← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ثُمَّ قَالَ: " إِنِّى لأُعْطِى الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّه اللهُ فِى النَّارِ ". ٢٣٧ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَىَ رَهْطًا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ. قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّى لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَوْ مُسْلِمًا ". قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلْبَنِى مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَ اللهِ إِنِّى لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ــ رضى الله عنهم - إلى هَلُمَّ جرّا. وكل قول إذا حقق كان له وجهٌ وفى ظرف لا ينافى القول الآخر. فمن لم يستثن أخبر عن حكم نفسه فى الحال، وأما المآل فإلى العلام به، ومن استثنى أشار إلى غيب ما سبق له فى اللوح المحفوظ. وإلى التوسعة فى القولين ذهب من السلف الأوزاعى (١) وغيره، وهو قول أهل التحقيق نظراً إلى ما قلناه ورفعاً للخلاف (٢). وقوله فى آخر الحديث: " إنى لأعطى الرجل وغيره أحب إلى منه، مخافة أن يكبه الله فى النار " وهذه الرواية الصحيحة: " يكبه "، بفتح الياء وضم الكاف، فعل ثلاثى من كب، ولم يأت فى لسان العرب فعل ثلاثيه معدى ورباعيه غير معدى على نقيض المتعارف إلا كلمات قليلة، منها هذا، يقال: أكب الرجل وكببته أنا، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِه﴾ (٣)، وقال: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ (٤). ومثله: أقشع الغنم، وقشَعتْه الريح (٥)، وانسل ريش الطائر، ووبرُ البعير ونسلتُه، وأنْزَفت البئرُ: قلَّ ماؤها، ونزَفتُها أنا، وأمرأت الناقةُ إذا درَّ لبنها ومرَّأتها أنا، وأشنق البعير، رفَعَ رأسه، وشَنَقْتُه أنا (٦).

стр. 457

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَوْ مُسْلِمًا ". قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِى مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالَكَ عَنْ فُلانٍ، فَوَ اللهِ إِنِّى لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّى لأُعْطِى الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِى النَّار عَلَى وَجْهِهِ ". (...) حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى عَامِرُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّه. وَزَادَ: فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَالَكَ عَنْ فُلَانٍ. (...) وحدّثنا الْحَسَنُ الْحلْوَانىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ هَذَا. فَقَالَ فِى حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِى وَكَتِفِى، ثُمَّ قَالَ: " أَقِتَالاً؟ أَىْ سَعْدُ، إِنِّى لأُعْطِى الرّجُلَ ". ــ وقوله فيه: " أقتالاً [أى] (١) سعدُ ": أى مدَافَعَةً ومكابَرةً، وعليه تأوَّل بعضهم فى المار بين يدى المصلى: فليقاتله: أى فليدافعه ويدْرَؤه عن المرور بين يديه. ولما كررَ سعدٌ كلامه على النبى مرة بعد أخرى، وكل ذلك لا يقبله النبى ﷺ منه وهو يردده، أشبه المدافعة. وليس مقال سعد مناقضاً للنبى ﷺ ، ولكن لما قطع سعد على إيمانه قال له النبى ﷺ : " أَوْ مسلماً " بمعنى: أن هذه اللفظة التى تُطلق على الظاهر أولى فى الاستعمال، إذ السرائر مخفية لا يعلمها إلا الله، وحُكمُ النبىّ ﷺ فى أمته على الظواهر (٢).

стр. 458

(٦٩) باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة ٢٣٨ - (١٥٢) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحَمنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﷺ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي ــ وقوله ﷺ : " نحن أحق بالشك من إبراهيم "، قال الإمام: يحتمل أنه أن يكون لما رأى إبراهيم ﵇ سأل زيادة يقين بأن يعلم بالعيان ما عَلمَ بالدليل، ومعلوم أن بين العلمين فى العادة من انتفاء الشكوك تبايناً عبَّر عن المعنى الذى بين العِلمين بالشك مجازاً، وقد تكلم الإمام أبو عبد الله - أيضاً - آخر الكتاب على قضية إبراهيم ومضمن هذا الحديث بأشبع من هذا، فقال: من الناس من ذهب إلى أن إبراهيم إنما أراد بهذا اختبار. منزلته واستعلام قبول دعوته، فسأل البارى أن يخرق له العادة، ويحيى له الموتى، ليعلم بذلك قدر منزلته عند الله. ويحمل هؤلاء قوله: [عزَّ وجهه] (١) ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ (٢) على أن المراد به بقربك [منى] (٣) وبفضيلتك لدىَّ. فيكون التقدير - لو ثبت حملُ الآية على هذا المعنى -: نحن أولى أن نختبر حالنا عند الله من إبراهيم - على جهة الإشفاق منه ﷺ والتواضع لله تعالى - وإن قلنا بما يقتضيه أصل المحققين، وأن المراد: أن ينتقل من اعتقاد إلى اعتقاد آخر هو أبعد من طريان الشك ونزغات الشيطان لأنا [لا] (٤) نساوى بين العلوم الضرورية والعلوم النظرية، ونمنع التفاضل بينهما فى نفس التعلق، وإنما يصرف التفاضل إلى أن الشك لا يطرأ على الضرورى فى العادة والنظرى قد يطرأ عليه - فيكون إبراهيم سأل ربه زيادة فى الطمأنينة، وسكون النفس، حتى تنتفى الشكوك أصلاً، ويكون المراد من نبينا ﷺ أنا أحق بالشك فى هذا منه على جهة الإشفاق أيضاً [أ] (٥) ويكون المراد بذلك أمَّته ليحضَّهم على الابتهال إلى الله تعالى بالتعوذ من نزغات الشيطان فى عقائد الدين. قال القاضى: للناس فى معنى سؤال إبراهيم أجوبَةٌ كثيرةٌ، منها الجوابان المتقدمان فى إرادته اختيار المنزلة، أو زيادة اليقين، وقيل: أراد علم كيفيته واطمئنان القلب لمشاهدتها، وكان له علم بالوقوع، وأراد علماً ثانياً بكيفيته ومشاهدته وطمأنينة قلبه، لما كان ينازعه من

стр. 459

الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١) قَالَ: " وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِى السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِى ". (...) وَحَدّثَنِى بِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِى، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ الزُّهْرِىِّ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَفِى حَدِيثِ مَالِكٍ: ﴿وَلَكِنْ ــ حُبّ مشاهدة ذلك، وقيل: أنه لما احتج على الذى حاجَّهُ بأن ربَّه يحيى ويميت طلب ذلك من ربّه؛ ليتضح (٢) استدلاله عياناً بعد أن كان بياناً (٣)، وقيل: [هو] (٤) سؤال على طريق الأدب، والمراد: أقدِرنى على إحياء الموتى. وطمأنينة القلب هنا ببلوغ الأمنية. وذهب بعض أصحاب الإشارات إلى أن المعنى: أنه أرى من نفسه الشك، وما شك، لكن ليُجَاوَبَ، فيزداد بذلك قُرْبَةً (٥). وقيل فى قوله ﷺ : " نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم " - سوى ما تقدم -: نفى لشك إبراهيم وإبعاد الخواطر الضعيفة أن تظن بسؤاله ذلك شكاً فيما سأل، أى نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى، فلو شك إبراهيم فى ذلك لكنَّا أولى بالشك - على طريق الأدب - وكلاهما لا يجوز عليه الشك. وقد بسطنا الكلام فى هذا وشبهه فى القسم الثالث من كتاب " الشفا " (٦). وقوله ﷺ : " ولو لبثت فى السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعى "، قال الإمام: [هو] (٧) تنبيه على فضل يوسف ﵇ وصبره على المصائب. قال القاضى: الداعى هاهنا رسول الملك ليأتيه به، فقال له يوسف: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ الآية (٨)، ولم يخف للخروج من السجن الطويل والراحة من البلية العظيمة لأول ما أمكنه

стр. 460

لَيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾. قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هذِهِ الآيَةَ حَتَّى جَازَهَا. حدّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِى يَعْقُوبُ يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، كَرِوَايَةِ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هذِهِ الآيَةَ حَتَّى أَنْجَزَهَا. ــ حتى تثبت وتوقَّر، وراسل الملك فى كشف الأمر الذى سجن بسببه، ومكاشفة النسوة الحاضرات له وتظهر براءته، ويلقى الملك غير مرتاب ولا خجل مما عساه يقع بقلبه مما رفع عنه، فتنبه النبى ﷺ على فضيلة يوسف ﵇ وقوة نفسه [وتوقره] (١)، وصدق نظره للعواقب، وجودة صبره، وأخبر عن نفسه هو بما أخبر على طريق التواضع والأنافة بمنزلة يوسف (٢)، وأنه ﵇ كان يُغلِّبُ الراحة من المحنة أولاً على غير ذلك. ولا يُظَنُّ أن إجابة الداعى هنا هى مراودة المرأة ودعاؤها يوسف لما دعته له. وقوله فى لوط: " إنه كان يأوى إلى ركن شديد "، قال الإمام: يريد البارى تعالى لأنه الكافى فى الحقيقة. قال القاضى: كأن النبى ﷺ انتقد عليه قوله هذا، وطلب رحمة الله له من هذا القول (٣)، إذا أراد لوط بالركن عشيرته ليمنعوه من قومه، ويحموا أضيافه عن مرادهم السوء بهم، وأن ضيق صدره بذلك وحَرجَه لما لقى منهم أنساه اللجأ إلى ربه والاعتصام به، وحمله على سنة الله فى خلقه وعادته من اعتصام بعضهم ببعض، والله تعالى أشد الأركان وأقواها وأمنعُها. وقد تكرر الحديثُ آخر الكتاب.

стр. 461

(٧٠) باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته ٢٣٩ - (١٥٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ الأَنْبِياءِ مِنْ نَبِىٍّ إِلا قَدْ أُعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللهُ إِلَىَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". ٢٤٠ - (١٥٣) حدّثنى يُونُسُ بْنُ عبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِى ــ وقوله: " ما من نبى من الأنبياء إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيتُ وحياً ... " الحديث، قال الإمام: أشار ﷺ بقوله: " وحياً " إلى معنى بَسَطه العلماء فقالوا: بأن (١) معجزته ﷺ يبعدُ أن يَتَخَيَّلَ فيها أنها دربٌ من السحر، وإنما هو كلام معجز ولا يقدر السحرةُ أن يأتوا بما يتخيل تشبيهاً به كما فُعِلَ فى عصا موسى وغيرها؛ لأنَّهم أتوا بعصىٍّ وحبال يُتَخَيَّلُ أنها (٢) تسعى، فيحتاج التمييز بينها وبين ما أتى به موسى ﵇ إلى نظر، والنَّظَرُ عُرْضَة الزلل فيخطِى الناظِرُ فيعتقد أن ذلك سواءٌ. قال القاضى: وفيه وجه آخر وهو: أن سائر معجزات الأنبياء انقرضت بانقراضهم، ولم يشاهدها إلا ما كان حاضراً لها، ومعجزة نبينا ﷺ من القرآن وخرقه للعادة فى أسلوبه وبلاغته بَيِّنة لكل من يأتى إلى يوم القيامة إلى ما انطوى عليه من الإخبار عن الغيوب، فلا يَمر عَصْرٌ إلا ويظهر فيه معجزة مما أخبر أنها تكون، تدل على صدقه وصحة نبوته وتجدّد الإيمان فى قلوب أمته. ووجه آخَرَ على أحد المذهبين فى القول بالصَّرْفة (٣)، وأن المعارضة كانت من جنس قوة البشر لكنهم لم يقدروا عليها - على أحد قولى الأشعرى - وصُرِفوا عنها، أو من قدرة

стр. 462

عَمْرٌو؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلَا نَصْرَانِىٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسَلْتُ بِهِ، إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ". ٢٤١ - (١٥٤) حدثنا يَحْيَى بْنُ يحيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الهَمْدَانِىّ، عَنْ الشَّعْبِىِّ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَ الشَّعْبِىّ فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا مَنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ فِى الرَّجُلِ، إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا: فَهُوَ ــ البشر فمنعوا منها - على قول المعتزلة - فعدولهم عن المعارضة لأحد الوجهين المتقدمين ورضاهم بالقتل والجلاء، ونكولهم عن ذلك وهو من مقدورهم أو جنس مقدورهم، أبين فى الدلالة من غيرها من الأمور التى تختلج فى الظنون الكاذبة، ويموه فيها الملحد بالشبه المخيلة، إذ العجز عن المقدور أوقع فى النفوس وأوضح فى الدلالة من إبداء الغريب والمجىء بما لم يُعْهَد عند هؤلاء. وإليه نحا أبو المعالى (١) فى بعض كتبه. وقوله ﷺ : " لا يسمع بى أحد من هذه الأمة؛ يهودى ولا نصرانى، ثم يموت ولا يؤمن بالذى أرسلتُ به، إلا كان من أصحاب النار ": فيه دليل على أن من فى أطراف الأرض وجزائر البحر المقطعة ممن لم تبلغه دعوة الإسلام ولا أمر النبى ﷺ أن الحرج عنه فى عدم الإيمان به ساقط لقوله: " لا يسمع بى "، إذ طريق معرفته والإيمان به ﷺ مشاهدة معجزته وصدقه أيام حياته، أو صحة النقل بذلك والخبر لمن [لم] (٢) يشاهده وجاء بعده، بخلاف الإيمان بالله وتوحيده الذى يوصَل إليه بمجرد النظر الصحيح ودليل العقل السليم. وذكر مسلم ﵀ قول بعضهم فى الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها: أنه كراكب بدنته (٣).

стр. 463

كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ. فَقَالَ الشَّعْبِىُّ: حَدَّثَنِى أَبُو بُرْدَةَ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " ثَلاثَة يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِىَّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ. وَعَبْد مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ تَعَالَى وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ. وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ ". ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِىُّ لِلخُرَاسَانِىِّ: خُذْ هَذَا الحَدِيثَ بَغَيْرِ شَىْءٍ، فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ. وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ صَالِح ابنِ صالِحٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ــ لا خلاف بين أهل العلم فى جواز تزويج الرجل معتقته، وإنما اختلفوا فيمن جعل صداقها عتقها، وهل يكون صداقاً أم لا؟ وبسطه يأتى فى النكاح، واختلفوا فى ركوب الرجل بدنته، وبابه فى الحج.

стр. 464

(٧١) باب نزول عيسى ابن مريم حاكماً بشريعة نبينا محمد ﷺ ٢٤٢ - (١٥٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ شِهَابٍ، عِنْ ابْنِ المُسَيَّبِ؛ أَنَّه سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُول: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ". وَحدّثناه عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْن إِبْرَاهِيمَ بْن سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِىِّ بِهَذَا الإسْنَادِ. وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: " إِمَامًا مُقْسِطًا وَحَكَمًا عَدْلاً ". وَفِى رِوَايَةِ يُونُسَ: " حَكَمًا عَادِلاً " وَلَمْ يَذْكُرْ " إِمَامًا مُقْسِطًا ". وَفِى ــ وقوله: " لينزلن فيكم عيسى ابن مريم حكماً مقسطاً (١) ... " الحديث، قال الإمام: قال الهروى وغيره: الإقساط والقسط: العدلُ، ومنه قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢)، ومنه الحديث: " إذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا " (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ (٤) أى: أعدل، وقال الله سبحانه: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ (٥) أى: بالعدل كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل﴾ (٦). قال ابن قتيبة: وسُمى الميزان بالقسط لأن القسط: العدل، وبالميزان يقع العدل فى القسمة، وقوله سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ (٧) [أى ذوات القسط] (٨)، وهو العدل. قال غيره: وأما قسط بغير ألف فمعناه جار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٩)، يقال: قسط يقسط قسْطاً وقُسُوطاً إذا جار، والإقساط والقسط: العدل، والقُسُوطُ والقَسْطُ: الجور.

стр. 465

حَدِيثِ صَالِحٍ: " حَكَمًا مُقْسِطًا " كَمَا قَالَ اللَّيْثُ. وَفِى حَدِيثِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: " وَحَتَّى تَكُوَنَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُم: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه﴾ (١) الآيَةَ. ــ قال القاضى: وفى قوله: " ويقتل الخنزير ": دليل على قتلها إذا وجدت، ببلاد الكفر وبأيدى من أسلم من أهل الذمة (٢). وقيل: تُسَرَّح. وفى قوله: " ويكسر الصليب ": دليل على تغيير آلات الباطل وكسرها، ودليل على تغيير ما نسبه النصارى إلى شرعهم، وترك إقرارهم على شىء منه، وأنه يأتى ملتزماً لشريعتنا. وقيل: معنى قوله: " ويكسر الصليب ": أى يُعطِّل أمره ويُسقط حكمه، كما يقال: كسر حجته. وقوله: " وَيَضَعُ الجزيةَ ويفيض المال ": قيل: يُسقطها فلا يقبلها من أحدٍ؛ لأن المال حينئذٍ يفيض وتقىء الأرض أفلاذ كبدها منه، كما جاء فى الحديث الآخر، فلهذا أسقطها هو، إذ لم يكن فى أخذها منفعة للمسلمين، فلم يقبل من أحدٍ إلا الإيمان بالله. وقد يكون فيض المال هنا من وَضْع الجزية، وهو ضربْها على سائر الكفرة، إذ لم يقاتله أحد، وإذْ وضعت الحربُ أوزارها، وإذْ أذعَن جميع الناس له، إما بإسلام أَوْ إلقاء يدٍ، فيضعُ عليه الجزية ويضربُها (٣). قوله: " حتَى تكون السجدة الواحدة [خيراً] (٤) " من معنى ما تقدم، أن أجرها خيرٌ لمصليها من صدقته بالدنيا وما فيها لفيض المال حينئذ؛ ولهذا لا يوجد من يقبله، ولهوانه وقلة الشحِّ به، وقلَّة الحاجة إليه للنفقة فى الجهاد لوضع الحرب أوزارها حينئذ، وتكون السجدة [الواحدة] (٥) بعينها أو عبارة عن الصلاة، وأهل الحجاز يسمون الركعة سجدةً، ومنه فى الحديث: " صلينا مع النبى ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين

стр. 466

٢٤٣ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءٍ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَاللهِ! لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلاً، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلاصُ فَلا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ والتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ. وَلَيَدْعُوَنَّ - وَلَيُدْعَوُنَّ - إِلَى الْمَالِ فَلا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ ". ٢٤٤ - (...) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِى نَافِعٌ، مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّ أَبَا هرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ــ بعدها " (١). وقوله: " ولتُتْركنَّ القلاص فلا يُسْعى عليها "، قال الإمام: القلاص جمع قلوص. [وهى من الإبل كالفتاة] (٢) من النساء والحدث من الرجال. قال القاضى: معناه: أن يزهد فيها ولا يُرْغَبُ لكثرة المال، وكانت القلاص أحبَّ أموال العرب، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ (٣). وقوله: " لا يُسْعَى عليها ": أى لا تطلب زكاتها إذ لا يُوجَدُ من يقبلها، كما جاء فى الحديث. والساعى: العامل على الزكاة. وهذا يؤيد التأويل الأول فى قوله: " ويَضَعُ الجزيةَ " (٤). قوله: " ولتذهبنَّ الشحناء "، قال الإمام: أى العداوة والضَّغْنُ (٥). وقول أبى هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه﴾ الآية (٦)، قال القاضى: يريدُ يؤمن بعيسى قبل موته، وتقدير الآية: وإن من أهل الكتاب أحدٌ إِلَّا يؤمن به، وقيل: وإن من أهل الكتاب إلا من يؤمن به قبل موته، أى موت

стр. 467

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ ". ٢٤٥ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِى نَافِعٌ مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَأَمَّكُمْ؟ ". ٢٤٦ - (...) وحدّثنا زُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِع، مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ " فَقُلْتُ لابْنِ أَبِى ذِئْبٍ: إِنَّ الأَوْزَاعِىَّ حَدَّثَنَا عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ نَافِع، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: " وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ ". قَال ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ: تَدْرِى مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُنِى. قَالَ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎ وَسُنَّةِ ــ عيسى عند نزوله إلى الأرض، وتصير الملل كلها واحدةً على ملَّة الإسلام. وقيل: الهاء عائدة على الكتابىِّ، أى قبل أن يموت هو، وعند رؤيته الحق يؤمن بعيسى كل من كذب به منهم، وقد قرئ: " قبل موتهم " وهو على هذا التأويل. وقيل: الهاء فى ﴿به﴾ عائدة على نبينا محمد ﷺ ، وفى ﴿موته﴾ على الكتابيين (١). وقوله: " وإمامُكم منكم " وفى الحديث الآخر: " فأمكُمْ مِنكم ": فسَّره فى الكتاب أبن أبى ذئب فقال: فأمَّكُمَ بكتاب الله وسُنَّة نبيكم. وهذا كلام حسنٌ؛ لأن عيسى ليس يأتى لأهل الأرض رَسولاً ولا نبياً مبعوثاً، ولا بشريعة جديدة؛ لأن محمداً ﷺ خاتَم النبيين، وشريعته ناسخة لجميع الشرائع راسخة إلى يوم القيامة، وإنما يحكم عيسى بها.

стр. 468

نَبِيِّكُمْ ﷺ . ٢٤٧ - (١٥٦) حدّثنا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَهَارُون بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ - وَهُو ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ". قَالَ: " فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ: لا. إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ ". ــ وأما قوله: " إمامكم منكم " فهو مفسر - أيضاً - فى الحديث من رواية جابر فى الأم حيث قال: " فينزل عيسى، فيقول أميرهم: تعال فصلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة من الله لهذه الأمة ". وقوله: " حكماً مقسطاً وإماماً عدلاً ": دليلٌ على أنه لم يأت بشرعٍ محدثٍ، ولا أرسل بملةٍ جديدةٍ ولا جاء نبياً مبعوثاً. وقوله: " لا يزال طائفةٌ من أمتى ظاهرين " أى: غالبون عالون، قال الله تعالى: ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه﴾ (١).

стр. 469

(٧٢) باب بيان الزمن الذى لا يقبل فيه الإيمان (١) ٢٤٨ - (١٥٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلاءِ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِها آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فَيَوْمئِذٍ ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (٢) ". حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ذَكوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبى هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدِ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ــ وقوله: " لا تقوم الساعةُ حتى تطْلُع الشمسُ من مغربها "، وقع تفسيره فى الحديث، وهو على ظاهره عند أهل الفقه والحديث والمتكلمين من أهل السنة، خلافاً لمن تأوَّله من المبتدعة والباطنية، وهو أحد الأشراط المنتظرة. وقوله: " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع

стр. 470

٢٤٩ - (١٥٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ، وَزهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، جَمِيعًا عَنْ فُضَيْلِ ابْنِ غَزْوانَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ثَلاثٌ إِذَا خَرَجْنَ، لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، والدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ ". ٢٥٠ - (١٥٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ. قَالَ ابْنُ أيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِىِّ - سَمِعَهُ ــ الشمس من مغربها، والدجالُ، ودابَّةُ الأرض ": اختلف فى أول الآيات، فقيل: أولها طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، من رواية ابن أبى شيبة عن عبد الله بن عمرو (١). عن النبى ﷺ قال: " وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها "، وفى حديث أنس: " أول أشراط الساعة نار [تخرج من اليمن تحشر الناس] (٢) "، وفى حديث حذيفة بن أُسَيد: " آخر ذلك النار "، وسيأتى هذا كله بأكثر شرحاً آخر الكتاب عند ذكر أحاديثه (٣). وذكر فى الحديث قوله: ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ (٤): قال: " مستقرها تحت العرش ". وقد اختلفت أقاويل المفسرين فى هذا، فقال القتبى: مستَقَرُّها: أقصى منازلها فى الغروب لا تجاوزه ثم ترجع، وروى عن ابن عباس أنه قرأ هذا الحرف: " لا مستقر لها " (٥)، أى أنها جاريةٌ أبداً لا تثبت فى موضع واحدٍ. قال بعض أصحاب المعانى: وعلى جمع القراءتين جريها بحسبان لا مستقر لها، حتى ترتفع إلى أبعد غاياتها وجريها تحت العرش، وهو مستقرها على القراءة الأخرى. وقوله: " أتدرى أين تذهب؟ ": هذا الحديث استدل الطحاوى منه على أنها تغرُب

стр. 471

فِيمَا أَعْلَمُ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا: " أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ ". قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ تَجْرِى حَتَّى تَنْتَهِىَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِى، ارْجِعِى مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِى حَتَّى تَنْتَهِى إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِى، ارْجِعِى مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِى لا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِى إِلَى مُسْتَقَرّهَا ذَاك، تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِى، أَصْبِحِى طَالِعَةَ مِنْ مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ". ــ فى السماء، وذكر قراءة من قرأ " حامئة " (١)، يعنى: حارة، " وحمئة " (٢) من الحمأة والطين، وقال: لا يبعُد أن يوجَدَ الطين فى السماء، واستشهد بقوله: ﴿لِنُرْسِل عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ (٣) الآيتين، ولا حجة له فى هذا كله فقد جاءت الآثار أن العين الحمئَةَ فى

стр. 472

(...) وحدّثنى عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِىُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللهِ - عَنْ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِىّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا: " أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ " بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ. (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كُرَيْبٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِىِّ، عن أَبِيهِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالسٌ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ قَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِى أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأذِنُ فِى السُّجُودِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِى مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا ". قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ فِى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا. ٢٥١ - (...) حدّثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ - حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ قَال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ (١)؟ قَالَ: " مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ ". ــ الأرض، وهو ظاهر القرآن فى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ الآية (٢)، وأما إرسال الحجارة فيرسلها الله من حيث يشاء ويخلقها حيث يشاء. وقوله: " تسجد تحت العرش ومستقرها تحت العرش ": فالسماوات والأرض كلها تحت العرش.

стр. 473

(٧٣) باب بدء الوحى إلى رسول الله ﷺ ٢٥٢ - (١٦٠) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ حَدَّثَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الْصَّادِقَةَ فِى النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءْتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ــ وقوله: " أول ما بدُئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة ": فى هذا حكمة من الله تعالى، وتدريج لنبيه ﷺ لما أراده (١) الله - جل اسمه به (٢) - لئلا يفجأه الملك، ويأتيه صريح النبوة بغتَةً فلا تحتملها (٣) قُوى البشرية، فبدأ أمره بأوائل خصال النبوَّة وتباشير الكرامة، من صدق الرؤيا. وما جاء فى الحديث الآخر من رؤية الضَّوء، وسَماع الصوت، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة، حتى استشعر عظيم ما يراد به، واستعَدَّ لما ينتظره، فلم يأته الملك إلا لأمر عنده مقدّماته وبشاراته. وفيه أن الرؤيا الصادقة أحد خصال النبوَّة، [وتباشير الكرامة] (٤)، وجزء منها، وأول منازل الوحى، وأَنَّ رؤيا الأنبياء وحى، وحقٌّ صدقٌ، لا أضغاث فيها، ولا سبيل للشيطان إليها. وقال أبو عبيد (٥) الله القزاز: قوله: " من الوحى ": " من " هنا لإبانة الجنس، كأنه قال: من جنس الوحى، وليس من الوحى، فتكون " من " للتبعيض، ولذلك قال: فى النوم. ورؤيا الأنبياء فى الصحة كالوحى. قال القاضى: قد جاء فى الحديث أنها جزء من أجزاء النبوة، و [قد] (٦) قدمنا أنها من جملة خصالها، والوحى أنواع وضروب، وينطلق على معان فلا يبعد أن تكون " من " للتبعيض على هذا، وأصله الإعلام، ورؤيا المنام إعلام وإنذار وبشارة.

стр. 474

ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِىَ أُولاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزوَّدُ لِذلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا. حَتَّى ــ وفلق الصبح وفرقهُ ضياؤه (١). وقوله: " فكان يخلو بغار حراء يتحنَّث فيه وهو التعبد "، قال الإمام: حِراء بالمد جَبَل بينه وبين مكة قدر ثلاثة أميال عن يسارك إذا سِرْتَ إلى مِنًى، ويجوز فيه التذكير والتأنيث وتذكيره أكثر. قال القاضى: فمن ذكَّره صرَفه ومن أنَّثه لم يَصرفِه، وهو جبل مذكر [ومؤنث] (٢) [إذا أريد] (٣) البقعة التى فيها الجبل أو الجهة، وقد قال بعضهم فيها: حَرّى بالقَصرِ وفتح الحاء، وكذا ضبطه الأصيلى فى كتاب البخارى بخطه بالوجهين، والأول أعرفُ وهو الصحيح. وقال الخطابى: أصحاب الحديث يخطئون فيه فى ثلاثة مواضع، يفتحون الحاء وهى مكسورة، ويكسرون الراء وهى مفتوحة (٤) ويقصرون الألف وهى ممدودة. قال الإمام: [وقوله] (٥): " يتحنَّثُ " أى يتعبد، قاله مسلم: وقد تقدم أن يتحنث [معناه] (٦): يفعل فعلاً يخرج به من الحنث، والحنث: الإثم. واختلف الناس: هل كان متعبداً قبل نبوته بشريعة أم لا؟ فقال بعضهم: إنه غير متعبد أصلاً، ثم اختلف هؤلاء: هل ينتفى ذلك عقلاً أم نقلاً؟ فقال بعض المبتدعة: ينتفى عقلاً؟ لأن [فى] (٧) ذلك تنفيرًا عنه، وغضٌّ من قدره إذا تنبَّأ عند أهل تلك الشريعة التى كان من جملتهم، ومن كان تابعاً فيبعُد منه أن يكون متبوعاً. وهذا خطأ، والعقل لا يحيل هذا. وقال الآخرون من حذاق أهل السنة: إنما ينتفى ذلك من جهة أنه لو كان لنُقِلَ، ولتداولته الألسن، وذكر فى سيرته، فإن هذا مما جرَت العادةُ بأنه لا ينكتم. وقال غير هاتين الطائفتين: بل هو مُتعبَّدٌ، ثم اختلفوا أيضاً: هل كان متعبداً بشريعة إبراهيم أو غيره من الرسل؟ فقيل فى ذلك أقوال، ويحتمل أن يكون المراد بقوله:

стр. 475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (١) فى توحيد الله وصفاته. قال القاضى: ولا خلاف بين أهل التحقيق أنه قبل نبوته ﷺ وسائر الأنبياء منشرح الصدر بالتوحيد، والإيمان بالله، لا يليق به الكفر ولا الشك فى شىء من ذلك ولا الجهل به، ولا خلاف فى عصمتهم من ذلك - خلافاً لمن جوَّزه. وحجة المانعين منه الطريقان المتقدّمان، والصحيح منهما النقل، فلو كان شىء من ذلك لنقل، بل تظاهرت الأخبار الصحيحة عنه ﷺ وعن غيره من الأنبياء بصحة معرفتهم بالله وهدايتهم من صغرهم وتجنُّبهم عبادة غير الله، فقد عيَّرت قريش نبينا والأممُ أنبياءهم ورمتهم بكل آفة ورامت نقصَهم بكل جهة، وبرَّأهم الله مما قالوا، وقصَّ الله علينا من ذلك فى كتابه: ﴿وقالوا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (٢)، و ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء﴾ (٣) ولو كان أحدُهم عبدَ معهم معبودهم وأشرك بشركهم قبل نبوته لعيَّروه بِتلوَّنه فى معبوده، وقرَّعوه بفراق ما كان معهم عليه من ديانته، وكان ذلك أبلغ فى تأنيبهم لهم من أمرهم بمفارقة معبود آبائهم، وقد بسطنا الكلام فى هذا الفصل بما فيه مقنع فى غير هذا الكتاب، وجئنا بالأجوبة عما يُعْترَض به على هذا من ظواهر القرآن كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٥) وقول إبراهيم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (٦) وأشباه هذا ومعانى هذه الآى وتأويلاتها فى كتابنا الشفا (٧).

стр. 476

فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِى غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اِقْرَأ. قَالَ: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ ". قَالَ " فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلِنِى فَقَالَ: اقْرَأ ". قَالَ: " قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ ". قَالَ: " فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ: اقْرَأ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق. خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقَ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ (١) ". فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ــ وخلوه ﷺ بغار حراء وتحنثه [فى] (٢) أول مبادى بشارات نبوته، وذلك أن تحبيب الخلوة له إلهامٌ من الله، لما أراد الله به خلوة بنفسه، وتفرّغِه للقاء رُسُلِ ربه، وسماع وحيه، وقطعه العلائق الشاغلة عن ذلك كما كان. وفيه تنبيه على (٣) فضل الخلوة والعزلة، وثمرة التفرغ لذكر الله. فإن ذلك يريح السِّرَّ من الشغل بغير الله، ويقل الهم بأمور الدنيا، ويخلى القلب عن التعلق والركون لأهلها، فيصفو، وتنفجر ينابيعه بالحكمة، وتشرق جوانبه بالحقائق والمعرفة، ويفيض عليه من نفحات فضل الله وأنوار رحمته ما قُدَّر له. وقوله: " حتى فجئه الحق ": أى أتاهُ بمرةٍ، يقال: فجئ، بكسر الجيم، يفجأ وفجأ، بفتحها أيضاً. وقوله: " اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ "، قال الإمام: قيل: " ما " هاهنا نافية، وقيل: استفهامية، كأنه قال ﷺ : أى شىء أقرأ؟ وقد ضعَّفوا الاستفهام بإدخال الباء، ولو كان استفهاماً لقال (٤): ما أنا قارئ، وإنما تدخل الباء على ما النافية فتكون الباءُ تأكيداً للنفى. قال القاضى: يصحح من قال: إنها للاستفهام رواية من روى: " ما أقرأ " وقد يصح أيضاً أن تكون هنا " ما " نافية. وقوله: " فغطنى ": أى غمنى وعَصرَنى، ورواه بعضهم: " فغتَّنى " وهما بمعنى، قال ابن الأنبارى: معنى " غتنى ": ضغطنى، وكأنه يضارع غطَّنى؛ لأن المضغوط يُبْلَغُ منه الْجهدُ (٥)، وكذلك المغتوت.

стр. 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفى العين: غطَّه فى الماء غرَّقة وغمَسهُ، وفى حديث آخر: " يغتهم الله فى العذاب الأليم ": أى يغمِسَهُم، ويقالَ: غطَّه وغَتَّهُ وخنقَه بمعنى واحد (١). وقوله: " حتى بلغ منى الجهد ": أى الغاية والمبالغة والمشقة، يقال بفتح الجيم وضمها. وهذا الغط من جبريل [له] (٢) ﵉ إشغال له عن الالتفات إلى شىء من أمر الدنيا، وإشعار بالتفرغ لما أتاه به، وفعل ذلك ثلاثاً فيه تنبيه على استحباب تكرار التنبيه ثلاثاً. وقد استدل به بعضُهم على جواز تأديب المُعَلِّم للمتعلمين ثلاثاً. وقال أبو سليمان: وإنما كان ذَلك ليبلُوَ صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كُلّفه من أعباء النُّبُوَّة (٣)؛ ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم ويأخذه الرحضَاءُ - أى البهرُ والعرق - قال: وذلك يدل على ضعف القوة البشرية والوجل، لتوقع تقصير فيما أُمر به وخوف أن يقول غيره. هذا معنى ما أطال به فى هذا. وقال القاضى أبو الحسن بن القصَّار (٤): وفى قوله: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق﴾ (٥) ردٌّ على الشافعى أن باسم الله الرحمن الرحيم آية من كل سورة، وهذه أول سورة نزلت وليس ذلك فيها (٦). قال القاضى: وقد اختلف فى أول ما نزل من القرآن، فقيل: ﴿اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ على مقتضى ظاهر هذا الحديث، وهو قول عائشة وجماعة من المفسّرين، وقيل: إن الذى نزل منها أولاً إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ (٧) وهو مفسَّرٌ فى الحديث، ثم نزل بعد ذلك. ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل﴾ و ﴿ن وَالْقَلَم﴾ وفى رواية جابر: إن أول ما نزل عليه. ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر﴾.

стр. 478

خَدِيجَةَ فَقَالَ: " زَمِّلُونِى زَمِّلُونِى " فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: " أَىْ خَدِيجَةَ، مَا لِى " وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: " لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِى ". قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةَ: كَلا، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا. وَاللهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، ــ وقوله: " ترجف بوادره ": قال الإمام: ترجُف: أي ترعدُ [بوادره وتضطرب] (١) والبوادر من الإنسان وغيره: اللحمة التى بين المنكب والعنق (٢). قاله أبو عبيد فى الغريب المصنف. [وقوله: " زملونى ": أى دثرونى بالثياب] (٣). قال القاضى: قد رواه فى الأم - أيضاً - فى الحديث الآخر: " يرجُفُ فؤاده " وذكره البخارى - أيضاً - أى يخفق، والرجفان: الاضطرابُ وكثرةُ الحركة ومنه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ (٤)، وهذا هو سبب طلبه أن يُزَمَّل ويُدثَّر، أى يُغَطَّى وَيُلفُّ بالثياب، لِشدَّة ما أصابه من هول الأمر، ولحقه من شِدَّة الغطِّ وثِقَلِ الوحى، وإن كان قد قال بعض المفسرين: إنه إنما كان يفعل هذا فَرقًا من جبريل لأول ما يلقاهُ حتى أنس به، وقيل: بل قيل له: يا أيها المدَّثر والمزمِّل لأنه حين أتاه الملك وجده متزملاً ملتفاً بثوبه فنودى بصفة حاله. والأول أصح وأولى لفظاً ومعنًى. والتزمُّل والتدثر واحدٌ. ويقال لكل ما يلقى على الجسد: دثارٌ، ولِلفَافَةِ القربهِ: زمالٌ، ومعنى المزَّمِّل والمدثر: المتزمّلُ والمتدثرُ، أدغَمت التاء فيما بعدها، وقد جاء فى أثر أنهما من أسمائه ﷺ (٥). وقوله: " لقد خشيتُ على نفسى ": ليس بمعنى الشك فيما أتاه من الله، لكنه

стр. 479

وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى. وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ، أَخِى أَبِيهَا. وَكَانَ امْرَأ تَنَصَّرَ فِى الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِىَّ وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّة مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِىَ. فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَىْ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: يَابْنَ أَخِى، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَآهُ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ﷺ يَا لَيْتَنِى فِيهَا جَذعًا، يَا لَيْتَنِى أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ــ عساه خشى أنه لا يقوى على مقاومة هذا الأمر، ولا يقدر على حمل أعباء الوحى فتزهق نفسه، أو ينخلع قلبه لشدة ما لقيه أولاً عند لقاء الملك، أو أن يكون قوله هذا لأول ما رأى التباشير فى النوم واليقظة وسَمِعَ الصوت قبل لقاء الملك وتحقيقه رسالة ربه، فيكون ما خاف أوَّلاً أن يكون من الشيطان، فأما مُنذ جاءه الملك برسالة ربه فلا يجوز عليه الشك فيه، ولا يخشى من تسلط الشيطان عليه (١). وعلى هذا الطريق يحمل كل ما وَرَدَ من مثل هذا فى حديث المبعث (٢). وقول خديجة - رضى الله عنها -: " لا يخزيك الله أبداً " كذا قال يونس وعُقيل، بالخاء المعجمة والياء، وقال معمر: " يَحزُنك " بالحاء المهملة والنون. ومعنى: " يخزَيك ": يفضَحُك ويُهينُك، بلُ يثبّتُكَ حتى لا يُنسَبَ إليك كَذِبٌ فيما قُلتَه ولا يُسَلَّط عليك شيطان بتخبطه الذى حَذرتَه. ومعنى " يُحْزِنُكَ ": أى يوقع ما تخافه من ذلك. وهذا تأنيس منها للنبى ﷺ ، إن كان هذا الأول ما رأى من المقدمات والتباشير، وقبل تحقيقه الرسالة ولقاء الملك. أو يكون قوله لما خشى من ضعف جسمه عن حمل ذلك.

стр. 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقولها: " وتحمل الكَلَّ وتكسب المعدوم "، قال الإمام: قال ابن النحاس: الكلُّ: الثقيل (١) من كل شىء فى المؤونة والجِسْمِ، والكلُّ - أيضاً -: اليتيم [وقول وتكسب المعدوم] (٢). قال ابن النحاس: ويقال: كسبتُ الرجُلَ مالاً وأكسبته مالاً، وأنشد: فأكسبتنى مالاً وأكسبته حمداً قال القاضى: أصل الكَل هنا، بفتح الكاف: الثقل، وقيل: أرادت به الضعيف، وقال بعضهم: أرادت (٣) به اليتيم والمسافر، وهو الذى أصابه الكَلال، والكلُّ هو الذى عيَّالٌ على صاحبه، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ كَل عَلَى مَوْلاهُ﴾ (٤) وروايتنا [فى] (٥) هذا عن أكثر شيوخنا " تكسِبُ " بفتح التاء، وعند بعضهم [تُكسَبُ] (٦) بضمّها وبالوجهين قرأنا الحرف على الحافظ أبى الحسن فى غير هذا الكتاب. وحكى أبو عبد الله بن القزاز (٧) أن كَسَبَ حرفٌ نادرٌ، يقال: كسبتُ المال وكسبتهُ غيرى، ولا يقال: اكتسبتَ. وحكى الهروى والخطابى: كسبْتُ مالاً وكسبته زيداً، وحكى عن ثعلب وابن الأعرابى: أكسبت زيداً مالاً (٨). وذكر ثابت (٩) فى دلائله فى معنى هذا: أنَّك تصيبُ وتكسبُ ما يعجز غيرك عن كسبه ويَعْدَمَهُ، والعربُ كانت تتمادح بكسب المال لا سيما قريش، وقد عُرِفوا بقريش

стр. 481

" أَو مُخْرِجِىَّ هُمْ؟ ". قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِىَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤزَّرًا. ــ التجار، وسُمُّوا بذلك من التقرش وهى التجارة على أحد الأقوال (١). وعلى هذا لا تكون التاء إلا مفتوحة، لأنه مُعدَّى لمفعول واحد، وكان النبى ﷺ مجدوداً (٢) فى تجارته، وخبره بذلك مشهور، وقيل معناه: وتكسب الناس ما لا يجدونه من معدومات الفوائد - وهذا مُعدَّى إلى مفعولين، والتاء هنا مفتوحة وعلى قول للأكثر (٣)، وتضم على قول بعضهم كما تقدَّم. وهذا أبلغ فى المدح، وأشهر فى خلق نبينا ﷺ قبل النبوة وبعدها. وقوله: " هذا الناموس "، قال الإمام: قال أبو عبيد فى مُصَنَّفِه: الناموس: جبريل، وقال المطرز (٤): قال ابن الأعرابى (٥): لم يأت فى الكلام فاعولٌ، لام الفعل سينٌ إلا الناموس والجاسوس والجاروس والقاعوس والبابوس والداموس والقاموس والقابوسُ

стр. 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعاطوس (١) والفانوس، والجاموس. فالناموس: صاحبُ سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر، والجاروس: الكثير الأكل، والقاعوس: الحيَّة، والبابوس: الصبى الرضيع. قال غيره: وجاء فى شعر بن أبى أحمر يذكر ولد الناقة: جنت قلوصى إلى بابوسها جَزَعاً ... وما حنينك أَم ما أنتِ والذُّكَرُ [قال الهروى: لم يعرف فى شعر غيره، والحرف غير مهموز] (٢) قال: ومنه حديث كعب: " إن عابد بنى إسرائيل مسح رأس الصبى فقال: يا بابوس " (٣). والداموس: القبر، والقاموس: وسط البحر، والقابوس: الجميل الوجه، والعاطوس (٤) دابةٌ يتشام بها، والفانوس: النمَّام، والجاموس: ضربٌ من البقر. قال ابن دُريد فى الجمهرة: جاموسٌ أعجمىٌّ، وقد تكلمت به العرب، قال الراجز: والأقْهَميْس (٥) الفيل والجاموسا [قال] (٦): والجاسوس كلمة عَربية، فاعول من تجسَّسَ. قال غيره: والجاسوس، بالحاء، غير معجمة من تحسَّسَ، وهو بمعنى الجاسوس. قال الإمام: وفى كتاب مسلم " أن هؤلاء الكلمات بلغن قاعوس البحر " و [قد] (٧) قال ابن دريد فى الجمهرة: [و] (٨) الكابوس: هو الذى يقع على الإنسان فى نومه، والناموس: موضع الصائد (٩)، وناموس الرجل: صاحب سِرّه. قال القاضى: وحكى الحربى عن ابن الأعرابى: الناموس: الخَدَاعَة، قال الهروى: وسُمى جبريل ناموساً لأن الله تعالى خَصَّه بالوحى والغيب، وسيأتى الكلام على قوله فى الكتاب " قاعوس البحر " والخلاف فيه، فى موضعه بعد هذا إن شاء الله. وقوله: " يا ليتنى فيها جذعاً "، قال الإمام: قوله: " فيها " يعنى فى النبوة، وقوله: " جذعاً " يعنى شاباً (١٠) حين تظهر النبوة حتى أبالغ فى نُصْرته، والأصل فى الجذع من الدواب، وهو هاهنا استعارةٌ، والظاهر أن يكون [انتصب جذع على الحال،

стр. 483

٢٥٣ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِىُّ: وَأَخْبَرَنِى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْىِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَوَاللهِ لا يُحْزِنُكَ اللهُ أَبَدًا. وَقَالَ: قَالَتْ خَدِيجَةُ: أَىِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. ٢٥٤ - (...) وحَدثَنِى عَبْدُ الْمَلِك بْنُ شُعَيْبِ بْنِ الليْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدى قَالَ: حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بَنُ خَالدٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ــ والتقرير: يا ليتنى فى حين نبوته فى حال الشباب] (١)، ويصح أن يكون جذعاً منصوبٌ على أنه خبر كان المحذوفة، والتقدير: يا ليتنى أكون فيها جَذَعاً، وهذا على طريقة الكوفيين، ومثل ما تُضمر فيه كان عندهم قول الله تعالى: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ (٢) تقديره عند الكسائى: يكن الانتهاء خيراً لكم، ومذهب البصريين أن " خيراً " إنما انتصب هاهنا بإضمار فعل دلّ عليه قوله: " انتهوا "، والتقدير عندهم: انتهوا وافعلوا خيراً لكم، وحكى عن أبى عُبيد كقول الكسائى فيه. وقال الفراء: هو نعتٌ لمصدر محذوف تقديره: انتهوا انتهاءً خيراً لكم. قال القاضى: كذا وقع الحرف فى أكثر الروايات فى الأم، وفى كتاب البخارى جذعاً بالنصب، ووقع هنا عندنا لابن ماهان: جذَع على خبر ليت، وكذلك هو فى البخارى عند الأصيلى، ووجه النَّصب عندى فيه وأظهره: كونه على الحال، وخبر ليت مُضمرٌ فى " فيها " (٣) تقديره: ليتنى فى أيَّام نبوتك حىٌّ، أو لأيامها مدرك وفى حال شبيبة وقوة وصحة لنُصْرتك، إذا كان قد أسَنَّ وعمى عند قوله هذا، كما جاء فى الحديث. وقوله: " أنصرْكَ نَصْراً مؤَزَّراً "، قال الإمامُ: أى بالغاً. قال القاضى: كذا جاءت الروايةُ مؤَزَّراً، قال بعضهُم: أصله مُوَازراً؛ لأنه من وازرت، أى عاونتُ، ويقال فيه: آزرت، قال: ويحتمل أن الألف سقطت أمام الواو على التأويل، إذ لا أصل لمؤزَّر فى الكلام، قال القاضى: [وقد] (٤) ظهر (٥) لى أنه صحيح على ما جاءت به الرواية، وأنه أولى وأليق بالمعنى، والمراد: نصراً قوياً، مأخوذ من الأزر وهو القوة، ومنه تأزَّر النبْتُ إذا اشتدَّ وطال، قال الله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ (٦)،

стр. 484

زَوْجُ النَّبِىِّ ﷺ : فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ وَمَعْمَر، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمَا، مِنْ قَوْلِهِ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ. وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْلِهِ: فَوَاللهِ، لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا. وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ: أَىِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. ٢٥٥ - (١٦١) وحدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِى يُونُسُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ جَابِرَ بْن عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِىَّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ يُحَدِّثُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْىِ - قَالَ فِى حَدِيثِهِ -: " فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأسِى، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِى جَاءَنِى بِحِرَاءٍ جَالِسًا عَلَى كُرْسِىٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ". قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِى زَمِّلُونِى، فَدَثَّرُونِى، فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (١) وَهِىَ الأَوْثَانُ. قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْىُ. ــ قيل: قوَّتى، وقيل: ظهرى، ولو كان على ما ذهب إليه هذا القائل لكان صوابُ الكلام مُؤزِراً، بكسر الزاى، وبعد أن ظهر لى هذا وَجدتُ معناه: مُعلَّقاً عن بعض المشايخ، ووجدته للخطابى وهو صحيح (٢). وقوله: " فجثثْتُ منه فَرَقًا "، قال الإمام: يروى: " فحُثِثْتُ " بالحاء غير معجمة، ومعناه: أسرَعْتُ خوفاً منه، [ويروى فجُثثت] (٣)، ويروى: [فجئثت] (٤). قال (٥) الهروى: يقال: جوَث (٦) الرجلُ وجُيئث وجثَّ أى فزع. قال القاضى: أكثر روايات الرواة فى هذا الحرف فى الموضعين الأولين فى الأمِّ " فجُئثت " بالجيم وهمزة مكسورةٍ بعدها وثاءٍ مثلثة، وكذا للعذرى فى الموضع الثالث، وعند الجماعة: " فَجُثِثتُ " بالجيم وتائين معجمتين بثلاثٍ، وكذا عند السمرقندى فى الثلاثة مواضع،

стр. 485

٢٥٦ - (...) وحدّثنى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى قَالَ: حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْىُ عِنِّى فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى " ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " فَجُثثْتُ مِنْهُ فَرَقًا حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ ". قَالَ: وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ الأَوْثَانُ. قَالَ: ثُمَّ حَمِىَ الْوَحْىُ بَعْدُ، وَتَتَابَعَ. وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ وَقَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلاةُ - وَهِىَ الأَوْثَانُ - وَقَالَ: " فَجُثِثْتُ مِنْهُ " كَمَا قَالَ عُقَيْلٌ. ٢٥٧ - (...) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ قَالَ: سمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ: أَىُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر﴾. فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأ﴾؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: أَىُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر﴾. فَقُلْتُ: أَوِ ﴿اقْرَأ﴾؟ قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: " جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِى نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِى، فَنُودِيتُ. فَنَظَرْتُ أَمَامِى وَخَلْفِى وَعَنْ يَمِينِى وَعَنْ شِمَالِى، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ، فَنَظَرْتُ فَلَمْ ــ وكذا (١) اختلفت فيه الرواية عن البخارى. ومعنى الروايتين المذكورتين: فَزعْت، كما يُفسَّرُ فى الحديث من بعض رواية البخارى: " فَرُعِبْتُ " (٢) مكان جَيثت. قال الكسائى: المجؤوثُ والمجثوثُ المذعورُ الفَزع. ولم يقيد (٣) عن أحدٍ من شيوخنا بالحاء المهملة فى مسلم، لكنه وقع كذلك للقابسى فى موضع فى البخارى (٤)، وفسَّرَه

стр. 486

أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأسِى، فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِى الْهَوَاءِ - يَعْنِى جِبْرِيلَ ﵇ فَأَخَذَتْنِى رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِى. فَدَثَّرُونِى، فَصَبُّوا عَلَىَّ مَاءً، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبَّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ". ــ بأسرَعتُ، ولا يصح معناه، وكيف يصبح [تعبيره] (١) بأسرعت، وهو قد قال فى الحديث: " حتى هويتُ إلى الأرض " (٢)، أى سقطت من الفزع، فكيف يجتمع السقوط والإسراع. قال بعضهم: صوابهُ: أهويتُ. قال القاضى: وقد جاء كذا فى موضع فى البخارى (٣) وهو أشهرُ وأصح، وقال غيره: هوى من قريب وأهوى من بعيد. وقال الخليل: هَوِى يَهوى هَوِياً وهُوياً، قال الهروى: وقد يكون الصعود والهبوط يقال فيه: هَويّا بالفتح إذا هبط وبالضمَّ إذا صَعِدَ، وكذا قال الخطابى وغيره (٤). وقال [لنا] (٥) شيخنا أبو الحسين بالعكس. قال غيره: هوَت العُقابُ إذا انقضت على صيدٍ، فإذا راوَعته قيل: أهوت. وقيل فى قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ (٦): أى أهوى بها جبريل إلى الأرض، أى ألقى بها فيها بعد أن رفعها إلى السماء، وقيل فى قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٧): أى سقط. وقال أبو الهيثم: هويت أهوى إذا سقطت، وقال غيره: أهويت يدي إلى السيف وغيره أى أملت، ويقال: هوَيتُ فيه أيضاً. وقوله فى الحديث: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهجُرْ﴾ (٨) وفسرَه، هى الأوثان (٩)، وقيل فيه: الإثم (١٠). وقوله: " فأخذتنى رجفةٌ "، وعند السمرقندى: وجفةٌ، بالواو، ومعناهما متقارب، [و] (١١) هو كله من كثرة الاضطراب، قال الله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَة﴾ (١٢) وقال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ (١٣).

стр. 487

٢٥٨ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ". ــ وقوله: " فإذا هو على العرش فى الهواء " وفى الحديث الآخر: " على عرش بين السماء والأرض " وفى الآخر: " على كرسى ": هذا تفسير معنى العرش فى الحديثين المتقدمين، وأنه كالكرسى والسرير وليس بعرش الرحمن العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (١). قال أهل اللغة: العرش: السرير، وقيل: سرير الملك. وقوله: " ثم حمى الوحْىُ وتتابع ": الكلمتان بمعنى واحدٍ، أى كثر نزوله، وقوى أمره، وازداد، من قولهم حميت النارُ والشمس إذا زاد حرهما، ومنه: حمى الوطيسُ: أى قوى حره، واشتد، ثم استعير فى الحرب. وفى هذا الحديث وشبهه تحقيق العلم بتصور الملائكة على صورٍ مختلفة، وإقدار الله لهم على التركيب فى أى شكل شاؤوا من صور بنى آدم وغيرها، وأنَّ لهم صوراً فى أصل خلقتهم مخصوصة بهم، كلُّ منهم على ما خُلِق عليه وشُكِّل.

стр. 488

(٧٤) باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات ٢٥٩ - (١٦٢) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ. يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ " قَالَ: " فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْت الْمَقْدِسِ ". قَالَ: " فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِى يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ ". قَالَ: " ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِى جِبْرِيلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ ﷺ : اخْتَرْتَ الْفَطْرَةَ ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيل. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ بِى وَدَعَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَىِ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا، فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِى إِلَى السَّمَاء الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مِنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيل. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ . قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بيُوسُفُ ﷺ ، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِى شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفتَحَ جِبْرِيلُ ﵇ قِيلَ: مَنْ ــ ذكر حديث الإسراء قال الإمام: اختلف الناس فى الإسراء برسول الله ﷺ فقيل: إنما كان جميع ذلك مناماً، واحتجوا بقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ (١)، وقيل: بل جميعه كان حقيقة فى اليقظة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (٢)، ولم

стр. 489

هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْه؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِى بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّاَ﴾ (١). ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْه؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ ﷺ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْه؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ﷺ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِى بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيل، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ . قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﷺ ، مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِى إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وإِذَا وَرَقُهَا كَآذانِ الفِيلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلالِ ". قَالَ: " فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِى تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَىَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَىَّ خَمْسِينَ صَلاةٌ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى ربِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّى قَدْ بَلَوْتُ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ ". قَالَ: " فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّى فَقُلْتُ: يَارَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِى، فَحَطَّ عِنِّى خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّى خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِك فَارْجِعْ إِلَى رَبِّك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ". قالَ. " فَلَمْ ــ يقل: بروح عبده، ولا ينتقل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل، واحتجوا - أيضاً - بأن ذلك لو كان مناماً لما استبْعَدته الكفار، ولا كذبوه فيه وافتتن به - أيضاً - بعض من كان أسلم من الضعفاء حتى ارتد، وغير بعيد أن يرى الإنسان مثل ذلك فى المنام. وقيل - أيضاً -: إنما الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان فى اليقظة وما بعد ذلك منام. ويصح لقائل هذا القول أن يبنى فيقول: قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ الآية، كما قال: ﴿إِلَى

стр. 490

أَزَلْ أَرْجِعْ بَيْنَ رَبِّى ﵎ وَبَيْنَ مُوسَى ﵇ حَتَّى قَالَ: " يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَات كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلْهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً " قَالَ: " فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّى حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ ". ٢٦٠ - (...) حدّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِىّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أُتِيتُ فَانْطَلَقُوا بِى إِلَى زَمْزَمَ، فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِى، ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ أُنزِلْتُ ". ٢٦١ - (...) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً. فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِى طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ. ثُمَّ لأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِى مَكَانِهِ، وَجَاءَ الغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِى ظِئْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهْوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِى صَدْرِهِ. ٢٦٢ - (...) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بَلالٍ - قَالَ: حَدَّثَنِى شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى نَمِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثَنَا عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ؛ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلاثَةُ ــ الْمَسْجِدِ الأَقْصَا﴾ كان بالجسد، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاس﴾ يريد ما كان فى المنام بعد ذلك. احتج القائل بهذا التفصيل بأن ذلك خرج مخرج التمدح، والإخبار بتشريفه ﷺ ، ولا يقع التمدح بالأدون مع وجود الأرفع، فلو كان قد صعد إلى السماء بجسده لكان يقول: أسرى بعبده إلى السماء، فهو أبلغ فى المدح من أن يقول: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا﴾.

стр. 491

نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ. وَزَادَ وَنَقَصَ. ٢٦٣ - (١٦٣) وحدثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِى وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﷺ ، فَفَرَجَ صَدْرِى، ثُمَّ غَسَلَهُ منْ مَاء زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِى صَدْرِى، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِى فَعَرَجَ بِى إِلَى السَّمَاء، فَلَمَّاَ جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ ﵇ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَد؟ قَالَ: نَعَمْ. مَعِى مُحَمَّدٌ ﷺ . قَالَ: فَأرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَم. فَفَتَحَ. قَالَ: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ. قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. قَالَ: فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ ﷺ ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ ــ قال القاضى: الحق والذى عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء، والمحدثين والمتكلمين أنه أسرَى بالجسد، والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل، ولا استحالة فى حملها عليه فيحتاج إلى تأويل. وقد جاء فى مسلم من رواية شَرِيك فى هذا الحديث اضطراب وأوهامٌ، أنكرها عليه العلماء، وقد نبَّه مسلم على ذلك بقوله: " فقدَّم وأخَّرَ وزاد ونقص منها " (١). قوله: " وذلك قبل أن يوحى إليه ": وهو غلطٌ لم يوافق عليه، فإن الإسراء أقلُّ ما قيل فيه: إنه كان بعد مبعثه بخمسة عشر شهراً، وهو قول الزهرى (٢). وقال الحربى: كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال الزهرى: كان ذلك بعد مبعث النبى ﷺ بخمس سنين، وقال ابن إسحاق: أسرى به وقد فشى الإسلام بمكة والقبائل (٣). وأشبه هذه الأقاويل قول الزهرى وابن إسحاق، إذ لم يختلفوا أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة عليه، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة بمدة، قيل: بثلاث سنين

стр. 492

وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجنةِ، وَالأَسْوِدَةُ التى عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِى جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا. فَفَتَحَ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِى السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَعِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ ﵇ فى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بإدْرِيسَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِح. قَالَ: ثُمَّ مَرَّ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ. قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى ﵇ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِح. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى. قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِح. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِح. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ. ــ وقيل: بخمس، كما أن العلماء مجمعون أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون هذا كله قبل أن يُوحى إليه؟ وكذلك ذكره فى الحديث شرح صدره وغسله. وقوله: " انطلقوا به إلى زمزم " مع قوله فى الحديث الآخر: " إن ذلك فُعِلَ به وهو مع الغلمان " وما ذكر فى كتاب مسلم: " إن ذلك كان وهو عند مرضعته فى بنى سعد " ويصحح هذا قوله فى كتاب مسلم: " وجاء الغلمان إلى أمه - يعنى ظئره - وهى حليمة بنت أبى ذؤيب " وهذا أصح من كون ذلك بمكة، وأنه كان فى صغره وقبل نبوته وفى غير حديث الإسراء، وأن صح ذكر غسله عند زمزم فلا يبعد ذهاب الملائكة به كذلك ثم ردّه إلى موضعه ويجمع بين الحديثين. وقد وافق شريكاً فى هذا عن أنس غيرُه، وقد جوَّد الحديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وأتقنه وفصَّله [فجعله] (١) حديثين، وجعل شق البطن فى صغره والإسراء بعد ذلك بمكة - وهو المشهور الصحيح.

стр. 493

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِى ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِىَّ كَانَا يَقُولانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ثُمَّ عَرَجَ بِى حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ ". قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِى خَمْسِينَ صَلاةً ". قَالَ: " فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى فَقَالَ مُوسَى ﵇: " مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ " قَالَ: " قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلاةً، قَالَ لِى مُوسَى ﵇: فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ ". قَالَ: " فَرَاجَعْتُ رَبِّى فَوَضَعَ شَطْرَهَا ". قَالَ: " فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ ". قَالَ: " فَرَاجَعْتُ رَبِّى، فَقَالَ: هِىَ خَمْسٌ وَهِىَ خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ ". قَالَ: " فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: قَدْ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّى ". قَالَ: " ثُمَّ انْطَلَقَ بِى جِبْرِيلُ حَتَّى نَأتِى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، ــ وأما قوله فى رواية شريك: " وهو نائم " وقوله فى الرواية الأخرى: " أنا عند البيت بين النائم واليقظان " فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم، ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك حالة أوَّل وصول الملك إليه، وليسَ فى الحديث ما يدلُّ على كونه نائماً فى القصة كلها. وقوله فى صفة البراق: " وهو دابةٌ طويل " جاء بوصف المذكر لأنه وصف البراق، ولو أتى به على لفظ الدابة لقال: طويلة. قال ابن دريد: البراق الدابة التى حُمِل عليها النبى ﷺ ، اشتقاقها من البرق إن شاء الله تعالى. قال القاضى: كأنه يعنى لما وُصِفت به من السرعة، ويحتمل عندى أن تُسمى بذلك لكونها ذات لونين يقال: شاةٌ برقاء إذا كان فى خلال صوفها الأبيض طاقات سود، وجاء وصف البراق فى الحديث: " أنه أبيض "، فقد يكون من نوع الشاة البرقاء وهى معدودة فى البيض؛ ولهذا قال ﷺ : " أبرقوا فإنّ دم عفراء عند الله أزكى من دم سوداوين " (١)، أى ضحوا بالبرقاء وهى البيضاء، وهى هنا " العفراء ".

стр. 494

فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لا أَدْرِى مَا هِىَ ". قَالَ: " ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤلُؤ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ ". ٢٦٤ - (١٦٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ - لَعَلَّهُ قَالَ - عَنْ مَالِك بْنِ صَعْصَعَةَ - رَجلٍ مِنْ قَوْمِهِ - قَالَ: قَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، إِذْ سَمِعْتُ قَائِلاً يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِى، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاء زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِى إِلَى كَذَا وَكَذَا - قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِى مَعِى: مَا يَعْنِى؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ - فَاسْتَخْرِجَ قَلْبِى، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمُ حُشِى إِيمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ: البُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ البَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﷺ ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ ﷺ . قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ ". قَالَ: " فَفَتِحَ لَنَا، وَقَالَ: مَرْحَبًا بِهِ. وَلَنِعْمَ المَجِىءُ جَاءَ ". قَالَ: " فَأَتَيْنَا عَلَى آدَمَ ﷺ ". وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِىَ فِى السَّمَاءِ الثَّانِيةِ عِيسَى وَيَحْيَى - عَلَيْهِمَا ــ وقوله: " فجاء جبريل بإناءٍ من خمرٍ وإناءٍ من لبن، فاخترت اللبن، فقال: [اخترت] (١) الفطرة ". أصل الفطرة فى كلام العرب: الخلقة ومنه: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٢): أى خالقها، وقيل: الفطرة: الابتداء، وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٣): أى أقم وجهك للدين الذى فطر الناس عليه، قيل: الجبلةُ التى جبلهم عليها من النّهى، لمعرفة الله، والإقرار به، وقيل: ما أخذ عليهم فى ظهر آدم ﵇ من الاعتراف بربوبيَّته، وقيل: معناها: الاستقامة؛ لأن الحنيف عند بعضهم المستقيم، [وسمى] (٤) الأحنف على القلب، كما سمى اللديغ [سليماً] (٥)، والحنيفية المستقيمة عن الميل لأديان [أهل] (٦) الشرك، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صَرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧)، وكما قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (٨).

стр. 495

السَّلامُ. وَفِى الثَّالِثَةِ يُوسُفَ. وَفِى الرَّابعَةِ إِدْرِيسَ. وَفِى الْخَامِسَةِ هَارُونَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ قَالَ. " ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِىِّ الصَّالِح، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِىَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ، هَذَا غُلامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِى، يَدْخُلُ مِنْ أُمتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِى ". قَالَ: ثُمَّ " انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَأَتيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ". ــ وقيل فى قوله: " كل مولود يولد على الفطرة " (١) هذه الأقوال كلها، وقيل: ما كتب عليه فى بطن أمه، وقيل: الإسلام، وسيأتى الكلام على هذا الحديث. ويحتمل أنَّ المراد بالفطرة فى قوله: " اخترت الفطرة " بعض هذه المعانى - الإسلام أو الاستقامة أو الحنيفية. أو يكون - أيضاً - لما كان اللبن كله حلالاً فى هذه الشريعة والخمر كله حراماً فعدَل عمَّا حُرّم فيها إلى ما أحِلَّ فيها (٢) دَلَّ ذلك على هدايته لها، وقيل: هو من باب التفاؤل الحسن لما كان أول شىء يدخل جوف الرضيع، ويفتح فمه عليه يسمى فِطْرَةً، لشقه الأمعاء. وما تقدم أوجه. وقوله فى الرواية الأخرى: " أصبتها أصاب الله بك ": أى أصبت الفطرة أو الملة، ومعنى أصاب الله بك: أى قصدَ بك طريق الهداية، وقد يكون أصاب هنا بمعنى: أراد الله بك الخير، واعتمدك به. وقوله فى الخمر: " لو أخذته لغوَت أُمَّتُك " دليلٌ على تحريمها وأنها من الغى وسبَبُ الغى، وضد الهُدى، وليست منه. [و] (٣) ذكر فى الحديث أبواب السماء واستفتاحها وسؤال ملائكتِها لجبريل، فيه دليل على أن للسماء أبواباً حقيقية، وحفظةً موكَّلين بها، ودليلٌ على الاستئذان، وأن ما
следующие страницы →