الْحَذَّاءُ، حَدَّثَنَا عَمَّارٌ مَوْلَى بَنِى هَاشِمٍ - حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ تُوُفِّىَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ.
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
١٢٣ - (...) وحدّثنا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِى عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، يَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَيَرَى الضَّوْءَ سَبْعِ سِنِينَ، وَلاَ يَرَى شَيْئًا، وَثَمَانَ سِنِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَأقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًا.
ــ
الروايات: من طريق ابن مثنى وابن يسار فى قول معاوية: مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين [سنة] (١) ومات أبو بكر وعمر وهما ابنا ثلاث وستين، نحو هذا قيل عن معاوية فى الحديث الآخر، وجاء فى رواية معظم شيوخنا عندنا: ومات أبو بكر وعمر وأنا ابن ثلاث وستين. وكذا قيدناه هنا وإن لم يكن وهماً، ولعل معناه على الحذف، أى مات أبو بكر وعمر مثله، ثم أخبر عن نفسه (٢)، وأنه مستشعر قضاء مدته وأمد وفاته بموافقته وفاته.
стр. 4167
(٣٤) باب فى أسمائه ﷺ
١٢٤ - (٢٣٥٤) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخِرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُييَنْةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: أَنَا مُحمَّدُ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِى الَّذِى يُمْحَى بِى الْكُفْرُ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِى يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِى، وَأَنَا الْعَاقِبُ ". وَالْعَاقِبُ الَّذِى لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِىُّ.
١٢٥ - (...) حدّثَنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبيْرٍ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ لِى أَسْمَاءً؛ أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِى الَّذِى يَمْحُو اللهُ بِى الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِى يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَىَّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِى لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ ". وَقدْ سَمَّاهُ اللهُ رَؤُوفًا رَحِيمًا.
(...) وحدّثنى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ
ــ
وقوله: " أنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى "، وفى الرواية الأخرى: " عقبى، وأنا العاقب الذى ليس بعدى "، فسره فى الحديث بما تقدم. قال العلماء فى بيان هذا التفسير: محو الكفر إما من مكة وبلاد العرب وما زوى له من الأرض، ووعد أن يبلغه ملك أمته، أو يكون المحو عامًا بمعنى الظهور والغلبة كما قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (١). وقد جاء في حديث آخر يفسره أن معناه: الذى محيت به سيئات من اتبعه، فقد يكون المراد بالكفر هذا لقوله: " الإسلام يجب ما قبله " (٢).
وقوله: " الذى يحشر الناس على عقبى " أو " قدمى " على الرواية الأخرى، قيل: على زمانى وعهدى، أى ليس بعدى نبى. وقيل: " على قدمى ": أى أمامى وقدامى، كأنهم يجتمعون إليه يوم القيامة، ويكونون أمامه وخلفه وحوله. وقيل: " على قدمى ": على ساقى، قال الله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (٣) وقيل: " على قدمى ": على سنتى. وقيل: يتبعونى. وقيل: يحشر الناس بمشاهدتى، كما قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٤).
стр. 4168
ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادَ. وَفِى حَدِيثِ شُعَيْبٍ وَمَعْمَرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . وَفِى حَدِيثِ عُقَيْلٍ: قَالَ: قُلْتُ للزُّهْرِىِّ: وَمَا الْعَاقِبُ؟ قَالَ: الَّذِى لَيْس بَعْدَهُ نَبِىٌّ. وَفِى حَدِيثِ مَعْمَرٍ وَعقَيْلٍ: الْكَفَرَةَ. وَفِى حَدِيثِ شُعَيْب: الْكُفْرَ.
١٢٦ - (٢٣٥٥) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَن أَبِى عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
وقوله فى الحديث الآخر: " أنا محمد، وأحمد، وأنا المقفى ". فمعناه معنى العاقب، قال: شمر: هما بمعنى، يقال: قفى عليه، أى ذهب به، فكان معناه: أنا آخر الأنبياء. وقال ابن الأعرابى: المنتقى: المتبع للنبيين، يقال: قفوته أقفره وقفيته: إذا تبعته، ومثله: قفته أقوفه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآية (١)، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢)، وقافية كل شىء وقفاه آخره، ومنه: قافية الشعر.
قال الإمام: ومعنى العاقب: آخر المرسلين، وأنه أرسل عقبهم.
قال القاضى: قال ابن الأعرابى: العاقب والعقوب: الذى يخلف من كان قبله فى الخبر. قال أبو عبيد: ومن هذا سمى عقب الرجل لولده بعده.
وقوله: " ونبى التوبة ونبى الرحمةِ " ويروى: " المرحمة "، ومعنىِ هذا متقارب، قال الله تعالى فى صفته: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٤)، ﴿ويَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٦)، ووصف أمته بأنها مرحومة ورحماء، وبأنهم تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.
ووقع فى بعض روايات مسلم مكان " الرحمة ": " الملحمة " (٧). وهذا - أيضاً - صحيح المعنى، فقد جاء مفسرًا فى حديث حذيفة: " ونبى الملاحم "؛ لأنه ﵇
стр. 4169
يُسَمِّى لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءَ. فَقَالَ: " أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمدُ، وَالْمُقَفِّى، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِىُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِىُّ الرَّحْمَةِ ".
ــ
بعث بالسيف والحرب، وأمر أن يقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله.
وخص هذه الأسماء ما جاء فى أسمائه فى أحاديث أخر وفى كتاب الله وسائر الكتب مع قوله فى الصحيح: " لى خمسة أسماء " (١) وتخصيصه لهذه الأسماء دون غيرها، فقيل: لأنها موجودة فى الكتب المتقدمة، معروفة عند الأمم السالفة - والله أعلم.
وقد جمعنا من أسمائه ﵇[كثرًا] (٢) مما جاء فى كتاب الله وسماه الله به ونقل عن الكتب المتقدمة وعرفه بأنه للعرب والصحابة، وسماه به المسلمون عددًا وأفرادًا وتكلمنا عليها كلامًا بالغًا فى كتاب: " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " (٣).
ذكر مسلم فى الباب فى حديث جبير بن مطعم: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثنا أبى عن جدى، حدثنا عقيل، إلى قوله: وفى حديث: قلت للزهرى. كذا لابن ماهان، وعند غيره: وفى حديث معمر. وفى حديث إسحاق بن إبراهيم بعده: عن أبى عبيدة، عن أبى موسى. كذا لهم. وعند الطبرى: عند أبى عبيد.
стр. 4170
(٣٥) باب علمه ﷺ بالله تعالى وشدة خشيته
١٢٧ - (٢٣٥٦) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْرًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ، فَبَلغَ ذَلِكَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَام خَطِيبًا فَقَالَ: " مَا بَالُ رِجَالٍ بَلْغَهُمْ عَنِّى أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ، فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَوَاللهِ لأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً ".
(...) حدّثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلَىُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالاَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ
ــ
وقوله: صنع رسول الله ﷺ أمرًا فترخص فيه، فتنزه عنه ناس، فبلغه ذلك، فغضب حتى بان الغضب فى وجهه، وقام خطيبًا فقال: " ما بال أقوام بلغهم عنى أنى [قد] (١) ترخصت فى أمر فكرهوه وتنزهوا عنه، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية " وفى الرواية الأخرى: " عما رخص لى فيه " هذا من تعريضه ﵇ وأنه كان لا يؤاخذ الناس بالكتاب إنما يقول: " ما بال أقوام " و " ما بال الناس "، وكان هذا من حسن معاشرته ﵇ ورفقه بأمته ومحبته ﵇ أن يؤتى بالرخص ويستن به فى ذلك. وقد جاء: " أن الله يحب أن يؤتى رخصه كما يجب أن يؤتى عزائمه " (٢).
وفيه النهى عن التنطع فى الدين، والأخذ بالشدائد فى جميع الأمور؛ فإن الدين يسر، والشريعة حنيفة سمحة، وذكر الإنسان نفسه بالخير، وثناؤه على نفسه إذا احتيج إلى ذلك، وكانت فيه منفعة لغيره ولم يقصد به الكبر والفخر.
وقولهم فى الحديث الآخر: " لسنا نهتبل " حرص منهم على التزيد فى الخير.
وفيه أن على التائب والصالح من التقوى والخيبر والخشية مثل [ما على] (٣) المذنب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤) وقال ﵇: " أفلا
стр. 4171
جَرِيرٍ. نَحْوَ حَدِيثِهِ.
١٢٨ - (...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ فِى أَمْرٍ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَغَضِبَ، حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ. ثُمَّ قَالَ: " مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخَّصَ لِى فِيهِ، فَواللهِ لأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً ".
ــ
أكون عبدًا شكورًا " (١).
وفيه حجة [بينة] (٢) على جواز الاقتداء بجميع أفعال الأنبياء [وأن مواقعة الصغائر لا تصح منهم، وكذلك] (٣) مواقعة المكروهات.
وإذا كان ﵇ لا يقر على منكر باتفاق الجميع كان من قول أو فعل، وأنه متى رأى شيئاً فأقره دل على إباحته. وكانت هذه حالة فى حق غيره، فكيف يصح وقوعه منه من صغيرة أو فعل مكروه، مع علمنا من دين الصحابة قطعًا بالنقل المتواتر والاقتداء بأفعاله وسماته فى جميع أموره، وقال لعائشة: " هلا خبرتيها أنى أقبل وأنا صائم "، وغضبه على الذي قال: يحل الله لرسوله ما شاء (٤).
ويلزم الاقتداء بأفعاله، قال جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والشافعية، ولم يشترطوا مع ذلك قرينة ولا دليلاً، وإن اختلفوا فى حكم ذلك هل هو على الوجوب، وحكى عن مالك، وهو قول أكثر أصحابنا [والعراقيين وبعض الشافعية. أو على الندب، وهو قول أصحابنا وأكثر] (٥) أصحاب الشافعى. وذهب طائفة إلى أنه على الإباحة، وقيد بعضهم لزوم الاتباع بما يختص بالأمور الدينية وعلم به مقصد القربة وقرينة الطاعة، وإليه أشار حذاق المتكلمين منهم.
стр. 4172
(٣٦) باب وجوب اتباعه ﷺ
١٢٩ - (٢٣٥٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةً بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَعِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِى يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ. فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ. فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: " اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ "، فَغَضِبَ الأَنْصَارِىُّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ! فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِىِّ اللهِ ﷺ . ثُمَّ قَالَ: يَا زُبَيْرُ، اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ ". فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ، إِنِّى
ــ
وقوله: " أن رجلاً خاصم الزبير فى شراج الحرة التى يسقون منها النخل ": الشراج مسايل الجدار إلى السيول، قالها الأصمعى. وقال غيره: السراج لما سوقه الرجل من الماء إلى مائه، واحدها سرج.
وقوله: " اسق حتى يبلغ الجدر ": الجدر بالدال المهملة، والجدر بفتح الجيم وكسرها: الجدار، وجمع الجدر جدور، وجمع الجدار جدر. واختلف فى المراد به هنا، فقيل: أصل الحائط. وقيل: أصول الشجر، ويحتمل أن يريد به جدر الشرجات، وهي حفر يجعل حول النخل يجمع فيها الماء. وقال الداودى: هى أعلى الجسور تحفر حول الشجر والزرع.
قال الإمام: تقدم الكلام على هذا الحديث، وذكرنا الاختلاف فى مراعاة بلوغ الماء إلى الكعبين، هل إذا بلغ الماء إليهما أرسل الجميع أو حبس هذا المقدار منه وأرسل ما زاد. والواجب أن يعين لكل أرض بقدر كفايتها. وتحمل قصة الزبير على أنه كان على قدر كفاية أرضه، وهل يراعى بلوغ الكعبين فى الساقية أو فى أرض الحائط؟ وذكرنا قضاءه ﷺ مع غضبه، وقد نهى عن ذلك وذكرنا أنه معصوم فى الغضب والرضا، إلى غير ذلك من الأعذار التى ذكرناها، وإنما أذكر تلك بهذه الجملة لتطالعها هناك.
قال القاضى: ذكر البخارى عن الزهرى (١) قال: فقدر بالأنصار والناس.
قوله: " ثم احبس حتى يبلغ الجدر فكان ذلك إلى الكعبين " (٢) [قال الداودى:
стр. 4173
لأحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِى ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فَي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ (١).
ــ
وقد روى فى حديث آخر: أنه قال للزبير أولاً: اسق إلى الكعبين] (٢)، فلما رد عليه الأنصارى [قال له] (٣): " اسق حتى يبلغ الجدر ": فيه صبر النبى ﷺ على الأذى والاحتمال للجفاء، ويجب التأسى به على ما تقدم، ومثل هذا لو صدر اليوم من أحد فى حق النبى ﷺ من تهمته فى الحكم، ورميه فيه بالهواء والميل، لكان كفرًا يجب قتل قائله، لكنه ﵇ كان أول الإسلام يؤلف ويدفع بالتى هى أحسن، وكان يصبر للمنافقين ومن فى قلبه مرض على أكثر من هذا من التصريح والتعريض، وكان يقول: " يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا " (٤)، " ولا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه " (٥)، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦).
وقوله: إنى لأحسب هذه الآية فى ذلك نزلت: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (٧): اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقيل: فى شأن الزبير كما تقدم. وقيل: فى رجلين تحاكما إلى النبى ﷺ ، فحكم على أحدهما، فقال له: ادفعنى إلى عمر بن الخطاب. وقيل: فى قصة اليهودى والمنافق اللذين اختصما إلى النبى ﷺ ، فلم يرض المنافق بحكمه وطلب الحكم عند الكاهن، قالوا: وهو قول مجاهد، وأشبه بسياق الآية وما قبلها. وقال الطبرى: لا ينكر أن تكون نزلت فى الجميع. وحكى الداودى: أن الذى خاصم الزبير كان منافقاً (٨).
وقوله عنه: " من الأنصار ": أى من قبيلهم لا منهم.
١٣٥ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِىٍّ الْقَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى مُوسَى بْنُ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَبِى؟ قَالَ: " أَبُوكَ فُلاَنٌ "، وَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ تَمَامَ الآيَةِ.
١٣٦ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى لَهُمْ صَلاَةَ الظُّهْرِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبِرَ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُورًا عِظَامًا. ثُمَّ قَالَ: " مَنْ أحَبَّ أَنْ يَسْأَلَنِى عَنْ شَىءٍ فَليَسْأَلْنِى عَنْهُ، فَوَاللهِ لاَ تَسْأَلُونَنِى عَنْ شَىءٍ إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ، مَا دُمْتُ فِى مَقَامِى هَذَا ".
قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ حِينَ سَمِعُوا ذِلكَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَكْثَر رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُولُ: " سَلُونِى "، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنَ حذَافةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِى يَا رسُولَ اللهِ؟ قَالَ. " أَبُوكَ حُذَافَةُ "، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَنْ يَقُول: " سَلُونِى " بَرَكَ عَمَرُ
ــ
نزلت الآية فى سؤالهم إياه عما عفا الله عنه من أمور الجاهلية، فحذرهم الله عقباها، والسؤال عما لا فائدة فيه، ولم ينزل بهم وما سكت عنهم، وقد كره السلف السؤال عما لم ينزل. وقيل: نهى عن السؤال فى الآية مما لم يذكر فى القرآن مما عفا الله عنه.
وأما قوله: " فنقر عنه ": أي بحث، وهى رواية الجمهور، ووجه الكلام. وعند السمرقندى: " فبعث عنه " بالباء، وهو متقارب المعنى. يقال: إنه لنقاب، أى عالم باحث عن الأشياء، قال الله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلاد﴾ أى: جالوا فيها وبحثوا وتفرقوا ﴿هَلْ مِن مَّحِيص﴾ (١)، أى معدل. وفى رواية: " نفر " بالفاء والراء، وهو خطأ.
وقوله: " غطوا رؤوسهم ولهم خنين ": رويناه عن العذرى بالحاء المهملة، وعن غيره بالمعجمة وهو الصحيح في هذا الموضع. والخنين: بكاء له صوت. قال الخليل: الخنة: ضرب من الغنة. قال الأصمعى: إذا تردد بكاء الرجل فصار فى صوته غنة قيل: خنَّ. وقال أبو زيد: الخنين مثل الحنين وهو الشديد من البكاء، [وقد جاء فى بعض الروايات: " فأكثر الناس من البكاء "] (٢). قال ابن دريد: الخنين: تردد البكاء من الأنف، والحنين تردده من الصدر.
стр. 4177
فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً. قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَوْلَى، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَىَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارُ آنِفًا فِى عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَاليَوْمِ فِى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالتْ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ؟ أَأمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قَارَفَتْ بَعضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ حُذَافَةَ: وَاللهِ، لَوْ أَلْحَقَنِى بِعَبدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ.
(...) حدّثنا عَبْدُ بْن حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وحَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ، مَعَهُ. غَيْرَ أَن شُعَيْبًا قَالَ عَنِ الزُّهْرِىِّ: قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ أَنَّ أُمَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ قَالَتْ؛ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونسَ.
١٣٧ - (...) حدّثنا يُوسُفُ بْنُ حَمَّاد الْمَعْنِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا نَبِىَّ اللهِ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجَ
ــ
احتج به من أنكر على الصوفية وأصحاب الرقة ما يصدر منهم من الحركات، والزعق، والغشيان عند سماع الوعظ والتخويف، والأمور المحركات الذى يسمونها الوجد. وقال أبو بكر الآجرى: كان النبي ﵇ أصدق الناس موعظة، وأنصح الأمة لها، وأصحابه إدق الناس قلوبًا، وخير من جاء بعدهم، ما صرخوا ولا زعقوا عند موعظته، ولو كان صحيحًا كانوا أحق الناس به أن يفعلوه بين يديه، ولكنه بدعة وضلالة.
وفى سند هذا الحديث: حدثنا محمد بن غيلان، حدثنا محمد بن قدامة السلمى. كذا لكافتهم، ولابن ماهان عند بعض الرواة: " الكلبى "، والصواب الأول.
وقوله: فى هذا الحديث: " من أراد أن يسألنى عن شىء فليسأل، فوالله لا تسألوننى عن شىء إلا أضرتكم به [ما دمت] (١) فى مقامى ": هذا مما لا يمكنه منه ﵇
стр. 4178
ذَاتَ يَوْمٍ فَصَعِدَ الْمِنْبرَ. فَقَالَ: " سَلُونِى، لاَ تَسْأَلُونِى عَنْ شَىءٍ إِلاَّ بَيَّنْتُهُ لَكُمْ "، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَومُ أَرَمُّوا، وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَىْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ.
قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالاً، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لاَفٌّ رَأسَهُ فِى ثَوْبِهِ يَبْكِى، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، كَانَ يُلاَحَى فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ. فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللهِ، مَنْ أَبِى؟ قَالَ: " أَبُوكَ حُذَافةُ ". ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضْىَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، عَائِذًا بِاللهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، إِنِّى صُوِّرَتْ لِىَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ ".
(...) حَدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيب الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَدِىٍّ، كِلاَهُمَا عَنْ هِشَامٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمىُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى. قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ، بِهَذِهِ الْقِصَّةِ.
١٣٨ - (٢٣٦٠) حَدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ الْهَمْدَانِىُّ قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ؛ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ غَضِبَ. ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: " سَلُونِى عَمَّ شِئْتُم "، فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ
ــ
أن يقوله إلا عن وحى، إذ لا يعلم من أمور المغيبات إلا ما علمه الله.
وقول عمر: " رضينا بالله ربًّا " الحديث، فسكت رسول الله ﷺ حين قال ذلك: يبين أن النبى إنما قال ذلك لهم غضبًا، كما قال فى رواية أخرى: " وسكن غضبه "، ومذهبه واختياره لهم خلافه من ترك المساءلة لكن ساعدهم على ذلك لجوازه لهم، ولما رأى من حرصهم فيه، وليبين قدر ما علمه الله به، ويغيظ بذلك الكفار والمنافقين، ويقطع بهم فى منزعهم فى تعنيته فى السؤال، ومعاقبته لهم بكئرة سؤالهم، وبإعلامهم بكل ما سألوا عنه. وفيه ما يسوء بعضهم إن كانوا قد أكثروا عليه وأخفوه فى السؤال كما جاء فى الحديث الآخر بعده، وكما قال فى الرواية الأخرى للذى سأله: أين أنا؟ قال: " فى النار "، ويحتمل أنه من المنافقين المستوجبين لها والعاصين.
وقيل: بل قاله ﵇ عقابًا وغضبًا لتعنيته إياه بسؤاله، فاستوجب به النار. ومعنى " سكت " هنا: صمت ويحتمل أنه بمعنى: سكن، كما جاء فى الحديث
стр. 4179
أَبِى؟ قَالَ: " أَبُوكَ حُذافَةُ "، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِى يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " أَبُوكَ سَالِمٌ موْلَى شَيْبَةَ " فَلَمَّا رَأَى عُمَر مَا فِى وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْغَضبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ. وفِى رِوَايَةِ أَبِى كُرَيْبٍ: قَالَ: مَنْ أَبِى يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " أَبُوكَ سَالِمٌ - مَوْلَى شَيْبَةَ ".
ــ
الآخر، وكما قيل فى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَب﴾ (١).
قوله: ﵇: " والذى نفسى بيده، لقد عرضت علىّ الجنة " أدْنى كلمة تهدد وتلهف، وقوله: " لقد عرضت علىّ الجنة والنار عرض هذا الحائط " بضم العين، أى جانبه، وقيل: وسطه يحتمل وجهين: أحدهما: أنه عرضت له حقيقة فى جهة الحائط، وإلا فالجنة والنار لا يتسع فى الحائط ولا يحل فيه، ويدل على هذا التأويل من عرضها له حقيقة قوله فى الحديث الأخر: " فتناولت منها عنقوداً "، أو يكون ضرب لها مثلها وشرح له أمرها بإمراريه فى الحائط وجهته، ويدل - أيضاً - على صحة هذا التأويل قوله فى الرواية الأخرى: ["صورت لى الجنة "، وعليه يدل لفظه فى الحديث الآخر بعده] (٢) " صورت لى الجنة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط ".
وقول أم حذافة: " أأمِنْتَ أن تكون أمك قارفت بعض ما تقارف نساء الجاهلية فتفضحها ": أى عملت ذنبًا، يريد الزنا، واكتسبته، قال الله تعالى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ (٣). وكان سبب سؤال حذافة أن بعض الناس كان يطعن فى نسبه، وقد بين ذلك فى الحديث الآخر، ولم يسمه، فقال: " كان يلاحى ويدعى لغير أبيه " أى يخاصم ويشاتم. والملاحاة: الخصام والسباب.
وقوله: " سألوه حتى أحفوه ": أى أكثروا عليه فى المسألة والإلحاح: وأخطأ فى السؤال وألحف بمعنى: ألح وبالغ.
وقوله: " فلما سمع ذلك القوم أرموا ". قال الإمام: سكتوا. قال صاحب الأفعال: أرم القوم: سكتوا لشىء هابوه، والعظم صار فيه رم وهو المخ، والأرض صار شجرها رميماً من الجدب.
قال القاضى: وأصله من المرمة وهى الشفة، أى ضموا شفاههم بعضها على بعض ولم يتكلموا. وأصل المرمة فى ذوات الأظلاف بمنزلة الشفة من الإنسان، يقال منه: رمت الشاة النبات: إذا تناولته بشفتيها. وفى الحديث فى ذكر سمن البقر: فإنها ترم من كل الشجر.
стр. 4180
(٣٨) باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا، دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأى
١٣٩ - (٢٣٦١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِىُّ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، وَتَقَارَبَا فِى اللَّفْظِ، وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ ﷺ بِقَوْمٍ عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ: " مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ؟ "، فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِى الأَنْثَى فَيَلْقَحُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "مَا أَظُنُّ يُغْنِى ذَلِكَ شَيْئًا ". قَالَ: فَأَخْبَروُا بِذَلِكَ فَتَرَكُوُه. فَأُخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: " إِنْ كَانَ يِنْفَعُهُم ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّى إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلا تُؤَاخِذُونِى بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِى لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ ".
١٤٠ - (٢٣٦٢) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِىِّ الْيَمَامِىُّ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعظيمِ العَنْبَرِىُّ وَأَحْمدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِىُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ
ــ
وقوله ﵇ فى إنكار التذكير للنخل: " لو لم تفعلوا لصلح وكان خيرًا، وما أظن يغنى ذلك شيئًا " فتركوه، فنقصت، فقال: " إنما أنا بشر، وإنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذونى بالظن، فإذا حدثتكم عن الله [شيئًا] (١) فخذوا، فإنى لن أكذب على الله، وإذا أمرتكم بشىء من رأيى فإنما أنا بشر "، وفى الرواية الأخرى: فخرجت شيصًا، فقال: " أنتم أعلم بأمر دنياكم ": فمعنى قوله هنا: " من أمرى ": يعنى فى أمر الدنيا، لا فيما رآه أو قاله من قبل نفسه فى اجتهاده فى الشرع والسير على القول بجواز الاجتهاد منه؛ لأن القسم الذى [قد أمر بالأخذ به بقوله: " من دينكم وعن الله "، وهذا اللفظ الذى] (٢) قال فيه: " من رأى " إنما أدَّى به عكرمة فى الحديث على المعنى لقوله آخر الحديث أو نحو هذا، فلم يأت به بلفظ النبى مخففاً فلا يحيل به من لا تحقيق عنده.
وقول النبى هاهنا للأنصار فى النخل ليس على وجه الخبر الذى يدخله الصدق والكذب فينزه النبى عن الحلف فيه، وإنما كان على طريق الرأى منه؛ ولذلك قال لهم: " إنما ظننت ظنًا، وأنتم أعلم بأمر دنياكم "، وحكم الأنبياء وآراؤهم فى حكم أمور الدنيا حكم
стр. 4181
عَمَّارٍ - حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِىِّ، حَدَّثَنِى رَافِعٌ بنُ خَدِيجٍ، قَالَ: قَدِمَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأبُرُونَ النَّخْلَ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ. فَقَالَ: " مَا تَصْنَعُونَ؟ ". قَالُوا: كُنَّا نَصنَعُهُ. قَالَ: " لَعَلكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا "، فَتَرَكُوهُ. فَنَفَضَتْ أو فَنَقَصَتْ. قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: " إِنَّمَا أَنَا بَشرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُم بِشَىْءٍ مِنْ دِينَكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىءٍ مِنْ رِأَىٍ فَإِنَّمَا أَناَ بَشَرٌ ".
قَالَ عِكْرِمَةُ: أَوْ نَحْوَ هَذَا.
قَالَ الْمَعْقِرِىُّ: فَنَفَضَتْ. وَلَمْ يَشُكَّ.
١٤١ - (٢٣٦٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ -، كِلاَهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ عامِرٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ وعن ثَابِتٍ، عَن أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّ بقَوْمٍ يُلَقِّحُوَنَ. فَقَالَ: " لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلح ". قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: " مَا لِنَخْلِكُمْ؟ ". قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكذَا. قَالَ: " أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ".
ــ
غيرهم من اعتقاد بعض الأمور على خلاف ما هى عليه، ولا وصم عليهم فى ذلك؛ إذ هممهم متعلقة بالآخرة والملأ الأعلى وأوامر الشريعة ونواهيها وأمور الدنيا يضادها؛ بخلاف غيرهم من أهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون.
وقوله: " يأبرون النخل " فسره فى الحديث بقوله: " يلقحون يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح "، [يقال: أبرت النخل أبرها وأبرها وأبرتها أيضًا، والاسم الأبار والأبر] (١).
وقوله: " فخرج شيصًا ". قال الإمام: الشيص: البسر الذى لا نوى له.
قال القاضى: وهو ردىء البسر الذى إذا يبس صار حشفًا.
وقوله فى الرواية الأخرى: " فنفضت " أى سقطت ثمرها.
стр. 4182
(٣٩) باب فضل النظر إليه ﷺ ، وتمنيه
١٤٢ - (٢٣٦٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَة عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَيَأتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلاَ يَرَانِى، ثُمَّ لأَنْ يَرَانِى أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعهُمْ ".
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِى: لأَنْ يَرَانِى مَعَهُمْ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. وَهُوْ عِنْدِى مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ.
ــ
وقوله: " والذى نفس محمد بيده، ليأتين على أحدكم يوم ولا يرانى ثم لأن يرانى أحب إليه من أهله وماله معهم "، وفى بعض الروايات: " معه "، وليس عند شيوخنا. قيل: معناه على التقديم والتأخير: لأن يرانى معهم - أو معه - أحب إليه من أهله وماله ثم لا يرانى. وكذا جاء فى مسند سعيد بن منصور: " ليأتين على أحدكم يوم [لأن يرانى] (١) أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله ".
وقد جاء نحو هذا فى بعض نسخ مسلم من كلام ابن سفيان، وثبت عند الجيانى ونصه: قال أبو إسحاق: معناه عندى: لأن يرانى معهم أحب إليه من أهله وماله، وهو عندى مقدم ومؤخر، ولم تكن هذه الزيادة عند أكثر شيوخنا.
стр. 4183
(٤٠) باب فضائل عيسى ﵇
١٤٣ - (٢٣٦٥) حدَّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، الأَنْبِيَاءُ أَوْلادُ عَلاَّتٍ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِىٌّ ".
١٤٤ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى، الأَنْبِيَاءُ أَبْنَاءُ عَلاتٍ، وَلَيْسَ بَيْنِى وَبَيْنَ عِيسَى نَبِىٌّ ".
١٤٥ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ
ــ
وقوله: " أنا أولى الناس بابن مريم فى الأولى والآخرة " قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: " الأنبياء إخوة [من] (١) علات "، وفى الرواية الأخرى: " أولاد علات، وأمهاتهم شتى ودينهم واحد، فليس بيننا نبى (٢) ": أولاد العلات: هم الذين ليسوا لأم واحدة، والعلات: الضرائر. قال الهروى فى هذا الحديث معناه: أنهم لأمهات مختلفات ودينهم واحد (٣).
قال القاضى: لم يرد على ما ذكر فى الحديث، وهذا غير مراد الحديث بدليل آخره، وإلا فما اختصاص عيسى حينئذ من بينهم، وما خص الأمهات من بين الآباء فى حق الأنبياء وليسوا لأب واحد، كما ليسوا لأم واحدة؟ والظاهر فى معناه: أن الأنبياء يختلفون فى أزمانهم، وبعضهم بعيد الوقت من بعض، وبين بعضهم وبعض أنبياء أخر، وإن شملتهم النبوة وكأنهم أولاد علات، إذ لم يجمعهم زمن واحد كما لم يجمع أولاد العلات بطن واحد. وعيسى لما كان [قريب الزمن] (٤) منه ولم يكن بينهما نبى، فكأنهما فى زمن واحد وابنى أم واحدة فكان بخلاف غيرهما، فلذلك قال: " أنا أولى به "، وفسر ذلك بقوله: " وليس بينى وبينه نبى " وإنما ذكر فى الحديث عندى: " أمهاتهم شتى ودينهم واحد " لشبههم بأولاد العلات لما ذكرنا. " وأولى " هنا بمعنى: أخص وأقرب وأقعد؛ لقوله: " فلأولى رجل ذكر "، ولقوله: " مزينة وجهينة موالى دون
стр. 4184
ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فى الأُولَى وَالآخِرَةِ ". قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " الأَنْبِيَاءِ إِخْوَةٌ مِنْ عَلاَّتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِىٌّ ".
١٤٦ - (٢٣٦٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ نَخَسَهُ الشَّيطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلاَّ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ". ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١).
(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالاَ: " يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسَّةِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ ". وَفِى حَدِيثِ شُعَيْبٍ: " مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ ".
ــ
الناس " أى المختصون بى.
وقوله: " ودينهم واحد ": إنما يرجع إلى التوحيد الذى هم مجمعون عليه، أو على طاعة الله واتباع شرائعه على الجملة، وأما شرائعهم فمختلفة. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية (٢).
وقوله: " ما من مولود إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم وأمه "، ثم قال اْبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: ظاهره أنه منع من ذلك إجابة لدعوة زكريا ﵉ وأيضًا فإن الأنبياء معصومون من الشيطان بكل وجه، وقد جاء فى هذا الحديث فى غير مسلم: " فذهب الشيطان ليطعن فى خاصرته فطعن فى الحجاب " (٣).
وقوله: " صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان ": كذا روايتنا، وفى بعض النسخ: " فزعة " بالفاء والعين المهملة. الفزع: الإغواء والوسوسة والإفساد. قيل فى قوله: ﴿نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ (٤): أى أفسد، كأنه يريد هنا من فعلة فعلها الشيطان رام بها ضرًا بالمولود.
стр. 4185
١٤٧ - (...) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ سُلَيْمًا مَوْلَى أَبِى هُرَيْرَةَ - حَدَّثَهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " كلُّ بَنِى آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطانُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، إِلاَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا ".
١٤٨ - (٢٣٦٧) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ".
١٤٩ - (٢٣٦٨) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلاً يَسْرِقُ. فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلاَّ، وَالَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللهِ. وَكَذَّبْتُ نَفْسِى ".
ــ
وقوله: " رأى عيسى رجلاً يسرق، فقال: سرقت؟ قال: لا، والذى لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت نفسى ": ظاهره: صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لى من ظاهر سرقة الآخر، فلعله أخذ ما له فيه حق أو بإذن صاحبه ولم يقصد [الأخذ] (١) إلا التغليب والنظر وصرفه إلى موضعه، وظهر لعيسى أولاً بظاهر مد يده وإدخالها فى متاع غيره أنه أخذ منه شيئًا، فلما حلف له أسقط ظنه، وتوكد - والله أعلم.
стр. 4186
(٤١) باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ
١٥٠ - (٢٣٦٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْمُخْتَارُ. ح وَحَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ ".
(...) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ - مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله. بِمِثْلِهِ.
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمُخْتَارِ،
ــ
وقوله ﵇ للذى قاله: يا خير البرية، فقال: " ذاك إبراهيم "، قال الإمام: قد ثبت أنه ﵇ أفضل من سائر المرسلين (١)، فيحتمل أن يكون هذا منه ﷺ على جهة التواضع، واشتغالاً لأن ينادى بهذا، وقد كان إبراهيم ﵇ فى آبائه ﷺ ، ويكره إظهار المطاولة على الآباء. وقد يكون فهم من ثنائه غير هذا المعنى وأخبر فى موضع آخر بكونه سيد ولد آدم، غير قاصد للتعاظم والتطاول على من تقدمه ﷺ ، بل ليبين ما أمره الله ﵎ ببيانه، ولهذا عقب كلامه بأن قال: " ولا فخر " ليزيل ما قد أطلق هذا الكلام إذا أطلقه غيره من الناس فى نفسه.
وقد يحتمل قوله: " ذاك إبراهيم " قبل أن يوحى إليه بأنه هو خير منه. فإن قيل: هذا خبر ولا يقع إلا صدقاً، والنسخ لا يصح فيه، فلا وجه لعذركم هذا، قلنا: قد يريد ﷺ أن إبراهيم خير البرية فيما يدل عليه ظاهر حاله عنده، وقد يقال: فلان خير قومه وأصلح أهل بلده، والمراد فيما يقتضيه ظاهر حاله. وقد مال إلى هذه الطريقة بعض العلماء فى تفضيل الفاضل من الصحابة، أنه يفضل على الظاهر لا على القطع على الباطن.
وقد يكون لإبراهيم ﵇ فضيلة يميز فيها عن سائر المسلمين (٢) ولكن نبينا ﷺ له من مجموع الفضائل ما يربى عليها حتى يكون أفضل على الإطلاق، ولا يكون المراد بقوله ﷺ فى إبراهيم ﵇: " خير البرية " على الإطلاق، ولكن فى معنى اختص به.
стр. 4187
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النِّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
١٥١ - (٢٣٧٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِىُّ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ ".
ــ
قال القاضى: هذا وإن كان خبر من النوع الذى يدخله النسخ لأن أمر الفضائل والمنازل مما منحه الله عبيده، وتعظيماً لمن شاء، وأخبر ﵇ أولاً بما اعتقده وظهر له من منزلة إبراهيم، ثم إن الله أعلمه بمنزلته هو وأنه خير البرية، فلزمه اعتقاد هذا ويعبد الله بذلك، ونسخ ما كان أمرنا به ﵇ قبل من ترك التفضيل من الأنبياء، واعتقاد ما لزمناه اتباع النبى فى اعتقاده فى تفضيل إبراهيم، فقد تعلق بهذين الخبرين عبادتان، إحداهما ناسخة للأخرى.
وقوله: " اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم " كذا رويناه مخففاً هنا، وفسرها بعضهم بآلة النجار، وهو قول محمد بن المواز وغيره. وقيل: هو موضع يثقل ويخففه آخرون. حكى الباجى فيه الوجهين، وبالتخفيف رواه بعض رواة البخارى، وضبطه المروزى بالتشديد، وأنكر [يعقوب بن أبى شيبة] (١) فيه التشديد، وقال الهروى: هو مَقِيل له. وقيل: قرية بالشام. ولم يحك فيه غير التخفيف. وحكى أبو عبيد البكرى " قدوم " مخفف ثنية بالسراة. وقاله ابن دريد، قال: والمحدثون يشددونه.
قال البكرى: وأما فى حديث إبراهيم فمشدد، ورواه أبو الزناد بالتخفيف، وهو قول أكثر اللغويين. وحكاه البخارى (٢) عن سعيد. واختلفت الرواية فيه عن أبى الزناد فى حديث أبى هريرة بالتخفيف والتشديد، وحكى البكرى عن محمد بن جعفر اللغوى، أن " قدوم " المكان مشدد معرفة، لا يدخله الألف واللام. قال: ومن رواه فى حديث إبراهيم مخففاً فإنما عنى الآلة التى ينجر بها.
قال القاضى: من هنا شرع الختان فى العرب فى ولد إسماعيل، وفى اليهود ولد إسحاق بن إبراهيم، وتقدم [الكلام فى] (٣) الاختتان بأول الكتاب. وقد قيل: إن هذا من الكلمات التى ابتلاه الله بها.
وقوله: وهو ابن ثمانين سنة: كذا فى كتاب مسلم، وقد جاء هذا الحديث من رواية مالك والأوزاعى، وفيه: " اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة [ثم عاش] (٤) بعد
стр. 4188
١٥٢ - (١٥١) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ
ــ
ذلك ثمانين سنة "، إلا أن مالكاً ومن تبعه أوقفوه على أبى هريرة. وكذا ذكره فى الموطأ من رواية القعنبى وبعض رواة الموطأ، ولم يكن الحديث عند غير واحد منهم رواة الموطأ.
وذكر غيره عكس هذا أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة، كما قال مسلم. وعاش مائة وعشرين سنة.
وقوله ﵇: " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ " الآية، قال الإمام: من الناس من ذهب إلى أن إبراهيم ﵇ إنما أراد بهذا اختبار منزلته واستعلام قبول دعوته، فنسأل البارى - جلت قدرته - فى أن يخرق له العادة ويحيى الموتى؛ ليعلم بذلك قدر منزلته عند الله - سبحانه - ويحمل هؤلاء قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ (١) على أن المراد به: بقربك منى ولفضلك لدى، فيكون التقدير - لو ثبت حمل الآية على هذا المعنى -: نحن أولى أن يختبر حالنا عند الله من إبراهيم على جهة الإشفاق منه ﷺ والتواضع لله - سبحانه.
وإن قلنا بما يقتضيه أصل المحققين، وأن المراد أن ينتقل من اعتقاد إلى اعتقاد آخر هو أبعد من طريان الشك ونزغات الشيطان؛ لأنا نساوى بين العلوم الضرورية والعلوم النظرية، ونمنع التفاضل بينهما فى نفس التعلق، وإنما يصرف التفاضل إلى أن الشك [لا أن] (٢) يطرأ على الضرورى، فى العادة، والنظرى قد يطرأ عليه، فيكون إبراهيم ﷺ سأل زيادة فى الطمأنينة وسكون النفس، حتى ينتفى الشكوك أصلاً. أو يكون المراد من نبينا ﷺ : إنما نحن أحق بالسؤال فى هذا منه على جهة الإشفاق، وأيضاً أو يكون المراد بذلك أمته ﷺ ، ليحضهم على الابتهال إلى الله بالتعوذ من نزغات الشيطان فى عقائد الدين.
قال القاضى: فى هذا الحديث تأويلات، منها الوجهان اللذان ذكر.
وثالث: أنه إنما سأل مشاهدة الإحياء واطمئنان القلب بمشاهدة ذلك، وترك منازعته هذه الأمنية، فيحصل له العلم أولاً بالجواز والوقوع، والثانى بالمشاهدة والكيفية.
ووجه رابع: أنه لما احتج على المشركين بأن ربه يحيى ويميت طلب ذلك من ربه ليصحح احتجاجه عياناً.
ووجه خامس: أنه سؤال على طريق الأدب، والمراد: أقدرنى على إحياء الموتى
стр. 4189
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " نَحْنُ أَحَقُ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١) وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِى السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِىَ ".
(...) وحدّثناه - إن شَاءَ اللهُ - عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ
ــ
ليطمئن [قلبى] (٢) بهذه الأمنية.
ووجه سادس: وهو أنه أرى من نفسه الشك وما شك، لكن ليجاوب فيزداد قربة. وهذا هو تكلف فى اللفظ والمعنى.
وقيل فى قوله: " نحن أحق بالشك من إبراهيم ": هذا نفى لشك إبراهيم لا إثبات له، وإبعادًا للخواطر الضعيفة أن تظن أن بإبراهيم الشك، فكأنه قال: نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى، فلو نشك لكنا أولى منه على طريق الأدب وإكثار حال إبراهيم لا على تجويزه على واحد منهما. قيل: إنما جاوب بذلك من سمعه بترك شك إبراهيم ولم يشك نبينا.
وقوله: " لو لبثت فى السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعى ": المراد به قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّك﴾ الآية (٣). هذا منه [ ﷺ أيضاً غاية فى الأدب والتواضع وإظهار منزلة يوسف] (٤) ﵇ فى التثبت والصبر وألاّ يخرج إلى الملك حتى يظهر براءته ولا تناله عنده حجلة التهمة، ودعوى المرأة ما ادعته عليه من مراودته لها عن نفسها، وأنه ﵇ لو امتحن هو بهذا أو مثله من طول السجن، لكان التخليص إليه منه لأول داع أحب إليه للنجاة من عذابه وبقائه، ولأخذ بالحزم فى الأمر؛ مخافة حوادث تطوى وإشغال للملك بضرورة، فينساه كما نسيه ويشتغل عنه، فيبقى فى سجنه كما كان حاله معه. قيل: ولا يظن أن مراده بإجابة الداعى هنا دعوة المرأة، وهذا مما لا يجوز على يوسف ولا محمد ﵉.
وقوله: " يغفر الله للوط، إنه أوى إلى ركن شديد ": يعنى الله تعالى، كأنه -
стр. 4190
اللهِ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ.
١٥٣ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النِّبِىِّ ﷺ قَالَ: " يَغْفِرُ اللهُ لِلُوطٍ إِنَّهُ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ".
١٥٤ - (٢٣٧١) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِىُّ ﵇ قَطُّ إِلاَّ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ فِى ذَاتِ اللهِ. قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (١). وَقَولُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٢) وَوَاحِدَةً فِى شَأنِ سَاَرَةَ؛ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبارَ،
ــ
﵇ أخذ عليه فى قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيد﴾ (٣) يريدك لو كان مع عشيرته ليمنعوه من قومه ويحموا أضيافه، فيرحم ﵇ لقوله ﵇ وسهوه عن الاعتصام بالله تعالى عن ضيق صدره بما لقى من قومه حتى قال هذا، وإنه بالحقيقة كان يأوى إلى ركن شديد وهو الله تعالى، أشد الأركان وأقواها. والركن يوضع لما استند إليه ويشد به لأن أركان البناء أقوى ما فيه، وعليها اعتماد، وبها انتظامه. والركن الناحية من الجبل يلجأ إليها. وقد تقدم من هذا أول الكتاب.
وقوله: " لم يكذب قط إبراهيم إلا ثلاث كذبات: ثنتين فى ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وواحدة فى شأن سارة، قوله: إن سألك فأخبريه أنك أختى [فإنك أختى] (٤) فى الإسلام "، قال الإمام: أما الأنبياء معصومون من الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله قل ذلك أو جل؛ لأن المعجزة تدل على صدقهم فى ذلك. وأما ما لا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصغائر كالكذبة الواحدة فى شىء من أمور الدنيا فيجزى ذلك على الخلاف فى عصمتهم من الصغائر، وقد تقدم الكلام عليه.
وقد وصف ﷺ أن اثنتين من كذبات إبراهيم ﵇ كانتا فى ذات الله سبحانه، والكذب إنما يترك لله، فإذا كان إنما يفعل لله انقلب حكمه فى بعض المواضع على حسب ما ورد فى الشريعة، فالقصد بهذا التقييد منه ﷺ نفى مذمة الكذب عنه لجلال قدره فى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 4191
إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِى يَغْلِبْنِى عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِى، فَإِنَّكِ أُخْتِى فِى الإِسْلاَمِ، فَإِنِّى لاَ أَعْلَمُ فِى الأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِى وَغَيْرَكِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ. أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لاَ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلاَّ لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُتِىَ بِهَا، فَقَامَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِلَى الصَّلاَةِ. فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدْهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً. فَقَالَ لَهَا: ادْعِى اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِى وَلا أَضُرُّكِ. فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الأُولَى. فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ. فَفَعَلتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ. فَقَالَ: ادْعِى اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِى، فَلَكِ اللهَ أَلا أَضُرَّكِ. فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِى جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِى بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأتِنى بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِى، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ.
ــ
وقد تأول بعض الناس كلماته هؤلاء حتى يخرج عن كونها كذباً، ولا معنى لأن يتحاشا العلماء مما لم يتحاش منه النبى ﷺ ، ولكن قد يقال: إن المراد بتسميتها كذباً على ظاهرها عندكم فى مقتضى إطلاقكم عند استعمالكم اللفظ على حقيقته، ألا تراه يحكى عن إبراهيم ﵇ أنه قال لسارة: " أخبريه أنك أختى، فإنك أختى فى الإسلام "، ومن سمى المسلمة أختًا له قاصدًا أخوة الإسلام فليس بكاذب، لكنه ﷺ إنما أطلق عليه لفظة الكذب [لما قلناه] (١) من أن الأخت فى الحقيقة المشاركة فى النسب وأما المشاركة فى الدين فأخت على المجاز، فأراد بها كذبة على مقتضى حقيقة اللفظ فى اللغة، وعلى أن قوله: " إنها أختى "، قد يكون فى ذات الله، إذ أراد بها كف الظلم وصيانة الحريم، لكن لما كان له فيها منفعة ميزها ﷺ عن الأولتين اللتين لا منفعة له فيهما، وهذا اللفظ يظهر ما فى تأويل هذا الحديث.
قال القاضى: الصحيح على القولين من تجويز الصغائر على الأنبياء، ومنها أن الكذب وإن قل فيما طريقه البلاغ لا يجوز عليهم وأن ينصب النبوة، فحاشا معصوم من قليله وكثيره، سهوه وعمده؛ وعمدة النبوة البلاغ والخبر عن الله وشرعه وتجويز كلام منه على خلاف مخبره قادح فى صدقه مناقض لمعجزته، ونحن نعلم قطعاً من مذاهب الصحابة وسيرة السنف الصالح، مبادرتهم إلى تصديق أقواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت وعلى أى وجه جاءت، ولم يحفظ عنهم تردد ولا توقف ولا سؤال ولا استثبات
стр. 4192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن حاله عند ذلك، هل وقع منه على سهو أو ضجر أو غيره؟ ولا حفظ عنه أنه استدرك شيئًا قاله، أو اعترف بوهم فيما أخبر به.
ولو كان شىء من ذلك لنقل كما نقل رجوعه عن أشياء من أفعاله وآرائه وما ليس طريقه الخبر؛ كرجوعه عن رأيه فى ترك تلقيح النخل (١)، وكقوله: " والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً [منها] (٢) إلا فعلت الذى حلفت عليه [وكفرت] (٣) عن يمينى "، وكقوله: " إنكم تختصمون إلى " الحديث إلى قوله: " قضيت له من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار " (٤)، وكقوله " إنى لأنسى، أو أنسى لأسن " (٥) ولم يأت عنه استدراك لشىء مما قاله أو يتبع لسهو فيه، أو غلط صدر عنه فيه.
وقوله: " ثنتان فى ذات الله، وواحدةً فى شأن سارة " إشارة أن تلك فى ذات الله وتبليغ رسالاته ومجادلة الكفرة عداه، فخصهما هنا لذلك. وقصة سارة فقد كانت فى ذات الله أيضاً لكافه مسلمة أذى مشرك وعصيان الله تعالى ومواقعة محارمه، وقد جاء ذلك مبيناً فى غير مسلم فقال: ما فيها كذبة إلا بما حل فيها عن الإسلام، أى يماكر ويجادل ويدافع.
وقد قيل: فى قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٦) تأويلات، منها: أنه ورَّى بقوله ذلك سأسقم، فإن ابن آدم عرضة للأسقام، واعتذر بقوله عن الخروج معهم إلى غيرهم بهذا القول المحتمل الظاهر. وقيل: سقيم بما قدر على من الموت. وقيل: سقيم القلب بما أشاهد من كفركم وعنادكم. وقيل: بل كانت الحمى تأخذه عند طلوع نجم معلوم، فلما رآه اعترض بعاديه، وهو معنى قوله عند هذا: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ. فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وقيل: بل عرض بسقم حجته عليهم [وضعف ما أراد بيانه لهم من جهة النجوم التى كانوا يشتغلون بها، وأنه إما نظره فى ذلك وقبل استقامة حجته عليه] (٧) فى حال سقم ومرض حال، مع أنه لم يشك ولا ضعف إيمانه، ولكن ضعف فى استدلاله وسقم نظره، كما يقال: حجة سقيمة، ونظر معلول، حتى ألهمه الله صحة حجته عليهم بالكوكب والقمر والشمس مما نصه.
وكذلك قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٨) فإنه علق خبره بشرط نطقه، كأنه قال:
стр. 4193
قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِى، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ انْصَرَفَ. فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أَمُّكُمْ يَا بَنِى مَاءِ السَّمَاءِ.
ــ
إن كان ينطق وهو فعله على طريق التنكيت لقومه، وهذا كله ليس بكذب وخارج عن حد الكذب فى حق المخبر، داخل فى باب المعاريض التى جعلها الشرع مندوحة عن الكذب عند الضرائر، ولكن سماها النبى ﷺ كذبات؛ لأنه أتى بها لمن خاطبه على ظاهرها ومعتقده خلاف ذلك، فلما كان فى حقى المخبر والخبر ظاهرها بخلاف باطنها جاءت فى صورة الكذب، وإن لم يكن كذباً فى الباطن. وهذه على صورة المعاريض. ولما جاءت بهذه الصورة سماها النبى محمد وإبراهيم ﵉ كذبات، أشفق إبراهيم ﷺ من المؤاخذة بها يوم القيامة فى الحديث المعروف فى الشفاعة.
قال أهل العلم: وهذا أصل فى جواز المعاريض، قالوا: والمعاريض شىء يتخلص به الرجل من المكروه إلى الجائز، ومن الحرام إلى الحلال، ومن دفع ما يضره. وإنما يكره له التحيل فى حق فيبطله، أو باطل فيموه به.
وفى هذا الحديث - فى قصة سارة - إجابة دعوة إبراهيم، وعلامات نبوته، ومنع الكافر ما أراده.
وقوله فى هاجر: " فتلك أمكم يا بنى ماء السماء ": قال الخطابى: إن المراد بهذا العرب؛ لانتجاعهم المطر وماء السماء للعير؛ لأن أكثرهم أصحاب مواشى، وصلاحهم بالخصب والرعى، وسيرتهم فى ذلك معلومة.
قال القاضى: والأظهر عندى أن المراد بذلك الأنصار، ونسبهم إلى جدهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وكان يعرف بماء السماء، وهو مشهور. والأنصار كلهم بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور، ويكون ذلك على قول من جعل العرب من ولد إسماعيل، وهذا مثل قوله فى الحديث الآخر لا لمسلم: " ارموا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً " (١)، وكله حجة لن يجعل اليمن والعرب كليهما من ذرية إسماعيل. وقد ترجم البخارى على هذا الحديث " باب نسبة
стр. 4194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اليمن (١) إلى إسماعيل " (٢).
وقيل: أراد بـ " بنى ماء السماء ". العرب؛ لخلوص نسبهم وصفائه. وفى الحديث قبول هدية المشرك، وقد تقدم الكلام فيها.
وقوله: " مهيم " قال الخليل: هى كلمة لأهل اليمن خاصة، معناها: ما هذا؟ قال الطبرى: معناها: ما شأنك وما أمرك.
стр. 4195
(٤٢) باب من فضائل موسى ﷺ
١٥٥ - (٣٣٩) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هَرَيْرةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ؛ وَكَانَ مُوسَى ﵇ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ. فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِل مَعَنَا إِلاَّ أَنَّه آدَرُ ". قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ ". قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِأَثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِى حَجَرُ!. ثَوْبِى حَجَرُ! حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى. فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا بِمُوسَى مِنْ بَأسٍ.
فَقَامَ الحَجَرُ بَعْدُ، حَتَّى نُظِرَ إلَيْهِ ". قَالَ: " فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ، إنَهُ بِالْحَجرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى ﵇ بِالْحجَرِ.
ــ
قوله: " كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى رجلاً حيياً يغتسل وحده، فقال بنو إسرائيل: ما يمنعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدر. فاغتسل ". قال فى الحديث الآخر: " عند مشربه "، وفى رواية العذرى: " عند مُوَيه "، " فوضع ثوبه على حجر، ففرَّ الحجر بثوبه، فجمح موسى بأثره يقول: ثوبى حجر "، وفى الحديث الآخر: " واتّبعه بعصاه يضربه، حتى نظرت بنو إسرائيل إليه، فقالوا: والله ما بموسى من بأس ". قال أبو هريرة: " والله، إنه الحجر نَدَبُ ": الأنبياء منزهون عن النقائص فى الخلق والخلق سالمون من المعايب، ولا يلتفت إلى ما قاله من لا تحقيق عنده فى هذا الباب من أصحاب التواريخ فى صفات بعضهم، وإضافة بعض العاهات إليهم، فالله تعالى قد نزههم عن ذلك ورفعهم عن كل ما هو عيب ونقص مما يغض العيون وينفر القلوب.
وفيه ما ابتلى به الأنبياء والصالحون من أذى السفهاء وصبرهم على الجهال، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ الآية (١)، وقال نبينا ﵇: " إن موسى أوذى بأكبر من هذا فصبر ".
стр. 4196
١٥٦ - (...) وحدثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَثَّنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَثَّنَا خَالِدُ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو هَرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ مُوسَى ﵇ رَجُلاً حَيِيًّا. قَالَ: فَكَانَ لاَ يُرَى مُتَجَرِّداً. قَالَ: فَقَالَ بَنُو إسْرَائِيلَ: إِنَّهُ آدرُ. قَالَ: فَاغْتَسَلَ عَنْدَ مُوَيْهٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَانْطَلَقَ الْحَجَرُ يَسْعَى، وَاتَّبَعَهُ بِعَصَاهُ يَضْرِبُهُ: ثَوْبِى، حَجَرُ! ثَوْبِى حَجَرُ! حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَلأ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، وَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (١).
١٥٧ - (٢٣٧٢) وحدثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى
ــ
وفيه أن ستر العورة لم يكن وحياً فى شرع موسى؛ إذ ذكر فإنه إنما فعل ذلك حياء، هانه لم ينكر على قومه ما كانوا يفعلونه، هان الله تعالى أظهر ذلك منه لقومه حتى نظروا إليه.
وفيه خرق العادة فى الجماد. وآيتان لموسى فى هذا الحجر عظيمتان: إحداهما: مشى الحجر بثوبه، والثانية: حصول الندب فى الحجر من ضربه بعصاه، والندب هنا: الأثر بفتح الدال، وأصله: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد.
قال الإمام: ومعنى: " جمح موِسى بأثره ": أى أسرع فى مشيه إسراعاً، لا يرد وجهه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُون﴾ (٢)، قال القاضى: أسرع وراء ثوبه. وفرس جموح: أى سريع، وهو مدح. وقد يكون ذماً، وهو الذى يركب رأسه ولا يرده لجام، وكل شىء مضى لوجهه فقد جمح كذا. وعلق وجعل وأقبل وظل معناه كله: ما زال يفعل، ويقال: طفَق وطفِق، بفتح الفاء وكسرها.
والمشربة هنا - والله أعلم - بفتح الميم، المراد بها: الشربة، وهى حفرة فى أصل النخلة، يجتمع فيها الماء لسقيها. والمشربة، بكسر الميم: الذى يشرب، فسمى مشربة. والمشربة - أيضاً -: أرض لبنة فيها نبت. والمشربة: الغرفة، هذه بفتح الراء وضمها.
ومن رواه: " مُوَيْهٍ " فهو تصغير ماء، وأراه مصحفاً من المشربة - والله أعلم - وهى روايتنا من طريق العذرى.
قال الإمام: جعل بعض المحدثين هذا الحديث حجة فى جواز نزول الرجل الماء عرياناً،
стр. 4197
هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُرْسِل ملَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇ فَلَّما جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِى إِلَى عَبْدٍ لاَ يُريدُ الْمَوْتَ. قَالَ: فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ عينَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعْ يَدَهُ عَلى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بَكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَىْ رَبِّ، ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ. فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّريقِ، تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ ".
١٥٨ - (...) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَر أَحَادِيث مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " جَاءَ ملَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇ فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ ". قَالَ: " فَلَطَمْ مُوسَى ﵇ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوَتِ فَفَقَأها ". قَالَ: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى الله - تَعَالَى، فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِى إلى عَبْدٍ لك لاَ يُريدُ الْمَوْتَ، وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِى". قَالَ:
ــ
وجمهور العلماء على إجازته. ونهى عنه ابن أبى ليلى وقال: إن للماء سكاناً واحتج للنهى بحديث ضعفه أهل العلم.
وقوله: " جاء ملك الموت إلى موسى فقال: أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ﵉ ففقأها. قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنك أرسلتنى إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عينى. قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إلى عبدى فقل: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما توارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة. قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت. قال: فالآن من قريب "، قال الإمام: هذا الحديث مما يطعن به الملحدة ويتلاعب بنقله الآثار بسببه، ويقول: كيف يجوز على نبى مثل موسى أن يفقأ عين ملك الموت؟ وكيف تنفقئ عين الملك؟ ولعله لما جاء عيسى أذهب عينه الأخرى فعمى؟ ولأصحابنا عن هذا ثلاثة أجوبة: قال بعضهم: إن الملك يتصور فى أى الصور شاء مما يقدره الله عليها، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (١)، قيل: إنه تمثل لها فى صورة رجل يسمى تقياً؛ ولهذا قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ (٢)، وقد تمثل جبريل -
стр. 4198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵇ بصورة دحية. وقال أصحاب هذه الطريقة: إن هذه الصور (١) قد يكون تخييلاً، فيكون موسى ﵇ فقئ عيناً فخيله لا عيناً حقيقة.
وهذا الجواب عندى قد لا يقنعهم، وقد يقولون: إن علم أنه ملك وأن ذلك تخيل فكيف يصكه ويقابله بهذه المقابلة وهذا لا يليق بالنبيين؟
وقال آخرون من أصحابنا: الحديث فيه تجوز، إذا حمل عليه اندفع طعن الملحدة. ومحمله عندنا: أن موسى ﵇ حاجه فأوضح الحجة لديه. وقد يقال فى مثل هذا: فقع فلان عين فلان؛ إذ غلبه بالحجة. ويقال: عورت هذا الأمر إذا أدخلت نقصاً فيه، فإذا صرف ذلك إلى غلبة موسى ﵇ بالحجة سقط الاعتراض.
وهذا أيضاً قد يبعد من ظاهر اللفظ؛ لقوله ﷺ : " فرد الله إليه عينه "، وإن قالوا معناه: فرد الله إليه حجته، كان بعيداً عن مقتضى سياق اللفظ.
وجواب ثالث، مال إليه بعض أئمتنا من المتكلمين وهذا مثل ما قالوا فيه، وهو أنه لا يبعد أن يكون موسى ﷺ أذن الله له فى هذه اللطمة محنة للملطوم، وهو سبحانه يتعبد خلقه بما شاء، ولا أحد من عباده تمنعه فضيلته بأن يتصرف بحكم التكليف فيما ساء وسر، ونفع وضر، فإذا سلمنا لهم حقيقة الحديث وحملناه على هذه الطريقة لم يبق لهم تعلق.
ويظهر لى جواب رابع وهو: أن يكون موسى ﵇ لم يعلم أنه ملك من قبل الله وظن أنه رجل أتاه يريد نفسه، فدافعه عنها مدافعة أدت إلى فقئ عينه، وهذا سائغ فى شريعتنا؛ أن يدافع الإنسان عن نفسه من أراد قتله، وإن أدى إلى قتل الطالب له، فضلاً عن فقئ عينه. وقد قدمنا فى كتاب مسلم إباحته ﷺ فقء عين من اطلع على قوم، وأنه حلال لهم فقء عينه إذا اطلع عليهم بغير إذنهم، على ما تقدم بيانه، ومعنى الحديث فيه؛ فكيف بهذا؟!
وإنما يبقى على هذا الجواب أن يقال: قد رجع إليه ثانية واستسلم موسى إليه، فدل على معرفته به. قلنا: قد يكون أتاه فى الثانية بآية وعلامة علم بها أنه ملك الموت، وأنه من قبل الله فاستسلم لأمر الله، ولم يأته أولاً بآية يعرفه بها، وكان منه ما كان، وأحسن ما اعتمد عليه فى المسألة هذا الجواب الذى ظهر لنا، أو كالجواب الثالث الذى ذكرناه عن بعض أئمتنا، وعندى أن جوابنا أرجح منه.
قال القاضى: قال بعض الشيوخ: ليس فى لطم موسى لملك الموت ما يعظم ويشنع، وليس ذلك بأعظم من أخذه برأس أخيه ولحيته وجره إياه وهو نبى [مكرم كما ذاك ملك معظم، والنبى عند المحققين أفضل من ملك، وقد نص الله - تعالى - على ذلك فأخبر عنهما به فى كتابه العزيز، ولم يعده على موسى ذنباً، ولا استغفر منه موسى، ولا أظهر
стр. 4199
" فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ عيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِى فَقُلْ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرِةٍ، فَإِنَكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً. قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ. قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ، رَبِّ أَمِتْنِى مِنْ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، رَمْيَةً
ــ
الندم عليه، ولا عتب الله ولا أخبرنا بالعتب من غيره عليه، بل نص اعتذار هارون لموسى ﵉ لا غير، وموسى فى كل ذلك فاعل فى ذات الله - تعالى - ما رآه، من جر هذا إليه ودفع ذاك عنه.
وأما فقؤه عينه، فلم يتعمد ذلك ولا فى الحديث ما دل عليه، ولكن لما لطمه حدث بقدرة الله ومشيئته عند تلك اللطمة فقء عينه، فهو الفعال لما يريد. والوجه الذى ذكر الشيخ الإمام ﵀: أنه ظهر له وحسنه وهو حسن، وهو تأويل الإمام أبى بكر ابن خزيمة وغيره من المتقدمين، وبنصه احتجاجه، وأرى الشيخ لم يكن رآه لغيره - والله أعلم.
قوله: " فرد الله عينه ": ظاهره: أن الحديث من لطمه وفقء عينه على وجهه قد يكون على ذلك التاويل الآخر؛ رد العين: إلهامه الحجة التى جاء بها بعده - والله أعلم. وقول موسى ﵇ لما خيره الله فى الحياة وتطويلها فقال: " ثم مه؟ قال: ثم تموت. قال: فالآن من قريب، رب أمتنى من الأرض المقدسة رمية بحجر ": قال أبو القاسم بن أبى صفرة: إنما سأل ذلك] (١) لتقرب عليه المشى إلى المحشر فتسقط عنه المشقة على من بعد عنه، وقيل: لينال فضل مجاورة من دفن فيه من الأنبياء والصالحين وفضل [البقعة] (٢)، وهذا أظهر، وقيل [فى قوله] (٣): قدر رمية بحجر: لئلا يكون فيها فيشتهر، بل لئلا يعرف قبره فيعبده جهال ملته.
وفيه الترغيب فى الدفن فى المواضع المباركة، والمواطن الفاضلة، والمشاهد الشريفة، والدفن فى مدافن الصالحين.
وقوله: " فما توارت يدك من شعرة " معناه: فما وارت أى سترت.
وقوله فى الذى لطم وجه اليهودى إذ قال: والذى اصطفى موسى على البشر، وقال له: تقول هذا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟! الحديث (٤). وقوله: فغضب النبى ﷺ لذلك ثم قال: " لا تفضلوا بين الأنبياء " وفى الرواية الأخرى: " لا تفضلونى على موسى "، قال الإمام: أما قوله: " لا تفضلوا بين الأنبياء " فيحتمل أن يكون ذلك قبل أن يوحى
стр. 4200
بِحَجَرٍ ". قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَاللهِ، لَوْ أَنَّى عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ ".
(...) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِمثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.
ــ
إليه بالتفضيل، وكان بعض شيوخى يقول: يحتمل أن يريد: لا تفضلوا بين أنبياء الله تفضيلاً يؤدى إلى نقص بعضهم. وقد خرج الحديث على سبب، وهو لطم الأنصارى وجه اليهودى، فقد يكون ﵇ خاف أن يفهم من هذه الفعلة انتقاص [حق] (١) موسى ﵇ فنهى عن التفضيل المؤدى إلى نقص الحقوق.
قال القاضى: وقد قيل: إن هذا منه ﵇ على طريق التواضع والبر بغيره من الأنبياء.
وقد يحتمل أن يقول هذا وإن علم بفضله عليهم وأعلم به أمته، لكن نهى عن الخوض فيه والمجادلة به؛ إذ قد يكون ذلك ذريعة إلى ذكر ما لا يجب منهم عند الجدال، وما يحدث فى النفس لهم بحكم الضجر والمراء، فكان نهيه عن المماراة فى ذلك، كما نهى عنه فى القرآن وغير ذلك. وقيل: لا يفضل بينهم فى حق النبوة والرسالة؛ فإن الأنبياء فيها على حد واحد، إذ لا تفاضل فى ذاتها وإنما التفاضل فى زيادة الأحوال، والخصوص والكرامات والرتب؛ فلذلك منهم الرسل، وأولى العزم من الرسل، ومن رفع مكاناً علياً، ومن أوتى الحكم صبياً، وأوتى بعضهم الزبر، وبعضهم الكتاب، ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات.
[تم الجزء الخامس بحمد الله وعونه، يتلوه فى الجزء السادس قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (٢)] (٣).
стр. 4201
١٥٩ - (٢٣٧٣) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِىٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ أَعْطِىَ بِهَا شَيْئًا، كَرِهَهُ أَوْ لَمْ يَرْضَهُ - شَكَّ عَبْدُ الْعَزِيزِ - قَالَ: لا، وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ! قَالَ: فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَطَمَ وَجْهَهُ. قَالَ: تَقُولُ: وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ! وَرَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ قَالَ: فَذَهَبَ الْيَهُودىُّ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ . فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ لِى ذِمَّةً وَعَهْدًا. وَقَالَ: فُلانٌ لَطَمَ وَجْهِى. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ ". قَالَ: قَالَ: يَا رَسُولَ الله، وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ! وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِى وَجْهِهِ. ثُمَّ قَالَ: " لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ الله، فَإِنَّهُ يُنْفخُ فِى الصُّورِ، فَيَصْعَقُ مَنْ فِى السَّماوات وَمَنْ فِى الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ الله ". قَالَ: " ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، أَوْ فِى أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى ﵇ آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلا أَدْرِى أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَوْ بُعِثَ قَبْلِى، وَلا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، سَوَاءً.
ــ
[بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على من لا نبى بعده] (١).
[وقوله: " إنه ينفخ فى الصور، فيصعق] (٢) من فى السماوات ومن فى الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ (٣) فيه أخرى، فأكون أول من يبعث - أو فى أول من يبعث - فإذا موسى ﵊ آخذ بالعرش، فلا [أدرى] (٤) أحوسب بصعقة
стр. 4202
١٦٠ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلانِ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَرَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِى اصْطَفَى مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى الْعَالَمِينَ! وَقَالَ الْيَهُودِىُّ: وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْعَالَمِينَ! قَالَ: فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِىِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِىُّ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا تُخَيِّرُونِى عَلَى مُوسَى، فِإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجانِبِ الْعَرْشِ، فَلا أَدْرِى أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِى، أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى الله؟ ".
ــ
يوم الطور، أو بعث قبلى؟ "، وفى الرواية (١) الأخرى: " فلا أدرى أكان فيمن صعق فأفاق قبلى (٢) [وممن كان] (٣) استثنى الله ": الصعق: الهلاك والموت، وهو الصعق والصاعقة والصعقة. وقيل: كل (٤) عذاب مهلك، ويكون - أيضاً - الغشية تعترى من فزع وخوف لسماع صوت وهول. وأصله: صوت النار وصوت الرعد الشديد، ونحوه. يقال منه: صعق الرجل وصعق، وأنكر بعضهم الضم، وصعقتهم الصاعقة، بالفتح، وأصعقتهم. وتميم تقول: الصاقعة بتقديم القاف. وهذا من أشكل الحديث؛ لأن موسى قد مات قبل، فكيف (٥) تدركه صيحة الصعق وإنما تصعق الأحياء؟!
وقوله: " ممن استثنى الله ": يدل أنه كان حيًّا، فلم يأت أن موسى ممن رجع إلى الحياة؛ ولأنه حى كما جاء فى عيسى. وقد قال ﵇: " لو شئتم أريتكم قبره إلى جانب الطور (٦) عند الكثيب الأحمر " (٧)، على أن بعض أصحاب المعانى قال: يحتمل أن موسى ممن لم يمت (٨) الأنبياء، وهذه الأحاديث ترد قوله.
стр. 4203
١٦١ - (...) وحدّثنا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ. بِمِثْلِ حَديِثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ.
١٦٢ - (٢٣٧٤) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: جَاءَ يَهُودِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ. وَسَاقَ الْحَدَيِثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " فَلا أَدْرِى أَكَانَ مِمَّنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِى، أَوِ اكْتَفى بِصَعْقَةِ الطُّورِ ".
١٦٣ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا تُخيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ ". وَفِى حَديِثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنِى أَبِى.
ــ
ويحتمل أن المراد بهذه الصعقة صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السماوات والأرضون فتستقل معانى الأحاديث والآيات وتطرد على الوجه المفهوم.
وقوله: " أفاق، [فلما أفاق] (١) ": يدل غير صعقة موت؛ لأنه إنما يقال: أفاق من الغشى، وبُعث من الموت. وصعقة الطور لم تكن موتاً. وقد ذهب إلى هذا بعض المتأولين، وقال الداودى عن بعضهم نحوه: إن هذه الصعقة فى الموقف وأن المستثنى منها الشهداء، وقال: وهذا بعيد أن تصعق الأنبياء وهم أكرم.
وأما قوله: " فلا أدرى أفاق قبلى " فيحتمل أن يكون قبل أن يعلم أنه أول من تنشق [عنه الأرض] (٢) إن حمل اللفظ على ظاهره وانفراده بذلك وتخصيصه، وإن يحمل على أنه من الزمرة الذين هم أول من تنشق عنهم الأرض، لا سيما على رواية أكثرهم بزيادة قوله: أو فى أول من [تنشق] (٣) يبعث، فيكون موسى - أيضاً - من تلك الزمرة، وهى - والله أعلم - زمرة الأنبياء.
(٤٣) باب فى ذكر يونس ﵇، وقول النبى ﷺ : " لا ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى "
١٦٦ - (٢٣٧٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدٌ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ - يَعْنِى الله ﵎: " لا يَنْبَغِى لِعَبْدٍ لِى - وَقَالَ ابنُ الْمُثَنّى: لِعَبْدِى - أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ ".
قَالَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ.
١٦٧ - (٢٣٧٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولَ: حَدَّثَنِى
ــ
وقوله: " ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن متى "، وفى الحديث الآخر - فيما يذكر عن الله تعالى -: " لا ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى"، وفى حديث آخر هو من قوله ﵇، قال الإمام: يحتمل قول النبى ﷺ هذا أن يكون قبل أن يوحى إليه بأن غير يونس بن متى أفضل منه، فلهذا امتنع أن يقول بالتفضيل ولم يوح إليه به، وهو ﵇ لم يقل هنا: إن يونس أفضل من سائر المرسلين (١) حتى يكون ذلك معارضاً فى ظاهره لقوله: " أنا سيد ولد آدم " (٢) فيفتقر إلى التأويل، ولكنه إذا قال: " لا أقول: إن أحداً أفضل من يونس [بن متى] (٣) "، وحملناه [على] (٤) ذلك قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، ثم أوحى إليه بالتفضيل. يقال له: لم يكن فى ذلك من التعارض ما يغمض فيفتقر إلى التأويل.
قال القاضى: ويدخل فى هذا من التأويلات ما تقدم فى قصة موسى، ويحتمل أن يكون قوله: " أنا " راجعاً إلى تأويل ذلك ويعنى نفسه، أى لا يظن أحد ولم يبلغ من