٢٠٧ - (١٣١) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِى عُثْمَان، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِىُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهِ ﵎، قَالَ: " إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ. فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى أضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ".
٢٠٨ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِى عُثْمَانَ، فىِ هَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ. وَزَادَ: " وَمَحَاهَا اللهُ، وَلا يَهَلِكُ عَلَى اللهِ إلا هَالِكٌ ".
ــ
أجلى، وفيه لغتان، جرّاء بالمد، وجرى بالقصر، ومنه الحديث: " إِنَّ امرأةً دخلت النار من جرَّى هِرَّةٍ " [أى من أجل هِرَّةٍ] (١).
وقوله فى الحديث: " ولن (٢) يهلك على الله إلا هالك "، قال القاضى: أى من ختم عليه الهلاك وَسُدَّ عليه أبواب الهدى لسعة رحمة الله تعالى وكرمه؛ إذ جعل السيئة حسنة ولم يكتبها حتى يعمل بها، فإذا عملت كتبت واحدةً، وكتب الهم بالحسنة حسنةً، وكتبها إذا عملها عشرًا إلى سبعمائة وأضعافًا كثيرة، وكل هذا فضل الله، إذ ضاعف حتى [تكثر] (٣) وتزيد على السيئات لكثرة سيئات بنى آدم، فمن حُرِم هذه السعة وضُيِّق عليه رحبها حتى غلبت عليه سيئاته مع إفرادها حسناته مع تضعيفها، فهو الهالك الذى سبق عليه ذلك فى أم الكتاب.
قال أبو جعفر الطبرى: وفى الحديث دليل على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب وعقدها، خلافًا لمن قال: إنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة.
стр. 422
(٦٠) باب بيان الوسوسة فى الإيمان وما يقوله من وجدها
٢٠٩ - (١٣٢) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ فَسَألُوهُ: إنَّا نَجِدُ فِى أنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: " وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: " ذَاكَ صَريحُ الإيمَانِ ".
٢١٠ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ شُعْبَة. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهذَا الْحَدِيثِ.
٢١١ - (١٣٣) حدّثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ. حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ عَثَّامٍ، عَنْ سُعَيْرِ ابْنِ الْخِمْسِ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الْوَسْوَسَةِ، قَالَ: " تِلْكَ مَحْضُ الإيمَانِ ".
٢١٢ - (١٣٤) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوف وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَام، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا، خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهِ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ ".
ــ
وقوله عن الصحابة: " إنا نجِدُ فى أنفُسِنا ما يتعاظَمُ أحدنا أن يتكلَّم به " ثم قال: " ذلك صريحُ الإيمان "، وفى الحديث الآخر: " سُئل ﷺ عن الوسوسة فقال: " تلك محض الإيمان "، وزاد فى حديث آخر: " من وجد من ذلك شيئًا فليقُل: آمنت بالله "، قال الإمام: بُوب على هذا الحديث فى بعض نسخ [كتاب] (١) مسلم: باب الوسوسة محض الإيمان، [وزاد فى حديث آخر: أنه قال ﷺ لمن شكا هذا المعنى أن قال: فيمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله " أما قوله ذلك محض الإيمان] (٢). فلا يصح أن يراد به أن الوسوسة هى الإيمان؛ لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوا من
стр. 423
٢١٣ - (...) وحدّثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤدِّبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذا الإسْنَادِ. أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: " يأتِى الشَّيْطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ. مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الأرْضَ؟ فَيُقولُ: اللهُ " ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ. وَزَادَ " وَرُسُلِهِ ".
٢١٤ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا ابنُ أخِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَأتِى الشَّيْطَانُ أحَدُكمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ ".
(...) حدّثنى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، قَالَ: حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَأتِى الْعَبْدَ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ " مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أخِى ابْنِ شَهَابٍ.
ــ
الخوف من الله تعالى أن يُعاقبوا على ما وقع فى نفوسهم، فكأنَّه يقول: جزعُكم من هذا هو محض الإيمان، إذ الخوف من الله - سبحانه - ينافى الشك فيه، فإذا تقرر هذا تبيَّن أن هذا التبويب غَلط على مقتضى ظاهره، وأما أمره ﷺ عند وجود ذلك بأن يقول (١): آمنت بالله، فإن ظاهره أنه أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها والردِّ لها، من غير استدلال ولا نظر فى إبطالها.
والذى يقال فى هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين، فأما التى ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهى التى تُدْفَع بالإعراض عنها، على هذا يحملُ الحديث، وعلى مثلها يخطلق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمرًا طارئًا على غير أصل دُفِع بغير نظر [فى دليل] (٢)، إذ لا أصل له يُنَظرُ فيه، وأما الخواطر المستقرة التى أوجبتها الشبْهة فإنها لا تُدفَعُ إلا باستدلالٍ ونظر فى إبطالها، ومن هذا المعنى حديث: " لا عدوى " (٣)، مع
стр. 424
٢١٥ - (١٣٥) حدّثنى عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا يَزَالُ النَّاسُ يَسْألُونَكُمْ عَنِ الْعِلْمِ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَنَا، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ ".
قال: وَهُو آخِذٌ بِيَد رَجُلٍ فَقَالَ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، قَدْ سَألَنِى اثْنَانِ وَهَذَا الثَّالثُ. أَوْ قَالَ: سَألَنِى وَاحِدٌ وَهَذَا الثَّانِى.
وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَيَعْقُوبُ الدوْرَقِىُّ قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهْوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أيُّوبَ عَنْ مُحمَّدٍ؛ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " لا يَزَالُ النَّاس "، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِىَّ ﷺ فى الإِسْنَادِ، ولَكنْ قَدْ قَالَ فىِ آخِرِ الْحَدِيثِ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ.
ــ
قول الأعْرابى: فما بال الإبل الصحاح تجربُ بدخول الجمل الأجرْب فيها (١)، وعَلمَ النبى ﷺ أنه أغترَّ بهذا المحسوسِ، وأن الشبهة قَدَحَتْ فى نفسه فأزالها عنه ﷺ من نفسه بالدليل، فقال له: " فمن أعدى الأول ".
بسط (٢) هذا أنه ﷺ كأنه قال له: إذا كنت تقول أن هذه الجَربَة جَرَبَتْ من هذا العادى عليها، فهذا العادى [أيضاً] (٣) ممَّن (٤) تعلَّق به الجرب؟ فإن قلت: من غيره ألزمناك فيه ما ألزمناك فى الأول حتى يؤدى ذلك إلى ما لا يتناهى، أو يقف الأمر عند جملٍ وُجِدَ الجربُ فيه من غير أن ينتقل إليه من غيره، وإذا صحَّ وجود جربٍ من غير عدوى بل من الله - سبحانه - صح أن يكون جربُ (٥) هذه الإبل من نفسها لا من غيرها.
قال المتكلمون: وهذا الدليلُ الذى أشار إليه ﷺ هو الذى يُعتمدُ عليه فى إبطال قول من جَوَّز وجود حوادثَ لا أوَّل لها، فيقال لهم: لو كان لا يصح وجودُ الشىء إلا من الشىء لأدَّى ذلك إلى ما لا يتناهى، وإذا عُلِّقَ وجودُ ما نحن فيه بوجود ما لا يتناهى شيئًا بعدَ شىء لم يصح وجودُ ما نحن فيه.
стр. 425
(...) وحدّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِىِّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، وَهوَ ابْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ لىِ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يَزَالُونَ يَسْألُوَنَكَ، يا أَبَا هُرَيْرَةَ، حَتَّى يَقُولُوا: هذَا اللهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ " قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِى الْمَسْجدِ إذْ جَاءَنِى نَاسٌ مِنَ الأعْرَابِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هذَا اللهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ قَالَ: فَأخَذَ حَصى بِكَفِّهِ فَرَمَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا، قُومُوا، صَدَقَ خَلَيلِى.
٢١٦ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأصَمِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَيَسْألَنَّكُمُ النَّاسُ عَنْ كُلِّ شَىْءٍ، حَتَّى يَقُولُوا: اللهُ خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ، فَمَنْ خَلَقَهُ؟ ".
ــ
قال القاضى: الترجمة التى ذكر ﵀ لم تقع فى كتبنا بذلك النصِّ، لكنَّ نصها فى الأم من قول النبى ﷺ من رواية ابن مسعود: سئل النبى ﷺ عن الوسوسة، فقال: " تلك محض الإيمان "، وما ذكره [وفقه الله] (١) من التأويل فى قوله: " ذلك صريح الإيمان " بيِّن مع المقدمة التى فى ذلك الحديث الآخر الذى ذكرناه ولم يذكره (٢)، إذ ليس فيه ذكر إنكار ولا استعظام، إلا أن نردَّه إلى الحديث الأول، ونجعله قاضيًا عليه، وهذا مختصر منه، أو يطلب له تأويلاً آخر يجمع الأحاديث كلها، وهو ما أشار إليه بعضهم مما بسطه أن وسوسة الشيطان وتحدثه فى نفس المؤمن إنما هو لإياسه من قبوله إغواءَه، وتزيينه الكفرَ له وعصمة المؤمن منه، فرجع إلى نوعٍ من الكيد والمخاتلة بالإيذاء بحديث النفس بما يكره المؤمن من خفى الوساوس (٣)، إذ لا يَطمَعُ من موافقته له على كفره هذا، ولا يكون منه إلا مع مؤمن صريح الإيمان ثابت اليقين [على] (٤) محض الإخلاص بخلاف غيره من كافرٍ وشاكٍّ، وضعيف الإيمان، فإنه يأتيه من حيث شاء ويتلاعب به كما أراد، والمؤمن معصومٌ منه، مُنافرٌ له، فلما (٥) لم يمكنه منه مراده رجع (٦) إلى شغل سره بتحديث [نفسه] (٧) ودسِّ (٨) كُفرهِ بحيث يسمعُه المؤمن فيشوش [عليه] (٩) بذلك فكْرَه، ويُكدِّر نفسه ويؤذيه باستماعه له، كما قال ﷺ : " الحمد لله الذى ردَّ كيدَه إلى الوسوسة " (١٠)، إذ حقيقة هذه اللفظة الصَّوت
стр. 426
٢١٧ - (١٣٦) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحضْرَمِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " قَالَ اللهُ : إِنَّ أمَّتَكَ لا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ ".
ــ
الخفى (١)، ومنه وسواس الحُلى، لخفى صوته عند حركته، وبناء هذه الكلمة على التضعيف يدلُ على تكرار مقتضاها، فإذا سببُ الوسوسة محض الإيمان وصريحه، والوسوسة لمن وجدها علامة له على ذلك، كما قال ﷺ ، [وكأنه ﷺ ] (٢) لما سئل عن الوسوسة وما يُوجَدُ فى النفس منها أخَبَر أَنَّ موجبها وسببها محض الإيمان أو أنها علامةٌ على ذلك.
ولا يبقى بعد هذا التقرير والتفسير إشكال فى متون هذا الحديث، على اختلافِ ألفاظه، واطردت على معنى سَوِىٍّ قويم.
وعلى هذا يحمل ما جاء فى الأحاديث الأخر (٣): " يأتى الشيطان أحدَكم فيقول له: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول: من خلق ربك، فإذا بلغ ذلك فليستَعْذ بالله ولينته " (٤) وفى حديث آخر: " فليقُل: آمنتُ بالله " (٥).
أما استعاذته منه فليلجأ إلى الله تعالى أن يكفيه شغل سرِّه ووسوسته بما لا يرضاه، وأما قوله: " ولينته ": أى ليقطع التفكر والنظر فيما زاد على إثبات الذات، وليقف هناك عن التخطى إلى ما بَعُد (٦)، وليعلم أن إثبات ذاته وعلمُ ما يجبُ له ويستحيل عليه منتهى العلم وغاية مبلغ العقل.
стр. 427
حدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ زَائدَةَ، كِلاهُمَا عَنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَنس، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيرَ أَنَّ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ: " قَالَ: قَالَ اللهُ إِنَّ أمَّتَكَ ".
ــ
وقال بعضهم: قوله: " ذلك صريح الإيمان ": يعنى الوقوف والانقطاع فى إخراج الأمر إلى ما لا نهاية له، فلابد من إيجاب خالقٍ لا خالق له، فلا يزال يقول: من خلَقَ كذا، ويستدل بآثار الصنعة فيه على أنه مخلوق، فيقولُ: خلقه الله، إلى أن يقول: من خلق الله؟ فيستدل على أنه لو كان له خالق لتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية له، وأن الله الخالق لكل شىء لا يُشبه صفات المخلوقين، ولا يصح عليه الحدثُ والخَلْقُ، فالوقوف هنا هو محض الإيمان.
وأما ما أخبر ﷺ من أن الناس سيتساءلون (١) عن هذا، فليس فيه إلا إخبارٌ عما يكود، وقد كانَ، فأما أن يكون إخبارًا عن جهل السائلين أو تنبيهًا على تعَسُّفِ المجادلين (٢).
стр. 428
(٦١) باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار
٢١٨ - (١٣٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقْتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَاء: - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى الْحُرَقَةِ - عَنْ معْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِىِّ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ؛ أَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ. " مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْه الْجَنَّةَ "، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " وَإِنْ قَضِيبٌ مِنْ أَرَاكٍ ".
٢١٩ - (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارَونُ بْنُ عبْدِ اللهِ، جَمِيعاً عَنْ أَبِى أُسَامَةَ، عَن الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَخَاهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثِىَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
٢٢٠ - (١٣٨) وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ
ــ
وقوله: " من اقتطع حق امرئ مُسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحَرَّم عليه الجنة "، ثم قال: " وإن كان قضيباً من أراك " (١)، إنما كبرت هذه المعصية بحسب اليمين الغموس التى هى من الكبائر الموبقات، وتغييرها فى الظاهر حكم الشرع واستحلاله بها الحرام، وتصييرها المحق فى صورة المبطل، والمبطل فى صورة المحق؛ ولهذا عظم أمرها وأمر شهادة الزور، وإيجاب النار فيها على حكم الكبائر، إلا أن يشاء الله أن يعفو عن ذلك لمن يشاء، وتحريم الجنة عند دخول السابقين لها والمتقين، وأصحاب اليمين، ثم لابد لكل مُوَحِّدٍ من دخوله، إما بعد وقوف وحسابٍ، أو بعد نكال وعذاب.
وتخصيصه هنا المسلم، إذ هم المخاطبون، وعامة المتعاملين فى الشريعة لا أنّ غير المسلم بخلافه، بل حكمه حكمهُ فى ذلك.
стр. 429
عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِىَ اللهَ وَهُوَ عَليهِ غَضْبَانُ ". قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا يحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وكَذَا. قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فِىَّ نَزَلَتْ، كَانَ بَيْنِى وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَن، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبى ﷺ . فَقَالَ: " هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ ". فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: " فَيَميِنُهُ ". قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: " مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِىَ اللهَ وَهُوَ عَليهِ غَضْبَانُ "، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ وإلى آخِرِ الآيَةِ (١).
٢٢١ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالاً هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِىَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِى وبَيْنَ رَجُلٍ خَصُومَةٌ فِى بِئْرٍ. فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ ".
٢٢٢ - (...) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمرَ الْمَكِّىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِى رَاشِدٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ، سَمِعَا شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالَ امْرِئ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّه، لَقِىَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ". قَالَ عَبْدُ اللهِ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِم ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
ــ
وقوله: " لقى الله وهو عليه غضبان " وفى آخر بمعناه: " وهو عنه معرض "، قال القاضى: الإعراض والغضب والسخط من الله تعالى على من شاء وعمن شاء من عباده، إرادته عذابهم أو إيعاده بعذابهم، أو إنكاره أفعالهم وذمها فيكون ذلك من صفات الذات (٢)، ويرجع إلى الإرادة أو الكلام، أو أن يفعل بهم فعل المسخوط عليه المعرض عنه، المغضوب عليه، من النقمة والعذاب، والإبعاد عن الرحمة، فيكون من صفات الفعل، وهى فى المخلوق تغيرُ حاله لإرادة (٣) أو فعله بمن غضب عليه، والله - جل اسمه - يتعالى عن
стр. 430
٢٢٣ - (١٣٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىَّ، وَأَبُو عَاصِمٍ الْحَنَفِىُّ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ الْحَضْرَمِىُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِى عَلَى أَرْض لِى كَانَتْ لأَبِى. فَقَالَ الْكِنْدىُّ: هى أَرْضى فِى يَدِى أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ للَحضْرَمى: " أَلَكَ بَيِّنةٌ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَلَكَ يَمِينُهُ ". قَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِى عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مَنْ شَىْء. فَقَالَ: " لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ "، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ: " أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأكُلَهُ ظُلْماً، لَيَلْقَيَنَ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ ".
ــ
التغيير واختلاف الحال.
ذكر مسلم حديث الحضرمى والكندى ومنازعتهما فى الأرض بين يدى النبى ﷺ ... الحديث بطوله، قال الإمام: علق بعض أهل العلم من متأخرى الفقهاء على هذا الحديث ما فيه من الفوائد فقال: فى هذا الحديث دلالة على أن صاحب اليد أولى بالشىء المُدَّعى فيه ممن لا يَد له عليه (١)، وفيه أن الدعوى فى المعين لا تفتقر إلى خُلطة (٢)، وفيه التنبيه على صورة الحكم فى هذه الأشياء، وذلك أنه بدأ بالطالب فقال له: ليس لك إلا يمين الآخر، ولم يحكم بها للمدَّعَى عليه إذا حلف، بل إنما جعل اليمين لصَرْف دعوى المدَّعى لا غير، فكذلك ينبغى لمن (٣) حكم بعده إذا حلف المدَّعى عليه ألا يحكم له بملك ذلك الشىء ولا بحيازته أيضاً بل يقره على حكم يمينه.
فإن قيل: فكيف يجىء مذهبكم على هذا إذا كنتم ترون أنَّ من ادُّعى عليه بغصبٍ أو استهلاك لم يحلف المُدَّعى عليه، إلا أن يكون ممن يُتهم بالغصب والتعدى، ويليق به ما
стр. 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ادَّعى عليه من ذلك، وقد أحلفه النبى ﷺ فى هذا الحديث ولم يسأله عن حاله؟ قيل له: ليس فى هذا الحديث ما يدل على خلاف ما ذهبنا إليه، وذلك أنه يجوز أن يكون النبى ﷺ قد علم من حاله ما أغناه عن السؤال عنه، وفى الحديث ما يدل على أنه كان كذلك، ألا ترى إلى قول خَصمه: إنه رجلٌ فاجر ليس يتورع عن شىء، ثم لم ينكر ﷺ شيئاً من قوله، فلو كان عنده بريئاً مما قال، ما ترك النكير عليه.
على أن فى الحديث ما يغنى عن هذا كله، وذلك أنه إنما ادعى عليه بالغصب فى الجاهلية، وكذلك نقول فيمن ادعى على رجُل لا بأس به أنه كان غصبه مالاً فى حالٍ كان فيها فاسقاً ظالماً، فإنا نُحلِّفُه له (١)، إذا كان ظلمه وغصبه معلوماً.
وفى هذا الحديث أن يمين الفاجر تسقط عنه حكم دعوى المدَّعى، كيمين من ليس بفاجر، وأنه ليس تجرى يمينه مجرى شهادته.
وفيه أن الفاجر فى دينه لا يوجب فجوره الحجر عليه ولا إبطال إقراره، ولولا ذلك لم يكن لليمين معنىً.
وفيه أن المدَّعى وإن أقر بأن أصل الشىء الذى ادعى فيه لغيره لم نكلف بتثبيت جهة مصيره ما لم يُعلم إنكاره لذلك، وذلك أنه قال: غلبنى على أرض كانت لأبى، فأمكنه من المطالبة.
وفيه أن من جاء ببينة قُضى له بحقه من غير يمين؛ لأنه محال أن يسأله دون ما يجب [له] (٢) الحكم به، ولو كان من تمام الحكم اليمين (٣) لقال له: بينتك ويمينك على تصديق بينتك.
قال الإمام ﵀: أما قوله: إن المقرَّ بأنَّ أصل الشىء لغيره لا يكلف تثبيت جهة مصيره إليه، فإن وجه القضاء عندنا أن من ادَّعى شيئاً فى يد غيره، وزعم أنه صار إليه من أبيه، فإنه يُكلف إثبات وفاة أبيه وعدد (٤) ورثته، ولَعلَ هذا الذى فى الحديث عُلمَ موت أبيه وأنه وارثه، أو يكون من بيده الأرض سلَّم له ذلك، ولعل قوله ها هنا: " ما لم يعلم إنكاره لذلك " إشارة إلى ما قلناه من تسليم المطلوب له ما قال، على أن قوله: " ما لم يعلم إنكاره [لذلك] (٥) " كلام فيه إجحاف، نقلناه كما وجدناه، ولعل معناه ما بيناه، أو يكون الضمير فى قوله: إنكاره عائداً على من (٦) نُسب إليه المِلْك أولاً كأبى هذا الرجل، فيكون إنكار المنسوب إليه الملك أولاً انتقال (٧) ملكه إلى هذا المدعى مانعاً من توجيه (٨) دعوى هذا المدعى على من فى يده الشىء المطلوب، إلا أن يثبت انتقال الملك.
قال القاضى: [قوله ﵀] (٩): " أو يكون من بيده الأرض سلم له ذلك "
стр. 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يوجب عندنا فى الحكم شيئاً إلا رفع يدِ المسلِّم دون الحكم للمدَّعى، إذ قد يكون الأبُ حياً أو يكون له ورثة غير القائم، فكيف يحكم الحاكم بين اثنين فى مال ثالث قد أقرَّ الطالبُ أنه له أو يسمع دَعْوى فيه؟ ولعل الأب المعترف له لو كان حياً لا يطلب هذا المال أو يعترف أنه صيَّره لمن هو فى يده، فكيف وقد ورد فى هذا الحديث فى كتاب " أبى داود " ما يرفع هذا الإشكال، هو أن الحضرمى قال: " إن أرضى اغتصبنيها أبو هذا " (١) فغلب ذكر الأب، وفيه ذكر اليمين: " أحَلِّفُه أنه ما يعلمُ أنها أرضى اغتصبنيها أبوه ".
وقوله: " فيما يحتاج إليه هذا المدعى من إثبات موت أبيه وعدَّهُ ورثته " صحيح ويحتاج أيضاً إلى إثبات ملك الأب الذى ادّعى التصيير إليه من قبله، لما ادَّعى فيه أنه تصيَّر إليه.
وبقى فى هذا الحديث من استخراج نكت الفقه وسيرة القضاء مما لم يخرجه من ذكر مما ظهر لنا من بيان سيرة القضاء البدايةُ بالسماع من الطالب ثم السماع من المطلوب هل يقر أو ينكرُ - كما جاء فى الحديث - ثم طلب البينة من الطالب إذا أنكر المطلوب، ثم توجيه اليمين على المطلوب إذا لم يجد الطالب بيِّنةً، وأن الخصم إذا اعترف أن المُدعى فيه فى يد خصْمه استغنى باعترافه عن تكليف خصمه إثبات كون يده عليه لقول الحضرمى: " إن هذا غلبنى على أرض لى فقال الآخر (٢): أرضى فى يدى أزرعها " فلم يكلفه النبى ﷺ إثباتاً.
وفيه دليل على أن الزراعة يدٌ وحوزٌ، وفيه أَنَّ الرجل إذا رمى خصمه فى حال الخصومة بِجُرْحة أو خلة سوءٍ لمنفعةٍ يستخرجها فى خصامه، وإن كان فى ذلك أذى خَصْمه لم يعاقب إذا عُرِف صدقه فى ذلك، بخلاف لو قاله (٣) على سبيل المشاتمة والأذى المجرَّد (٤) وذلك إذا كان ما رماه به من نوع دعواه، وليُنبه بها على حال المدَّعى عليه، لقول الحضرمى: " إنه فاجرٌ لا يبالى ما حَلفَ عليه ولا يتورع من شىء "، ولم ينكر ذلك عليه النبى ﷺ ولا زجَرَه، ولو رمى خصْمَهُ بالغصب، وهو ممن لا يليق به، أُدِّب عندنا ولم تعْلقْ به الدعوى.
стр. 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[والحضرمى إنما نسب إلى الكندى] (١) من الغصب فى الجاهلية ما لا ينكر عليهم.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن ما يجرى بين المتخاصمين من سباب بخيانة وفجور واستحلال وشبهة، هدَرٌ لا حكومة فيه واحتج بهذا الحديث.
وفيه وعْظ الحاكم الحالف، عساه أن يكون يحلف باطلاً فيردَّهُ وعظُه إلى الحق - كما فعل النبى ﷺ حين قام الحضرمى ليحلف.
وفيه التنبيه على صورة سؤال الحاكم الطالب بأن يقول: " ألك (٢) بيِّنة " ولا يقول له: " قرِّب بيِّنتك " إذ قد لا يكون له بيِّنة. وإلى هذا ذهب بعض حُذَّاق الجدليِّين، والنظريين فى سؤال أحد المتناظرين صاحبه عن مذهبه ودليله بأن يقول له: ألك دليل على قولك؟ فإن قال: نعم، سأله عنه ما هو؟
وهو اختيار القاضى أبى بكر، ولم يره لازماً الأستاذ أبو إسحاق. وفيه دليلٌ على [أن] (٣) من ادُّعى عليه دعوى فى مال ورثه أو تصيَّر إليه عن غيره، أن يمينه على نفى دعوى المدعى، كما ذَكر فى سنة اليمين فى زيادة أبى داود.
وفيه دليل على أن للأيمان مواضعَ تُحلفُ فيها وتختص بها لقوله: " فانطلق ليحلف، وذلك عندنا لازم فيما له بال من الأموال، وذلك ما يوجبُ القطع فى السرقة - ربع دينارٍ فصاعداً - فلا يكون اليمينُ فيه إلا فى المساجد الجامعة وحيثُ يُعظِّمُ منها، وعند منبر النبى ﷺ بالمدينة، خلافاً لأبى حنيفة فى قوله: اليمين حيث كان الحاكم.
وقد احتج أبو سليمان الخطابى من هذا الحديث على وجوب اليمين عند المنبر، قال: لأنه إنما كان مجلس النبى ﷺ فى المسجد، وقيام هذا إنما كان للمنبر، وإلا فلماذا قام (٤)؟ وهذا محتمل وفيه نظرٌ.
وفيه دليل على أن الحالف يكون قائماً، لقوله: " فلما قام ليحلف " لكن فى قيامه هنا احتمال، هل لنفس اليمين أو لينهض لموضعها - كما تقدم.
وقد اختلف المذهب عندنا فى قيام الحالف فيما له بال (٥).
стр. 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفيه دليل على أن الكفار إذا أسلموا وفى أيديهم أموال لغيرهم من أهل الكفر - غصبوها - أنها ترجع إلى أربابها، بخلاف ما أسلموا عليه من أموال المسلمين عندنا لتقرير ملكهم لها باستحلالهم أموالنا خلافاً للشافعى فى قوله: ترجع إلى أربابها المسلمين ولا تملك عليهم، وقد يحتج بهذا الحديث (١). وفيه دليلٌ على أن الخصم الصالح والطالح فى سيرة الحكم، سواء بمطالبة الطالب بالبيّنة والمطلوب باليمين.
وقول المتكلم أولاً على الحديث: إن فيه دليلاً على أن الدعوى فى العين لا تفتقر إلى خلطة، صحيح، لكنها على من يُراعى الخلطة فيما فى الذمم يراعى فى العينات ما يشبه. وقد يحتج بهذا الحديث إذ فيه دعوى ما يشتبه من غصوب الجاهلية. ومشهور المذهب مراعاة الخلطة فيما فى الذمم وما يُشْبه فى المعينات وغيرها من الدعاوى، وتسميتهم لهذا خلطة تجوز.
والقول الآخر: قبول الدعوى وإلزام اليمين دون خلطة ولا شبهة - وهو قول جماعة من العلماء (٢).
وقوله أيضاً: " ينبغى لمن حكم إذا حلف المدَّعى عليه أنه لا يحكم له بملك ذلك الشىء ولا حيازته " (٣) أصل متنازع فيه عندنا، ومشهور المذهب خلاف ما ذهب إليه من
стр. 435
٢٢٤ - (...) وَحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى الْوَلِيدِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا هَشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ عَلْقَمَة بْنِ وَائِلٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَتَاهُ رَجُلانِ يَخْتَصِمَانِ فِى أَرْضٍ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا افْتَرَى عَلَى أَرْضِى يَا رَسُولَ اللهِ فِى الْجَاهِلِيَّةِ - وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ الْكِنْدِىُّ، وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدَانَ - قَالَ: " بَيِّنَتُكَ " قَالَ: لَيْسَ لِى بَيِّنَةٌ. قَالَ: " يَمِيِنُهُ ". قَالَ: إِذَنْ يَذْهَبُ بِهَا. قَالَ: " لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَاكَ ". قَالَ: فَلَمَّا قَامَ
ــ
تعجيز الحاكم للطالب إذا قام بذلك المطلوب والحكم به للمطلوب، إلا فيما كان من حقوق الله، كالطلاق والعتاق والنَّسب والأحباس وطرق العامة وشبهها، مما ليس يختص منفعته بالقائم فيه وحده وتعلق فيه حق الله، والقول الآخر: أن الطالب لا يعجز فى شىء ولا يحكم للمطلوب والطالب على حقه أبداً متى قامت له حجة إلا إن أثبت المدعى عليه ما يدفعه به، ويعجزُ عن حَلّه، فيحكم عليه للمدَّعى عليه، إلا فيما كان من حقوق الله - كما تقدَّم.
ويعضد القول الأول قول عمر - رضى الله عنه - فى رسالته لأبى موسى التى هى عماد السيرة وعروة القضاء: " اجعل للمُدَّعى أجلاً ينتهى إليه، فإن أحضر بيّنةً أخذ بحقه، وإلا وجهت عليه القضاء " (١).
وقوله: " انتزى على أرضى ": أى أخذها، وأصل النزْو: الوثب، ثم كثر استعمالهم له فى كل ما أشبهه. فاستعملوه فى الجماع، فقالوا: نزى الفحلُ على الأنثى، واستعملوه فى كل من حَصَل على أمرٍ من سلطان أو خرج عليه - ونحو هذا.
وذكر الحديث الآخر عن وائل بن حُجر بمعناه، وسمى فيه الكندى امرأ القيس بن عابس، بياء واحدة وسين مهملة، وصاحبه ربيعةُ بن عَيْدَانَ - بفتح العين المهملة وياء باثنتين تحتها هذا هو صوابه، واختلفت الرواية فيه فى الأم، فقال زهير: ربيعة بن عبدان، بكسر العين وباء بواحدة، وقال ابن راهويه: عيْدان على الصواب - كما تقدم.
كذا ضبطناه فى الحرفين عن شيوخنا ﵏ ووقع عند ابن الحذَّاء عكس ما ضبطناه، فقال فى رواية: زهير عيدان - بالفتح والياء باثنتين، وفى رواية إسحاق بن
стр. 436
لِيَحْلِفَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا، لَقِىَ اللهَ وَهُوْ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ". قَالَ إِسْحَاقُ فِى رِوَايَتِهِ: رَبِيعَةُ بْنُ عَيْدَانَ.
ــ
راهويه عبدان، بالكسر والباء بواحدة. قال الجيانى: وكذا فى الأصل عن الجلودى، والذى صوبناه أولاً هو قول الدارقطنى، وكذا قيده هو وأبو نصر بن ماكولا فى المؤتلف وابن يونس فى التاريخ، وكذا قاله عبد الغنى بن سعيد قال: ويقال فيه: عيدان (١).
وقوله: " شاهداك أو يمينه ": مما يحتج به الحنفى فى ترك العمل بالشاهد واليمين، إذ لم يجعل وساطة (٢) بينهما فى اقتطاع الحقوق وحصرها فى هذا الحديث بهذين الطريقين، والحديث الآخر يَرُدَّ عليهم ويُفسّرُ مجملَه، وهو قضاء النبى ﷺ بالشاهد واليمين، وعمل الخلفاء بذلك بعده وقضاؤهم به. وسيأتى الكلام عليه فى موضعه وارتفع " شاهداك " بفعل مضمَر، قال سيبوبه: معنى الكلام ما أثبت شاهداك (٣).
стр. 437
(٦٢) باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم فى حقه، وإن قتل كان فى النار، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد
٢٢٥ - (١٤٠) حدّثنى أَبو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ مَخْلَدٍ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: جَاء رَجُلٌ إِلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِى؟ قال: " فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ " قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلنِى؟ قَالَ: " قَاتِلْهُ " قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِى؟ قَالَ: " فَأَنْتَ شَهِيدٌ ". قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: " هُوَ فِى النَّارِ ".
٢٢٦ - (١٤١) حدّثنى الْحَسَنُ بْنَ عَلِىِّ الْحُلْوَانِىُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ ابْن رَافِعٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ. قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ؛ أَنَّ ثَابِتاً مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ مَا كَانَ، تَيَسَّرُوا لِلقِتَالِ، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بن عَمْرو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: " مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهَ فَهُوَ شَهِيدٌ ".
ــ
قوله ﷺ : " من قُتِلَ دون مالِه فهو شهيد "، وقوله: " لا تعطه مالك، فقال: إن قاتلنى، قال. قاتله .. " الحديث: أصل الشهادة التبيين، ومنه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (١) أى بين، وسمى الشاهد لأن من شهادته تبين الحكم. قال النضر بن شُمَيْل: سُمِّى الشهيدُ شهيداً بمعنى أنه حىّ، تأوَّل قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ الآية (٢) كأن أرواحهم أحضرت دار السلام وغيرهم لا يشهدها إلا يوم القيامة، وقال ابن الأنبارى: سُمِّى بذلك لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة، فشهيد على هذا بمعنى مشهود له، وقيل: سمّى بذلك لأنه يشهد مع النبى ﷺ يوم القيامة على الأمم المتقدمة، قال الله : ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس﴾ (٣)، وقد جاء هذا جماعة
стр. 438
وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
ــ
المسلمين (١)، ويحتمل أن يكون شهد عند موته ماله عند الله من النجاة والثواب والبشرى وحقق ذلك كما قال: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (٢).
وقوله: " لا تعطه مالك " وأمره بقتاله إن قاتله، دليل على جواز قتاله (٣) وإن طلب المال، أو على وجوبه بكل حال. قال ابن المنذر: عوامُ العلماء على جواز قتال المحارب على كل وجه، ومُدافعته عن المال والأهل والنفس.
واختلف المذهب عندنا إذا طلب الشىء الخفيف - الثوب والطعام - هل يُعطاه (٤) أو يقاتل (٥) دونه؟ وهو مبنى على الخلاف فى أصل المسألة؛ هل قتالهم مأمور به لأنه تغيير منكر لقوله ﷺ : " قاتله " أو هو مباح غير مأمور به؟. وكذلك الخلاف فى أصل مسألة الدعوة [بعد العلم مما يُدعَى إليه] (٦).
وفيه دليل على أنه لا ديَة فى قتل المحاربين ولا قود؛ لأنه إذا كان مقتوله شهيداً وأمر بقتاله، وأخبر النبى ﷺ أَنَّه إن قُتل فى النار، فما يأمر الشرع به لا يُعقّبُ على فاعله [بعد] (٧) ولا تباعة فى دنيا ولا آخرة.
стр. 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما ما ذكر فى الحديث مما كان بين عبد الله بن عمرو وعنبسة بن أبى سفيان (١).
стр. 440
(٦٣) باب استحقاق الوالى الغاش لرعيته النار
٢٢٧ - (١٤٢) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِىِّ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ. قَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّى مُحَدِّثُكَ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِى حَيَاَةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ".
٢٢٨ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زرَيْع، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ؛ قَالَ دَخَلَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ وَجِعٌ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إنِّى مُحَدِّثُكَ حَدِيثاً لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتكَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَسْتَرْعِى اللهُ عَبْداً رَعِيًّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا، إِلَّاحَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ". قَالَ: أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِى هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، أَوْ لَمْ أَكُنْ لأحَدِّثَكَ.
٢٢٩ - (...) وحدّثنى الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاء، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ - يَعْنِى الْجُعَفِىَّ - عَنْ زَائدَةَ، عَنْ هِشَامٍ؛ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ نَعُودُهُ، فَجَاء عُبَيْدُ اللهِ بْنُ
ــ
وقوله ﷺ : " ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت وهو غاش لها إلا حَرَّم الله عليه الجنة " هذا الحديث [وما فى] (١) معناه، قد تقدم معنى تحريم الجنة والتأويل فى مثله، ومعناه بَيّن فى التحذير من غش المسلمين لمن قلده الله شيئاً من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه خليفة لمصلحتهم، وجعله واسطة بينه وبينهم فى تدبير أمورهم فى دينهم ودنياهم. فإذا خان فيما اؤتمن عليه ولم ينصح فيما قُلِّده واستخلف عليه إما بتضييع لتعريفهم ما يلزمُهم من دينهم وأخذهم به والقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم والذب عنها لكل مُتَصَد لإدخال داخِلَةٍ فيها، أو تحريف لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حوذتهم ومجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل فيهم - فقد غشهم.
وقد نبه ﷺ أن ذلك من كبائر الذنوب الموبقة المبعدة عن الجنة إذا دخلها السابقون والمقربون، إن أنفذ الله عليه وعيده الموجب لعذابه [بالنار] (٢)، أو إيقافه بالبرزخ
стр. 441
زِيَادٍ. فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّى سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيَثِهِمَا.
(...) وحدّثنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِى مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّى مُحَدِّثُكَ بَحَدِيثٍ لَوْلاَ أَنِّى فِى الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِىَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يجْهدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ ".
ــ
والأعراف المدة التى يشاء الله تعالى، أو يحرم الجنة رأساً إن فعل. ذلك مستحلاً.
وقول معقل لعبيد الله بن زياد: " لولا أَنى فى الموت لم أَحدثك به ": إما لأنه علم قبل أنه ممن لا ينفعه العظات (١)، كما ظهر منه مع غيره، ثم خرج آخِراً من كتمه الحديث ورأى تبليغه لأمر النبى ﷺ أصحابه بالبلاغ، أو لأنه خافه من ذكره مدة حياته لما يُهيج عليه ذكر هذا الحديث ويثبته فى قلوب الناس من سوء حاله.
стр. 442
(٦٤) باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب
٢٣٠ - (١٤٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُريْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظَرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: " أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِى جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مَنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ ". ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ قَالَ: " يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مَنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مِثْلَ الْوَكْتِ. ثُمْ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقَبضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَل أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلَ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رجْلِكَ، فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَىْء - ثُمَّ أَخَذَ حَصى فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ - فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّى الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِى بَنِى فُلانٍ رَجُلاً أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ، مَا أَظْرَفَهُ، مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ".
ــ
وقوله ﷺ : " إن الأمانة نزلت فى جذر قلوب الرجال " الحديث، قال الإمام: قال الهروى فى باب الجيم والذال المعجمة: قال أبو عُبيد: الجذرُ: الأصل من كل شىء (١).
وقال ابن الأعرابى: الجذر: أصل حساب ونسب وأصل شجرة. قال القاضى: مذهب الأصمعى فى هذا الحرف فتح الجيم وأبو عمرو يكسرها.
وقوله: " فيظَلُّ أثرها مثل الوكت ": قال الإمام: قال الهروى (٢): الوكت: الأثرُ اليسيرُ، ويقالُ للبُسْر إذا وقعت فيه نكتة من أرطاب: قد وَكَت. قال القاضى: قال صاحب العين: الوَكتُ، بفتح الواو، نُكْتَةٌ فى العين، وعينٌ موكوتةُ والوَكْتُ سوادُ اللون. قال أبو عبيد: هو اليسير منه، ويقال: [قد] (٣) وَكَتَ البَسْرُ وَالزَّهوُ إذا ظهرت فيه نكتة من الأرطاب من جانبها، وبُسْرةٌ مُوَكَّتَة، فإذا كانت من طرفها فهى مذنبة.
وقوله: " مثل المجل "، بفتح الميم، قال الإمام: [والمجل] (٤): هو أن يكون بين
стр. 443
وَلَقَدْ أَتَى عَلَىَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِى أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيرُدَّنَّهُ عَلَىَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَىَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لأبَايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَاناً.
وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِيسَى ابْنُ يُونُسَ، جَمِيعاً عَنِ الأَعْمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
ــ
الجلد واللحم ماءٌ، يقال: مَجَلتْ يده تَمجَل مَجْلاً ومَجلتْ تمجُلُ مَجْلاً.
قال غيره: وذلك إذا تنقطتْ من العمل (١) و [أما] (٢) قوله: [منتَبِراً] (٣) فمعناه: مرتفعاً، وأصل هذه اللفظة من الارتفاع، ومنه: انتبر الأميرُ إذا صعد على المنبر، وبه سُمِى [المنبرُ] (٤) منبراً لارتفاعه، ونَبَر الجرُح أى ورم، والنَّبْرُ: نوع من الذباب يلسع الإبل فيرم مكان لسعه، ومنه سمى الهمزُ نبراً يكون الصوت على حال من الارتفاع لا يوجد فى غير هذا الحرف، وكل شىء ارتفع فقد نَبَرَ. وقال أبو عبيد: منتبراً: منتفطاً (٥).
وقوله: " ما أبالى أيَّكم بايعت "، قال القاضى: حمله بعضهم على بيعة الخلافة ويَرد تأويله.
قوله: " لئن كان يهودياً أو نصرانياً ليرُدّه علىَّ ساعيه " يعنى: عامله؛ ولأنه - أيضاً - لا تجوز مبايعةُ اليهودى والنصرانى للخلافة ولا كل مُسلم، والصواب: أن مُراده البيع والشراء. أراد أن الأمانة قد ذهبت من الناس فلا يؤتمن اليوم على البيع والشراء إلا القليل لعدم الأمانة (٦).
(٦٥) باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا وإنه يأرز بين المسجدين
٢٣١ - (١٤٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِى سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ - عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِى، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ. فَقَالَ لَعَلَّكُمْ
ــ
وقوله: " فتنة الرجل فى أهله وجاره "، وقوله: " تكفرها الصلاة ... " الحديث. أصل الفتنة فى كلام العرب: الابتلاء والامتحان والاختبار، ثم صارت فى عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبارُ عن سوء. قال أبو زيد: فُتن الرجلُ يُفْتَنُ فتوناً إذا وقع فى الفتنة وتحول عن حال حسَنةٍ إلى سيئةٍ، وفتنة الرجل فى أهله وماله وولده صرفه (١) من فرط محبته لهم وشُحِّه عليهم وشغله بهم عن كثير من الخير، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة﴾ (٢)، وقوله ﷺ : " الولدُ مجبنةٌ مبخلةٌ " (٣)، أو لتفريطه فى القيام بما يلزم من حقوقهم ومن تأديبهم وتعليمهم كما قال: " والرجل راع على أهله، وكلكم مسؤول عن رعيته " (٤) وكذلك فتنته فى جاره من هذا، فهذه كلها فتن تقتضى المحاسبة، ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ (٥).
قوله: " أجل " بمعنى: نعم. وقوله: " التى تموج كموج البحر ": أى تضطرب ويدفع بعضها بعضاً كموج البحر، وكل شىء اضطرب فقد ماج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا
стр. 446
تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِى أهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ. قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَذْكُرُ الْفِتَنَ التِى تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ:
ــ
بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْض﴾ (١).
وقوله: " فأسْكَتَ (٢) القومُ "، قال الإمام: قال الأصمعى: سكت القوم بمعنى صمتوا وأسْكتوا بمعنى أطرقوا. قال أبو على البغدادى وغيره: سكَت وأسْكت بمعنى صمتَ. قال الهروى: ويكون سكت فى غير هذا بمعنى سَكَنَ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَب﴾ (٣) ويكون سكت بمعنى انقطع، حكى عن العرب: جرى الوادى ثلاثاً ثم سكت، أى انقطع، ويقال: هو السكوت والسُّكاتُ، وسَكَتَ يسْكُتُ سكْتاً وسكوتاً وسكاتا.
وقوله: " تعرض الفِتَن على القلوب عرض الحصير عوداً عوداً ": قال القاضى: كذا روينا هذا الحرف عن القاضى الشهيد، بفتح العين والذال المعجمة فى الأمّ، وضبطناه على ابن العاصى وغيره [عُودًا] (٤)، بضم العين ودال مهملة، ووقع عند بعضهم عوْداً عَوْدًا، بفتح العين وبالدال المهملة أيضاً، وهو اختيار شيخنا أبو الحسين بن سراج من جميع وجوه رواياته، قال لى: ومعنى تُعرض: أى كأنها تلصق، بعرض القلوب، أى جانبها، كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه بشدة لصقها به. قال: وقولة: عَوْداً عوداً: أى تعاد وتكرر عليه شيئاً بعد شىء. قال: ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه: سؤال الإعاذة، كما يقال: غفراً غفراً وغفرانك، وبذلك انتصب، أى نسألك أن تُعيذَنا من ذلك وأن تغفر لنا. وأما غيره - ممن باحثناه من شيوخنا وكاشفناه عن هذا وهو الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان (٥) - فقال: معناه: تعرض على القلوب أى تُظْهَرُ لها فتنةٌ بعد أخرى وقوله كالحصير، أى كما ينسج الحصير عوداً [عوداً] (٦) [وشطبة] (٧) بعد أخرى، وعلى هذا تترجح رواية ضم العين وذلك أن ناسج الحصير عند العرب يحتاج إلى مُنَقّ القضبان لأخذ
стр. 447
فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ. فَقَلتُ: أَنَا. قَالَ: أَنْتَ، للهِ أَبُوك!
قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَىُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ
ــ
الشطب وهو قشورها ولحاؤها التى تصنع منه وينصلح لها، ثم يسكنها الناسج الحصير، ويرضها واحداً واحداً، كلما صنع واحدة ونسجها ناوله أخرى.
قال الشاعر:
تدرَّع خرصانٌ بأيدى الشوا ... طب [فى نثرها تدق جماع] (١)
والخرصان: القضبان، فشَبَّه عرض الفتن على القلوب واحدةً بعد أخرى بعرض شَطبِ الحصير على صانعيها، قضيباً قضيباً وشَطْبةً شطبة، وهو معنى قوله: عوداً عوداً، وهكذا معنى الحديث عندى، وهو الذى يدل عليه سياق لفظه وصحة تشبيهه. وقال الهروى: معناه: أنها تحيط بالقلوب، وقال: حصر به القوم: أى (٢) أطافوا به، وقال الليث: حصير الجنب عرق يمتدُّ معترضاً على جنب الدابة إلى ناحية بطنها، شبهها به. قال: وقيل: إنه أراد عرض السجن، والحصير: السجن، قال الله تعالى (٣): ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (٤) ومراده: عرض أهل السّجن على قيّمه.
وقوله: " فأىُّ قلب أشربها ": أى حلَّت فيه محل الشراب كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (٥): أى حُب العجل.
وقوله: " نكتت ": أى نقطت، قال ابن دريد: كل نقط فى شىء بخلاف لونه فهو نكت (٦).
وقوله: " على قلبين أبيض مثل الصفا ": ليس تشبيههُ بالصفا لما تقدم من بياضه، لكن أخذ فى وصف آخر من شدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل وأن الفتن (٧) لم تلصق به، ولم تؤثر فيه كالصفا، وهو الحجر الأملسُ الذى لا يعلق به شىء، بخلاف الآخر الذى شبَّهه بالكوز الخاوى الفارغ من الإيمان، كما قيل فى قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ (٨) قيل: لا تعى خيراً.
وقوله: " والآخر أسودُ مُرْباد كالكوز مجخياً "، قال الإمام: وقع تفسير ذلك فى
стр. 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كتاب مسلم، قال أبو خالد: قلت لسعد بن طارق: ما الأسود المُرْبادُ؟ قال: شدةُ البياض فى سواد. قلت: ما معنى مجخياً؟ قال: منكوساً.
قال الهروى: المجخِّى المائل، وجخّى إذا فتح عَضُديه فى السجود، وكذلك جخَّ. قال شُمر: جخَّى فى صلاته إذا رفع بطنه عن الأرض فى السجود، وكذلك خوَّى، قال غيره: جخَّى وخوَّى إذا جلس مُستوفِزاً فى الغائط.
قال القاضى: ما وقع من التفسير فى الأم مما ذكره مسلم فى بعضه تلفيف (١) وفى بعضه تصحيف (٢)، قال لى ابن سراج: ليس قوله كالكوز مجخّياً شبيهٌ لما تقدم من سواده، لكنه أخذ فى وصف آخر من صفاته من أنه قُلِبَ ونُكّسَ حتى لا يَعلَقَ به خير ولا حكمة ومَثَّلَهُ بالكوز المجخَّى، يبينه قوله: لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً. وقال أبو عبيد: المجخَّى: المايل، ولا أحسبه أراد بميله إلا أنه منخرق الأسفل، شُبّه به القلبُ الذى لا يعى خيراً كما لا يثبت الماء فى الكوز المنخرق (٣).
قال القاضى: إذا كان مقلوباً منكوساً لم يثبت فيه شىء وإن لم يكن منخرقاً.
وأما قوله: فى المُرْباد شدةُ البياض فى السواد، فإن بعض شيوخنا كان يقول: إنه تصحيف، وهو قول [القاضى] (٤) إلى الوليد الكنانى، قال: أرى صوابه شبه البياض فى سواد، وذلك أن شدة البياض فى السَّواد (٥) لا يُسمى رُبْدَةً وإنما يقال لهذا: أبلق إذا كان فى الجسم وجُوِّز إذا كان فى العين، والرُّبدَةُ إنما هو شىء من بياض يسير يخالطُ السواد كلون أكثر النعام، ومنه قيل للنعامة: رَبْداءُ، فصوابه شِبْه البياض لا شدة البياض فيوافق تفسير مرباد.
قال أبو عبيد عن أبى عمرو وغيره: الرُّبْدَةُ: لونٌ بين السواد والغُبْرة، وقال ابن دُريد: الرُبْدةُ: لونٌ أكدرُ. قال غيرُه: الرُّبْدة: أن يختلط السواد بكُدْرة. قال الحربى: الرُّبْدَةُ: لون النعام بعضه أسود وبعضه أبيض، ومنه أربد لونُه إذا تغير ودخله سواد، وإنما سُمى النعام أرْبَد لأن أعالى ريشه إلى السواد، وقال نفطوَيْه: المُرْبَدّ: المُلمَّع بسواد وبياض ومنه تَرَبَّدَ لونُه، أى تلون فصار كلون الرماد، وهذا - أيضاً - تفسير قول الحربى، وكذا روينا قوله مُربئد، بالهمز، عن أكثر شيوخنا عن العذرى، وكذا ذكره الحربى وأصله ألا يُهْمَز ويكون مُرْبَدّ مثل مُسْود ومُحْمَر، وكذا ذكره أبو عبيد والهروى وصححه بعض شيوخنا عن أبى مروان بن سراج؛ لأنه من أربَدَّ إلا على لغة من قال: احمارّا لالتقاء الساكنين، فيقال: أرباد ومُرْبيد، وروايتنا فيه عن الأسدى عن السمرقندى وعن الخشنى عن الطبرى، وهى رواية ابن سعيد - أيضاً - مُرْبادٌّ، بألف غير مهموز، قال الحربى: يقال: اصفرَّ واحمَّر واخضَرَّ وابيَضَّ واسوَدَّ، هذه الخمسة بغير ألف وما سواها بألف مثل: ادْكانَّ واشهابَّ واصهابَّ، فعلى هذا لا يقال إلا اربَادَّ (٦).
وقال أبو عُبيد: مُرْبَدّ مثل مُحمر ومُصفَر ومبيضٌّ، وفى حديث بيع الثمرة
стр. 449
حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًّا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ".
قَالَ حُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ؛ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَاباً مُغْلَقاً يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ. قَالَ عُمَرُ: أَكَسْرًا، لَا أَبَالَكَ؛ فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ. قُلْتُ: لَا. بَلْ يُكْسَرُ، وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ، حَدِيثاً لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ.
قَالَ أَبُو خَالِدٍ: فَقُلْتُ لِسَعْدٍ: يَا أَبا مَالِكٍ، مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًّا؟ قَالَ: شِدَّةُ الْبَيَاض فِى سَوَادٍ. قَالَ: قُلْتُ، فَمَا الْكُوزُ مُجخِّيًّا؟ قَالَ: مُنْكُوساً.
(...) وحدّثنى ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوانُ الفَزارِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِىُّ، عَنْ رِبْعِىٍّ؛ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَةُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ، جَلَسَ فَحَدَّثَنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْس لَمَّا جَلَسْتُ إِلَيْهِ سَأَلَ أَصْحَابَهُ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى الْفِتَنِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى خَالِدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ أَبِى مَالِكٍ لِقَوْلِهِ. " مُرْبَادًّا مُجَخِّياً ".
(...) وحدَثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرُو بْنُ عَلِىّ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّىُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ
ــ
" حتى تحمار وتصفار " (١) وقال بعضهم: يقال: احمرَّ الشىء، فإذا قوى قيل: احمارَّ، فإذا زاد (٢) قيل: احمأرَّ. فعلى هذا تصوَّب جميع الروايات ويكون بعضها أبلغ من بعض (٣).
وقوله: " إن بينك وبينها باباً مغلقاً .. " [الحديث] (٤) وذكر كسر الباب وفسَّره فى غير هذا الحديث أن الباب عمر، واستعظام عُمَرَ كسْره وخوفه منه؛ لأن الكسر لا يكون إلا عن إكراه وغلبَة، وخلاف عادةٍ، فكأن الباب المغلَقَ عن دخول الفتن على الإسلام عُمَرُ وكسرُهُ: قَتْلُهُ (٥).
стр. 450
حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ يُحدِّثُنَا، أَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحَدِّثَنَا - وَفِيهِمْ حُذَيْفَةُ - مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فى الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَة: أَنَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِ أَبِى مَالِكٍ عَنْ رِبْعِىٍّ. وَقَالَ فِى الْحَدِيثَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: حَدّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بَالأَغَالِيطِ. وَقَالَ: يَعْنِى أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ .
٢٣٢ - (١٤٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِىِّ، قَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ - يَعْنِى ابْنَ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدأَ غَرِيباً، فَطُوبى لِلْغُرَبَاءِ ".
(١٤٦) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الأَعْرَجُ قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ
ــ
وقوله: " ليس بالأغاليط ": قال ابن دريد: المغاليط الكَلِمُ التى يُغالط بها، واحدها مُغْلَطة وأغلوطة وجمعها أغاليط. معناه: حدثته حديثاً صِدقا ليس فيه غلط لقائله ولا سامعه كما بيَّنَه قبْلُ بقوله: إن عمر كان يعلم مَن البابُ. يعنى: أنه كان عنده وعند عُمَر من قبل (١) النبى ﷺ وليس من رأيه وحديثه ولا من صحف الكتابيين حيث تتصور الأغاليط. وقال الداودى: معناه: ليس بالصغير الأمر ولا اليسير (٢) الرزِئة. والصواب الأول (٣).
وقوله ﷺ : " بدأ الإسلام غريباً وسيعودُ غريباً فطوبى للغرباء ": روى ابن أبى أويس عن مالك أن معناه: فى المدينة، وأن الإسلام بدأ بها غريباً ويعود إليها.
وظاهر الحديث العمومُ، وأن الإسلام بدأ فى آحاد من الناس وقلَّةٍ ثم انتشرَ وظهر، ثم سيلحقه النقص والاختلاف حتى لا يبقى - أيضاً - إلا فى آحادٍ وقلةٍ غريباً كما بدأ.
وأصل الغربة البُعْدُ، وبه سُمى الغريبُ لبُعْد داره، وسُمى النفى تغريباً لذلك. وورد تفسير الغريب فى الحديث: " قال: همُ النُزَّاع من القبائل ".
قال الهروى: أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله، وسمى الغريب نازعاً ونزيعاً لأنه نزع عن أهله وعشيرته وبَعُدَ عن ذلك (٤).
стр. 451
سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِىُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأرزُ الْحَيَّةُ فِى جُحْرِهَا ".
٢٣٣ - (١٤٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حفْص بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إن الإيمَانَ
ــ
وقوله: " إن الإيمان ليأرِز إلى المدينة " وفى الحديث الآخر: " ليأرز (١) ما بين المسجدين "، قال الإمام: قال أبو عبيد: أى ينضَمَّ ويجتمع بعضه إلى بعض، كما تنضم الحيَّة فى جحرها.
قال القاضى: وقال ابن دريد: أرز الشىء يأرز إذا ثبت فى الأرض، وشجرة أرزة وأرزة ومعناه: أن الإيمان أوَّلاً وآخراً بهذه الصفة؛ لأنه فى أول الإسلام كان كل من خلص إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة، إمَّا مهاجراً مُسْتوطناً لها، وإما (٢) متشوفاً [ومتقرباً إلى الله تعالى لرؤية النبى ﷺ ] (٣) ومتعلماً منه، ومتبركاً (٤) بلقياه، ثم بعده هكذا فى زمان (٥). [رضى الله عنهم] (٦) وأخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة - رضى الله عنهم - فيها، ثم من بعدهم من علمائها الذين كانوا سُرج الوقت، وأئمة الهدى، وأخذ السنن المنشرة بها عنهم فكان كل ثابت الإيمان ومنشرح الصدر به يرحل إليها ويفد عليها، ثم يعدُ فى كل وقت وإلى زماننا هذا لزيارة قبر المصطفى ﷺ والتبرك بمشاهِدِه، وآثاره الكرام، فلا يأتيها إلا مؤمن، ولا يحمل أحداً على قصدها إلا إيمانهُ وصحة نفسه.
وقال أبو مُصْعَب الزهرى (٧) فى معنى هذا الحديث: إن المراد بالمدينة أهل المدينة،
стр. 452
لَيَأرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا ".
ــ
وأنه تنبيهٌ على صحة مذهبهم وسلامتهم من البدع والمحدثات واقتدائهم بالسنن، فالإيمان مجتمع عندهم حيث كانوا ومن سلك مَسْلَكَهُم واتبَع سبَيلهم (١).
стр. 453
(٦٦) باب ذهاب الإيمان آخر الزمان
٢٣٤ - (١٤٨) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِى الأَرْضِ: اللهُ، اللهُ ".
حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللهُ، اللهُ ".
ــ
وقوله: " لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض: الله الله (١) " وفى حديث آخر: " على أحد يقولُ: اللهُ الله " كذا لجماعة شيوخنا، ولابن أبى جعفر: " يقول: لا إله إلا الله "، هو إشارة إلى معنى ما فى الحديث الآخر: أنها لا تقوم إلا على شرار الخلق وحثالتُهم وأن الله يتوفى المؤمنين قبل قيامها ويُرسل ريحاً من اليمن لقبض أرواحهم. ولا يخالف هذا قوله فى الحديث الآخر: " لا يزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة، وإن هؤلاء مِمَّن يقاتلون الدجال ويجتمعون بعيسى ﵇ " لا يزال هذه الطائفة على الصفة التى وصفها به إلى أن يقبضهم الله فيمن يقبض من المؤمنين قرب الساعة وإذا أظهرت أشراطها فقد حان يومها وقرب وقتها (٢).
стр. 454
(٦٧) باب الاستسرار بالإيمان للخائف
٢٣٥ - (١٤٩) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - واللَّفْظُ لأَبى كُرَيْبٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: " أَحْصُوا لِى كمْ يَلْفِظُ الإِسلام " قَالَ: فقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ إِلَى السَّبْعِمَائَةِ؟ قَالَ: " إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ، لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا " قَالَ: فَابْتُلِيِنَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لا يُصَلِّى إلا سِرًّا.
ــ
وقوله ﷺ : " أحصوا لى كم يلفظ بالإسلام " (١) فقلنا: يا رسول الله، أتخافُ علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ فقال: " إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا " قال: فابتلينا حتى جعل الرجلُ منا لا يصلى إلا سرًّا.
هذا الأمر لم يكن فى مدته ﷺ بعد أن حصل الإسلام فى هذه العدة المذكورة ودونها بكثير، ولعل قول حذيفة هذا كان بعد مدته ﵇.
стр. 455
(٦٨) باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، والنهى عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع
٢٣٦ - (١٥٠) حدّثنا ابْنُ أبى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَامِر بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْط فُلانًا فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " أَوْ مُسْلِمٌ " أَقُولُهَا ثلاثاً، وَيُرَدِّدُهَا عَلَىَّ ثلاثاً " أَوْ مُسْلِمٌ "
ــ
وقوله فى حديث سعد حين قال: أعط فلاناً فإنه مؤمن. فجعل النبى ﷺ يقول: " أَوْ مُسلِمٌ "، قال الإمام: قال بعضهم: قال أبو مسعود الدمشقى: هذا الحديث إنما يرويه ابن عيينة عن معمر عن الزهرى، قاله الحميدى، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد ابن الصباح الجرجانى، كلهم عن سفيان عن معمر عن الزهرى بإسناده سواء، وهذا هو المحفوظ عن سفيان، وكذلك قال أبو الحسن الدارقطنى فى كتاب الاستدراكات فى هذا الإسناد (١).
قال القاضى: هذا الحديث أصح دليل على الفرق بين الإيمان والإسلام، وأن الإيمان باطن ومن عمل القلب، والإسلام ظاهر ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمناً إلا مسلماً، وقد يكون مسلماً غير مؤمن، ولفظ هذا الحديث يدل عليه، وفيه ردٌّ على الكرَّاميَّة وغلاة المُرْجئة فى حكمهم بصحة الإيمان لمن نطق بالشهادتين وإن لم يعتقدها بقلبه (٢)؛ لنفى النبى ﷺ اسم الإيمان عنه واقتصاره به على الإسلام. وفيه حجةٌ لقول من يجيز إطلاق أنا مؤمن دون استثناء، وردٌّ على من أبى ذلك، وهى مسألة اختُلِف فيها من زمان الصحابة -
стр. 456
ثُمَّ قَالَ: " إِنِّى لأُعْطِى الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّه اللهُ فِى النَّارِ ".
٢٣٧ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَىَ رَهْطًا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ. قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّى لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَوْ مُسْلِمًا ". قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلْبَنِى مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَ اللهِ إِنِّى لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
ــ
رضى الله عنهم - إلى هَلُمَّ جرّا.
وكل قول إذا حقق كان له وجهٌ وفى ظرف لا ينافى القول الآخر. فمن لم يستثن أخبر عن حكم نفسه فى الحال، وأما المآل فإلى العلام به، ومن استثنى أشار إلى غيب ما سبق له فى اللوح المحفوظ. وإلى التوسعة فى القولين ذهب من السلف الأوزاعى (١) وغيره، وهو قول أهل التحقيق نظراً إلى ما قلناه ورفعاً للخلاف (٢).
وقوله فى آخر الحديث: " إنى لأعطى الرجل وغيره أحب إلى منه، مخافة أن يكبه الله فى النار " وهذه الرواية الصحيحة: " يكبه "، بفتح الياء وضم الكاف، فعل ثلاثى من كب، ولم يأت فى لسان العرب فعل ثلاثيه معدى ورباعيه غير معدى على نقيض المتعارف إلا كلمات قليلة، منها هذا، يقال: أكب الرجل وكببته أنا، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِه﴾ (٣)، وقال: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ (٤).
ومثله: أقشع الغنم، وقشَعتْه الريح (٥)، وانسل ريش الطائر، ووبرُ البعير ونسلتُه، وأنْزَفت البئرُ: قلَّ ماؤها، ونزَفتُها أنا، وأمرأت الناقةُ إذا درَّ لبنها ومرَّأتها أنا، وأشنق البعير، رفَعَ رأسه، وشَنَقْتُه أنا (٦).
стр. 457
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَوْ مُسْلِمًا ". قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِى مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالَكَ عَنْ فُلانٍ، فَوَ اللهِ إِنِّى لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّى لأُعْطِى الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِى النَّار عَلَى وَجْهِهِ ".
(...) حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى عَامِرُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّه. وَزَادَ: فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَالَكَ عَنْ فُلَانٍ.
(...) وحدّثنا الْحَسَنُ الْحلْوَانىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ هَذَا. فَقَالَ فِى حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِى وَكَتِفِى، ثُمَّ قَالَ: " أَقِتَالاً؟ أَىْ سَعْدُ، إِنِّى لأُعْطِى الرّجُلَ ".
ــ
وقوله فيه: " أقتالاً [أى] (١) سعدُ ": أى مدَافَعَةً ومكابَرةً، وعليه تأوَّل بعضهم فى المار بين يدى المصلى: فليقاتله: أى فليدافعه ويدْرَؤه عن المرور بين يديه. ولما كررَ سعدٌ كلامه على النبى مرة بعد أخرى، وكل ذلك لا يقبله النبى ﷺ منه وهو يردده، أشبه المدافعة.
وليس مقال سعد مناقضاً للنبى ﷺ ، ولكن لما قطع سعد على إيمانه قال له النبى ﷺ : " أَوْ مسلماً " بمعنى: أن هذه اللفظة التى تُطلق على الظاهر أولى فى الاستعمال، إذ السرائر مخفية لا يعلمها إلا الله، وحُكمُ النبىّ ﷺ فى أمته على الظواهر (٢).
стр. 458
(٦٩) باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة
٢٣٨ - (١٥٢) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحَمنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﷺ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي
ــ
وقوله ﷺ : " نحن أحق بالشك من إبراهيم "، قال الإمام: يحتمل أنه أن يكون لما رأى إبراهيم ﵇ سأل زيادة يقين بأن يعلم بالعيان ما عَلمَ بالدليل، ومعلوم أن بين العلمين فى العادة من انتفاء الشكوك تبايناً عبَّر عن المعنى الذى بين العِلمين بالشك مجازاً، وقد تكلم الإمام أبو عبد الله - أيضاً - آخر الكتاب على قضية إبراهيم ومضمن هذا الحديث بأشبع من هذا، فقال: من الناس من ذهب إلى أن إبراهيم إنما أراد بهذا اختبار. منزلته واستعلام قبول دعوته، فسأل البارى أن يخرق له العادة، ويحيى له الموتى، ليعلم بذلك قدر منزلته عند الله.
ويحمل هؤلاء قوله: [عزَّ وجهه] (١) ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ (٢) على أن المراد به بقربك [منى] (٣) وبفضيلتك لدىَّ. فيكون التقدير - لو ثبت حملُ الآية على هذا المعنى -: نحن أولى أن نختبر حالنا عند الله من إبراهيم - على جهة الإشفاق منه ﷺ والتواضع لله تعالى - وإن قلنا بما يقتضيه أصل المحققين، وأن المراد: أن ينتقل من اعتقاد إلى اعتقاد آخر هو أبعد من طريان الشك ونزغات الشيطان لأنا [لا] (٤) نساوى بين العلوم الضرورية والعلوم النظرية، ونمنع التفاضل بينهما فى نفس التعلق، وإنما يصرف التفاضل إلى أن الشك لا يطرأ على الضرورى فى العادة والنظرى قد يطرأ عليه - فيكون إبراهيم سأل ربه زيادة فى الطمأنينة، وسكون النفس، حتى تنتفى الشكوك أصلاً، ويكون المراد من نبينا ﷺ أنا أحق بالشك فى هذا منه على جهة الإشفاق أيضاً [أ] (٥) ويكون المراد بذلك أمَّته ليحضَّهم على الابتهال إلى الله تعالى بالتعوذ من نزغات الشيطان فى عقائد الدين.
قال القاضى: للناس فى معنى سؤال إبراهيم أجوبَةٌ كثيرةٌ، منها الجوابان المتقدمان فى إرادته اختيار المنزلة، أو زيادة اليقين، وقيل: أراد علم كيفيته واطمئنان القلب لمشاهدتها، وكان له علم بالوقوع، وأراد علماً ثانياً بكيفيته ومشاهدته وطمأنينة قلبه، لما كان ينازعه من
стр. 459
الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١) قَالَ: " وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِى السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِى ".
(...) وَحَدّثَنِى بِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِى، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ الزُّهْرِىِّ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَفِى حَدِيثِ مَالِكٍ: ﴿وَلَكِنْ
ــ
حُبّ مشاهدة ذلك، وقيل: أنه لما احتج على الذى حاجَّهُ بأن ربَّه يحيى ويميت طلب ذلك من ربّه؛ ليتضح (٢) استدلاله عياناً بعد أن كان بياناً (٣)، وقيل: [هو] (٤) سؤال على طريق الأدب، والمراد: أقدِرنى على إحياء الموتى. وطمأنينة القلب هنا ببلوغ الأمنية.
وذهب بعض أصحاب الإشارات إلى أن المعنى: أنه أرى من نفسه الشك، وما شك، لكن ليُجَاوَبَ، فيزداد بذلك قُرْبَةً (٥).
وقيل فى قوله ﷺ : " نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم " - سوى ما تقدم -: نفى لشك إبراهيم وإبعاد الخواطر الضعيفة أن تظن بسؤاله ذلك شكاً فيما سأل، أى نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى، فلو شك إبراهيم فى ذلك لكنَّا أولى بالشك - على طريق الأدب - وكلاهما لا يجوز عليه الشك.
وقد بسطنا الكلام فى هذا وشبهه فى القسم الثالث من كتاب " الشفا " (٦).
وقوله ﷺ : " ولو لبثت فى السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعى "، قال الإمام: [هو] (٧) تنبيه على فضل يوسف ﵇ وصبره على المصائب.
قال القاضى: الداعى هاهنا رسول الملك ليأتيه به، فقال له يوسف: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ الآية (٨)، ولم يخف للخروج من السجن الطويل والراحة من البلية العظيمة لأول ما أمكنه
стр. 460
لَيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾. قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هذِهِ الآيَةَ حَتَّى جَازَهَا.
حدّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِى يَعْقُوبُ يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، كَرِوَايَةِ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هذِهِ الآيَةَ حَتَّى أَنْجَزَهَا.
ــ
حتى تثبت وتوقَّر، وراسل الملك فى كشف الأمر الذى سجن بسببه، ومكاشفة النسوة الحاضرات له وتظهر براءته، ويلقى الملك غير مرتاب ولا خجل مما عساه يقع بقلبه مما رفع عنه، فتنبه النبى ﷺ على فضيلة يوسف ﵇ وقوة نفسه [وتوقره] (١)، وصدق نظره للعواقب، وجودة صبره، وأخبر عن نفسه هو بما أخبر على طريق التواضع والأنافة بمنزلة يوسف (٢)، وأنه ﵇ كان يُغلِّبُ الراحة من المحنة أولاً على غير ذلك. ولا يُظَنُّ أن إجابة الداعى هنا هى مراودة المرأة ودعاؤها يوسف لما دعته له.
وقوله فى لوط: " إنه كان يأوى إلى ركن شديد "، قال الإمام: يريد البارى تعالى لأنه الكافى فى الحقيقة.
قال القاضى: كأن النبى ﷺ انتقد عليه قوله هذا، وطلب رحمة الله له من هذا القول (٣)، إذا أراد لوط بالركن عشيرته ليمنعوه من قومه، ويحموا أضيافه عن مرادهم السوء بهم، وأن ضيق صدره بذلك وحَرجَه لما لقى منهم أنساه اللجأ إلى ربه والاعتصام به، وحمله على سنة الله فى خلقه وعادته من اعتصام بعضهم ببعض، والله تعالى أشد الأركان وأقواها وأمنعُها. وقد تكرر الحديثُ آخر الكتاب.