← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

(٤١) باب فضل ساقى البهائم المحترمة وإطعامها ١٥٣ - (٢٢٤٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِمَا قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ سُمَىٍّ - مَوْلى أَبِى بَكْرٍ - عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ؛ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِى كَانَ بَلَغَ مِنِّى، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِىَ، فَسَقَى ــ وقوله: " بينما رجل يمشى بطريق اشتد عليه العطش، فوجد فيها بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش " وذكر باقى الحديث وسقيه له، وقوله: " فشكر الله له فغفر له "، وقوله: " فى كل كبد رطبة أجر " وذكر الحديث الآخر: " أن امرأة بغياً رأت كلباً قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها فغفر لها"، قال الإمام: البغى: الفاجرة (١) وقد تقدم ذكرها. وقوله: " أدلع لسانه ": أى أخرجه، يقال: دلع لسانه وأدلعه فدلع اللسان: أى خرج. قال القاضى: ويقال اندلع، ومعناه: خرج عن شفته واسترخى، وهو معنى قوله: " يلهث " أيضاً. قال الخليل: لهث الكلب عند الإعياء وعند شدة الحر، وهو دلع اللسان من العطش، يقال: لهث، بفتح الهاء وكسرها، وفى المستقبل بالفتح لا غير، والاسم: اللهث، بفتح الهاء. واللهاث، بضم اللام. والموق: الخف، فارسية معربة. ومعنى " نزعت له بموقها ": ألمحما استقت له بيدها فيه. يقال: نزعت بالدلو ونزعت الدلو معاً، والنزوع من البئر، بفتح التون: ما يستقى باليد. وأما على الرواية الأخرى: " فنزعت موقها فاستقت به " فمعناه: خلعته من رجلها، هذا أظهر. ويحتمل، أنه بمعنى الأول، وجاء: " فاستقت له به " تكراراً وبياناً. وشكر الله يحتمل ثوابه على فعله وجزاؤه عليه، ويحتمل ثناؤه عليه لذلك. وقيل: قبل عمله ذلك، وما تقدم أظهر.

стр. 4027

الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ " قاَلُوا: ياَ رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِى هَذِهِ الْبَهَائِمِ لأجْرًا؟ فَقَالَ: " فِى كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ". ١٥٤ - (٢٢٤٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : " أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِى يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا، فَغُفِرَ لَهَا ". ١٥٥ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيانِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِىٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِى إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ ". ــ وقوله: " فى كل ذى كبد رطبة أجر ": إشارة إلى الحياة؛ لأن من مات جف جسمه وكبده أو فنى، وهذا عام فى سائر الحيوان، وأن الإحسان إلى جميعها، كن مملوكات أو غير مملوكات، طاعة لله مأجور صاحبها، مكفر لسيئاته. وبحسب ذلك العقاب على الإساءة لها والوزر. وفى هذا وجوب نفقة (١) الإنسان على [ما يملكه مـ] (٢) ما يستحيا من الحيوان، والنهى عن إهلاكه وتضييعه. قال بعضهم: وإذا كان هذا، فهذا معارض للأمر بقتلها؛ لأن قتلها ضد الإحسان إليها، وقد تقدم الكلام على حديث قتلها فى البيوع واختلاف الناس فيه، ومن قال: إنه منسوخ بجواز أكل صيدها واتخاذها للزرع والضرع والصيد، وقال غيره: ليس الأمر بقتلها مما يضاد الإحسان إليها، وإن فى ذلك أجراً ما لم يقتل فإذا قتلت أحسنت قتلتها. ففيه إحسان إليها بخلاف تعذيبها وتجويعها وإساءة قتلتها بالعبث فيها.

стр. 4028

٤٠ - كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها (١) باب النهى عن سب الدهر ١ - (٢٢٤٦) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " قَالَ الله : يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِىَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ". ٢ - (...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى عُمَرَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " قَالَ الله : يُؤْذِينِى ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْل وَالنَّهارَ ". ٣ - (...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " قَالَ الله : يُؤْذِينِى ابْنُ آدَمَ. يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَلا يقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنِّى أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارهُ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا ". ٤ - (...) حدّثنا قُتيْبَةُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ ". ــ كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها قوله: " يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدى الليل والنهار "، وفى الرواية الأخرى: " يؤذينى ابن آدم، يسب الدهر "، وفى الرواية الأخرى: " فلا يقل أحدكم: يا خيبة الدهر، فإنى أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره، وإن شئت قبضتهما ": كذا رويناه فى هذه الأحاديث من جميع الطرق فى جميع المصنفات، وعلى رواية الرفع فسره

стр. 4029

٥ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا تَسبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ ". ــ أبو عبيد (١) والشافعى (٢) وغيرهما (٣) من المتقدمين والمتأخرين. وكان محمد بن داود الأصبهانى (٤) يقول: إنما هو الدهر، بالنصب على الظرف، أى أنا مدة الدهر أقلب ليله ونهاره. وحكى هذه الرواية بالنصب أبو عمر بن عبد البر عن بعض أهل العلم (٥). وقال ابن النحاس (٦): يجوز النصب (٧)، أى فإن الله باق مقيم أبداً لا يزول. وقال بعضهم (٨): نصبه على الخصوص، والظرف أصح وأصوب. وفى الحديث الآخر: " لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر "، قال الإمام: أما قوله: " فإن الله هو الدهر ": فإن ذلك مجاز، والدهر إن كان عبارة عن تعاقب الليل والنهار واتصالهما سرمداً، فمعلوم أن ذلك كله مخلوق، وأنه أخص أجزاء العالم المخلوقة، ولا يصح أن يكون المخلوق هو الخالق، وإنما المراد أنهم كانوا ينسبون الأفعال، لغير الله جهلاً بكونه خالق كل شىء ويجعلون له شريكاً فى الأفعال، فأنكر عليهم هذا الاعتقاد، وأراد أن الذى يشيرون إليه بأنه يفعل هذه الأفعال، [هو الله جلت قدرته ليس هو الدهر] (٩)، وهذا كما لو قال قائل: القاضى فلان قتل فلاناً الزانى، فيقول الآخر: الشرع قتله، لم يقتله القاضى، أو يقول: الشرع هو القاضى، وإنما يعنى أنه يجب إضافة الشىء إلى ما هو الأصل فيه أو التنبيه على غلط

стр. 4030

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القائل [وإرشاده لموضع الصواب؛ إذ ظن به أنه خفى عليه] (١). قال القاضى: ذكر من لا تحقيق له أن الدهر اسم من أسماء الله، وهذا جهل من قائله، وذريعة إلى مضاهاة قول الدهرية والمعطلة. والمعنى فيه ما تقدم، ويفسره الحديث الآخر نفسه بقوله: " فإنى أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره "، وهذا هو معنى ما أشار إليه المفسرون من أن فاعل ذلك فى الدهر هو الله ، والدهر مدة زمان الدنيا. قال بعضهم: هو أحد مفعولات الله تعالى، وقيل: بل هو فعله، كما قيل: أنا الموت، وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوه﴾ (٢) وإنما رأوا أسبابه وقد شبه جهلة الدهرية وكفرة المعطلة بهذا الحديث على من لا علم عنده، ولا حجة لهم فيه؛ لأن الدهر عندهم حركات الفلك، وأمد العالم ولا شىء عندهم سواه، ولا صانع عند القائلين بقدم العالم منهم سواه، فإذا كان عندهم هو المراد بالله، فكيف يصرف الدهر؟ ويقلب الشىء نفسه، تعالى الله عن كفرهم وضلالهم. وقوله: " يؤذينى ابن آدم "، قال الإمام: هو مجاز، والبارى - تعالى - لا يتأذى من شىء، فيحتمل أن يريد: أن هذا عندكم إذا قاله بعضهم لبعض؛ لأن الإنسان إذا أحب آخر لم يصح أن يسبه لعلمه أن السب يؤذيه، والمحبة تمنع من الأذى، ومن فعل ما يكرهه المحبوب، وكأنه قال: يفعل ما أنهاه عنه، وما يخالفنى فيه، والمخالفة فيها أذى فيما بينكم، فيجوز فيها فى حق البارى - سبحانه.

стр. 4031

(٢) باب كراهة تسمية العنب كرماً ٦ - (٢٢٤٧) حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ، فَإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ، وَلا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ: الْكَرْمَ، فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ ". ٧ - (...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا تَقُولُوا: كَرْمٌ، فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ". ٨ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ ". ــ وقوله: " لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم "، وفى حديث آخر: " فإن الكرم قلب المؤمن "، وفى رواية أخرى: " ولكن قولوا: العنب والحبلة " بفتح الحاء والباء ويسكن الباء أيضاً، وهى أصل الكرمة، مجمل هذا عند أهل العلم على أنه لما حرم الخمر عليهم وكانت طباعهم تحثهم على الكرم ونفوسهم، مجبولة عليه فكره ﵇ أن يسمى هذا المحرم باسم وضع لمعنى يهيج طباعهم إليه عند ذكره، وتهش نفوسهم نحوه عند سماعه، فيكون ذلك كالمحرك على الوقوع فى المحرمات؛ ولهذا احتج ﵇ بقوله: " وإنما الكرم قلب المؤمن " يعنى أن الكرم حبس النفس عن شهواتها، وإمساكها عن المحرمات عليها، فهذه الحالة أحق بأن يسمى كرماً. قال القاضى: يقال: رجل كريم وكرام وكرم، وامرأة كرم ورجال كرم ونساء كرم، كله بمعنى كريم، وصف بالمصدر. وقال الخطابى (١): وتسكن الراء منه، قال الشاعر: فتنبوا المعين عن كرم عجاف قال الأزهرى (٢): سمى به العنب لكرمه؛ لأنه ذل لقاطفه ونيس عليه شوك يؤذى

стр. 4032

٩ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ: الْكَرمُ، فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ". ١٠ - (...) وحدّثنا ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ، لِلْعِنَبِ: الْكَرْمَ، إِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ ". ١١ - (٢٢٤٨) حدّثنا عَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ - عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " لا تَقُولُوا: الْكَرْمُ، وَلَكِنْ قولُوا: الْحَبَلَةُ " يَعْنِى: الْعِنَبَ. ١٢ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " لا تَقُولُوا: الْكَرْمُ، وَلَكِنْ قُولُوا: الْعِنَبُ وَالْحَبَلَةُ ". ــ جانيه ويحمل الأصل منه ما يحمل النخلة، أو أكثر، وكل شىء كثر نفعه فقد كرم. وأصل الكرم: الكثرة والنفع، فالكريم من كثر نفعه وكثرت فضائله، ومنه: نخلة كريمة للكبيرة الحمل، وناقة كريمة: الكثيرة اللبن، وأرض كريمة: الكثيرة النبات. وقد يسمى بالكرم الرفيع القدر؛ لأن من كثر نفعه عظم قدره.

стр. 4033

(٣) باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد ١٣ - (٢٢٤٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِى وَأَمَتِى، كُلُّكُمْ عَبِيدُ الله، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ الله، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلامِى وَجَارِيَتِى، وَفَتَاىَ وَفَتَاتِى ". ١٤ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِى، فَكُلُّكُمْ عَبِيدُ الله، وَلَكِنْ لِيقُلْ: فَتَاىَ. وَلا يَقُلِ الْعَبْدُ: رَبِّى، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: سَيِّدِى ". (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيِعُ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثهِمَا: "وَلا يَقُلِ الْعبْدُ لِسَيِّدِهِ: مَوْلاىَ ". ــ قوله: " لا يقل أحدكم عبدى وأمتى، كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: فتاى وفتاتى وغلامى وجاريتى " و" لا يقل العبد: ربى، ولا يقل العبد لسيده: مولاى، فإن مولاكم الله، وليقل: سيدى "، وفى حديث آخر: " مولاى "، وفى حديث آخر: " ولا يقل أحدكم: اسق ربك، وضئ ربك ". قال الإمام: [قال ابن شعبان فى الزاهى: لا يقل السيد: عبدى وأمتى، ولا يقل المملوك: ربى ولا ربتى، وذكر حديثاً فى ذلك وهو نحو مما فى كتاب مسلم. قال القاضى] (١): بين فى الحديث العلة فى ذلك من اشتراك اللفظ بين المخلوق والخالق، وأن الربوبية إنما هى حقيقة لله تعالى، فيجب للعبد المربوب ألا يسامح بتسميته بذلك وندائه بذلك بحال. وأصل الربوبية الملك وكل من ملك شيئاً فهو ربه. والربوبيه - أيضاً - القيام على

стр. 4034

وَزَادَ فِى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ: " فَإِنَّ مَوْلاكُمُ الله ". ١٥ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا يَقُلْ أَحِدُكُمُ: اسْقِ رَبَّكَ، أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ. وَلا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: رَبِّى، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِى، مَوْلاىَ. وَلا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِى، أَمَتِى، وَلْيَقُلْ: فَتَاىَ، فَتَاتِى، غُلاَمِى ". ــ الشىء، يقال لمن أصلح شيئاً وقام به: قد ربه يربه، ومنه سمى الربانيون؛ لقيامهم بشرائع مللهم، لكن لا رب حقيقة ولا مالك حقيقة ولا فاعل حقيقة إلا الله تعالى، فهو رب الأرباب، ومالك كل مالك، وخالق كل شىء ورازق، وقيام السماوات والأرض والقائم على كل تفس بما كسبت، وغيره مخلوق بملك مملوك غير مالك لنفسه ولا قديم، الملك لما ملك ولا يدوم له ولا يعم ملكه. فإن قيل: فإذا نهى النبى ﷺ عن هذا، فما الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّك﴾ (١) و ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّك﴾ (٢)، ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَاي﴾ (٣)، وقوله ﵇ فى أشراط الساعة: " أن تلد الأمة ربتها " (٤) فأعلم أن هذا مما تقدم مثله فى النهى عن تسمية العشاء العتمة، تم قد سماها ﵇ عتمة فى بعض الأحاديث، وأن النهى عن ذلك أن يتخذ عادة، ولا يذكر اسم سواه حتى يغشوا ويستعمل استعمال مثله فى الخالق تعالى، وربما أدخل اللبس باستعمال مثله على الضعفاء بعض الزنادقة، وأصحاب الإلحاد والحلول من النصارى وأصحاب التنابيح (٥)، وغلاة الرافضة، وغلاة الباطنية؛ من تسميتهم بعض الناس أرباباً وادعائهم ذلك حقيقة فيهم، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (٦) تعالى الله عن قولهم. ولم ينه نهى وجوب وحتم، بل نهى أدب وحظر، ثم خاطبهم أحياناً بما فهم عنه من صحة استعمالهم له فى لغتهم وعلى

стр. 4035

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غير الوجه المذموم، ولأن ذكر النبى لما ذكر فيهم أمن فيه ما يقع من المعين إذا سمع نداءه بذلك عنده، وما يقع فى نفسه من التعظيم والكبر. وأما ما ذكر عن يوسف، فيحمل أنه كان استعمالهم فى ذلك الوقت فى حق الملوك، والنهى إنما جاء فى شرعنا. والفرق بين الرب والسيد وإن كان قال النبى ﵇ للذى قال له: أنت سيد قريش: " السيد الله " (١) على مقابلة اللفظ، وإعطاء اللفظ حقه. وقيل: إن لفظ السيد غير مستعمل، فى حق الله استعمال الرب، ولا متداول على الألسن من صفاته، ولا جاء فى الكتاب ولا فى حديث متواتر تسميته بذلك، وقد كره مالك الدعاء بسيدى (٢) وإن كان الله هو السيد حقيقة. والنبى ﷺ إنما قال ذلك على طريق التواضع، وكراهة المدح فى الوجه، وقد قال للأنصار: " قوموا لسيدكم " (٣) يعنى سعد بن معاذ، وقال: " اسمعوا ما يقول سيدكم " (٤) سعد بن عبادة. والسيد: رئيس القوم ومعظمهم ومقدمهم فى الخير والفضل، والقائم بأمورهم ومصالحهم. وسيد المرأة: بعلها، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ﴾ (٥). وسيد الدار: قيمها، وهو فى حق الله تعالى بمعنى مالك الخلق ومدبرهم، فليس فى قول العبد: سيدى، إشكال؛ إذ قد يستعمله غير العبد، ولا فيه ما يدخل لبساً ولا كبراً ولا تشبهاً. بالخالق كما يأتى فى لفظ الرب. وكذلك مولاى، فإن المولى: الناصر، والمولى والمنعم بالعتق والمنعم عليه وابن العم والحليف، وهى لفظة منصرفة مستعملة فى القرآن والحديث فى هذه المعانى، فأبيح هنا ذكرها فى حق العبد لسيده لكثرة استعماله فى المخلوقين فى معنى الولاية والقيام بالأمر والإنعام، والله تعالى مولى الذين آمنوا، ونعم المولى ونعم النصير، فهو أيضاً المولى حقيقة، والمالك يقيناً، والنعم عموماً، وناصر أوليائه خصوصاً. لكن جاء فى كتاب مسلم من رواية وكيع وأبى معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن

стр. 4036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبى هريرة: " ولا يقل العبد لسيده: مولاى " زاد أبو معاوية: " فإن مولاكم الله "، ولم يذكر جرير عن الأعمش [هذه اللفظة فى الكتاب، وإنما نهى عن قوله: " ربى " وذكر فيه من حديث معمر عن همام عن أبى هريرة مثله، وبينه وزاد خلاف رواية وكيع وصاحبه، وقال: " فليقل سيدى ومولاى "، وهذا - والله أعلم - أصح للاختلاف فيه عن الأعمش] (١) كما تقدم، وكما نهى العبد عن قول هذا، كذا نهى السيد فى الحديث أن يقول: عبدى وأمتى، وبين العلة فى ذلك بقوله: " كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله ". فنهى عن التطاول، فى اللفظ كما نهى عنه فى الفعل وأمر بالتواضع، إذ هو عبد مثله حقيقة فليجتنب هذه اللفظة تواضعاً واعترافاً بملك الجميع لله، فإن حقيقة ملك الحر والعبد لله، وإنما ملك بنو آدم من بنى آدم بحكم علة الكفر المسلطة على المالك منافعهم وحركاتهم وتصرفاتهم لا أشخاصهم؛ ولهذا قال أصحابنا: إذا قال الرجل لعبده: وهبتك خدمتك أو خراجك أو عملك فهى حرية له. قوله: " وأمره ﵇ بأن يقول: غلامى وفتاى وجاريتى وفتاتى " إذ هذه ألفاظ تنطلق على الحر والعبد، وليس فيها من معنى الملك ما فى عبدى، وإنما هى بمعنى الاختصاص، قال الله تعالى: ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِه﴾ (٢) أى عبدها، ﴿وَقَالَ لفِتْيَتِهِ﴾ وقرئ ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ (٣) ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاه﴾ (٤) ولم يكن هَذا عبداً هو يوشع بن نون صاحبه. وأصل الفتوة الشباب، وهو الفتاء، بالد. والرجل الشاب فتى، بالقصد، وفتى أيضاً، وهى بعد الغلومية. وأصل الغلومية فى بنى آدم فى الصغر، ينطلق عليه اسم غلام، من حين يولد إلى أن يبلغ، فينقطع عنه اسمها.

стр. 4037

(٤) باب كراهة قول الإنسان: خبثت نفسى ١٦ - (٢٢٥٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلاَهُمَا عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِى، وَلِكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِى ". هَذَا حَدِيثُ أَبِى كُرَيْبٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَلَمْ يَذْكُرْ: " لَكِنْ ". (...) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ١٧ - (٢٢٥١) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالا: أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِى، وَلْيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِى ". ــ قوله: " لا يقولن أحدكم: خبثت نفسى، ولكن ليقل: لقست نفسى "، قال الإمام: لقست نفسى، أى غثت. قال القاضى: قال أبو عبيد (١) وغيره: لقست وخبثت بمعنى، لكن كره ﵇ لفظ الخبث وبشاعة الاسم، وعلمهم الأدب فى المنطق واستعمال الحسن منه، وهجران القبيح. وقيل: اللقس: سوء الخلق. وقال ثعلب عن ابن الأعرابى: لقست نفسى، أى ضاقت. وقال الأصمعى: معناه: غثت. قال ثعلب: وقول ابن الأعرابى أحسن، لأن النفس تضيق من الأمر ولا يكون فيها غثيان. ولا يعترض على هذا بقوله ﵇: " فأصبح خبيث النفس كسلان " (٢)؛ فإن النبى ﷺ هذا مخبر عن غيره معين، وعن مذموم من الفعل يصلح فيه استعمال هذا اللفظ، ولو أخبر به مخبر عن نفسه من نومه عن الصلاة وعقد الشيطان على قافيته.

стр. 4038

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفى هذه الأحاديث كلها إرشاد منه ﵇ لأمته عظيم إلى أن تعرف مواضع الألفاظ المشتركة بالشىء المكروه، والتجنب عنها، وترك المبالغة والإغراق فى الأوصاف، واستعمال ألفاظ التواضع والعبودية، وترك ألفاظ التطاول والجبرية والتعظيم والكبرياء، وإشارة إلى تجنب الذرائع كلها، لما لا يجب ولا يجوز فعله أو قوله، أو التشبه بمن يفعله أو يقوله.

стр. 4039

(٥) باب استعمال المسك، وأنه أطيب الطيب وكراهة ردّ الريحان والطيب ١٨ - (٢٢٥٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِى خُلَيْدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ قَصِيرَةٌ، تَمْشِى مَعَ امْرَأَتَينِ طَوِيلَتَيْنِ، فَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، وَخَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ مُغْلَقٍ مُطْبَقٍ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسكًا - وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ - فَمَرَّتْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَلَمْ يَعْرِفُوها. فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا " وَنَفَضَ شُعْبَةُ يَدهُ. ١٩ - (...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالْمُسْتَمِرِّ، قَالا: سَمِعْنَا أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذَكَرَ امْرَأَةً مِنْ بَنِى إِسْرَائِيَلَ، حَشَتْ خَاتَمَهَا مِسْكًا. وَالْمِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ. ــ ذكر مسلم حديث الإسرائيلية القصيرة، وهو اتخاذها لذلك رجلين من خشب حتى مشيت بين الطويلتين فلم تعرف، واتخاذها المسك فى خاتمها وهو أطيب الطيب. إذا كانت فعلت هذه المرأة هذا لتستتر لا تتميز فحسن ذلك، وإن فعلته لتظهر نفسها بالكمال للرجال والتزين لهم فغير مباح فعلها فى الشرع. وأما اتخاذها المسك فى خاتمها وإشارتها به، فذلك غير مباح عندنا إذا خرجن. والطيب على النساء إذا لم يخرجن غير ممنوع. وفى الحديث: " لا تقبل صلاة المرأة تطيبت لهذا المسجد، حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة " (١)، وفيه: " فليخرجن إذا خرجن ثقات " (٢). وقوله ﵇ فى المسك " وهو أطيب الطيب ": تدل على طهارته، وجواز استعماله. والإجماع قد وقع عليه وهو العمدة فيه، غير ملتفت إلى أصله، ولا ما يولد عنه، وهو غير (٣) مخصوص من سائر ما يشبهه من النجاسات ورطوبة الميتات وأجزائها

стр. 4040

٢٠ - (٢٢٥٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهيْرُ بْنُ حَربٍ، كِلاَهُمَا عَنِ الْمُقْرِئ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِىُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى أَيُّوبَ، حَدَّثَنِى عُبَيْدُ الله ابْنُ أَبِى جَعْفَر، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلا يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيف الْمَحْمَلِ طَيِّبُ الرِّيحِ ". ٢١ - (٢٢٥٤) حدّثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَبُو طَاهِرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى - قَال أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا - ابنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ بِالأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ، وَبِكَافورٍ، يَطْرَحُهُ مَعَ الأَلُوَّة. ثمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ الله ﷺ . ــ وقد مر منه، ولم يذكر فيه خلاف إلا ما حكاه عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ولا تصح، والمعروف من السلف إجماعهم على استعماله، واقتداؤهم بالنبى ﷺ فى ذلك. وقوله ﵇: " من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح ": قال صاحب العين: الريحان كل بقلةٍ طيبة الريح. وقد يحتمل عندى أن يراد به فى هذا الحديث الطيب كله، وقد جاء فى الحديث مثل هذا: " من عرض عليه طيب " الحديث بنصه، وذكره أبو داود (١). وفى البخارى: " كان النبى ﷺ لا يرد الطيب " (٢)، وفى الحديث: نهى المحرم أن يكتحل بالإثمد المروح (٣). قالوا: معناه الطيب بالمسك، وهذا يقوى أن المراد بالريحان الطيب - والله أعلم. وقوله: " كان ابن عمر إذا استجمر استجمر بألوةٍ غير مطراةٍ، وكافور يطرحه مع الألوة، وقال: هكذا كان يستجمر رسول الله ﷺ ": الاستجمار هنا: البخور، مأخوذ من الجمرة. قال الإمام: قال الأصمعى: الألوة: العود يتبخر به، وأراها كلمة فارسية عربت. قال أبو عبيد (٤): وفيها لغتان: الأُلوة، بفتح الهمزة وضمها. وحكى غيره عن

стр. 4041

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكسائى: ألية. قال غيره (١): وفيه لغتان: مخفف، ومشدد، بكسر الهمزة وضمها. وفى كتاب الهروى (٢) قال بعضهم: لوة ولية، وتجمع الألوة الألويه. قال القاضى: وقوله: " غير مطراة ": أى غير ملطخة بخلوق أو طيب غيرها. وأصله غير مطررة، من طررت الحائط: إذا غشيته بجص أو جير وحسنته وجددته. وقد يحتمل أن يكون " مطراة " محسنة، مبالغة. وذلك من الإطراء وهو المبالغة فى المدح. وفيه جواز استعمال البخور للرجال، واستعمال الأرايج الطيبة من جميع وجوهها وأنواع الطيب، وذلك مندوب إليه فى الشريعة لمن قصد به مقاصده، من امتثال أمر نبيه ﵇ بذلك ليوم الجمعة، والأعياد، ومجامع الناس، ليدفع عن نفسه ما يكره من الروائح، وليدخل على المؤمنين راحة ويدفع عنهم مضرة، وما يوافق الملائكة من ذلك فى المساجد، ومظان حلق الذكر وغيرها، وليقوى دماغه، ويصلح خاطره، ويطيب نفسه؛ لتأثير الطيب فى تقوية هذه الأعضاء، وليعينه على ما يحتاج إليه من أمور النساء، فله فى ذلك من التأثير ما لا ينكر، ولتطيب رائحته عند أهله وإخوانه المؤمنين، وتظهر مروءته ونظافته؛ وقد بنى الإسلام على النظافة. ولا يفعل هذا فخراً أو رياءً واختيالاً بدنياه ومباهاة بوجده، فالله لا يحب كل مختالٍ فخور.

стр. 4042

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤١ - كتاب الشعر ١ - (٢٢٥٥) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْن الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمًا. فَقَالَ: " هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِى الصَّلْتِ شَيْئًا؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " هِيهِ "، فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا. فَقَالَ: " هِيِه "، ثُمَّ انْشَدْتُهُ بَيْتًا. فَقَالَ: " هيه "، حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ. (...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَن إِبْرَاهِيمَ ابْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ - أَوْ يَعْقُوبَ بْنِ عَاصِمٍ عَنِ الشَّرِيدِ - قَالَ: أَرْدَفَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفَهُ. فَذَكَرَ بِمِثْلِهَ. (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِىِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اسْتَنْشَدَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ . بَمِثلِ حَدِيث إِبْرَاهِيمَ ابن مَيْسَرَةَ. وَزَادَ: قَالَ: " إِنْ كَادَ لَيُسْلِمُ ". وَفِى حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِىٍّ قَالَ: " فَلَقَدْ كَادَ يُسْلِمُ فِى شِعْرِهِ ". ــ كتاب الشعر ذكر مسلم استنشاد النبى ﷺ للشريد بن سويد (١) شعر أمية بن أبى الصلت وقوله: " هيه " إلى أن أنشده مائة بيت، وقوله: " إن كاد ليسلم "؛ فيه جواز سماع أشعار الجاهلية وأخبارها، والتحدث بها وإنشادها (٢). و " هيه " مكسورة الهاء ساكنة الياء والهاء الآخرة: كلمة استزاده، أى زد، وأصلها: إيه، فإن نونت فهو استزادة ما [لا] (٣) يعرف، وإن كسرت ولم ينون فهو استزادة لما يعرف.

стр. 4043

٢ - (٢٢٥٦) حدَّثنى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، جَمِيعًا عَنْ شَرِيكٍ. قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ كَلِمَةُ لَبِيدِ: " أَلا كُلُّ شَىْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلٌ ". ــ وفيه أن الشعر لنفسه ليس بمنكر، وإنما المنكر منه المذموم الإكثار منه، أو ما يتضمنه من الهجاء للمسلمين، وقذف المحصنات، والتشبيب بالحرم، وذكر أوصاف الحريم وأنواع الباطل مما يهيج طباع البشر المرتكبين لذلك وتجرئهم على المعاصى. وقد جاء من ذلك أشياء فى أشعار حسان وكعب وغيرهما مما مدح به النبى ﵇ فى وصف الخمر والتشبب بغير معين جرياً على عادة العرب فيستخف منه القليل، ولم ير أصحابنا بمثل هذا رد شهادة الشاهد، ولا جعلوه جرحة فيه (١). قال الإمام: خرج مسلم فى هذا الباب: حدثنا زُهير بن حرب وأحمد بن عبدة، جميعًا عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد أو يعقوب بن عاصم ابن الشريد، عن الشريد قال: أردفنى رسول الله ﷺ خلفه. هكذا إسناد هذا الحديث، ووقع عند أبى العلاء: عن الشريد، عن أبيه، وهذا وهم. والشريد هو الراوى عن رسول الله ﷺ لا أبوه، وهو الشريد بن سويد الثقفى. قال القاضى: الأسانيد الأخر عن عمرو بن الشريد عن أبيه تصحح الوهم فى هذا السند من رواية ابن ماهان، وكان فى كتاب ابن أبى جعفر فيه تخليط آخر زائد قال فيه يعقوب بن عاصم: يعنى عن ابن الشريد، قال: أردفنى رسول الله ﷺ . كذا كان عنده، وفيه الوهم من وجوه: منها: قوله: ابن عصام (٢)، وإنما هو ابن عاصم كما تقدم. ومنها: قوله: يعنى عن ابن الشريد، وإنما صوابه: يعنى ابن السويد (٣)، وهو يعقوب بن عاصم بن الشريد، وإنما يروى الحديث عن أبيه الشريد. ومنها: أنه ليس عنده عن أبيه وأراه إنما كان إصلاحًا من بعض الشيوخ لرواية ابن ماهان، فأصبح عن الشريد، ورد ابن لتصبح له زيادة عن أبيه، فلم يتيقن فى كتاب شيخنا فزاد تخليطاً.

стр. 4044

٣ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ، كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شَىْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلٌ وَكَادَ أُمَيَّةُ ابْنُ أَبِى الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ ". ٤ - (...) وحدّثنى ابْنُ أَبِى عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاَلَ: " أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ: أَلا كُلُّ شَىْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلٌ وَكَادَ ابْنُ أَبِى الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ ". ٥ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بن الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىَّ ﷺ ، قَالَ: " أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَتْهُ الشُّعَرَاءُ: أَلا كُلُّ شَىْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلٌ ". ــ وقوله: " أصدق كلمة قالها شاعر "، وفى رواية: " أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: ألا كل شىء ما خلا الله باطل ". هذا على الحقيقة. ومعنى باطل هنا: مضمحل أو فان. وأما الذى هو ضد الصحيح والصدق فلم يرده؛ إذ لا ينطلق على هذا باطل من هذه الجهة. وقوله: بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ : [بالعرج إذ عرض له شاعر ينشد، فقال رسول الله ﷺ ] (١): " خذوا الشيطان - أو أمسكوا الشيطان - لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً، خير له من أن يمتلىء شعراً "، وفى الرواية الأخرى: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه، خير له من أن يمتلئ شعراً ".

стр. 4045

٦ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلٌ " مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ. ٧ - (٢٢٥٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوَيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيَةَ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرةَ، قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : " لأَنْ يَمْتَلِئ جَوْفُ الرَّجُلِ قَيْحًا يَرِيهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلا أَنَّ حَفْصًا لَمْ يَقُلْ " يَرِيهِ ". ٨ - (٢٢٥٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جَبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " لأَنْ يَمْتَلِئ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا يَرِيهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا ". ــ قال الإمام: قال أبو عبيد: قال الأصمعى: هو من الورى على مثال الرّمى، وهو أن تدوى جوفه، يقال منه: رجل مورى، مشدد غير مهموز. قال أبو عبيد: هو أن يأكل القيح جوفه (١) قال صاحب الأفعال: يقال: ورى الإنسان والبعير ورىً، دوى جوفه ووراه الروا ورياً أفسد جوفه، وورى الكلب: سعر أشد السعار (٢). قال أبو عبيد: وقوله ﵇: " خير له من أن يمتلئ شعراً " قال بعضهم: يعنى من الشعر الذى هجى به النبى ﷺ لو كان شطر بيت لكان كفراً، فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه فقد رخص فى القليل منه، ولكن وجهه عندى [أن] (٣) يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله ، فيكون الغالب عليه من أى الشعر كان، فإذا كان القرآن والعلم الغالب عليه فليس جوف هذا يمتلئ من الشعر.

стр. 4046

٩ - (٢٢٥٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ يُحنِّسَ - مَوْلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ - عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدَّرِىِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالعَرْجِ، إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ. فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " خُذُوا الشَّيْطَانَ - أَوْ امْسِكُوا الشَّيْطَانَ - لأَنْ يَمْتَلِئ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا ". ــ قال القاضى: وقوله: " أمسكوا الشيطان ": هذا الحديث وشبيهه مما يحتج به من نهى عن الشعر ومنعه جملة، قليله وكثيره، واحتج بهذا وشبهه. وإليه ذهب الحسن ومسروق وعبد الله بن عمرو بن العاص (١) فى آخرين والكافة على خلافه، وأنه كالكلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، كما روى عن الشافعى (٢). وقد روينا هذا الكلام مرفوعاً (٣) للنبى ﷺ ، وقد أنشد النبى ﵇ الشعر وتمثل به، واستنشده، وقال أصحابه، وحضهم على قوله فى هجاء المشركين. وقد روى عن الخلفاء، وأئمة الصحابة، وفضلاء السلف فى استشهادهم به، وإنشادهم وقولهم الجيد منه والرقيق والمثقف فى ضروب أفانينه ما يغنى عن جلب شاهد عليه لشهرته (٤)، وإنما المذموم الوجوه المتقدمة، وبالله التوفيق.

стр. 4047

(١) باب تحريم اللعب بالنردشير ١٠ - (٢٢٦٠) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةً، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِى لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ ". ــ وقوله: " من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده فى لحم خنزير ودمه "، قال الإمام: مالك ينهى عن اللعب بالنرد والشطرنج، ويرى الشطرنج شراً من النرد وألهى منها (١)، وهذا الحجة حجة له، فإن كان ورد فى النردشير قيست الشطرنج عليها، لاشتراكهما فى كونهما شاغلين عما يفيد فى الدين والدنيا، موقعين فى القمار [أو التشاجر الحادث فيهما عند التغالب، مع كونهما غير مقتدين] (٢)، وقد نبه مالك على هذا بقوله: الشطرنج ألهى، وينهى عن اللعب القليل والكثير بقمار أو غير قمار؛ لأن القليل يوقع فى الكثير، واللاعب - وإن ترك القمار - قد يقع فى القمار، لكن رد الشهادة لا يكون بركوب كل محرم أو مكروه، بأن كان لاعب [الشطرنج] (٣) فأمر عليها ردت شهادته، وإن قل فعله لذلك. وقال أبو حنيفة: إن كانت محاسنه أكثر من مساوئه واجتنب الكبائر جازت شهادته على الجملة (٤). والقمار إذا كان محرمًا، أو تحريمه مشتهراً، أو يؤذن ركوبه لسقوط المروءة، فلا معنى لقبول الشهادة، وإن لم يقامر عليها، فمالك يشترط فى رد شهادة الإدمان عليها. وفسر بعض أصحابه الإدمان بلعبها مرة فى السنة، وهذا تعسف وبعيد من لفظ مالك. وراعى بعض أصحابنا فى رد الشهادة بانقطاعه بلعبها عن صلاة الجماعة. وراعى بعضهم الحالة التى يقع اللعب عليها، فإن أذنت لسقوط المروءة كلعب المتصون الملحوظ بعين الجلالة مع سفلة الناس معلناً بذلك، سقطت الشهادة. وإن كان مستتراً بها ملاعباً لأمثاله من أهل الصون فى بعض الأحايين لم ترد الشهادة به. وراعى بعض الأصوليين القصد باللعب، فإن كان لتسلية النفس وشغلها عن هموم لزمتها، أو تجويد القريحة وشحذ الذهن الكال لم تسقط الشهادة، بل يميل هؤلاء إلى الجواز

стр. 4048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على هذه الحالة. وقد حكى عن أفاضل من التابعين لعبها (١). وقال بعضى شيوخنا (٢): لا تثبت ذلك عنهم، وإنما يتقول ذلك أهل البطالة ليجعلوا لأنفسهم أسوة فى بطالتهم. والشطرنج لعب معروف، والنردشير جنس آخر من اللعب. وقد قال بعض العلماء (٣): كأن الأوائل لما نظروا إلى أمور الدنيا فوجدوها تجرى على أسلوبين مختلفين: منها ما يجرى بحكم الاتفاق، ومنها ما يجرى بحكم السعى والتخيل، فوضعوا النرد مثالاً لما يجرى من أمور الدنيا بحكم الاتفاق؛ لتشعر به النفس وتتصداه، ووضعوا الشطرنج مثالاً لما يجرى من أمور الدنيا بحكم السعى والاجتهاد؛ لتشعر النفس بذلك، وتنهض الخواطر إلى عمل مثله من المطلوبات. وإنما ذكرنا هذا ليعرف منه على الجملة حقيقة اللعبين حتى تعلم من علم حكمهما حقيقتهما على الجملة إن لم يكن يعرفهما تفصيلاً. قال القاضى [قال بعضهم] (٤) النرد يسمى الكعاب ويسمى الإرب، والنردشير، قال صاحب العين: النرد فارسى (٥)، ويقال: إن الذى وضعها من الفلاسفة، كان على رأى أصحاب الجبر عندهم وعدم القدرة والحيلة، وأن الذى وضع الشطرنج كان على رأى أصحاب الممكن عندهم، وهم أصحاب الاكتساب والقدرة. ومذهب الشافعى وأبى حنيفة أنه لا يرد شهادة اللاعب بها إذا كان موصوفًا بالعدالة فى أحواله (٦). قال أصحاب الشافعى: إلا أن يلعبها قماراً، وكان بذلك معروفاً فتسقط بذلك شهادته (٧)، لأكله المال بالباطل، هذا مذهبه، وهو نحو قول إسحاق (٨)، وكان الشافعى (٩) يكره اللعب بالنرد والشطرنج، ويرى الشطرنج أخف من النرد. وكان الليث، يرى الشطرنج أشد من النرد (١٠)، كما ذكر عن مالك، وأسقط بذلك شهادة اللاعب بها.

стр. 4049

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٢ - كتاب الرؤيا ١ - (٢٢٦١) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عَمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنةَ - وَاللَّفْظ لابْنِ أَبِى عُمَرَ - حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّى لا أُزَمَّلُ، حَتَّى لَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لهُ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا، وَلَيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَنْ تضُرَّهُ ". (...) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ - وَعَبْدِ رَبِّهِ وَيَحْيَى ابْنَى سَعِيد، وَمُحَمَّدِ بْنِ عُمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِى حَدِيثِهِمْ قَوْلَ أَبِى سَلَمَةَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا، غَيْرَ أَنِّى لا أُزَمَّلُ. (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيم وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْد، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِى حَدِيثِهمَا: أُعْرَى مِنْهَا. وَزَادَ فِى حَدِيثِ يُونُسَ: " فَليَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ، حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ ثَلاثَ مَرَّات ". ٢ - (...) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلال - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهَه فَلْيَنْفِث عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثِ مَرَّاتِ، وَلْيَتَعَوَّذُ بِاللَّه مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَنْ ــ كتاب الرؤيا قول أبى سلمة: " كنت أرى الرؤيا أُعْرى منها، غير أنى لا أزمل " معناه: أحم منها لارتياعه من ظاهره، والعرواء، ممدود: نفض الحمى. وقوله: " لا أزمل ": لا أغطى وألف كما يعمل بالمحموم. الرؤيا، مقصورة: من رؤية النوم، والرؤية، بالهاء: من رؤية العين.

стр. 4050

تَضُرَّهُ ". فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَىَّ مِنْ جَبَلٍ، فَمَا هُوَ إِلا أَنْ سَمِعْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَمَا أُبَالِيهَا. (...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِى الثَّقَفِىَّ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْر، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ الثَّقَفِىِّ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَإِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ اللَّيْثِ وَابْنِ نُمَيْر قَوْلُ أَبِى سَلَمَةَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِى رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ: " وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِى كَانَ عَلَيْهِ ". ــ وقوله: " الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يكرهه فلينفث عن يساره "، وفى رواية: " فليتفل وليتعوذ بالله من شرها "، وفى رواية: "وشر الشيطان، فإنها لن تضره "، وفى رواية: " فليبصق عن يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات "، وفى رواية: " فليتحول عن جنبه الذى كان عليه "، وفى رواية: " ولا يخبر بها إلا من يحب "، وفي بعض الطرق: " الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان "، وقول أبى سعيد (١): " إن كنت لأرى الرؤيا هى أثقل على من الجبل، فما هو إلا أن سمعت هذا الحديث فما أباليها ": الحُلْم، بضم الحاء وسكون اللام: هو الرؤيا والفعل منه حَلَم بفتح اللام. قال الإمام: كثر كلام الناس فى حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة لما حاولوا الوقوف على حقائق لا تعلم بالعقل، ولايقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت لذلك مقالاتهم فمن [ينتهى إلى الطلب] (٢) ينسب جميع الرؤيا إلى الأخلاط، ويستدل بالمنامات على الخلط المغالب، فيقول: من غلب عليه البلغم رأى السباحة فى الماء ويشبهه لمناسبة الماء فى طبيعته طبيعة البلغم. ومن غلب عليه الصفراء رأى النيران والصعود فى العلو، ويشبهه لمناسبة النار فى الطبيعة طبيعة الصفراء؛ ولأن خفتها وانقيادها يخيل إليه الطيران فى الجو، والصعود فى العلو، وهكذا يصنعون فى بقية الأخلاط، وهذا مذهب، وإن جوزه العقل وأمكن عندنا أن يجرى البارى جلت قدرته العادة؛ بان يخلق مثل ما قالوه عند غلبة هذه الأخلاط، فإنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة، والقطع فى موضع التجويز غلط وجهالة هذا لو

стр. 4051

٣ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، والرُّؤْيَا السَّوء مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ لا تَضُرُّهُ، وَلا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ، وَلا يُخْبِرْ إِلا مَنْ يُحِبُّ ". ــ نسبوا ذلك إلى الأخلاط على جهة الاعتياد، وأما إن أضافوا الفعل فإنها تقطع بخطئهم، ولا يجوز ما قالوه؛ إذ لا فاعل إلا الله. ولبعض أئمة الفلاسفة تخليط طويل فى هذا، وكأنه يرى أن صور ما يجرى فى الأرض فى العالم العلوى كالمنقوش، وكأنه يدور بدوران الآخر (١)، فما حاذى البعض المنقوش منه انتقش فيها، وهذا أوضح فساداً من الأول، مع كونه تحكماً بما لم يقع عليه برهان، والانتقاش من صفات الأجسام، وكثيراً ما يجرى فى العالم الأعراض، والأعراض لا تنتقش ولا يتنقش فيها. والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة، وأن الله - سبحانه - يخلق فى قلب النائم اعتقادات كما يخلقها فى قلب اليقظان، وهو - تبارك اسمه - يفعل ما يشاء ولا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه - سبحانه - جعلها عَلَماً على أمور أخر، يخلقها الله فى ثانى حال، أو كان قد خلقها. فإذا خلق فى قلب النائم اعتقاد الطيران وليس بطائر فقصارى ما فيه أنه اعتقد أمراً على خلاف ما هو عليه، [وكم فى اليقظة ممن يعتقد أمراً خلاف ما هو عليه] (٢) فيكون ذلك الاعتقاد علماً على غيره، كما يكون خلق الله - سبحانه - الغيم علماً على المطر، والجميع خلق الله - سبحانه - ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التى جعلها علماً على ما يسر [بحضرة أو] (٣) بغير حضرة الشيطان، ويخلق ضدها مما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان، فينسب إليه مجازاً وأتساعاً. وهذا المعنى بقوله ﷺ : " الرؤيا من الله، الحلم من الشيطان "، لا على أن الشيطان يفعل شيئاً فى غيره، وتكون الرؤيا اسمًا لما يحب، والحلم لما يكره. وأما قوله ﷺ : " فإنها لن تضره ": فقيل: معناه: أن الروع يذهب [هذا التعب] (٤) المذكور فى الحديث، إذا كان فاعله مصدقًا به، متكلاً على الله جلت قدرته فى دفع المكروه عنه. وقيل: يحتمل أن يريد أن هذا الفعل منه يمنع من نفوذ ما دل عليه المنام من المكروه، ويكون ذلك سبباً فيه، كما تكون الصدقة تدفع البلاء، إلى غير ذلك من النظائر المذكورة عند أهل الشريعة.

стр. 4052

٤ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاد الْبَاهِلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ: إنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِى قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ. فَقَالَ: وَأَنَا كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِى، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلا يُحَدِّثُ بِهَا إِلا مِنْ يُحِبُّ، وَإِنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفِلُ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا وَلْيَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا، وَلا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ ". ــ وأما قوله ﷺ : " لا تخبر بها إلا من تحب ": فيحتمل عندى أن يكون حذرًا من أن يغيرها له من يبغضه على الصفة المكروهة فيحزنه ذلك، أو يتفق وقوعها على ما عبر. ويكون وصفها بأنها حسنة بمعنى حسنها فى الظاهر. وأهل العبارة يقولون فى تقاسيمهم: فى المنامات ما هو حسن فى الظاهر مكروه فى الباطن، ومنها عكسه، إلى بقية الأقسام التى يعدونها. وأما قول أبى سلمة: " إنى لأرى الرؤية أعرى منها ولا أزمل ": فلم أقف على تفسيره عند أهل الغريب، غير أن صاحب الأفعال (١) قال: عرى الرجل عرية وعروة: صار عرياناً. والليلة اشتد بردها فهى عرَية، وعروتك عرواً: نزلت بك، والأمر نزل به، والحمى لذعته وهى عرواء، فيحتمل أن يكون أراد: أرعدته الحمى، أو اشتد برده فزعاً مما أرى (٢) إن لم يكن من التعرى. وأما " أزمل " فالمعروف أن الزمل التدثر. قال القاضى: وقيل فى معناه: " الرؤيا الصالحة من الله "، وهو معنى الرواية الأخرى التى ليس فيها لفظ " الصالحة " إضافة اختصاص وإكرام؛ لسلامتها من الأضغاث، وهو التخليط وجمع الأشياء المتضادة، كضغث الحشيش وشبهه، وطهارتها عن حضور الشيطان وإفساده لها، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ (٣)، والكل من عنده. كما أن الرؤيا كلها مما حضره الشيطان أو لم يحضره من خلق الله وقدرته، فخص ما طهر من الشيطان وسلم من تخليطه بالإضافة إلى الله؛ تكريمًا وتشريفًا وتخصيصًا. وإضافة الأخرى إلى الشيطان عند بعضهم لأنها مكروهة مخلوقه على طبعه، من التحزين والكراهة التى خلق فيها (٤). قد تقدم غير هذا التأويل فيها، وقيل: لأنها توافق الشيطان ثم تسير ويستحسنها لما فيها قد يشغل بال المسلم وأستضراره منها. قال بعضهم (٥): وإن كان التحزين غالبًا من الشيطان فقد يكون - أيضاً - نادراً فى

стр. 4053

٥ - (٢٢٦٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِى كَانَ عَلَيْهِ ". ــ الرؤيا الصحيحة؛ إنذاراً من الله وعناية بعبده؛ لئلا يفجئه ما قدر عليه بغتة، وليكون فيه على حذر وأهبة، كما أن الرؤيا الصالحة والحسنة من الصالحين، هذا - أيضاً - على الغالب، وقد يكون فى رؤياهم أضغاث ولكن على سبيل الندور بضد الأولى لعوارض تقتضى ذلك - والله أعلم - من وسوسة [النفس] (١) وحديثهما، أو غلبة خلط عليه، أو فساد ذكرها أحياناً وتخييلها وفكرها. ويحتمل قوله: " الحسنة، والصالحة " أن يكون راجعًا إلى حسن ظاهرها، ويحتمل أن يرجع إلى صحتها، كما أن قوله فى الأخرى: " [الرؤية] (٢) السوء " يحتمل الوجهين؛ سوء الظاهر، أو سوء التأويل. وفى أمره بنفثه وبصقه ثلاثاً: طرد للشيطان الذى حضر رؤياه المكروهة، [واستقذاره لها] (٣)، كما يبصق على ما يستقذر ويكره، كما أمر بذلك عند التثاؤب. وكون ذلك فى يساره؛ لأن اليسار أبداً جهة الشيطان وجهة المذام والأقذار، والجهة المشؤومة بضد اليمين، والعرب تسميها الشؤما. وقوله: " فليبصق، وليتفل، ولينفث " على اختلاف الأحاديث، كله بمعنى، وقد تقدم الكلام على ذلك، ومن فرق بين التفل والنفث، ومن جعلهما بمعنى فى كتاب الصلاة، وفى كتاب الطب. وأمره بتحويله عن جنبه: تفاؤلاً بتحويل حالها، وظاهر مكروه تأويلها، وأنها لا تضره، وهذا يصحح أحد التأويلين فى قوله: " لاتضره " أنه عائد، إلى صرف سوء تأويلها ودفع الله بما فعل عنه مكروهها. وأما قوله: " ولا تخبر بها أحدًا " فما فائدة كتمانها؟ فقيل: إن ذلك مخافة تعجيل اشتغال السوء (٤) بمكروه تفسيرها إن وافق ظاهرها باطنها، والتعذيب به مدة لا يدرى قربها من بعدها، فقد تخرج الرؤيا بعد طول السنين، واذا لم يخبر بها وفعل ما أمر به من النفث والاستعاذة، كان دواء مكروهها وخروجها عن ذلك على أحد التأولين، وعلى التأويل الآخر: أن ذلك إنما يريك (٥) روعتها وتحزنه بها.

стр. 4054

٦ - (٢٢٦٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ الْمَكِّىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِى، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمَ تَكْذِبُ، وأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمَسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مَنْ النُّبُوَة، وَالرُؤْيَا ثَلاَثَةُ: فَرُؤْيَا الصَالِحَةِ بَشْرَى مِنْ اللهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ. فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ ــ وإذا لم يذكرها لأحد ولم يفصل له تفسيرها بقى بين الطمع والرجاء من أنه أهل (١) لها تفسيراً حسنًا، أو أنها من أضغاث الأحلام أو حديث النفس، فكان أسكن لنفسه وأقل لتعذيب قلبه. واختلف المتكلمون فى النائم المستغرق فى النوم جميع أجزاء قلبه، فقيل: لا يصح ضرب المثل لمثل هذا ولا رؤياه؛ لأن ضرب المثل إنما يرجع إلى الاعتقاد ووجوده بالمضروب، وهذا لا يصح من المستغرق، ولا يحضر هذا ملك ولا شيطان. ورأى من قال هذا أن النوم آفة، يخرج الحى عن صفات التميز والظنون والتخيل والاعتقادات، كما يخرجه عن صفة العلم. ولم يرض آخرون هذا المذهب، وقالوا: إن النائم يصح مع استغراق أجزاء قلبه ألا يمتنع ألا يكون ظانًا ومتخيلاً، واتفقوا على أنه لا يصح أن يكون عالماً، وذهب هذا إلى أن النوم آفة يمغ حصول الاعتقادات الصحيحة فى اليقظة دون ما فى المنام. والصحيح عند المحققين من شيوخنا المتكلمين القول الأول، وأن الظنون والخيالات والاعتقادات جنس واحد مضادة للعلوم، وأنه لا يصح منه اعتقاد إلا أن يكون بعض أجزاء قلبه ولا نوم به فيه يرى ويضرب له المثل، ولا يلزم ما ألزمهم الآخرون أنه إذا كان كذلك فهو إذاً مكلف، مخاطبٌ، وقد أسقط عنه الشرع ذلك؛ لأن هذا ليس بحقيقة وجود العلم وصحة الميز، وإنما بقيت [عندهم] (٢) فيه عند الرؤيا بقية حياة وميز بضرب (٣) بضرب المثل لا بحقيقة الأشياء، بدليل مشاهدته وحاله. وقوله: " إذا أقترب الزمان لم يكن (٤) رؤيا المؤمن كذب (٥) "، قال الإمام: اختلف الناس فى معناه، قال بعضهم: المراد به: إذا اقترب من اعتدال [الكتاب والنهايعان] (٦) فإن الرؤيا حينئذ لم تكن تكذب، وبهذا فسره أبو داود (٧).

стр. 4055

مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ ". قَالَ: " وَأُحِبُّ الْقَيْدَ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِى الدِّينِ " فَلا أَدْرِى هُوَ فِى الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ. (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فى الْحَدِيثِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَيُعْجِبُنِى الْقَيْدُ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ. وَالْقَيْدَ ثَبَاتٌ فِى الدَّيْنِ وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جَزْءٌ مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِن النُّبُوَّةِ ". (...) حدّثنى أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ - يَعْنِى ابْنَ زَيْد - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِذَا اقْتَربَ الزَّمَانُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِىَّ ﷺ . (...) وحدَّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . وَأَدْرَجَ فِى الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَأَكْرَه الْغُلَّ، إِلَى تَمَامِ الْكَلامِ. وَلَمْ يَذْكُرِ: " الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةِ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ". ٧ - (٢٢٦٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَأَبُو دَاوُدَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَة. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ". ــ وقال بعضهم (١): بل المراد به آخر الزمان والهرب (٢) من القيامة. قال القاضى: أهل العبادة (٣) والمفسرون لها يزعمون أن [أحسن الأزمان وأصدقها للعبارة حيث انفتاق] (٤) الأزهار ووقت بيع (٥) الثمار، وهذان الوقتان هما وقت تقارب الزمان واعتدال الليل والنهار، وقد روى عن النبى ﷺ هذا الحديث بلفظ آخر من رواية

стр. 4056

(...) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِت الْبُنَانىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ. مِثْلَ ذَلِكَ. ٨ - (٢٢٦٣) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ". (...) وحدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رُؤْيا الْمُسْلِمِ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ ". وَفِى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ". (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ". (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ - يَعْنِى ابْنَ الْمُبَارَكِ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ - يَعْنِى ابْنَ شَدَّادٍ - كِلاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ أَبِيهِ. ــ معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة، عن النبى ﷺ أنه قال: " فى آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن " (١) وهذا يفسر الحديث، وأنه بمعنى التأويل الآخر - والله أعلم (٢). وقال ابن سيرين فى آخر الحديث الأول فى كتاب البخارى (٣): وأنا أقول فى هذه الأمة، يشير إلى عموم صدق الرؤيا فى هذه الأمة، وأن صدقها لا يختص بصالح من طالح وهو بين؛ إذ غالب رؤيا الصالح فى كل حين الصدق على ما تقدم، دون اشتراط تقارب الزمان.

стр. 4057

٩ - (٢٢٦٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ". ــ وقوله: " أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً ": قال بعضهم: وإنما كان ذلك - والله أعلم - لانقطاع العلم آخر الزمان، ودروس معالم الديانة، وموت العلماء والصالحين والزاجرين، والناهين عن المنكر، كما أنذر ﵇ به، فجعل الله لهم صدق الرؤيا زاجراً لهم وحجة عليهم وبينها (١) لهم. وقوله: " أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً " فهذا أيضًا بين؛ لأن غير الصادق فى حديثه يعترى الخلل فى رؤياه لوجهين. أحدهما: أن اعتقاده وتحديثه نفسه قد يجرى فى نومه على عادته من الكذب والتساهل، فيكذب رؤياه. والثانى: عند إخباره بما رآه قد يتسامح فى العبارة عما رآه، ويحقر العظيم، أو يعظم الحقير، ويميل مع هوى نفسه إلى التساهل فيما يحكيه عنها أو عن غيرها من (٢) رؤياه لما يوافق ذلك - والله أعلم (٣). وقوله: " رؤيا المسلم (٤) جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة " وفى رواية أخرى: " من ستة وأربعين "، وفى رواية أخرى: " رؤيا المؤمن "، وفى أخرى: " المسلم "، وفى أخرى: " الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة " فخص هنا رؤيا المؤمن وعم فى الأولى، وزاد فى أخرى: " يراها أو ترى له "، وفى حديث آخر: " الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة "، وفى غير مسلم عن ابن عباس: " جزء من أربعين " (٥)، وعن عبد الله بن عمرو: " من تسعة وأربعين " (٦)، وفى حديث العباس: " من خمسين " (٧)، وفى حديث أنس: " من ستة وعشرين " (٨)، وعن عباده بن

стр. 4058

(...) وحدّثناه ابْنُ الْمُثَنّى وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيد، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ــ الصامت " [من] (١) أربعة وأربعين " (٢)، والأكثر من ذلك والأصح عند أهل الحديث: " من ستة وأربعين " (٣). قال الإمام: أما قوله: " رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة " فإنه مما قال بعض الناس فيه: أنه ﷺ أقام يوحى إليه ثلاثة وعشرين عامًا، عشرة بالمدينة وثلاثة عشر بمكة، وكان قبل ذلك بستة أشهر يرى فى المنام ما يلقيه إليه الملك ﵉ وذلك نصف سنة من ثلاثة وعشرين سنة جزءاً من ستة وأربعين جزءاً (٤). وقد قيل: إن النبى ﷺ قد خُص دون الخليفة بضروب وفنون، وجعل له إلى العلم طرق لم تجعل لغيره، فيكون المراد: أن المنامات نسبتها مما حصل له وميز به جزء من ستة وأربعين، فلا يبقى على هذا إلا أن يقال: بينوا هذه الأجزاء. ولا يلزم العلماء أن تعرف كل شىء جملة وتفصيلاً، وقد جعل الله - سبحانه - للعلماء حداً تقف عنده، فمنها ما لا تعلمه أصلاً، ومنها ما تعلمه جملة ولا تعلمه (٥) تفصيلاً وهذا منه، ومنها ما تعلمه جملة وتفصيلاً، لا سيما ما طريقه السمع، ولا مدخل للعقل فيه، فإنما يعرف منه قريباً (٦) عرف به السمع. وقد مال بعض شيوخنا إلى هذا الجواب الثانى، وقدح فى الأول؛ لأنه لم يثبت أن أمد رؤياه ﷺ قبل النبوة كانت ستة أشهر ومائة بعد الهجرة (٧) رأى منامات كثيرة، فيجب أن يلعق فيها (٨) ما يضاف إلى الستة أشهر، فيتعين (٩) الحساب وتفسد النسبة، ولا وجه عندى لاعتراضه بما كان من المنامات خلال زمن الوحى؛ لأن الأشياء توصف بما يغلب عليها وينسب إلى الأكثر منها، فلما كان الستة أشهر محضاً فى المنامات والثلاثة وعشرون سنة جاها (١٠) وحى، وإنما فيه منامات شىء يسير يعد عدًّا، صح أن يطرح الأقل فى حكم النسبة والحساب. ويحتمل عندى أن يراد بالحديث وجه آخر، وهو أن يمره (١١) المنامات الخبر [لا البر] (١٢) وإن كان يبيع (١٣) ذلك إنذار وتبشير، والأخبار بالغيب أحد ثمرات النبوة

стр. 4059

(...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْك، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ - كِلاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ اللَّيْث: قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: " جُزْءٌ مِنْ سَبْعِين جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ". ــ وأحد فوائدها، وهو فى جنب فوائد النبوة والمقصود بها يسير؛ لأنه يصح أن يبعث نبى ليشرع الشرائع، ويبين الأحكام، ولا يخبر بغيب أبدًا، ولا يكون ذلك قادحًا فى نبوته، ولا مبطلاً للمقصود منها. وهذا الجزء من النبوة - وهو الإخبار بالغيب - إذا وقع فلا يكون إلا صدقاً ولا يقع إلا حقًّا. والرؤيا بما (١) دلت على شىء ولم يقع ما دلت عليه، إما لكونها من الشيطان، أو من حديث النفس، أو من غلط العابر فى أصل العبارة، إلى غير ذلك من الضروب الكثيرة التى توجب عدم الثقه بدلالة المنام. فقد صار الخبر بالغيب أحد ثمرات النبوة وهو غير مقصود فيها، ولكنه لا يقع إلا حقًّا وثمرة المنام الإخبار بالغيب، ولكنه قد لا يقع صدقاً فتقدر النسبة فى هذا بقدر ما قدره الشرع بهذا العدد، على حسب ما أطلعه الله تعالى عليه، ولأنه يعلم من حقائق نبوته ما لا نعلمه (٢) نحن. وهذا الجواب وإن كان فيه ملاحظة لما قدمناه من الجواب الثانى عن بعض أهل العلم، فإنهم لم يكشفوه لهذا، ولا بسطوه هذا البسط (٣). وأما اختلاف الروايات فى هذا القدر، ففى كتاب مسلم: " خمسة "، وفيه: " ستة "، وفيه: " جزء من سبعين جزءاً من النبوة ". وقد أشار الطبرى إلى أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائى، فالمؤمن الصالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين، والفاسق سبعين؛ ولهذا لم يشترط فى رواية السبعين فى وصف الرائى ما اشترط فى وصف الرائى فى الحديث المذكور فيه ستة وأربعين، فقد قال فى بعض طرق مسلم: " رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة "، هان كان قد أطلق فى بعض طرقه فقال: " رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين "، وقال فى السبعين: " الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة "، ولم يشترط كون الرائى صالحاً. وقد يحمل مطلق قول الرؤيا الصالحة جزءًا من ستة وأربعين على أن المراد به إذا كان (٤) من رجل صالح، بدليل الحديث الآخر.

стр. 4060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد قيل: إن المنامات دلالات، والدلالات منها خفى ومنها حكى (١)، فيما (٢) ذكر فيه السبعون أريد به [أنه] (٣) الخفى منها، وما ذكر فيه الستة وأربعون أريد به الجلى منها. قال القاضى: قد قيل فى تنزيل هذه الأحاديث ما تقدم، وقد قيل: إن المراد بها أنها خصلة من خصال النبوة، وخصلة من خصائصها، كما قال فى الحديث الآخر: " القصد والتؤدة وحسن السمت جزء من خمسة وعشرين من النبوه " (٤)، وقد جاء هذا (٥) الحديث بألفاظ مختلفة وزيادات، واختلاف فى الأجزاء. فيحتمل أن حصر هذه الخصال إلى هذا العدد المذكور مراده، ويحتمل أنه مرة يأتى بها على إجمال النوع الواحد منها، كما جعل القصد والتؤدة وحسن السمت فى هذا الحديث جزءاً فيكون أقسامها (٦) على عددها على هذا الترتيب، فإذا فصلت آحاد أنواعها انقسمت على أكثر من ذلك وبلغت الخمسين والسبعين، بحسب الالتفات إلى آحادها، وليس فى حديث منها أنه ليس للنبوة خصال وخصائص سوى أحد هذه الأعداد حتى يحمل على التخالف والتناقض، وإنما أخبر أن هذا الشىء واحد من عدد خصائصها وترك تمام العدد، وإحصاء ذلك مرة ومرة قصد تمام عدده وإاحصائه - والله أعلم. وقد (٧) يكون جزءاً من أربعين أو دونها على ما جاء فيمن كان من أهل إسباغ الوضوء فى السبرات والصبر على المكروهات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. ومن كان حاله بخلاف ذلك فبحسبها تكون رؤياه من الأربعين إلى السبعين [لاينقص من الأربعين ولا يزاد فى السبعين، وقيل] (٨): [قد] (٩) يحتمل أن تكون هذه التجزئة من طرق الوحى [و] (١٠) منه ما سمع من الله دون واسطة، كما قال [﴿مِن وَرَاءِ حِجَاب﴾ (١١) ومنه بواسطة الملك، كما قال] (١٢): ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ (١٣)، ومنه ما يلقيه فى القلب كما قال: ﴿وَحْيًا﴾ (١٤)، ثم منه ما يأتيه به الملك على صورته (١٥)، ومنه ما يأتيه به على صورة الآدمى، وقد (١٦) يعرفه كما جاء فى غير حديث (١٧)، ومنه ما يتلقاه منه وهو لا يعرفه حتى يعرفه آخركحديث: " ردوا على الرجل " (١٨)، ومنه ما يأتيه به فى منامه بحقيقة كقوله: " الرجل مطبوب "

стр. 4061

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنه ما ما يأتيه به بالمثال، وأحياناً يسمع الصوت ويرى الضوء (١)، وأحياناً يغط ويأخذه به فى الرحضاء (٢)، ومنه ما يأتيه كصلصلة الجزيئين (٣)، ومنه ما يلقيه روح القدس (٤). إلى غير ذلك مما وقفنا عليه ومما لم نقف عليه. فنقول: الرؤيا [التى هى] (٥) بضرب المثل جزءٌ من ذلك العدد من أجزاء الوحى - والله أعلم. وبالجملة فى هذا كله صحة أمر الرؤيا وتعظيم شأنها وعلمها، وأنها جزءٌ من النبوة، وخاصية من خصائصها، وكانت حقيقة من أجزاء النبوة لما فيها من الإعلام الذى هو معنى النبوة على أحد الوجهين. وقد قال كثير من العلماء: إن للرؤيا ملكًا وكل بها يرى الرائى من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له، أو يقدر عليه من خير أو شر، وهذا من معنى النبوة؛ لأن لفظ النبى قد يكون فعيلاً بمعنى مفعول كجريح [بمعنى مجروح] (٦) أى يعلمه الله ورسله أنه نبى ويطلعه من غيبه فى منامه [على] (٧) ما لا يظهر عليه أحدًا إلا من ارتضى من رسول، وقد يكون معنى نبى: فعيل بمعنى فاعل، كعليم، أى يعلم غيره بما أوحى إليه، وهذا أيضاً صورة صاحب الرؤيا. وقوله: " والرؤيا ثلاث، فالرؤية الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء [به] (٨) نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل " (٩) الحديث: قد تقدم هذا المعنى، وذكره هنا الصلاة لما فيها من التضرع والمناجاة ومراغمة الشيطان بالقطع به عن الرجوع إلى النوم ليعيد عليه التحزين، ويقطع عنه وسواسه وما يحدث به المرء نفسه. وهذه الأقسام من الرؤيا لا رابع لها؛ لأن ما يكون من الأخلاط من باب ما يحدث به المرء نفسه، لأن غلبة حديث المرء عليه فى يقظته تعتريه فى نومه حتى يسمعه يتكلم به، وقد يعتريه عند شدة مرضه وبرسامة (١٠) إغمائه حتى فى صحته عند اشتغال سره، يتكلم بشىء مع غيره فنقلت (١١) اللفظ ويغير الخطاب ببعض الكلمات والأسماء التى يحدث بها المرء نفسه. وكذلك غلبة الخلط عليه هو من هذا الباب. والصادقة من هذه الأقسام الثلاثة التى لا أضغاث فيها هو ما هو بشرى من الله، وكذلك ما كان إنذاراً منه فيما يخشى، فهو كله عناية من الله بعبده وتقدمة [له] (١٢) لا يصيبه من خير يفرح به ويستعد له، أو شر [فيتوقاه] (١٣) ويكون على أهبة له ثم هى على ضربين: منه ما يخرج على وجهه كما رآه،

стр. 4062

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنه ما يحتاج إلى تأويل، والوجهان الآخران هما اللذان يدخلهما الأضغاث وباطل الرؤيا. وقوله: " من رأى رؤيا حسنة [فليقص " (١) له الرواه] (٢) بالباء، وعند العذرى: " فلينشر " بالنون، وهو تصحيف، إنما هو من البشارة. بشرت الرجل مخففا أبشره بالضم، ويبشر به أيضاً مشددًا، وأبشره هو وبشر من البشرى. وقوله: " وأحب القيد، وأكره الغل والقيد ثبات فى الدين " (٣) فلا أدرى هو فى الحديث أم قاله ابن سيرين. كذا ذكره مسلم فى حديث الثقفى عن أيوب السختيانى، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة، وذكر فى حديث معمر عنه قال أبو هريرة: " فيعجبنى القيد، وأكره الغل " الحديث، وكذلك ذكر الحديث كله من رواية حماد (٤) بن زيد عن أيوب وهشام من قول أبى هريرة، ولم يذكر فيه النبى، وذكره من رواية قتادة عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة، عن النبى ﷺ ، قال: وأخرج (٥) قوله ت " وأكره الغل " إلى تمام الكلام (٦)، ومعناه: أدخله متصلاً بكلام النبى ﵇ وهذا النوع يسميه أهل الحديث المدرج جاء هذا الحديث فى القيد والغل مجملاً، وأحب القيد لأنه فى الرجلين، فهو كف فى العبارة عن المعاصى والشر ومخالفة الدين، والغل إنما هو فى العنق، وقد وصف الله به أهل النار فقال: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُون﴾ (٧) فهو مذموم لهذا، لكن أهل علم العبارة تركوا هاتين المسألتين (٨) نوازل بحسب قراءتها وأحوالها. فإذا كان القيد فى الرجلين وصاحبه فى مسجد أو مشهد خير أو على حالة حسنة وفعل جميل فسره (٩) بثباته فيه، كذلك ولو رآه (١٠) ذو أمر أو سلطان لدله على ثباته فيه أيضاً، وبضد ذلك فلو رآه (١١) مريض أو مسجون أو مسافر أو مكروه فهو ثباته فيه، وكذلك لو قارنه ما يكره فى العبارة، مثل أن يكون القيد مع الغل غلب فيه المكروه؛ لأنها [من] (١٢)

стр. 4063

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صفات السخوط عليهم والمعذبين، ولمعاضدة الصورة الواحدة الثابتة ظاهراً ومعنى. وأما الغل فمذموم مكروه لما ذكرناه، وذلك إذا كان فى العنق وربما دل على الكفر والبدعة وشهادة الزور، أو حكم بجور وعلى المرأة السوء، لقوله ﵇: " غل قمل، وليقيد (١) ذلك فى الأعناق " (٢) وقد يدل على الولاية (٣) إذا كانت معهما قرائن ولما جاء: " أن كل وال يحشر مغلولاً حتى يطلقه عدله ". وإن كانت المغلولة اليدان دون العنق كان عندهم حسنًا، ودل على كف اليدين عن الشر، وربما دل على بخل البخيل، ومنعه لقول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (٤) ويدل على المنع والحبس عما يهم به الإنسان من أمر [وتنويه] (٥) فى يقظته.

стр. 4064

(١) باب قول النبى ﵊: " من رآنى فى المنام فقد رآنى " ١٠ - (٢٢٦٦) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَهِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّد، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِى، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِى ". ــ قوله: " من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإن الشيطان لا يتمثل بى "، وفى رواية: " [فإنه] (١) لاينبغى للشيطان أن يتمثل فى صورتى "، وفى الحديث الآخرة: " فقد رأى الحق ". قال الإمام: اختلف المحققون فى تأويل هذا الحديث، فذهب القاضى أبو بكر بن الطيب ﵀ إلى أن المراد بقوله ﷺ : " من رآنى فى المنام فقد رآنى " أنه رأى الحق، وأن رؤياه لا تكون أضغاثًا، ولا من تشبهات الشيطان. ويعضد ما قاله بقوله ﷺ فى بعض الطرق: " من رآنى فقد رأى الحق " إن كان المراد به ما أريد بالحديث الأول فى المنام. وقوله ﷺ : " فإن الشيطان لا يتمثل بى ": إشارة إلى أن المراد أن رؤياه لا تكون أضغاثًا وإنما تكون حقًّا، وقد يراه الرائى على غير صفته المنقولة إلينا، كما لو رآه شيخاً أبيض اللحية، أو على خلاف لونه، أو يراه رؤيتين فى زمان واحد، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، ويرأه كل واحد منهما معه فى مكانه. وقال آخرون [بل] (٢): الحديث محمول على ظاهره، والمراد: أن من رآه فقد أدركه ﷺ . ولا مانع يمنع من ذلك، ولا عقل يحيله حتى يضطر إلى صرف الكلام عن ظاهره. وأما الاعتلال بأنه قد يرى على خلاف صفته المعروفة وفى مكانين مختلفين معاً، فإن ذلك غلط فى صفاته، ويخيل لها على غير ما هى عليه. وقد يظن بعض الخيالات مرئيات، لكون ما يتخيل مرتبطاً بما يرى فى العادة، فتكون ذاته ﷺ مرئية وصفاته مختلفة (٣) غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافات، لا يكون المرئى مدفوناً فى الأرض ولا ظاهراً عليها، وإنما يشترط كونه موجوداً. ولم يقم دليل على فناء جسمه ﷺ ، بل جاء فى بعض الأخبار (٤) ما يدل على بقياه صلوات الله عليه، ويكون اختلاف الصفات

стр. 4065

١١ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَسَيَرانِى فِى الْيَقَظَةِ - أَوْ لَكَأَنمَا رَآنِى فِى الْيَقَظَةِ - لا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِى ". (٢٢٦٧) وَقَالَ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ رَآنِى فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ ". ــ المتخيلة ثمرتها اختلاف [الصفات المتخيلة] (١) الدلالات. وقد ذكر الكرمانى (٢) فى باب رؤية النبى ﷺ قال: وقد جاء فى الحديث أنه ﷺ إذا رؤى شيخًا فهو عام سلم، وإذا رؤى شاباً فهو عام حرب. وكذلك أحد جوابهم عنه ﷺ ، لو رؤى آمرًا بقتل من لا يحل قتله، فإن ذلك من الصفات المستحيلة (٣) له لا المرئية. وجوابهم الثانى: منع وقوع مثل هذا. ولا وجه عندى لمنعهم إياه مع قولهم فى تخيل الصفات، فهذا انفصال، هؤلاء عما احتج به القاضى (٤). وللمسألة تعلق بغامض الكلام فى الإدراكات وحقائق متعلقاتها، وبسطه خارج عن طريقة هذا الكتاب. قال القاضى: يحتمل معنى قوله: " فقد رآنى " و " فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتمثل بى " إذا رؤى على الصفة التى كان عليها فى حياته لا على صفة مضادة لحاله، فإن رؤى على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهه، ومنها ما يحتاج إلى تأويل وعبارة. قال بعضهم (٥): خص الله نبيه بعموم صدق رؤياه كلها، ومنع الشيطان أن يتمثل فى صورته؛ لئلا يتذرع بالكذب على لسانه فى النوم، ولما خرق الله العادة للأنبياء دليلاً على صحة حالهم فى اليقظة، واستحالة تصور الشيطان على صورته فى اليقظة ولا على صفة مضادة لحاله؛ إذ لو كان ذلك لدخل اللبس بين الحق والباطل، ولم يوثق بما جاء من جهة النبوة مخافة هذا التصور، فحمى الله حماها لذلك من الشيطان وتصوره ونزغه وإلقائه وكيده على الأنبياء، وكذلك حمى رؤياهم أنفسهم ورؤيا غير النبى للنبى عن تمثيل الشيطان بذلك لتصح رؤياه فى الوجهين، ويكون طريقاً إلى علم صحيح لا ريب فيه.
следующие страницы →