← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنه ما ما يأتيه به بالمثال، وأحياناً يسمع الصوت ويرى الضوء (١)، وأحياناً يغط ويأخذه به فى الرحضاء (٢)، ومنه ما يأتيه كصلصلة الجزيئين (٣)، ومنه ما يلقيه روح القدس (٤). إلى غير ذلك مما وقفنا عليه ومما لم نقف عليه. فنقول: الرؤيا [التى هى] (٥) بضرب المثل جزءٌ من ذلك العدد من أجزاء الوحى - والله أعلم. وبالجملة فى هذا كله صحة أمر الرؤيا وتعظيم شأنها وعلمها، وأنها جزءٌ من النبوة، وخاصية من خصائصها، وكانت حقيقة من أجزاء النبوة لما فيها من الإعلام الذى هو معنى النبوة على أحد الوجهين. وقد قال كثير من العلماء: إن للرؤيا ملكًا وكل بها يرى الرائى من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له، أو يقدر عليه من خير أو شر، وهذا من معنى النبوة؛ لأن لفظ النبى قد يكون فعيلاً بمعنى مفعول كجريح [بمعنى مجروح] (٦) أى يعلمه الله ورسله أنه نبى ويطلعه من غيبه فى منامه [على] (٧) ما لا يظهر عليه أحدًا إلا من ارتضى من رسول، وقد يكون معنى نبى: فعيل بمعنى فاعل، كعليم، أى يعلم غيره بما أوحى إليه، وهذا أيضاً صورة صاحب الرؤيا. وقوله: " والرؤيا ثلاث، فالرؤية الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء [به] (٨) نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل " (٩) الحديث: قد تقدم هذا المعنى، وذكره هنا الصلاة لما فيها من التضرع والمناجاة ومراغمة الشيطان بالقطع به عن الرجوع إلى النوم ليعيد عليه التحزين، ويقطع عنه وسواسه وما يحدث به المرء نفسه. وهذه الأقسام من الرؤيا لا رابع لها؛ لأن ما يكون من الأخلاط من باب ما يحدث به المرء نفسه، لأن غلبة حديث المرء عليه فى يقظته تعتريه فى نومه حتى يسمعه يتكلم به، وقد يعتريه عند شدة مرضه وبرسامة (١٠) إغمائه حتى فى صحته عند اشتغال سره، يتكلم بشىء مع غيره فنقلت (١١) اللفظ ويغير الخطاب ببعض الكلمات والأسماء التى يحدث بها المرء نفسه. وكذلك غلبة الخلط عليه هو من هذا الباب. والصادقة من هذه الأقسام الثلاثة التى لا أضغاث فيها هو ما هو بشرى من الله، وكذلك ما كان إنذاراً منه فيما يخشى، فهو كله عناية من الله بعبده وتقدمة [له] (١٢) لا يصيبه من خير يفرح به ويستعد له، أو شر [فيتوقاه] (١٣) ويكون على أهبة له ثم هى على ضربين: منه ما يخرج على وجهه كما رآه،

стр. 4062

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنه ما يحتاج إلى تأويل، والوجهان الآخران هما اللذان يدخلهما الأضغاث وباطل الرؤيا. وقوله: " من رأى رؤيا حسنة [فليقص " (١) له الرواه] (٢) بالباء، وعند العذرى: " فلينشر " بالنون، وهو تصحيف، إنما هو من البشارة. بشرت الرجل مخففا أبشره بالضم، ويبشر به أيضاً مشددًا، وأبشره هو وبشر من البشرى. وقوله: " وأحب القيد، وأكره الغل والقيد ثبات فى الدين " (٣) فلا أدرى هو فى الحديث أم قاله ابن سيرين. كذا ذكره مسلم فى حديث الثقفى عن أيوب السختيانى، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة، وذكر فى حديث معمر عنه قال أبو هريرة: " فيعجبنى القيد، وأكره الغل " الحديث، وكذلك ذكر الحديث كله من رواية حماد (٤) بن زيد عن أيوب وهشام من قول أبى هريرة، ولم يذكر فيه النبى، وذكره من رواية قتادة عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة، عن النبى ﷺ ، قال: وأخرج (٥) قوله ت " وأكره الغل " إلى تمام الكلام (٦)، ومعناه: أدخله متصلاً بكلام النبى ﵇ وهذا النوع يسميه أهل الحديث المدرج جاء هذا الحديث فى القيد والغل مجملاً، وأحب القيد لأنه فى الرجلين، فهو كف فى العبارة عن المعاصى والشر ومخالفة الدين، والغل إنما هو فى العنق، وقد وصف الله به أهل النار فقال: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُون﴾ (٧) فهو مذموم لهذا، لكن أهل علم العبارة تركوا هاتين المسألتين (٨) نوازل بحسب قراءتها وأحوالها. فإذا كان القيد فى الرجلين وصاحبه فى مسجد أو مشهد خير أو على حالة حسنة وفعل جميل فسره (٩) بثباته فيه، كذلك ولو رآه (١٠) ذو أمر أو سلطان لدله على ثباته فيه أيضاً، وبضد ذلك فلو رآه (١١) مريض أو مسجون أو مسافر أو مكروه فهو ثباته فيه، وكذلك لو قارنه ما يكره فى العبارة، مثل أن يكون القيد مع الغل غلب فيه المكروه؛ لأنها [من] (١٢)

стр. 4063

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صفات السخوط عليهم والمعذبين، ولمعاضدة الصورة الواحدة الثابتة ظاهراً ومعنى. وأما الغل فمذموم مكروه لما ذكرناه، وذلك إذا كان فى العنق وربما دل على الكفر والبدعة وشهادة الزور، أو حكم بجور وعلى المرأة السوء، لقوله ﵇: " غل قمل، وليقيد (١) ذلك فى الأعناق " (٢) وقد يدل على الولاية (٣) إذا كانت معهما قرائن ولما جاء: " أن كل وال يحشر مغلولاً حتى يطلقه عدله ". وإن كانت المغلولة اليدان دون العنق كان عندهم حسنًا، ودل على كف اليدين عن الشر، وربما دل على بخل البخيل، ومنعه لقول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (٤) ويدل على المنع والحبس عما يهم به الإنسان من أمر [وتنويه] (٥) فى يقظته.

стр. 4064

(١) باب قول النبى ﵊: " من رآنى فى المنام فقد رآنى " ١٠ - (٢٢٦٦) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَهِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّد، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِى، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِى ". ــ قوله: " من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإن الشيطان لا يتمثل بى "، وفى رواية: " [فإنه] (١) لاينبغى للشيطان أن يتمثل فى صورتى "، وفى الحديث الآخرة: " فقد رأى الحق ". قال الإمام: اختلف المحققون فى تأويل هذا الحديث، فذهب القاضى أبو بكر بن الطيب ﵀ إلى أن المراد بقوله ﷺ : " من رآنى فى المنام فقد رآنى " أنه رأى الحق، وأن رؤياه لا تكون أضغاثًا، ولا من تشبهات الشيطان. ويعضد ما قاله بقوله ﷺ فى بعض الطرق: " من رآنى فقد رأى الحق " إن كان المراد به ما أريد بالحديث الأول فى المنام. وقوله ﷺ : " فإن الشيطان لا يتمثل بى ": إشارة إلى أن المراد أن رؤياه لا تكون أضغاثًا وإنما تكون حقًّا، وقد يراه الرائى على غير صفته المنقولة إلينا، كما لو رآه شيخاً أبيض اللحية، أو على خلاف لونه، أو يراه رؤيتين فى زمان واحد، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، ويرأه كل واحد منهما معه فى مكانه. وقال آخرون [بل] (٢): الحديث محمول على ظاهره، والمراد: أن من رآه فقد أدركه ﷺ . ولا مانع يمنع من ذلك، ولا عقل يحيله حتى يضطر إلى صرف الكلام عن ظاهره. وأما الاعتلال بأنه قد يرى على خلاف صفته المعروفة وفى مكانين مختلفين معاً، فإن ذلك غلط فى صفاته، ويخيل لها على غير ما هى عليه. وقد يظن بعض الخيالات مرئيات، لكون ما يتخيل مرتبطاً بما يرى فى العادة، فتكون ذاته ﷺ مرئية وصفاته مختلفة (٣) غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافات، لا يكون المرئى مدفوناً فى الأرض ولا ظاهراً عليها، وإنما يشترط كونه موجوداً. ولم يقم دليل على فناء جسمه ﷺ ، بل جاء فى بعض الأخبار (٤) ما يدل على بقياه صلوات الله عليه، ويكون اختلاف الصفات

стр. 4065

١١ - (...) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَسَيَرانِى فِى الْيَقَظَةِ - أَوْ لَكَأَنمَا رَآنِى فِى الْيَقَظَةِ - لا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِى ". (٢٢٦٧) وَقَالَ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ رَآنِى فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ ". ــ المتخيلة ثمرتها اختلاف [الصفات المتخيلة] (١) الدلالات. وقد ذكر الكرمانى (٢) فى باب رؤية النبى ﷺ قال: وقد جاء فى الحديث أنه ﷺ إذا رؤى شيخًا فهو عام سلم، وإذا رؤى شاباً فهو عام حرب. وكذلك أحد جوابهم عنه ﷺ ، لو رؤى آمرًا بقتل من لا يحل قتله، فإن ذلك من الصفات المستحيلة (٣) له لا المرئية. وجوابهم الثانى: منع وقوع مثل هذا. ولا وجه عندى لمنعهم إياه مع قولهم فى تخيل الصفات، فهذا انفصال، هؤلاء عما احتج به القاضى (٤). وللمسألة تعلق بغامض الكلام فى الإدراكات وحقائق متعلقاتها، وبسطه خارج عن طريقة هذا الكتاب. قال القاضى: يحتمل معنى قوله: " فقد رآنى " و " فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتمثل بى " إذا رؤى على الصفة التى كان عليها فى حياته لا على صفة مضادة لحاله، فإن رؤى على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهه، ومنها ما يحتاج إلى تأويل وعبارة. قال بعضهم (٥): خص الله نبيه بعموم صدق رؤياه كلها، ومنع الشيطان أن يتمثل فى صورته؛ لئلا يتذرع بالكذب على لسانه فى النوم، ولما خرق الله العادة للأنبياء دليلاً على صحة حالهم فى اليقظة، واستحالة تصور الشيطان على صورته فى اليقظة ولا على صفة مضادة لحاله؛ إذ لو كان ذلك لدخل اللبس بين الحق والباطل، ولم يوثق بما جاء من جهة النبوة مخافة هذا التصور، فحمى الله حماها لذلك من الشيطان وتصوره ونزغه وإلقائه وكيده على الأنبياء، وكذلك حمى رؤياهم أنفسهم ورؤيا غير النبى للنبى عن تمثيل الشيطان بذلك لتصح رؤياه فى الوجهين، ويكون طريقاً إلى علم صحيح لا ريب فيه.

стр. 4066

(...) وَحَدَّثنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنَا عَمِّى. فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا بِإِسْنَادَيْهِمَا. سَوَاءً. مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ. ١٢ - (٢٢٦٨) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِر؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ رَآنِى فِى النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِى، إِنَّهُ لا يَنْبَغِى لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمثَّلَ فِى صُورَتِى ". وَقَالَ: " إِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ فَلا يُخْبِرْ أحَدًا بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِى الْمَنَامِ ". ــ ولم يختلف العلماء فى جواز صحة رؤية الله فى المنام، وإذا رئى على صفة لا تليق بجلاله من صفات الأجسام للتحقيق أن ذات (١) المرئى غير ذات الله؛ إذ لا يجوز عليه التجسيم ولا اختلاف فى الحالات، بخلاف رؤية النبى ﷺ فى النوم، فكانت رؤيته - تعالى - فى النوم من أنواع الرؤيا من التمثيل والتخيل (٢). قال القاضى أبو بكر: رؤية الله تعالى فى النوم أوهام وخواطر فى القلب بأمثال لا تليق به بالحقيقة، ويتعالى سبحانه عنها، وهى دلالات الرائى على أمور مما كان أو يكون كسائر المرئيات (٣). قال غيره من أهل هذا الشأن: وإذا قام الدليل، للعابد فى رؤية البارى أنه هو المرئى لا تأويل له يغره كانت حقًّا صدقاً لا كذب فيها، لا فى قود ولا فعل (٤). قال الإمام: وأما قوله ﷺ : " من رآنى فى المنام فسيرانى فى اليقظة " " أو كأنه (٥) رآنى فى اليقظة "، فإن كان المحفوظ: " كأنما رآنى فى اليقظة " فتأويله مأخوذ مما تقدم، وإن كان المحفوظ: " فسيرانى فى اليقظة " فيحتمل [أنه يريد] (٦) أهل عصره ممن لم يهاجر إليه ﷺ ، فإنه إذا رآه فى المنام فسيراه فى اليقظة، ويكون البارى جعل رؤية المنام علمًا على رؤية اليقظة، فأوحى بذلك إليه ﷺ . قال القاضى: وقيل: معناه: يرى تصديق تلك الرؤيا فى اليقظة [وصحتها. وأبعد بعضهم أن يكون معناه: سيرانى فى اليقظة أى] (٧) فى الآخرة، إذ يراه فى الآخرة جميع أمته، من رآه ومن لم يره (٨).

стр. 4067

١٣ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا رُوحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ رَآنِى فِى النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِى، فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِى لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِى ". ــ قال القاضى: ولا يبعد عندى أنه محتمل لهذا، وأن تكون رؤياه له فى النوم على الصفة التى عرف بها ووصف عليها موجبة لكرامته فى الآخرة، ورؤيته إياه رؤية خاصة فى القرب منه أو الشفاعة فيه، ونحو هذا من خصوصية الرؤية. وقد قيل فى قوله ﵇ فى المسلم والكافر: " لا تراءى ناراهما " (١) أى لا يجتمعان فى الآخرة، ويبعد كل واحد منهما من صاحبه. وفيه تأويلات معروفة، ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين فى القيامة بمنعه رؤية محمد نبيه وشفيعه مدة.

стр. 4068

(٢) باب لا يخبر بتلعب الشيطان به فى المنام ١٤ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ لأَعْرَابِىٍّ جَاءَهُ فَقَالَ: إِنَّى حَلَمْتُ أَنَّ رَأْسِى قُطِعَ، فَأَنَا أَتَّبِعُهُ، فَزَجَرَهُ النَّبِىُّ ﷺ وَقَالَ: " لا تُخْبِرْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِى الْمَنَامِ ". ١٥ - (...) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُ فِى الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِى ضُرِبَ فَتَدَحْرَجَ فَاشْتَدَدْتُ عَلَى أَثَرِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ للأَعْرَابِى: لا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِى مَنَامِكَ ". وَقَالَ: سَمِعْتُ النَبِىَّ ﷺ بَعدُ يَخْطُبُ فَقَالَ: " لا يُحَدِّثنَّ أَحَدُكُمْ بِتَلَعُّبَ الشَّيْطَانِ بِهِ فِى مَنَامِهِ ". ــ وقوله للأعرابى الذى جاءه فقال: إنى حلمت أن رأسى قطع فأنا أتبعه فزجره، وفى رواية: فتدحرج فاشتددت على أثره، وقال:: لا تخبر بتلعب الشيطان بك فى المنام "، قال الإمام: يحتمل أن يكون ﵇ علم أن منامه هذا من الأضغاث بوحى أوحى إليه، أو دلالة فى المنام دلته على ذلك، أو على أنه من المكروه الذى هو تحزين الشيطان. وحكى عن بعض العابدين أنه قال: يمكن أن يكون اختصر من المنام، أو سقط عن بعض الرواة منه ما لو ذكر لدل على أنه من الأضغاث. وأما العابدون فيتكلمون فى كتبهم على قطع الرأس، ويجعلونه - على الجملة - دلالة على مفارقة ما فيه الرائى من النعم، ويفارق من هو فوقه، ويزول سلطانه، وغير (١) حاله فى جميع أموره، إلا أن يكون عبدًا فتدل على عتقه، أو مريضاً فعلى شفائه، أو مدياناً فعلى قضاء دينه، أو ضرورة فعلى حجة، أو مغمومًا فعلى فرجه، أو خائفًا فعلى أمنه. وينظرون - أيضاً - فى اتساع هذا له ويصرفون دلالة ذلك فيما مضى مما ذكرناه عنهم، وفى غيره مما لم يذكره حتى يخلص لهم معنى مما قلناه، أو معنى آخر يقتضيه دلالة الحال، وهذا مصروف للعابدين، وإنما ذكرنا دلالة قطع الرأس على الجملة لا الحكم بغير هذا المنام بعينه. وقد ذكر ابن قتيبة فى كتابه (٢) - كتاب الأصول لعبارة [الرؤيا] (٣)، أن رجلاً قال: يا رسول الله، رأيت فيما يرى النائم كأن رأسى قطع، فجعلت انظر إليه بإحدى

стр. 4069

١٦ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُ فِى الْمَنَامِ رَأْسِى قُطِعَ. قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِىُّ ﷺ وَقَالَ: " إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِى مَنَامِهِ، فَلا يُحَدثْ بِهِ النَّاسَ ". وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ: " إِذَا لُعِبَ بِأَحَدِكُمْ " وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّيْطَانَ. ــ عينى، فضحك النبى ﷺ وقال: " بأيهما كنت تنظر إليه؟ " (١) فلبث ما شاء الله، ثم قبض النبى ﷺ [فعبر الناس أن الرأس كان النبى ﷺ ] (٢) والنظر إليه كان اتباع السنة.

стр. 4070

(٣) باب فى تأويل الرؤيا ١٧ - (٢٢٦٩) حدّثنا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِىِّ، أَخْبَرَنِى الزُّهْرِىُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ - كَانَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ - وَاللَّفْظَ لَهُ. أَخبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى يُونَسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتَبَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاس كَانَ يُحَدِّثُ أَنْ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى أَرَى اللَّيْلَةَ فِى الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلِ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ. وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلاً منَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدكَ فَعَلا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُل آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلا. ــ قوله: يا رسول الله، إنى كنت أرى الليلة فى المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فالمستكثر والمقل، وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر من بعدك فعلا، ثم اْخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به ثم وصل له فعلا. قال أبو بكر - رضى الله عنه -: يا رسول الله، بأبى أنت وأمى، والله لتدعنى فلأعبرنها. قال رسول الله ﷺ : " اعبرها ". قال أبو بكر: [يا رسول الله] (١) أما الظلة فظلة الإسلام، وأما الذى ينطف من السمن والعسل فالقرآن، حلاوته ولينه، وأما ما يتكفف الناس من ذلك فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذى أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرنى يا رسول الله بأبى أنت؛ أصبت أم أخطأت؟ فقال ﷺ " أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً ". قال: فوالله يا رسول الله، لتحدثنى بالذى أخطأت. قال: " لا تقسم "، قال الإمام: اختلف الناس فى قوله ﷺ : " أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا " فقال بعضهم: المراد بأنه أصاب عبرها، وأخطأ فى تقدمه بين يدى النبى ﷺ ليعبر المنام وهو ﷺ حاضر. ورد بعض العلماء هذا التأويل بأن قالوا: قد أذن ﷺ له فى ذلك وقال له: " اعبرها "، فلا ملام عليه فى التقدم.

стр. 4071

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِى أَنْتَ، وَاللهِ، لَتَدَعَنِّى فَلأَعُبَرَنَّهَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اعبُرْهَا ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّاَ الظُّلَّةُ فَظَلَّة الإِسْلامِ، وَأَمَّا الَّذِى يَنْطِفُ مِنْ السَّمْنِ وَالعْسَلِ فَالْقُرْآنُ، حَلاوَتُهُ وَلِينُهُ، وأمَّا ما يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِى أَنْتَ عَلَيْهِ، تَأخُذُ بِهِ فَيُعَلِيكَ اللهُ بِهِ، ثُمَّ يَأخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرَ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ فَأَخْبَرَنِى يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِى أَنْتَ، أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأتُ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أَصَبْتُ بَعْضًا، وَأَخْطَأتَ بَعْضًا ". قَالَ: فَوَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَتَحُدَّثَنِى مَالَّذِى أَخْطَأتُ؟ قَالَ: " لا تُقْسِمْ ". ــ وقال آخرون: إنما وقع الخطأ عليه فى أمر أغفله وأضرب عن تفسيره، فصار كأنه قصر فى العبارة لا على أنه قال قولاً أخطأ فيه. واختلف أصحاب هذه الطريقة على قولين فيما إذا أغفل، فقال بعضهم: ذكر الرائى أنه رأى ظلة تنطف السمن والعسل، فعبر الصديق - رضى الله عنه - ذلك بالقرآن حلاوته ولينه، وذلك عبر العسل ولم يعبر السمن، وأغفل ذكره، قالوا: وقد يكون العسل كناية عن القرآن، والسمن كناية عن السنة، فكأنه كان من حقه أن يقول: أما الذى ينطف فالقرآن وما سننت أنت من السنين. وإلى هذا التأويل أشار الطحاوى (١). وقال بعضهم: فإن المنام يدل على خلع عثمان؛ لأنه ذكر أنه أخذ بالسبب فانقطع به، وذلك يدل على انخلاعه بنفسه، ولما انقطع به دل على خلعه قهراً. وإذا كان عثمان - رضى الله عنه - قد خلع قهراً وقتل، حمل الوصل المسبب على ولاية غيره من بعده من قومه. وقوله ﷺ : " لا تقسم " لما سأله أن يحدث بما يجرى فى الفتن عن (٢) أصحابه، ويذكر لعثمان بأنه يبتلى. وقال بعض أهل العلم فإنه ﷺ حض على إبرار المقسم (٣) ولم يبر قسم أبى بكر، وما هذا إلا لما رآه من المصلحة فى ترك هذا وإبرار المقسم إذا منع منه مانع خرج من الحديث المذكور فيه الحض عليه. قال القاضى: قيل: خطأه فى قوله: " فتوصل (٤) له فيعلو به "، وليس فى الرؤيا إلا أنه يوصل وليس فيها: " له "، ولذلك لم [يذكر: " له "، لكن] (٥) وصله

стр. 4072

(...) وحدّثناه ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ النَّبِىَّ ﷺ مُنْصَرَفَهُ مِنْ أُحُدٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِى الْمَنَامِ ظُلَّةً تنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ. بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونسَ. ــ لعثمان إنما كان لعلى. وقيل: الخطأ هاهنا بمعنى الترك، أى تركت بعضًا لم تفسره [كما قيل قوله] (١). ومن يخطئ يعمر فيهرم (٢) وقيل: خطأه فى سؤاله إياه ليعبرها، ونحوه لأبى محمد بن أبى زيد فى تأويلها، وإن كان قد أذِنَ له فى ذلك. وقيل فى قوله: " لا تقسم ": لعله فى ألا يوبخه بلسانه أنه فى التقدم بين يديه على ما تقدم من أحد التأويلات فى خطئه، أو على ترك تعيين الرجال المذكورين فى الحديث الذى لم يصل أبو بكر إلى ذلك بطريق العبارة، ولم ير النبى ﷺ تعيينهم؛ إذ لو عينهم لكان كالنص عليهم، وقد شاء الله أن تكون الخلافة على غير هذا الوجه، أو تكون لما يدخل فى النفوس، لا سيما من الذى انقطع فى يده السبب. وفيه دليل على أدب الناس والمتعلمين بين يدى العالم، وألا يتقدموا بين يديه بالكلام إلا عن إذنه، ولا يفتوا [من سأله] (٣) إلا بأمره. قالوا: وفيه جواز سكوت العابر وكتمه عبارة الرؤيا؛ إذا كان فيها ما يكره أو فى السكوت عنها مصلحة وفى ذكرها مضرة وفتنة [على الناس] (٤). وفيه أن الرؤيا ليست لأول عابر على كل حال؛ إذ لو كانت لأول عابر لم يخطئ النبى ﷺ أبا بكر فيها. قالوا: وتفسير ما جاء عن النبى ﷺ الرؤيا لأول عابر (٥) معناه: إذا أصاب وجه العبارة وإلا فهى لمن أصابها بعده، ولا يجب أن يسأل عنها غير أول عابر، إلا أن يظهر له منه تقصير وخطأ فى العبارة، كما فعل النبى ﷺ بالصديق. قال أهل هذا العلم: لا يعبر الرؤيا عبارة عابر ولا غيره، وكيف يصح هذا وإن [تعين ما جاء] (٦) فى أم الكتاب غير أن الذى يستحب لمن لم تندر (٧) فى علم التأويل ولا اتسع فيه أن [لا] (٨) يتعرض لما قد سبق إليه من ثبت (٩) علمه وصحت

стр. 4073

(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ أَحْيَانًا يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَحْيَانًا يَقُولُ: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّى أَرَى اللَّيْلَةَ ظُلَّةً. بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ. ــ عبارته (١)، ولا ينبغى أن يسأل صاحب الرؤيا عنها إلا عالمًا ناصحًا أمينًا (٢). وقد قال مالك (٣) - وقيل له: أتعبر على الرؤيا على الخير وهى عنده على الشر؟ - فقال: معاذ الله، أبالنبوة يتلعب؟ هى من أجزاء النبوة. وقوله فى الحديث: " إنى أرى الليلة " فقال ثعلب: يقال من لدن الصباح إلى الظهر. أريت (٤) الليلة، يعنى عن الماضية، ومن الظهر إلى الليل: أرأيت البارحة. قال الإمام: وأما الظلة فهى سحابة (٥). " وتنطف " معناها: تقطر، و" يتكففون ": يأخذون بأكفهم. و" سببًا واصلاً من السماء إلى الأرض " بمعنى موصولاً، فيكون فاعلاً بمعنى مفعول، كقوله تعالى: [﴿مَّاءٍ دَافِقٍ﴾ (٦) أى مدفوق و ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَة﴾ (٧) "] (٨) بمعنى مرضية والسبب: الحبل. قال القاضى: أصل الظلة: كل ما علاك وأظلك. وقيل: الظلة: سحابة لها ظل. وقال ابن دريد (٩): كل شىء جمعته فقد كففته. وقال بعض أهل هذا الشأن (١٠): إنما عبر الظلة بالإسلام؛ لأن الظلة نعمة (١١) الله فى الدنيا بالمطر والرحمة والظلال، وكذلك على أهل الجنة، وكذلك كانت على بنى إسرائيل، وكذلك كانت تظل النبى ﵇ وكذلك الإسلام يقى الأذى، وينعم به المؤمن فى الدنيا والآخرة، وهو رحمة له. قال القاضى: وقد يكون غيرها (١٢) بذلك لما نطفت العسل والسمن، وقد عبر فيها ذلك بالقرآن وذلك لما (١٣) كان عن الإسلام والشريعة، قالوا (١٤): وأما العسل فإن الله تعالى قال: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاس﴾ (١٥)، وقال فى القرآن: ﴿شِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُور﴾ (١٦)،

стр. 4074

(...) وحدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِير، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ كَثِير - عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ مِمَّا يَقُولُ لأَصْحَابِهِ: " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فُلْيَقُصَّهَا أَعْبُرْهَا لَهُ ". قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُ ظُلَّةً. بِنَحْوِ حَدِيثهِمْ. ــ وهو حلو على الأسماع كحلاوة العسل على المذاق، ولأن القرآن وحى، والعسل من هذا الباب، قال الله تعالى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْل﴾ (١)، فقد حصل لهما اشتراك فى اللفظ وإن اختلفت معانيهما. وقوله: " لا تقسم " وقد أقسم، حجة فى أن من قال: أقسم، لا كفارة عليه؛ إذا لم يقل: بالله؛ لأنه (٢) لم يزد على قوله: أقسم عليك. فلم يجبه لذلك ولم يجبه ولا أمره بكفارة. واختلف إذا نوى بالله، واختلف فيه عن مالك، ومشهور قوله: أنه ليس بيمين حتى يقول: بالله، وقد ذكرنا هذا بأبسط فى حديث: " خيركم قرنى " (٣) بعد هذا، وكذلك جاء فى السمن من البقر " أنه شفاء من كل داء " (٤). وقوله: كان مما يقول لأصحابه: من رأى منكم رؤيا فيقصها أعبرها له: معنى " مما " هنا عندهم: كثيراً ما كان يفعل كذا. قال ثابت فى مثل هذا: كأنه يقول: هذا من شأنه ودأبه، فجعل " ما " كناية عن ذلك، يريد ثم أدغم نون " من " فقال: " مما ". وقال غيره معنى (٥): " مما " هنا - والله أعلم -: " ربما "، وهو من معنى ما تقدم لأن " ربما " تأتى للتكثير أيضاً. فيه الحض على علم الرؤيا والتهمم بها وشرف علمها وصحته. ويحتمل أن أمره لهم بذلك إما لتعلمهم علمها أو تعرفهم مسراتها، ويدخل المسرات على المسلمين بسببها، أو ليزداد علماً من علم الغيب وأسرار الكائنات بما يطلع علمه منها؛ إذْ هى أحد أجزاء النبوة. وفيه أنه لا يعبر الرؤيا كل أحد، ولا يعبرها إلا العالم بها.

стр. 4075

(٤) باب رؤيا النبى ﷺ ١٨ - (٢٢٧٠) حدثنا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِىَّ، عَنْ أَنَسِ بنْ مَالِك، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فِيَما يَرَى النَّائِّمُ، كأَنَّا فِى دَارِ عُقْبَةَ بنِ رَافِعٍ، فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْن طَابٍ، فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِى الدُّنْيَا وَالْعَاقِبَةَ فِى الآخِرَةِ، وَأَنَّ دِيَنَنَا قَدْ طَابَ ". ١٩ - (٢٢٧١) وحدثنا نَصْرُ بْنَ عَلِىٍّ الْجْهضَمِىُّ، أَخْبَرَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ ــ قوله: " رأيت كأنا فى دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب (١)، فأولت الرفعة لنا فى الدنيا، والعاقبة لنا فى الآخرة، وأن ديننا قد طاب ": وجوه عبارة الرؤيا أربعة: فمنها هذا الباب وهو ما يشتق من الأسماء (٢) ويدل عليه معانى الألفاظ. ومنها ما يعتبر بمثاله ويفسر بشكله؛ كدلالة معلم الكتاب على القاضى والسلطان وصاحب السجن ورأسى السفينة وعلى الوصى والوالد. ومنها ما يعبر بالمعنى المقصود من ذلك الشخص المرئى؛ كدلالة فعل السفر على السفر، وفعل (٣) السوق على المعيشة، وفعل (٤) الدار على الزوجة والخادم. ومنها ما يعبر بما تقدم له فى القرآن والسنة، أو الشعر، أو في كلام العرب وأمثالها، وكلام الناس، أو خبر معروف للمرئى، فيعبر بذلك كله كعبارة الخشب بالمنافق والكافر؛ لقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ (٥) ويعبر الغراب بالفاسق لتسميته ﵇ إياه بذلك، [واعتبار الزجاجة أحياناً لعمر المرأة لتسمية بعض الشعراء إياه بذلك] (٦)، وكاعتبارنا رؤية الأنبياء والخلفاء بما كان فى أيامهم وخاص قصصهم. ومعنى " ديننا قد طاب " أى قارب الاستقامة وتناهى صلاحه، كقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم﴾ (٧). قيل: ولعلُه بهذه الرؤيا سمى المدينة طابة - والله أعلم (٨). قيل: يحتمل أنه رأى هذه الرؤيا بعد أحد والخندق عند استقامة الدين، ويحتمل أن ذلك قيل بشارة له بما يكون من حاله وحال دينه.

стр. 4076

جُوَيْريَةَ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثهُ؛ أَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَرَانِى فِى الْمَنَامِ أَتسَوَّكُ بِسِوَاك، فَجَذَبَنِى رَجُلانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَر، فَنَاوَلْتُ السّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيل لِى: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ ". ٢٠ - (٢٢٧٢) حدَّثنا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِىُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَتَقَارَبَا فِى اللَّفْظِ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَّيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، جَدِّهِ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " رَأَيْتُ فِى الْمَنَامِ أَنِّى أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِى إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِىَ المَدِينَةِ يَثْرِبُ. وَرَأَيْتُ فِى رُؤْيَاىَ هَذِهِ أَنَّى هَزَزْتُ سَيْفاً، فاَنْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذا هُوَ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤمِنِينَ. ــ وقوله: " إنى أرانى أتسوك بسواك، فجاءنى رجلان، فناولت السواك الأصغر، فقيل لى: كبر، فدفعته إلى الأكبر ": فيه تقديم الأكبر، ورؤيا النبى ﷺ حق، وهذا معلوم من سنته وأمره فى غير هذا الحديث. وقد تقدم. وقوله: " رأيت فى المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلى إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هى المدينة يثرب ": الوهل، بفتح الهاء: الوهم، وهو المراد به هاهنا. وقد يكون بمعنى الغلط والنسيان، فيه: خروج الرؤيا على وجهها [لمهاجرة النبي] (١) إلى أرض بها نخل، فلم يحتج هذا الفصل عبارة. وتسميته المدينة يثرب وقد جاء تركه ﵇ ذلك وسماها طابة، تفاؤلاً بالطيب، إما لتطيب [سكانها] (٢) للمسلمين، أو لتطيب معيشتها وحالها، أو لتطييب الدين فيها، أو لتطيب فى نفسها من جند الكفرة والمنافقين، وتنفيهم كما ينفى [الكير] (٣) خبث الحديد. وكره اسمها يثرب؛ لما فيه من التراب، فلا يجوز تسمية إحدها بذلك، وكانت الجاهلية تسميها بذلك باسم موضع منها كان اسمه يثرب. ولعل قوله هذا ﵇ كان قبل نهيه: أى التى يسمونها قبل يثرب، ألا تراه كيف قال قبل: " فإذا هى المدينة " ثم زاد: " يثرب " للبيان. وقوله: " رأيت كأنى هززت سيفاً فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد " الحديث: كذا روايتنا فيه من طريق العذرى وابن ماهان، ووقع فى رواية غيرهما فى الموضعين: " هزَّته " بتشديد الزاى وتخفيف التاء، وهى لغة بكر بن وائل. هذا الفصل من الرؤيا بخلاف الأول، هو على ضرب المثال وغرضه التأويل. تأولها بذلك ﵇ لأن سيف الرجل أنصاره وأولياؤه الذين يصول بهم كما

стр. 4077

وَرَأَيْتُ فِيهَا أَيْضًا بَقَرًا، وَاللهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُد، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ، وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِى آتَانَا اللهُ بَعْده، يَوْمِ بَدْرٍ ". ٢١ - (٢٢٧٣) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْل التَّمِيمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ ــ يصول بسيفه. وقد يكون السيف ولده أو والده أو أخاه أو عمه، وقد يكون زوجته، وقد يدل على الولاية والوديعة، وعلى لسان الرجل وحجته، وقد يدل على السلطان الجائر. وكل ذلك بحسب قرائنه عند [أهل] (١) الرؤيا التى تشهد لأحد الوجوه وتخصها به، أو قرائن حال الرائى فى نفسه ووقته. وخص النبى ﵇ هنا أصحابه وأنصاره لهزه إياه، وكون ذلك دلالة على استعماله فى الحرب مع قرائن حال النبى ﷺ فى محاربة أعدائه. وقوله: " رأيت فيها أيضاً بقراً، والله خير، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء من الخير، بعد وثواب الصدق الذى آتانا الله بعد يوم بدر ": كذا جاء الحديث فى كتاب مسلم وفيه زيادة فى غيره (٢): " ورأيت بقراً ينحرونه "، تصح عبارة الرؤيا بما جاء فى الحديث؛ إذ [دل نحر] (٣) البقر على قتل من قتل من أصحابه. قال بعض أهل هذا اللسان (٤): إنما تأولهم على أصحابه؛ لأن البقر شبه رجال الحرب؛ لما معها من أسلحتها التى هى قرونها ولمدافعتها بها ومناطحتها بعضها بعضاً. قال القاضى: وقد كانت العرب تستعمل القرون فى الرماح عند عوز أسنة الحديد. وشبهت الفتن بصياصى البقر - وهى قرونها - وبوجوهها؛ لتشابه بعضها بعضاً. وخص أصحابه بذلك من غيرهم ومن عداهم، وليس فى الرؤيا يا دليل ظاهر على تخصيصه بهم لقرائن الحال؛ لأن البقر قد يعبر بها عن أهل الحرب والبادية، ومن يثير الأرض لأنها تثيرها، وبها يقوم ذلك، ولأن الذكر منها ثور وكانت هذه صفة أصحاب النبى ﷺ من الأنصار وأصحاب المدينة؛ لاشتغالهم بالفلاحة والزراعة، ولم تكن تلك صفة من عداهم من قريش، أو لأن أصحابه الثائرون معه على العرب والقائمون بدعوة الإسلام حينئذ، ولتحريكهم جهتهم من الأرض وقلتهم ظاهرها وباطنها. ويحتمل - والله أعلم - أنه إنما تأول نحر (٥) البقر بمن يقتل من أسمها، وشبهه بنفر، ألا تراه كيف قال: " ورأيت فيها بقراً، فإذا هم النفر من المؤمنين " الحديث - والله أعلم. وقوله: " والله خير ": قال أكثر من تكلم على الحديث: معناه: وثواب الله خير، يعنى للمقتولين من حياتهم وبقارهم (٦) فى الدنيا. وقيل: " والله خير ": أى صنع الله خيراً لهم وهو قتلهم يوم أحد (٧). وقيل: فى الكلام تقديم وتأخير، وتقديره:

стр. 4078

الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِى مُحَمَّدٌ الأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ. فَقَدِمهَا فى بَشَر كَثِيرٍ مِن قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ النَّبِىَّ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَاس، وَفَى يَدِ النَّبِىِّ ﷺ قِطْعَةَ جِرَيدَةٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمةَ فِى أصْحَابِهِ، قَالَ: " لَوْ سَأَلْتَنِى هَذِهِ القَطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ أَتعَدَّى أمْرَ اللهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللهُ، وَإِنِّى لأُرَاكَ الَّذِى أُرَيْتَ فِيكَ مَا أُرِيتُ، وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّى " ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. ــ ورأيت والله خير بقر تنحر. والاسم هنا مخفوض على القسم لتحقيق الرؤيا. وبهذا النص ذكر الخبر ابن (١) هشام فى السير، وسمى هذا خيراً على التفاؤل، هان كان عبارته مكروهة وشراً فى الظاهر فسماه خيراً لعقباه، وهذا كما يقول العابر لمن يقص عليه رؤياه: خير. والأولى قول من قال: إن قوله: " والله خير " من جملة الرؤيا، وكلمة ألقيت إليه وسمعها فى الرؤيا عند رؤياه البقر؛ بدليل عبارته لها بقوله: " وإذا الخبر ما جاء الله به بعد يوم بدر " الحديث. وكذا ضبطناه وهذه الحروف على جملتهم: " واللهُ خيرُ " بضم الهاء والراء على المبتدأ والخبر، " وبعدُ يومَ بدر " بضم الدال ونصب يوم، وقد روى بضم الدال، قالوا: ومعناه: ما جاء الله به بعد بدر الثانية؛ من تثبيت قلوب المؤمنين إذ جمع لهمِ الناس وخوفوا، فزادهم الله ايماناً، وانقلبوا كما أخبر تعالى: ﴿بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾ (٢) وعليه يتأول الخبر هنا مع تفرق العدو عنهم وهيبته لهم. وهذه الرؤيا تدل أنها كلها (٣) قبل الهجرة، وظاهرها أنها واحدة غير منفصلة، والله أعلم. وذكر مسلم حديث مسيلمة ووروده على النبى ﷺ المدينة ومجىء النبى ﵇ إليه وبيده قطعة جريدة، وقوله: " لو سألتنى هذه القطعه ما أعطيتكها ": إنما جاءه ﵇ استئلافاً له ولقومه كما نزل (٤) على عبد الله بن أبى، وليبلغ ما أمر الله بتبليغه مما أنزل عليه، وكان يقصد به من لم يأته. ويحتمل مجيئه إليه لأن مسيلمة قد قصده ليلقاه من بلده، فجاءه هو - أيضاً - مكافأة لفعله. ففيه تلقى كبير القوم إذا ورد وزيارته، لا سيما فيمن يرجى بذلك منه منفعة فى دين أو دنيا. وكان مسيلمة إذ ذاك يرفع للإسلام ظاهراً، ويشترط شروطاً، وإنما ظهر كفره وارتداده بعد ذلك. وقد جاء فى حديث آخر: أنه هو أتى النبى ﷺ (٥) ويحتمل أنها مرتان وقد جاء فى حديث آخر: أنه بقى فى ظهر القوم، فسأل عنه ﵇. ولعله أول وفادته. قيل - والله أعلم -: وإنما قال له: " لو سألتنى هده القطعة " للجريدة التى كانت

стр. 4079

(٢٢٧٤) فقال ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : " إِنَّكَ أَرَى الَّذِى أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ "، فَأَخْبَرَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِى يَدَىَّ سُوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّنِى شَأنَهُمَا، فَأُوحِىَ إِلىَّ فِى الْمَنَامِ أَن انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِى. فَكأَنَّ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِىَّ، صَاحِبَ صَنْعَاءَ، والآخَرُ مُسَيْلمَةَ، صَاحِبَ الْيَمَامَةِ ". ٢٢ - (...) وحدّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّه، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ، فَوَضَعَ فِى يَدَى أُسْوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، ــ بيده، وهى سعفة النخلة " ما أعطيتكها " يريد ما تقدم أول الحديث من قوله: إن جعل لى محمد الأمر من بعده تبعته. قوله: " لن أتعدى أمر الله فيك ": كذا فى جميع نسخ مسلم، وفى كتاب البخارى " ولن يعدو أمر الله فيك " (١). قال الكنانى (٢): وهو الصواب. ولعل مافى مسلم: " ولن تعدى "، والألف زائدة. قال القاضى: والوجهان صحيحان لن يعدو أمر الله فيه خيبته مما أمل وهلاكه، أو مما قدر عليه من شقاوة وسبق أمر الله فيه. ولن يعدو النبى أمر الله فيه فى أنه لا يجيبه إلى ما طلب مما لا ينبغى له، وأن يبلغه ما أنزل عنه، ويدفع أمره بالتى هى أحسن. قوله: " ولئن أدبرت ليعقرنك الله ": أى إن لم تجب إلى اتباعى، وتقبل ما جئت به ليهلكنك الله، كما كان من قتله بعده. وهذا من جملة آياته ﵇ والعقر: القتل، ومنه: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ (٣). وقوله: " وهذا ثابت يجيبك عنى ": كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب رسول الله ﷺ ، وهو كان المجاوب للوفود عن خطبهم وتشدقهم. وقوله: " وإنى لأراك الذى أريت فيه ما أريت " وذكر أنه رأى فى يديه سوارين من ذهب، وفى الرواية الأخرى: " سوارين فأهمه شأنهما، فأوحى إليه فى المنام: أن انفخهما، فنفخهما، فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدى "، وفى الحديث

стр. 4080

فَكَبُرَا عَلَىَّ وَأَهَمَّانِى، فَأَوحِىَ إِلَىَّ أَن انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ ". ٢٣ - (٢٢٧٥) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ أَبِى ــ الآخر: " فأولتهما الكذابين الذين أنا بينهما: العنسى صاحب صنعاء، ومسيلمة صاحب اليمامة ": هذا يبين أن النبى ﷺ نص على اسمهما، وفى غير هذه الرواية أن النص على اسمهما من الراوى. وقوله: " بعدى " وقد كانا فى زمنه ﵇ إشارة إلى إظهار ارتدادهما بعد، ومحاربتهما المسلمين ودعواهما النبوة. وإنما يؤول (١) ذلك - والله أعلم - فيهما لما كانا السواران (٢) فى اليدين جميعًا من الجهتين، وكان حينئذ النبى ﵇ بينهما، وتأول السوارين على الكذابين ومن ينازعه الأمر غير موضعهما؛ إذ هما من حلى النساء، وموضعهما أيديهن لا أيدى الرجال. وكذلك الكذب والباطل هو الأخبار بالشىء على غير ما هو به ووضع الخبر على غير موضعه، مع كونها من ذهب وهو حرام على الرجال، ولما فى اسم السوارين من لفظ السوء لقبضهما على يديه، وليستا من حليته، [فأهمه ذلك كله] (٣) لهذا. وتأول ذلك قبض هذين الكذابين بعض نواهيه أوامره، ومنازعتهما نفوذ ذلك فى جهتيهما، ونفخه فيهما فطارا، دليل على اضمحلال أمرهما من سببه وريح نصره وأمره بذلك؛ لأن النفخ من هذا الباب كله؛ ولأن كونهما من ذهب فيه إشعار بذهاب أمرهما وبطلان باطلهما، ويقال: سوار وسوار وأسوار بضم الهمزة. فأما أساورة الفرس، وهم قوادهم، وقيل: المجيدون فى الرمى، فأسوار بالكسر والضم معاً. وقوله: " وأوتيت خزائن الأرض " وفى غير مسلم: " وأتيت بمفاتيح خزائن الأرض " (٤) يتأول على سلطانها ولملكها وفتح بلادها وخزائن أموالها، كما كان بحمد الله. وقوله: كان إذا صلى الصبح أقبل علينا بوجهه فقال: " هل رأى أحد منكم البارحة [رؤيا] (٥) ": وتقدم الكلام على هذا وما فيه من الفائدة. وفيه أن عبارة الرؤيا بعد الصبح وأول النهار أولى عندهم، اقتداءً بفعل النبى ﷺ ، ولأن الذهن حينئذ أجمع؛ والقلب أجلى (٦) قبل تلبسه باشتغال النهار والفكرة فى أخبار الدنيا؛ ولأن الرائى لما رآه

стр. 4081

رَجَاءٍ الْعُطَارِدِىِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَب؛ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجهِهِ، فَقَالَ: " هَلْ رَأَى أَحَد مِنْكمُ الْبَارِحَة رُؤْيَا؟ ". ــ أقرب عهداً، ولم يطرأ عليه ما يشوش عليه رؤياه ويخلطها عليه بعد، وللمبادرة إلى علم تأويلها، فلعل فيها ما يحتاج إلى تعجيل علمه من التحذير عن معصيه أو فعل تحذر عقباه. وفيه التكلم فى العلم بعد صلاة الصبح، والاستناد إلى القبلة فى المساجد، وبإثر الصلاة واستدبارها للتحلق للعلم، وغير ذلك، والله أعلم.

стр. 4082

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٣ - كتاب الفضائل (١) باب فضل نسب النبى ﷺ ، وتسليم الحجر عليه قبل النبوّة ١ - (٢٢٧٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ، جَمِيعًا عَنِ الوَلِيدِ. قَالَ ابْنُ مهْرَانَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ أَبِى عَمَّارٍ، شَدَّادٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ الله اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِى هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ ". ٢ - (٢٢٧٧) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، حَدَّثَنِى سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّى لأعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّى لأَعْرِفُهُ الآنَ ". ــ كتاب الفضائل قوله: " إنى لأعرف حجراً بمكة، كان يسلِّم علىَّ قبل أن أبعث ": أى لأنى أعرفه الآن. زاد بعضهم فى غير مسلم: وكانوا يرونه الحجر الأسود.

стр. 4083

(٢) باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق ٣ - (٢٢٧٨) حدَّثنى الحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هِقْلٌ - يَعْنِى ابْنَ زِيَادٍ - عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، حَدَّثَنِى أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ ". ــ وقوله: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ": قال الهروى: السيد: الذى يفوق قومه فى الخير، وقد بين ذلك [فى الحديث] (١) بقوله: " وأول من ينشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع ". وقال غيره: قالها ﵇ هنا لأن السيد هو الذى ينزع إليه القوم فى النوائب والشدائد، فيقوم بأمورهم، ويتحمل عنهم مكارههم، ولدفعها عنهم. وبقية الحديث يفسر معناه من قوله: " أنا خطيبهم إذا وفدوا؛ وشفيعهم إذا حبسوا، ومبشرهم إذا ما يأسوا، ولا فخر ". وخص ﵇ ذلك يوم القيامة بهذا الحديث، وهو سيد ولد آدم فى الدنيا والآخرة، كما جاء مطلقاً فى غير هذا الحديث؛ يلجأ جميعهم إليه يوم القيامة - آدم ومن ولد - يشفع لهم فى الموقف، ولم يبق حينئذ من ينازعه السؤدد، لا حقيقة ولا باطلاً، كما نازعه إياه فى الدنيا ملوك الكفرة وغيرهم من زعماء المشركين. وهذا كما قال تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ (٢) وله الملك قبل ذلك اليوم بلا شك، لكن كان فى الدنيا مدعون للملك ومتصفون به، ويوم القيامة ذهب ذلك كله وانقطعت الدعاوى فيه، وخلص حقاً لله الواحد القهار. وفيه جواز التحدث بنعمة الله على عبده؛ إذا أمن بها العجب والفخر، وخلص من الكبر، كما قال ﵇: " ولا فخر " فى هذا الحديث. وهو هنا فى حق النبى واجب تبليغ لما يجب أن تعتقده أمته، وتدين لله به فى حقه وطاعته. ولا يعارض هذا قوله: " لا تفضلوا بين الأنبياء " (٣) ولا قوله: " ما ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى " (٤) لوجوه، منها: أنه يحتمل أن ذلك كان قبل

стр. 4084

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إعلام الله له أنه أفضل ولد آدم، أو يكون ذلك على طريق الأدب والتواضع، أو أن يكون ذلك نهياً أن يفضلوا بينهم تفضيلاً [ينقص من البعض] (١) من المفضول أو لا يفضل بينهم فى النبوة. وأما تغيضيلهم بخصائص خص الله بها بعضهم كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾ الآية (٢).

стр. 4085

(٣) باب فى معجزات النبىّ ﷺ ٤ - (٢٢٧٩) وحدَّثنى أَبُو الرَّبِيعِ، سُلَيْمَانُ بْن دَاوُدَ العَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ فَأُتِىَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ، فَجَعَلَ القَوْمُ يَتَوَضَّؤُونَ، فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى المَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. ٥ - (...) وحدَّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَحَانَتْ صَلاةُ العَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأتَىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ ــ وذكر مسلم [الاحاديث] (١) أنس فى نجع الماء من بين أصابعه ﵇ وهى إحدى معجزاته المشهورة الغريبة الخارقة للعادة، وقد جاء النقل بها متواتراً من حديث أنس، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين. قال الإمام: وقوله: " فأتى بقدح رحراح " يعنى واسعاً. قال القاضى: ويقال: زحرح أيضاً وأزح، وجفنة زحا. قال ابن الأنبارى: ويكون قصير الجدار مع ذلك. وأصل الرحرح: السعة والانبساط. وقوله: " رأيت الماء ينبع من بين أصابعه ": حمله أكثرهم على خروج الماء منها وانبعاثه من ذاتها، وإليه ذهب المزنى وغيره، [فقال] (٢): وهو أبهر أنه من تفجير موسى الحجر وغير ذلك؛ إذ خروجه من الحجر معهود. وقال آخرون: يحتمل هذا، ويحتمل أن الله كثر الماء فى ذاته، فجعل يندفع فى الجفنة والإناء، ويفور من بين أصابعه. وكلا الوجهين فمعجزة عظيمة، وآية باهرة خارقة للعادة. وقوله: " فالتمس الناس وضوءًا ": أى ماءً، سمى بما يفعل به، وهو بالفتح، وقد تقدم فى الطهارة.

стр. 4086

أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. ٦ - (...) حدَّثنى أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِى، حَدَّثَنَا مُعاذٌ - يَعْنِى ابْنَ هِشَامٍ - حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ - قَالَ: وَالزَّوْرَاءُ بِالمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوق وَالمَسْجِدِ فِيمَا ثَمَّهْ - دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ، فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ. قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ الثَّلاثِمَائَةِ. ٧ - (...) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ بِالزَّوْرَاء، فَأُتِىَ بِإِنَاءِ مَاءٍ لا يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ، أَوْ قَدْرَ مَا يُوَارِى أَصَابِعَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ هِشَامٍ. ٨ - (٢٢٨٠) وحدَّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبِ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقلٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِى لِلنَّبِىِّ ﷺ فِى عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا، فَيَأتِيهَا ــ وقوله: " فأتى بإناء ماء لا يغمر أصابعه ": أى لا يغطيها. وقوله: " كانوا زهاء ثلاثمائة ": أى قدرها، يقال: لهم زهاء كذا ولها كذا باللام، أى قدره. وجاء فى الحديث الآخر: " فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين " هذا يدل أنهما فى موطنين؛ الأول بالزوراء كما قال، والآخر فى غيرها. والزوراء: سوق المدينة، وكان عليه (١) التماسهم الماء بالمدينة حينئذ ما جاء فى غير هذا عن أنس: حضرت الصلاة، فقام جيران المسجد يتوضؤون، وبقى ناس من السبعين إلى الثمانين، كانت منازلهم بعيداً، وذكر الحديث. وجاء فى حديث جابر ذلك مفسراً فى غزوة الحديبية وغزوة بواط، وحديث أنس عن الموضعين بالمدينة. وذكر مسلم فى الباب: حدثنا محمد بن [هشام] (٢)، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة. كذا للعذرى. وعند غيره حدثنا سعيد، عن قتادة. كذا للسجزى والسمرقندى. قال لنا القاضى أبو على: وهو الصواب، وكذا ذكره البخارى (٣) لسعيد وهو ابن أبى عروبة لا لشعبة.

стр. 4087

بَنُوهَا فيَسْأَلُونَ الأُدْمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَىْءٌ، فَتَعَمِدُ إِلَى الَّذِى كَانَتْ تُهْدِى فِيهِ لِلنَّبِىِّ ﷺ ، فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا. فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: " عَصَرْتِيهَا؟ ". قَالَتْ نَعَمْ. قَالَ: " لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا ". ٩ - (٢٢٨١) وحدَّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ ﷺ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ. فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا، حَتَّى كَالَهُ، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: " لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ ". ١٠ - (٧٠٦) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِىٍّ الحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ - وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ المَكِّىِّ؛ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلاةَ. فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا. حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى المَغْرِبَ وَالعِشَاء جَمِيعًا. ثُمَّ قَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَأتُونَ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللهُ، عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأتُوهَا حَتَّى يُضْحِى النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِىَ ". فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلانِ. وَالعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَىْءٍ مِنْ مَاءٍ. قَالَ: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟ ". قَالا: نَعَمْ. فَسَبَّهُمَا النَّبِىُّ ﷺ ، وَقَالَ ــ وذكر فى الباب - أيضاً - حديث مالك فى قصته عام تبوك، وقد تقدم فى كتاب الصلاة، والكلام على ما فيه من جمع الصلاتين، واختلاف الروايات فى تبض وتبص، ومعنى ذلك، فأما هنا فبالضاد المعجمة عند الرواة بغير خلاف. قال الإمام: " تبص بشىء منها ": من رواه بالصاد المهملة معناه: ترق، يقال: بصَّ يبص بَصيصاً، ووبص يبص وبيصاً بمعنى. ومن رواه بالمعجمة فمعناه: تسيل، يقال: بض وضب بمعنى سال. وقوله: " بماء منهمر ": أى كثير شديد الاندفاع، قال الله تعالى: ﴿بِمَاءٍ مُّنْهَمِر﴾ (١) أى كثير الانصباب.

стр. 4088

لَهُمَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ. قَالَ: ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ العَيْنِ قَلِيلاً قَلِيلاً، حَتَّى اجْتمعَ فِى شَىْءٍ. قَالَ: وَغَسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ العَيْن بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ - أَوْ قَالَ: غَزيْرٍ، شَكَّ أَبُو عَلِىٍّ أَيُّهُمَا. قَالَ: حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: " يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، أَنْ تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا ". ــ قال القاضى: وقوله: " حتى استقى الناس ": كذا للكافة، وفى كتاب التميمى: " حتى أشفى الناس " بالشين المعجمة، وهو وهم، والمعروف الأول، وتقدم هذا وما فيه من الآيات الباهرة والعلامات الخارقة من الإعلام بما يكون من شأن العين أولاً، وأمرهم ألا يمسوا شيئاً من مائها ومن قوله: " ترى ما ها هنا قد ملئ جناناً " فكأن ذلك كله، ومن تكثير الماء القليل والخبر بهذا مشهور صحيح. وهذه العلامات المقطوع بها بكثرة الأخبار بها واشتهارها وتواترها من جهة المعنى، ولأن الراوى لها والذاكر لها بمجمع الصحابة المخبر عن قصة جرت لهم فى مجمع من جموعهم، ومشهد عظيم من مشاهدهم، وجيش كثير من جيوشهم، لا يمكن سكوتهم على مدعى الكذب فيها، ولا كانوا ممن يداهن فى ذلك، ولا هو مما يخفى عليهم؛ إذ هم الذين توضؤوا وشربوا، وشاهدوا الأمر المخبر به عنهم، فكان الحديث عنهم. وكذلك أحاديثه فى تكثير الطعام من هذا الباب، وعلى هذا الأسلوب. وقد بسطنا الكلام فى هذا ونجيناه، وذكرنا أعيان الأحاديث، ومن روى كل واحد منهما من الصحابة، ومن رواه عنهم من التابعين بمبلغ علمنا ومنتهى إدراكنا، وما اتصل الكلام بذلك فيه فى كتاب: " الشفاء " بما يغنى عن إعادته هنا. وقوله: " فسبَّهما رسول الله ﷺ ، وقال لهما ما شاء الله أن يقول ": فيه تأديب الحاكم باللسان، والسب غير المقزع نفسه. ذكر مسلم هنا حديث أم مالك، وأنها كانت تهدى للنبى فى عكة لها [بين أقياتها] (١) بنوها فسيكون (٢) للإدام وليس عندهم شىء، فتعمد إليها، فتجد فيها سمناً، فما زالت تقيم لها أدم بيتها حتى عصرتها (٣). وقول النبى لها: " عصرتيها، لو تركتيها ما زالت قائمة " مما تقدم، وذكر الحديث فى الذى أطعمه النبى ﷺ شطر وسق شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله. فقال: " لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم ": أى ولبث ودام، ويروى: " بكم " أى لكفاكم وأغناكم. فيه رد الظرف المهدى فيه إلى صاحبه، وفى المثل المعروف: رد الظروف.

стр. 4089

١١ - (١٣٩٢) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بَلالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاس بْنِ سَهْل بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ، عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَأَتَيْنَا وَادِىَ القُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لامْرَأَةٍ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اخْرِصُوهَا "، فَخَرَصْنَاهَا، وخرَصَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشْرَةَ أَوْسُقٍ. وَقَالَ: " أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ، إِنْ شَاءَ اللهُ ". وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " سَتَهُبَّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ ــ وفيه أن هذه الأمور الكونية يجب ألا ينقضى أمرها وتترك مهملة لا تدخل تحت التقدير، ومثله حديث شعير عائشة، وأنها [لما] (١) كالته فنى؛ لأن كيلها وعصرها وتَقَصىِّ ما فيها مضاد للتسليم والتوكل على رزق الله ويقضى على تقدير ما لا يحصيه التقدير من سعة فضل الله، وتكلف لما لا طائل وراءه، فعوقب فاعله بأن رفعت تلك البركة عنه، ورد إلى قوته وحوله التى تكلفها - والله أعلم. هذا هو وجه التأويل فيه، وظاهر معناه، وإن كان بعضهم تأول فى حديث عائشة أنه لما أكالته (٢) عرفت قدره بقى على حسابها، وكانت أولاً لم تؤزره، فطال ذلك فى ظنها، ولم يجعل فى ذلك الله بينة ولا بركة. وظاهر الحديث يرد قوله، لا سيما مع ما فى هذا الحديث من قوله ﵇: " لو لم تكله لأكلتم منه، ولقام بكم "، فقد نص على ضد ما قاله هذا الشارح والله الموفق برحمته. ومعنى " مقيم لها أدم بيتها ": أى يكمها ونفسها (٣). ومنه: قوام العيش، أى كفايته وما يغنى منه. وكذلك قوله: " ما زال قائماً ". ويحتمل أن يريد ثابتاً دائماً. والعكة، بضم العين: للسمن، وهى أصغر من القربة. " وشطر وسق الشعير ": نصفه. وذكر حديث أبى حميد فى خرص النبى ﷺ حديقة المرأة: فيه جوار الخرص، وقد تقدم فى الزكاة. ولا خلاف عندنا فيه فى التمر والعنب فى الزكاة. واختلف فى الزرع والزيتون. وقوله: " ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، ولا يقيم فيها أحد " وأن الريح هبت، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيئ. فيه آية بينة من إعلامه ﵇ بالغيوب وما يكون.

стр. 4090

عِقَالَهُ "، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ. فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلىْ طَيِّئٍ. وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ العَلْمَاءِ - صَاحِبِ أَيْلَةَ - إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِكتَابٍ، وَأَهْدى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِىَ القُرَى. فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا: " كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ ". فَقَالَتْ: عَشرَةَ أَوسُقٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّى مُسْرِعٌ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِىَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ ". فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ. فَقَالَ: " هذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ". ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ خَيْرَ دُورِ الأَنْصَارِ دَارُ بَنِى النَّجَارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِى عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دَارُ بَنِى عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَج، ثُمَّ دَارُ بَنِى سَاعِدَةَ، وَفِى كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ ". فَلَحِقْنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَيَّرَ دُورَ الأَنْصَارِ، ــ وقوله: " وجاء [رسول] (١) ابن العلماء - صاحب أيلة - إلى رسول الله ﷺ وأهدى له بغلة بيضاء. " ابن العلماء ": بفتح العين المهملة وسكون اللام الممدودة، وهذه البغلة هى " دلدل " بغلة النبى ﷺ المعروفة، لكنه قال هنا ما ظاهره أنها أهديت له فى غزوة تبوك، وقد كانت عنده. قيل: وحضر عليها يوم حنين، ولم يرو أنه كان للنبى ﷺ بغلة سواها، ولعله يعنى أنه أهداها له قبل هذا، كأنه قال: والذى أهدى له البغلة. وقد تقدم الكلام فى قبول النبى ﷺ الهدايا، ورده لما رد منها، وحكم غيره فى ذلك من الأئمة. وتقدم الكلام فى قوله: " هذا جبل يحبنا [ونحبه] (٢) ". وقوله: " خير دور الأنصار بنو النجار " الحديث: المراد بها أهلها، والدور القبائل هنا، وفضلهم بالسبق إلى الإسلام. وفيه جواز التفضيل والتخيير بين الناس، [وإنزال كل أحد منزلته. وقد كره بعض العلماء التفضيل بين الناس] (٣)، وهذا - والله أعلم - لغير ضرورة، إما للحاجة إلى ذلك فى التعديل والتجريح فى الشهادات [والحديث] (٤) والولايات، فمضطر إليه محتاج لذكره واعتقاده، وهذا ليس بغيبة. وقوله: " ثم دار بنى عبد الحارث من الخزرج ": كذا للسعدى (٥) [الفارسى] (٦) [والواو مثل] (٧)، وهو وهم، والصواب بنو الحارث.

стр. 4091

فَجَعَلَنَا آخِرًا. فَأَدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَيَّرْتَ دُورَ الأَنْصَارِ فَجَعَلْتَنَا آخِرًا. فَقَالَ: " أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الخِيَارِ ". ١٢ - (...) حدَّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ المَخْزُومِىُّ. قَالا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بَهَذَا الإِسْنَادِ، إِلِى قَوْلِهِ: " وَفِى كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ ". وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ وُهَيْبٍ: فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَحْرِهِمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِى حَدِيثِ وُهَيبٍ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ــ وقوله: " وكتب له رسول الله ﷺ ببحرهم (١)، وأهدى له بردة ": أى ببلدهم. والتجار (٢): القرى فيه المكافأة على الهدية، وجواز الإقطاع.

стр. 4092

(٤) باب توكله على الله تعالى، وعصمة الله تعالى له من الناس ١٣ - (٨٤٣) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ - عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِى سِنَانٍ الدُّؤَلِىِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَزْوَة قِبَل نَجْدٍ، فَأَدْرَكنا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ. فَنَزَلَ رسُولُ اللهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا. قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِى الوَادِىَ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَجَرِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ رَجُلاً أَتَانِى وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلى رَأسِى، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلاَّ وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِى يَدِهِ. فَقَالَ لِى: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّى؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ. ثُمَّ قَالَ فِى الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّى؟ قَالَ: قُلْتُ: الله. قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ. فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ "، ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ١٤ - (...) وحدَّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى سِنَانُ بْنُ أَبِى سِنَانٍ الدُّؤَلِىُّ ــ وقوله: " أدركنا رسول الله ﷺ فى واد كثير العضاه ": هى كل شجر ذات شوك، واحدها عضه وعضاهة. وقوله: فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة وعلق سيفه بغصن من أغصانها، وأن رجلاً أتاه وهو نائم فأخذ السيف، فاستيقظ النبى ﷺ وهو قائم على رأسه بالسيف صَلْتًا، وقال: من يمنعك منى؟ فقال النبى ﷺ : [" الله "] (١)، فشام السيف، [ثم] (٢) لم يعرض له رسول الله ﷺ ، قال الإمام: قوله: " السيف صلتاً " أى مجرداً. قال ابن قتيبة: فيه لغتان: بفتح الصاد وضمها، يقال: شام السيف: إذا أغمده، ويقال: شام السيف: إذا سله وإذا أغمده، وهو من الأضداد. قال القاضى: فيه تعليق السيوف بالشجر، ونوم المقاتلة (٣) فى الجيوش، وعصمة

стр. 4093

وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِىَّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ غَزْوَةَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ النَّبِىُّ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكتْهُمُ القَائِلَةُ يَوْمًا. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَمَعْمَرٍ. (...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْن أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ. وَلَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ لَمْ يعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ــ النبى ﷺ من أعدائه، وهى إحدى آياته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ (١) وفيه ما كان ﵇ من الحلم والعفو والتوكل والتواضع. واسم هذا الرجل: غورث بن الحارث، بفتح الغين المعجمة. وبعضهم بضمها، والفتح الصواب. وبعض رواة البخارى قيده بالعين المهملة، وبالمعجمة الصواب. وقال الخطابى فى حديثه: غويرة أو غويرث على التصغير والشك (٢). وقد جاء مثل هذا الخبر فى حديث آخر وسمى الرجل فيه: دعثور بن الحارث.

стр. 4094

(٥) باب بيان مثل ما بعث النبىّ ﷺ من الهدى والعلم ١٥ - (٢٢٨٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِىِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ - وَاللَّفْظُ لأَبِى عَامِرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِى اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالعشْبَ ــ وقوله: " مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، ومنها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى به [فعلم] (١) وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به ": هذا بديع فى الشبه وتقسيم الكلام، ويدل (٢) بعضه (٣) على بعض وجاء الترتيب بعد مجملاً، ورده رداً واحداً مرتباً على ما قبله، ولعله (٤) آخراً فى كلام واحد، وهو من بديع الإيجاز والبلاغة، فإنه ذكر ثلاثة أمثلة ضربها فى الأرض: اثنان منها محمودان، ثم جاء بكلام واحد تضمن لما جاء به اثنان منها محمودان، وذلك قوله: " فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه الله بما بعثنى به، فعلم وعلم "، فهذان مثالا المثالين الأولين على ترتيبها (٥) فى التقديم والتأخير. والأول: مثل الأرض التى قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فانتفعت بالرى (٦) وأكثر فى نفسها وأنفع (٧) الناس بالرعى لما أنبتته، وهذا كالذى يفقه فى نفسه وعلم ما يحمله، وعلَّمه الناس. والثانى: من يحمل ما تحمَّله ولم يفتح له بالتفقه فيه، لكنه حفظ ما يحمله، وعمل منه بما يُسّر له، وبلغه غيره، فهذا مثل الذى أمسكت الماء وإليه يرجع قوله: " فشرب الناس وسقوا ". وقوله بعد هذا: " ورعوا " راجع إلى الأول؛ إذ ليس فى هذا المثال أنها أنبتت شيئاً وهو مثل جمع المثلين. والثالث: من لم يهتبل بما بلغه، ولا رفع به رأساً، ولا قبله كالقيعان والصفا التى

стр. 4095

الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِىَ قِيْعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِى دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ بمَا بَعَثَنِى الله بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ ". ــ لا تنبت ولا تمسك ماء. وقوله: " قبلت الماء ": كذا (١) رويناه هنا بالباء بواحدة بغير خلاف. واختلف فيه الرواية فى صحيح البخارى (٢) عن شيوخه، ففى بعضها قيلت بياء باثنتين تحتها مشددة، فزعم الأصيلى وغيُره أنه تصحيف. وقال غيره: بل هو صواب ومعناه بمعنى قيلت [أى] (٣) شربت. والقيل: الشرب نصف النهار، وقيلت الإبل: شربت قائلة. وقال غيره: معناه: جمعت وحبست ورويت، فهى بمعنى قيلت أيضاً. قال أبو عبيد البكرى فيما قرأته بخطه: قال أبو بكر: تقيل الماء بالمكان المنخفض: اجتمع فيه. قال الإمام: وقوله: " سقوا ورعوا ": يقال: سقيت وأسقيت بمعنى واحد. قال لبيد. سقى قومى بنى نجد وأسقى ... نميراً والقبائل من هلال قال القاضى: وقيل: سقيته: ناولته [ماء] (٤) فشرب، وأسقيته: جعلت له سقياً. وقوله: " رعوا "، قال الإمام: يقال: رعت الماشية النبات: أكلته، وأرعاها الله: أى أنبت له (٥) ما ترعاه، وأنشد ابن قتيبة: كأنهاظبية تعطوا إلى فنن ... يأكل من طيب والله يرعيها وقوله: " ومنها أجادب ": [قال القاضى: لم يروه إلا هكذا بالدال المهملة] (٦). قال الإمام: قوله: " كان منها أجادب ": كذا ذكره بالمعجمة. وقال الخطابى: الأجادب: صلاب الأرض التى تمسك الماء فلا يُسرع إليه النضوب (٧). وقال بعضهم: " أحازب " بالحاء والزاى، وليس بشىء. وقال بعضهم: " أجادب " بالجيم والدال، وهو صحيح إن ساعدته الرواية. قال الأصمعى: الأجادب من الأرض: ما لم ينبت الكلأ،

стр. 4096

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ معناه: أنه أجرد بارزة، لا يسترها النبات. وقال بعضهم: إنما هى: " أخاذات " سقط منها الألف فى (١) الأخاذات مشاكات الماء واحدتها أخاذة. وهى أمثال ضُربت لمن قبل الهدى فتعلم وعلم، ولمن لم يقبل، ولمن انتفع ولم ينفع (٢). وفى حديث البخارى: " فكان منها ثغبة قبلت الماء " (٣)، والثغبة: مستنقع الماء فى الجبال والصخور، وهو الثغب أيضاً، ويجمع على الثغاب. قال القاضى: قدمنا أنا لم نرو هذا الحرف هنا ولا فى غير هذا الكتاب، وكذا فى البخارى إلا بالدال المهملة من الجدب الذى هو ضد الخصب، وعليه شرح الشارحون، قالوا: وأجادب جمع جدب على غير قياس، وكان القياس أن يكون جمع [أجدب، ومثله محاسن جمع حسن، وكان قياسه أن يكلون جمع] (٤) محسن، ولم يسموا، وكذلك متشابه جمع شبه، وقياسه جمع مشبه (٥). وقد رواه بعضهم أيضاً: " أجارد "، وحكاه الهروى جمع أجرد، وهو ما لا نبات فيه. وأما حكايته عن البخارى: " فكان منها نقية قبلت الماء " (٦) تفسيره جمع مستنقع الماء فى الجبال، [إما ما قال] (٧) فغلط من الرواية وإحالة لمعنى الحديث؛ لأن تفسير الثغبة إنما يمكن تخرجه (٨) من الطائفة الثانية لا فى الأولى. وما روينا هذا الحرف عن البخارى من جميع الطرق، إلا " فكان منها نقية "، وهو مثل قوله فى كتاب مسلم: " طائفة طيبة " هى (٩) التى توصف بأنها تنبت الكلأ والعشب، وأما الأخرى فوصفها بإمساك الماء فقط، وهذه هى بمعنى الثغب فكان فيبطل التشبيه الأول، والثغب - كما ذكر - حفير ليستنقع فيه الماء وهى الماء الصافى المستنقع بها نقب (١٠) أيضاً.

стр. 4097

(٦) باب شفقته ﷺ على أمته، ومبالغته فى تحذيرهم مما يضرهم ١٦ - (٢٢٨٣) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِىُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كُرَيْبٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبَىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ مَثَلِى وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِى اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ. فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّى رَأَيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِى، وَإِنِّى أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ. فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ ــ وقوله: فى التمثيل فى الحديث الآخر: " أنا النذير العريان "، قال الإمام: قال [الهروى] (١): خص العريان لأنه أبين فى العين (٢). قال ابن السكيت: والنذير العريان: رجل من جثم حمل عليه، يؤذى الخليفة، عوف بن مالك اليشكرى، فقطع يده ويد امرأته، وكانت كتابية. قال القاضى: بقى من تمام الخبر ما فيه تفسير، وهو أنه كان يخص قومه على قيس، فضرب به المثل، [وقيل: إنما قيل: " النذير العريان " لأنه سلبه، فأتى قومه عرياناً] (٣). وقيل: بل قيل ذلك لأن الرجل إذا رأى ما يوجب إنذار قومه تجرد من ثيابه، وأشار بها؛ ليعلمهم بما دهمهم. وقيل: بدء المثل فى قصة أوذانى داود، وقيل: النهرانى لهم وسجن النعمان له وتجهيزه جيشه إلى بهذا الانتصار الأبى (٤) داود وتجهيز النهرانى امرأته إلى قومه، فلما وصلتهم تعرت، وقالت: أنا النذير العريان. قال الإمام: وقوله: " فإذا لجوا " (٥) أى ساروا من أول الليل، يقال: أدلج إدلاجاً، والاسم الدلج والدلجة بفتح الدال، فإن خرجت آخر الليل قلت: أدلجت بتشديد الدال أدلج إدلاجاً، والاسم الدلجة بالضم. قال ابن قتيبة: ومن الناس من يجيز الوجهين فى كل واحد منهما، كما يقال: برهة من الدهر وبرهة. وقوله: " فالنجاء " قال ابن ولاد: يقال بالمد والقصر [وهو بعيد ونحو علمه] (٦). وقوله: " فَصبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ": أى أصابهم وغلبهم، ويقال:

стр. 4098

فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِى وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِى وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ ". ١٧ - (٢٢٨٤) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشِىُّ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا مَثَلِى وَمَثَلُ أُمَّتِى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ ". (...) وحدَّثناه عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ١٨ - (...) حدَّثناه مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هَرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَثَلِى كَمَثَل رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِى فِى النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا. قَالَ: فَذَلكُمْ مَثَلِى وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلبُونِى تَقَحَّمُونَ فِيهَا ". ــ حاجتهم السنة تحوجهم حوجاً وحياجة. قال القاضى: المعروف فى النجاء إذا أفرد المد، وحكى أبو زيد فيه القصر أيضاً، فأما إذا كرروه فقالوا: النجاء النجاء، ففيه الوجهان. وقوله: " فجعل الجنادب [والفراش يقعن فيها "، قال الإمام: الجنادب] (١) جمع جندب، هو الجراد. وفيه لغتان: بضم الدال، وفتحها. قال الفراء: والفراش: هو غوغاء الجراد الذى يتفرش ويتراكب. قال غيره: الفراش: الطير الذى (٢) يتساقط فى النار والسراج. قال القاضى: قوله: " الجنادب " هو الجراد، ليس بالجراد نفسه، وإنما هو الصرار عند بعضهم، وقال أبو حاتم: الجندب على خلقة الجراد، لها (٣) أربعة أجنحة كالجراد

стр. 4099

١٩ - (٢٢٨٥) حدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَثَلِى وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الجَنَادِبُ وَالفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِى ". ــ وأصغر منها، تطير وتصر بالليل صراً شديداً، وهو معروف. وحكى أبو عبيد إنكار هذا، وأن الصرار إنما هو الجرد جرد والصرى، وأما الصرار فأصغر منه. قال: والناس يقولون: الجندب الهراز الذى يصير بالليل. وفيه لغة ثالثة: " جِندَب " بكسر الجيم وفتح الدال. وقال الخليل: الفراش الذى يطير معروف كالبعوض، ويقال للخفيف من الرجال: فراشة، وقال غيره: [الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت فى النار. وقوله]: (١) " فأنا آخذ بحجزكم ": حجزة الإزار والسراويل معقدها، وتحاجز القوم: أخذ بعضهم بحجزة بعض، وإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه. وقوله: " وأنتم تقحمون فيها ": التقحم: التقدم والوقوع فى الأهوية وشبهها، والدخول فى الأمر (٢) الشاقة من غير تثبت ولا روية. فشبه ﵇ تساقط الجاهلين بماضيهم (٣) وشهاداتهم فى النار فى الأخرى بحالة الفراش فى الدنيا، وضعف ميزها وتطارحها على ما فيه هلاكها من النار بجهلها.

стр. 4100

(٧) باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين ٢٠ - (٢٢٨٦) حدّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " مَثَلِى وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأحْسَنَهُ وَأجْمَلَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُطِيفُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: مَا رأيْنَا بُنْيَانًا أحْسَنَ مِنْ هَذَا، إلا هَذِهِ اللَّبنَةَ، فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةُ ". ٢١ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَة عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : " مَثَلِى وَمثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِى، كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنِى بُيُوتًا فَأَحْسَنَهَا وَأجْمَلَهَا وَأَكْمَلَهَا، إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وُيعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ، فَيَقُولُونَ: ألا وَضَعْتَ هَهُنَا لَبِنَةٍ! فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ "، فَقَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ : " فَكُنْتُ أَنَا اللَّبنَةَ ". ٢٢ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَثلِى وَمَثَلُ الأنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِى كِمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ، إلا مَوْضِعَ لَبِنَة مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبَنَةُ! قَالَ: فَأنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبيينَ ". (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَثَلِى وَمَثَلُ النَّبِيِّينَ ". فَذَكَرَ نَحْوَهُ. ــ قوله: " مثلى ومثل الأنبياء كرجل ابتنى دارًا " الحديث، إلى قوله: " فكنت أنا موضع اللبنة، حيث ختمت الأنبياء ": يقال: " لَبِنة " بفتح اللام وكسر الباء و " لِبْنة " بكسر اللام وسكون الباء، وهى معروفة، التى يبنى بها من الطين، وهى التى تسمى الطوب، وكل شىء رقعته فقد لبنته، وتجمع اللبنة بفتح اللام كذلك. ومن قال: " لِبنة "
следующие страницы →