١٠٦ - (٢٢٢٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ العَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا عَدْوَى وَلا هَامَةَ وَلا نوْءَ وَلا صَفَرَ ".
١٠٧ - (٢٢٢٢) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرُ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا غُولَ ".
١٠٨ - (...) وحدَّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ بنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ التُّسْتَرِىُّ - حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا عَدْوَى وَلا غُولَ
ــ
ولم يكن للأول سبب إلا مشيئة الله وقدره، والممرض صاحب المشيئة المريضة، والمصح صاحب المشيئة الصحيحة.
واختلف فى قوله: " لا عدوى "، هل هو على جهة النهى أن يقال ذلك أو يعتقد؟ فعلى هذا يصح دخول النسخ فيه، وأن يكون ناسخًا على قول بعض لقوله: " لا يوردن ممرض على مصح " (١)، وقيل: هو على وجه الخبر لنفيها، وأنه غير موجود ولا مملق (٢)، وعلى هذا لا يصح دخول النسخ فيه. وكذلك اختلفوا، هل قوله على العموم أو الخصوص وقد تقدم فيه ما تقدم من التأويلات، وهو على جملة العموم، وذهب فى معنى قوله فى زيادة فى حديث: " لا يوردن ممرض على مصح " فإنه أذى، هل ذلك راجع إلى نفس العدوى أو إلى تأذى النفس بذلك (٣).
وقيل معنى إعجابه بالفأل الحسن؛ فلما جبلت عليه النفوس من استحسان الحسن من كل شىء بالميل إليه، كما جاء أنه كان يعجبه الأترج والفاغية (٤) والحمام الأحمر ونحوه. وقيل فى قوله: " ولا غول " أى أن الجنى لا تستطيع أن تغول أحدًا، أو تضله، أو تُغَيِّر صفته، ويدل عليه قوله فى الحديث الآخر ولا غول ولكن السعالى قالوا والسعالى:
стр. 3992
وَلاصَفَرَ ".
١٠٩ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ وَلا غُولَ ".
وَسَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ يَذْكُرُ؛ أَنَّ جَابِرًا فَسَّرَ لَهُمْ قَوْلَهُ: " وَلا صَفَر ". فَقَالَ أَبُو الزَّبَيْرِ: الصَّفَرُ: البَطْنُ. فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ دَوَابُّ البَطْنِ. قَالَ: وَلَمْ يُفَسِّرِ الغُولَ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: هَذِهِ الغُولُ الَّتِى تَغَوَّلُ.
ــ
شجرة (١) الجن. ومثله حديث عمر: " أن أحدًا لا يستطيع أن يغير أحدًا عن خلق الله، ولكن للجن [شجرة كشجرتكم] (٢)، فإذا رأيتموهم فأذنوا بالصلاة " (٣)، ومضى الكلام فى قوله: " ولا صفر "، وبقى منه ما حكاه بعضهم أن أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون بصفر (٤).
قال الإمام: وأما الخط فقد تقدم الكلام عليه فيما سبق، وأما النوى فقد تقدم الكلام عليه فيما سبق أيضاً، وأما البوم فالأنثى منه الهامة والذكر يسمى صدى (٥).
قال القاضى: لم يقع عند أشياخنا وفى جميع الروايات التى فى كتبهم فى هذا الحرف إلا النوء وحده.
قال الإمام: وأما قوله: " ولا غول ": فإن العرب كانت تقول: إن الغيلان فى [القلوب برأى] (٦) للناس فتتغول تغولاً، أى تتلون تلوناً، فيضلهم عن الطريق فيهلكهم وقد ذكروها فى أشعارهم فأبطل ذلك ﵇.
١١٥ - (٢٢٢٥) وحدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٍ بنُ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِمٍ - ابْنَىْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " الشُّؤْمُ فِى الدَّارِ وَالمَرْأَةِ وَالفَرَسِ ".
١١٦ - (...) وحدَّثنا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةَ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِمٍ - ابْنَىْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنُ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ، وَإنَّمَا الشُّؤْمُ فِى ثَلاثَةٍ: المَرْأَةِ وَالفَرَسِ وَالدَّارِ ".
ــ
وقوله: فى حديث ابن عمر: " الشؤم فى الدار والمرأة والفرس "، وفى رواية أخرى عنه: " إنما الشؤم "، وفى رواية أخرى عنه: " إن يكن من الشؤم شىء حق " وذكر مثله، ومثله فى حديث سهل بن سعد، وجابر بن عبد الله.
قال الإمام: أما ذكره الشؤم فى الدار والمرأة والفرس، فإن مالكًا أخذ هذا على ظاهره ولم يتأوله، فذكر فى كتاب الجامع من العتبية أنه قال: " [زيد أرسلها] (١) قوم فهلكوا، وآخرون بعدهم فهلكوا "، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره، فإن هذا محمله على أن المراد به: أن قدر الله - سبحانه - ربما اتفق بما يكره عند سكنى الدار، فيصير ذلك كالسبب، فيتسامح فى إضافة الشؤم إليه مجازًا واتساعاً، قالوا: وقد قال فى بعض طرق مسلم: " إن يكن الشؤم حقاً " فهذا لفظ ينافى القطع، ويكون محمله أن يكون الشؤم حقاً، فهذه الثلاث أحق به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها.
وقد وقع فى بعض الأحاديث: أنه ﷺ لما شكى إليه فى بعض الديار ذهاب الأهل والمال، قال: " دعوها ذميمة " (٢).
وقد اعترض بعض أهل العلم فى هذا الموضع بأن قال: فإنه نهى ﷺ عن الفرار من بلد الطاعون، وأباح الفرار من هذه الدار، فما الفرق؟ قيل: قال بعض أهل العلم إن الجامع لهذه الفصول كلها ثلاثة أقسام:
стр. 3995
(...) وحدَّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ - ابْنَىْ عَبْدِ اللهِ - عَنْ أَبِيهِمَا، عَنِ النَّبِىَّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ - ابْنَىْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَر، عَن النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِى عَبْدُ المَلِكَ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. حِ وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. ح وحَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، فِى الشُّؤْمِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. لا يذْكُرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: العَدْوَى وَالطَيرَةَ، غَيْرَ يُونُسَ ابْنِ يَزِيدَ.
١١٧ - (...) وحدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْد اللهِ بْنِ الحَكَمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدُ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " إِنْ يَكُنْ مِنَ الشُّؤْمِ شَىءٌ حَقٌّ، فَفِى الفَرَسِ وَالمَرْأَةِ وَالدَّارِ ".
ــ
فأحد الأقسام: ما لم يقع التأذى به ولاضطرب (١) فيه عادتهم خاصة ولا عامة، نادرة ولا متكررة. فهذا لا يصغى إليه، والشرع أنكر الالتفات إليه وهو الطيرة لأن [نفى الغراى] (٢) فى بعض الأسفار ليس فيه إعلام ولا إشعار بما يكره، أو يختار بلا جهة النذور ولا التكرار، فلهذا قال ﵇: " لا طيرة ".
والقسم الثانى: مما يقع به الضرر، ولكنه يعم ولا يخص، ويندر ولا ينكر (٣) كالوباء، فإن هذا لا يقدم عليه احتياطًا، ولا يفر منه، لعدم أن يكون وصل الضرر إلى الفأل على الندور والتكرار.
والقسم الثالث: يخص ولا يعم، ويلحق منه الضرر كالديار، فإن ضررها مختص بساكنها. وقد ذهب فيها أهله وماله، على حسب ما قال الشاكى (٤) للنبى ﷺ فهذا يباح
стр. 3996
(...) وحدَّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَقُلْ: حَقٌّ.
١١٨ - (...) وحدَّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ ابْنُ بِلالٍ، حَدَّثَنِى عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِى شَىْءٍ، فَفِى الفَرَسِ وَالمَسْكَنِ وَالمَرْأَةِ ".
١١٩ - (٢٢٢٦) وحدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْل بْن سَعْدٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إِنْ كَانَ، فَفِى المَرْأَةِ وَالفَرَسِ وَالمَسْكَنِ " يَعْنِى: الشُّؤْمَ.
ــ
له الفرار.
فهذا التقسيم الذى قسمه بعض العلماء (١) يشير إلى الفرق بين هذه المسائل بعضها من بعض.
قال القاضى: وقد عارض بعض الملحدة هذا الحديث بقوله: " لا طيرة ". قال القتبى: وهذا تعسف، ووجهه: أن هذا الحديث مخصوص بحديث الشؤم، كأنه قال: لا طيرة إلا فى هذه الثلاثة، والطيرة على من تطير. كان أهل الجاهلية يقولون ذلك، فنهاهم النبى ﷺ عن الطيرة، فلم ينتهوا فبقيت فى هذه الثلاثة الأشياء.
وقد روى أبو هريرة عنه ﵇: " الطيرة على من تطير، وإن يكن فى شىء ففى المرأة والدار والفرس "، وهذا يعضد قول من قال (٢): إنه على الاستثناء، وقد جاء فى حديث آخر (٣): " لا شؤم "، وقيل: معناه: أن هذه الأشياء مما يطول التعذب بها وكراهة أمرها، وذلك لملازمتها بالسكنة والصحبة، وإن دفع الإنسان ذلك عن اعتقاده، فكلامه ﵇ بذلك بمعنى الأمر بفراق ذلك وزوال التعذب به، كما قال: " اتركوها ذميمة " (٤).
قال الخطابى: معنى هذا الحديث: [إن طال] (٥) مذهبهم فى التطير بالسوانح والبوارح، إلا أنه قال: إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها، وإمرأة يكره صحبتها، أو
стр. 3997
(...) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
١٢٠ - (٢٢٢٧) وحدَّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: " إِنْ كَانَ فِى شَىْءٍ، فَفِى الرَّبْعِ وَالخَادِمِ وَالفَرَسِ ".
ــ
فرس لا تعجبه ارتباطه - فليفارقه، بأن ينتقل عن الدار، ويبيع الفرس، ويفارق المرأة. وكان مجرى هذا الكلام عن استثناء الشىء من غير جنسه، وتسهل الخروج من كلام إلى غيره.
وقد قيل: شؤم الدار ضيقها، [سوء جارها] (١)، وشؤم الفرس ألا يغزى عليه. وشؤم المرأة ألا تلد (٢).
وقد يكون الشؤم هنا على غير المفهوم منه من معنى التطير، لكن بمعنى قلة الموافقة وسوء الطباع، كما جاء فى الحديث الآخر: " سعادة ابن آدم فى ثلاثة، وشقوة ابن آدم فى ثلاثة: فمن سعادته: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والمركب الصالح. ومن شقاوته: المسكن السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء " (٣)، وجاء فى حديث آخر من رواية جويرية عن مالك عن الزهرى، أن بعض أهل أم سلمة - زوج النبى - أخبره أن أم سلمة كانت تزيد السيف فى الحديث (٤).
стр. 3998
(٣٥) باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان
١٢١ - (٥٣٧) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قاَلا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ابْنِ الحَكَمِ السُّلَمِىِّ، قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهاَ فِى الْجَاهِلَيَّةِ. كُنَّا نَأتِى الكُهَّانَ. قَالَ: " فَلا تَأتُوا الْكُهَّانَ ". قَالَ: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ. قَالَ: " ذَاكَ شَىْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِى نَفْسِهِ، فَلا يَصُدَّنَّكُمْ ".
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنِى حُجَيْنٌ - يَعْنِى ابْنَ الْمُثَنّى - حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قاَلا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهَرِىِّ، بِهَذَا الإسْناَدِ، مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ يُونُس. غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا فِى حَدِيِثِه ذَكَرَ الطَّيَرَةَ. وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْكُهَّان.
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قاَلا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، كِلاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَال يَخُطُّونَ قَالَ: " كَانَ نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ فَذَاكَ ".
ــ
قوله: كنا نأتى الكهان، قال: " فلا تأتوا الكهان "، قالوا: كنا نتطير، قال: " ذلك شىء يجده أحدكم فى نفسه فلا يصدنكم ": أى لا يصدنكم عما كنتم تريدون فعله. قيل: دل من هذا أن النبى ﷺ إنما نهى عن الطيرة أن تعتقد أن لها تأثيراً، ويصمم على العمل بها عمل أهل الجاهلية، وأن نفيه لها نفى لحكمها لا نفى لوجودها إذا كانت الجاهلية تعتقدها، وتدين بها، ويجدون تأثيرها مما يقع فى أوهامهم وتصادف قدر الله وما أمر الكهان.
стр. 3999
١٢٢ - (٢٢٢٨) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قاَلَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ،
ــ
وقوله فى الحديث الآخر: إنهم يحدثونا بالشىء فنجده حقاً، قال: " تلك الكلمة الحق يخطفها الجنى، فيقذفها فى أذن وليه ويزيد فيها مائة كذبة ": كذا لهم، وهو الصواب. وفىِ رواية: " يحفظها "، والأول المحفوظ ونص كتاب الله، قال الله - سبحانه: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ (١).
قال الإمام: أما الكهان فهم قوم يزعمون أنهم قوم يعلمون الغيب بأمر يلقى فى أنفسهم (٢)، وقد أكذب الشرع من ادعى علم الغيب، ونهى عن تصديقهم، وقد ذكر مسلم عن النبى ﵇ وجه إصابة بعضهم فى بعض الأحايين، وأنه من استراق السمع، يسترقه ولى الكاهن من الجن ويوصله إليه.
قال القاضى: الكهانة كانت فى العرب على أربعة ضروب:
أحدهما: [أن يكون له إنسان أى من الخير] (٣) فيخبره بما يسترق من السمع من السماء، وهذا القسم قد بطل منذ بعث الله محمدًا ﷺ ، كما نص الله - تعالى - فى الكتاب (٤).
الثانى: أن يخبره بما يطرأ فى أقطار الأرض وما خفى عنه بما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده ونفت هذا كله المعتزلة (٥) وبعض المتكلمين (٦) وأحالوه، ولا إحالة ولا بعد فى وجود مثله، لكنهم يصدقون ويكذبون، والنهى عام فى تصديقهم والسماع منهم. الثالث: التخمين والخرز، وهذا يخلق الله منه لبعض الناس قوة ما لكن الكذب فى هذا الباب أغلب.
ومن هذا الفن العرافة، وصاحبها عراف، وهو الذى يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعى معرفتها بها (٧)، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن فى ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة وهذا الفن هى العيافة بالياء، وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة عندهم، ويعلمها فى أكثر كتبهم. وفى الحديث الذى ذكر مسلم: " من أتى
стр. 4000
إِنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّىْءِ فَنَجِدُهُ حَقًّا. قَالَ: " تِلْكَ الْكَلِمَةُ الحَقُّ، يَخْطَفُهَا الْجِنِّىُّ فَيَقْذفُهَا فِى أُذُنِ وَلِيِّهِ، وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ ".
١٢٣ - (...) حدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ - عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يَقُولُ: قاَلَتْ عَائِشَةُ: سَأَل أُنَاسٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَيْسُوا بِشَىْءٍ ".
قاَلُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا الشَّىْءَ يَكُونُ حَقًّا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تِلْكَ
ــ
عرافاً فسأله عن شىء لن تقبل له صلاة أربعين يوماً " تقدم معنى العرافة، وأنه من الكهان. قال الهروى: العراف: الحاذى والمنجم الذى يدعى علم الغيب، وقد استأثر الله به.
وأما معاقبته بترك قبول صلاته، فمذهب أهل السنة: أن السيئات لا تبطل الحسنات ولا يحبطها شىء إلا الكفر، والمراد بهذا [القبول] (١) - والله أعلم - قبول الرضى وتضعيف الأجر، ولا قبول الأداء وسقوط العهدة (٢).
وما اختصاصه بأربعين ليلة فى قبول صلاته، وقد جاء مثل هذا فى شارب الخمر (٣) - فمن أسرار الحكمة الشرعية، وقد جاء عدد الأربعين فى تنقل أطوار الخلق فى الرحم؛ من النطفة، والعلقة، والمضغة (٤)، وجاء الحد فى قصة الأظافر والشارب، وحلق العانة أربعون يوماً (٥)، وجاء: " من أخلص الله أربعين صباحاً، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " (٦)، فيحمل فى شارب الخمر أنه ينتقل اللحم المتولد عما شرب من الخمر وتبدله بغيره.
وقد ذكر أهل التجارب أن السمن يظهر فى الحيوان فى أربعين يوماً. وكذلك المخلص أربعين يوماً يظهر بذلك تغيير طباعه عما كانت عليه وانتقال صفاته، ولذلك تغير نبات الشعر والأظفار فى أربعين يوماً.
وقوله فيهم: " ليسوا على شىء " دليل على بطلان قولهم، وأنه لا صحة ولا حقيقة
стр. 4001
الْكَلِمَةُ مِنَ الجِنِّ يَخْطَفُهَا الْجِنَّيُّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةَ، فَيَخْلِطُونَ فِيهاَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ".
(...) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ, أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, بِهَذَا الإِسْنَادِ, نَحْوَ رِوَايَةِ مَعْقِلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
١٢٤ - (٢٢٢٩) حدّثنا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد -قَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ. وَقَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراَهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْن؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الأَنْصَارِ؛ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ, إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟ ". قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ, وَماتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِنَّهَا لا يُرْمَى بهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ, وَلَكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ- إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ, ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّماء الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا, ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ
ــ
له, وفيه جواز الغلو وإطلاق مثل هذا اللفظ العام, والمراد به الخاص من أحوالهم لا ذواتهم؛ لأنهم أشياء بلا شك, ولا يعد هذا كذباً. والخط تقدم الكلام فيه أول الكتاب (١).
وقوله: "أن نبياً كان يخط فمن وافق خطه فذاك" (٢): أي الذي يصيب, وليس فيه دليل على جوازه, وإنما أخبر عن وقوعه وسبب الإصابة فيه أحيانا إذا وافق, كما ذكر أن علم النجوم كان آية لبعض الأنبياء, ثم حرم الشرع النظر فيه (٣). ودخل كل هذا تحت النهي عن الكهانة وتخرص (٤) علم الغيب. وقيل: فيه رخصة للنظر في الخط, وقد تقدم أول الكتاب.
وقوله: في الحديث الآخر "تلك الكلمة من الجن يخطفها (٥) الجني فيقرها في أذن
стр. 4002
الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونُهُمْ مَاذَا قَالَ. قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ
ــ
وليه قر الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة ". قال الإمام: يقال: قررت الخبر فى إذنه أقره قراً: أودعته، وقر الطائر قراً: صوت، قال بعضهم. وقال غيره: قرت الدجاجه قراً. وفى رواية المقريزلى (١) عن البخارى (٢): " قر الدجاجة "، بكسر القاف، وهو حكاية صوتها. قال الخطابى فى غريبه: قرت يقر قراً: وإذا رجعت فيه، قيل: قرقرت وقرقريرا (٣)، قال الشاعر:
[إذاً قر قرت هاج الهوى قرقر يرها] (٤)
وقال الراجز: [صوت الشقراق إذا قال قرقر].
فأظهر لعلة التضعيف على الحكاية، قال: والمعنى: أن الجنى يقذف بالكلمة إلى وليه الكاهن فيتسامع بها الشياطين (٥)، كما يؤذن الدجاجة بصوتها صواحباتها فيتجاوب، قال: وفيه وجه آخر وهو أن تكون الرواية كقر الدجاجة، يدل عليه رواية البخارى: " فيقرها فى أذنه كما تقر القارورة " (٦)، فذكر القارورة فى هذه الرواية يدل على ثبوت الرواية بالدجاجة.
قال القاضى: أما مسلم فلم تختلف الرواية فيه " الدجاجة " بالدال، وأما رواية الزجاجة بالزاى فاختلفت فيها الروايات عن البخارى (٧)، فقد ذكر الدارقطنى أنه مما صحفوا فيه (٨)، وأن الصواب: " الدجاجة " بالدال، تكن رواية " القارورة " تصحح
стр. 4003
بعْضًا، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ بِهِ، فَمَا جَاؤُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ ".
(...) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِىُّ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قاَلا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِى سَلَمَةُ ابْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - يَعْنِى ابْنَ عُبَيْدِ اللهِ - كُلُّهُمْ عَنِ
ــ
ذلك، وأنه بمعنى الزجاجة، ويكون قرها [بمعنى] (١)، قال القابسى (٢) معناه: يكون لما يلقيه لوليه حس كحس القارورة عند تحريكها مع [التدار وعلى] (٣) صفا، وكذا يفهم من الإسناد الآخر، وكذا فى الحديث الآخر (٤) الذى فيه: " كقرقرة الدجاجة "، أى كما يسمع من صوت الدجاجة إذا حكت على شىء.
وقد قيل: قر الزجاجة صوت صب الماء فيها أو الشىء يلقى، يقار: قر عليه دلواً من ماء: إذا صبها عليها. قال صاحب الأفعال: قررت وأقررت الماء فى السقاء: صببته، أو يكون صوت تردد الماء فى القارورة حين صبها. وكذا جاء فى الحديث: " كما تقر القارورة " إذا فرغ ما فيها.
وقال ابن الأعرابى (٥): القَر: ترديد الكلام فى أذن الأبكم حتى يفهمه، وقال: قر ذلك فى أذنه: إذا ساره به. وقال صاحب الأفعال: قررت الخبر فى أذنه أقره قراً: أودعته. وقال أبو زيد: أقره بالكسر، قال بعضهم: فالمعنى على هذا: أنه يقر الكلمة فى أذن الكاهن من غير صوت وعلى القرقرة، والتفاسير الأخر: أنه يضعها بصوت، قالوا: وقوله: " كما يقر القارورة وقر الزجاجة على من رواه، وإنما هو على الاتساع، أى كما يقر الشىء فى القارورة أو يصب الماء فيها، كما قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٦) أى مكر (٧) بالليل والنهار.
стр. 4004
الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ يُونُسَ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَنِى رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الأَنْصَارِ. وَفِى حَدِيثِ الأَوْزَاعِىِّ: " وَلَكِنْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ ". وَفِى حَدِيثِ يُونُسَ: " وَلَكِنَّهُمْ يَرْقَوْنَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ ". وَزَادَ فِى حَدِيثِ يُونُسَ: " وَقَالَ اللهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ (١). وَفِى حَدِيثِ مَعْقِلٍ كَمَا قَالَ الأَوْزَاعِىُّ: " وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ ".
١٢٥ - (٢٢٣٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ - عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ " " منْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ".
ــ
وقيل: إن معناه: أن الجنى يقرها فى أذن وليه الكاهن يسامع بها الشياطين، كما تؤذن الدجاجة بصوتها صواحبها، فيتجاوبن، وذلك من شأنهن قوله وأما ما ذكر عن الفربرى أنه رواه: " قر! بكسر القاف، فلم يضبطه عن الفربرى من جميع الطرق ولا عن غيره، ولا يصح الكسر فيه ولو صحت به الرواية، لكنه وضع فى كتب بعض الشيوخ كما قال.
وقوله: " فيقذفها فى أذن وليه ": أى بلغتها (٢)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ (٣) عَلاَّمُ الْغُيُوب﴾ (٤). قال نفطويه (٥): أن يلقى الحق فى قلب من يشاء، ويحتمل أن يكون معناه: أن يقول فى أذن وليه ما لا يعلم، ولا حقيقة عنده منه إلا ما استرق من كلمة من قصة لا يدرى شرحها وتمامها، قال الله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيد﴾ (٦)، أى يتخرصون ويقولون ما لا يعلمون.
وفى الحديث الآخر من رواية صالح عن الزهرى: " يقرفون (٧) فيه ويزيدون (٨) فيه " بالذال، هذه رواية الجلودى وغيره، وهى بمعنى ما تقدم من التخوص، وقول ما لا يعلمون. وفى رواية ابن ماهان من طريق الهوزنى: " ويقرفون " بالراء، وكذا جاء بغير خلاف
стр. 4005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى رواية الأوزاعى ومعقل، ومعناه عندى: أن يكون من الخلط. قال صاحب العين: القرف: الخلط، أى يخلطون فيها من الكذب، كما قال ويزيدون.
وفى حديث يونس: " يرقون فيها ويزيدون " كذا قيدناه على شيوخنا بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف (١) وفى بعض النسخ: " يرقون " بفتح الياء وسكون الراء، قال بعضهم: وهو الصواب، ومعناه بمعنى: يزيدون (٢)، يقال: رقى فلان على الباطل: إذا تقوله، بكسر القاف. وهو من أكبر (٣) وهو الصعود، أى أنهم يدعون فوق ما سمعوا.
قال القاضى: ولا فرق بين اللفظين، أحدهما مضعف والآخر على أصله.
وقوله: " لكن ربنا إذا قضى أمراً سبح حملة العرش وسبح أهل السماء الذين يلونهم، خى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، قال الذين يلون حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم " ثم ذكر استخبار بعضهم بعضاً حتى يبلغ الخبر هذه السماء، فيخطف الجن السمع: فيه جواز التسبيح عند استعظام الأمور، وذلك أن عظمتها من عظمته تعالى وتحت قدرته فتسبح لك.
وقيل: إن حملة العرش من أقرب الملائكة وأعلاهم منزلة وأكثرهم علماً، وأنهم أول ما يطلع على ما ينكشف من الأمور ويظهر الله من قضائه وعلم غيبه، وأن ملائكة كل سماء إنما تستمد العلم من ملائكة السماء التى فوقها.
قال الإمام: وأما التنجيم، فمن اعتقد اعتقاد كثير من الفلاسفة فى كون الأفلاك فاعلة لما تحتها، وكل فلك يفعل ما تحته حتى ينتهى الأمر إلينا وسائر الحيوان والمعادن والنبات، ولا صنيع للبارى فى ذلك، فإن ذلك مروق من الإسلام (٤).
وأما من قال: لا فاعل إلا الله جلت قدرته، وهو فاعل الكل، ولكن فعل البارى سبحانه فى هذه الجواهر قوى طبيعية يفعل بها، كما خلق فى النار قوة وطبيعة يحرق بها، ويحتجون على ذلك بمشاهدتهم الشمس تسخن ويصلح أكثر النباتات، فيقولون: على هذا غيره مستنكر أن يكون امتزاج قوة المشترى وزحل فى قرانها الأصفر، يكون من التأثير عنه كذا وكذا، ويكون التأثير عن قرانها الأوسط أعظم لزيادة القوة الطبيعية، وقرانهما الأعظم يكون فيه التأثير عظيماً مهولاً؛ لعظم قوتها، وزيادة الطبيعة المؤثرة بانتقالها على صفة أحما (٥).
стр. 4006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويعتذر الحذاق منهم المنتسبون إلى الإسلام العاطلون (١) بهذه الشبهة (٢)، التى هى القياس على ما شوهد من الشمس عن خطاياهم فى كثير من القضايا، بأن يقولوا: فإن القوة الحادثة عن امتزاج الكوكبين واتصالهما على بعض صفات الاتصال التى يذكر، ومنها لا يوقف على حقيقتها، وإنما تؤخذ بالحدس والتخمين فيقع الغلط لأجل ذلك، كما يعرف الطبيب قوة كل عقار على انفراده، ولكنه إذا مزج الكثير منها لا يقف على حقيقة المزاج المركب؛ فلهذا لا يقع الشفاء بكل دواء يشفيه (٣).
ويقولون - أيضاً -: وربما صادمت بعض القوى الأرضية القوى السماوية فمنعها التأثير، فيغلط المنجم حينئذ، وهذا كما أن السم قتال يقضى بذلك الطبيب، فإذا تقدم شاربه بشرب بازهر ذلك السم وترياقه بطل تأثيره.
وهذا مسلك الحذاق منهم، والرد عليهم أن يبطل القول بالطبيعة أصلاً، وهذا مستقصىً فى كتب الأصول (٤)، ومن أقر به أن الفاعل من شرطه أن يكون عالماً قادراً حياً، والطبيعة ليست كذلك عندهم، فلو صح قوة (٥) الفعل إلى قوة ما وليست بحية ولا عالمة، صح إضافة الفعل إلى الموت أمناً (٦)، ويقع هؤلاء فى نفى البارى سبحانه ولا حاجة - على أصلهم - إليه ولا دليل يقوم على إثبات فاعل عالم مختار، وما (٧) المانع على أصلهم أن يكون الذى يسمونه واجب الوجود يفعل بقوة فيه من غير أن يكون عالماً ولا حياً، كما صح أن يفعل بالطبائع عندهم وليست بحية ولا عالمة. ومن صرح بهذا وضح كفره.
وأيضاً، فإن هذه القوة لا يقدرون على بيانها، ولا يزال يضطرهم إلى تفسيرها حتى يلحقوها بالجواهر أو بالأعراض، وكلاهما لا يصح منه خلق الأجسام، ولا الفعل فى غيره.
وأيضاً، فإن المفعول (٨) عندهم على القياس على المشاهدة، على حسب ما قالوه فى الشمس من شرط أفعال المحدثات بعضها فى بعض، أن يكون باتصال أو محاسة أو بوسائط وزحل فى الفلك الشائع (٩) عندهم والإنسان فى الأرض التى هى غير محسوسة عندهم بإضافتها إلى فلك زحل، لا اتصال بينه وبين رجل (١٠)، ولا وسائط يتصل بعضها ببعض، حتى ينتهى الأمر إلى الإنسان، وقصارى ما يشتهون (١١) به الهواء،
стр. 4007
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنه متصل بالإنسان بكل مكان، وهو متصل بما فوقه، هكذا إلى زحل. وهذا باطل من طريقين: إحداهما: أن القوة التى يقبلها الهواء التبريد والتسخين والرطوبة واليبس. فهب أنا سلمنا لهم وقوع بعض الأمراض لتغيير الهواء بفعل زحل فيه، فلما اختص المرض بهذا الإنسان والهواء شامل؟ وما الحيلة فيما يجرى على الإنسان من غير الأمراض لضرب عنقه، أو زوال رياسته، أو ذهاب ماله؟ وهذا بعيد أن يظن أنه من قتل بغير (١) الهواء وأيضاً فان الكرة التى عندهم تعلو الهواء - وهى النار -: يجب إذا وصلت قوة زحل إليها أن ينقلب إلى طبيعة النار أو يتغير عن حقيقتها بمضار من قوة ثابتة مضادة لها فلا تصل القوة إلى الهواء على حالها فتفعل فيه.
وأيضاً، فإنه ما حصل لهم. أكثر من اقتران خمسين (٢)، زعموا أنهما يؤثران فيما يحبهما (٣)، فلو أدعى مدع أن ما تحتهما أثر فيهما، وأما الذى يكون جوابه فكون الشىء فوق أو تحت لا حظ له عندهم فى القوة الفاعلية.
ولو زعم زاعم أن بعض اتصالات الزهرة وعطارد أو الشمس أثر ما أضافوه إلى زحل أو كسب زحل قوة على التأثير، ماذا يكون جوابه؟ وليس له جواب إلا أن يقول: فإنا نشاهد هذا التأثير عند قران هذين النقلين (٤)، سواء كان ما تحتهما على ما قلتموه، أو لم يكن. قلنا: وأنتم - أيضاً - مشاهدون هذا القران، ولا يؤثر ما يجب تأثيره عندكم. فإذا سئلتم عن هذا قلتم: كان فى البروج من الكواكب الثابتة ما أبطل فعله، فإذا أريناكم فى قران آخر تلك الصفة بعينها ولم يؤثر قلتم كان قبله من قوة الاجتماع والاستقبال ما أبطل فعله، فإذا أريناكم هذه النصبة، وأيضاً ولم يؤثر قلتم: كان طالع التحويل يمنع هذا التأثير.
فإذا أيضاً عدنا للمناقضة [قلت] (٥): فإن برج الابتهاء منه معه كذا وكذا، ولا أقل من أنه يدعى أمراً ويذكر اتصالاً ويحيل عليه، ولا قدرة لكم على منعه منه إلا بعوائد تطرد فى تلك النصب، وهو ألا يتفق تكرره مع عدم المقادير (٦)، وكيف يتصور تأثير الطبيعة بأن انتهاء عمر المولود كذا وكذا، وهذا لا مدخل له فى الطبيعة حتى يقدر فعلاً أو مانعاً.
وهذه الطريقة - أيضاً - تضعف طريقة الإسلاميين منهم الذين يقولون: لا خالق إلا الله ، وإنما هى دلالات على الغيوب بعادة أجراها البارى - جلت قدرته - كما أجرى الغيوم والسحب الثقيلة دلالة على الأمطار، وإن كانت ربما خانت؛ لأن ما يذكرونه
стр. 4008
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من الطرق التى يتحصل المعرفة منها يتصل (١) جداً ولا ينضبط. والحذاق منهم يعترفون [بهذا] (٢).
وقد حاول القاضى ابن الطيب (٣) الاعتضاد فى الرد عليهم بالسمعيات وما وقع من العمومات؛ فى ألا يعلم الغيب إلا الله ، وما وقع من الآثار عن النبى ﷺ فى النجوم بالتخصيص (٤). وهذا القدر كاف، وإنما يشير إلى اللباب فى كل طريقة.
стр. 4009
(٣٦) باب اجتناب المجذوم ونحوه
١٢٦ - (٢٢٣١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بِنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: كَانَ فِى وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِليْهِ النَّبِىُّ ﷺ : " إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ ".
ــ
وقوله: كان فى وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل النبى ﷺ : " إنا قد بايعناك فارجع "، قال القاضى: هذا موافق للحديث الآخر فى صحيح البخارى: " وفر من المجذوم فرارك من الأسد " (١)، وقد مضى الكلام على هذا المعنى، وأنه غير معارض لقوله. " لا عدوى "، وهو موافق لقوله: " لا يوردن ممرض على مصح " (٢). وقد اعترض النظام من المبتدعة بمعارضة هذه الأحاديث. وما تقدم من الكلام فى باب العدوى كافٍ فى الرد عليه.
وقد اختلفت الآثار عن النبى ﷺ فى قصة المجذوم وحكمه، فروى عنه ما تقدم، وقد ذكر الطبرى عن جابر: أن النبى ﷺ واكل مجذوماً وأقعده معه، وقال: " كل ثقة بالله وتوكلاً عليه " (٣)، وعن عائشة وقد سألتها امرأة عن الحديث المتقدم فى الفرار منه فقالت: كلا والله، ولكن رسول الله ﷺ قال: " لا عدوى فمن أعدى الأول؟ "، وقد كان لنا مولى أصابه ذلك، فكان يأكل فى صحافى ويشرب فى أقداحى، وينام على فراشى (٤). وهذا يدل من فحوى كلام عائشة أنها لم تنكر الحديث الأول، ولكنها ذهبت إلى نسخه بقوله: " لا عدوى " وبفعله ﵇ وقد روى - أيضاً - ذلك عن أئمة السلف عمر وغيره (٥).
وقد ذهب بعضهم - أيضاً - إلى الجمع بين الحكمين بغير طريق النسخ وترك أحد الخبرين بأن أمره ﵇ بتجنب ذلك على سبيل الاحتياط ومخافة ما يقع فى
стр. 4010
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النفس من أمر العدوى، ثم فعله بخلاف ذلك ليرى أن أمره ليس على الوجوب والتحريم. وإلى هذا نحا الطبرى (١).
وذهب الباجى إلى أنه بمعنى الإباحة، أى إذا لم يصبر على أذاهُ وكرهت مجاورته، فمباح لك أن تفر منه (٢).
قال بعض العلماء (٣): وفى هذا الحديث - وما فى معناه -: الدليل على أنه يفرق بين المجذوم وامرأته، إذا حدث به الجذام وهى عنده لموضع الضرر، إن لم ترض المقام معه. واختلف أصحابنا فى منعه إماءه (٤) إذا كان فى ذلك ضرر أو إباحة ذلك له. قالوا: وكذلك يمنع من المسجد واختلاط الناس (٥).
وكذلك اختلفوا هل يؤمرون إذا كثروا بأن يتخذوا لأنفسهم موضعاً خارجاً عن الناس، ولا يمنعوا من التصرف فى منافعهم ومسكنهم، وهو الذى عليه أكثر الناس؟ أو لا يلزمهم التنحى (٦)؟ ولم يختلفوا فى القليل منهم، ولا يمنعون من الجمعة ويمنعون من غيرها.
وإذا استضر أهل القرية بمن جذم من شركائهم فيها وفى مائها، فقد قال بعض أصحابنا: إن قووا على استنباط ماءٍ آخر من غير حرج ولا ضرر أمروا به، وإلا كلف الآخر أن يستنبطوه أو يقيموا لهم من يستقى لهم، وإلا فهم أحق بنصيبهم من الماء (٧).
نَهَى عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ.
١٣٥ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُميْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمرٌ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ صَالِحًا قَالَ: حَتَّى رآنِى أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ وَزَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَالا: إِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْ ذَوَاتِ البُيُوتِ.
وَفِى حَدِيثِ يُونُسَ: " اقْتُلُوا الحَيَّاتِ " وَلَمْ يَقُلْ: " ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبتَرَ ".
١٣١ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ كَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ لِيَفْتَحَ لَهُ بَابًا فِى دَارِهِ، يَسْتَقْرِبُ بِهِ إِلَى المَسْجِدِ، فَوَجَدَ الغِلْمَةُ جِلْدَ جَانٍّ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: الْتَمِسُوهُ فَاقْتُلُوهُ. فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلُوهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الجِنَّانِ الَّتِى فِى البُيُوتِ.
١٣٢ - (...) وحدَّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَريرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْتُلُ الحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ، حَتَّى حَدَّثَنَا أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ البَدْرِىُّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ جَنَّانِ البُيُوتِ، فَأَمْسَكَ.
١٣٣ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ القَطَّان - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِى ناَفِعٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَباَ لُبَابَةَ يُخْبِرُ ابْنَ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الجِنَّانِ.
١٣٤ - (...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِى، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَبِى لُبَابَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِى عَبْدُ
ــ
الطفيتين والأبتر "، وفى بعضه: " اقتلوا الحيات " لم يزد، وفى بعض طرقه نهى عن قتل الجنان التى تكون فى البيوت " إلا الأبتر وذا الطفيتين "، وفى بعضها: " نهى عن قتل الجنان لم يزد "، وفى بعضها " عن عوامر البيوت "، وذكر حديث الفتى الذى قتل الحيه فمات، وقال: " إن بالمدينة جناً أسلموا، فإذا رأيتم منها شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام، فإذا بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان " وفى بعض طرقه: " إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئاً منها فحرجوا عليها ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فاقتلوه، فإنه كافر " وذكر أمر
стр. 4013
اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعىُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ فِى الْبُيُوتِ.
١٣٥ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ - يَعْنِى الثَّقَفِىَّ - قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى ناَفِعٌ؛ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ المُنْذرِ الأَنْصَارِى - وَكَانَ مَسْكَنُهُ بِقُبَاءٍ فَانْتَقَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ - فَبَيْنَمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسًا مَعَهُ يَفْتَحُ خَوْخَةً لَهُ، إِذَا هُمْ بِحَيَّةٍ مِنْ عَوَامِرِ الْبُيُوتِ، فَأَرَادُوا قَتْلَهَا. فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ: إِنَّهُ قَدْ نُهِىَ عَنْهُنَّ - يُرِيدُ عَوَامِرَ الْبُيُوتِ - وَأُمِرَ بِقَتْلِ الأَبْتَرِ وَذِى الطُّفْيَتَيْنِ. وَقِيلَ: هُمَا اللَّذَانِ يَلْتَمِعَانِ الْبَصَرَ وَيَطَّرَحَانِ أوْلادَ النِّسَاءِ.
ــ
النبى بقتل الحية التى خرجت عليهم فى غار فسبقتهم، فقال: " وقاها الله شركم كما وقاكم شرها "، قال الإمام: [أما حيات المدينة] (١) فإنها لا تقتل بغير إنذار لهذا الحديث المذكور فيها، وأما ما سواها من البلاد فإن مالكاً نهى عن قتل حيات البيوت بغير إنذار، ولكن يرى ذلك فى حيات المدينة.
وأكد ابن نافع (٢) قصر الحديث على ما ورد فيه من حيات المدينة ورأى سائر البلاد بخلافها لما ورد من إباحة القتل عاماً (٣)، وقد قال ﷺ : " اقتلوا الحيات " وذكرها ﷺ فى الخمس التى يقتلها المحرم (٤) والحلال فى الحل والحرم، ولم يذكر إنذاراً، وأخذ هذه الأحاديث على عمومها، وخص المدينة بالحديث الوارد من هذا العموم.
وأما صفة الإنذار: فحكى ابن حبيب عن النبى ﷺ أنه قال: " أنشدكن بالعهد الذى أخذ عليكن سليمان ألا تؤذيننا، وأن تظهرن لنا " (٥).
وأما مالك فإنه قال: يكفى فى الإنذار أن يقول: أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا
стр. 4014
١٣٦ - (...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ عِنْدَنَا ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عُمَرَ بْنِ ناَفِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَوْمًا عِنْدَ هَدَمٍ لَهُ، فَرَأَى وَبَيصَ جَانٍّ. فَقَالَ: اتَّبِعُوا هَذَا الْجَانَّ فَاقْتُلُوهُ. قَالَ أَبُو لُبَابَةَ الأَنْصَارِىُّ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِى تَكُونُ فِى الْبُيُوتِ، إِلا
ــ
تبدو لنا ولا تؤذينا. وأظن مالكاً إنما ذكر هذا لما وقع فى كتاب مسلم: " فحرجوا عليها ثلاثاً " فلهذا ذكر: أحرج عليك. وأما قوله: " ذا الطفيتين ": فقال أبو عبيد (١): الطفية: خوص المقل، وجمعها طفا. وأراه شبه الخطين اللذين على ظهر الحية بخوصتين من خوص المقل. وقال بعض أصحابنا (٢): هما خطان أبيضان على ظهر الحية. والجنان: الحيات، وهى جمع جان. والجان: الحية الصغيرة، وقيل: الرضعة (٣) البيضاء. وأما الأبتر فهو الأفعى.
وحكى ابن مزين (٤) عن عيسى: أنه حمل على المذهب: أن الأبتر وذا الطفيتين يقتلان ولا ينذران وقد تقدم استثناؤهما فى كتاب مسلم (٥).
قال القاضى: قال الخليل (٦) فى ذى الطفيتين: هى حية لينة خبيثة. وأنشد:
كما تذل الطفا من رقية الراقى
وقوله: " يلتمسان البصر " (٧): معناه ما جاء فى الأم فى الرواية الأخرى: " يخطفان " وفى غيره: " يطمسان " (٨)، أى يذهبان به ويبطلانه. ومنه قوله (٩): التمست أحشاءه بالرمح.
وقوله: " يلتمعان البصر " (١٠) بمعنى ما تقدم. وفى حديث ابن مسعود: " لعل بصره سيلتمع " (١١) قال الهروى: أى يختلس (١٢)، ومنه: التمع لونه: إذا ذهب. قال الخطابى: يعنى باللدغ واللسع (١٣). وقد تقدم قول الزهرى فى الأم، وظاهره أشبه أنه خصوص بنفس النظر كأذى العائن بنظره - والله أعلم.
стр. 4015
الأَبْتَرَ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُمَا اللَّذَانِ يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ، وَيَتَتبَّعَانِ مَا فِى بُطونِ النِّسَاءِ.
(...) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى أُسَامَةُ؛ أَنَّ ناَفِعًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ مَرَّ بِابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ عِنْدَ الأُطُمِ، الَّذِى عِنْدَ دَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، يَرْصُدُ حَيَّة. بِنَحْوِ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ.
١٣٧ - (٢٢٣٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى غَارٍ، وَقَدْ أُنزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ فَنَحْنُ نأخُذُهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً، إِذْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ. فَقَالَ: " اقْتُلُوهَا "، فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا، فَسَبَقَتْنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَقَاهَا اللهُ شَرَّكُمْ كَمَا وَقاكُمْ شَرَّهَا ".
(...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ.
ــ
وقوله فى حديث إسحاق: " ويتتبعان ما فى بطون النساء ": كذا لأكثر الرواة، وعند بعضهم: " يبتغيان "، ورجحه بعضهم (١)، وهما بمعنى، كما تقدم: " يسقطان "، وذلك بالروع منه، أو بخاصته كما تقدم وهو أظهر، إذ يشركه غيره فى الروع. ولعل صحيح هذه اللفظة: " يلقيان " بدليل الروايات الأخر: " يسقطان! و " يطرحان " والله أعلم.
وقيل: الجنان: ما لا يتعرض للناس، والخيل ما يتعرض لهم ويؤذيهم (٢)، وأنشد:
يتناوح جنان بهن وخيل
وعن ابن عباس: الجنان: مسخ الجن، كما مسخت القردة فى بنى إسرائيل (٣)، ومثله عن ابن عمر (٤). وقال يعقوب: الجنان: الحيات (٥) قال ابن وهب: عوامر البيوت تتمثل فى صورهَ حية رقيقة بالمدينة وغيرها، وتلك التى نهى عن قتلها حتى تنذر ويقتل ما وجد فى
стр. 4016
١٣٨ - (٢٢٣٥) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ - حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّةٍ بِمِنًى.
(٢٢٣٤) وحدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ فِى غَارٍ. بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ وَأَبِى مُعَاوِيَةَ.
١٣٩ - (٢٢٣٦) وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرُو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِك بْنُ أَنَسٍ عَنْ صَيْفِى - وَهُوَ عِنْدَنَا مَوْلَى ابْنِ أَفْلَحَ - أَخْبَرَنِى أَبُو السَّائِبِ - مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةِ - أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فِى بَيْتِهِ. قَالَ: فَوَجَدْتهُ يُصَلِّى، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِىَ صَلاتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِى عَرَاجِينَ فِى نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ، فَوَثَبْتُ لأَقْتُلَهَا، فَأَشَارَ إلَىَّ: أَنِ اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِى الدَّارِ. فَقَالَ: أَتَرى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ. كَانَ فِيهِ
ــ
الصحارى دون إنذار على كل حال (١). قال مالك: يقتل ما وجد منها فى المساجد، وذكر الترمذى عن ابن المبارك: إنما يقتل من الحيات الحية التى تكون دقيقة كأنها فضة ولا تلتوى فى مشيتها (٢).
وقال النضر بن شميل فى الأبتر: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب، لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما فى بطنها.
وقوله فى حديث أبى سعيد: " فاستأذن الفتى رسول الله ﷺ بأنصاف النهار، فَرجع إلى أهله ": هذا امتثال لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَه﴾ (٣). و " أنصاف النهار " كذا رويناه بفتح الهمزة، يريد: تنصف النهار، يقال: نصْف ونُصْف ونَصِيف، وكأنه وقت لآخر النصف الأول، وأول الثانى فجمعه، كما قَالَ: ظهور الترسين (٤).
وقيل: يحتمل أن يكون [المراد] (٥) بأنصاف النهار مصدر أنصف النهار، يقال:
стр. 4017
فَتى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ. قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتأذِنُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ. فَاسْتَأذَنَهُ يَوْمًا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خُذْ عَلَيْكَ سِلاحَكَ فَإِنِّى أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ ". فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَة، فَأَهْوَى إِلَيْهَا الرُّمْحَ لِيَطْعُنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ. فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِى أَخْرَجَنِى. فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِى الدَّارِ، فَاضْطرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرعَ مَوْتًا، الْحَيَّةُ أَمِ الفَتَى؟ قَالَ: فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ. وَقُلْنَا: ادْعُ اللهَ يُحْيهِ لَنَا. فَقَالَ: " اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ ". ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ".
١٤٠ - (...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا
ــ
أنصف النهار: إذا بلغ نصفه. وبعضهم يقول: إنما يقال: نصف وانتصف، ولم يعرف أنصف.
وقوله: " فرجع إلى أهله ": أى يطالع حالهم وما يحتاج إليه، لا سيما وقد جاء فى الحديث أنه كان حديث عهد بعرس. ويحتمل أن يكون استئذانه لتفقد حال أهله وتأنيسها لقرب عهدها به.
وقوله ﵇: " إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم منها شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام ": إعلام أن من الجن من قد أسلم بالمدينة، وأنه قد يتصور فى صور الحيات؛ ولهذا يذهب من ذهب إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة؛ لتخصيصه إياها بالذكر. وحجة الآخر: أن تخصيصه بالمدينة حينئذ؛ إما لأنه كلم مسلمى المدينة من بنى آدم، وأعلمهم بحكمهم مع من أسلم منهم من جنها، وأنه إذا أسلم سائر بنى آدم فى بلادهم فحكمهم ذلك الحكم مع جنهم، أو لعله لم يكن أسلم حينئذ من الجن [سوى من بالمدينة] (١).
ويقتضى أن حكم بيوت المدينة وغير بيوتها سواء، وأن المراد بالحديث الآخر بالبيوت مواضع العمارة والسكنى لا الصحارى.
ورتب بعض العلماء هذه الأحاديث: أن الأمر بقتل الحيات مطلقاً مخصوص بنهيه
стр. 4018
أَبِى، قَالَ: سَمِعْتُ أَسْمَاءَ بْنَ عُبَيْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ السَّائِبُ - وَهُوَ عِنْدَنَا أَبُو السَّائِب - قاَلَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ إِذْ سَمِعْنَا تَحْتَ سَرِيرِهِ حَرَكَةً، فَنَظَرْنَا فَإِذَا حَيَّةٌ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ صَيْفى. وَقَالَ فِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ لِهَذِه الْبُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأيتُمْ شَيْئًا مِنْهَا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلاثًا فَإِنْ ذَهَبَ، وَإِلا فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ ". وَقَالَ لَهُمُ: " اذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ ".
١٤١ - (...) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، حَدَّثَنِى صَيْفِىٌّ عَنْ أَبِى السَّائِبِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَمُوا، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلاثًا، فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ، فَإِنَّهْ شَيْطاَنٌ ".
ــ
عن حيات البيوت، إلا الأبتر وذا الطفيتين فإنه يقتل على كل حال، كان فى البيوت أو غيرها، أو ما ظهر منها بعد الإنذار، ويخص الإطلاق بالنهى عن قتل الجنان على ذوات البيوت أيضاً، إلا ما خص منه من الأبتر وذى الطفيتين (١).
وقوله: " فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان ": أى إن لم يذهب بالإنذار فقد دل أنه ليس من عوامر البيوت، ولا ممن أسلم، وأنه شيطان، [قتله] (٢) حينئذ مباح، وأنه لا حرمة له بعد الإنذار، وأن الله لا يجعل له سبيلاً للانتصار ممن قتله كما جعل لجنان البيوت ومن أسلم.
وقوله: " ثلاثة أيام ": ظاهرهُ ما قال مالك: أحب إلىّ أن ينذروا ثلاثة أيام (٣). قال عيسى بن دينار: [ينذر] (٤) ثلاثة أيام، وإن ظهرت فى اليوم مراراً، ولا يقتصر على إنذارها ثلاث مرات فى يوم واحد حتى يكون ذلك فى ثلاثة أيام، وعلى قوله فى الأحاديث الأخر: " فليؤذنه ثلاثاً " و " حرجوا عليه ثلاثاً " يحتمل ثلاث مرات، ولكن الحديث الآخر أنها ثلاثة أيام يفسره.
وقوله: " وإنا لنتلقاها من فيه رطبة " يعنى بالمرسلات: هذه استعارة لا كان فيه رطوبة قبل طول مكثه كذلك شبه به غيره، أى نتلقاها ليسمعها منه لأول نزولها كالشىء الرطب فى أول أحواله.
стр. 4019
(٣٨) باب استحباب قتل الوزغ
١٤٢ - (٢٢٣٧) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنةَ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ.
وَفِى حَدِيثِ ابْنِ أَبِى شَيْبَةَ: أَمَرَ.
١٤٣ - (...) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ ابْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنِ المُسَيّبِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا اسْتَأمَرَتِ النَّبِىِّ ﷺ فِى قَتْلِ الوِزْغَانِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا.
وَأُمُّ شَرِيكٍ إِحْدَى نِسَاءِ بنِى عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ. اتَّفَقَ لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ أَبِى خَلَفٍ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ وَهْبٍ قَرِيبٌ مِنْهُ.
١٤٤ - (٢٢٣٨) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مُعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الوَزَغِ، وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا.
ــ
وقوله: " أمر بقتل الوزغ، وسماه فويسقاً " وقوله ﵇ " من قتل وزغة فى أول ضربة فله كذا وكذا حسنة "، فى الرواية الأخرى " فله سبعون حسنة "، وفى الأخرى " مائة حسنة "، " ومن قتلها فى الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة لدون الأولى، فإن قتلها فى الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة لدون الثانية ": تسميته لها بالفسوق كما جاء " خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم " (١).
وأصل الفسق الخروج (٢). وهؤلاء فواسق لخروجهم عن طباع أجناسهم إلى الأذى.
стр. 4020
١٤٥ - (٢٢٣٩) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِلْوَزَغ: " الفُويْسِقُ ". زَادَ حَرْمَلَةُ: قَالَتْ: وَلَمْ أَسْمَعَهُ أَمَرَ بقَتْلِهِ.
١٤٦ - (٢٢٤٠) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فِى أَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، وَمَنْ قَتَلَهَا فِى الضَرْبَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، لِدُونِ الأُولَى، وَإِنْ قَتَلَهَا فِى الضَرْبَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، لِدُونِ الثَّانِيَةِ ".
١٤٧ - (...) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ زَكْرِياءَ.
ــ
والوزغة عندها من أنواع الضر والأذى ما خرجت به عن أجناسها من الحشرات المستضعفات. وأما تخصيصها فى تكثير الأجر لمن قتلها فى المرة الأولى، وتضعيفه على من ضربها ولم يقتلها إلا فى الثانية أو فى الثالثة، فمن أسرار الحكمة والتكليف، وأكثر ما جاءت مضاعفة الأجور على تكثير العمل ومعاودته وتكراره، وهذا بعكسه؛ ولعل السر فى ذلك: الحض على المبادرة لقتلها والحد فيه، وترك التوانى، حتى تفوت سليمة والله أعلم.
وقوله فى سند هذا الحديث: عن سهيل قال: حدثنى أخى، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قال: " فى أول ضربة سبعين حسنة "، قال الإمام: كذا روى هذا الإسناد عن أبى أحمد الجلودى: سهيل حدثنى أخى عن أبى هريرة. ومن رواية الرازى، عنه: حدثنى أختى عن أبى هريرة. وفى كتاب الأطراف لأبى مسعود الدمشقى. حدثنى أخى عن [أبى عن] (١) أبى هريرة. وفى كتاب أبى داود: سهيل حدثنى أخى أو أختى عن أبى هريرة (٢).
قال بعضهم: وما وقع فى رواية أبى العلاء هو خطأ. قال عبد الغنى بن سعيد: إسماعيل بن زكريا (٣) يقول فى هذا الإسناد: حدثنى أخى، ولكن كذا وقع فى
(٣٩) باب النهى عن قتل النمل
١٤٨ - (٢٢٤١) حدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : " أَنَّ نَمْلَةٌ قَرَصَتْ نَبيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَفِى أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ؟ ".
١٤٩ - (...) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " نَزَلَ نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهَلاَّ نَمْلَةً وَاحِدَةً ".
ــ
وقوله: " إن نبياً (١) قرصته نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة ": ظاهره أن التحريق كان غير ممنوع فى شريعته، كما كان أولاً فى شريعتنا حتى نسخ، ويدل عليه قوله: " فهلا نملة واحدة "، فلم يعاقب على إحراق واحدة.
وفيه دليل على جواز قتل النمل وكل مؤذ، لكن الله تعالى عتبه على التشفى لنفسه بقتله هذه الأمة العظيمة المسبحة بسبب واحدة، ودل أنه لم يأت محظورًا ولا ذنباً؛ أنه لم يعنف على ذلك بأكثر مما تقدم. وقيل: كان عتبه بذلك تعنيفاً له لما تقدم منه من سؤاله عما لا يجب؛ لأنه جاء فى خبر: أنه مر بقرية أو بمدينة أهلكها الله تعالى، فقال: يارب، قد كان فيهم صبيان ودواب ومن لم يقترف ذينا (٢)، ثم إنه نزل تحت شجرة. فجرت له هذه القصة التى قدرها الله على يديه؛ تنبيهاً له على اعتراضه على قدر ربه، وفعله ما شاء فى عبيده، فقال له تعالى: " فهلا نملة واحدة، إذ إنما قرصتك واحدة " (٣).
وفيه أن الجنس المؤذى يقتل وإن لم يؤذ، كما يقتل الخمس الفواسق وإن لم تؤذ، ويقتل أولادها وإن لم تبلغ الأذى على أحد القولين.
стр. 4023
١٥٠ - (...) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هريْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَزَلَ نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ فِى النَّارِ ". قَالَ: " فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهلا نَمْلَةً وَاحِدَةً ".
ــ
وقد يكون قتل النمل فى شرع هذا النبى مباحاً أو مأمورًا به، لكنه عتب على ذلك بسبب أذى واحدة، وفيه تنبيه على أن بلاد المعاصى والمناكير لا تأمن العقاب العام.
قال الإمام: يكره قتل النمل عندنا، إلا أن يؤذوا، ولا يقدر على دفعهم إلا بالقتل فيستحق، ولا يحرقوا بالنار، ولا يحرق القمل (١).
قال القاضى: ذكر أهل الأخبار: أن عدى بن حاتم رؤى وهو يفت الخبز للنمل، فقيل له فى ذلك، فقال: إنهم جيران ولهم حرمة. وهذا من فضل كرم حاتم وجوده الموروث.
وقد خرج أبو داود حديثاً: أن النبى ﷺ نهى عن قتل النمل (٢). قال الخطابى: قيل ذلك فى نوع مخصوص منها، وهى الكبار ذوات الأرجل الطوال، فذلك أنها قليلة الضرر (٣).
стр. 4024
(٤٠) باب تحريم قتل الهرة
١٥١ - (٢٢٤٢) حدّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعىُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: " عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِى هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا، حَتَّى مَاتَتْ؛ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لا هِىَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلا هِىَ تَرَكَتْهَا تَأَكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ ".
(...) وحدّثنى نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعلَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَعَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ مَعْنَاهُ.
(...) وحدّثناه هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِذَلِكَ.
١٥٢ - (٢٢٤٣) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا عَبْدةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى
ــ
وقوله: " عذبت امرأة من جراء هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هى أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هى تركتها تأكل من خشاش الأرض " (١): جراء بمعنى: من أجل هرة ومن سبب هرة، فقال: فعلته من أجلك، ومن جريرتك، ومن جراك، ومن جرائك، ومن إجلالك، ومن جلالك ومن جللك، يقول: جراء بمعنى الجريرة، أى دخلت النار بجريرتها وذنبها فيها.
وخشاش الأرض: هَوامها، ويفسره قوله فى الحديث الآخر: " من حشرات الأرض ". وقيل: الخشاش: الهوام وصغار الطير، وهو بفتح الخاء، وقد تقدم أول الكتاب بأشيع من هذا.
وتعذيب هذه المرأة بسبب قتل هذه الهرة يحصل أن يكون هذا العذاب بالنار، أو يكون بالحساب على ذلك؛ فمن نوقش الحساب عذب (٢). وقد جاء فى حديث
стр. 4025
هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِى هِرَّةٍ لَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا، وَلَمْ تَتْرُكْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ ".
(...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيِثِهمَا: " رَبَطَتْهَا ". وَفِى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ: " حَشَرَاتِ الأَرْضِ ".
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. قَالَ: قاَلَ الزُّهْرِىُّ: وَحَدَّثَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . نَحْوَ حَدِيِثِهِمْ.
ــ
العصفور: أنه يحاج عند الله قاتله (١)، يقول له: يارب، لم قتلنى؟ لا هو ذبحنى فأكلنى، ولاهو تركنى أعيش. أو تكون هذه المرأة كافرة فعذبت لكفرها، وزيدت عذاباً بسيئ أعمالها، وكان منها هذا إذ لم تكن مؤمنة فتغفر صغائرها باجتناب الكبائر (٢).
стр. 4026
(٤١) باب فضل ساقى البهائم المحترمة وإطعامها
١٥٣ - (٢٢٤٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِمَا قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ سُمَىٍّ - مَوْلى أَبِى بَكْرٍ - عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ؛ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِى كَانَ بَلَغَ مِنِّى، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِىَ، فَسَقَى
ــ
وقوله: " بينما رجل يمشى بطريق اشتد عليه العطش، فوجد فيها بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش " وذكر باقى الحديث وسقيه له، وقوله: " فشكر الله له فغفر له "، وقوله: " فى كل كبد رطبة أجر " وذكر الحديث الآخر: " أن امرأة بغياً رأت كلباً قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها فغفر لها"، قال الإمام: البغى: الفاجرة (١) وقد تقدم ذكرها.
وقوله: " أدلع لسانه ": أى أخرجه، يقال: دلع لسانه وأدلعه فدلع اللسان: أى خرج.
قال القاضى: ويقال اندلع، ومعناه: خرج عن شفته واسترخى، وهو معنى قوله: " يلهث " أيضاً. قال الخليل: لهث الكلب عند الإعياء وعند شدة الحر، وهو دلع اللسان من العطش، يقال: لهث، بفتح الهاء وكسرها، وفى المستقبل بالفتح لا غير، والاسم: اللهث، بفتح الهاء. واللهاث، بضم اللام.
والموق: الخف، فارسية معربة. ومعنى " نزعت له بموقها ": ألمحما استقت له بيدها فيه. يقال: نزعت بالدلو ونزعت الدلو معاً، والنزوع من البئر، بفتح التون: ما يستقى باليد. وأما على الرواية الأخرى: " فنزعت موقها فاستقت به " فمعناه: خلعته من رجلها، هذا أظهر. ويحتمل، أنه بمعنى الأول، وجاء: " فاستقت له به " تكراراً وبياناً.
وشكر الله يحتمل ثوابه على فعله وجزاؤه عليه، ويحتمل ثناؤه عليه لذلك. وقيل: قبل عمله ذلك، وما تقدم أظهر.
стр. 4027
الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ " قاَلُوا: ياَ رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِى هَذِهِ الْبَهَائِمِ لأجْرًا؟ فَقَالَ: " فِى كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ".
١٥٤ - (٢٢٤٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : " أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِى يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا، فَغُفِرَ لَهَا ".
١٥٥ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيانِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِىٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِى إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ ".
ــ
وقوله: " فى كل ذى كبد رطبة أجر ": إشارة إلى الحياة؛ لأن من مات جف جسمه وكبده أو فنى، وهذا عام فى سائر الحيوان، وأن الإحسان إلى جميعها، كن مملوكات أو غير مملوكات، طاعة لله مأجور صاحبها، مكفر لسيئاته. وبحسب ذلك العقاب على الإساءة لها والوزر. وفى هذا وجوب نفقة (١) الإنسان على [ما يملكه مـ] (٢) ما يستحيا من الحيوان، والنهى عن إهلاكه وتضييعه.
قال بعضهم: وإذا كان هذا، فهذا معارض للأمر بقتلها؛ لأن قتلها ضد الإحسان إليها، وقد تقدم الكلام على حديث قتلها فى البيوع واختلاف الناس فيه، ومن قال: إنه منسوخ بجواز أكل صيدها واتخاذها للزرع والضرع والصيد، وقال غيره: ليس الأمر بقتلها مما يضاد الإحسان إليها، وإن فى ذلك أجراً ما لم يقتل فإذا قتلت أحسنت قتلتها. ففيه إحسان إليها بخلاف تعذيبها وتجويعها وإساءة قتلتها بالعبث فيها.
стр. 4028
٤٠ - كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها
(١) باب النهى عن سب الدهر
١ - (٢٢٤٦) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " قَالَ الله : يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِىَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ".
٢ - (...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى عُمَرَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " قَالَ الله : يُؤْذِينِى ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْل وَالنَّهارَ ".
٣ - (...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " قَالَ الله : يُؤْذِينِى ابْنُ آدَمَ. يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَلا يقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنِّى أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارهُ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا ".
٤ - (...) حدّثنا قُتيْبَةُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ ".
ــ
كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها
قوله: " يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدى الليل والنهار "، وفى الرواية الأخرى: " يؤذينى ابن آدم، يسب الدهر "، وفى الرواية الأخرى: " فلا يقل أحدكم: يا خيبة الدهر، فإنى أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره، وإن شئت قبضتهما ": كذا رويناه فى هذه الأحاديث من جميع الطرق فى جميع المصنفات، وعلى رواية الرفع فسره
стр. 4029
٥ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا تَسبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ ".
ــ
أبو عبيد (١) والشافعى (٢) وغيرهما (٣) من المتقدمين والمتأخرين. وكان محمد بن داود الأصبهانى (٤) يقول: إنما هو الدهر، بالنصب على الظرف، أى أنا مدة الدهر أقلب ليله ونهاره. وحكى هذه الرواية بالنصب أبو عمر بن عبد البر عن بعض أهل العلم (٥). وقال ابن النحاس (٦): يجوز النصب (٧)، أى فإن الله باق مقيم أبداً لا يزول. وقال بعضهم (٨): نصبه على الخصوص، والظرف أصح وأصوب.
وفى الحديث الآخر: " لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر "، قال الإمام: أما قوله: " فإن الله هو الدهر ": فإن ذلك مجاز، والدهر إن كان عبارة عن تعاقب الليل والنهار واتصالهما سرمداً، فمعلوم أن ذلك كله مخلوق، وأنه أخص أجزاء العالم المخلوقة، ولا يصح أن يكون المخلوق هو الخالق، وإنما المراد أنهم كانوا ينسبون الأفعال، لغير الله جهلاً بكونه خالق كل شىء ويجعلون له شريكاً فى الأفعال، فأنكر عليهم هذا الاعتقاد، وأراد أن الذى يشيرون إليه بأنه يفعل هذه الأفعال، [هو الله جلت قدرته ليس هو الدهر] (٩)، وهذا كما لو قال قائل: القاضى فلان قتل فلاناً الزانى، فيقول الآخر: الشرع قتله، لم يقتله القاضى، أو يقول: الشرع هو القاضى، وإنما يعنى أنه يجب إضافة الشىء إلى ما هو الأصل فيه أو التنبيه على غلط
стр. 4030
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القائل [وإرشاده لموضع الصواب؛ إذ ظن به أنه خفى عليه] (١).
قال القاضى: ذكر من لا تحقيق له أن الدهر اسم من أسماء الله، وهذا جهل من قائله، وذريعة إلى مضاهاة قول الدهرية والمعطلة. والمعنى فيه ما تقدم، ويفسره الحديث الآخر نفسه بقوله: " فإنى أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره "، وهذا هو معنى ما أشار إليه المفسرون من أن فاعل ذلك فى الدهر هو الله ، والدهر مدة زمان الدنيا.
قال بعضهم: هو أحد مفعولات الله تعالى، وقيل: بل هو فعله، كما قيل: أنا الموت، وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوه﴾ (٢) وإنما رأوا أسبابه وقد شبه جهلة الدهرية وكفرة المعطلة بهذا الحديث على من لا علم عنده، ولا حجة لهم فيه؛ لأن الدهر عندهم حركات الفلك، وأمد العالم ولا شىء عندهم سواه، ولا صانع عند القائلين بقدم العالم منهم سواه، فإذا كان عندهم هو المراد بالله، فكيف يصرف الدهر؟ ويقلب الشىء نفسه، تعالى الله عن كفرهم وضلالهم.
وقوله: " يؤذينى ابن آدم "، قال الإمام: هو مجاز، والبارى - تعالى - لا يتأذى من شىء، فيحتمل أن يريد: أن هذا عندكم إذا قاله بعضهم لبعض؛ لأن الإنسان إذا أحب آخر لم يصح أن يسبه لعلمه أن السب يؤذيه، والمحبة تمنع من الأذى، ومن فعل ما يكرهه المحبوب، وكأنه قال: يفعل ما أنهاه عنه، وما يخالفنى فيه، والمخالفة فيها أذى فيما بينكم، فيجوز فيها فى حق البارى - سبحانه.