بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٨ - كتاب الآداب
(١) باب النهى عن التكنى بأبى القاسم وبيان مايستحب من الأسماء
١ - (٢١٣١) حدّثنى أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنيَانِ الْفَزَارِىَّ - عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَجُلاً بِالْبَقِيعِ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْه رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى لَمْ أَعْنِكَ، إِنَّمَا دَعَوْتُ فُلانًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَسَمَّوْا بِاسْمِى، وَلا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِى ".
٢ - (٢١٣٢) حدّثنى إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ - وَهُوَ الْمُلقَّبُ بِسَبَلانَ - أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ وَأَخِيهِ عَبْدِ اللهِ، سَمِعَهُ مِنْهُمَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمائَةٍ، يُحَدِّثَانِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ".
٣ - (٢١٣٣) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا - جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلامٌ. فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا. فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ. لا نَدَعُكَ تُسَمِّى بِاسْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَانْطَلَقَ بِابْنِهِ حَامِلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأَتَى بِهِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
ــ
قال الإمام (١): قوله ﷺ : " سموا (٢) باسمى، ولا تكنوا بكنيتى، فإنما بعثت قاسماً أقسم بينكم ": ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذا مقصور على حياة النبى ﷺ ؛ لأنه قد ذكر سبب الحديث: أن رجلاً نادى: يا أبا القاسم، فالتفت النبى ﷺ ، فقال: لم أعنك، إنما دعوت فلاناً. فقال النبى ﷺ : " تسموا باسمى ولا تكنوا بكنيتى " الحديث.
стр. 3852
وُلِدَ لِى غُلامٌ، فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا. فَقَالَ لِى قَوْمِى: لا نَدَعُكَ تُسَمِّى بِاسْمِ رَسُولِ الله ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَسَمَّوْا بِاسْمِى، وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى، فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، أقْسِمُ بَيْنَكُمْ ".
٤ - (...) حدّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلامٌ، فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا. فَقُلْنَا: لا نَكْنِيكَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى تَسْتَأمِرَهُ. قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ وُلِدَ لِى غُلامٌ فَسَمَّيْتُهُ برَسُولِ اللهِ، وَإِنَّ قَوْمِى أَبَوْا أَنْ يَكْنُونِى بِهِ، حَتَّى تَستَأذِنَ النَّبِىَّ ﷺ . فَقَالَ: " سَمُّوا بِاسْمِى، وَلا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِى، فَإِنَّمَا بُعثْتُ قَاسِمًا، أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ".
(...) حدّثنا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثمِ الْوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى الطَّحَّانَ - عَنْ حُصَيْنٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: " فَإِنَّمَا بُعِثْت قَاسِمًا، أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ".
٥ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَسَمَّوْا بِاسْمِى، ولا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِى، فَإِنَى أَنَا أَبَو الْقَاسِمِ، أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ". وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ: " وَلا تَكْتنُوا ".
(...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " إِنَمَا جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ".
ــ
كتاب الأدب (١)
قال القاضى: ذكر مسلم فى أول أحاديث: " تسموا باسمى ": حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء وابن أبى عمر، قال: أبو كريب: أنبأنا، وقال ابن أبى عمر: حدثنا - واللفظ له - قال: حدثنا مروان الفزارى. كذا جاء في النسخ، وفيه إشكال؛ لأنه قال عن ابن أبى عمر وحده: حدثنا، ثم قال: قالا حدثنا. وصوابه: وقال ابن أبى عمر: حدثنا - واللفظ له - قال: حدثنا مروان فكرره (٢).
وقوله؟ نادى رجل رجلاً بالبقيع: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ،
стр. 3853
٦ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ، فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: " أَحْسَنَتِ الأَنْصَارُ، سَمُّوا بِاسْمِى، وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى ".
٧ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، كِلاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرُو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - وَحَدَّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةُ عَنْ حُصَيْنٍ. ح وَحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ، كُلهُمْ عَنْ سَالِم بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ وَمَنْصُورٍ وَسُلَيْمَانَ وَحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالُوا: سَمِعْنَا سَالِمَ بْنَ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِنَحْوِ حَدِيثِ مَنْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ مِنْ قَبْلُ. وَفِى حَدِيثِ النَّضْرِ عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: وَزَادَ فِيهِ حُصَيْنٌ وَسُلَيْمَانُ. قَالَ حُصَيْنٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا بُعثْتُ قَاسِمًا، أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ". وَقَالَ سُلَيْمَانُ: " فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ ".
ــ
فقال: إنى لم أعنك، إنما دعوت فلاناً، فقال ﵇: " تسموا باسمى، ولا تكنوا بكنيتى "، قال الإمام: ذهب جماعة من أهل (١) العلم إلى أن هذا مقصور على حياة النبى ﷺ ؛ لأنه قد ذكر سبب الحديث: أن رجلاً نادى: يا أبا القاسم، فالتفت النبى ﷺ ، فقال له: [إنى لم] (٢) أعنك، إنما دعوت فلاناً، فقال النبى ﷺ : " تسموا باسمى ولا تكنوا بكنيتى "، وقد أجاز مالك أن يتسمى محمدًا، ويكنى بأبى القاسم، وقد كان محمد بن أبى بكر جمع الأمرين الكنية والاسم، وجماعة من المحمديين (٣) ولم ينكر ذلك عليهم، وقد أخذ بعض الناس (٤) بظاهر الحديث ولم يقصره على زمن النبى ﷺ .
стр. 3854
(...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: وُلِدَ لِرَجُلٌ مِنَّا غُلام، فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَقُلْنَا: لا نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ، وَلا نُنْعِمُكَ عَيْنًا. فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ . فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: " أَسْمِ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ".
(...) وحدّثنى أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيعٍ. ح وَحَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - كِلاهُمَا عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: وَلا نُنْعِمُكَ عَيْنًا.
ــ
قال القاضى: كان المنافقون والمستهزئون يعنون النبى ﷺ بمثل هذا، فلما أجابهم قالوا: لم نعنك؛ استهزاء واستخفافاً، فنهى النبى ﷺ [عن هذا.
ففيه ما يجب من توقير النبى ﷺ ] (١) وتخصيصه بالبر والإكرام، وأن يتميز فى حقوقه من غيره، وقد قال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ (٢)، قيل فيه: لاتنادوه باسمه ولكن عظموه ووقروه، ونادوه بأشرف ما يحب: يا نبى الله، يا رسول الله، على أحد التأولين.
واختلف الناس، هل النهى عام أو خاص أو هو منسوخ؟ فذهب طائفة من السلف - وهو مذهب أهل الظاهر - إلى أن التكنى وحده بأبى القاسم ممنوع، كيف كان الاسم، على ظاهر هذا الحديث. وذهب آخرون من السلف إلى منع التكنى بأبى القاسم، وكذلك تسمية الولد: القاسم؛ لئلا يكون سببها التكنية، حتى غير مروان - حين بلغه الحديث - اسم ابنه عبد الملك، وكان اسمه القاسم، فسماه حينئذ عبد الملك، وفعله بعض الأنصار - أيضاً - وحجتهم ظاهر هذا الحديث أيضاً.
وذهب آخرون من السلف - أيضاً - إلى أن الممنوع الجمع بين الكنية والاسم، وأنه لا بأس بالتكنى بأبى القاسم مجردًا، ما لم يكن الاسم محمدًا أو أحمد، أو بالتسمية بأحمد أو محمد مجردًا، ما لم تكن التكنية بأبى القاسم. وروى فى ذلك حديث جابر عنه ﵇: "من تسمى باسمى فلا يتكنى بكنيتى، ومن تكنى بكنيتى فلا يتسمى باسمى" (٣).
وذهب آخرون إلى أن النهى فى ذلك منسوخ بالرخصة، والإباحة لذلك منهم بحديث على، وطلحة، واستشهاد على ناسًا أن النبى ﷺ رخص فى ذلك (٤) وهو قول
стр. 3855
٨ - (٢١٣٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : " تَسَمَّوْا بِاسْمِى، وَلا تَكَنَوْا بِكُنْيَتِى ". قَالَ عَمْرٌو: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَلَم يَقُلْ: سَمِعْتُ.
ــ
أكثر السلف، وقول جماعة فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وقد سمى جماعة ممن لا تنعد منهم أبناءهم: محمدًا، وكنوهم بأبى القاسم.
وذهب لطبرى إلى أن هذا ليس بنسخ، وأنما كان من النبى ﷺ على [جهة] (١) الندب لا [على] (٢) الإيجاب (٣).
قال القاضى: وهذا لا يخلصه من النسخ؛ فإن الندب حكماً من أحكام الشرع، وإذا نهى عن شىء لذلك ثم أباحه، فقد نسخ حكمه من الندب والكراهة إلى حكم الجواز والإباحة. وشذ آخرون، فمنعوا التسمية باسم النبى جملة، كيفما تكنى، وروى فى ذلك عن النبى ﷺ حديث: " تسموا (٤) أولادكم محمدًا، ثم تلعنوهم " (٥).
وقد كتب عمر إلى الكوفة: لا تسموا أحدًا باسم نبى. وأمر جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم (٦) محمدًا، حتى ذكر له جماعة أن النبى ﷺ سماهم بذلك فتركهم، والأشبه أن فعل عمر لهذا إعظامًا لاسم النبى وتوقيرًا له، كما جاء فى الحديث: " يسمون أبناءهم محمدًا، ثم يلعنونهم " (٧).
وقيل: إن سببه أنه سمع رجلاً يقول لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: فعل الله بك يا محمد وصنع بك، فدعا عمر به وقال: لا أرى رسول الله ﷺ يسب بك، والله لا تدعى محمدًا أبداً ما بقيت، وسماه بعبد الرحمن، فبذلك يعرف.
وقوله: " فإنما أنا قاسم، أقسم بينكم ": يشعر أن الكنية إنما تكون بسبب وصف
стр. 3856
٩ - (٢١٣٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ - وَاللَّفْظُ لابْنِ نُمَيْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنِ الْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُوَنِى. فَقَالُو ا: إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ (١). وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا. فَلَمَّاَ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: " إنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ ".
ــ
صحيح لازم فى المكنى، أو بسبب اسم ابنه (٢). وقد كان للنبى ﷺ ابن من خديجة اسمه القاسم، ولما ولد له من مارية إبراهيم جاء فى حديث: أن جبريل قال له: " السلام عليك يا أبا إبراهيم " (٣)، لكن ذلك جائز كيف كان. وقد قال النبى ﷺ لأخى أنس وهو صغير: " يا أبا عمير " (٤).
وفى هذا الحديث - وغيره من الأحاديث - جواز التكنى؛ لأن فيه إلطافاً وبراً وإكباراً عن ذكر اسم المكنى، وقد جاء فى حديث: " تكنوا، فإنه أكرم للمكنى " (٥) وقال عمر: " عجلوا بكنى أبنائكم، لا تسرع إليهم ألقاب السوء " (٦). ولا خلاف بين العلماء فى التكنية للرجل بابنه.
وقوله: " كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم ": حجة فى جراز التسمى بأسماء الأنبياء، وقد ذكر أبو داود وغيره حديثًا عن أبيه أنه قال فيه: " تسموا بأسماء الأنبياء" (٧)، وقد ذكر عن عمر: لا يتسمى أحد باسم نبى، وكتب بذلك إلى أهل الكوفة.
ولعل تأويله ماقدمناه؛ من تنزيه أسمائهم عن العبث (٨) بها فيمن سميت به، توقيراً لهم، وتنزيهاً عن ذم أسمائهم، وأن يسمى بها غيرهم. وقد سمى النبى ﷺ ابنه إبراهيم وسمى غيره محمدًا، وتسمى جماعة بأسماء الأنبياء فلم ينكر عليهم، وقد وردت الكراهة بالتسمى بأسماء الملائكة عن بعص العلماء، وروى ذلك عن الحارث بن
(٢) باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة، وبنافع ونحوه
١٠ - (٢١٣٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَمُرَةَ. وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. قَالَ: سَمِعْتُ الرُّكَيْنَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَب - قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُسَمِّىَ رَقِيقَنَا بِأَرْبَعَة أَسْمَاءٍ: أَفْلَحَ، وَرَبَاحٍ، وَيَسَارٍ، وَنَافِعٍ.
١١ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَن الرُّكَيْنِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تُسَمِّ غُلامَكَ رَبَاحًا، وَلا يَسَارًا، وَلا أَفْلَحَ، وَلا نَافِعًا ".
١٢ - (٢١٣٧) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ هِلالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ عُمَيلَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَحَبُّ الْكَلامِ إلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لله، وَلا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ. لايَضُرُّك بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ، وَلا تُسَمِّينَّ غُلامَكَ يَسَارًا، وَلاَ رَبَاحًا، وَلا نجِيحًا، وَلا أَفْلَحَ، فإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فلا يَكُونَ. فَيَقُولُ: لا ".
ــ
وقوله: " نهانا رسول الله ﷺ : أن نسمى رقيقنا بأربعة أسماء: أفلح، ورباح، ويسار، ونافع "، وفى الحديث الآخر: " نجيحًا " مكان " نافع "، وفى حديث جابر: نهانا أن يسمى [بيعلى] (١) أو بركة وأفلح ويسار ونافع، ونحو ذلك، وفى بعض نسخ مسلم: " يعلى " مكان " مقبل " والأشبه أنه تصحيف، والمعروف: " مقبل "، وقال أَخر الحديث: " ثم سكت عنها ": دل اختلاف هذه الروايات مع قوله: " ونحو ذلك " على أنه لم يختص هذه الأسماء المنصوصة، بل فى معناها؛ للعلة التى ذكرت فى الحديث فى كتاب مسلم من قوله: " أثم؟ " فلا يكون فيقول: " لا " بينه فى غير مسلم (٢)، يعنى: يقال: أثم أفلح أو نجيح؟، فيقال: لا.
وقول سَمُرَةَ: " إنما هى أربع، فلا تزيدوا علىَّ ": يعنى التى سمع، وروى هو، وإلا فقد جاء فى حديث جابر ما ذكرناه.
стр. 3859
إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ، فَلا تَزِيدُنَّ عَلَىَّ.
(...) وحدّثنا إِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنِى جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنِى أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِ زهُيْرٍ. فَأَمَّا حَدِيثُ جَرِيرٍ وَرَوْحٍ، فَكَمِثْلِ حَدِيثِ زهُيْرٍ بِقِصَّتِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ شُعْبَةَ فَلَيْسَ فِيهِ إِلا ذِكْرُ تَسْمِيَةِ الْغُلامِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَلامَ الأَرْبَعَ.
١٣ - (٢١٣٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَرَادَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَنْهِى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ، وَبِنَحْوِ ذَلَكَ. ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. ثُمَّ قُبِضَ رسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَرَكَهُ.
ــ
وقول جابر: " ثم سكت عنها ": دليل أنه ترك النهى، وأن نهيه أولاً إنما كان نهى تنزيه وترغيب؛ مخافة سوء القال، وما يقع فى النفس مما ذكره وعكس ما قصده المسمى بهذه الأسماء من حسن الفأل. وقد كان للنبى ﷺ غلام اسمه رباح، ومولى اسمه يسار، وسمى ابن عمر غلامه نافعاً.
وفل هذا كراهته اسم حزن وسماه سهلاً (١). وكراهية اسم حرب ومرة (٢) لقبح معانيها، وكراهة النفوس لها. وكذلك غير اسم غراب (٣) لتشاؤم العرب به، ولما فى اسمه من الغربة ولخبثه وفسقه.
وقد غير اسم شيطان (٤) وحُباب (٥)، وقيل أيضاً: لأنه اسم الحية. وغير اسم أصرم (٦)؛ لما فيه من ذكر الصرم وهو القطيعة (٧). واسم شهاب (٨)؛ لأنه شعلة من نار.
ذكر مسلم فى آخر الباب: حدثنا محمد بن أحمد بن أبى خلف، ثم ذكر بعده
стр. 3860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديث أحمد بن حنبل فى تغيير اسم عاصية (١)، وهما ثابتان فى النسخ للرواة إلا عند السمرقندى فسقطا له.
стр. 3861
(٣) باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، وتغيير اسم برة إلى زينب وجويرية ونحوها
١٤ - (٢١٣٩) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ. وَقَالَ: " أَنْتِ جَمِيلَةُ ". قَالَ أَحْمَدُ مَكَان " أَخْبَرَنِى ": " عَنْ ".
١٥ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ ابْنَةً لِعُمَرَ كَانَتْ يُقَالَ لَهَا: عَاصِيَةُ. فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جَمِيلَةَ.
١٦ - (٢١٤٠) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مَوْلَى آل طَلْحَةَ - عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ جُوَيْرِيَة اسمُهَا بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ. وَفِى حَدِيثِ ابْنِ أَبِى عُمَرَ، عَنْ كُرَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ.
ــ
وقوله: " كانت جويرية اسمها برة، فحول اسمها جويرية "، وكان [يكره] (١) أن يقال. خرج من عند برة، وقوله: " إن زينب كان اسمها برة فقال: تزكى نفسها، فسماها زينب "، ذكر ذلك فى ابنة جحش وفى بنت أبى سلمة، ونهى عن هذا الاسم، وقال: " لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم ": فقد بين (٢) فى هذين الحديثين علة تغيير هذين الاسمين وما فى معناهما من التزكية أو مخافة سوء الفأل. وكره مالك التسمى بمهدى لما فيه من التزكية - والله أعلم.
وقوله: " إن ابنة لعمر كان يقال لها: عاصية، فسماها رسول الله ﷺ جميلة (٣) ":
стр. 3862
١٧ - (٢١٤١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ، سَمِعْتُ أَبَا رَافِعٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَة. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ ابْنِ مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ. فَقِيلَ: تُزَكِّى نَفْسَهَا، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ. وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لهَؤُلاءِ دُونَ ابْنِ بَشَّار. وَقَالَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ.
١٨ - (٢١٤٢) حدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطِاءٍ، حَدَّثَتْنِى زَيْنَبُ بِنْتُ أَمِّ سَلَمَةَ. قَالَتْ: كَانَ اسْمِى بَرَّةَ، فَسَمَّانِى رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْنَبَ.
قَالَتْ: وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَاسْمُهَا بَرَّةُ، فَسَمَّاهَا زَيْنَبَ.
١٩ - (...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ ابْنِ أَبِى حَبِيبٍ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمَّيْتُ ابْنَتِى بَرَّةَ. فَقَالَتْ لِى زَيْنَبُ
ــ
ففيها النهى عن التسمى بما فيه تزكية، أو بما فيه قبح (١) من الأسماء، أو شارك فى معناه صفات الذم؛ من العصيان وشبه ذلك، ألا ترى أنه قد نبه فى الحديث المتقدم - فِى الجهاد - أنه غير اسم العاص بن الأسود بالمطيع.
وقد غير ﵇ اسم حكيم وعزيز لما فيه من التسمية (٢) بأسماء الله وصفاته، وكذلك بـ " ملك الأملاك " لما فى ذلك من التعاظم والكبر المذموم عند الله، وأن " ملك الأملاك " صفة لا تليق بغير الله - تعالى - كما ذكر فى الحديث. وكذلك الذى تسمى بـ " عتلة " لما فيه من القوة والوصف بالغلظة، وهو من جهة الكبر والتجبر.
وفيه تحويل الأسماء إلى ما هو أحسن وأولى، وذلك على طريق الندب والترغيب، إلا
стр. 3863
بِنْتُ أَبِى سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا الاِسْمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا تَزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ، اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ "، فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: " سَمُّوهَا زَيْنَبَ ".
ــ
ما جاء فى " ملك الأملاك "، فذلك ممنوع بالجملة وحرام وقد جاء فيه [من] (١) الوعيد.
стр. 3864
(٤) باب تحريم التسمى بملك الأملاك، وبملك الملوك
٢٠ - (٢١٤٣) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَثِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ - قَالَ الأَشْعَثِىُّ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخرَانِ: حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " إِنَّ أَخْنَع اسْمٍ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأمَلاكِ ". زَادَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ فِى رِوَايَتِهِ: " لا مَالِكَ إِلا اللهُ ".
قَالَ الأَشْعَثِىُّ: قَالَ سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو عَنْ أَخْنَعَ؟ فَقَالَ: أَوْضَعَ.
ــ
وقوله: " أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله ": فسره أبو عمر، فى الكتاب بمعنى: أوضع، أى أشد ذلاً وصغارًا. وفيه تجوز على حذف المضاف أن ذلك راجع إلى أصحابها والمسمين بها عند الله بقدر ما قصدوا من ضد ذلك، ويدل عليه قوله فى الرواية الأخرى: " أغيظ رجلٍ على الله يوم القيامة ". وقد يستدل بهذا على أن الاسم هو المسمى.
وقيل: " أخنع " بمعنى: أفجر، يقال: خنع الرجل إلى المرأة وخنعت إليه: إذا أتاها إلى الفجور، وهذا بمعنى " أخبث " فى الرواية الأخرى، أى أكذب الأسماء، وقيل: أقبح وأفجر (١): [وجاء فى بعض روايات البخارى " أخنا " (٢) وهو بمعنى ما تقدم، أى أفحش وأفجر] (٣).
والخنا: الفحش ويكون أيضاً بمعنى: أهلك لصاحبه المسمى بذلك. والإخناء: الهلاك، يقال: أخنا عليه الدهر: أهلكه، وخنا الدهر: أماته، وقد ذكر أبو عبيد أنه روى: " أنخع "، أى أقتل وأهلك، والخنع: القتل الشديد (٤).
стр. 3865
٢١ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبَّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ، رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ، لا مَلَكَ إِلا اللهُ ".
ــ
وقوله: " وأخبثه وأغيظه عليه " كذا جاءت الرواية فى جميع النسخ: " أغيظ " تكرراً فى الموضعين من الغيظ، وليس وجه الكلام، ولا شك أن فيه وهماً إما من تكريره أو من تغييره. قال بعض الشيوخ (١): لعل أحدهما: " أغنط " بالنون والطاء المهملة، أى أشده عليه. الغنط: شدة الكرب، وكلا اللفظين مشكل المعنى.
قال الإمام: " أغيظ " هنا مصروف عن ظاهره، والبارى - سبحانه - لا يوصف بالغيظ، وقد يريد به هاهنا معنى الغضب، وقد تقدمت الإشارة إلى معنى الغضب والرحمة، وبسطنا القول فى الطلاق (٢) هذه التسميات والمراد ما يكون عنها على حسب ما تقدم بيانه فى مواضعه (٣).
قال: والأسماء تكره لمعانٍ: أحدها: ما ذكر فى الحديث المتقدم فى " رباح وأفلح ". والثانى: يقبح المعنى المشتق منه كتغييره اسم عاصية بجميلة، وقد يكره أيضاً لتزكية النفس، كنهيه عن اسم برة، وتغييره اسمها، وقال: " لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم " (٤)، فقالوا: بم نسمها؟ قال: " سموها زينب "، وفى بعض طرقه: فحول اسمها جويرية (٥)، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة، وهذا يعود إلى المعنى الأول، فقد يكره لما فيه من التعظيم والكبر كالتسمية بملك الأملاك.
قال القاضى: مفهوم ما ذكره فى تغيير اسم برة بزينب وجويرية: أنه اختلاف فى أسم امرأة واحدة وليس كذلك، وإنما هى ثلاثة أحاديث فى ثلاث نسوة بينة فى الكتاب غير مشكلة؛ أحدهما: فى جويرية بنت الحارث، والأخرى: فى زينب بنت جحش، والثالث: فى زينب بنت أبى مسلمة، ربيبته.
وقوله: " قال سفيان مثل: شاهان شاه ": كذا روايتنا فى هذا الكتاب، وفى رواية: " شاه شاه "، قال بعضهم: قول من قال فى هذا: " شاه شاهان " بالعكس أصوب، وكذا جاء فى بعض الأخبار عن كسرى وشاه ملك، وشاهان الملوك، وكذلك يقولون فى
стр. 3866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قاضى القضاة: موبذ موبذان.
قال القاضى: ولا ينكر ما جاءت به الرواية من لا ينكر فى كلام العجم قلب الكلام والتشبيه، فهو أصل من أصول كلامهم، كأنهم يقولون: الملوك هذا ملكهم، وكذلك أكثر كلامهم. وفسر الحديث عن سفيان: هو أن يتسمى بأسماء الله، كالعزيز، والجبار، والرحمن، وغيره.
стр. 3867
(٥) باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته وحمله إلى صالح يحنكه وجواز تسميته يوم ولادته، واستحباب التسمية بعبد الله وإبراهيم وسائر أسماء الأنبياء ﵈
٢٢ - (٢١٤٤) حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّاد، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن ثابِتٍ الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ بَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلَحَةَ الأَنْصَارِى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ وُلِدَ. وَرَسُوَلُ اللهِ ﷺ فِى عَبَاءةٍ يَهْنَأُ بَعِيرًا لَهُ. فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ تَمْرٌ؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَنَاوَلْتُهُ تَمَرَاتٍ، فَأَلْقَاهُنَّ فِى فِيهِ، فَلاكَهُنَّ، ثُمَّ فَغَرَ فَا الصَّبِىِّ فَمَجَّهُ فِى فِيهِ،
ــ
وقوله: " [ذهبت] (١) بعبد الله بن أبى طلحة حين وُلِدَ، ورسول الله ﷺ ": فيه التبرك بالصالحين ودعائهم، وأن هذه سورة (٢) حسنة فى المولود: أن يذهب به للرجل الصالح والعالم يدعو له ويسميه.
وقوله: " فوجدته فى عباءة ": هى كساء فيه خطوط سود واسعة، وجمعه عباء.
وقوله: " يهنأ بعيراً له "، قال الإمام: قال أبو عبيد: يقال: هنأت البعير أهنأه وأهنوه، والهناء: القطران، قال الشاعر:
مبتذلاً تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النقب (٣)
وقوله: " فتناول تمرات فألقاها فى فيه فلاكهن "، قال القاضى: أى مضعهن وردهن فى فيه ليرطبهن للصبى، واللوك يختص بمضغ الشىء الصلب.
وقوله: " فغر فا الصبى فمجه فى فيه "، قال الإمام: فغره: أى فتحه.
قال القاضى: ومجه فيه: أى طرحه، والمج: الطرح من الفم من مائع، وهو مثل قوله فى حديث ابن الزبير: " فمضغها ثم بصقها فى فيه ".
قوله: " فجعل الصبى يتلمظه ": أى يحرك لسانه لطلبه فى فيه. والتلمظ واللمظ: فعل ذلك باللسان إثر الأكل لتتبع بقاء الطعام فى الفم والشفتين، وأكثر ما يستعمله الإنسان فيما يستطيبه. واسم الذى فى الفم منه: لُماظة بضم اللام.
стр. 3868
فَجَعَلَ الصَّبِىُّ يَتَلَمَّظُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " حُبُّ الأَنْصَارِ التَّمْرُ "، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ.
٢٣ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأَبِى طَلْحَةَ يَشْتَكى، فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصَّبِىُّ. فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِى؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هُوَ أَسْكَنُ مِمَّا كَانَ. فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا. فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِىَّ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: " أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ.
ــ
وقول النبى ﷺ : " حب الأنصار التمر، وسماه عبد الله "، ومثله فى حديث ابن الزبير: " وأنه مسحه وصلى عليه " أى دعى، كما قال فى الحديث الآخر، وذكر أيضاً فى حديث أبى موسى: " ولد لى غلام فأتيت به النبى ﷺ ، فسماه إبراهيم، وحنكه بتمرة " وفى حديث سهيل (١): " أنه سمى ولد أبى أسيد: المنذر ": فى هذا كله جواز التسمى بالأسماء الحسنة والصحيحة المعنى والسالمة من الوجوه المتقدمة المذكورة، وأن قوله: " أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن " غير مانع من التسمية بغير ذلك؛ إذ لو اقتصر الناس على التسمية بذلك وشبهه لاشتبهت الأسامى ولم يقع التمييز والتعارف التى لأجلها وضعت.
وفيه أن فعل [مثل] (٢) هذا من تحنيك الصبى مستحسن ولاسيما بالتمر؛ اتباعاً لفعل النبى ﷺ وتبركاً باتباعه، وإنما فعلوا ذلك ليكون أول شىء يدخل فى جوفه ما خالط ذلك من ريق النبى ﵇.
وفيه: جواز تسمية المولود حين يولد. وفيه ما كان ﵇ من كرم الأخلاق وحسن العشرة من وضع الأطفال والمواليد على فخذه وفى حجره.
وفى قصة أبى طلحة وأم سليم وقولها فى ابنه حين مات: " هو أسكن مما كان " حتى تعشى أبو طلحة [وأم سليم] (٣) وأصاب من زوجته: ما كانت عليه أم سليم من الفضل والصبر والتسليم. وفيه جواز المعاريض، وأنها ليست من الكذب، كما يقال: فى المعاريض مندوحة عن الكذب؛ إذ أرادت هى سكون حركاته بالموت، وجاءت بلفظ مشترك، وفهم أبو طلحة منه سكون ما به من وجع وألم.
وقوله ﵇: " أعرستم الليلة ": كناية عن المجامعة، قال الأصمعى: يقال: أعرس الرجل: إذا دخل بامرأته، ولا يقال فى هذا: عرّس، وقال الخليل:
٢٦ - (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ؛ أَنَّهَا حَمَلَتْ، بِعَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءٍ، فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَضَعَهُ فِى حَجْرِهِ، ثُمِّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَلَ فِى فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَىْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُوَدٍ وُلِدَ فِى الإسْلامِ.
(...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكَرٍ؛ أَنَّهَا هَاجَرَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهِىَ حُبْلَى بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ.
٢٧ - (٢١٤٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ - يَعْنِى ابْنَ عُرْوَةَ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانَ، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَنِّكهُمْ.
ــ
وقوله فى حديث أسماء: " أنها حملت بعبد الله بمكة قالت: فخرجت وأنا متم فأتينا المدينة ": كذا وجدته مضبوطاً فى كتابى الذى سمعته وقيدته عن شيوخنا الأسدى وغيره بسكون التاء، [وعند ابن عيسى] (١) " متم " بكسر التاء، وكذا فى سائر النسخ. ولغيره وهو أصوب؛ لأنها قد ذكرت أنها وضعت قبل وصولها للمدينة بقباء، وكذا ذكره البخارى (٢)، يقال للمرأة إذا حان لها أن تضع، قاله الكسائى. وأما " المتم " بالسكون: فالتى تأتى بتوأمين معًا فى بطن وليس من هذا - والله أعلم - ممن جاء الوهم فيه.
وفى الحديث كله مناقب لابن الزبير من أنه أول شىء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ، وأنه دعى له وبارك عليه، وأنه أول مولود ولد فى الإسلام.
وفى قوله: " مسحه وصلى عليه ": أى دعى، جواز المسح على من يدعى له من مريض أو غيره، وقد كان النبى ﷺ يفعل ذلك، وفعله الأنبياء والفضلاء والصالحون.
قال الإمام: ذكر مسلم سند حديث أبى طلحة فى الباب: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك. هكذا جاء فى الإسناد: " ابن سيرين " غير مسمى. وأخرجه البخارى عن نضر، عن
стр. 3871
٢٨ - (٢١٤٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جِئْنَا بعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ يُحَنِّكُهُ، فَطَلَبْنَا تَمْرَةً، فَعَزَّ عَلَيْنَا طَلَبُهَا.
٢٩ - (٢١٤٩) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنِ سَهْلٍ التَّمِيمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - وَهُوَ ابْنُ مُطَرِّفٍ، أَبُو غَسَّانَ - حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أُتِىَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِى أُسَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ وُلِدَ - فوَضَعَهُ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى فَخِذِهِ، وَأَبُو أُسَيْدٍ جَالِسٌ. فَلَهِىَ النَّبِىُّ ﷺ بَشَىْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَأَمَرَ أَبُو أُسَيْدٍ بِابْنِهِ فَاحْتُمِلَ مِنْ عَلَى فَخِذِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَقْلبُوهُ، فَاسْتَفَاقَ رَسُولُ الله ﷺ . فَقَالَ: " أَيْنَ الصَّبِىُّ؟ ". فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أَقْلَبْنَاهُ يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ: " مَا اسْمُهُ؟ ". قَالَ: فُلانٌ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " لا، وَلَكِنِ اسْمُهُ الْمُنْذِرْ " فَسَمَّاَهُ - يَوْمَئِذٍ - الْمُنْذِرَ.
ــ
يزيد بن هارون، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك. فسماه (١).
قال القاضى [وقوله] (٢) فى حديث أبى أسيد: " فنهى (٣) عنه ": كذا رويناه بفتح الهاء، يقال: لهيت عن الشىء، بالكسر، ألهى عنه: إذا انصرفت عنه، ولهى عنه، بالفتح: إذا اشتغل عنه بطرب أو نحوه، وألهانى كذا وكذا: شغلنى، ومنه قول عمر: " ألهانى السفق بالأسواق " (٤)، وقيل: " لهى " لغة طىء فى هذا الباب، وكذا رقى وثوى وتوى وغيرهم يقولون: لهى ورقى وثوى وتوى بالكسر. وأما من اللهو فلا يقال: إلا لهى، بالفتح، يلهو.
قوله: " فأقلبوه ": أى صرفوه، كذا رويناه فى الكتاب، والمعروف فى مثل هذا قلبوه مخففاً ثلاثياً، قال صاحب الأفعال: قلبت الشىء: رددته، وقلبت الصبى. قال الأصمعى: ولا يقال: أقلبته، وتسميته [له] (٥) بالمنذر، قيل: لموت ابن عم أبيه المنذر بن عمرو، استشهاده يوم بئر معونه، وهو كان أميرهم وهو المنعى (٦) ليموت تفاؤلاً ليكون خلفاً منه، وكلاهما من بنى ساعدة. وأبو أسيد أبوه مالك بن ربيعة، بضم الهمزة. وحكى ابن مهدى فيه عن سفيان بن أبى أسيد، بفتحها. قال ابن حنبل: وبالضم قاله عبد الرزاق ووكيع، وهو الصواب.
стр. 3872
٣٠ - (٢١٥٠) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ، سُلَيْمَان بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِث، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًاَ، وَكَانَ لِى أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ. قَالَ: أَحْسبُهُ قَالَ: كَانَ فَطِيمًا. قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَآهُ قَالَ: " أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ ". قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ بِهِ.
ــ
قوله: " كان لى أخ يقال له أبو عمر (١) " أحسبه قال: " فطيمًا "، فكان إذا جاء رسول الله ﷺ فرآه قال: " أبا عمير، ما فعل النغير " قال: فكان يلعب به، النغير: تصغير النغر، وهو طائر. قال صاحب العين: النغر: فراخ العصافير، الواحدة نغرة، والنغر أيضاً ضرب من الحمر (٢). وقال الخطابى: النغر: طائر صغير، ويجمع نغران (٣).
قال الإمام: وفيه من الفقه جواز صيد المدينة وقد تقدم ذكره، وجواز التكنية للصغير ولايكون كذَّاباً، واستعمال السجع فى بعض الأحايين (٤).
قال القاضى: وفيه جواز المزاح والدعابة فيما ليس فيه إثم، وفيه جواز تصغير بعض الأسماء والمخلوقات، وفيه جواز لعب الصبى بالطير الصغير. ومعنى هذا اللعب عند العلماء إمساكه له وتلهيته بحبسه لا بتعذيبه والعبث به، وفيه ما كان عليه ﵇ من الخلق الحسن والعشرة الطيبة مع الصغير والكبير، والانبساط إلى الناس.
وقوله فى كتاب مسلم: " ما فعل النغير " قال: فكان يلعب به، كذا له. قال بعضهم: لعل هذا الكلام راجع إلى النبى ﷺ ، أى يمازحه. وسمى اللعب مزاحاً كما جاء فى الحديث الآخر (٥): " يمازحه "، والأظهر هنا فى قوله: " يلعب هنا به " عائد إلى النغير، كما فسره فى الرواية الأخرى: " كان نغيراً يلعب به فمات " (٦).
стр. 3873
(٦) باب جواز قوله لغير ابنه: يا بنى، واستحبابه للملاطفة
٣١ - (٢١٥١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ. قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا بُنَىَّ ".
٣٢ - (٢١٥٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى عُمَرَ - قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: مَا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَحَدٌ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَقَالَ لِى: " أَىْ بُنَىَّ، وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟ إِنَّهُ لَنْ يَضُرَّكَ ". قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَعَهُ أَنْهَارَ الْمَاءِ وَجِبَالَ الْخُبْزِ. قَالَ " هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ ".
(...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ ابْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيَل، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ لِلْمُغِيرَةِ: " أَىْ بُنَىَّ " إِلا فِى حَدِيثِ يَزِيدَ وَحْدَهُ.
ــ
وقوله: " يا بنى ": فيه جواز قول الرجل للصبى والشاب: يا بنى، ويا ولدى. وجواز تصغير ذلك كما هنا. وتحقيقه: أنك فى السن بمنزلة ولدى، أو فى الحنان والمحبة.
وقوله فى الدجال: " وما ينصبك منه: من النصب والمشقة أى ما يشق عليك ويعنتك، وهو ناصب، بمعنى: منصب شاق. وهذه رواية الكافة، وفى رواية الهوزنى: " مضيك " (١) بالضاد بعدها ياء باثنتين تحتها، وهو بعيد - والله أعلم - بعد التخريج، وأقرب ما فيه من معانى هذه اللفظة: الهزال، جمل نضو: أنضاه السفر أى أهزله، والرجل مثله وهو فى الدواب أكبر (٢) استعمالاً، فإن صحت هذه الرواية فمعناه قريب من الأول، أى ما تهمك (٣) حتى يهزلك ويذهب يجدها (٤).
وقوله فى الدجال: يزعمون أن معه أنهار الماء وجبال الخير (٥)، " هو أهون على الله من ذلك " مع ما جاء فى الأحاديث الأخر مما يظهره الله من الفتن والعجائب على يديه، قد جاء الكلام عليها مستوفياً آخر الكتاب.
стр. 3874
(٧) باب الاستئذان
٣٣ - (٢١٥٣) حدّثنى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا - وَاللهِ - يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ، فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا أَوْ مَذْعُورًا. قُلْنَا: مَا شَأنُكَ؟ قَالَ: إِن عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَىَّ أَنْ آتِيَهُ. فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَسَلَّمْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأَتِيَنَا؟ فَقُلْتُ: إِنِّى أَتَيْتُكَ، فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلاثًا، فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَىَّ، فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَاَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "إِذا اسْتَأذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعُ ". فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبينَّةَ وَإلا أَوْجَعْتُكَ.
فَقَالَ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ: لا يَقُومُ مَعَهُ إِلا أَصْغَرُ الْقَوْمِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قُلْتُ: أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ قَالَ: فاذهَبْ بِهِ.
(...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِى عُمَر، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ فِى حَدِيثِهِ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ، فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ فَشَهِدْتُ.
٣٤ - (...) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بن الأشَجِّ؛ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: كُنَّا فِى مَجْلِسٍ عِنْدَ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَتَى أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِىُّ مُغْضَبًا حَتَّى وَقَفَ. فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللهَ، هَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " الاسْتِئْذَان ثَلاثٌ، فَإِنْ أُذْنَ لَكَ، وِإلا فَارْجِعْ ". قَالَ أُبَىٌّ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: اسْتَأذَنْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمْسِ
ــ
حديث الاستئذان
وقصة أبى موسى فى ذلك مع عمر بن الخطاب إذا استأذن عليه ثلاثاً فرجع.
وقوله: إن النبى ﷺ قال: " إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع " وقول عمر له: أقم البينة عليه وإلا أوجعتك - الحديث، قال الإمام: الاستئذان مشروع، وقد جاء الحديث بكونه ثالثاً. وأختلف أصحابنا: إذا ظن أنه لم يسمع هل يزيد على هذا العدد؟
٣٦ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ؟ أَنَّ أَبَا مُوسَى اسْتأذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلاثًا، فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولاً، فَرَجَعَ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ تَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، ائذَنُوا لَهُ، فَدُعِىَ لَهُ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا. قَالَ: لَتُقِيمَنَّ عَلَى هَذَا بَيِّنَةً أَوْ لأَفْعَلَنَّ. فَخَرَجَ فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالُوا: لا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلا أَصْغَرُنَا. فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ فقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا. فَقَالَ عُمَرُ: خَفَى عَلَىَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَلْهَانِى عَنْهُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ.
(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ. ح وَحَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ - يَعْنِى ابْنُ شُمَيْل - قَالا جَمِيعًا حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِى حَدِيث النَّضْرِ: أَلْهَانِى عَنْهُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ.
٣٧ - (٢١٥٤) حدّثنا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ، قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ. فَلَمْ يَأذَنْ لَهُ. فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، هَذَا أَبُو مُوسَى: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، هَذَا الأَشْعَرِىُّ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: رُدُّوا عَلَىّ، رُدُّوا عَلَىَّ. فَجَاءَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا رَدَّكَ؟ كُنَّا فِى شُغْلٍ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " الاسْتِئْذَانُ ثَلاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلا فَارْجِعْ ". قَالَ: لَتَأتِيَنِّى عَلَى هَذَا
ــ
والاستئذان صورته أن يقول: السلام عليكم. وهو بالخيار أن يسمى نفسه مع هذا أو يقتصر على التسليم.
وقد ذكر مسلم فى بعض طرقه أن أبا موسى قال: السلام عليكم هذا عبد الله بن قيس، السلام عليكم هذا أبو موسى، السلام عليكم هذا الأشعرى، فأضاف إلى السلام تسميته. وخالف بين ألفاظها [طلباً] (١) للتعريف لئلا يكون جهل الأول فعرف بالثانى، وكنى نفسه لعله ظن أن به يعرف.
وقد تعلق من رد خبر الواحد بقول عمر لأبى موسى: " أقم عليه البينة وإلا أوجعتك "، وهذا لا تعلق فيه؛ لأن من يرد خبر الواحد لا يلزمه أن يضرب المخبر إذا لم يتبين كذبه،
стр. 3877
بِبَيِّنَةٍ، وَإِلا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ. فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى.
قَالَ عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْد الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً فَلَمْ تَجِدُوهُ. فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِىِّ وَجَدُوهُ. قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا تَقُولُ؟ أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُبَىَّ ابْنَ كَعْبٍ. قَالَ عَدْلٌ. قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ يا ابْنَ الْخَطَّابِ؛ فَلا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ؛ إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ.
ــ
وعمر قد تهدده هاهنا.
قال بعض الناس: إنما هذا حرص على التقليل من الخبر عن النبى ﷺ ، ولئلا يكون إكثار الثقات سبباً لتقول الكذب على رسول الله ﷺ ما لم يقل، وقد روى عن عمر - رضى الله عنه - أنه قال: " أقلوا الخبر عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم " (١). قيل: معناه: شريككم فى التقليل، ومما يؤيد أنه لم يذهب المذهب الذى ذهبوا إليه: أنه قال له فى بعض طرق مسلم: " يا أبا موسى، أوجدت؟ قال: نعم، أبى بن كعب، قال: عدل، قال: يا أبا الطفيل، ما يقول هذا؟ قال: سمعت النبى ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطاب، فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: سبحان الله، إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت ". وقيل: إنما ذلك، لأنه صار كالدافع عن نفسه المعتذر عن فعله، فطلب شهادة غيره.
وقوله: " ألهانى عنه الصفق بالأسواق ": قال الأزهرى: الصفاق: الكثير الأسفار والتصرف فى التجارة، وقال غيره: لأنهم (٢) كانوا يصفقون أيديهم عند المبايعة، وسميت المبايعة بذلك فيكون المراد: ألهانى التجر فى الأسواق.
قال القاضى: اختصاصه بالثلاث لئلا يخفى صوته، واستئذانه فى المرة الأولى، فكرر ثانية للبيان، ثم ثالثة لذلك، وليكون وتراً. وكذلك كان ﵇ يكرر كثيراً مما يأمر به، ويؤكده ثلاثاً لهذين المعنيين - والله أعلم.
فيه القيام بالحق بين أيدى الخلفاء لقول أبى لعمر ما قال. وفيه حماية الأئمة للشرع والتبيين أن يزاد فيها أو يتقول على النبى ﵇ شىء. وفيه التغليظ بالقول.
ويحتمل قوله: " لأجعلنك عظة، أو لأوجعن ظهرك وبطنك " أن يكون إذا تبين له أنه قال على النبى ما لم يقل وافترى عليه، لاسيما من قول أبى موسى: " هكذا كنا نؤمر "،
стр. 3878
(...) وحدّثناه عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ طَلْحَةَ ابْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا منْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَلا تَكُنْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَمَا بَعْدَهُ.
ــ
فأحال القصة على جماعة، وسنة فاشية عندهم إن لم يجد ما ساعده عليها فيطرأ الوهم عليه.
وأما ضحكهم من ذعر أبى موسى فلعجب رأوه من فرط هلعه وخوفه من إنفاذ عمر وعيده فيه لظاهر قوة لفظه، وكانوا قد أمنوا أن يجرى عليه شىء من دلك لملمهم بقوة حجته وسماعهم ما أنكر عليه من النبى ﵇ فلم يهتموا بأمره.
стр. 3879
(٨) باب كراهة قول المستأذن: أنا، إذا قيل: من هذا ؟
٣٨ - (٢١٥٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، فَدَعَوْتُ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " مَنْ هَذَا؟ ". قلْتُ: أَنَا. قَالَ: فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: " أَنَا، أَنَا!! ".
٣٩ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لأبِى بَكْرٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا - وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: اسْتَأذَنْتُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ: " مَنْ هَذَا؟ " فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : "أَنَا، أَنَا!! ".
(...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنِى وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِهِمْ: كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ.
ــ
وقوله: فى حديث جابر: " أتيت النبى ﷺ فدعوت، فقال النبى ﵇: من هذا؟ " قلت: أنا، فخرج وهو يقول: " أنا أنا "، وفى بعض طرقه: " كأنه كره ذلك ": قيل: إنما كره ﵇ هذا من قوله؛ لأنه لم يزده من قوله: " أنا " إلا إبهاماً لما استفسره من قوله: " من هذا؟ " إذ لا يقتضى " أنا " تفسيراً وتعنيفاً (١) إلا لمن يعرف الصوت (٢)، وإلا فهو تعنيفاً (٣) غير مفيد، وقيل: بل أنكر عليه الاستئذان بالدق وتغيير السلام؛ لأنه فى غير كتاب مسلم: " فدققت الباب " (٤). واستدل به بعضهم على جواز ذلك، وجواز ضرب باب الحاكم وإخراجه (٥). وقد كره بعض العلماء أن يكون الاستئذان بغير السلام (٦)، والذى جاء فى الآثار الجمع بينهما، وفى حديث أبى موسى [" السلام عليكم هذا أبو موسى "] (٧) وفى حديث عمر: " السلام عليكم أيدخل عمر؟ " (٨) وهذا قد يعرف صوته ويميز كلامه.
стр. 3880
(٩) باب تحريم النظر فى بيت غيره
٤٠ - (٢١٥٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا الَّليْثُ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِىَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ فِى جُحْرٍ فِى بَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِدْرَى يَحُكُّ بِهِ رَأسَهُ، فَلَمَّا رآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِى لَطَعَنْتُ بِهِ فِى عَيْنِكَ ". وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ ".
٤١ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ الأَنْصَارِىَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِى بَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِدْرً ى يُرَجِّلُ بِهِ رَأسَهُ. فَقَالَ لَهُ رسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، طَعَنْتُ بِهِ فِى عَيْنِكَ، إِنَّمَا جَعَلَ اللهُ الإِذْنَ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ ".
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرُو النَّاقِدُ وَزُهَيْرٌ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِياَدٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، كِلاهُمَا عَنِ الْزُّهْرِىِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ وُيونُسَ.
ــ
وقوله: " أن رجلاً اطلع فى جحر من باب رسول الله ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مدرى يحك بها رأسه ". وفى رواية: " يرجل "، وقول النبى ﵇: " لو أعلم أنك تنظرنى لطعنت بها فى عينك، إنما جعل الإذن من أجل البصر "، وفى الحديث الآخر: " فكأنى أنظر إلى النبى يختله ليطعنه "، وفى الأخرى: " لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح ": المدرى، بكسر الميم: المشاط (١)، وقال ثابت: نحو المشط، وقيل: هى أعواد تحدد وتجمع صفافاً يجعل منها شبه المشط، تجمع مدارى. قال النضر: المدرى: هو من عاج تنشر به المرأة شعرها وتجعده وترفعه فى السماء ثم تضعه. قال ابن كيسان: هو عود تدخله المرأة فى شعرها لتضم بعضه إلى بعض، وبه يشبه القرن، قاله ثابت، ومن أثبه (٢) قال:
стр. 3881
٤٢ - (٢١٥٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى وَأَبِى كَامِلٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصِ أَوْ مَشَاقصَ، فَكَأَنِّى أَنْظُر إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ.
ــ
مدرارة (١) قال: ويقال: مدرية، قال غيره ويقال: مدراية.
وقوله: " يحكه " يفسره قوله: " يرجل ". وفيه جواز ترجيل الشعر، وأنه من زى النبى ﵇[وأصحابه - رضى الله عنهم - وقد جاءت به الأحاديث من فعله ﷺ ] (٢) بذلك وهو من النظافة وتحسين الزى وإكرام الشعر، وكره من ذلك الإكثار وهو الذى جاء فيه الحديث النهى عن الأرفاه، وفسره فى الحديث: الترجل فى كل يوم، ولأنه (٣) خارج عن عادة الرجال ويشبه بعادة النساء واشتغال لازم بزينة الدنيا، ومضادة لقوله فى الحديث [الآخر] (٤) التذاذه (٥) من الإيمان، يريد فى بعض الأحيان، فلا يغفل عن الترجل بيده حتى يتشعث وتنكر حالته وصورته حتى يكون ثائر الرأس كأنه شيطان، ولا يواظب على ذلك كل يوم حتى يكون فى عدد المترفين والمشبهين بالنساء فى لزوم الزينة. وهذا يجمع هذه الأحاديث إن شاء الله تعالى وقد روى [الحديث] (٦) المذكور: " كان النبى ﷺ ينهى عن كثير من الأرفاه "، وهذا اللفظ يبين ما ذكرناه.
وقوله: " إنما جعل الإذن من أجل البصر ": تنبيه على علة الاستئذان. وفيه حجة للعاصين (٧) وأصحاب المعانى، ورد على أهل الظاهر عن المانعين من ذلك. ومعنى " يختله ": أى يراوغه ويغفله. وأصله الحذر، ومخادعة العبيد ومراوغته.
وقوله: " فحذفته " بالحاء: أى رميته بحجر من (٨) أصبعيك، وقد تقدم تفسيره فى أول الكتاب. [وبعده] (٩).
قال الإمام: قد تقدم الكلام على هذه الأحاديث، وذكرنا الخلاف بين العلماء وبين أصحابنا فى ضمان العين لو فقئت على هذه الصفة، عند كلامنا على المعضوض أصبعه فاندر ثنية العاض، فيطالع هناك.
стр. 3882
٤٣ - (٢١٥٨) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " مَنِ اطَّلَعَ فِى بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤُوا عَيْنهُ ".
٤٤ - (...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَوْ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنِ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفقَأتَ عَيْنَهُ، ما كان عَلْيْكَ مِنْ جُنَاحٍ ".
ــ
وقوله ﵇: " [فقد حل لهم] (١) أن يفقؤوا عينه ": فحمله على أنه لم ينزجر ولا قدروا على كفه عن النظر إلى عورتهم إلا بفعل أدى إلى ذهاب عينه.
قال القاضى: وقيل فى هذا كله: إنه على طريق التغليظ والزجر والمبالغة فى التكبر (٢).
وقوله: " لو علمت أنك تنتظر فى ": كذا الرواية لغير العذرى، وعند العذرى: " تنظرنى " وهو الصواب. النظر يقع بمعنى الانتظار ولا يقع الانتظار بمعنى النظر إلا على تجوز من تكلف [المنظر مثل النظر] (٣).
стр. 3883
(١٠) باب نظر الفجأة
٤٥ - (٢١٥٩) حدّثنى قُتَيْبَةَ بنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، كِلَاهمَا عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِى أَنْ أَصْرفَ بَصَرِى.
ــ
وقوله: " سألته عن نظرة الفجاءة، فأمرنى أن أصرف بصرى ": الفجاءة، مهموز ممدود: ما كان من غير قصد، يقال: فجاءة الأمر وفجأه أيضاً. ومعنى: نظرة الفجاة: التى لم يقصد صاحبها تأملها والنظر إليها، فتلك معفو عنها. والنهى عنه المحرم من ذلك إدامة النظر وتأمل المحاسن على وجه التلذذ والاستحسان والشهوة؛ ولهذا قال فى الحديث: إن النبى ﷺ قال لعلى: " لا تتبع النظرة بالنظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الثانية " (١). وأمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار، كما أمرهم بحفظ الفروج، وقال ﵇: " العين تزنى " (٢).
وفى هذا كله عند العلماء حجة أنه ليس بواجب أن تستر المرأة وجهها، وإنما ذلك استحباب وسنة لها، وعلى الرجل غض بصره عنها. وغض البصر يجب على كل حال فى أمور: كالعورات وأشباهها. ويجب مرة على حال دون حال مما ليس بعورة، فيجب غض البصر إلا لغرض صحيح من شهادة أو تقليب جارية للشراء، أو النظر لامرأة للزواج، أو نظر الطبيب، ونحو هذا.
وقد اختلف السلف من العلماء فى معنى قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٣)، فذهب جماعة من السلف: أنه الوجه والكفان (٤).
قال القاضى إسماعيل: وهو الظاهر؛ لأن المرأة يجب عليها أن تستر فى الصلاة كل موضع منها لا يراه الغرباء إلا وجهها وكفيها، فدل أنه مما يجوز للغرباء أن يروه وهو قول مالك. قالوا: والمراد بالزينة: مواضع الزينة، وقيل: المراد: الثياب، ولا خلاف أن
стр. 3884
(...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلاهُمَا عَنْ يُونُسَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ.
ــ
فرض ستر عورة الوجه مما اختص به أزواج النبى ﷺ منذ نزل الحجاب، وسيأتى الكلام عليه بإثر هذا الكتاب [إن شاء الله] (١).
стр. 3885
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٩ - كتاب السلام
(١) باب يسلم الراكب على الماشى، والقليل على الكثير
١ - (٢١٦٠) حَدَّثَنِى عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِى مَحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى زِيَادٌ، أَنَّ ثَابِتًا - مَوْلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ - أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يُسَلمُ الرَّاكِبُ عَلى المَاشِى، وَالمَاشِى عَلى القَاعِدِ، وَالقَليِلُ عَلى الكَثِيرِ ".
ــ
كتاب السلام
قوله: " يسلم الراكب على الماشى، والماشى على القاعد، والقليل على الكثير "، قال الإمام: ابتداء السلام سنة، ورده واجب. هذا المشهور عند أصحابنا (١)، وهو من عبادات الكفاية التى فعل الواحد فيها ينوب عن الجميع؛ ولهذا يجزئ أن يبتدئ من الجماعة. واحد، ويرد منها واحد (٢). وقال أبو يوسف: لا بد أن يرد الجماعة كلها (٣).
وإنما شرع سلام الراكب على الماشى لفضل الراكب عليه من باب الدنيا، فعدل الشرع؛ بأن (٤) جعل للماشى فضيلة أن يبدأ. واحتياطاً على الراكب من الكبر والزهو وإذا حاز الفضيلتين؛ ولهذا المعنى أشار بعض أصحابنا.
وإذا تلاقى رجلان كلاهما مار فى الطريق، بدأ الأدنى منهما الأفضل إجلالاً للفضل وتعظيماً للخير؛ لأن فضيلة الدين مرعية فى الشرع مقدمة.
وأما بدء المار للقاعد، فلم أر فى تعليله نصاً، ويحتمل أن يجرى فى تعليله على هذا الأسلوب، فيقال: فإن القاعد [قد] (٥) يتوقع شراً من الوارد عليه أو يوحس (٦) فى نفسه خيفة، فإذا ابتدأه بالسلام أنس إليه، أو لأن التصرف والتردد فى الحاجات الدنيوية
стр. 3886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وامتهان النفس فيها ينقص من مرتبة المتصاونين والآخذين بالعزلة تورعاً، فصار للقاعدين (١) مزية فى باب الدين؛ فلهذا أمر بابتدائهم. أو لأن القاعد يشق عليه مراعاة المارين مع كثرتهم والتشوف إليهم، فسقطت البداية عنه وأمر بها المار؛ لعدم المشقة عليه. وأما بداية القليل للجماعة الكثيرة، فيحتمل أحياناً أن يكون الفضيلة للجماعة، ولهذا قال الشارع: عليكم بالسواد الأعظم، ويد الله مع الجماعة (٢)، فأمر ببدايتهم فضلهم، أو لأن الحماعة إذا بدؤوا الواحد خيف عليه الكبر والزهو، فاحتيط له بألا يبدأ، وقد يحتمل غير ذلك، ولكن ما ذكرناه هو الذى يليق بما قدمناه عنهم من التعليل، ولا يحسن معارضة مثل هذه التعاليل بآحاد مسائل شذت عنها؛ لأن التعليل الكلى لموضع الشرع لا تتطلب فيه ألا يشذ عنه بعض الجزئيات.
[قال القاضى] (٣) وقوله: قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء أن ابتداء السلام سنة، والرد فرض (٤).
وقال القاضى عبد الوهاب: [لا خلاف أن ابتداء السلام سنة أو فرض على الكفاية] (٥) فإن سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم.
قال القاضى: معنى قوله: أو فرض على الكفاية، مع ما تقدم من قول غيره: أنهم أجمعوا أنه سنة من غير خلاف، أى أن إقامة السنة وإحياءها فرض على الكفاية.
وللسلام أحكام فى صفته وصفة رده ومعنى لفظه وحكمه، وحكم رده ومن المخاطب بالابتداء به، وقد مضى الكلام فى هذه الأحكام الثلاثة الأخيرة.
فأما صفته فأن يقول: السلام عليكم، أو سلام عليكم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٧)، وقال: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِين﴾ (٨). وفى التشهد: السلام عليك أيها النبى [ورحمة الله وبركاته] (٩) ودخول الألف واللام فيه عندهم للتعظيم. قال أهل
стр. 3887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العربية: وهى تدخل لثلاثة معان: للتعريف: كقولك: الرجل، وللجنس: كقولك:
النساء والذهب. وللتعظيم: كقولك: العباس والحسن، وهاتان لغتان فى السلام معروفتان، ولغة ثالثة: سلم، بكسر السين، وأنشدوا:
وقفنا فقلنا إيه سلما فسلمت ... كما انهل بالبرق والغمام اللوائح
فإن زاد: " ورحمة الله وبركاته " فحسن، وقد استدلوا بقول الملائكة بعد ذكر السلام: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْت﴾ (١). وقد جاء فى التشهد: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته (٢)، وقد جاءت بذلك عن السلف آثار.
ويكره أن يقول فى الابتداء: عليك السلام، وجاء فى الحديث النهى عنه، وأنه تحية الموتى (٣)، ومعناه: أنه عادة الشعراء المؤبنين (٤) للموتى فى أشعارها ومراثيها، كقوله:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما (٥)
لا أن هذه هى السنة، وقد قال ﵇: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين " (٦)، فحياهم تحية الأحياء. قال بعضهم (٧): ولأن عادة العرب فى تحية الموتى قد جرت فى تقديم اسم المدعو عليه فى الشر (٨)، كقولهم: عليه لعنة الله وغضبه، وظ ل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين﴾ (٩)، وهذا لا حجة فيه؛ لأن الله قد نص فى الملاعنة بتقديم اللعنة والغضب على الاسم، وقيل: لأن السلام اسم الله (١٠) وهو أولى بالتقديم وهذا حسن لو سلم، وقد تقدم الخلاف فيه، ويناقضه جواز ذلك فى الرد وهو [ما لا] (١١) يختلف فى جوازه، وقد روى عن الملائكة فى حديث آدم (١٢)، وروى أن النبى ﷺ قال فى
стр. 3888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرد كذلك: " عليك السلام ".
وأما فى الرد فيقول: " السلام عليك (١) " أو: " عليك السلام ورحمة الله وبركاته " وإن اقتصر على السلام أجزأه إلا أن يكون المسلم أولا قد زاد الرحمة والبركة، فعلى الراد مثل ذلك. وقد جاء فى الحديث الصحيح عند خلق آدم وأمر الله له أن يسلم على الملائكة وأن يسمع ما يحيونه به فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: " السلام عليكم " فقالوا: " السلام عليك ورحمة الله وبركاته " (٢)، وهو أحد التأويلين فى قوله: ﴿وإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣).
وأما معنى السلام، فقيل: معناه هنا: اسم الله، أى كلاءة الله عليك وحفظه كما يقال: الله معك، والله يصاحبك. والسلام: اسْم من أسماء الله هو: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِن﴾ (٤)، ومعناه: السالم (٥) من النقائص والمعايب، وقيل: المسلم (٦) لعباده، وقيل: المسلم (٧) على أوليائه فى الجنة، وقيل: مسلمهم من عذابه (٨)، وقيل: معنى سلام عليك: أى السلامة والنجاة لكم، كما قال: ﴿فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِين﴾ (٩). وقيل معناه: أنا مسالم لك، وسلم لك غير حرب. والسِّلم والسلام [الصلح] (١٠).
стр. 3889
(٢) باب من حق الجلوس على الطريق ردّ السلام
٢ - (٢١٦١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: كُنَّا قُعُودًا بِالأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَامَ عَليْنَا. فَقَالَ: " مَا لكُمْ وَلمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ ". فَقُلنَا: إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَاسٍ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ. قَالَ: " إِمَّا لا، فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ البَصَرِ، وَرَدُّ السَّلامِ، وَحُسْنُ الكَلامِ ".
٣ - (٢١٢١) حَدَّثَنَا سُويْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِيَّاكُمْ وَالجُلوسَ بِالطُرُقَاتِ ". قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لنَا بُدٌ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أبَيْتُمْ إِلا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ ". قَالوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: " غَضُ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْىُّ عَنِ المُنْكَرِ ".
ــ
قوله: " اجتنبوا مجالس الصعدات " بضم العين، قال الإمام: هى الطرق مأخوذة من الصعيد، وهو التراب، وجمعه صعد، ثم صعدات، مثل: طريق وطرق، ثم طرقات.
قال القاضى: قد جاء فى الروايات الأخرى مفسرًا بذلك: " إياكم والجلوس بالطرقات "، وقيل: الصعيد: الطريق الذى لا نبات فيه (١)، مأخوذ من الصعيد، وهو التراب أو وجه الأرض.
وقوله: " فإما لا فأدوا حقها " [بكسر الهمزة، معناه: إلا لم تتركوها فادوا حقها] (٢)، كما قال فى الحديث الآخر: " إن أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ". قال ابن الأنبارى: ومعناه: افعل كذا وكذا إن كنت لا تفعل كذا وكذا، فدخلت " ما " صلة، وقد مر من هذا [الحرف] (٣).
وقوله: وما حقه؟ قال: " غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر
стр. 3890
(...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ المَدَنِىُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ــ
بالمعروف والنهى عن المنكر "، وفى الحديث الآخر: " وحسن الكلام ": قد بين من هذا [معنى] (١) علة ما نهى عنه من الجلوس على الطرقات من التعرض للفتن بحضور النساء الشواب، وخوف ما يلحق من ذلك من النظر إليهن والفتنة بسببهن، ومن التعرض لحقوق الله وللمسلمين بما (٢) لا يلزم [الإنسان إذا كان فى بيته وحيث ينفرد أو يشتغل بما يلزمه] (٣)، ومن رؤية المناكر وتعطيل المعارف، فيجب على المسلم الأمر والنهى عند ذلك، فإن ترك ذلك، فقد تعرض لمعصية الله.
وكذلك هو يتعرض لمن يمر عليه ويسلم، وربما كثر ذلك عليه فيعجز. عن رد السلام على كل مار ورده فرض فيأثم والمرء مأمور ألا يتعرض للفتن، ولا لإلزام (٤) نفسه ما لعله لا يقوم بحقه فيه فندبهم النبى ﷺ إلى ترك هذا، فلما أعلموه أنه لا بد لهم من ذلك لما يقصده الإنسان بمجالسة جيرته وأصحابه فى أفنية منازلهم لترويح قلوبهم وقضاء حوائجهم والمباحثة عن أحوالهم. قال لهم: إن أبيتم إلا ذلك فأدوا الحقوق اللازمة لكم.
وفيه دليل أن أمره ﵇ لم يكن لهم على الوجوب، وإنما كان على طريق الترغيب والحض لما هو أولى (٥)؛ إذ لو فهموا منه الوجوب لم يراجعوه هذه المراجعة، وقد يحتج به من لا يرى الأوامر على الوجوب. وفيه حجة على وجوب رد السلام، وحجة على أن الماشى يسلم على القاعد، كما تقدم فى الحديث قبل.
وأما قوله: " وكف الأذى ": فيحتمل أن يكف أذى الناس بعضهم عن بعض، وهو من نحو قوله: " والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر " وقد يكون أن تكف أذاك عن المار فيه بألا تجلس حيث يضيق عليه الطريق، أو من يتأذى بجلوسك على باب منزله، أو طريق واردته، أو حيث يكشف عياله، أو ما يريد التستر به من حاله.
وقوله: " وحسن الكلام ": ندب إلى حسن معاملة المسلمين بعضهم لبعض، وأن الجالس على الطريق يمر به العدد الكثير من الناس، فربما سألوه عن بعض شأنهم، ووجه طرقهم، فيجب أن يتلقاهم بالجميل من الكلام، ولا يتلقاهم بالضجر وخشونة اللفظ، ولعل هذا من باب كف الأذى المتقدم.