. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معناه: أنه أجرد بارزة، لا يسترها النبات. وقال بعضهم: إنما هى: " أخاذات " سقط منها الألف فى (١) الأخاذات مشاكات الماء واحدتها أخاذة.
وهى أمثال ضُربت لمن قبل الهدى فتعلم وعلم، ولمن لم يقبل، ولمن انتفع ولم ينفع (٢).
وفى حديث البخارى: " فكان منها ثغبة قبلت الماء " (٣)، والثغبة: مستنقع الماء فى الجبال والصخور، وهو الثغب أيضاً، ويجمع على الثغاب.
قال القاضى: قدمنا أنا لم نرو هذا الحرف هنا ولا فى غير هذا الكتاب، وكذا فى البخارى إلا بالدال المهملة من الجدب الذى هو ضد الخصب، وعليه شرح الشارحون، قالوا: وأجادب جمع جدب على غير قياس، وكان القياس أن يكون جمع [أجدب، ومثله محاسن جمع حسن، وكان قياسه أن يكلون جمع] (٤) محسن، ولم يسموا، وكذلك متشابه جمع شبه، وقياسه جمع مشبه (٥).
وقد رواه بعضهم أيضاً: " أجارد "، وحكاه الهروى جمع أجرد، وهو ما لا نبات فيه. وأما حكايته عن البخارى: " فكان منها نقية قبلت الماء " (٦) تفسيره جمع مستنقع الماء فى الجبال، [إما ما قال] (٧) فغلط من الرواية وإحالة لمعنى الحديث؛ لأن تفسير الثغبة إنما يمكن تخرجه (٨) من الطائفة الثانية لا فى الأولى. وما روينا هذا الحرف عن البخارى من جميع الطرق، إلا " فكان منها نقية "، وهو مثل قوله فى كتاب مسلم: " طائفة طيبة " هى (٩) التى توصف بأنها تنبت الكلأ والعشب، وأما الأخرى فوصفها بإمساك الماء فقط، وهذه هى بمعنى الثغب فكان فيبطل التشبيه الأول، والثغب - كما ذكر - حفير ليستنقع فيه الماء وهى الماء الصافى المستنقع بها نقب (١٠) أيضاً.
стр. 4097
(٦) باب شفقته ﷺ على أمته، ومبالغته فى تحذيرهم مما يضرهم
١٦ - (٢٢٨٣) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِىُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كُرَيْبٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبَىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ مَثَلِى وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِى اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ. فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّى رَأَيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِى، وَإِنِّى أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ. فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ
ــ
وقوله: فى التمثيل فى الحديث الآخر: " أنا النذير العريان "، قال الإمام: قال [الهروى] (١): خص العريان لأنه أبين فى العين (٢). قال ابن السكيت: والنذير العريان: رجل من جثم حمل عليه، يؤذى الخليفة، عوف بن مالك اليشكرى، فقطع يده ويد امرأته، وكانت كتابية.
قال القاضى: بقى من تمام الخبر ما فيه تفسير، وهو أنه كان يخص قومه على قيس، فضرب به المثل، [وقيل: إنما قيل: " النذير العريان " لأنه سلبه، فأتى قومه عرياناً] (٣). وقيل: بل قيل ذلك لأن الرجل إذا رأى ما يوجب إنذار قومه تجرد من ثيابه، وأشار بها؛ ليعلمهم بما دهمهم. وقيل: بدء المثل فى قصة أوذانى داود، وقيل: النهرانى لهم وسجن النعمان له وتجهيزه جيشه إلى بهذا الانتصار الأبى (٤) داود وتجهيز النهرانى امرأته إلى قومه، فلما وصلتهم تعرت، وقالت: أنا النذير العريان.
قال الإمام: وقوله: " فإذا لجوا " (٥) أى ساروا من أول الليل، يقال: أدلج إدلاجاً، والاسم الدلج والدلجة بفتح الدال، فإن خرجت آخر الليل قلت: أدلجت بتشديد الدال أدلج إدلاجاً، والاسم الدلجة بالضم. قال ابن قتيبة: ومن الناس من يجيز الوجهين فى كل واحد منهما، كما يقال: برهة من الدهر وبرهة.
وقوله: " فالنجاء " قال ابن ولاد: يقال بالمد والقصر [وهو بعيد ونحو علمه] (٦).
وقوله: " فَصبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ": أى أصابهم وغلبهم، ويقال:
стр. 4098
فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِى وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِى وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ ".
١٧ - (٢٢٨٤) وحدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشِىُّ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا مَثَلِى وَمَثَلُ أُمَّتِى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ ".
(...) وحدَّثناه عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
١٨ - (...) حدَّثناه مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هَرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَثَلِى كَمَثَل رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِى فِى النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا. قَالَ: فَذَلكُمْ مَثَلِى وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلبُونِى تَقَحَّمُونَ فِيهَا ".
ــ
حاجتهم السنة تحوجهم حوجاً وحياجة.
قال القاضى: المعروف فى النجاء إذا أفرد المد، وحكى أبو زيد فيه القصر أيضاً، فأما إذا كرروه فقالوا: النجاء النجاء، ففيه الوجهان.
وقوله: " فجعل الجنادب [والفراش يقعن فيها "، قال الإمام: الجنادب] (١) جمع جندب، هو الجراد. وفيه لغتان: بضم الدال، وفتحها. قال الفراء: والفراش: هو غوغاء الجراد الذى يتفرش ويتراكب. قال غيره: الفراش: الطير الذى (٢) يتساقط فى النار والسراج.
قال القاضى: قوله: " الجنادب " هو الجراد، ليس بالجراد نفسه، وإنما هو الصرار عند بعضهم، وقال أبو حاتم: الجندب على خلقة الجراد، لها (٣) أربعة أجنحة كالجراد
стр. 4099
١٩ - (٢٢٨٥) حدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَثَلِى وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الجَنَادِبُ وَالفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِى ".
ــ
وأصغر منها، تطير وتصر بالليل صراً شديداً، وهو معروف. وحكى أبو عبيد إنكار هذا، وأن الصرار إنما هو الجرد جرد والصرى، وأما الصرار فأصغر منه. قال: والناس يقولون: الجندب الهراز الذى يصير بالليل. وفيه لغة ثالثة: " جِندَب " بكسر الجيم وفتح الدال. وقال الخليل: الفراش الذى يطير معروف كالبعوض، ويقال للخفيف من الرجال: فراشة، وقال غيره: [الفراش ما تراه كصغار البق يتهافت فى النار.
وقوله]: (١) " فأنا آخذ بحجزكم ": حجزة الإزار والسراويل معقدها، وتحاجز القوم: أخذ بعضهم بحجزة بعض، وإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه.
وقوله: " وأنتم تقحمون فيها ": التقحم: التقدم والوقوع فى الأهوية وشبهها، والدخول فى الأمر (٢) الشاقة من غير تثبت ولا روية. فشبه ﵇ تساقط الجاهلين بماضيهم (٣) وشهاداتهم فى النار فى الأخرى بحالة الفراش فى الدنيا، وضعف ميزها وتطارحها على ما فيه هلاكها من النار بجهلها.
٢٣ - (٢٢٨٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حيَّانَ، حَدَّثَنَا سعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " مَثَلِى وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأتَمَّهَا وَأكْمَلَهَا إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَل النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ: لَوْلا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ! " قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَأنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ، جِئْتُ فَخَتَمْتُ الأنْبِيَاءَ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ بَدَلَ " أَتَمَّهَا ": " أحْسَنَهَا ".
ــ
بالكسر جمعها لبن، بفتح الباء. وتميم تسهل مثل هذا وتسكنه. فُسر فى الحديث المراد بهذا المثل، وأن الأمر به تم والإنذار به ختم.
فى هذه الأحاديث كلها جواز ضرب الأمثال فى الدين والعلم، وغير ذلك مما شوهد وعرف بقربها للأفهام.
стр. 4102
(٨) باب إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها
٢٤ - (٢٢٨٨) قَالَ مُسْلِمٌ: وَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِى أسَامَةَ، وَمِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ إبْرَاهِيمُ ابْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، حَدَّثَنِى بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِى بُرْدةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللهَ إِذَا أرَادَ رَحْمَةَ أمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ، قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَجْعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أرَادَ هَلَكَةَ أمَّةٍ، عَذَّبَهَا، وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأهْلَكَهَا وَهوَ يَنْظُرُ، فَأقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِين كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أمْرَهُ ".
ــ
قوله: " إذا أراد الله رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها " الحديث، قال الإمام: هو مقطوع السند، قال: فيه حديث عن أبى أسامة، وممن رووا ذلك عنه إبراهيم بن عبدالله الجوهرى، حدثنا أبو أسامة، حدثنا يزيد بن عبد الله عن أبى بردة، عن أبى موسى عنه ﵇.
قال القاضى: كذا فى النسخ الواصلة إلينا من المعلم: إبراهيم بن عبد الله الجوهرى، وهو وَهْم، وإنما هو فى كتاب مسلم: إبراهيم بن سعد الجوهرى، وكذلك ذكره الحاكم ممن خرج مسلم عنه، وقد بين عليه (١) ما ذكره فى الحديث بقوله: " فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها " هذه استعارة حسنة وتجوز بديع.
والفرط، بفتح الراء والفاء: الذى يتقدم الواردة فيهيئ لهم الدلاء والحياض، يقال: رجل فرط، وقوم فرط، وقوم فراط. يريد: أنه يكون مقدمًا بين أيديهم يشفع لهم وينفعهم، كالذى يتقدم الواردة فى نفعهم.
ومنه الحديث الآخر بعده فى الكتاب: " أنا فرطكم على الحوض " (٢): أنا (٣) متقدمكم وسابقكم إليه، وهو هنا أقرب إلى الحقيقة منه إلى المجاز؛ لاستعماله فى بابه. ومنه فى الدعاء على الصغير: اجعله لنا فرطًا، أى أجرًا يتقدمنا وينتفع به.
стр. 4103
(٩) باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته
٢٥ - (٢٢٨٩) حدّثنى أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائدَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُوَلُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُول: " أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ".
(...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، جَمِيعًا عَنْ مِسْعَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جُنْدَبٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
٢٦ - (٢٢٩٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبَىَّ ﷺ يَقُولُ: " أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظَمَأ أبَدًا، وَلَيَرِدَنَّ عَلَىَّ أَقْوَامٌ أعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِى، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ ".
ــ
وقوله: " من شرب منه لم يظمأ أبدًا "، قال الإمام: أى لم يعطش. قال ابن ولاد: الظمأ، بالهمز والقصر: العطش، يقال: ظمأ يظمأ ظمأ، وظماه فهو ظمآن، والجمع ظمأ.
قال القاضى: ظاهره يدل أن الشرب منه بعد الحساب والنجاة من النار، فذلك للذى [لا] (١) يظمأ، لقوله: " لم يظمأ أبدًا ". وقيل: بل لا نشرب [منه] (٢) إلا من لم يقدر عليه بالنار. وقد يحتمل أن من شرب منه من هذه الأمة ثم قدر الله عليه العقوبة بالنار على ذنوبه أنه لا يعذب فيها بالظمأ بل يكون عذابه بغير ذلك؛ إذ ظاهر حديث الحوض أنه تشرب منه الأمة كلها، إلا من ارتد على عقبه وغير وبدل. وقد قيل: إن جميع الأمم المؤمنين يأخذ كتبها بأيمانها، ثم يعاقب الله من يشاء من مذنبيهم، وقيل: إنما يختص بأخذ كتابه بيمينه الناجون، فهذا مثله.
стр. 4104
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِى عَيَّاشٍ وَأَنَا أحَدِّثهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ. فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلاً يَقُولُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ.
(٢٢٩١) قَالَ: وَأَنَا أشْهَدُ عَلَى أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فَيَقُولُ: " إنَّهُمْ مِنِّى. فَيُقَالُ: إنَّكَ لا تَدْرِى مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِى ".
(...) وحدّثنا هَارُوَنُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى أسَامَةُ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِى عَيَّاشِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ يَعْقُوبَ.
٢٧ - (٢٢٩٢) وحدّثنا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّىُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِىُّ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " حَوْضِى مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ، وَرِيحُهُ أطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيَزَانهُ كَنُجَومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلا يَظْمَأُ بَعْدهُ أبَدًا ".
ــ
وقوله: " ومن ورد شرب ": يعنى أن الممنوع من شربه إنما هو من لم يرد عليه، وهم الذين زيدوا وذبوا عنه، واختلجوا دونه، وأن كل من ورد يشرب. وقد مضى الكلام على هذا الحديث مستوفاً فى الطهارة. ومعنى المراد عنه.
وقوله: " حوضى مسيرة شهر، وزواياه سواء ": أى أركانه، ذكر بعضهم فى الاستدلال على علمه ﷺ بسائر العلوم واحتوائه على جميع المعارف، وأن هذا من علم الهندسة والتكسير والحساب، وأن معنى ذلك كونه مربعاً معتدل التربيع، كما قال فى الحديث الآخر: " عرضه مثل طوله " (١)، وفى الحديث الآخر: " وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة " (٢) وأغنى ذكر العرض هنا خصوصاً عن الطول؛ لأنه دليل على أن الطول مثله وأكبر منه، لكنه دل أنه مثله لقوله؟ " وَزواياه سواء " [وفى الحديث الآخر: ما بين ناحيته كما بين جربا وأذرح] (٣)، وفى الحديث الآخر: " ما بين عمان إلى إيلة "، وفى الحديث الآخر: " ما بين المدينة وعمان "، وفى الحديث الآخر: " عرضه من مقامى إلى عمان "، وفى الآخر: " قدر حوضى ما بين أيلة وصنعاء من اليمن "، وفى الآخر:
стр. 4105
(٢٢٩٣) قَالَ: وَقَالَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أَبِى بَكْرٍ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إنِّى عَلَى الْحَوضِ حَتَّى أنْظُرَ مَنْ يَردُ عَلَىَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ أنَاس دُونِى. فَأقُولُ: يَا رَبّ، مِنِّى وَمِنْ أمَّتِى. فَيُقَالُ: أمَا شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ وَاللهِ، مَا بَرِحُوا بَعْدَكَ يَرْجِعُونَ عَلَى أعْقَابِهِمْ ".
ــ
" ما بين صنعاء والمدينة ": أيلة، بفتح الهمزة وسكون الياء مدينة معروفة على النصف ما بين مكة ومضر، وقيل: هى جبل ينبع بين مكة والمدينة، وهو شعبة من رضوى. والجحفة، بضم الجيم: قرية جامعة أحد مواقيت الحج، بينها وبين المدينة ثمانية مراحل، وهى على طريق مكة وهى مهيعة، وبينها وبين البحر نحو من ستة أميال.
وقوله: " ما بين جربا وأذرح " بفتح الجيم وسكون الراء وباء بواحدة: مدينة من مدن الشام مقصور، ووقع عند بعض رواة البخارى ممدود، وهو خطأ. وأذرح، بفتح الهمزة وذال معجمة ساكنة وراء مضمومة وآخره حاء مهملة. كذا هو الصواب، وكذا ضبطناه عن جميع شيوخنا، إلا أنه كان فى كتاب القاضى الصدفى عن العذرى بالجيم، وهو خطأ، وهى مدينة من أدانى الشامى. قال ابن وضاح: هي فلسطين. وفى الأم عن نافع أنه قال: هما قريتان بالشام، بينهما ثلاثة أيام، يعنى جربا وأذرح.
وقوله: " ما بين أيلة وعَمَّان " (١): عمان، بفتح العين وتشديد الميم. كذا ضبطناه عن شيوخنا هنا، هى قرية من عمل دمشق ويبينه قوله فى رواية أبى عيسى الترمذى: " من عدن إلى عمان البلقاء " (٢) والبلقاء بالشام. هذا الضبط هو الذى [صححه] (٣) الخطابى فى هذا الحرف فى هذا الحديث. قال البكرى: ويقال فيه أيضًا: عُمان، بالتخفيف والضم كالذى باليمن. ولا خلاف أن الذى باليمن هكذا، وهى مدينة كبيرة وهى قرضة بلاد اليمن، وزعم غير واحد أن الصحيح هنا عمان؛ لذكره فى الأحاديث الأخر: " ما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وما بين المدينة وصنعاء "، وما تقدم فى كتاب الترمذى من ذكر عدن. وعدن وصنعاء من بلاد اليمن، وإن كانت بالشام صنعاء أخرى، لكن قد قيد هذه بصنعاء اليمن فارتفع الإشكال. وهذا كله من اختلاف التقدير، ليس فى حديث واحد فيحسب اختلافاً واضطرابًا من الرواة، وإنما جاء فى أحاديث مختلفة عن غير واحد من الصحابة سمعوه فى مواطن مختلفة.
стр. 4106
قَالَ: فَكَانَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللهُمَّ، إنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أعْقَابِنَا، أَوْ أَنْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنا.
٢٨ - (٢٢٩٤) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ - وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ أَصْحَابِهِ -: " إنِّى عَلَى الْحَوْضِ، أنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَىَّ مِنْكُمْ. فَوَاللهِ،
ــ
ضرب النبى ﷺ فى كل واحد منهما ميلاً (١) لبعد أقطار الحوض وسعته وكبره، بما تسنح له من العبارة وقرب للأفهام، لبعد ما بين البلاد النائية البعيد بعضها عن بعض، لا على التقدير والمحقق لما بينهما بلا (٢) إعلام ببعد المسافة، وسعة القطر، وعظم الحوض. فبهذا تجتمع هذه الألفاظ من جهة المعنى - والله أعلم - كما قال فى الآنية: " عددها كنجوم السماء " إشارة إلى غاية الكثرة. وعلى هذا تأول كثير قوله تعالى: ﴿مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٣)، وقوله ﵇: " لا يضع عصاه عن عاتقه " (٤) وهو باب في المبالغة غير منكر فى اللغة ولا فى الشرع، ولا يعد هذا كذباً وإذا كان المخبر عنه بخبر الكثرة والعظم ومبلغ الغاية فى بابه، بخلاف لو كان بغير ذلك. ومثله قوله: كلمته فى هذا ألف مرة ولقيته مائة لقية. فهذا مباح جائز فى الكثير المنكر وكذب لا يجوز فى المرات القليلة.
وحديث الحوض صحيح، والإيمان به واجب، والتصديق به من الإيمان، وهو على وجهه عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول ولا يحال عن ظاهره، خلافًا لمن لم يقل من المبتدعة الباقين (٥) له، والمحرفين له بالتأويل عن ظاهره. وهو حديث ثابت متواتر النقل، رواه جماعة من الصحابة.
فذكره مسلم من رواية ابن عمر، وأبى سعيد، وسهل بن سعد، وجندب، وعبدالله ابن عمرو بن العاص، وحارثة بن وهب الخزاعى، والمستورد، وأبى ذر، وثوبان، وأبى هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة.
стр. 4107
فَوَاللهِ، لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِى رِجَالٌ، فَلأقُولَنَّ: أىْ رَبِّ، مِنِّى وَمِنْ أمَّتِى. فَيَقُولُ: إنَّكَ لا تَدْرِى مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أعْقَابِهِمْ ".
٢٩ - (٢٢٩٥) وحدّثنى يُونسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - أَنَّ بُكيْرًا حَدَّثَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ - مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أسْمَعُ النَّاسَ يَذْكُرُونَ الْحَوْضَ، وَلَمْ أسْمَعْ ذَلِكَ منْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْجَاريَةُ تَمْشُطُنِى، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ " أَيُّهَا النَّاسُ " فَقُلْتُ لِلْجارِيَةِ: اسْتَأخِرِى عَنِّى. قَالَتْ: إنَّمَا دَعَا الرِّجَالَ وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ. فَقُلْتُ: إنِّى مِنَ النَّاسِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إنِّى لَكُمْ فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ، فَإيَّاىَ لا يَأتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيُذَبُّ عَنِّى كَمَا يُذَبُّ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، فَأقُولُ: فِيمَ هَذَا؟ فَيُقَالُ: إنَّكَ لا تَدْرِى مَا أحْدَثُوا بَعْدكَ، فَأقُولُ: سُحْقًا ".
(...) وحدّثنى أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِىُّ وأبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرو - حَدَّثَنَا أفْلحُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَافِعِ،
ــ
وذكره غير واحد عن أسماء بنت أبى بكر، وأبى برزة الأسلمى، وأبى أمامة، وزيد ابن أرقم، وعبد الله بن زيد، وسويد بن جبلة، وعبد الله الصنابحى: والبراء، وأبى بكر، وخولة بنت قيس، وغيرهم. وفى بعض هذا ما يخرج هذا الحديث عن خبر الواحد إلى حديث الاستفاضة والتواتر.
وقول أم سلمة لماشطتها: كُفى رأسى، أما سمعت النبى ﷺ يقول: " أيها الناس ": أى ضمى أطرافه وأجمعيه.
وقول جاريتها: " إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: إنى من الناس " حجة أولاً لأصحاب القول بالعموم، وأن له صيغة، وأن لفظة " الناس " تعم الذكور والإناث.
قال الإمام: وقوله: " ماؤه أبيض من الورق " (١): وخرج [هذا] (٢) اللفظ على غير ما أصلته النحوية من أن فعل التعجب يكون ماضيه على ثلاثة أحرف، فإذا صار على أكثر من ثلاثة أحرف فلا يتعجب من فاعله، وإنما يتعجب من مصدره. فلا يقال: ما أبيض زيدًا، ولا زيد أبيض من عمرو، إنما يقال: ما أشد بياضه، وهو أشد بياضًا من
٤١ - (٢٣٠٣) وحدّثنا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ وَهُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى - وَاللَّفْظُ لِعَاصِمٍ - حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَا بَيْنَ نَاحِيَتَىْ حَوْضِى كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ ".
٤٢ - (...) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا هِشَامٌ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطّيَالِسِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَن النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أنَّهُمَا شَكَّا فَقَالا: أَوْ مِثْلَ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَعَمَّانَ. وَفِى حَدِيثِ أَبِى عَوَانَةَ: " مَا بَيْنَ لابَتىْ حَوْضِى ".
٤٣ - (...) وحدّثنى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ أنَسٌ: قَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " تَرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ ".
ــ
وقوله: " ما بين لابتى حوضى " أى ناحيتيه؛ إذ عليهما يكون العطاش، أى تحوم للورود من العطش، ومنه: " لابتى المدينة " أى جانباها لكثرة حرها، وما يصيب فيها من العطش سبب ذلك. وأصل اللابة. الحرة، وهى أرض ألبست حجارة سود. زاد المطرز: إذا كانت بين جبلين، الواحدة لابة ولُوبة. زاد أبو عبيد: ونوبة بالنون ولم يعرف ابن الأعرابى: نوبة، والجمع لاب ولوب ولابات فى القليل. قال الخليل: اللاب واللوب واللواب: العطش. قال بعضهم: أصل قولهم: ما بين اللابتين بالمدينة، ثم استعمل فى غيرها، كأنه ما بين حدين. وقيل: اللَّوْبُ واللُّوَبُ واللواب: الحوم حول الحياض فى العطش، فلم يصل إليه بعدُ.
وقوله: " سحقاً " (١): أى بعدًا.
وفى هذا الحديث من علامات نبوته ما أخبر به ﵇ عن إعطائه بمفاتيح خزائن الأرض، وذلك ما ملكت أمته منها. جاء فى الحديث: أن إعطاءه مفاتيحها فى النوم، فيحتمل، أنها رؤيا عبرها لما دفعت إليه مفاتيحها بملكها وفتحها على أمته، ويحتمل، أنها رؤيا وحى حقيقة من إعلامه بذلك وتمليكها إياه وتحذيره وقهره.
وإعلامه أنه ما يخاف أن يشركوا بعده، ولكن إنما يخاف من هلاكهم بتنافس الدنيا كما كان، لم يرد ﵇ بإشراكهم وإشراك بعضهم، وقد ذكر فى الحديث
стр. 4114
(...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنَ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ قَالَ مِثْلَهُ. وَزَادَ: " أَوْ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ ".
٤٤ - (٢٣٠٥) حدّثنى الْوَلِيَدُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ السَّكُونِىُّ، حَدَّثَنِى أَبِى ﵀ حَدَّثَنِى زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حربٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " ألا إنِّى فَرَطٌ لَكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَإنَّ بُعْدَمَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وأيْلَةَ، كَأنَّ الأبَارِبقَ فِيهِ النُجُومُ ".
٤٥ - (...) حدّثنا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غَلامِى نَافِعِ: أخْبِرْنِى بِشَىْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ فَكَتَبَ إلَىَّ: إنِّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ ".
ــ
نفسه: أن منهم من يرتد، وإنما أراد إشراك جميعهم أو عامتهم، كما خاف من هلاك أكثرهم بالتنافس فى الدنيا.
وذكر مسلم، حدثنا هارون بن سعيد الأيلى، حدثنا ابن وهب، أنبأنا أبو أسامة، عن أبى حازم، عن سهل، عن النبى ﷺ . وعن النعمان بن أبى عياش عن أبى سعيد. كذا فى الأصول، وفيه إشكال (١)، على من ينعطف، وتقدير عطفه على سهل، والقائل عن النعمان هو غير أبى حازم، روى الحديث عن سهل، عن النبى، وعن النعمان عن أبى سعيد، عن النبى ﷺ .
وقوله فى هذا الحديث: " خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت " يعنى: أنه دعا لهم بمثل دعائه على الميت، وليس فيه حجة على الصلاة فى الشهداء إذا لم يكن هذا عند قتلهم ودفنهم، وإنما كان بعد ذلك. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة أول الكتاب وفى الجنائز.
وقوله: " أزُودُ الناس عنه لأهل اليمن " (٢) لتشرب ويطرد غيرهم عنه ويدفعهم حتى يشربوا، إكراماً لهم ومجازاة، كما تقدموا الناس للإيمان. وزاد ما أعداه عنه وعن النبى ﷺ . والزود: الطرد والدفع.
وقوله: " أضرب بعصاى حتى يرفض [عليهم] (٣) ": أى يسيل عليهم. وأصله
стр. 4115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من الدفع، يقال: أرفض الدمع: إذا سال متفرقاً.
وعصاه هذه عندى المذكورة فى الحديث هى المكنى عنها بالهراوة فى صفته ﷺ في الكتب القديمة بصاحب الهراوة. قال أهل اللغة: الهراوة: العصا، وهروته: إذا ضربته بالعصا، ولم يأت لمعناها فى صفته تفسير إلا ما يظهر من هذا الحديث.
وقوله: " كما تزاد الغريبة من الإبل " (١) معناه: أن الرجل إذا سقى إبله ودخلت بينهما ناقة ليست منها، طردها وزادها عن حوضه، ودفعها عنه، حتى يسقى إبله. وهذا كما جاء فى الحديث الآخر: " كما يزاد البعير الضال " (٢).
وقوله فى رواية أنس فى هذا الحديث: " فيمن يزاد رجال ممن صاحبنى " (٣) يدل على صحة تأويل من تأول [أنهم] (٤) أهل الردة، ولذلك قال ﵇ فيهم: " سحقاً سحقاً ". والنبى ﵇. لا يقول ذلك فى مذنبى أمته، بل يشفع له ويهتم بأمرهم، ويضرع إلى الله - تعالى - فى رحمتهم والعفو عنهم. وقيل: بل هم صنفان، منهم العصاة المرتدون عن الاستقامة، المبدلون عملهم الصالح بغيره. ومنهم المرتدون على أعقابهم بالكفر، واسم التبديل يشملهم كلهم، وقد تقدم الكلام عليه مستوعبًا قبل.
وقوله: " أوتيت مفاتيح خزائن الأرض " جمع بمفاتيح (٥)، ومن رواه مفاتح بغير ياء التعويض فجمع مفتح، وهما لغتان فيه إعلامه ﵇ بما يفتح عليه وعلى أمته بعده من ممالك الأرض وخزائنها.
стр. 4116
(١٠) باب فى قتال جبريل وميكائيل عن النبىّ ﷺ ، يوم أحد
٤٦ - (٢٣٠٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر وَأَبُو أسَامةَ، عَنْ مِسْعَرٍ؛ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: رَأيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أحُدٍ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ، مَا رَأيْتُهُمَا قَبْلُ وَلا بَعْدُ - يَعْنِى جِبْرِيلَ وَمِيَكَائِيلَ ﵉.
٤٧ - (...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا سَعْدٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأيْتُ يَوْمَ أحُدٍ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلانِ عَنْهُ كَأشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأيْتُهُمَا قَبْلُ وَلا بَعْدُ.
ــ
وقول سعد: " رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه كأشد قتال ": فيه كرامة النبى ﷺ بذلك، وكرامة الأولياء بذلك، واستحسان الناس (١) البياض، وتقوية قلوب المؤمنين بما أراهم الله من ذلك، ورعبًا لقلوب المشركين.
وقيل: إن إظهارهمِ للمشركين إنما كان عند أخذ القتل فيهمِ واحتضارهم الموت: [كما قال تعالى] (٢): ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ (٣).
وقيل: يجوز أن يردهم وإن لم يموتوا، إبلاغاً للإعتذار، وزيادة فى إقامة الحجة عليهم.
стр. 4117
(١١) باب فى شجاعة النبىّ، ﵇، وتقدمه للحرب
٤٨ - (٢٣٠٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وأبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ وأبُو كَامِلٍ - وَاللَّفْظ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - حَمَّادُ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْودَ النَّاسِ، وَكَانَ أشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِى طَلْحَةَ عُرْى، فى عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ: " لَمْ تُراعُوا، لَمْ تُرَاعُوا "، قَالَ: " وَجَدْنَاهُ بَحْرًا - أَوْ إنَّهُ لَبَحْر ".
قَالَ: وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ.
ــ
وقوله: " كان ﵇ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس "، وذكر الحديث فيه أن صفات الأنبياء على أتم صفات الكمال فى الأخلاق الحميدة، والنزاهة عن كل رذيلة. وقد بينا هذا على الغاية فى غير هذا الكتاب.
وقوله: " [وهو] (١) على فرس لأبى طلحة عُرْى " [إلى قوله: " وجدناه بحرًا "، قال الإمام: يقال: فرس عُرْى] (٢). وقيل: أعراء وقد أعر ولاه: إذا ركبه عرياً، ورجل عريان.
وقوله: " وجدناه بحراً ": قال أبو عبيد: يقال للفرس: إنه لبحر، وإنه لحث أى (٣) واسع الجرى.
قال القاضى: قال غيره: وكذلك فرس سكب وسح وقيض وغمر، كله إذا كان سريعاً كثير العدو. وقال أبو عبيد: البحر: الفرس الذى كلما بَعُدَ جَرْىُ عقبه يجرى إجراء. قال: وأصل ذلك كله من السعة والكثرة، ومنه يقال للجواد: بحر، [وللعالم بحر] (٤)، شبه جميعهم بالبحر الذى لا ينقطع مده.
وقوله: " لم تراعوا ": أى لم يكن شىء يفزعكم، ولا حدث ما يروعكم. والروع: الفزعَ. كذا قال فى الرواية الأخرى: " ما رأينا من فزع ".
стр. 4118
٤٩ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٍ، فَاسْتَعَارَ النَّبِىُّ فَرَسًا لأَبِى طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ، فَرَكِبَهُ، فَقَالَ: " مَا رَأيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا ".
(...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ - قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرِ قَالَ: فَرَسًا لَنَا. وَلَمْ يَقُلْ: لأبِى طَلْحَةَ. وَفِى حَدِيثِ خَالِدٍ: عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أنسًا.
ــ
وقوله: " وكان فرسًا يبطأ " كذا [لجميع] (١) الجمهور وشيوخنا، وعند الطبرى وبعضهم: " تبطا " أى يقبلا، وهو من معنى تبطأ، فيه بركة النبى ﷺ فيما ركبه، وأنه من آيات نبوته، وتقدمه فى الشجاعة والصبر. وفيه أجر الخيل عند مهم الأمور، وسبق الإنسان وانفراده بنفسه وخروجه فى طلائع العدو والحرس، إذا كان يثق بنفسه فى ذلك، وركوب الرجل فرس غيره فى الغزو.
وجاء فى الحديث الآخر: أن اسم هذا الفرس: مندوب. يحتمل أنه اسمه، لقب لغير معنى كسائر الأسماء، ويحتمل أنه سمى بذلك لندب به، وهو أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، ويحتمل أنه سمى بذلك من الخطر فى السباق. والندب: الخطر، إما أن يكون سبق واحد خطر صاحبه أو سبق فجعل له الخطر - والله أعلم.
стр. 4119
(١٢) باب كان النبى ﷺ أجود الناس بالخير من الريح المرسلة
٥٠ - (٢٣٠٨) حدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِى مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ - يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ - عَنِ الزُّهْرِى. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ - واللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا إبْرَاهيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرَ، وَكَانَ أجْوَدُ مَا يَكُونُ فىِ شَهْرِ رَمَضَانَ. إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَان يَلْقَاهُ فِى كُلِّ سَنَةٍ فِى رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أجْوَدَ بِالْخَيرِ مِنَ الرَّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
(...) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ عَنْ يُونسَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمرٌ، كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
وقوله: " إن جبريل كان يلقاه فى كل سنة فى رمضان حتي ينسلخ، فيعرض عليه القرآن ": كذا فى أكثر الروايات والنسخ، وهي رواية عامة شيوخنا. وفى بعض النسخ: " كل ليلة " وهو المحفوظ، لكنه بمعنى الأول؛ لأن قوله: " حتى ينسلخ " " بمعنى ": " كل ليلة ".
وقوله: " فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة ": هذا بحكم تجديد الإيمان واليقين فى قلبه، يملأ فاه الملك، وزيادة ترقيه فى المقامات، وعلو الدرجات، بمناقشته ومدارسته للقرآن معه.
وفى قوله: " أجود بالخير من الريح المرسلة " جواز المبالغة والإعياء في الكلام، وقد مر منه قبل هذا. وفى فعله ﵇ هذا لقوله تعالى فى تقديم الصدقة بين يدى نجوى الرسول التى كان أمر الله بها عباده فامتثله ﵇ بين يدى [مناجاة] (١) الملك وإن الله تعالى قد خفف الحكم ونسخه عن أمته.
٥٤ - (٢٣١٠) حدّثنى أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِىُّ زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - قَالَ: قَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأرْسَلَنِى يَوْمًا لِحَاجَةٍ. فَقُلْتُ: وَاللهِ لا أذهَبُ، وَفِى نَفْسِى أَنْ أذهَبَ لِمَا أمَرَنِى بِهِ نَبِىُّ اللهِ ﷺ . فَخَرَجْتُ حتَّى أمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فىِ السُّوقِ، فإذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ بِقَفَاىَ مِنْ وَرَائِى. قَالَ: فَنَظَرْتُ إلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ. فَقَالَ: " يَا أنَيْسُ، أذَهَبْتَ حَيْثُ أمَرْتُكَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ.
(٢٣٠٩) قَالَ أَنَسٌ: وَاللهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَىْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ أَوْ لِشَىْءٍ تَرَكْتَهُ: هَلا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا.
٥٥ - (٢٣١٠) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو الرَّبِيعِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا.
ــ
وفيها لغات كثيرة، فإذا لم ينون فهو معرفة، وإذا نون فهو نكرة. فمعنى المعرفة: لا تقل لهما القبيح من القول. ومعنى النكرة: لا تقل لهما قبحاً من القول. قال الهروى: يقال لكل ما يضجر منه ويستقل: أف له. وقال بعضهم: معنى أف: الاحتقار والاستقذار (١)، أخذًا من الأنف وهو العليل، وفى الحديث: " فالعاتق به على أنفه، ثم قال: أف أف ". قال ابن الأنبارى: معناه: الاستقذار لما بينهم.
قال القاضى: الأف والنف: وسخ الأطفال، تستعمل هذه الكلمة فى كل ما يستقذر. وفيه عشر لغات: أف بغير تنوين بالفتح والضم والكسر هذه ثلاث، وكذلك بالتنوين فهذه ست، وبالسكون وضم الهمزة وبالفتح وكسر الهمزة، وأفى وأفه بضم الهمزة فيهما، فهذه عشرة (٢).
وقوله فى الحديث الواحد: " خدمته عشر سنين "، وفى الآخر: " تسع (٣) سنين " أخره مرة عن السنين الكاملة، ولم يحسب الزائدة من الشهور عليها، فحسبت تسعاً، ولم يحسب فيها السنة التى ابتدأ خدمته فيها بعد قدومه، ومرة حسبها، إذ مدة مقام النبى ﷺ بالمدينة من حين قدومه إلى حين وفاته عشرة أعوام، لم يزد ساعة واحدة؛ إذ توفى من
стр. 4122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النهار فى مثله من اليوم الذي قدم فيه، وبعد استقراره بها كان استخدامه لأنس وهو ابن عشر، وقيل: ابن ثمان.
قال الإمام: ذكر مسلم [فى الباب] (١) عن شيبان وأبى الربيع قالا: حدثنا عبد الوارث، عن أبى التياح (٢)، عن أنس. كذا عند الجلودى وغيره فى نسخة أبى العلاء، قالا: حدثنا عبد الواحد، عن أبي التياح. فجعل " عبد الواحد " بدل " عبد الوارث " وهو ابن سعيد البنودى صاحب أبى التياح.
стр. 4123
(١٤) باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال: لا. وكثرة عطائه
٥٦ - (٢٣١١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لا.
(...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا الأشْجَعِىُّ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا عبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىَّ - كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ، مِثْلَهُ سَوَاءً.
٥٧ - (٢٣١٢) وحدّثنا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الإسْلامِ شَيْئًا إلا أعْطَاهُ. قَالَ: فَجَاءَه رَجُلٌ فَأعْطَاهُ غَنمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَاقَوْمِ، أسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِى عَطَاءً لا يَخْشَى الْفَاقَةَ.
٥٨ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنَسٍ؛ أنَّ رَجُلاً سَألَ النَّبِىَّ ﷺ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَأعْطَاهُ إياهُ. فَأتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَىْ قَوْمِ، أسْلِمُوا، فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِى عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ.
ــ
قال الإمام: وخرج بعد هذا بيسير حديث جابر [عن عبد الرحمن بن مهدى. قال بعضهم: وعن محمد بن حاتم] (١): ما سئلَ رسول الله ﷺ عن شىء قط فقال: لا. قال: حدثنا أبو كريب عن الأشجعى قال: وحدثنى محمد بن حاتم، قال: حدثنا عبد الرحمن - يعنى بن مهدى - هذا فى نسخة أبى العلاء، ووقع عند الجلودىّ: حدثنا " محمد بن مثنى " بدل " محمد بن حاتم ". [عن عبد الرحمن بن مهدى. قال بعضهم وعن محمد بن حاتم] (٢) خرجه أبو مسعود الدمشقى عن مسلم.
قال القاضى: وذكر مسلم فى باب جود النبى ﷺ وكرمه وتأليفه على الإسلام بالعطاء، وقول أنس: " إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام
стр. 4124
فَقَالَ أنَسٌ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إلا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الإسْلامُ أحبَّ إلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.
٥٩ - (٢٣١٣) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ الْفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ - ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاقْتَتَلُوا بِحُنَيْنٍ، فَنَصَرَ اللهُ دِينَهُ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ صَفْوَانَ بْنَ أميَّةَ مِائَةً مِنَ النَّعَمِ، ثُمَّ مِائَةً، ثُمَّ مِائَةً.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ صَفْوَانَ قَالَ: وَاللهِ لَقَدْ أعْطَانِى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أعْطَانِى، وَإِنَّهُ لأبْغَضُ النَّاسِ إلَىَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِى حَتَّى إنَّهُ لأحَبُّ النَّاسِ إلَىَّ.
٦٠ - (٢٣١٤) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا إسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمَنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ. وَعَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ، عَنْ جَابِرٍ، أحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى الآخَرِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ. قَالَ سفْيَانُ: وَسَمِعْتُ - أيْضًا - عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَلِىٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ. وَزَادَ أحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهكَذَا وَهَكَذَا "، وَقَالَ بِيَدَيْهِ
ــ
أحب إليه من الدنيا وما عليها ": أق يظهر الإسلام أولاً للدنيا، فما يلتزم الإسلام ويتمكن منه إلا وقد انشرح صدره له، وصرفه الله.
وقول صفوان: " لقد أعطانى، وإنه لأبغض الناس إلىّ فما برح يعطينى حتى أنه لأحب الناس إلىَّ ": فيه التأليف على الدين وعلى الخير، والأخذ بالتى هي أحسن.
وقد كان العطاء أولاً للمؤلفة قلوبهم مشروعًا، كما نص عليه - تعالى - فى كتابه، وجعلهم أحد أصناف الصدقات، ثم اختلف هل حكمهم باق إلى وقتنا هذا متى احتيج إلى ذلك أم لا، وقد تقدم هذا فى كتاب الزكاة. والفاقة: الحاجة. ومعنى قوله: " ما برح ": أى ما زال.
стр. 4125
جَمِيعًا. فَقُبِضَ النَّبِىُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَجِىءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ. فَقَدِمَ عَلَى أَبِى بَكْرٍ بَعْدَهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مِنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ عِدَةُ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأتِ. فَقُمْتُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالَ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا أَوْ هَكَذَا "، فَحَثَى أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً. ثُمَّ قَالَ لِى: عُدَّهَا. فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِىَ خَمْسُمِائَةٍ. فَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا.
٦١ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: وَأخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّبِىُّ ﷺ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِىِّ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَه عَلَى النَّبِىِّ ﷺ دَيْنٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ، فَلْيَأتِنَا. بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
ــ
وقول أبى بكر: " من كانت له على النبى ﷺ عدة أو دين فليأت ": فيه ما يلزم الأئمة من قضاء ديون من قبلهم، وتنفيذ [أوامرهم] (١) إذا كانوا على الحق، وفى سبيل الخير والنظر للمسلمين.
стр. 4126
(١٥) باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه، وفضل ذلك
٦٢ - (٢٣١٥) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، كِلاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ - وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وُلِدَ لِى اللَّيْلَةُ غُلامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِى، إبْرَاهِيمَ "، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى أمِّ سَيْفٍ، امْرَأَةِ قَيْنٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو سَيْفٍ. فَانْطَلَقَ يَأتِيهِ وَاتْبَعْتُهُ، فَانْتَهَيْنَا إلَى أَبِى سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ، قَدِ امْتَلأَ الْبَيْتُ دُخَانًا، فَأسْرَعْتُ الْمَشْىَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَيْفٍ، أمْسِكْ، جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَأمْسَكَ فَدَعَا النَّبِىُّ ﷺ بِالصَّبِىِّ، فَضَمَّهُ إلَيْهِ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ.
فَقَالَ أنسٌ: لَقَدْ رَأيْتُهُ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدىْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " تَدْمَعُ الْعيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلا نَقُولُ إلاَ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَاللهِ يَا إبْرَاهِيمُ إنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ ".
٦٣ - (٢٣١٦) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
ــ
وذكر مسلم حديث موت إبراهيم ابن النبى ﷺ وقوله: " وهو يكيد بنفسه ": قال فى العين: معناه يسوق. قال أبو مروان بن سراج: يكون من الكيد وهو العين، يقال: كاد يكيد، شبه يقلع نفسه عند الموت بذلك، أو يكون من كيد الغراب وهو نفسه، وهو نحو منه، أو من كاد يكيد (١): إذا قارب، كله ممكن قريب المعنى فى هذا، لأنه قارب أجله.
وقوله: فدمعت عينا رسول الله ﷺ ، وقال: " تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون ": فيه أن ما لا يملك الإنسان من دمع العين وحزن القلب غير مؤاخذ به عند المصائب، ولا فى التفريق بما يجده الإنسان من ذلك إثم ولا حرج، لقوله ذلك ﵇.
وقوله: " ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، وكان [إبراهيم] (٢)
стр. 4127
أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَا رَأيْتُ أحَدًا كَانَ أرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُول اللهِ ﷺ . قَالَ: كَانَ إبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فىِ عَوَالىِ الْمَدِينَةِ، فَكانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا، فَيَأخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ.
قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّى إبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِى، وَإنَّهُ مَاتَ فىِ الثَّدْىِ، وَإن لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلانِ رَضَاعَهُ فىِ الْجَنَّةِ ".
٦٤ - (٢٣١٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وأبُوْ كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ
ــ
مسترضعًا له فى عوالى المدينة، فكان ينطلق " الحديث، إلى قوله: " وكان ظئره قَينْا فيأخذه فيقبله ثم يرجع ". كذا رواية الأكثر: " أرحم بالعيال "، وهو ظاهر سياق الحديث، وفى بعض الروايات: " بالعباد ". فيه خلقه ﵇ فى الرحمة التى وصفه الله بها، فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيم﴾ (١)، وسماه نبى الرحمة. وفيه حب الذرية، وجواز الاسترضاع، وتقبيل الولد والصغير ورحمته. والحديث الآخر مثله.
ومعنى قوله: " وإنه مات فى الثدى وإن له لظئرين مرضعانه فى الجنة ". أى مات فى سن رضاع الثدى أو تغذية الثدى.
قال الإمام: الظئر: المرضعة، وجمعه ظؤار، هو جمع شاذ. قال ابن السكيت: لم يأت " فعال " بضم الفاء جمعًا إلا تؤام جمع توأم، وظؤار جمع ظئر، وعراق جمع عرق، ورخال جمع رخل، وفرار جمع فرير، وهو ولد الظبية، وغنم رباب جمع شاة رُبا. قال ابن ولاد: وهى الشاة الحديثة العهد بالنتاج.
قوله: القين الحداد، وأيضًا العبد. والقينة الأمة، وأيضًا المغنية، وأيضًا الماشطة.
قال القاضى: جاء بالظئر هنا للمذكر. قال الخليل: يقع للمذكر والؤنث. قال أبوحاتم: الظئر مؤنثة من الناس والإبل إذا عطفت على ولد غيرها، ويجمع ظؤار. قال ابن الأنبارى: وأظوار، ولا يقال: ظور. وحكى أبو زيد في جمعه ظؤرة أيضًا. قال الهروى: ولا يحمع على فعلة إلا أربعة أحرف: ظئر وظؤرة، وصاحب وصحبة. وفاره وفرهه، ورائق ودوقة.
ذكر مسلم أبا سيف وأم سيف ظئرى إبراهيم ابن النبى ﵇. وأبو سيف هذا هو البراء بن الغنوى، وأم سيف زوجته هى (٢) أم بردة، واسمها خولة بنت المنذر الأنصارية.
стр. 4128
وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الأعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللهِ مَا نُقَبِّلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَأمْلِكُ إنْ كَانَ اللهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ ".
وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: " مِنْ قَلْبكَ الرَّحْمَةَ ".
٦٥ - (٢٣١٨) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ الأقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ أبْصَرَ النَّبِىَّ ﷺ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ. فَقَالَ: إِنَّ لِى عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إنَّهُ مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ ".
(...) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
٦٦ - (٢٣١٩) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَعَلىُّ بْنُ خَشْرَم، قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حِ وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ - كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَأَبِى ظِبَيْانَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: " مَنْ لا يَرْحَمِ النَّاسَ لا يَرْحَمْهُ اللهُ ".
ــ
قوله للذين قالوا: لا يقبلون أولادهم: " وأملك إن كان الله نزع من قلبك الرحمة " تفسيره ما جاء فى رواية البخارى: " وأملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة " (١)، ومعناه: أو أملك منك فى ذلك حتى أصرفه عنك. اللام هنا بمعنى " منك "، وقد تكون الهمزة بمعنى " لا " على قول بعضهم فى قوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (٢) إن معنى لا يفعل ذلك.
وقوله فى حديث الأقرع بن حابس أنه ذكر له أنه لا يقبل ولده: " إنه من لا يرحم لا يرحم " كلام عام، ليس هو راجع لخصوص رحمة الولد، إنما هو على عموم الرحمة
стр. 4129
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ إسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفيَانَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.
ــ
المشروعة، كما قال فى الحديث الآخر: " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله "، وكما قال:" إنما يرحم الله من عباده الرحماء " (١) " ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء " (٢). ومن الرحمة واجبة؛ وهى كف الأذى عن المسلمين، وإغاثة الملهوف، وفك العانى، وإحياء المضطر، واستنقاذ الغريق، والواقع فى هلكته وتسميته.
ومن ذلك: سد خلة الضعفاء والفقراء من الواجبات، فهذا كله من لم يرد حق الله فيه عافية الله ومنعه رحمته إذا أنفذ عليه وعيده، إن شاء عفا عنه وسمح له بفضل رحمته وسعتها.
стр. 4130
(١٦) باب كثرة حيائه ﷺ
٦٧ - (٢٣٢٠) حدّثنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ ابْنَ أَبِى عُتْبَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِى عُتْبَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فىِ خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِى وَجْهِهِ.
٦٨ - (٢٣٢١) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو حِينَ قَدِمَ مُعَاوِيَةُ إلَى الْكُوفَةِ، فَذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا. وَقَالَ:
ــ
قوله: " كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء فى خدرها ": العذراء: البكر التى لم تفرغ بعد عذرتها. الخدر: ستر يجعل للجارية [فى ناحية البيت.
وقوله: " كان إذا كره شيئًا عرفناه] (١) فى وجهه ": أى لا يبدى الكراهة بالكلام، ولا يؤاخذ أحدًا بما يكره، وإن تغير لذلك وعرف فى وجهه. والحياء من الأخلاق المحمودة، ومن خصال الإيمان، ما لم يخرج إلى الضعف والمهانة. وقد تقدم [الكلام فى] (٢) أول الكتاب.
جاء فى سند هذا الحديث: حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى وأحمد بن سنان كذا لجمهور الرواة والطبرى: أحمد بن سنان، وهو غلط، وليس عنده أحمد بن يسار، وإنما هو أحمد بن سنان العطار خرجا عنه جميعًا.
وقوله: " ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا (٣) ": أصل الفحش: الزيادة والخروج عن الحد. قال الطبرى: الفاحش: البذىء. قال ابن عرفة: الفواحش عند العرب: القبائح. وقال الهروى: الفاحش ذو الفحش، والمتفحش: الذى يتكلف ذلك ويتعمده، وقد يكون الذى يأتى الفاحشة.
وقوله: " إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا " وفى وصف النبى ﷺ فى الحديث بعد:
стр. 4131
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحَاسِنَكُمْ أخْلاقًا ". قَالَ عُثْمَانُ: حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ إلَى الْكُوفَةِ.
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالدٍ - يَعْنِى الأحْمَرَ - كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلهُ.
ــ
أحسن الناس خلقًا، حسن الخلق من صفات الأنبياء والأولياء. وحسن الخلق اعتدالها بين طرفى مذمومها، ومخالفة الناس بالجميل منها، والبشر والتودد لهم، والإشفاق عليهم، والاحتمال، والحلم والصبر فى المكاره (١)، وترك الاستطالة والكبر على الناس والمؤاخذة، واستعمال الغضب والسلاطة والغِلظة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ [الْقَلْبِ] (٢) لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣). وحكى الطبرى اختلاف السلف فى الخُلُق، هل هى غريزة غير مكتسبة أو مكتسبة؟ [والصحيح أن منها ما يخلق الله تعالى عليه العبد، وأنها تكتسب] (٤) أيضاً، ويتخلق بها، ويقتدى بغيره فيها، وينشأ عليها، حتى يصير له كالغريزة.
стр. 4132
(١٧) باب تبسمه ﷺ وحسن عشرته
٦٩ - (٢٣٢٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَثِيرًا. كَانَ لا يَقُومُ مِنْ مُصَلاهُ الَّذِى يُصَلِّى فِيهِ الصّبْحَ حَتَّى تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأخُذُونَ فىِ أمْرِ الْجَاهِليَّةِ، فَيَضْحَكُونَ، ويَتَبَسَّمُ ﷺ .
ــ
وقوله: " كان لا يقوم من مصلاه الذى صلى فيه الصبح حتى تطلع الشسس فإذا طلعت قام ": هذه سنة مستحبة، كان السلف وأهل العلم يلتزمونها ويقتصرون فى ذلك الوقت للذكر (١) والدعاء حتى تطلع الشمس، وتحين صلاة الضحى.
وقوله: " كانوا يتحدثون فيأخذون فى أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم ": فيه جواز الخبر والحديث (٢) عن أخبار الجاهلية وغيرها من الأمم، وجواز الضحك، وأن التبسم هو المستحسن منه، اللائق بأهل الفضل والسمت، وهو كان أكثر ضحكه ﵇. ويكره الإكثار من الضحك؛ لأنه يميت القلب، كما قال لقمان، وهو من خلق أهل البطالة والسفه.
وقوله: " كان إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء (٣) إلا غمس يده فيها، فربما جاؤوا فى الغداة الباردة، فغمس يده فيها " (٤): كانوا يفعلون ذلك تبركًا بما لمسه وأدخل يده فيه، وفيه صبره ﵇ وحسن خلقه ومشاركته الجميع، وإجابة دعوة الصغير والكبير، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٥).
стр. 4133
(١٨) باب رحمة النبىّ ﷺ للنساء وأمر السواق مطاياهن بالرفق بهن
٧٠ - (٢٣٢٣) حدّثنا أَبُو الرَّبيع الْعَتَكِىُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. قَالَ أَبُو الرَّبِيع: حَدَّثَنَا حَمَّاد، حَدَّثَنَا أيُّوبُ، عَنْ أَبِى قلابَةَ، عَنْ أنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فىِ بَعْضِ أسْفَارِهِ، وغُلامٌ أسْوَدُ يُقَالُ لَهُ: أنْجَشَةُ، يَحْدُو. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، " يَا أنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ، سَوْقًا بَالْقَوَارِيرِ ".
(...) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. بِنَحْوِهِ.
٧١ - (...) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَتَى عَلَى
ــ
وقوله للحادى - وكان حسن الصوت -: " رويدك سوقًا بالقوارير " وفى رواية: " رويدًا لا تكسر القوارير " يعنى: ضعفه النساء فسره كذا فى الحديث، وقول أبى قلابة: " تكلم بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه "، قال الإمام: " رويدك " معناه: رفقك، يقال: سار سيرًا رويدًا، أى سيرًا رفيقًا. وأصله من رادت الريح ترود روداناً: إذا تحركت حركة خفيفة ورويد تصغير رود، وقد يوضع رويد موضع الأمر فيقال: رويد زيدًا، أى أرود زيدًا. والإرواد الرفق فى المشى وغيره.
وقوله: " سوقك بالقوارير " شبهن بها لضعف عزائمهن، والقوارير يسرع إليها الكسر. وكان أنجشة يحدو بهن، وينشد من القريض والرجز ما فيه شبيب، فلم يأمن أن يفتنهن أو يقع بقلوبهن حداؤُه، فأمره بالكف عن ذلك.
قال الإمام: وجاء فى كتاب مسلم: " لا تكسر القوارير ": يعنى ضعفة النساء، فكأن هذا يخرج على غير ما تأوله الهروى.
قال القاضى: ذهب بعض المفسرين إلى نحو مما أشار إليه. من أن المراد به الرفق فى السير، وترك حث الإبل؛ لئلا يسقط النساء عند قوة حركة السير بالحداء؛ لقلة ثباتهن فى الركوب، بخلاف الرجال، فيسقطن فينكسرن كالقوارير. والتفسير الأول أشبه بمقصده -
стр. 4134
أزْوَاجِهِ، وَسَوَّاق يَسُوقُ بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ أنْجَشَةُ، فَقَالَ: " وَيْحَكَ يَا أنْجَشَةُ، رُوَيْدًا سَوْقَكَ بالْقَوَارَيرِ ".
قَالَ: قَالَ أَبُو قِلابَةَ: تَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ.
٧٢ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ. حَدَّثَنَا التَّيْمِىُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: كَانَتْ أمُّ سُلَيْمٍ مَعَ نِسَاءِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَهُنَّ يَسُوقُ بِهِنَّ سَوَّاقٌ. فَقَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " أىْ أنْجَشَةُ، رُوَيْدًا، سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ ".
٧٣ - (...) وحدّثنا ابْنُ الْمُثنّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدّثَنِى هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَادٍ حَسَنُ الصُّوْتِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " رُوَيْدًا يَا أنْجَشَةُ، لا تَكْسِرِ الْقَوَا رِيرَ " يَعْنِى ضَعَفَةَ النِّسَاءِ.
ــ
﵇ وبمقتضى (١) اللفظ.
وقد قيل: الغناء رقية الزنا، وهو الذى يدل عليه كلام أبى قلابة المتقدم آخر الحديث، وإلا فلو عبر بذلك عن الكسر والسقوط لم يغلب على أحد.
وانتصب " رويدًا " هنا على الصفة للمصدر المحذوف، أى سر سيرًا رويدًا، أو سق سوقًا رويدًا. وإما على الرواية الأخرى: " رويدًا سوقك " فانتصب رويدًا على المصدر، و" سوقك " منصوب على المفعول به، أى ارود سوقك رويدًا، وقد يكون نصبًا على عدم الخافض، أى ارفق فى سوقك (٢). وفيه جواز قول الرجل للآخر: ويحك.
وجاء فى رواية أخرى فى غير مسلم " ويلك ". قال سيبويه: " ويلك " كلمة تقال لمن وقع، وويحك زجر لن أشرف على الهلاك. وقال الفراء: " ويح " و " ويس " بمعنى: ويل. ويح كلمة لمن وقع فى هلكة لا يستحقها فيرثى له ويترحم عليه، وويل بضده، ووسين تصغير، أى هى دونهما. وقد تقدم منه، وقال بعض أهل اللغة: لا يراد بهذه الألفاظ الدعاء، وإنما يراد بها المدح والتعجيب.
فيه جواز الحداء والترنم بالأرجاز فى مواضعها؛ من سوق الإبل، وقطع الأسفار، وإنشاد الرقيق من الشعر بالأصوات الحسنة.
стр. 4135
(...) وحدّثناه ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا هِشَام، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَلَمْ يَذْكُرْ: حَادٍ حَسَنُ الصَّوْتِ.
ــ
وفى حديث يحيى بن يحيى فى هذا الباب: كانت أم سليم مع نساء النبى ﷺ . [كذا لجماعتهم، وعند السمرقندى: كانت أم سليم، والأول أصح. وقوله مع نساء النبى] (١). يصحح، أعنى من غير نساء النبى.