجت المرأة على ضرة، وضرة بالضم والكسر: إذا تزوجها على أخرى.
قال الإمام: المتشبع: المتكثر بأكثر مما عنده يتصلف به، وهو الرجل يرى أنه شبعان وليس كذلك، وتفسير " ثوبى زور ": هو أن يلبس المرائى ثياب الزهاد يرى أنه زاهد. وقال غيره: هو أن يلبس قميصاً يصل بكميه كمين آخرين، يرى أن عليه قميصين. قال القاضى: وفيه وجهان آخران ذكرهما الخطابى:
أحدهما: أن ذكر الثوبين هنا كناية عن حاله ومذهبه، والعرب تكنى بالثوب عن حال لابسه، والمعنى أنه بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن.
الوجه الثانى: الرجل فى الحى يكون له هيئته، فإذا احتيج إليه فى شهادة زور شهد بها، فلا يرد لأجل هيئته وحسن ثوبه، فأضيفت شهادة الزور إلى ثوبه إذ كانت بسببها (١).
стр. 3846
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الإمام: وخرج مسلم هذا الحديث عن محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا وكيع وعَبْدَةُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - رضى الله عنها - أن امرأة قالت يا رسول الله، إن تشبعت من زوجى - الحديث. ثم أردف عليه أبو العلاء بن ماهان عن مسلم: حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو معاوية [كلاهما عن هشام. بهذا الإسناد. قال بعضهم: هذه المتابعة لا تصح] (١) أن تكون على أثر حديث ابن نمير [هذا، وإنما أتت فى رواية الجلودى وغيره على أثر حديث ابن نمير] (٢) عن عبيدة عن هشام عن فاطمة عن أسماء، قالت: جاءت امرأة إلى النبى ﷺ فقالت: إن لى ضرة - الحديث. قال عبد الغنى: وقع فى نسخة ابن ماهان حديث أبى بكر وإسحاق على أثر حديث ابن نمير عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - رضى الله عنها - يزعم أنه مثل الأول، وهذا خطأ قبيح؛ لأنه عند غيره يعقب حديث فاطمة عن أسماء، قال: وليس يعرف حديث هشام عن أبيه عن عائشة إلا من حديث مسلم عن ابن نمير، ومن رواية معمر بن راشد.
وقال الدارقطنى فى كتاب العلل: فى حديث هشام عن أبيه عن عائشة - رضى الله عنها [إنما يروى هذا معمر ومبارك بن فضالة، ويرويه غيرهما عن فاطمة عن أسماء وهو الصحيح. وقال فى إخراج مسلم حديث هشام عن أبيه عن عائشة] (٣): لا يصح، والصواب حديث عَبْدَة ووكيع وغيرهما عن هشام عن فاطمة عن أسماء.
стр. 3847
شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض
المُسَمَّى
إِكمَالُ المعلِم بفَوَائِدِ مُسْلِم
لِلإِمَام الحَافظ أبى الفضل عيَاض بن مُوسَى بن عيَاض اليَحْصَبِى
ت ٥٤٤ هـ
تحْقِيق
الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل
الجزءُ السَّابِعُ
стр. 3848
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤١٩هـ - ١٩٩٨م
دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - ج. م. ع - المنصورة
الإدارة: ش الإمام محمد عبده المواجه لكلية الآداب ص. ب ٢٣٠
ت: ٣٤٢٧٢١/ ٣٥٦٢٢٠/ ٣٥٦٢٣٠ فاكس ٣٥٩٧٧٨
المكتبة: أمام كلية الطب ت ٣٤٧٤٢٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٨ - كتاب الآداب
(١) باب النهى عن التكنى بأبى القاسم وبيان مايستحب من الأسماء
١ - (٢١٣١) حدّثنى أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنيَانِ الْفَزَارِىَّ - عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَجُلاً بِالْبَقِيعِ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْه رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى لَمْ أَعْنِكَ، إِنَّمَا دَعَوْتُ فُلانًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَسَمَّوْا بِاسْمِى، وَلا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِى ".
٢ - (٢١٣٢) حدّثنى إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ - وَهُوَ الْمُلقَّبُ بِسَبَلانَ - أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ وَأَخِيهِ عَبْدِ اللهِ، سَمِعَهُ مِنْهُمَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمائَةٍ، يُحَدِّثَانِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ".
٣ - (٢١٣٣) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا - جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلامٌ. فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا. فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ. لا نَدَعُكَ تُسَمِّى بِاسْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَانْطَلَقَ بِابْنِهِ حَامِلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأَتَى بِهِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
ــ
قال الإمام (١): قوله ﷺ : " سموا (٢) باسمى، ولا تكنوا بكنيتى، فإنما بعثت قاسماً أقسم بينكم ": ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذا مقصور على حياة النبى ﷺ ؛ لأنه قد ذكر سبب الحديث: أن رجلاً نادى: يا أبا القاسم، فالتفت النبى ﷺ ، فقال: لم أعنك، إنما دعوت فلاناً. فقال النبى ﷺ : " تسموا باسمى ولا تكنوا بكنيتى " الحديث.
стр. 3852
وُلِدَ لِى غُلامٌ، فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا. فَقَالَ لِى قَوْمِى: لا نَدَعُكَ تُسَمِّى بِاسْمِ رَسُولِ الله ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَسَمَّوْا بِاسْمِى، وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى، فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، أقْسِمُ بَيْنَكُمْ ".
٤ - (...) حدّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلامٌ، فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا. فَقُلْنَا: لا نَكْنِيكَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى تَسْتَأمِرَهُ. قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ وُلِدَ لِى غُلامٌ فَسَمَّيْتُهُ برَسُولِ اللهِ، وَإِنَّ قَوْمِى أَبَوْا أَنْ يَكْنُونِى بِهِ، حَتَّى تَستَأذِنَ النَّبِىَّ ﷺ . فَقَالَ: " سَمُّوا بِاسْمِى، وَلا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِى، فَإِنَّمَا بُعثْتُ قَاسِمًا، أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ".
(...) حدّثنا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثمِ الْوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى الطَّحَّانَ - عَنْ حُصَيْنٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: " فَإِنَّمَا بُعِثْت قَاسِمًا، أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ".
٥ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَسَمَّوْا بِاسْمِى، ولا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِى، فَإِنَى أَنَا أَبَو الْقَاسِمِ، أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ". وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ: " وَلا تَكْتنُوا ".
(...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " إِنَمَا جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ".
ــ
كتاب الأدب (١)
قال القاضى: ذكر مسلم فى أول أحاديث: " تسموا باسمى ": حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء وابن أبى عمر، قال: أبو كريب: أنبأنا، وقال ابن أبى عمر: حدثنا - واللفظ له - قال: حدثنا مروان الفزارى. كذا جاء في النسخ، وفيه إشكال؛ لأنه قال عن ابن أبى عمر وحده: حدثنا، ثم قال: قالا حدثنا. وصوابه: وقال ابن أبى عمر: حدثنا - واللفظ له - قال: حدثنا مروان فكرره (٢).
وقوله؟ نادى رجل رجلاً بالبقيع: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ،
стр. 3853
٦ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ، فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: " أَحْسَنَتِ الأَنْصَارُ، سَمُّوا بِاسْمِى، وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى ".
٧ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، كِلاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرُو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - وَحَدَّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةُ عَنْ حُصَيْنٍ. ح وَحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ، كُلهُمْ عَنْ سَالِم بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ وَمَنْصُورٍ وَسُلَيْمَانَ وَحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالُوا: سَمِعْنَا سَالِمَ بْنَ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِنَحْوِ حَدِيثِ مَنْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ مِنْ قَبْلُ. وَفِى حَدِيثِ النَّضْرِ عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: وَزَادَ فِيهِ حُصَيْنٌ وَسُلَيْمَانُ. قَالَ حُصَيْنٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا بُعثْتُ قَاسِمًا، أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ". وَقَالَ سُلَيْمَانُ: " فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ".
ــ
فقال: إنى لم أعنك، إنما دعوت فلاناً، فقال ﵇: " تسموا باسمى، ولا تكنوا بكنيتى "، قال الإمام: ذهب جماعة من أهل (١) العلم إلى أن هذا مقصور على حياة النبى ﷺ ؛ لأنه قد ذكر سبب الحديث: أن رجلاً نادى: يا أبا القاسم، فالتفت النبى ﷺ ، فقال له: [إنى لم] (٢) أعنك، إنما دعوت فلاناً، فقال النبى ﷺ : " تسموا باسمى ولا تكنوا بكنيتى "، وقد أجاز مالك أن يتسمى محمدًا، ويكنى بأبى القاسم، وقد كان محمد بن أبى بكر جمع الأمرين الكنية والاسم، وجماعة من المحمديين (٣) ولم ينكر ذلك عليهم، وقد أخذ بعض الناس (٤) بظاهر الحديث ولم يقصره على زمن النبى ﷺ .
стр. 3854
(...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: وُلِدَ لِرَجُلٌ مِنَّا غُلام، فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَقُلْنَا: لا نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ، وَلا نُنْعِمُكَ عَيْنًا. فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ . فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: " أَسْمِ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ".
(...) وحدّثنى أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيعٍ. ح وَحَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - كِلاهُمَا عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: وَلا نُنْعِمُكَ عَيْنًا.
ــ
قال القاضى: كان المنافقون والمستهزئون يعنون النبى ﷺ بمثل هذا، فلما أجابهم قالوا: لم نعنك؛ استهزاء واستخفافاً، فنهى النبى ﷺ [عن هذا.
ففيه ما يجب من توقير النبى ﷺ ] (١) وتخصيصه بالبر والإكرام، وأن يتميز فى حقوقه من غيره، وقد قال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ (٢)، قيل فيه: لاتنادوه باسمه ولكن عظموه ووقروه، ونادوه بأشرف ما يحب: يا نبى الله، يا رسول الله، على أحد التأولين.
واختلف الناس، هل النهى عام أو خاص أو هو منسوخ؟ فذهب طائفة من السلف - وهو مذهب أهل الظاهر - إلى أن التكنى وحده بأبى القاسم ممنوع، كيف كان الاسم، على ظاهر هذا الحديث. وذهب آخرون من السلف إلى منع التكنى بأبى القاسم، وكذلك تسمية الولد: القاسم؛ لئلا يكون سببها التكنية، حتى غير مروان - حين بلغه الحديث - اسم ابنه عبد الملك، وكان اسمه القاسم، فسماه حينئذ عبد الملك، وفعله بعض الأنصار - أيضاً - وحجتهم ظاهر هذا الحديث أيضاً.
وذهب آخرون من السلف - أيضاً - إلى أن الممنوع الجمع بين الكنية والاسم، وأنه لا بأس بالتكنى بأبى القاسم مجردًا، ما لم يكن الاسم محمدًا أو أحمد، أو بالتسمية بأحمد أو محمد مجردًا، ما لم تكن التكنية بأبى القاسم. وروى فى ذلك حديث جابر عنه ﵇: "من تسمى باسمى فلا يتكنى بكنيتى، ومن تكنى بكنيتى فلا يتسمى باسمى" (٣).
وذهب آخرون إلى أن النهى فى ذلك منسوخ بالرخصة، والإباحة لذلك منهم بحديث على، وطلحة، واستشهاد على ناسًا أن النبى ﷺ رخص فى ذلك (٤) وهو قول
стр. 3855
٨ - (٢١٣٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : " تَسَمَّوْا بِاسْمِى، وَلا تَكَنَوْا بِكُنْيَتِى ". قَالَ عَمْرٌو: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَلَم يَقُلْ: سَمِعْتُ.
ــ
أكثر السلف، وقول جماعة فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وقد سمى جماعة ممن لا تنعد منهم أبناءهم: محمدًا، وكنوهم بأبى القاسم.
وذهب لطبرى إلى أن هذا ليس بنسخ، وأنما كان من النبى ﷺ على [جهة] (١) الندب لا [على] (٢) الإيجاب (٣).
قال القاضى: وهذا لا يخلصه من النسخ؛ فإن الندب حكماً من أحكام الشرع، وإذا نهى عن شىء لذلك ثم أباحه، فقد نسخ حكمه من الندب والكراهة إلى حكم الجواز والإباحة. وشذ آخرون، فمنعوا التسمية باسم النبى جملة، كيفما تكنى، وروى فى ذلك عن النبى ﷺ حديث: " تسموا (٤) أولادكم محمدًا، ثم تلعنوهم " (٥).
وقد كتب عمر إلى الكوفة: لا تسموا أحدًا باسم نبى. وأمر جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم (٦) محمدًا، حتى ذكر له جماعة أن النبى ﷺ سماهم بذلك فتركهم، والأشبه أن فعل عمر لهذا إعظامًا لاسم النبى وتوقيرًا له، كما جاء فى الحديث: " يسمون أبناءهم محمدًا، ثم يلعنونهم " (٧).
وقيل: إن سببه أنه سمع رجلاً يقول لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: فعل الله بك يا محمد وصنع بك، فدعا عمر به وقال: لا أرى رسول الله ﷺ يسب بك، والله لا تدعى محمدًا أبداً ما بقيت، وسماه بعبد الرحمن، فبذلك يعرف.
وقوله: " فإنما أنا قاسم، أقسم بينكم ": يشعر أن الكنية إنما تكون بسبب وصف