← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

١٥٩ - (٢٣٧٣) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِىِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِىٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ أَعْطِىَ بِهَا شَيْئًا، كَرِهَهُ أَوْ لَمْ يَرْضَهُ - شَكَّ عَبْدُ الْعَزِيزِ - قَالَ: لا، وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ! قَالَ: فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَطَمَ وَجْهَهُ. قَالَ: تَقُولُ: وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ! وَرَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ قَالَ: فَذَهَبَ الْيَهُودىُّ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ . فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ لِى ذِمَّةً وَعَهْدًا. وَقَالَ: فُلانٌ لَطَمَ وَجْهِى. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ ". قَالَ: قَالَ: يَا رَسُولَ الله، وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ! وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِى وَجْهِهِ. ثُمَّ قَالَ: " لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ الله، فَإِنَّهُ يُنْفخُ فِى الصُّورِ، فَيَصْعَقُ مَنْ فِى السَّماوات وَمَنْ فِى الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ الله ". قَالَ: " ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، أَوْ فِى أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى ﵇ آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلا أَدْرِى أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَوْ بُعِثَ قَبْلِى، وَلا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ ". (...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، سَوَاءً. ــ [بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على من لا نبى بعده] (١). [وقوله: " إنه ينفخ فى الصور، فيصعق] (٢) من فى السماوات ومن فى الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ (٣) فيه أخرى، فأكون أول من يبعث - أو فى أول من يبعث - فإذا موسى ﵊ آخذ بالعرش، فلا [أدرى] (٤) أحوسب بصعقة

стр. 4202

١٦٠ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلانِ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَرَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِى اصْطَفَى مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى الْعَالَمِينَ! وَقَالَ الْيَهُودِىُّ: وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْعَالَمِينَ! قَالَ: فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِىِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِىُّ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا تُخَيِّرُونِى عَلَى مُوسَى، فِإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجانِبِ الْعَرْشِ، فَلا أَدْرِى أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِى، أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى الله؟ ". ــ يوم الطور، أو بعث قبلى؟ "، وفى الرواية (١) الأخرى: " فلا أدرى أكان فيمن صعق فأفاق قبلى (٢) [وممن كان] (٣) استثنى الله ": الصعق: الهلاك والموت، وهو الصعق والصاعقة والصعقة. وقيل: كل (٤) عذاب مهلك، ويكون - أيضاً - الغشية تعترى من فزع وخوف لسماع صوت وهول. وأصله: صوت النار وصوت الرعد الشديد، ونحوه. يقال منه: صعق الرجل وصعق، وأنكر بعضهم الضم، وصعقتهم الصاعقة، بالفتح، وأصعقتهم. وتميم تقول: الصاقعة بتقديم القاف. وهذا من أشكل الحديث؛ لأن موسى قد مات قبل، فكيف (٥) تدركه صيحة الصعق وإنما تصعق الأحياء؟! وقوله: " ممن استثنى الله ": يدل أنه كان حيًّا، فلم يأت أن موسى ممن رجع إلى الحياة؛ ولأنه حى كما جاء فى عيسى. وقد قال ﵇: " لو شئتم أريتكم قبره إلى جانب الطور (٦) عند الكثيب الأحمر " (٧)، على أن بعض أصحاب المعانى قال: يحتمل أن موسى ممن لم يمت (٨) الأنبياء، وهذه الأحاديث ترد قوله.

стр. 4203

١٦١ - (...) وحدّثنا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ. بِمِثْلِ حَديِثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ. ١٦٢ - (٢٣٧٤) وحدّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: جَاءَ يَهُودِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ. وَسَاقَ الْحَدَيِثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " فَلا أَدْرِى أَكَانَ مِمَّنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِى، أَوِ اكْتَفى بِصَعْقَةِ الطُّورِ ". ١٦٣ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لا تُخيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ ". وَفِى حَديِثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنِى أَبِى. ــ ويحتمل أن المراد بهذه الصعقة صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السماوات والأرضون فتستقل معانى الأحاديث والآيات وتطرد على الوجه المفهوم. وقوله: " أفاق، [فلما أفاق] (١) ": يدل غير صعقة موت؛ لأنه إنما يقال: أفاق من الغشى، وبُعث من الموت. وصعقة الطور لم تكن موتاً. وقد ذهب إلى هذا بعض المتأولين، وقال الداودى عن بعضهم نحوه: إن هذه الصعقة فى الموقف وأن المستثنى منها الشهداء، وقال: وهذا بعيد أن تصعق الأنبياء وهم أكرم. وأما قوله: " فلا أدرى أفاق قبلى " فيحتمل أن يكون قبل أن يعلم أنه أول من تنشق [عنه الأرض] (٢) إن حمل اللفظ على ظاهره وانفراده بذلك وتخصيصه، وإن يحمل على أنه من الزمرة الذين هم أول من تنشق عنهم الأرض، لا سيما على رواية أكثرهم بزيادة قوله: أو فى أول من [تنشق] (٣) يبعث، فيكون موسى - أيضاً - من تلك الزمرة، وهى - والله أعلم - زمرة الأنبياء.

стр. 4204

١٦٤ - (٢٣٧٥) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنانِىِّ وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَنَّسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " أَتَيْتُ - وَفِى رِوَايَةِ هَدَّابٍ: مَرَرْتُ - عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِى عِنْد الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائمٌ يُصَلِّى فِى قَبْرِهِ ". ١٦٥ - (...) وحدّثنا عَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى - يَعْنِى ابْنَ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىَّ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلِّى فِى قَبْرِهِ ". وَزَادَ فِى حَدِيثِ عِيسَى: " مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِى ". ــ وقوله: " مررت [على موسى] (١) ليلة أسرى بى وهو يصلى فى قبره ": قد تقدم الكلام عليه أول الكتاب، عند ذكره وذكر عيسى وحجتهما، بما يغنى عن إعادته.

стр. 4205

(٤٣) باب فى ذكر يونس ﵇، وقول النبى ﷺ : " لا ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى " ١٦٦ - (٢٣٧٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدٌ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ - يَعْنِى الله ﵎: " لا يَنْبَغِى لِعَبْدٍ لِى - وَقَالَ ابنُ الْمُثَنّى: لِعَبْدِى - أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ ". قَالَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ. ١٦٧ - (٢٣٧٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولَ: حَدَّثَنِى ــ وقوله: " ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن متى "، وفى الحديث الآخر - فيما يذكر عن الله تعالى -: " لا ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى"، وفى حديث آخر هو من قوله ﵇، قال الإمام: يحتمل قول النبى ﷺ هذا أن يكون قبل أن يوحى إليه بأن غير يونس بن متى أفضل منه، فلهذا امتنع أن يقول بالتفضيل ولم يوح إليه به، وهو ﵇ لم يقل هنا: إن يونس أفضل من سائر المرسلين (١) حتى يكون ذلك معارضاً فى ظاهره لقوله: " أنا سيد ولد آدم " (٢) فيفتقر إلى التأويل، ولكنه إذا قال: " لا أقول: إن أحداً أفضل من يونس [بن متى] (٣) "، وحملناه [على] (٤) ذلك قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، ثم أوحى إليه بالتفضيل. يقال له: لم يكن فى ذلك من التعارض ما يغمض فيفتقر إلى التأويل. قال القاضى: ويدخل فى هذا من التأويلات ما تقدم فى قصة موسى، ويحتمل أن يكون قوله: " أنا " راجعاً إلى تأويل ذلك ويعنى نفسه، أى لا يظن أحد ولم يبلغ من

стр. 4206

ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ يَعْنِى ابْنَ عَبَّاسٍ - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَا يَنْبَغى لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ". وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ. ــ الذكاء والفضائل ما بلغ، أن يكون خيراً من يونس لأجل ما حكاه الله عنه، فإن درجة النبوة لا تلحق، وما جرى على يونس من الأقدار لم يحطه عن رتبة النبوة ذرة (١).

стр. 4207

(٤٤) باب من فضائل يوسف ﵇ ١٦٨ - (٢٣٧٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَعُبَيْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: " أَتْقَاهُمْ ". قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: " فَيُوسُفُ نَبِىُّ الله ابْنُ نَبِىِّ الله ابْنِ نَبِىِّ اللهِ ابْنِ خَلِيلِ الله ". قَالُوا: ــ وقوله: " أكرم الناس أتقاهم "، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: " فيوسف نبى الله ابن نبى الله [ابن نبى الله] (١) ابن خليل الله "، وفى غير هذا الحديث: " نبى ابن نبى ابن نبى ابن نبى " أربعاً، وفى الرواية الأخرى فى الرابعة: " ابن خليل الله " (٢) وهذا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فهم أربعة أنبياء على نسق. وأصل الكرم الجمع وكثرة الخير، فيوسف ﵇ قد جمع كل [مكارم] (٣) الأخلاق التى تفضل بها الأنبياء إلى شرف النبوة، وشرف النسب، وعلم الرؤيا وغيرها، وشرف الرئاسة فى الدنيا، وكونه على خزائن الأرض وحياطته وعمارتها بما أمر به من جمعه الطعام، وادخاره لنفقتهم، وكونه على خزائنهم وأرزاقهم. وقوله: " عن معادن العرب تسألونى، خيارهم (٤) فى الجاهلية خيارهم (٥) فى الإسلام إذا فقهوا ": أصل الكرم - كما قدمناه -: كثرة الخير والمنفعة. والكرم: عظم [القدر] (٦)، ومنه: أرض كريمة: طيبة النبات، ونخلة كريمة: لا تخلف حملها، وناقة كريمة: غزيرة اللبن، ولذلك سموا العنب كرمًا لكثرة حمله وسهولة جباها. ومن كثر خيره ونفعه عظم قدره، فلما سئل ﵇ عن أكرم الناس قدراً، وفهم النبى ﵊ منهم العموم؛ التفت إلى الكرم (٧) الصحيح الصادق ورفعة القدر العلية بالتقوى المؤدية باتصال الرفعة الأبدية فى الآخرة فى الدرجات العلا، فقال: " أتقاهم "، ثم لما راجعوه فهم التعيين، فقال لهم: " يوسف " لتردد رفعة القدر فيه وفى آبائه فى أربعة قرون بالنبوة، التى هى غاية رفعة البشر وأرفع درجات الرفعة فى الدنيا والآخرة وكثرة الخير وجماع منافع العاجلة والآجلة، ويجمع يوسف خصال الشرف الدنيوية

стр. 4208

لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: " فَعنْ معَادِنِ الْعَرَبِ تَسأَلُونِى؟ خِيَارُهُمْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِى الإِسْلامِ، إِذَا فَقُهُوا ". ــ والأخروية التى قدمناها. فلما بينوا له مرادهم، وفهم منهم السؤال عن قبائل العرب - أجابهم بمراعاة الأصول والأحساب، وأن الخيار فى الجاهلية من حاملى الأخلاق الحميدة، لذلك هم فى الإسلام إذا اتصفوا بكرم الدين والفقه فى الشريعة، ففى تنبيهه ﵊ إلى ذلك إرشاد إلى مراعاة الأصول والأحساب، والجرى على الأعراق، [وأن] (١) مراعاة ذلك بالدين وتمامه شريفة بالفقه، فيتضمن [من] (٢) كلامه فى الأجوبة الثلاث أن الكرم كله - عامًا وخاصًا، مجملاً ومعيناً - إنما هو بالدين من التقوى والنبوة والأعراق فيها والإسلام والفقه، فإذا تم ذلك أو ما حصل منه مع شرف الأب (٣) المعهود عند الناس، فقد كان شرت الشريف وكرم الكريم. ومعنى " معادن العرب ": أصولها. وأصل المعدن، والعدن: الإقامة، ومنه: جنة عدن.

стр. 4209

(٤٥) باب من فضائل زكرياء ﵇ ١٦٩ - (٢٣٧٩) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا ". ــ وقوله: " كان زكرياء رجلاً نجاراً ": فيه جواز اتخاذ الصنع (١) وتعليمها، وفضل صناعة النجارة.

стр. 4210

(٤٦) باب من فضائل الخضر ﵇ ١٧٠ - (٢٣٨٠) حدّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ الْمَكِّىُّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى عُمَرَ - حَدَّثَنَا سُفيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينارٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِىَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى ﵇ صَاحِبَ بَنِى إِسْرَائِيلَ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ ﵇. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوَّ اللهِ، سَمِعْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " قَامَ مُوسَى ﵇ خَطِيبًا فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَىُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ. قَالَ: فَعَتَبَ الله عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ ــ وقوله: " إن نوفاً البكالى ": كذا ضبطناه عن القاضى الشهيد أبى على بكسر الباء وتخفيف الكاف، وكذا رده علينا الحافظ أبو الحسن فى غير هذا الكتاب، وضبطناه على الفقيه أبى بحر الخشينى، والشيخ أبى بحر الأسدى بفتح الباء وتشديد الكاف، وهو ضبط الشيوخ وأصحاب الحديث، والصواب الأول. وبنو بكال من حمير، وقيل: من همدان، وإليه نسب نوف بن فضالة هذا. كذا قال ابن دريد وغيره، وهو فيما قيل: ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخته، يكنى بابن يزيد، وكان عالماً قاضيًا، وإمامًا لأهل دمشق. وقوله: " كذب عدو الله ": على طريق الإغلاظ والضجر على من قال: لا يصح، وقد قال قول نوف وغيره، والصحيح قول ابن عباس: " إن صاحب الخضر موسى نبى بنى إسرائيل " لا غير. وقوله: " سئل موسى: أى الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه " الحديث، وفى الرواية الأخرى: " بينما موسى فى قومه يذكرهم أيام الله - وأيام الله: نعماؤه وبلاؤه - إذ قال: ما أعلم فى الأرض رجلاً خيرًا أو أعلم منى، فأوحى الله إليه: إنى أعلم بالخير منه - أو عند من هو - إن فى الأرض رجلاً أعلم منك (١) "، قال الإمام: وقع فى بعض الأحاديث: " هل تعلم أحدًا أعلم منك " (٢)، فعلى هذا لا يكون عليه عتب؛ إذ حكى عما يعلم. وأما على هذه الرواية: " أى الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم " والنبى لا يقع منه الكذب، وقد أوحى الله إليه أن عبداً من عباده

стр. 4211

الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِى بِمَجْمَعِ الْبحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ مُوسَى: أَى رَبِّ، كَيْفَ لِىَ بِهِ؟ فَقِيَل لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِى مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهَ فَتاهُ - وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ - فَحَمَلَ مُوسَى ﵇ حُوتًا فِى مِكْتَل، وَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَى ﵇ وَفَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِى الْمِكْتَل، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَسَقَطَ فِى الْبَحْرِ ". قَالَ: " وَأَمْسَكَ الله عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَكَاَنَ لِلحُوتِ سَرَبًا، وَكَانَ لمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلتَهمَا، وَنَسِىَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى ﵇ قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ " (١) قَالَ: " وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِى أُمِرَ بِهِ ". قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ (٢). قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (٣). قَالَ: " يَقُصَّانِ ــ أعلم منه، فيكون المحمل أنه أراد: أنا أعلم فيما يظهر لى، ويقتضيه شاهد الحال، ودلالة نبوته ﵊ لأنه كان من النبوة بالمكان الرفيع والعلم من أعظم المراتب، فقد يعتقد أنه أعلم الناس لهذه الجهة، وإذا كان قوله: " أنا أعلم " مراده به فى اعتقادى لم يكن خبره به كذباً. وقد اضطرب العلماء فى الخضر، هل هو نبى أم لا؟ واحتج من قال بنبوته بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ (٤)، فدل على أن الله يوحى (٥) إليه بالأمر وهذه النبوة. وفصل الآخرون عن هذا بانه يحتمل أن يكون نبى غيره أمره بذلك عن الله تعالى، وقصارى ما فى الآية أنه ما فعله عن أمره، ولكن إذا كان المراد عن أمر الله تعالى فمن المبلغ له ليس فى الآية تعيين فيه، وقد يحتج بنبوته بكونه أعلم من موسى، ويبعد أن يكون الولى أعلم من النبى. وقوله: " عتب الله عليه ": يشبه أن يراد به أنه لم يرض قوله شرعاً وديناً. وأما العتب بمعنى المؤاخذة وتغير النفس، فلا يجوز على الله - سبحانه. قال القاضى: وقيل: إن مراد موسى بقوله: " أنا أعلم " بما تقتضيه وظائف النبوة،

стр. 4212

آثارَهُمَا، حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرأَى رَجُلاً مُسَجى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى. فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِى إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَكَهُ الله لا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَنِيهِ لا ــ وأمور الشريعة وسياسة الأمة، والخضر أعلم منه بأمور أخر مما لا يعلمها أحد إلا بإعلام الله، من علوم غيبه بالقصص المذكورة فى خبرها، وكان موسى أعلم على الجملة والعموم بما تقدم مما لا يمكن جهل الأنبياء لشىء منه، والخضر أعلم على الخصوص بما أعلم من محنات الغيب، وحوادث القدر، وقصص الناس مما لا يعلم منه الأنبياء إلا ما أعلموا به، مما استأثر الله به من غيبه، وما قدره وسبق فى علمه مما كان، ويكون فى خلفه؛ ولذلك قال الخضر فى الحديث: " أنت على علم من علم الله علمكه لا تعلمه " (١)، ألا تراه كيف لم يعرف أنه موسى نبى بنى إسرائيل [حتى عرفه بنفسه أفلم يعرفه الله به، وهذا مثل قول نبينا ﵇] (٢): " إنى لا أعلم إلا ما علمنى ربى "، وقد قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (٣). وقيل فى قوله: " وعتب الله عليه ": أى [إذ] (٤) لم يرد العلم إليه كما ردته الملائكة لقولهم: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (٥)، ولئلا يقتدى به غيره فى تزكية نفسه، والعجب بحاله فيهلك. وقيل: كان موسى أعلم من الخضر فيما أخذ عن الله، والخضر أعلم فيما دفع إليه موسى، وقيل: إنما ألجئ موسى إلى الخضر للتأديب لا للتعليم. وفى حديث الخضر وموسى جواز إخبار الرجل عن نفسه بالفضل والعلم، إذا احتاج إلى ذلك لمعنى دينى، أو لمصلحة دنيوية، لا ليقصد به الفخر والكبر، كما قال ﵊: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " (٦)، وكما قال: " أنا أتقاكم لله، وأعلمكم بما اتقى، وأشدكم له خشية " (٧). ومعنى " يعتب الله عليه ": أى وأخذه به وعنفه عليه. وأصل العتب: المؤاخذة، يقال منه: عتب عليه إذا واخذه بذلك، وذكره له، قيل: عاتبه.

стр. 4213

تَعْلَمُهُ. قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رَشْدًا. قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا. قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (١) قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى اُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (٢). قَالَ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ ــ وسؤال موسى ربه لقيا الخضر، استدل به أهل العلم على الرحلة فى طلب العلم، وازدياد العالم لعلمه منه، وفيه فضل طلب العلم والتزيد منه، ومعرفة حق من عنده زيادة علم. وفى تزوده بالحوت، جواز اتخاذ الزاد فى السفر، وكان له فى طى ذلك آية وعلامة للقاء (٣) الخضر. وفى شرط الخضر عليه ألا يسأله عن شىء حتى يحدث له منه ذكراً، الأدب مع العالم وترك سؤاله؛ إذا نهاه عنه لسبب يقتضيه، وأخذ العفو منه، والوقوف عند حده. وفى اعتذار موسى له بالنسيان فى الأولى والتزامه له فى الثانية إن سأله ثالثة فراق، دليل على لزوم الوقوف عند حد العلماء، وترك الاعتراض على المشايخ، ولزوم الأدب معهم، والتسليم لهم، لاسيما إذا حققوا قصورهم عن معرفة ما عندهم، كما كان حال موسى من عدم علم ما علمه الخضر من ذلك. وفيه حرص موسى على العلم، وأن حرصه على ذلك ومحبته له وتعجيل فائدته أوجب تبيانه لشرط الخضر فى ترك السؤال، ولذلك قال ﵇ فى الحديث: " وددت أن موسى صبر حتى يقص الله علينا من أخبارهما ". وفى قول الخضر لموسى: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: احتج به مشايخنا على أن الاستطاعة لا تتقدم (٤) الفعل، خلافاً للقدرية، وهو مما يحتج به من قال بثبوته، أو من يقول بالكرامات للأولياء وصدق فراستهم، لإخباره عن حاله من قلة الصبر. وكان كذلك حين قال له: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، ومثله قوله فى الحائط وكان مائلاً فأقامه بيده، وأن تحته كنز اليتيمين هذا فأقامه. وفى إعلامه بأن وراء السفينة ملكاً يأخذ كل سفينة غصباً، وما أخبر من حال الغلام

стр. 4214

الْبَحْرِ، فَمَرَّتُ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا؛ فَعَرفُوا الْخَضِرَ فَحَملُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ (١). قَالَ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (٢) ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ برَأسِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ. فَقَالَ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نَكْرًا. قَالَ أَلَمْ أَقُلَ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (٣) قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى. قَالَ: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا. فَانطَلَقَا ــ وقصة أبويه، وكله مما لا يعلمه إلا نبى أو ولى صفى بوحى من الله، أو إلهام وبحديث ملك. وفى فراقهما بعد ثلاث قصص، حجة على أن ثلاثة مجالس أو ثلاث مقالات أو ثلاثة أيام، أو ثلاثة آجال، فى الاعتذارات، والانتظار، والتلوم، والإحسار، والعهد وغير ذلك منها فى ضرب الأجل، وكذلك فى استتابة المرتدين، وتكرار الخصومات مع الوكيل، واجتناب المضرات وأصل الخيار عند بعض العلماء، وإنذار حيات البيوت، والاستئذان، وتشميت العاطس، وأمد المهاجرة، وإقامة المسافر مما جاء منه فى كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﵊ وارتضاه أئمة الفقهاء لمصالح الأمة. وفى خبرهما جواز الاستطعام والسؤال عند الحاجة، والاستئجار على البناء، وأكل مثل ذلك لقوله: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٤)، وجواز استئجار السفن لقوله: أدخلونا (٥) بغير نول، فدل على جواز النول. وفيه إكرام الفاضل، والعالم وخدمته، وجواز محاشاته مما يلزم غيره، وترفيهه عما لا يرق به غيره. وفيه الحكم بالظاهر فى الأمور حتى يتبين خلافها؛ لقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّة﴾. وفيه إنكار المنكر والشدة فيه، والغلظة على فاعله؛ لقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾. وفيه استقباح الإساءة للمحسن؛ لقوله فى أصحاب السفينة إذ خرقها: " حملونا بغير نول ".

стр. 4215

حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (١). يَقُولُ: مَائِلٌ. قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَأَقَامَهُ. قَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ (٢). قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " يَرْحَمُ الله مُوسَى، لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا ". قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " كَانَتِ الأُوَلَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا ". قَالَ: " وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ نَقَرَ فِى الْبَحْرِ، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِى وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ الله، إِلا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ ". قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ يَقْرَأُ: وَكَان أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا. وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كَافِرًا. ــ وإنكار مكافأة المسلمين بالإحسان فى بعض الأمور، لاسيما عند الحاجة، وأن المعروف إنما يجب أن يوضع عند العلة لقوله: " قوم أتيناهم فلم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه أجراً ". وفى قول الخضر أولاً: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إنَّكَ﴾ (٣) وفى الثانية: ﴿لَمْ أَقُلْ لك﴾ (٤) وفى الثالثة: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِك﴾ لين الكلمة، والإغضاء للمتعلم أولاً وإن خالفه واعترض، وكذلك الصفح عن ذى المظلمة ممن لم يعرف منه قبل، فإن عاد زجر وأغلظ له القول، وهو كقوله له فى الثانية: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لك﴾ قال فى الحديث: " وهذه أشد من الأولى "، فإن عاد الثالثة عوقب بالهجر والإبعاد أو غيره من العقاب. وأختلف العلماء فى أيهما أشد من قول موسى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا [إِمْرًا] (٥)﴾ (٦) وهو نكراً؟ فقيل: " إمرًا " أشد من " نكرا "؛ لأن الشىء الإمر العظيم، فإن فى خرق السفينة هلاك جماعة وإفساد أموالهم، وليس فى قتل الغلام إلا هلاك واحد. وقيل: النكر أشد؛ لأنه قاله عند مباشرة القتل، وتحقق وفاة النفس، والأولى مظنونه، وقد يسلمون كما كان، وليس فيه تحقق إلا إفساد المال من خرق السفينة.

стр. 4216

١٧١ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى الَّذِى ذَهَبَ يَلْتَمِسُ العِلْمَ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِى إِسْرَائِيلَ. قَالَ: أَسَمِعْتَهُ يَا سَعِيدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: كَذَبَ نَوْفٌ. ١٧٢ - (...) حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " إِنَّهُ بَيْنَمَا مُوسَى ﵇ فِى قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ الله - وَأَيَّامُ الله نَعْمَاؤُهُ وَبَلاؤُهُ - إِذْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ فِى الأَرْضِ رَجُلاً خَيْرًا أَوْ أَعْلَمَ مِنِّى ". قَالَ: " فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ: إِنِّى أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ مِنْهُ، أَوْ عِنْدَ مَنْ هُوَ، إِنَّ فِى الأَرْضِ رَجُلاً هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، فَدُلَّنِى عَلَيْهِ ". قَالَ: " فَقِيلَ لَهُ: تَزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا، فَإِنَّهُ حَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ ". قَالَ: " فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ ــ وقوله: " فحمل حوتاً فى مكتل ": المكتل، بكسر الميم: الزنبيل وهى القفة. وقوله: " فأمسك الله عنه جرية الاء حتى كان مثل الطاق ": الطاق: عقد البناء، وحمعه طيقان وأطواق، وهى الأزاج والأقواس، وما عقد أعلاه من العلو (١) وتحته خالياً، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ (٢)، والسرب: شق تحت الأرض، ومنه سرب الثعلب، وهذا مثل قوله فى الحديث الآخر: " فاضطرب الحوت، فجعل لا يلتئم عليه الماء صار مثل الكوة ". الكوة بفتح الكاف أشهر منها بضمها، وقد حكى الضم، وأخبرنا بعض مشايخنا عن أبى العلاء المعرى أنه كان يقول: إذا كانت نافذة فهى بالفتح، وإذا كانت غير نافذة [فهى] (٣) بالضم. وقوِله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: قيل: المراد بذلك موسى، فأضيف النسيان إليه، كما قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (٤)، فإنما يخرج من الملح لابن الجلود، قيل: نسيان موسى هنا أنه لم يتقدم ليوشع فتاه بالتعهد له ومن يوشع حقيقة. وقوله: ﴿نَصَبًا﴾: أى تعبا. وقوله: " فإذا هو بالخضر مسجى ثوباً " (٥): أى مغطى به كله، كتغطية الميت [وجهه

стр. 4217

حَتَّى انْتَهيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَعُمِّىَ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ وَتَرَكَ فَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِى الْمَاءِ، فَجَعَل لا يَلتَئمُ عَلَيْهِ، صَارَ مِثْلَ الْكُوَّةِ ". قَالَ: " فَقَالَ فَتَاهُ: ألا أَلْحَقُ نَبِىَّ الله فَأَخْبِرَهُ؟ " قَالَ: " فَنُسِّىَ، فَلَمَّاَ تَجَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (١) ". قَالَ: " وَلَمْ يُصِبْهُمْ نَصَبٌ حَتَّى تَجَاوَزَا ". قَالَ: " فَتَذكَّرَ. قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِية إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا. قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (٢). فَأَرَاهُ مَكَانَ الْحُوتِ. قَالَ: هَهُنَا وُصِفَ لِى ". قَالَ: " فَذَهَبَ يَلْتَمِسُ، فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِرِ مُسَجى ثَوْبًا، مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْقَفَا - ــ ورجليه وجميعه، ألا تراه كيف قال: " فكشف الثوب عن وجهه ". وأصله، (٣) من سجا الليل: إذا غطى سواده النهار، وقد جاء فى كتاب البخارى مبيناً، قال: " قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه " (٤). وقوله: " مستلقياً على القفا - أو [قال] (٥): على حلاوة القفا " بفتح الحاء. قال صاحب العين: هو وسطه. فيه جواز النوم كذلك وهو الاستلقاء. والاستلقاء [بل هو] (٦) مستحمب عند بعضهم للتفكير فى ملكوت السماوات والأرض. يقال: حَلاوة القفا وحُلاوة القفا، بالفتح والضم. وقال أبو عبيد: بالضم، قال: ويجوز بالفتح وليس بمعروف، وحلاوة القفا بالفتح ممدود، وحلاوى بالضم مقصور. وحكى أبو على: حلاوا [القفا] (٧) ممدود أيضاً. وفى بعض روايات البخارى: أنه وجده على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه (٨). وكبد البحر: وسطه، وكبد كل شىء: وسطه. والطنفسة: بساط صغير كالنمرقة، يقال بكسر الطاء والفاء وضمهما، وبكسر الطاء وفتح الفاء، وهو الأصح. وحكى أبو حاتم فتح الطاء وكسرها. وقوله: " فقال - يعنى موسى -: [عليكم السلام] (٩) ": فيه تسليم الماشى والمجتاز على المقيم، والقاعد والمضطجع. ورد الخضر عليه [ثم] (١٠) قال: " أنّى بأرضك السلام؟! "، أى من أين يأتى، بمعنى حيث وكيف وأين ومتى. وهذا يدل أن السلام لم يكن عندهم معروفاً إلا فى خاصة الأنبياء والأولياء، أو كان موضع لقياهم ببلاد

стр. 4218

أَوْ قَالَ: عَلَى حُلاَوَةِ الْقَفَا - قَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، قَالَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: وَمَنْ مُوسَى؟ قَالَ: مُوسَى بَنِى إِسْرَائِيلَ. قَالَ: مَجِىءٌ مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِتُعَلمَنِى مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ (١). شَىْءٌ أُمِرْتُ بِهِ أَنْ أَفْعَلَهُ إِذَا رَأَيْتَهُ لَمْ تَصْبِرْ. قَالَ: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا. فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ (٢). قَالَ: انْتَحَى عَلَيْهَا. قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُفْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (٣). فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ. قَالَ: " فَانْطَلَقَ إِلَى ــ الكفر ومن لا يعرف السلام. وقوله: " يجىء ما جاء بك ": كذا ضبطناه مرفوعاً غير منون عن أبى بحر، ومنوناً عند غيره، وتنوينه أظهر، ومعناه: أى يجىء لأمر عظيم جاء بك، وقد تجىء " ما " للتعظيم والتهويل لقوله: " لأمر ما تدرعت الدروع، ولأمر ما سود من سود " (٤)، ويكون " جاء بك " خبر هذا المبتدأ. وقوله: " فحملوهما بغير نول "، قال الإمام: يعنى بغير جعل. والنول والنوال: العطاء. وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: الإمر: العجب، والإمر من أسماء الدواهى. قال القاضى: وقيل: النوال (٥): الجعل. والنال والنيل والنوال: العطاء ابتداء. وقوله: " فانتحى عليها ": يريد السفينة، يريد: اعتمد عليها وقصد خرقها. قيل: وفى خرقه السفينة مخافة أخذ الغاصب لها حجة فى النظر فى المصالح للخلق فى [أخف] (٦) الشرين، والإغضاء على بعض المناكر مخافة أن يتولد من تغييرها ما هو أشد وأكبر، وجواز فساد بعض المال لصلاح بقيته. وفيه خصاء (٧) بعض الأنعام لسمنها وقطع بعض آذانها لتتميز. وفى قتل الغلام دليل على مراعاة الذرائع وقطع أسباب الشر.

стр. 4219

أَحَدِهِمْ بَادِىَ الرَّأىِ فَقَتَلَهُ، فَذُعِرَ عِنْدَهَا مُوسَى ﵇ ذَعْرَةً مُنْكَرَةً. قَالَ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَّاكية بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ (١). فَقَالَ رسُولُ الله ﷺ عنْدَ هَذَا الْمَكَانِ -: " رَحْمَةُ الله عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى، لَوْلا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ. قَالَ: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾ (٢) وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَبَ ". قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الأَنْبِيَاءِ بَدأَ بِنَفْسِهِ: " رَحْمَةُ الله عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِى " كَذَا: رَحْمَةُ الله عَلَيْنَا. " فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتيا أَهْلَ قَرْيَةٍ لِئَامًا فَطَافَا فِى الْمَجَالِسِ فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ﴿فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ (٣) وَأَخَذَ بِثَوْبِهِ. قَالَ: ــ وقوله: ﴿غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾: دليل على أنه كان غير بالغ. قال أهل اللغة: [الغلام: اسم للمولود من حين يولد إلى أن يبلغ، فينقطع عنه] (٤) اسم الغلام، وهذا يرد على من ذكر أن الغلام صاحب الخضر كان بالغاً واحتج بقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ إذ لا يقتص إلا من بالغ. ولا حجة له فى ذلك؛ إذ لا يعلم كيف كان شرعهم فى ذلك، ولعله كان عموماً فى كل نفس، بل الظاهر أن قوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ تنبيه على إنكار قتله لمن لا يجب قتله عنده إلا للقصاص وحده. واحتج - أيضاً - قائل ذلك بقوله: " وكان كافراً " فى قراءة من قرأ كذلك، وِلا حجة فيه؛ إذ لم يثبت فى المصحف، ولأنه سماه بمآل أمره. وفى قوله: ﴿بِغَيْرِ نفْسٍ﴾ دليل على القصاص، وأنه كان فى شرع من قبلنا مشروعًا. وقوله فى الرواية الأخرى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا﴾ غلماناً يلعبون، فانطلق إلى أحدهم بادى الرأى فقتله. كذا عند شيوخنا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْي﴾ (٥)، قرئ بالهمز والتسهيل، فمن همز فمعناه: ابتداء الرأى وأوله، ومعناه فى هذا الحديث: أنه انطلق إليه مسارعاً لقتله دون روية، ومن لم يهمز فمعناه فى الآية: ظاهر الرأى، وهنا أيضاً ظهر له رأى فى قتله من البداء، وهو ظهور رأى بعد آخر، ويُمَدُّ البداء ويقصر، يقال: بدا لى أن أفعل كذا: أى ظهر. وقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زاكية﴾ وقرئ: ﴿زَكِيَّةً﴾: أى طاهرة لم تذنب ولم يبلغ الخطايا. وهذا يصحح كونه غير بالغ.

стр. 4220

﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ (١). " فَإِذَا جَاءَ الَّذِى يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً فَتَجَاوَزَهَا فَأَصْلحُوهَا بِخَشَبَةٍ. وَأَمَّا الْغُلامُ فَطُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغيَانًا وَكُفْرًا ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ (٢). (...) وحدّثنا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ. ح وَحدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، كِلاَهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ. بِإِسْنَادِ التَّيْمىِّ عَن أَبِى إِسْحَاقَ، نَحْوَ حَدِيْثِهِ. ١٧٣ - (...) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَرَأَ: " لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ". ١٧٤ - (...) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ تَمَارَى ــ وقوله: ﴿فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ (٣): قيل: هو من قول الخضر، والخشية هنا على بابها، وقيل: هو من قول الله ، ومعنى " خشينا ": عدمنا، وقيل: كرهنا. ومعنى ﴿يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: أى يلحق ذلك بهما. وقيل: يحملهما عليه، ومعنى ﴿طُغْيَانًا﴾: أى زيادة فى الكفر واستكثارًا منه، وأصل اللفظة الزيادة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ﴾ (٤). وقوله: ﴿خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً﴾: قيل: إسلامًا، وقيل: صلاحًا. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: قيل: رحمة بوالديه [وبرًا] (٥)، وقيل: ترحمًا به، وقيل: هو من الرحم والقرابة. قيل: كانت أنثى، وقيل: ذكرًا. وقوله: " وكان الغلام طبع [يوم طبع] (٦) كافراً ": فيه حجة بينة لأهل السنة ومذهبهم فى الطبع والدين والأكنة والأغشية والحجب والسد، واشتباه هذه الألفاظ الواردة

стр. 4221

هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفِزَارِىُّ فِى صَاحِبِ مُوسَى ﵇. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْخَضِرُ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِىُّ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، هَلُمَّ إِلَيْنَا، فَإِنِّى قَدْ تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِى هَذَا فِى صَاحِبِ مُوسَى الَّذِى سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأنَهُ؟ فَقَالَ أُبَىٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " بَيْنَمَا مُوسَى فِى مَلأ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لا، فَأَوْحَى الله إلَى مُوسَى: بَلْ عَبْدُنَا الْخَضِرُ ". قَالَ: " فَسَأَلَ مُوسَىَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ الله لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا افْتَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ. فَسَارَ مُوسَى مَا شَاءَ الله أَنْ يَسِيرَ، ثُمَّ قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ (١). فَقَالَ فَتَى مُوسَى - حِينَ سَأَلَهُ الْغَدَاءَ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (٢). فَقَالَ مُوسَى لِفتَاهُ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (٣). فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأنِهِمَا مَا قَصَّ اللهُ فِى كِتَابِهِ ": إِلا أَنَّ يُونُسَ قَالَ: فَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِى الْبِحْرِ. ــ فى الشرع من أفعال الله تعالى بقلوب أهل الكفر والضلال. ومعنى ذلك عندهم: خلق الله فيها ضد الإيمان وضد الهدى، وهذا على أصلهم فى أن العبد [لا قدرة] (٤) له إلا ما أراده الله وقدره عليه وخلقه له، خلافاً للمعتزلة والقدرية القائلين بفعل العبد من قبل نفسه، وقدرته على الهدى والضلال، والخير والشر، والإيمان والكفر. وأن معنى هذه الألفاظ تسمية الله لأصحابها وحكمه عليهم بذلك، أو خلقه تعالى على مذهب آخرين منهم علامة لذلك فى قلوبهم، أو كتبه كتابة بذلك فيها تعلم مها الملائكة الفرق بين المؤمن والكافر، أو تيسير أسباب الكفر والضلال المفضية لما قدر عليه من ذلك عند آخرين، أو خلقه ذلك عند المعتزلة فى الكفار بعد كفرهم؛ عقوبة لهم على ما ارتكبوه من كفرهم، ومنعهم من الرجوع إلى الإيمان بعده، ويخرجون عندهم عن أن يؤمروا بالإيمان أو ينهوا عن الكفر، وهذا الهوس لا ينجيهم، ولا يخلصهم من نقض أصلهم فى التعديل والتجويز ومخالفة مذهبهم فيه الذى بنوا عليه ضلالتهم. والحق الذى لا امتراء فيه أن الله يفعل ما شاء كما فى مبتدأ الذرء: " هؤلاء للجنة ولا أبالى، وهؤلاء للنار ولا أبالى " (٥) فالذى قضى أنهم للنار طبع وختم على قلوبهم وغشاها وأكنها، وجعل من بين أيديها سدًا ومن خلفها سدًا وحجابًا مستوراً، وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقراً، وفى قلوبهم مرضاً؛ ليتم سابقته فيهم وتمضى كلمة

стр. 4222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قضاء عليهم، لاراد لحكمه ولا معقب لقضائه، [سبحانه] (١) لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يشاؤون إلا أن يشاء الله. وقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ (٢): [أى] (٣) يسقط بسرعة. قال الكسائى: إرادة الجدار هنا ميله، وقيل: هو على مجاز كلام العرب، واستعارتنا اللفظ [هنا ميله، وقيل: هو] (٤) لا يطابق معناه، وتشبيه منتهاه، فلما قرب الحائط من الانقضاض كان كمن يريد أن يفعل ذلك. وقوله " ولكن أخذته من صاحبه ذمامة " بفتح الذال المعجمة. قيل: معناه: استحياء، وقيل: هو من الذمام، أى لا كان [شرطه] (٥) عليه من الفراق، وأنه لا يسأله عن شىء بعدها، قال ذو الرمة: أو تقضى ذمامة صاحب ويقال: أخذته من مذمة بالفتح والكسر معاً، وقيل: فى ذِمَّتِكَ هذا أو يقضى ذمامة، ويكافئه عليه ويطرح عنه الذم لترك مكافأته، وهذا حسن هنا لائق بهذا المكان، وذلك أنه اعتذر له أولاً [بالنسيان] (٦)، كما قال الله تعالى عنه، وكما جاء فى الحديث: " كانت الأولى من موسى نسياناً "، وقيل: إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام، قاله أبى ابن كعب. ولم ينس فى الثانية فلم يعتذر بذلك واستحيى منه، وقال له: ﴿إن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي﴾ (٧). هذه معنى الذمامة، أى الاستحياء من تكرار مخالفته، وقد روى مثل هذا عن النبى ﵊ قال: " استحى نبى الله موسى "، ويكون منِ الذم بمعنى اللوم، قال صاحب العين: وذممته ذماً: لمته، ويعضده قول الخضر هنا: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِك﴾ (٨). وقوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ (٩): قيل: كان لوحًا من ذهب، فيه مكتوب فى جانب منه: " بسم الله الرحمن الرحيم. عجبت لمن أيقن بالقدر ثم يغضب (١٠)، عجبت لمن أيقن بالموت ثم يضحك (١١) "، وفى رواية: " عجبت لمن أيقن بالموت ثم أمِن "، وفى الرواية الأخرى: " عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها " (١٢)، وفى الرواية الأخرى: " أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدى ورسولى "، وفى الشق الآخر: " أنا

стр. 4223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الله الذى لا إله إلا أنا وحدى، لا شريك لى، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأخدمته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأخدمته على يديه ". وقيل: كان الكنز مالاً مدفوناً، وقيل: الموضع الذى التقيا فيه وهو مجمع البحرين، الذى نص الله عليه. قال أبى بن كعب: إفريقية. وقال ابن سيرين: القرية هى الأيلة، ورأيت فى الكتاب المظفرى أنها قرية خلف الأندلس، ورواه عن الطبرى. وقوله آخر الحديث: " وجاء عصفور حتى وقف على حرف السفينة، ثم نقر فى البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمى وعلمك من علم الله إلا مثل ما نمص هذا العصفور من البحر " (١): هذا على طريق التمثيل، وعلم الله لا يدخله النقص والزيادة. والمراد [ها] (٢) هنا راجع إلى ما أخذ العصفور لا يظهر أنه نقص من البحر شيئاً لقلته فى كثرة ماء البحر وعظمته، كما لا يظهر هذا ولا يبين، حتى كأنه لم يأخذ شيئاً، كذلك ما أعلمه أنا وتعلمه أنت من معلومات الله، لا تجزئ هذه النقطة التى أخذ العصفور من البحر. ونسبة ذلك إلى معلومات الله فى التمثيل نسبة تلك إلى البحر، وهذا كقوله: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (٣). وذكر النقص هاهنا على المجاز، أو يرجع فى حقهما، أى ما نقص علمنا مما جهلنا من معلومات الله إلا مثل هذا فى التقدير والقلة. وقد جاء نحو ما أشرنا إليه من التمثيل مفسراً فى حديث ابن جريج فى البخارى، فقال: " ما علمى وعلمك فى جنب علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر " (٤). فأوقع العلم هنا موقع المعلوم، وقد يؤتى بالمصدر مكان المفعول كقولهم: درهم ضرب الأمير. [وقال بعض من أشكل عليه هذا اللفظ] (٥): والمعنى المراد بإلا هنا ولا: أى ما نقص علمى وعلمك من علم الله، ولا ما أخذ هذا العصفور من البحر، أى أن علم الله لا ينقص ولا يجوز ذلك عليه وهذا لا يضطر إليه لما بيناه. وقوله ﷺ : " رحمة الله علينا وعلى أخى موسى "، وقوله: وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه: " رحمة الله علينا وعلى أخى فلان ": فيه جواز بداية الإنسان بنفسه فى الأدعية وأشباهها، بخلاف ما يكون من أمور الدنيا، فإن تأخير الإنسان فيه نفسه وتقديم اسم غيره أدب.

стр. 4224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واختلف السلف فى البداية بعنوان الكتاب، فذهب كثير منهم إلى تقديم الكاتب اسمه على اسم المكتوب إليه [ما كان. وذهب آخرون إلى تقديم اسم المخاطب المكتوب إليه] (١)، إلا مثل الأمير إذا كتب لمن دونه، والأب لابنه أو عبده، وما أشبه هذا. قال بعض العلماء: وفى قصة موسى والخضر أصل من أصول الشريعة عظيم، فى أنه لا حجة للعقول عليها، وأن لله أسرار فيها يطلع على بعضها، ويخفى ما شاء منها، وحكماً هو أعلم بمراده بها، فلا يجب الاعتراض بالعقول على ما لا يفهم منها، ولا ردها كما فعل أهل البدع؛ بل يجب التسليم لما صح وثبت من ذلك. وفيه أنه لا تحسن العقول ولا تقبح؛ وإنما ذلك للشرع، ألا ترى إلى ظهور قبع قتل الغلام، وخرق السفينة فى الظاهر؛ ولهذا اشتد نكير موسى لذلك، فلما أطلعه الخضر على سر ذلك ومراد الله فيه، وأن ذلك لم يقضه عن أمره، بان له وجه الحكم فيه، وكل ذلك محنة من الله وابتلاء لعباده؛ ليميز الخبيث من الطيب، وليبلو إسرارهم. وفى إخباره عن حالة السفينة لو لم تخرق من غصب الملك لها، وحالة الغلام لو لم يقتل وكبر، من إرهاق أبويه طغياناً وكفراً، دليل على [أن] (٢) مذهب أهل الحق فى علم الله بما لا يكون. وفى جملة هذه القصة علامات كثيرة وآيات بينة للأنبياء والأولياء، وخرق العادة لهم، لاسيما على من لا يقول بنبوة الخضر، ويرى أنه ولى من أولياء الله وصفى من أصفيائه.

стр. 4225

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة رضى الله تعالى عنهم (١) باب من فضائل أبى بكر الصديق رضى الله عنه ١ - (٢٣٨١) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَعبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ - قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِنَا وَنَحْنُ فِى الْغَارِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ. فَقَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْن الله ثَالِثُهُمَا ". ــ فضائل الصحابة قال الإمام أبو عبد الله: أما تفضيل الصحابة بعضهم على بعض، فقد ذهب فرقة إلى الإمساك عن هذا، وأنه لا يفضل بعضهم على بعض، وقالت: هم كالأصابع فى الكف، فلا ينبغى أن نتعرض للتفضيل بينهم. وقال من سوى هؤلاء بالتفضيل، واختلفوا فيه اختلافاً كثيراً. فالخطابية تفضل عمر بن الخطاب، والراوندية تفضل العباس، والشيعة تفضل علياً، وأهل السنة تفضل أبا بكر - رضى الله عنهم. واختلف القائلون بالتفضيل، هل الذى يذهبون إليه من مقطوع به أم لا؟ وهل هو فى الظاهر والباطن أم فى الظاهر خاصة؟ فذهبت طائفة إلى أن المسألة مقطوع بها، وحكى عن أبى الحسن الأشعرى ميل إلى هذا، وأن الفضل مرتب فى الأربعة على حسب ترتيبهم فى الإمامة. وأما القاضى أبو بكر بن الطيب (١) فإنه يراها مسألة اجتهاد، ولو أهمل أحد العلماء النظر فيها أصلاً حتى لم يعرف فاضلاً من مفضول ما حرج ولا إثم، بخلاف سائر الأصول التى الحق فيها واحد، ويقطع على خطأ المخالف، وهذه لا يقطع فيها على خطأ

стр. 4226

٢ - (٢٣٨٢) حدّثنا عَبْدُ الله بْنِ جَعْفَرِ بْن يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَلَسَ عَلَى الْمَنْبَرِ فَقَالَ: " عَبْدٌ خَيَّرَهُ الله بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ ". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَبَكَى. فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. قَال: فَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ اعْلَمَنَا بِهِ. ــ من خالف من المجتهدين. وفى المدونة: سئل مالك: أى الناس أفضل بعد نبيهم ﵊؟ فقال: أبو بكر. ثم قال: أو فى ذلك شك؟ فقيل له: فعلى وعثمان؟ قال: ما أدركنا أحدًا ممن اقتدى به يفضل أحدهما على صاحبه، ونرى الكف عن ذلك. وقول مالك: " أو فى ذلك شك؟ " كان (١) يشير به إلى المذهب الذى حكيناه عن القائلين بالقطع، ولكنه أشار إلى التوفيق بين على وعثمان، وهذا مساهمة لمن حكينا عن الوقف [فى الكل] (٢) وللمرخصة مالك بهذين. وقد مال إلى قريب من هذا أبو المعالى فقال: أبو بكر ثم عمر، ويتحالج الطيور فى عثمان وعلى - رضى الله عنهم - وهذا اللفظ نحو ما وقع لمالك. وأما الحكم بالتفضيل ظاهرًا خاصة أو باطناً وظاهرًا، فإن فى ذلك قولين للعلماء. والقاضى أبو (٣) الطيب نصر كل واحد من المذهبين واحتج له، ولكن تعويله فى ظاهر كلامه على أنه حكم بالظاهر لا بالباطن عند الله سبحانه. وقد يكون من يظهر لنا أنه أفضل من غيره ذلك الغير عند الله أفضل منه، ولذلك وقع الاختلاف بين العلماء فى عائشة وفاطمة - رضى الله عنهما - أيتهما أفضل؟ واحتجت [كل] (٤) طائفة بما وقع من التفضيل لمن فضلته فى بعض الأحاديث، والمسألة لا تبلغ القطع. وقد وقف الشيخ أبو الحسن الأشعرى فى هاتين وتردد فيهما. ولا معنى للتعويل على تعدية عائشة لكونها مع النبى ﵊ فى الجنة فى درجته، وكون فاطمة مع على - رضى الله عنهما - فى درجته، ودرجة النبى ﷺ أعلى من درجة على؛ لأن ذلك إنما حصلت عليه لأجل النبى ﵊ وكون الزوجة تابعة لزوجها لا لأجل نفسها لو انفردت. وكذلك قوله فى عائشة - رضى

стр. 4227

وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَىَّ فِى مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ، لا تُبْقَيَنَّ فِى الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلا خَوْخَةَ أَبِى بَكْرٍ ". ــ الله عنها -: " إنها فضلت على النساء كالثريد على الطعام " الحديث (١) كما وقع؛ لأنه من أخبار الآحاد. وقد يعارض - أيضاً - بما وقع فى فاطمة - رضى الله عنها وأرضاها - من الأحاديث، وقوله ﵊ لها: " أما ترضين أن تكونين سيدة نساء هذه الأمة " (٢) الحديث كما وقع. وأما عثمان - رضى الله عنه - فخلافته صحيحة وقتلته فسقة ظلمة، بغت عليه أنه [حمال الحما] (٣)، وفضل أقاربه فى العطاء، وآوى طريد النبى ﵊ وقد ذكر العلماء المخرج من هذا كله ولو كان مما ينقم به، ولا عذر فيه لم يوجب إراقة دمه، [رضى الله عنه] (٤)، وقد وقف (٥) المعتزلة فيه وفى قتله، [وهذا] (٦) من جهلهم بالآثار وقلة رجوعهم إلى الأخبار، وإضرابهم عن تأويلها واتباع العلماء فى مسالكهم فيها. وكذلك على - رضى الله تعالى عنه - العقد له وقع بوجه صحيح، والعقد لغيره فى أيام خلافته وحياته لا ينعقد ولا يصح، ولو اتفق لمعاوية - رحمه الله تعالى - العقد فى زمنه لم يكن ذلك بعقد يعول عليه حتى يجدد له بعد موته - رضى الله عنه - ومعاوية من عدول الصحابة وأفاضلهم، وما وقع من حروب بينه وبين على وما جرى بين الصحابة من الدماء فعلى التأويل والاجتهاد وكل يعتقد أن ما فعله صواب [وسداد] (٧). وقد يختلف مالك والشافعى وأبو حنيفة فى مسائل من الدماء حتى يوجب بعضهم إراقة دم رجل ويحرمه آخر، ولا يستنكر هذا عند المسلمين ولا يستبشع لما كان أصله الاجتهاد وبه يعبد الله تعالى العلماء، وكذلك ما جرى بين الصحابة - رضى الله عنهم - فى هذه الدماء، ومن حاول بسط طرق اجتهاده فيما وقع لهم طالع ذلك من الكتب المصنفة فيه، فقد أفرد القاضى فيه كتاباً، وذكره فى كتبه وغيره من العلماء المصنفين.

стр. 4228

(...) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيمَانَ عَنْ سَالِمٍ أَبِى النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ الله ﷺ النَّاسَ يَوْمًا. بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. ــ قال القاضى: اعلم أن الفضائل والتفضيل عند العلماء مما لا يدركه القياس، إنما مداره على التوقيف. ومعنى: فلان أفضل من فلان: أى أكثر ثواباً عند الله، وأرفع منزلة لربه، وهذا مما لا يعلم إلا بتوقيف، ولا يستدل عليه بكثرة الطاعات الظاهرة؛ إذ قد يكون الثواب من الله على اليسير الخفى منها، أكثر من الكثير الظاهر وعلى صحة الإيمان وكثرة الذكر والفكر والخشية، وإن كانت الأعمال الظاهرة فيها مجال لغلبات الظنون بالتفضيل، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾ الآية (١). والمشهور عن مالك وسفيان، وكافة أئمة الحديث والفقهاء، وكثير من المتكلمين ترتيب الأربعة فى الفضل حسب ترتيبهم فى الخلافة. واختلفت الرواية فى المدونة، ففى رواية بعضهم: أبو بكر ثم عمر [ثم عثمان] (٢) وقال: أوفى ذلك شك؟ وسقط: ثم عثمان (٣) من رواية أكثرهم. واختلف فى تأويل قوله فى الكف عن عثمان وعلى، وما تقدم فى ذلك قبل، فقيل: هو على ظاهره. وقيل (٤): إنه رجع عنه إلى القول الأول. ويحتمل أن يكون كفه وكف من اقتدى به لما كان شجر فى (٥) ذلك من الاختلاف والتعصب حتى كان الناس فرقتين؛ علوية وعثمانية لهذا. وقد قيل: إن سبب قوله بالتفضيل بينهما [لما] (٦) طلبته العلوية حتى امتحن بما امتحن به ﵀. وذهبت طائفة من العلماء إلى أن من مات من الصحابة فى حياة النبى ﵊ أفضل ممن بقى بعده، وهو اختيار أبى عمر بن عبد البر. فقوله ﵊ فى بعضهم: " أنا شهيد على هؤلاء "، وتزكيته لبعضهم وصلاته عليهم، وقول النبى ﵊ لأبى بكر: " ما ظنك باثنين الله ثالثها " (٧) ظاهر فى قوة توكل النبى ﵊ وجلال مكانة أبى بكر، وعظيم منزلته وفضله بالغار، وما له فيها من المزية بهذه اللقطة وغيرها.

стр. 4229

٣ - (٢٣٨٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِى الْهُذَيْلِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؟ أَنَّهُ قَالَ: " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنَّهُ أَخِى وَصَاحِبِى، وَقَدِ اتَّخَذَ الله صَاحِبَكُمْ خَلِيلاً ". ــ وقوله: " إن أمن الناس على فى ماله وصحبته أبو بكر ": معناه: أكثرهم جوداً وسماحة لنا بنفسه وذات يده، كما جاء فى الحديث الآخر، وكما قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ [بِغَيْرِ حِسَابٍ] (١)﴾ (٢) وليس يعد هذا من المن الذى هو اعتداد الصنعة، فإن المنة لرسول الله ﷺ على الجميع، وقد سماه الله أذًى وجعله مبطلاً للصدقة ومفسداً للصنعة. وفيه شكر الإحسان من الصاحب وغيره. وقوله: " عبدٌ خيره الله بين أن يؤتيه الله زهرة الدنيا ": ليريد نعيمها وعرضها، شبه بزهر الروض لحسنه. وقول أبى بكر: " فديناك بآبائنا وأمهاتنا " وبكاؤه، فيه جواز قول الرجل لآخر: " فديتك بأبى وأمى ". وقد كره ذلك الحسن وعمر وبعض السلف، وقال بعضهم: لا يفتدى أحد بمسلم، وأجازه غيرهم، وهو الذى اختار الطبرى، وتأويل ما جاء فى كراهة ذلك مرة وضعفه. وجاءت الآثار بخلاف قوله. وقوله: " وكان أبو بكر أعلمنا ": فيه شهادة السلف لأبى بكر بذلك، وفيه التعريض بالعلم للناس [وإلقاء مجملاته عليهم؛ لاختبار أفهامهم] (٣). وقوله: "لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، لكن أخوة الإسلام " وفى الرواية الأخرى: " لكنه أخى وصاحبى، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً ". اختلف المفسرون والعلماء المتكلمون فى تفسير الخلة واشتقاقها، وحقيقة معناها، ولم سمى إبراهيم الخليل خليل الله؟ ومعنى ثباتها هنا فى نبينا ﵇؟ وما هى الخلة التى نفى اتخاذها مع الناس وأثبتها لنفسه مع الله تعالى؟ فقيل: أصل الخلة: الافتقار

стр. 4230

٤ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؟ أَنَّهُ قَالَ: " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِى أَحَدًا خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ ". ٥ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِى سُفيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ الله. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِى قُحَافَةَ خَلِيلاً ". ٦ - (...) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى الْهُذَيْلِ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ خَلِيلاً، لاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِى قُحَافَةَ خَلِيلاً، وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ ــ والانقطاع. والخلة: الحاجة. فخليل الله: المنقطع إليه، وقيل: لقصره حاجته على ربه، وقوله لجبريل وهو فى المنجنيق ليرمى به فى النار، قال له: " ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا "، وقيل: الاختصاص، واختاره غير واحد، وقيل: الاستصفاء. وسمى إبراهيم [خليلاً] (١)، لأنه يوالى فى الله ويعادى فيه، إذا جعلناه فعيلاً بمعنى فاعل، وقيل: سمى بذلك لتخلقه بخلاق (٢) حسنة، وأخلاق كريمة شريفة. وخلة الله له: نصره، وجعله إماماً لمن بعده. وقال ابن فورك: الخلة: صفاء المودة بتخلل الأسرار، كما قال الشاعر: قد تخللت مسلك الروح منى ... وبذا سمى الخليل خليلا وقيل: أصلها: المحبة. ومعناه: الإسعاف والألطاف والتشفيع والترفيع. وقال بعضهم: الخليل من لا يتسع قلبه لسواه. قال: وهو معنى الحديث بأن حب الله تعالى لم يتوق قلبى موضعاً لسواه. وقد جاء فى أحاديث أخر أنه قال ﵊: " ألا وأنا حبيب الله " (٣).

стр. 4231

خَلِيلُ الله ". ٧ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ. ــ ثم اختلف المتكلمون أيهما أرفع درجة المحبة أو الخلة؟ أو هما سواء ومفترقان؟ فذهبت طائفة إلى أنهما بمعنى واحد، وأن الحبيب لا يكون إلا خليلاً، والخليل لا يكون إلا حبيباً. وقال بعضهم: درجة المحبة أرفع، ويحتج بالحديث المتقدم من قوله: " وأنا حبيب الرحمن "، وانما درجة نبينا ﵊ أرفع من درجة الخليل وسائر الأنبياء. وقيل: درجة الخلة أرفع، وقد ثبت لنبينا ﵊ بالحديث الأول ونفاها عن بقيته (١) مع غير الله، وقد أثبت المحبة من خديجة وعائشة وأبيها، ولأسامة وأبيه، وفاطمة وابنيها، وغيرهم. وقال: " اتبعونى يحببكم الله ". وفى حديث: " على يحبه الله " (٢). ومحبة الله لعبده: تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتسيير ألطافه لهدايته وإضافة (٣) رحمته عليه، هذه مبادئها، وغايتها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه ببصيرته، فيكون كما قال فى الحديث الآخر: " فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ولسانه الذى ينطق به " (٤)، ومعنى هذا ما جاء فى حديث عائشة فى صفته ﵊: " كان خلقه القرآن، يسخط بسخطه ويرضى برضاه " (٥)، وعبر عنه الشاعر فقال: فإذا ما نطقت كنت حديثى ... وإذا ما سكت كنت الخليلا وقوله: " ولكن أخوة الإسلام ": كذا رواية العذرى، ولغيره: " إخوة "، وكذلك اختلف فيه رواة البخارى (٦)، ورواه بعضهم: " خلة "، وهذا اللفظ لم نجده فى كلام العرب، ولا من تكلم عليه من الشارحين وخرج له نحوها، والذى عندى - إن صحت الرواية -: ولم يكن مغيره من أخوه، وأن الألف سقطت فى اللفظ لما نقلت حركتها على

стр. 4232

ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَلا إِنِّى أَبْرَأُ إِلَىَ كُلِّ خِلٍّ مِنْ خِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا اخَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله ". ٨ - (٢٣٨٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ، ــ نون " لكن " الساكنة فنطق بها: " لكن أخوة الإسلام " بضم النون، فلما سقطت فى اللفظ كتبها من لم يحسن بغير ألف وسكن النون، أو سكنها من يعرف قصد التوصل إلى الخروج من كسرة الكاف بضم الخاء بعد، وإلا فلا وجه له [عندى] (١) إلا هذا - والله أعلم. لكن بعض شيوخنا من النحاة كان يذهب فيه مذهباً آخر ويقول: إنه نقل حركة الهمزة إلى نون " لكن " تشبيها بالتقاء الساكنين، ثم جاء منه الخروج من الكسرة إلى الضمة فسكن النون، ومثله قوله تعالى: ﴿لَكِنَّاْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ (٢) المعنى: لكن أنا، فنقل الهمزة ثم سكن وأدغم لاجتماع المثلين. وقال أبو عبيد فى الآية: لما حذفت الألف التقت نونان، فجاء التشديد لذلك. وقوله: " لا يبقين فى المسجد خَوخَة إلا خَوخَة أبى بكر " بفتح الخاءين، وهو هنا الباب الصغير [يكون] (٣) بين المسكنين [وشبه] (٤) ذلك. فيه دليل على أن المساجد لا تتطرق إلى الدور ولا غيرها، واختصاصه لأبى بكر بهذا دليل على فضيلته، وقد استدل به على صحة إمامته واستخلافه للصلاة، وعلى خلافته بعده. وقوله: " ألا إنى أبرأ إلى كل خلّ من خله ". كذا هو مقيد فى كتاب بعض شيوخى: " من خِله " بكسر الخاء، وغالب ظنى أنا سمعناه وقرأناه بكسرها هكذا على جميعهم. والصواب - إن شاء الله - والأوجه هنا فتحها. والخلة والخل والخلال والمخالة والمخاللة والخلالة والخلوة: الإخاء والصداقة، أى من صحبته، ومودته التى تقتضى المخاللة، وقد قال أبو إسحاق الحربى عن الأصمعى: يقال: فلان كريم الخلة، والخل والمخاللة، أى الصحبة.

стр. 4233

فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَىُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: " عَائِشَةُ " قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: " أَبُوهَا " قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " عُمَرُ "، فَعَدَّ رِجَالاً. ــ وفى هذا الحديث بعد حديث محمد بن مسلم وابن بشار بسندهما عن عبد الله قال: وحدثنا [أبو] (١) جعفر بن عون (٢)، عن ابن أبى مليكة، عن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : " لو كنت مُتخذاً خليلاً " بسند حميد هنا عند الطبرى [وحده] (٣) فسقط للباقين. وقوله: من أحب إليك؟ قال: " عائشة "، قلت: من الرجال؟ قال: " أبوها "، قلت: ثم من؟ قال: " عمر "، فعد رجالاً، وقوله فى الحديث الآخر: " من كان رسول الله ﷺ مستخلفاً لو استخلف؟ قالت: أبو بكر، فقيل لها: ثم من بعد أبى بكر؟ قالت: عمر؟ ثم قيل لها: [ثم] (٤) بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة ". قال الإمام: اختلف الناس فيمن يستحق الإمامة بعد النبى ﵊؟ فذهب أهل السنة إلى أنه الصديق، وذهبت الشيعة إلى أنه على، وذهبت الراوندية إلى أنه العباس. فمن خالف أهل السنة رأى الترجيح بالقرابة، فقال بعضهم: علىٌّ؛ لقربه ومصاهرته، وما ظهر من علمه وشجاعته. وقال بعضهم: العباس؛ لأنه المستحق للميراث، وهو أولى به من على، فكان أولى بالخلافة. وأنكر أهل السنة أن يكون مجرد القرابة يوجب الخلافة، وإنما يوجبها الحصول على مرتبة من الدين والعلم، وغير ذلك من الأوصاف التى ذكرها العلماء فى كتب الإمامة. وقد قال : ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ أِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٥) ولسنا نقول: إن أحدًا من قرابة رسول الله ﷺ ظالم، ولكن وجه الاستدلال أن مجرد القرابة لا يوجب الولاية إذا منع منها مانع، وهو الظلم، فكذلك إذا منع منها مانع وهو وجوباً للأفضل. وأما غلو الشيعة بقولهم: فإن علياً - رضى الله عنه - وصىُّ رسول الله ﷺ ؛ فباطل

стр. 4234

٩ - (٢٣٨٥) وحدّثنى الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدثَّنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَبِى عُمَيْسٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَسُئِلَتْ: مَنْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ. فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِى بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ. ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا. ــ لا أصل له. وأما الصديق - رضى الله عنه - إذا أثبتنا ولايته باتفاق الصحابة عليه على وجه يوجب إمامته، فإن المحققين من أئمتنا أنكروا أن يكون ذلك بنص قاطع منه ﵊ على إمامته. وقالوا: لو كان النص عند الصحابة لم يقع منها ما وقع عند إمامته والعقد له، ولا كان ما كان من الاختلاف، فدل ذلك على أنه رأى منهم وقع فيه تردد من طائفة ثم أستقر الأمر فانجزم الرأى عليه ويجعل هؤلاء ما وقع فى هذا الحديث: " ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " مع ما وقع من أمثاله من الظواهر التى لا تبلغ النص الجلى القاطع الذى لا يسوغ خلافه ولا الاجتهاد معه. قال القاضى: فى هذا الحديث حجة لأهل السنة أن النبى ﵊ لم يستخلف أبا بكر ولا نص عليه، خلافاً لابن أخت عبد الواحد بن زيد من قوله بالنص على أبى بكر، وخلافاً لمن يقول (١) بالنص على غيره. ولو كان نصاً لما خفى عن الأنصار [فى] (٢) طلبهم الخلافة فيه، ولا [على] (٣) غيرهم من قريش ممن طلبها أولاً لنفسه إذا كانوا ممن لا يليق بهم خلافه ما عهده رسول الله ﷺ وإنما تخالفوا فيما وكل إلى اجتهادهم. وقول عائشة بعد ذكر عمر: " ثم أبو عبيدة بن الجراح " إنما أخبرت عن ظنها فى ذلك لا عن خبر روته عنه ﵊ فلا حجة فيه فى تقديمه وتفضيله على عثمان وعلى، وأيضاً فإن التقديم للخلافة ليس من شرطه تقديم الأفضل، بل الاعتبار عند المحققين الأصلح للحال والأولى بالوقت إما للحاجة لشجاعته ومنته، أو لكئرة علمه ووفور (٤) معرفته، أو لأنه أكثر قولاً (٥) ومحبة عند رعيته، أو حذار شغب يتشغب، لتقديم الأفضل وفتنة (٦) تحدث. وإن عقدت للمفضول دون الفاضل - لغير عذر - انعقدت عند الجمهور، خلافاً لعباد ابن سليمان والجاحظ: فيه أنه لا ينعقد إلا الأفضل.

стр. 4235

١٠ - (٢٣٨٦) حدّثنى عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنِى أَبِى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَيْئًا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ؟ - قَالَ أَبِى: كَأَنَّهَا تَعْنَى الْمَوْتَ - قَالَ: " فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِى فَأتِى أَبَا بَكْرٍ ". ــ وقد استدل بعض العلماء بتفديم الخلفاء الأربعة وترتيبهم فى الخلافة على رتبة درجاتهم ومناصبهم فى التفضيل. وهذا إنما يستقيم على القول بوجوب تقديم الأفضل بكل حال، فأما مع القول بجواز تقديم المفضول مع وجود الفاضل فلا دليل فيه على ذلك، لكنا علمنا تقديمهم وترتيبهم فى الفضائل بغير هذه الطريق وما ورد عنه ﵊ من فضائلهم، وكثرة مناقبهم، وقدمهم فى الإسلام، وتقدمهم على ما تقدم من الاختلاف، هل ذلك على القطع أو غلبة الظن؟ وما روى عن جمهور السلف الصالح فى ذلك. وقد ذهب بعض العلماء [إلى] (١) أن تقديمهم للخلافة بحسب ما قدر الله - تعالى - من أنهم الأربعة سيكونون خلفاء وأئمة ومتباينة آجالهم، وأن الخلافة كما قال ﵊ بعده ثلاثون سنة (٢)، فيقدم أبو بكر إذا كان أولهم موتاً، فلو تقدم أحد الثلاثة لم يل الخلافة، ولا كانت مدتها واحدة وقد سبق له أن يلى، وكذلك عمر مع من بعده، وكذلك عثمان مع على، ولو تقدم على أولاً لم يل واحد منهم لموت جميعهم فى بقية عمره. وقول النبى ﵊ للمرأة: " إن لم تجدينى ائت أبا بكر ": مما استدل به من يقول بالنص على أبى بكر. ولا حجة فيه، بل فيه من الحجة صحة إمامته، وأن النبى ﵊ قد أخبر [أنه] (٣) سيكون إماماً بعده، ولو لم يكن لها أهلاً لما أمر بالمجىء إليه. وقوله فى هذا الحديث: " قال أبى: كأنها تعنى الموت ". قائل هذا هو جبير بن مطعم راوى الحديث عن النبى ﵊ كذا رواية بعضهم بياء ساكنة باثنين [تحتها] (٤) وعند الفارسى والسجزى: " قال أبى " بباء بواحدة مكسورة. وقائل (٥) هذا عن أبيه محمد بن جبير لعائشة فى مرضه: " ادع لى أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإنى أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمسلمين إلا أبا بكر ": فيه حجة بينة لصحة إمامته وعظم فضيلته (٦) عند الله - تعالى - وعند

стр. 4236

(...) وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرِاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ؛ أَنَّ أَبَاهُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرهُ؛ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَلَّمَتْهُ فِى شَىْءٍ، فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ. بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى. ١١ - (٢٣٨٧) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى مَرَضِهِ: " ادْعِى لِى أَبَا بَكْرٍ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا. فَإِنِّى أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأَبَى الله وَالْمُؤْمِنُونَ إِلا أَبَا بَكْرٍ ". ــ المسلمين، وتقديمه على الجميع، وعدم النص فى الإشارة لغيره جملة واحدة. ولا حجة فيه للنص عليه؛ لأنه أمرٌ هم به ولم يفعله، ودعوته لأخيها لكتاب الكتاب بذلك - والله أعلم. ومثله فى [كتاب] (١) البخارى:: " لقد هممت أن أوجه إلى أبى بكر وابنه وأعهد "، وفى رواية أبى ذر الهروى: " أو ابنه " مكان " أبيه ". وقال بعضهم: هو الصواب، وما فى كتاب مسلم مما لا اختلاف فيه مما قدمناه بين الصواب فى غيره، وإنما صوب ذلك وأنكر ذكر ابنه؛ إذ لم يفهم المراد بإحضاره، وقد بينه فى هذا الكتاب بقوله: " حتى أكتب كتاباً " مع إتيانه ﵊ حينئذ متعذر عليه، أو غير ممكن إذ كان فى مرضه ﵇ وتخلفه عن حضور الجماعة، والصلاة بالناس، والدور على أزواجه فكيف لغيره؟! وقوله: " فإنى أخاف أن يتمنى متمن ": يريد الخلافة. وقوله: " ويقول قائل: أنا أولى " كذا للهوزنِى، وبعضهم عن ابن ماهان، وعند أبى العباس الدلائى: " أنَّى ولاه " بتشديد النون، بمعنى كيف. وعند السمرقندى والسجزى: " أنا ولى " بتخفيف النون. وعند الطبرى: " أنا ولا ". والأول أولى، إنى أنا أولى بالأمر. وأما الدعوى بذلك وتقديم النبى لمن لم يقدم ولا يليق بأحد منهم. وقوله حتى (٢) سأل: " من أصبح اليوم صائماً؟ "، " ومن اتبع اليوم جنازة؟ "، " ومن أطعم اليوم مسكيناً؟ " وقول أبى بكر فى جميعه: أنا، فقال ﵊: " ما اجتمعن فى امرئ إلا دخل الجنة ": معناه - والله أعلم -: دون

стр. 4237

١٢ - (١٠٢٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ الْمَكِّىُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: " فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: " فَمَنَ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكينًا؟ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: " فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا اجْتَمَعْنَ فِى امْرِئٍ إلا دَخَلَ الْجَنَّةَ ". ــ محاسبة ولا مجازاة على شىء من عمل، وإلا فمجرد الإيمان يوجب بفضل الله دخول الجنة. واجتماعها فى يوم يدل على دوام السعادة، وحسن الخاتمة، ووجوب الجنة بذلك. وقوله فى كلام البقرة، وكلام الذئب، وتعجب الناس من ذلك: " آمنت به أنا وأبو بكر وعمر " وما هما فى القوم: ثقة منه ﵇ وتحقيقاً لصحة إيمانهما، وقوة (١) يقينهما، ومعرفتهما بسلطان الله، وعظيم قدرته على ما يشاء. وفيه خرق العوائد إذا شاءها الله لمن أراد. وقوله عن الذئب: " من لها يوم السبع يوم لا راعى لها غيرى؟ ": كذا الرواية بضم الباء، قال الإمام: بعض أهل اللغة يقولون (٢): " يوم السبْع " بإسكان [الباء، وتفسيره بأنه أراد يوم القيامة. قال بعضهم: " من لها يوم السبع ": السبع] (٣): الموضع الذى عنده المحشر يوم القيامة، أراد من لها يوم القيامة. قال الإمام: وقد سألت بعض أئمة اللغة عن هذا، فقال لى: ما أعرف لتسمية يوم القيامة بهذا الاسم وجهاً، لكنى (٤) أعرف فى اللغة: سبعت الرجل سبعة سبعاً: إذا طعنت عليه، فلعله لا كان يوم القيامة يوم الكشف عن المساوئ سمى بذلك اليوم سبعاً، هذا الذى ذكر لى من سألته. وقد رأيت فى بعض كتب اللغة: يقال: سبعت الأسد: إذا دعوته (٥). قال الطرماح: فلما عوا ليث السماك سبعته ... كما أنى أحيانا لهن سبوع يصف الذئب، ويكون المعنى على هذا: من لها يوم الفزع، ويوم القيامة أيضاً يوم الفزع، وحكى صاحب الأفعال: سبعت الرجل سبعاً: وقعت فيه، والقوم صرت

стр. 4238

١٣ - (٢٣٨٨) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ، قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، الْتَفَتَتْ إلَيْهِ الْبَقَرَةُ، فَقَالَتْ: إِنِّى لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّى إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ ". فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ الله، تَعَجُّبًا وَفَزَعًا. أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَإِنِّى أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بَيْنَا رَاعٍ فِى غَنَمِهِ، عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِى حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذَّئْبُ فَقَالَ لَهُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبْعِ، يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِى؟ " فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ الله: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَإِنِّى أُومِنُ بِذَلِكَ، أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ". ــ سابعهم، وأيضاً أخذت سبع أموالهم، والذئاب الغنم أكلتها، وأسبعت الرجل: أهملته، وأيضاً أطعمته السبع، والراعى وقع السبع فى غنمه، والمرأة ولدت لسبعة أشهر، والقوم صاروا سبعة. هذا جملة ما حكاه من تصريف هذه اللفظة فى معان مختلفة. ويحتمل مما ذكره أن يريد يوم السبع: يوم أكلى لها، لقوله: سبع الذئب الغنم؛ أكلها. وإن صح أن يشتمل الثلاثى هاهنا مكان الرباعى كما قال : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (١) صح أن يريد: من لها يوم الإهمال، كما حكى: أسبعته أهملته، ويكون المراد به نحو ما يراد برواية من روى: " من لها يوم السبع يوم لا راعى لها سواى " إذا كان المعنى فقد الحارس لها، والمانع منها. قال القاضى: قال بعضهم: " يوم السبع ": يريد بالسكون، عيد كان فى الجاهلية يشتغلون فيه بلعبهم، فيأكل الذئب فيه غنمهم. وقال [غيره] (٢): إنما هو البيع، بياء باثنتين تحتها، أى يوم الضياع أسبعت، وأمنعت بمعناه. وقال الداودى: معنى " يوم السبع ": إذا طردك عنها السبع ولقيت أنا فيها، أتحكم لفرارك منه. قال الحربى: وقد قرأ الحسن: " وما أكل السَّبْع "، وكذا رواه بعضهم فى الحديث: " يوم السبْع ".

стр. 4239

(...) وحدّثنى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قِصَّةَ الشَّاةِ وَالذِّئْبِ. وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ. (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِىُّ، عَنْ سُفيَانَ، كِلاَهُمَا عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَفِى حَدِيثِهِمَا ذِكْرُ الْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ مَعًا. وَقَالا فِى حَدِيثِهِمَا: " فَإِنِّى أُومِنُ بِهِ، أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ " وَمَا هُمَا ثَمَّ. (...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مسْعَرٍ، كِلاهُمَا عَنْ سَعْدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ــ وقوله فى الباب فى حديث محمد بن عباد: رفعه عن الأعرج عن أبى سلمة، عن أبى هريرة. كذا هو عند [جميع شيوخنا وأكثر الرواة، وسقط عند] (١) بعض الرواة عن أبى هريرة. وإثباته فى هذا الحديث الصواب.

стр. 4240

(٢) باب من فضائل عمر رضى الله تعالى عنه ١٤ - (٢٣٨٩) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِىُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كُرَيْبٍ - قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا - ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِى حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وُضِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ، فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُثْنُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وَأَنَا فِيهِمْ. قَالَ: فَلَمْ يَرُعْنِى إِلا بِرَجُلٍ قَدْ أَخَذَ بِمَنْكِبِى مِنْ وَرَائِى، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عَلِىٌّ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَّى أَنْ أَلْقَى الله بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ. وَايْمُ الله، إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ الله مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَذَاكَ أَنِّى كُنَتُ أُكَثِّرُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ". فَإِنْ كُنْتُ لأَرْجُو - أَوْ لأظُنُّ - أَن يَجْعَلَكَ الله مَعَهُمَا. (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. ــ وقوله فى عمر: " وضع على سريره فتكنفه الناس يدعون له " أى أحاطوا بأكتافه، أى جهاته، والسرير هنا النعش. وقوله: " فلم يرعنى إلا رجل أخذ بمنكبى فإذا هو على، فترحم على عمر " إلى آخر الحديث، يعنى: فلم يرعنى، أى لم ينبهنى مما كنت فيه ولم يلهمنى لغيره، ومنه فى الحديث " إن منكم محدثين ومروعين " أى ملهمين. وفى هذا الحديث حجة على الشيعة وتكذيب دعواهم على علىّ فى عمر، وسوء اعتقادهم فيه، وشهادته بفضله وفضل أبى بكر، وبفضل النبى ﵊ لهما، وتخصيصه لهما. وفيه صدق ظن على - رضى الله عنه -[وصحة] (١) حسبانه فى أن يدفن عمر مع صاحبيه لما ذكر فى الحديث.
следующие страницы →