عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَال﴾ (١).
قَالَ: وَمَرِضْتُ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَأَتَانِى. فَقُلْتُ: دَعْنِى أَقْسِمْ مَالِى حَيْثُ شِئْتُ. قَالَ: فَأَبَى. قُلْتُ: فَالنِّصْفَ. قَالَ: فَأَبَى. قُلْتُ: فَالثُّلُثَ. قَالَ: فَسَكَتَ. فَكَانَ - بَعْدُ - الثُّلُثُ جَائِزًا.
قَالَ: وَأَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقالُوا: تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِيكَ خَمْرًا - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرُّمَ الْخَمْرُ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فِى حَشٍّ - وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ - فَإِذَا رَأسُ جَزُورٍ مَشْوِىٌّ عِنْدَهُمْ، وَزِقٌّ مِنْ خَمْرٍ. قَالَ: فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ. قَالَ: فَذُكِرَتِ الأَنْصَارُ وَالْمُهَاجِرُونَ عِنْدَهُمْ. فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَى الرَّأسِ، فَضَرَبنِى بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِى، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَنْزَلَ الله فِىَّ - يَعْنِى نَفْسَهُ - شَأنَ الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٢).
٤٤ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: أُنزِلَتْ فِىَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَنْ سِمَاكٍ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ شُعْبَةَ: قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطَعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بعَصًا، ثُمَّ أَوْجَرُوهَا. وَفِى حَدِيثِهِ
ــ
رجس، أو نجس "، وفى الرواية [الأخرى] (٣): " إنها رجس أو ركس ". والرجس - أيضاً -: بمعنى اللعنة والعذاب، ومنه: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٤).
وفى قصة سعد وأمه حين حلفت لا تكلمه، ولا تأكل ولا تشرب حتى يكفر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ (٥) بيان شاف أنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.
وقوله: " فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجوا (٦) فاها بعصا ثم أوجروها " بالشين المعجمة بعدها جيم، أى فتحوه، وأدخلوا فيه العصا لئلا يعلقه حتى يوجروها الغذاء. والوجور، بفتح الواو: ما صب من وسط الفم فى الحلق. واللذوذ: ما صب من أحد جانبيه.
стр. 4272
أَيْضًا: فَضَرَبَ بِهِ أنْفَ سَعْدٍ فَفَزَرَهُ - وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا.
٤٥ - (٢٤١٣) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَن الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ: فِىَّ نَزَلَتْ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي﴾ (١).
قَالَ: نَزَلَتْ فِى سِتَّةٍ: أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُ: تُدْنِى هَؤُلاءِ.
٤٦ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَسَدِىُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ. فَقَالَ الْمُشْركُونَ لِلنَّبِىِّ ﷺ : اطْرُدْ هَؤْلاءِ لا يَجْتَرِئونَ عَلَيْنَا.
قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلالٌ وَرَجُلانِ لَسْتُ أسمِّيهِمَا. فَوَقَعَ فِى نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا شَاءَ الله أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ الله : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ - يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
ــ
قال الإمام: " شجوا " أى فتحوا، ويقال: وجرته وأوجرته: إذا ألقيت الوجور فى فيه، وهو الدواء (٢).
وقوله: " فأتيتهم فى حش ": الحش: بستان النخل، وفيه لغتان (٣)، بضم الحاء وفتحها، ويقال فى جمعه: حشان. قال ابن الأنبارى: والحش - أيضاً (٤) -: موضع الخلاء، وسميت حشاً؛ لقضاء حوائجهم فى البستان (٥). قال أبو عبيد: الحاش جماعة النخل، وهو البستان أيضاً.
قال القاضى: ورواه بعضهم: " شحوا فاها " بحاء مهملة دون راء، ومعناه قريب من الأول، أى أوسعوه وفتحوه، والشحو: التوسع فى المشى، والدابة الشحواء: الواسعة الخطو. قال ثعلب: يقال: شحا فلان فاه، وشحا فوه، يريد معدى ولازماً.
وقوله: " ففزره - مخفف الزاى - وكان أنف سعد مفزوراً " مخفف، بتقديم الزاى على الراء فيها، أى مشقوقاً.
стр. 4273
(٦) باب من فضائل طلحة والزبير رضى الله تعالى عنهما
٤٧ - (٢٤١٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ - وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى بَعْضِ تِلْكَ الأَيَّامِ الَّتِى قَاتَلَ فِيهِنُّ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ، عَنْ حَدِيثِهمَا.
٤٨ - (٢٤١٥) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: نَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ يَوْم الْخَنْدَقِ، فَانْتَدَبَ الزُّبْيرُ. ثُمَّ نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ. ثُمَّ نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " لِكُلِّ نَبِىٍّ حَوَارِىٌّ، وَحَوَارِىَّ الزُّبَيْرُ ".
(...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلاَهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بَمعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
ــ
وقوله: " ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق فانتدب الزبير " ثلاث مرات، أى دعاهم ورغبهم فى بعض أمورهم، فأجابه الزبير. يقال: ندبته للجهاد فانتدب، دعوته فأجاب والندب التحضيض والرغبة فى الشىء بسكون الدال.
قال الإمام: قال صاحب الأفعال (١): ندبتهم للحرب والأمر: وجهتهم له، وإلى الشىء: دعوتهم.
وقوله: " لكل نبى حوارى، وحوارى الزبير ": أى خاصتى والمفضل عندى وناصرى. قال الأزهرى: [يقال لكل ناصر نبيه: حوارى، تشبيها بحوارى عيسى ﵇. قال ابن الأنبارى: وحوارى عيسى هم المفضلون عنده وخاصته. وقال الأزهرى] (٢): الحو اريون: خلصان (٣) الأنبياء ﵈. وتأويله: الذين
стр. 4274
٤٩ - (٢٤١٦) حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ مُسْهِر. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَعَ النِّسْوَةِ، فِى أُطُمِ حَسَّانَ، فَكَانَ يُطَأطِئْ لِى مَرَّةً فَأَنْظُرُ، وأُطَأطِئ لَهُ مَرَّةً فَيَنْظُرُ، فَكُنْتُ أَعْرِفُ أَبِى إِذَا مَرَّ عَلَى فَرَسِهِ فِى السِّلاَحِ إِلَى بَنِى قرَيْظَةَ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأَبِى. فَقَالَ: وَرَأَيْتَنِى يَا بُنَىَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا وَاللهِ، لَقَدْ جَمَعَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: " فَدَاكَ أَبِى وَأُمِّى ".
(...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ فِى الأُطُمِ الَّذِى فِيهِ النِّسْوَةُ - يَعْنِى نِسْوَةَ النَّبِىِّ ﷺ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُرْوَةَ فِى الْحَدِيثِ وَلَكِنْ أدْرَجَ الْقِصَّةَ فِى حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
ــ
أخلصوا واتقوا من كل عيب. والدقيق الحوارى: الذى سُبك ونُخل، كأنه رجوع فى اختياره مرة بعد أخرى. قال ابن ولاد: حوارى الرجل: خلصانه وخاصته. ورجل حوارى: أى نظيف. وسمى القصار حواراً؛ لتنظيفه الثياب. قال الهروى: وسمى خبز الحوارى؛ لأنه أشرف الخبز وأنقاه.
قال القاضى: قد ذكرنا من هذا أول الكتاب كفاية وجميع ما قيل فيه (١). واختلف فى ضبط الشيوخ فى الحرف الآخر، فيروى: " وحوارىَّ الزبير " بالفتح فى آخره وتشديده، وكذا (٢) قرأته على أبى الحسين ووقفته عليه، فقال لى: هو مثل مصرجى. قال أبو على الجبائى: وكذا ذكره على أبو مروان بن سراج منسوباً إلى حوار مخفف، وأكثرهم يضبطه: " وحوارى الزبير " بالكسر منسوباً إلى حوارى. وأشبه ما يقال فى معناه هنا: الناصر، أو الخاصة، أو المفضل عنده، أو من يصلح للخلافة بعده، أو الصاحب والخليل، مما قيل فى معنى الحوارى.
стр. 4275
٥٠ - (٢٤١٧) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ، هُوَ وَأَبُو بَكرِ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِىٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اهْدأ، فَمَا عَلَيْكَ إِلا نَبِىٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ ".
(...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزيدَ بْنِ خُنَيْسٍ وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْس، حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُهَيْلِ ابْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَلَى جَبَل حِرَاءٍ، فَتَحَرَّكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اسْكُنْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلا نَبِىٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ "، وَعَلَيْهِ النَّبِىُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِىٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُم.
٥١ - (٢٤١٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَعَبْدَةُ، قَالا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ. قَالَتْ لِى عَائِشَةُ: أَبَواكَ - والله - مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ.
ــ
ويروى عن ابن عباس أنه اسم خاص للزبير دون غيره، خصه به ﵊ كما خص أبا بكر بالصديق، وعمر بالفاروق.
وقوله: " فى أُطُم حسان " بضم الهمزة والطاء، قال الإمام: هو بناء مرتفع، وجمعه آطام، ومنه الحديث: " حتى توارت بإطام المدينة " يعنى أبنيتها المرتفعة.
قال القاضى: هو هاهنا الحصن، وجمعه آطام بالمد، وإطام بالكسر مثل آكام وإكام.
وقول مسلم فى حديث أبى كريب فى حديث الزبير بمعنى حديث ابن مسهر، ولم يذكر عبد الله بن عروة [فى] (١) الحديث ولكن أدرج القصة فى حديث هشام عن أبيه، يعنى أن فى حديث ابن مسهر قبله عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير، الحديث، إلى قوله: وأخبرنى عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير، قال: فذكرت ذلك لأبى، فقال: رأيتنى يا بنى، الحديث. ثم جاء بحديث أبى كريب عن أبى سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير [بمعناه، يريد: ولم يذكر قوله:
стр. 4276
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: تَعْنِى أَبَا بَكْرٍ وَالزُّبَيْرَ.
٥٢ - (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الْبَهِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: قَالَتْ لِىَ عَائِشَةُ: كَانَ أَبَوَاكَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحِ.
ــ
وأخبرنى عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير] (١) تمام الحديث، لكنه جاء به كله مدرجاً فى حديث هشام بن عروة ومداخلاً فيه، كأنه من حديث هشام.
قوله: " كان على حراء ": وحراء يذكر ويُؤنث، ويصرف ولا يصرف، مكسور الحاء ممدود، ووقع فى رواية السمرقندى مقصوراً وليس بشىء، وكذلك من رواه بفتح الحاء. وهو جبل بمكة معروف.
وتحرك الجبل وكلام النبى ﵊ وقوله: " اهدأ، فإنما عليك نبى أو صديق أو شهيد " كله من آيات نبوته وإخباره بالغيوب، وانخراق العادات له. فكل من كان عليه بعد النبى والصديق ماتوا شهداء. وفيه كرامة عظيمة لهؤلاء الذين كانوا عليه معه، وهو أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة، والزبير.
وفيه أن من قُتل ظلماً فى غير معترك شهيد، له اسم الشهيد وأجره، وإن لم يكن حكمه فى الصلاة والغسل حكمه. وكذلك كان جميع هؤلاء عمر وعثمان وعلى، وكذلك الزبير قتل منصرفاً تاركاً للحرب، وطلحة كذلك انعزل عن الناس تاركاً للقتال، فأصابه سهم فقتله، وكان على ذكَّرهُما أشياء بان لهما الخطأ فى قتاله، فانصرفا عن رأيهما فى ذلك. والخبر لذلك معروف فيهما، وشعر طلحة مشهور.
وزاد فى الرواية الأخرى معهم: سعد بن أبى وقاص، فيكون تسميته شهيداً؛ لأن النبى ﵊ شهد له بالجنة، وهو أحد المعانى، كتسمية الشهيد شهيداً، وقد ذكرنا ذلك قبل هذا.
وأما الصديق فقيل: هو تابع النبى ﷺ ، وقيل: هو فعيل من الصدق. والتصديق المبالغة فى ذلك وقيل: من كثرة الصدقة.
وقول عائشة لعروة: " أبواك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ": فسره فى الحديث، يعنى أبا بكر والزبير؛ لأن أمه أسماء بنت أبى بكر.
стр. 4277
(٧) باب فضائل أبى عبيدة بن الجراح رضى الله تعالى عنه
٥٣ - (٢٤١٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِى قلاَبَةَ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا - أَيَّتُهَا الأُمَّةُ - أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ ".
٥٤ - (...) حدَّثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَهْلِ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلاً يُعَلِّمْنَا السُّنَّةَ وَالإِسْلامَ. قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِى عُبَيْدَةَ فَقَالَ: " هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ ".
٥٥ - (٢٤٢٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظ لابْنِ المُثَنَّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلاً أَمِينًا. فَقَالَ: " لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلاً أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، حَقَّ أَمِينٍ ". قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ. قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ.
(...) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الحَفَرِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
قوله: " وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة " بالرفع على النداء، والأعرف والأفصح أن تكون فى موضع نصب على الاختصاص، حكى سيبوبه: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. وتسميته أميناً وحق الأمانة الثقة بالشىء، ومنه ناقة أمون: أى وثيقة الخلق قد أمنت، وإن كانت الأمانة من صفات (١) غيره من الصحابة، والنبى ﵊ خص بعضهم بصفات كانت الغالب عليهم، وكانوا بها أخص من غيرهم.
وقوله: " استشرف لها الناس ": أى تطلعوا وتعرضوا لمن يظهر اتصافه بهذه الصفة بتوجيهه معهم، وحرص كل واحد أن يكون هو. والاستشراف للشىء: التعرض له، وأصله من الارتفاع والعلو، وكأنهم رفعوا رؤوسهم لذلك، كما قال عمر فى الحديث المتقدم فى فضائل على: " فتطاولت لها ".
стр. 4278
(٨) باب فضائل الحسن والحسين رضى الله عنهما
٥٦ - (٢٤٢١) حدّثنى أَحْمَدَ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَان بْنُ عُيَيْنَة، حَدَّثَنِى عُبَيْد اللهِ بْنُ أَبِى يَزِيد، عَنْ نَافِعِ بْن جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ لِحَسَنٍ: " اللهُمَّ، إِنِّى أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ ".
٥٧ - (...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ، عَنْ ناَفِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِى طَائِفَةٍ مِنَ النَّهارِ، لا يُكَلِّمُنِى ولا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِى قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ. حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: " أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ؟ " يَعْنِى حَسَنًا. فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّما تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لأَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا. فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى، حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ، إِنِّى أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ ".
٥٨ - (٢٤٢٢) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِىٍّ - وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ - حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِب، قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ عَلَى عَاتِقِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَهُوَ يَقُولُ: " اللهُمَّ، إِنِّى أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ ".
ــ
وقوله: " أتى خباء فاطمة ": يعنى منزلها وحجرتها. وأصله: بيت من بيوت الأعراب، ثم استعمل فى غيره؛ لأن هذا إنما كان فى المدينة.
وقوله: " أثم لكع، أَثم لُكَع ": يعنى حسناً، قال الإمام: قال الهروى: سئل بلال بن جرير عن اللكع فقال: هو فى لغتنا: الصغير. قال الأصمعى: الأصل فى لكع من الملاكيع، وهى التى تخرج مع السلاء على الولد. وفى حديث الحسن أنه قال لإنسان: يا لكع، يريد: يا صغير العلم.
قال القاضى: قيل: اللكع هنا الصغير فى لغة تميم، وهى كلمة تستعمل للتحقير والتجهيل. واللكع: العبد والوغد من الرجال والقليل العقل، ويقال للأنثى: لِكاع، مكسور.
ويشبه أن يكون أراد النبى فى الحسن بن على ذلك، على طريق الممازحة، وبمعنى ما فى الصبيان من نقص العقل والإدراك، كما يقال له: يا أحمق، ليس على سبيل السب
стр. 4279
٥٩ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ ناَفِعٍ. قَالَ ابْنُ ناَفِعِ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِىٍّ - وَهُوَ ابْنُ ثاَبِتٍ - عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَاضِعًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: " اللهُمَّ، إِنِّى أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ ".
٦٠ - (٢٤٢٣) حدّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِىِّ الْيَمَامِىُّ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِىُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ - حَدَّثَنَا
ــ
ولكن تدليلاً وتعليلاً، وقد يكون على القلب، ويريد: يا سيد يا شريف، كما سميت الجميلة شوهاء، وسموها قبيحة. وقالوا للغراب أعور؛ لحدة بصره.
وقال الهروى: ما قاله فى تأويل قول الحسن فليس بشىء؛ لأن الحسن لم يرد بذلك إنساناً معيناً وإنما قاله فى وعظه يخاطب المطرف من الناس، والمقصر المتمنى على الله ونحو هذا، فتشبه بقوله هذا، وصغَّر له نفسه. واللكع: الوغد أو الأحمق، كأنه قال له: [يا وغد، يا أحمق] (١)، كأنه يخاطبه.
وقوله: " فظننا أنّ أمه (٢) تحبسه لأن تغسله وتلبسه سخاباً ": السخاب: خيط فيه خرز، ينظم فى أعناق الصبيان والجوارى، وقيل: هو من العود، وقيل: سمى سخاباً لصوت خرزه عند حركتها، واصطكاكها، من الصخب وهو اختلاط الأصوات، يقال بالسين والصاد. قيل: ولهذا يلبسه الصبيان الصغار، تشغلهم صوتها وتلهيهم اللعب بها عن غيره، وقيل: الصخاب: ما اتخذ من القلائد من القرنفل والمسك دون الجواهر.
فيه استحباب النظافة والتجمل فى جميع الأمور، لا سيما للقاء من يكبر ويعظم، وتنظيف الصبيان وتربيتهم، وجواز لبسهم القلائد والسخب والعود.
وقوله: " فجاء حتى اعتنق كل واحدٍ منهما صاحبه " وفى الحديث الآخر: " رأيته واضعاً الحسن بن علىّ على عاتقه ". فيه ما كان ﵇ من حسن الخلق والعشرة والتواضع، وحبه للحسن وحمله له، ورحمته للصبيان والرجال.
وقد اختلف العلماء فى معانقة الرجال للسلام، فلم يره مالك، وقال: هو بدعة، ورآه سفيان وغيره. واحتج بفعل النبى ﵊ ذلك لجعفر. فقال مالك: هو خاص له، وقال سفيان: ما يخصه يعمنا، فسكت مالك، وسكوته دليل على ظهور قول سفيان له وتصويبه وهو الحق، حتى يدل دليل على تخصيص (٣) جعفر بذلك.
стр. 4280
إياسٌ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقَدْ قُدْتُ بِنَبِىِّ اللهِ ﷺ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِىِّ ﷺ ، هَذَا قُدَّامَهُ، وَهَذَا خَلْفَهُ.
ــ
وقوله: " رأيت النبى ﵊ واضعاً الحسن بن علىّ على عاتقه ": العاتق: من المنكب إلى العنق، وقيل: موضع الرداء من المنكب، وهما بمعنى.
فيه حمل الأطفال على الطهارة إلا ما شوهد عين النجاسة فيهم، كما حمل أمامة فى الصلاة، وقد يعرف الطفل إذا حمل، ويصيب بعض جسده من بصاقه ورطوبات وجهه مما يبل ثيابه، فلم يأت عن السلف التحفظ من ذلك ولا الوسوسة فيه.
واستحب مالك [لأمه] (١) أَنْ تصلى فى غير الثوب الذى تربيه فيه؛ لأن ذلك بكثرة ملازمته لها لا يخلو أن يصيبه شىء من أقذار، فإن لم تجد غيره صلت فيه ودرأت عنها النجاسة ما استطاعت، يعنى ما شاهدته وتحققته.
وقوله: " اللهم، إنى أحبه فأحبه وأحب من يحبه ": حب آل بيت النبى ﵊ واجب على الجملة، ويختص منهم من حض النبى على حبه، ودعا بحب الله له، وحب من أحبه درجة جعلها الله لمن أحبهم حقيقة حبهم، ولعن من يبغضهم ويعاديهم، وقد ظهرت إجابة هذه الدعوة وبركتها فيه بحقن دماء الأمة بسببه، وتنزهه عن عرض الدنيا وفتنتها، وتسليمه ما يمكن له من الخلافة والملك، حذار الفتنة (٢) وحيطة على الأمة ونظراً لدينه.
وقوله: " لقد قُدْتُ بنبى الله ﵊ والحسن والحسين بغلته، هذا قدّامه، وهذا خلفه ": دليل على جواز ركوب ثلاثة على دابة إذا لم يقدحها، ورد على من كره ذلك جملة، وإنما يكره إذا لم تتحمل ذلك الدابة، كما يكره من حمل أقل من ذلك إذا قدحها. وعلى هذا يحمل الحديث الوارد فى النهى عن ركوب أكثر من اثنين على الدابة، وما روى عن على وغيره فى منع ذلك.
стр. 4281
(٩) باب فضائل أهل بيت النبى ﷺ
٦١ - (٢٤٢٤) حدّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى بَكْرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ مُصْعَبِ بْن شَيْبَةَ، عَنْ صَفِيَّة بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَها، ثُمَّ جَاءَ عَلِىٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١).
ــ
وقوله: " وعليه مرط مرحل " بالحاء، كذا عند الخشنى والصدفى من شيوخنا، وعند الأسدى بالجيم.
قال الإمام: المرط: كساء، وجمعه مروط. والمرحل، بالراء والحاء المهملتين: الموشى بذلك؛ لأن عليه صور الرحال أو صور المراحل، ويقال: " المراجل " بالجيم.
قال القاضى: سمى بذلك لأنّ فيه صور الرحال، أو صور المراجل وهى القدور. ويقال: له ثوب مراجل مضاف وثوب ممرجل. وقال صاحب العين: المراجل: ثياب وقد تقدم فى كتاب اللباس. والرجس فى هذا الحديث فى قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قيل: الشك: ويقع - أيضاً - على الكفر وعلى العمل الذى يؤدى إلى العذاب، وعلى اللعنة والعذاب، وعلى المآثم، قال الأزهرى: والرجس: اسم كل ما يستقذر من عمل.
стр. 4282
(١٠) باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد رضى الله عنهما
٦٢ - (٢٤٢٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ ابْنَ حَارِثَةَ إِلا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ فِى الْقُرآنِ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ (١).
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ الدُّوَيْرِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الحَدِيثِ.
(...) حدّثنى أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى ابْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِى سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. بِمِثْلِهِ.
٦٣ - (٢٤٢٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا - وَقَالَ الآخَرُونَ: - حَدَّثَنَا - إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا، وأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْن زَيْدٍ، فَطَعَنَ النَّاسُ فِى إمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: " إِنْ تَطْعَنُوا فِى إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِى إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ. وَايْمُ اللهِ، إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا
ــ
وقوله: " ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ ": هذا لأن النبى ﵇[كان] (٢) تبناه، وكانت العرب تفعل ذلك، تبنى الرجل مولاه أو الرجل من غير قومه، فيكون ابناً له، يواريه ويُنسب إليه، كما تبنى الأسود بن عبد يغوث مقداد بن عمرو، فكان يقال له: المقداد بن الأسود. وقد غلب ذلك عليه إلى الآن عند الناس إلى أن نزلت الآية، فرجع كل أحد إلى نسبه، إلا مَنْ لم يكن له نسب معروف فرجع إلى مواليه كما قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُم﴾ الآية. وتقدم تفسير قوله: " وايم الله ".
وقوله: " إنه لخليق للإمارة ": أى حقيق بها ومستوجب لها. فى هذا كله جواز
стр. 4283
للإِمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ، بَعْدَهُ ".
٦٤ - (...) حدَّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ - يَعْنِى ابْنَ حَمْزَةَ - عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ - وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ -: " إِنْ تَطْعَنُوا فِى إِمَارَتِهِ - يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ - فَقَدْ طَعَنْتُمْ فى إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلَهِ. وَايْمُ اللهِ، إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لَهَا. وَايْمُ اللهِ، إِنْ كَانَ لأَحَبَّ النَّاسِ إلَىَّ. وَايْمُ اللهِ، إِنَّ هَذَا لَهَا لَخَلِيقٌ - يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ. وَايْمُ اللهِ، إِنْ كَانَ لأَحَبَّهُمْ إِلَىَّ مِنْ بَعْدِهِ، فَأُوصِيكُمْ بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ ".
ــ
إمارة المولى وقضائه، وتقديمه على العرب وغيرهم؛ ولهذا كان يطعن عليها، ولصغر سن أسامة، فإن النبى ﵊ توفى وهو ابن ثمانى عشرة سنة. وقيل: ابن عشرين.
وفيه جواز تقديم المفضول على الفاضل فى الإمارة والخلافة، وقد قدمنا ذلك، وإن كان الحال إذا لم يدع إلى ذلك ضرورة، ولا نظر يقتضى تقديم الأفضل والأسن. فقد فعل النبى ﵊ هذا فى هذه القصة وغيرها لمعنى رآه من مصالح الأمة وليبين جواز هذا ويوسع فيه على أمته.
وقوله: " إن تطعنوا فى إمرته، فقد طعنتم فى إمرة أبيه من قبل ": كذا ضبطناه هنا بكسر الهمزة، وفى الرواية الأخرى: " إمارته " وهما بمعنى، وقال أبو عبيد: يقال: على القوم أمرة مطاعة، بالفتح، كانها الفعلة الواحدة والمرة المخصوصة من الأمر من ذلك. قال العتبى: لك على أمرة مطاعة، بالفتح، يريد: المرة الواحدة من الأمر، فأما الإمرة، بالكسر، فالولاية.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكن البخارى والنسائى ذكرا الخبر على خلاف هذا مما هو الأشبه، وأن القائل أولاً: " أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﷺ " إنما هو ابن الزبير، ويكون القائل له: " نعم، فحملنا وتركك " ابن جعفر، ويدل صحته ما ذكر مسلم بعده من الأحاديث عن عبد الله ابن جعفر فانظرها، وإن لم يكن فيها لابن الزبير ذكر.
стр. 4286
(١٢) باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها
٦٩ - (٢٤٣٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيم، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ - وَاللَّفْظُ حَدِيثُ أَبِى أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " خَيْرُ نِسَائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ".
قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
٧٠ - (٢٤٣١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ - وَاللَّفْظ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ".
ــ
قوله: " خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة " وأشار وكيع إلى السماء والأرض، كأنه يفسر ضمير الهاء فى " نسائها "، أنه يريد الدنيا والأرض، وذكره لهما بذلك يحتمل أن يريد أن كل واحدة خير نساء أهل الأرض فى وقتها، أو أنها من خير نسائها وأفضلهن، وإن كانت المزايا بعد بينهما وبين غيرهما ممن هو خير النساء متفاضلة.
وقوله: " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران ": يستدل به من يقول بنبوة النساء ونبوة آسية ومريم، والأكثر على أنهما صدّيقتان ووليتان من أولياء الله تعالى، والكمال المتناهى للشىء وتمامه فى بابه. والمراد هاهنا: التناهى فى جو الفضائل وخصال البر والتقوى. يقال منه كمَل وكمُل، بالفتح والضم، وليس يشعر الحديث بأنه لم يكمل ولا يكمل ممن يكون فى هذه الأمة غيرهما. فإذا قلنا بنبوتهما أو سلمنا ذلك لقائله، فلا شك أنه لا يلحق درجتهما فى النبوة غيرهما،
стр. 4287
٧١ - (٢٤٣٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِىَّ ﷺ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ، مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِىَ أَتَتْكَ فَاقْرَأ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّى، وبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِى الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيهِ وَلانَصَبَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِى رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ. وَلَمْ يَقُلْ فِى الْحَدِيثِ: وَمِنِّى.
٧٢ - (٢٤٣٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ
ــ
وإذا قلنا: إنهما صدِّيقتان، لم يمنع أن يكمل من هذه الأمة غيرهما.
وقوله: " وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " (١) لسرعة إساغته والاستلذاذ به وإشباعه، وتقديمه على غيره من الأطعمة التى لا تقوم مقامه، وليس فى هذا نص بتفضيلها على من ذكر من مريم وآسية، ويحتمل أن المراد نساء وقتها أو مثلها، وليس فيه ما يشعر بتفضيلها على فاطمة، إذ قد يكون تمثيل تفضل فاطمة لو مثلها بما هو أرفع من هذا، وبالجملة بيّن هذا الحديث أن عائشة مفضلة على النساء تفضيلاً كثيراً، وليس فيه عموم جميع النساء.
وقوله فى فاطمة: " سيدة نساء أهل الجنة " (٢) أعم وأظهر فى التفضيل، والله أعلم.
وقوله فى خديجة: " بشرها فى الجنة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب "، قال الإمام: قال الهروى: ببيت من فضة، هو فى الحديث: " لؤلؤ مجوف [واسع] (٣) كالقصر المنِيف ". والصخب: الصوت المرتفع، وأيضاً اختلاط الأصوات. والنصب: المشقة والعناء والتعب، وفيه لغتان: نصُب ونصَب، مثل حَزُن وحَزَن. قال صاحب الأفعال: نَصِب الرجل، بفتح النون وكسر الصاد، إعياءً من التعب.
قال القاضى: قيل: المراد بالبيت [هنا] (٤): القصر. يقال: هذا بيت فلان، أى قصره، قاله الخطابى. والقصب قصب اللؤلؤ، ما استطال منه فى تجويف. يقال لكل مجوف قصب، وقد جاء فى الحديث مفسراً [فى] (٥) بيت من لؤلؤ محباة. قال ابن وهب: أى مجوفة. قيل: أراد محوبة، فقدم الباء وأخر الواو وأبدلها ألفاً.
стр. 4288
الْعَبْدِىُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَشَّرَهَا بِبَيْتٍ فِى الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لاصَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَبَ.
(...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَجَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى أَوْفَى، عَنِ النَّبَىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
٧٣ - (٢٤٣٤) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: بَشَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَديِجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ بِبَيْتٍ فِى الجَنَّةِ.
٧٤ - (٢٤٣٥) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِى بِثَلاَثِ سِنِينَ؛ لِمَا كُنْتُ اسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبَّهُ أَنْ يُبَشِّرُهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ فِى الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِيهَا إِلَى خَلائِلِهَا.
٧٥ - (...) حدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِىِّ ﷺ إلا عَلَى خَدِيجَةَ، وَإِنِّى لَمْ أُدْرِكْهَا.
ــ
وقال بعض أصحاب المعانى: معنى قوله: " لا صخب فيه ": أى لا منازعة، وأنه مخصوص بهما لا يشاركها فيه غيرها فينازعها، فيفضى ذلك إلى الصخب. وقيل فى قوله: " ولا نصب ": أى لم تجازيه لنصبها فى العبادة والعمل لله، لكن فضل من الله وزيادة بعد ما أثابها على أعمالها. والمعنى الأول أظهر.
وقوله: " وإن كان ليذبح الشاة فيهدى لخلائلها ": أى لصواحبها وأصدقائها، جمع خليلة، كما جاء مفسراً فى الحديث الآخر: " أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة ". والخلة: الصداقة. فالخل والخلة والخليل الصديق.
стр. 4289
قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ فَيَقُولُ: " أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ ". قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّى قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا ".
(...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ، إِلَى قِصَّةِ الشَّاةِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا.
٧٦ - (...) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: مَا غِرْتُ للِنَّبِىِّ ﷺ عَلَى امْرأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا، وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ.
٧٧ - (٢٤٣٦) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّج النَّبِىُّ ﷺ عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ.
٧٨ - (٢٤٣٧) حدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: اسْتأذنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ - أُخْتُ خَدِيجَةَ - عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ .
ــ
وقوله: فارتاح لها، وقال: " اللهم هالة بنت خويلد ": أى هش لبرها، ونشطت نفسه سروراً بها، وفى هذا كله منه ﵊ حسن عهد، وحفاظ على رعاية حق خديجة، وبرها وودها بعدها، وهو من حسن الإيمان.
وقول عائشة: " فغرت وقلت: ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين، إشارة إلى كبر سنها، ومبالغة فى ذلك، أى: إنها قد سقطت أسنانها من الكبر، فلم يبق لشدقيها بياض إلا حمرة لثاتها. قالته لما طبع عليه نساء البشر من الغيرة.
قال الطبرى وغيره: الغيرة من النساء مسموح لهن فيها، وغير منكر من أخلاقهن، ولا معاقب لها؛ لما جبلن عليه من ذلك، وأنهن لا يملكن أنفسهن عندها، ولهذا لم يزجر النبى ﵊ عائشة ولا رد عليها. وقد روى عن النبى ﵊: أن الغيراء لا تدرى أعلى الوادى من أسفله، وعذرها لما علم من فطرتها على ذلك، وشدة غيرتها.
стр. 4290
فَعَرفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاحَ لِذَلِكَ. فَقَالَ: " اللهُمَّ، هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ "، فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقيْنِ، هَلَكَتْ فِى الدَّهْرِ، فَأَبْدلَكَ الله خَيْرًا مِنْهَا.
ــ
قال القاضى: وذلك عندى من عائشة - أيضاً - مع صغر سنها وأول حالها وسورة تشبيهها، ولعلها كانت حينئذ لم تبلغ، والله أعلم.
стр. 4291
(١٣) باب فى فضل عائشة رضى الله تعالى عنها
٧٩ - (٢٤٣٨) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى الرَّبِيعِ - حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أُرِيتُكِ فِى الْمَنَامِ ثَلاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِى بِكِ الْمَلَكُ فِى سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ. فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتْكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِىَ. فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، يُمْضِهِ ".
(...) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٨٠ - (٢٤٣٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِى كِتَابِى عَنْ أَبِى أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ
ــ
قوله لعائشة - رضى الله عنها -: " أرأيتك فى المنام ثلاث ليال - وعند البخارى: مرتين (١) - جاءنى بك الملك فى سرقة من حرير، [فقلت] (٢): إن يك هذا من عند الله يمضه "، قال القاضى: يحتمل قوله: " إن يك هذا من عند الله " أى رؤيا حق وقبل النبوة. وقبل: تخليصه أحلامه من الأضغاث، وإن كانت بعد النبوة فلها ثلاث معان:
إحداها: أن يكون مراده أن تكون الرؤيا على وجهها. وقول الملك: هذه امرأتك غير معبرة، فسيمضيه الله وينفذه، ويكون شكه فى هذا هل هى رؤيا تعبر أو هى على وجهها لا تحتاج إلى عبارة، كما كانت.
الثانى: أن يكون هذا فى الدنيا، ويكون شكه من هذا، وأنها من نسائه فى
الآخرة، والثالث: لم يشك، ولكنه أخبر على التحقيق، وجاء بصورة الشك. كما قال: أأنت أم أم سالم، وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة، يسميه أهلها: تجاهل العارف، وسماه بعضهم: مزج الشك باليقين، وعليه حمل بعضهم قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِك﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةً لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾ (٥).
стр. 4292
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّى لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّى رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَىَّ غَضْبَى ". قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّى رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لا، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ. وَإِذَا كُنْت غَضْبَى، قُلْتِ: لا، وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ ". قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَهْجُرُ إِلا اسْمَكَ.
ــ
وقوله: " فى سرقة من حرير "، قال الإمام: قال أبو عبيد: هى الشقق، إلا أنها هى البيض منها خاصة، الواحدة [منها] (١) سرقة وأحسبها فارسية، أصلها: سرة، وهو الجيد، وأنشد غير أبى عبيد للعجاح:
ونسجت لوامع الحرير ... سباسبا كسرق الحرير
قال القاضى: [الصواب: سبائبا] (٢)، وهى ما رقّ من الثياب كالخمر ونحوها، وأما السباسب بالقفار والأراضى المستوية، وقيل: السرق الجيّد من الحرير، حكاه الهروى ونحوه عن أبى عبيد، وقال المهلب: السرقة كالكلة والهودج، ولم يقل: سبا.
وقوله: " إنى لأعلم إذا كنت عنى راضية وإذا كنت علىّ غضبانة " إلى قولها: " أجل، ما أهجر إلا اسمك ": معنى " أجل " هنا: نعم. مغاضبة عائشة للنبى ﵊ هو مما تقدم للغيرة التى عفا عنها لها من أجلها، وعن النساء فى كثير من الأحكام، حتى قد ذهب مالك وغيره من علماء أهل المدينة إلى إسقاط الحد عنها إذا رمت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة. واحتج لذلك بما روى عن النبى ﵊: " ما تدرى الغيراء أعلى الوادى من أسفله " (٣)، ولولا هذا لكان على عائشة فى ذلك من الحرج ما فيه: لأن الغضب على النبى ﵊ وهجره كبيرة لمن فعله واعتقده وعظمه، ألا ترى قولها: " إنما أهجر اسمك " فدل أن قلبها وحبها له كما كان ملىء، الغيرة إنما هى فى (٤) النساء لفرط المحبة.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى الاستدلال بهذا الحديث على أن مثل هذا - من ترك ذكر الاسم، وبسط الوجه، وترك السلام، والإعراض - هو الذى يباح عند المغاضبة بين المسلمين، والوجه عليه فى أمور الدنيا، ولا يحل ذلك بعد ثلاث، وأما ما زاد على ذلك من الاجتناب وقطع الكلام جملة، فهذا لأهل الفسوق والمعاصى تأديباً لهم؛ ولهذا ترجم البخارى على هذا الحديث وحديث المتخلفين: "باب ما يجوز من الهجران لمن عصى" (٥) وأدخل حديث المتخلفين الثلاثة، ونهى النبى ﵇ عن كلامهم. وذكر خمسين ليلة، ثم ذكر هذا الحديث ليس مما يجوز لغيرهم.
стр. 4293
(...) وحدّثناه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: " لا، وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ " وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٨١ - (٢٤٤٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَتْ: وَكَانَتْ تَأتِينِى صَوَاحِبِى، فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسِّربُهُنَّ إِلىَّ.
(...) حدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِى حَدِيثِ جَرِيرٍ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فِى بَيْتِهِ، وَهُنَّ اللُّعَبُ.
ــ
واستدل بعضهم بقولها: " إنما أهجر اسمك " بأن الاسم غير المسمى، قال: إذ لو كان الاسم هو المسمى لكانت الهجرة له، قال: ولكن إنما هذا فى المخلوقين، وأما الخالق فالاسم هو المسمى وحده؛ لأنه - تعالى - فى صفاته وأسمائه وذاته لا يُشبه ذوات المخلوقين، ولا أسماءهم، ولا صفاتهم، فى كلام طويل ذكره بعض من يعزى إلى العلم، وممن كثر كلامه فيه وشرح الحديث، وهذا كله كلام من لا تحقيق عنده من معنى المسألة، وتحقيق الكلام فيها لغة أو نظراً.
ولا امتراء عند القائلين بأن الاسم هو المسمى من أهل [السنة] (١) وجماهير أئمة أهل اللغة، أو مخالفيهم من المعتزلة أن الاسم يقع أحياناً، والمراد به التسمية حيث كان فى خالق أو مخلوق، ففى حق الخالق تسمية المخلوق له باسمه وفعله ذلك بكلامه وعباراته المخلوقة.
وأما أسماؤه تعالى التى سمى بها نفسه فقديمة، كما أن ذاته وصفاته قديمة. وكذلك لا يختلفون أن لفظة الاسم إذا تكلم بها البشر فتلك اللفطة والحروف والأصوات المقطعة المتوهم (٢) منها الاسم أنها غير الذات وهى التسمية أو إنما الاسم الذى هو الذات، ما يفهم عنه من خالق أو مخلوق، ولهذه المسألة موضع ولها فى أصول الدين موقع.
وقولها: " كنت ألعب بالبنات عند رسول الله ﷺ ": فيه جواز اللعب بهن، وتخصيصهم (٣) من الصور المنهى عنها لهذا الحديث، ولا فى ذلك من تدريب النساء فى
стр. 4294
٨٢ - (٢٤٤١) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
٨٣ - (٢٤٤٢) حدّثنى الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحَلْوَانِىُّ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ النَّضْرِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِى. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بِن سَعْدٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ هِشَامٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَأذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِى فِى مِرْطِى، فَأَذِنَ لَهَا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِى إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِى ابْنَةِ أَبِى قُحَافَةَ - وَأَنَا سَاكِتَةٌ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَىْ بُنَيَّةُ، أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ ". فَقَالَتْ: بَلَى. قَالَ: " فَأَحِبِّى هَذِهِ ". قَالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ فَأَخْبَرَتَهُنَّ بِالَّذِى قَالَتْ، وَبِالَّذِى قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقُلْنَ لَهَا: مَا نَرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَىْءٍ، فَارْجِعِى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُولِى لَهُ: إِنَّ
ــ
صغرهن على النظر لأنفسهن وبيوتهن، وأبنائهن. وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن، ولم يعبروا أسواقها. وروى عن مالك كراهة شرائها، وهذا عندى محمول على كراهة الاكتساب بها للبائع، وتنزيه أُولى المروءات عن تولى ذلك من بيع وشراء لا كراهة اللعب بهن، وعلى الجواز بلعب الجوارى بهن جمهور العلماء، وذهبت فرقة إلى أنه منسوخ بالنهى عن الصور.
وقوله: " فكن - يعنى صواحبها - ينقمعن من رسول الله ﷺ ": أى يدخلن البيت يتغيبن حياءً وهيبة له.
وقولها: " فكان يسربهن إلىّ ": أى يرسلهن.
وقوله: " كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون ذلك مرضاة النبى ﷺ ": فيه جواز مخلة الزوج بعض نسائه، ومحبة الخير لها أكثر من غيرها، وإنما أمر بالعدل فى أفعاله، وأما فى القلب فليس من قدرته. وقد مر هذا فى النكاح، ويأتى منه بعد هذا، وذكرنا أن العدل بينهن لم يكن واجباً فى حقه ﵊ ولكنه كان يلتزم ذلك لتستن به أمته.
وفى إرسال أزواج النبى ﵊ فاطمة إلى أبيها فى شأن عائشة
стр. 4295
أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلِ فِى ابْنَةِ أَبِى قُحَافَةَ. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاللهِ، لا أُكَلِّمَهُ فِيهَا أَبَدًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ ، وَهِىَ الَّتِى كَانَتْ تسَامِينِى مِنْهُنَّ فِى الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِى الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى للهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتذَالاً لِنَفْسِهَا فِى الْعَمَلِ الَّذِى تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حَدٍّ كَانَتْ فِيها، تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ. قَالَتْ: فَاسْتَأذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ عَائِشَةَ فِى مِرْطِهَا، عَلَى الْحَالَةِ الَّتِى دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا وَهُوَ بِهَا. فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِى إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِى ابْنَةِ أَبِى قُحَافَةَ. قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِى، فَاسْتَطَالَتْ عَلَىَّ، وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ، هَلْ يَأذَنُ لِى فِيها. قَالَتْ: فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ. قَالَتْ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْها حِينَ أَنْحَيْتُ عَلَيها. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَبَسَّمَ: " إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِى بَكْرٍ ".
ــ
يسألنه العدل فيها، على طريق الرغبة فى الحظ لأنفسهن، والحرص على الاستكثار منه، لا على طريق التحويز له والتظلم منه.
وقولها: " ينشدنك ": أى يسألنك برفع صوت.
ودخول فاطمة ثم زينب على النبى ﵊ وهو مضطجع مع عائشة فى مرطها، دليل على أن مثل هذا مباح؛ إذ ليس فيه كشف عورة من فعل مستتر به عن الناس.
وقولها عن زينب: " وهى التى تسامينى فى المنزلة عنده ": أى: تعادلنى وتضاهينى فى الحظوة، وعلو المنزلة، والمكانة منه، مأخوذ من السمو وهو الارتفاع، ورأيت بعضهم فسر هذا الحرف فى هذا الحديث أنه من سوم الخسف (١) وتجشم الإنسان ما يشق عليه ويكرهه، وتلازمه ذلك، كأنها تريد: تغيظنى وتؤذينى، ولا يصح هذا من جهة العربية أن يأتى فى باب المفاعلة ولا من سامى، وإنما فعله سامه، وبنى عليه مساومة، وسامنى إنما هو من سما، يقال منه: سما فلان أى ارتفع، وهو سموه إلى المعالى، والمساماة فى هذا من المعاندة صحيحة وأثبت عليها بما أثبت من الخصال المحمودة
стр. 4296
(...) حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمانَ: حَدَّثَنِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ فِى المَعْنَى. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَثْخنْتُهَا غَلَبَةً.
٨٤ - (٢٤٤٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِى كِتَابِى عَنْ أَبِى أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيَتَفَقَّدُ يَقُولُ: " أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ " اسْتبطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ. قَالَتْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِى قَبَضَهُ اللهِ بَيْنَ سَحْرِى وَنَحْرِى.
٨٥ - (٢٤٤٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئ عَلَيْهِ عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا، وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: " اللهُمَّ، اغْفِرْ لِى وَارْحَمْنِى، وَألْحِقْنِى بِالرَّفِيق".
(...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
ــ
من التقى والصدق والصدقة وصلة الرحم. وفيها جواز اعتمال المرأة بيدها وكسبها فى بيت زوجها كالصدقة بإذنه أو بغير إذنه.
وقولها: " ما عدا سورة حَدّ " بفتح الحاء، ويروى: " من حدة " [بكسرها " تسرع منها الفيئة ": تريد: ما خلا هذه الخصلة فيها من حدة الخلق] (١) وسورة الشىء، بفتح الشين: ثورانه، والسورة: البطش، وسورة التراب: قوته، وحدته. وسواره، بضم السين: دبيبه فى الرأس، وهو منه، قال الحربى: تريد يعتريها ما يعترى الشارب من الشراب، وقيل: " سورة حد ": سراعة غضب. والفيئة: الرجوع، تريد: أنها سريعة الغضب، سريعة الرجوع.
وقولها: " ثم وقعت بى فاستطالت [على، وأنا أرقب رسول الله ﷺ ، وأرقب على طرفه، هل يأذن لى] (٢) حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنْتصر ":
стр. 4297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ليس فيه دليل أنه أذن لها ولا غمزها، وإن قالت أنها كانت ترقب طرفه، فقد قال ﵊: " ما كان لنبى أن تكون له خائنة الأعين " (١). لكن لما رأى تطلعها لذلك ولم ينهها فهمت أنه لا ينكر انتصارها كما كان، ألا تراه كيف قال: " إنها بنت أبى بكر "، وهذا يدل على أنه وافقها لأنها ابتدأتها، ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ (٢). وقيل: بل لينتصف منها فلا يبقى على زينب تباعة، ولا [فى] (٣) نفس عائشة خيفة بانتصافها، ثم يرجعان إلى حسن الصحبة بعده. ومعنى " وقعت بى " بمعنى ما بعده، أى استطالت على وناولتنى بمؤذ كلامها. والوقعة موضع المعركة، وأوقع القوم بآخرين إذا فعلوا بهم فعلة منكرة، من قتل أو سبى، وكأنه - والله أعلم - من الوقع بفتح القاف، وهو جرح الرجل من الجفاء، ويغير موقع إذا [كان] (٤) مطهراً إثر الدبر.
وقولها: " فلم أنشبها ": أى أدع أمرها لشىء آخر، ولم أتركها.
وقولها: " حتى أنْحَيْتَ عليها "، ويروى: " حين أنحيت عليها " وهو أشبه هنا وأوجه، ومعناه: حين قصدتها واعتمدتها بمعارضتها وبجواب كلامها. يقال: أنحيت عليه ضرباً، وفى الرواية الأخرى بعده: " لم أنشبها أن أثخنتها غلبة "، ويحتمل أن هذه الرواية أصح وأن الأولى مغيرة مصحفة عنها، والله أعلم.
ومعنى " أثخنتها غلبة ": أى بالغت فى الرد عليها وأثقتها وقهرتها. وقد قيل فى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُم﴾ (٥) أى أثقلتموهم بالقتل، وقيل: أكثرتم فيهم بالقتل، وقيل: بالغُنم فيه.
وقوله: " أين أنا اليوم أين أنا غدًا " استبطاء ليوم عائشة: هذا لمحبته فيها، وحرصه على أن يكون عندها، حتى استأذن أزواجه فى تمريضه عندها، ليكون عن طيب أنفسهن فيبلغ غرضه مع تطييبه أنفسهن، مع التزامه ما التزمه من العدل بينهن.
وقولها: " قبضه الله بين سحرى ونحرى " بفتح السين، السحر: الرئة وما تعلق بها، ويقال: سُحر بالضم، وكلاهما بالسين والحاء المهملتين، هذا المشهور فى الرواية. وحكى أبو على القالى عن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير عن قول عائشة هذا فقال (٦): إنما هو " شجرى " بالشين المعجمة والجيم، وشبك بين أصابعه، وأومأ أنها ضمته إلى نحرها (٧) مشبكة يديها عليه، والله أعلم.
стр. 4298
٨٦ - وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظ لابْنِ الْمُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ نَبِىٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ، يَقُولُ: ﴿فَأُوْلْئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١).
قَالَتْ: فَظَنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ.
(...) حدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٨٧ - (...) حدّثنى عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ وَعُرْوَةُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فِى رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: " إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِىٌّ قَطُّ، حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ فِى الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَرَأسُهُ عَلَى فَخِذِى، غُشِىَ عَلَيْهِ سَاعَةً ئُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ قَالَ: " اللهُمَّ، الرَّفِيقَ الأَعْلَى ".
قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِذًا لا يَخْتَارُنا.
ــ
وقولها: " وأخذته بحة " بضم الباء [وتشديد الحاء، هى خشونة الصوت وحدته وصفاؤه، والاسم البحح، بفتح الباء والحاء] (٢).
وقوله: " فأشخص بصره إلى السقف "، قال الإمام: أى رفعه.
قال القاضى: كذا قال صاحب العين وغيره، وقال صاحب الأفعال: شخص: خرج من موضع إلى غيره، والسهم جاوز الهدف، والبصر لم يطرف، كله بفتح الحاء، فمعناه على هذا: حدد بصره إلى السقف ولم يطرف، وهى صفة شخوص بصر الميت.
وقوله: " اللهم الرفيق الأعلى "، وفى رواية: " فى الرفيق "، وفى رواية: " ألحقنى بالرفيق "، وفى رواية: " مع الرفيق ": قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. وخَطَّأ
стр. 4299
قَالَتْ عَائِشَةَ: وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِى كَانَ يحَدَّثَنا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِى قَوْلِهِ: " إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِىٌّ قَطُّ، حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ من الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ ".
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْلَهُ: " اللهُمَّ، الرَّفِيقَ الأَعْلَى ".
٨٨ - (٢٤٤٥) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلاهُما عَنْ أَبِى نُعَيْمٍ. قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، فَخَرَجَتَا مَعَهُ جَمِيعًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ
ــ
هذا الأزهرى، وكذلك يبعد لا سيما مع رواية " مع " و " فى ". وقيل: بل هم جماعة الأنبياء، ويدل عليه قوله فى الحديث الآخر: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ إلى قوله: ﴿[وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ] (١) رَفِيقًا﴾ (٢) وهو لفظ يقع للواحد والجميع (٣). وقيل: أراد رفق الرفيق، وقيل: أراد مرتفق الجنة. وقال الداوودى: هو اسم لكل سماء، وأراد الأعلى؛ لأن الجنة فوق ذلك. ولم يعرف هذا أهل اللغة ووهموا فيه، وإنما اسم السماء الرفيع، بالعين. ويبعد أيضاً مع رواية: " مع الرفيق ".
وقوله: " كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة على عائشة وحفصة ": بناء منه فى العدل ﵊ بينهن، وتطييب نفوسهن.
وقد أختلف [العلماء] (٤) فى إيجاب ذلك، فقيل: ليس له أن يخرج لسفر بإحداهن إلا بقرعة، وهو قول أبى حنيفة والشافعى وأحد قولى مالك. وقال مالك أيضاً: له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة. وهذا الحديث حجة للقول الأول.
وحجة القول الثانى: أن العدل لم يكن واجباً على النبى ﵊ لكن ذلك من حسن العشرة، وتطييب النفوس، وأن النساء يختلفن، فقد تكون إحداهن أخف محملاً وأقل عناء فى النظر فيما يخلفه، والأخرى أحسن نظراً فى ماله وأقوم بما يخلفه بعده، والواحدة ذات بنين وصنعة والأخرى متفردة.
стр. 4300
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ، سَارَ مَعَ عَائِشَةَ، يَتَحَدَّثُ مَعَهَا. فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: أَلا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِى وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، فَتَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ؟ قَالَتْ: بَلَى. فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ، وَعَلِيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ ثُمَّ سَارَ مَعَهَا، حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ فَغَارَتْ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَها بَيْنَ الإِذْخرِ وَتَقُولُ: يَارَبِّ، سَلِّطْ عَلَىَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِى، رَسُولُكَ وَلا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا.
٨٩ - (٢٤٤٦) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلالٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ".
(...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونُ ابْنَ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا قَتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ - كِلاهُما عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ولَيْسَ فِى حَدِيثِهما: سَمِعْتُ
ــ
وفيه جواز العمل بالقرعة، ولم يختلف العلماء أن الحاضرة لا تحاسب المسافرة بالمضى لها مع زوجها فى سفرها.
وقول حفصة لعائشة: " ألا تركبين الليلة بعيرى وأركب بعيرك " الحديث: قال المهلب: فى تحيل حفصة على عائشة دليل على أن القسمة لم تكن واجبة؛ إذ لم تكن تفعل ما لا يحل لها من الاستكثار من النبى ﵊ إلا ما أباحه لها من نفسه.
قال القاضى: وليس قوله ببين؛ لأن فى الحديث: أن النبى ﵊ كان يسير من الليل مع عائشة يتحدث معها. فقد استبان أنها قصدت ذلك. وليس هذا حق لعائشة ولا قسم، ولو كان ذلك لكان لحفصة مثله، وليس عليها فى هذا درك؛ لأنها طلبت الخير لنفسها وآثرتها به. ولم يكن ذلك حقاً واجباً لغيرها أوجب لها، فاحتالت عليها.
ومسير النبى ﵊ معها وتحدثه معها بعد معرفته بها؛ دليل على جوازه لها وإباحة ذلك من نفسه لها، ولو كان غير جائز لما أقرها عليه، ولا سامحها فيه كما لم يسامح فى تمريضه فى بيت عائشة، مع جواز ذلك له لو شاء إلا بإذنهن.
стр. 4301
رَسُول ﷺ . وَفِى حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
٩٠ - (٢٤٤٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ وَيَعْلَى ابْنُ عُبَيْدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ لَهَا: " إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلامَ ". قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ.
(...) حدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُلائِىُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِى زَائِدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهَا. بِمِثْلِ حَدِيثهِما.
(...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَسْباَطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٩١ - (...) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا عَائِشُ، هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ ". قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ. قَالَتْ: وَهُوَ يَرَى مَا لا أَرَى.
ــ
ودعاء عائشة على نفسها من الغيرة وما فعلته كذلك غير مؤاخذة به عند الحرج؛ لأنه بغير نية ولا معاقباً به، ولا يجاب غالباً، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾ (١).
قوله: " إن جبريل يقرأ عليك السلام ": يقال: أقرأته السلام، وهو يقرئك السلام بضم الياء رباعى، فإذا قلت: يقرأ عليك، بالفتح لا غير، وقيل: هما لغتان.
وقولها: " وعليه السلام ورحمة الله ": فيه أن صورة الرد هكذا. وهو اختيار ابن عمر: عليك السلام. وقال بعضهم: أما إذا اقتصر على رد مثلها فيقول كما قيل له: السلام عليك. وقد تقدم الكلام على أحكام السلام وأحاديثه.
стр. 4302
(١٤) باب ذكر حديث أم زرع
٩٢ - (٢٤٤٨) حدّثنا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ، كِلاهُمَا عَنْ عِيسَى - وَاللَّفْظُ لابْنِ حُجْرٍ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُس، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عرْوَةَ عَنْ أَخِيهِ، عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّها قَالَتْ: جَلَسَ إِحْدَى عَشَرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاَهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَلا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا.
قَالَتِ الأُولَى: زَوْجَى لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍ، عَلَى رَأسِ جبَلٍ وَعْرٍ، لا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى، وَلا سَمِينٌ فَيُنْتَقَل.
ــ
حديث أم زرع
قال فى أوله: جلس إحدى عشرة امرأة، وعند الطبرى: جلسْن، وهى لغة بعض العرب بإظهار علامة نون الجماعة مع تقدم الفعل، فيقولون: ضربونِى القوم، وأكلونى البراغيث. وعلحِه تأول بعضهم قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِين ظَلَمُوا﴾ (١)، فى الحديث الآخر: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل [وملائكة] (٢) بالنهار " (٣).
والأحسن فى الكلام والأفصح والأشهر حذفه وإفراد الفعل. وبهذا تكرر فى الكتاب العزيز وصحيح الحديث ومشهور أشعار العرب، وقد جاء فى بعضها تقديمه، وهو قليل. وقد يكون أيضاً " إحدى عشرة " بدلاً من الضمير فى " اجتمعن " وهو تأويل سيبويه فى قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ كأنه قيل: من هم؟ قال (٤): ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وتكون النون هنا ضميراً لا علامة تأنيث جماعة، وما بعدها بدلاً منها، ولها وجوه أخر كلها تخرج على ما ذكره المفسرون فى الآية.
قال الإمام: قول الأولى من النسوة اللائى اجتمعن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً: " زوجى لحم جمل غث ": يعنى المهذول على رأس جبل وغث تصف قلة خيره، وبعده مع القلة كالمشى فى قبلة الجبل الصعب لا ينال إلا بالمشقة. قال
стр. 4303
قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِى لا أَبُثُّ خَبَرَهُ، إِنَّى أَخَافُ أَلا أَذَرَهُ، إِنْ أَذكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ.
قَاَلتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِى الْعَشَنَّقُ، إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ.
ــ
الخطابى (١): معنى البعير فى هذا أن يكون قد وصفته بسوء الخلق، والترفع لنفسه، والذهاب بها زهوًا وكبرًا، يريد أنه مع قلة خيره وبر أدبه قد يتكبر على العيش ويجمع إلى منع الرفد الأذى وسوء الخلق.
قال أبو عبيد: وقولها: " لا سمين فينقى ": أى يستخرج نقيه، والنقى: المخ. يقال: نقوت العظم ونقيته وأنقيته: إذا استخرجت نقيه. ومن رواه: " فينتقل " أى ليس سميناً ينقله الناس إلى بيوتهم يأكلونه، ولكنهم يزهدون فيه. قال الخطابى: يريد أنه ليس فى جانبه طرف فيحمل سوء عشرته لذلك. يقال: أنقلت الشىء، أى نقلته.
قال أبو عبيد: وقول الثانية: " أذكر عجره وبجره ": العجر: أن يتعقد العصب أو العروق حتى تراها ناتئة من الجسد، والبجر نحوه، إلا أنها فى البطن خاصة وواحدتها بجرة. ومنه قيل: رجل أبجر، إذا كان عظم البطن، وامرأة بجراء، الجمع بجر، [يقال: رجل أبجر، إذا كان - ناتئ السرة عظيمها] (٢). قال الهروى (٣): قال ابن الأعرابى: العجرة: نفخة فى الظهر، فإذا كانت فى السرة فهى بجرة. ثم ينقلان إلى الهموم والأحزان. قال الخطابى: أرادت بالعجر والبجر عيوبه الباطنة وأسراره الكامنة (٤). وقال الأصمعى فى قول على - رضى الله عنه -: " إلى الله أشكو عجرى وبجرى ": أى همومى وأحزانى.
قال القاضى: وقال ابن السكيت: معنى " عجره وبجره ": أى أسراره.
وفى قولها: " أخاف ألا أذره " تأويلان: أحدهما ذهب إليه ابن السكيت: أن الهاء عائدة على ذكره وصبره لطوله وكثرته وإن بدأته لم يقدر على تمامه، وقيل: إنها عائدة على الزوج وهو المراد، كأنها خشيت فراقه إذا ذكرته وبلغه، وكأنها كانت تحبه وتكون " لا " هنا زائدة، كما قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ (٥).
قال الإمام: قال أبو عبيد: وقول الثالثة: " زوجى العشنق ": هو الطويل، تقول: ليس عنده أكثر من طوله بلا نفع، إن ذكرت ما فيه من العيوب إن نطقتُ طلقنى،
стр. 4304
قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِى كَلَيلِ تِهَامَةَ، لا حَرٌّ وَلا قُرٌّ، وَلا مَخَافَةَ وَلا سَآمَةَ.
قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِى إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ.
قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِى إِنْ أَكَل لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ.
ــ
وإن سكت تركنى معلقة، لا أيم ولا ذات بعل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَة﴾ (١). وقول الرابعة: " زوجى كليل تهامة ": تقول: ليس عنده أذى ولا مكروه، وإنما هو أمثل؛ لأن الحر والبرد كلاهما فيه أذى إذا اشتد. وقولها: " لا مخافة ولا سآمة ": تقول: ليس عنده غائلة ولا شر أخاف، ولا يسألنى فيمل صحبتى.
وقول الخامسة: " زوجى إن دخل فهد ": تصفه بكثرة النوم والغفلة فى منزله، على وجه المدح له، وذلك أن الفهد كثير النوم. يقال: أنوم من فهد والذى أرادت: أنه ليس يتفقد ما ذهب من ماله، ولا يلتفت إلى جانب البيت وما فيه، فهو كأنه ساه عن ذلك، ويبينه قولها: " ولا يسأل عما عهد " يعنى: عما كان عندى مثل ذلك.
وقولها: " أسد ": تصفه بالشجاعة. تقول: إذا خرج إلى الناس لمباشرة الحرب ولقاء العدو أسد فيها. يقال: أسد الرجل واستأسد بمعنى.
قال القاضى: قولها: " فهد وأسد " كذا الرواية فيه، بكسر الهاء والسين، فإما أن يكونا فعلين مشتقين من أسمائهما، أو يكونا اسمين، ويكون فهْد وفهِد مثل فخْذ وفخِذ ويأتى أسد على الاتباع لفهِد، وقد قال ابن أبى أويس فى معناه: أنه إذا دخل وثب علىَّ وثوب الفهد، فيحتمل أنه يريد بذلك ضرابها والمبادرة لجماعها.
قال الإمام: وقول السادسة: " إن أكل لف، وإن شرب اشتف " (٢): اللف فى الإطعام: الإكثار منه مع التخليط من صنوفه حتى لا يتبين منه شيئاً، والإشفاف فى الشرب: أن يستقصى ما فى الأناء ولا يستر شيئاً. وإنما أخذ من الشفافة وهى البقية فى الإناء من الشراب، فإذا شربها صاحبها قيل: أشفها (٣).
قولها: " ولا يولج الكف ليعلم البث ": قال أبو عبيد: أحسبه [أنها] (٤) كان بجسدها عيب أو داء كنّت به؛ لأن البث، هو الحزن، فكان لا يدخل يده فى ثوبها ليمس ذلك العيب فيشق عليها، تصفه بالكرم. قال الهروى: قال ابن الأعرابى: هذا
стр. 4305
قَالَتِ السَّابِعَة: زَوْجِى غَيَايَاءُ - أَوْ عَيَايَاءُ - طَبَاقَاءُ، كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ، أَوْ جَمَعَ كُلا لَكَ.
ــ
ذم لزوجها، وإنما أرأدت وإن رقد التف فى ناحية ولم يضاجعنى ليعلم ما عندى من محبتى لقربه. قال: ولا بث هاهنا (١) إلا محبتها الدنو من زوجها، فسمت ذلك بثاً؛ لأن البث من جهته يكون. وقال أحمد بن عبيد: أرادت أنه لا يفتقد أمورى (٢) ومصالح أنسابى، وهو قولهم: ما أدخل يده فى الأمر؛ أى لم يتفقده.
قال ابن الأنبارى: رد ابن قتيبة على أبى عبيد تأويله لهذا الحرف. قال: وكيف تمدحه بهذا وقد ذمته فى صدر الكلام. قال ابن الأنبارى: ولا حجة على أبى عبيد فيه؛ لأن النسوة كن تعاهدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً، ومنهن من كانت أمور زوجها كلها حسنة فوصفتها. ومنهن من كانت أمور زوجها كلها قبيحة فبينتها، ومنهن من كان بعض أمور زوجها حسنة وبعضها قبيحة فأخبرت به.
قال الإمام: وإلى قول ابن الأعرابى وابن قتيبة ذهب الخطابى فى تفسير هذا. قال القاضى: قولها: " إذا اضطجع التف ": تريد نام ناحية عنها. وهذا يؤيد خلاف قول أبى عبيد فى البث، وموافقة من تأوله على قلة الاشتغال بها، وقد تريد وصفه بالفشولة والعجز، فهذه نومة العاجز الوكل الزميل، وبهذه الضجعة سمى، ويؤيد تأويل مخالفى أبى عبيد فى هذا ما جاء عن عروة فى بعض طرق هذا الحديث. وذكر خمسة (٣) منهن هذه إحداهن، فقال: هؤلاء خمسة يشكرن " أو غياياء طباقاء ".
قال الإمام: قال أبو عبيد: وقول السابعة: " زوجى عياياء طباقاء ": العيا، بالعين المهملة: هو الذى لا يضرب ولا يلقح من الإبل، وكذلك هو فى الرجال، العيايا هنا فى كتاب ابن ولاد، العىّ: الأحمق القدم. قال الخطابى: أصل الطباقاء ما قاله الأصمعى، وهو الذى أمره مطبق عليه.
قال ابن ولاد: يقال: فلان طباقا، إذا لم يكن صاحب غزو ولا سفر، إنما شرح بهذا ابن ولاد بقية وصف الطباق فى البيت الذى استشهد به لا الطباقا، والبيت:
طباقاء لم يشهد خصوما ولم يُنِخْ ... قلاصاً إلى أكوارها حين تعكف
قال: يريد أنه ليس صاحب غزو ولا سفر.
стр. 4306
قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِى الرِّيحُ ريحُ زَرْنَبٍ، وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ.
ــ
قال: والعياياء من الإبل الذى لا يحسن الضراب، ولا يقال ذلك للرجل. وأما الطباقا فيقال فى الإبل والرجال؛ وهو الذى لا يحسن الضراب أيضاً.
قال أبو عبيد: قولها: " كل داء [له] (١) داء ": أى كل شىء [من] (٢) دواء الناس فهو فيه ومن أدوائه.
قال القاضى: ما حكاه عن ابن ولاد فى تفسير الطباقا والعيايا لم نجده كذلك فى كتابه بعضه معبر وبعضه مفسر للفظ آخر فانظره. والطباقا: الذى لا يلقح ولا يضرب النوق. قاله الأصمعى، والخليل؛ وحكاه أبو على عن بعضهم: أنه الثقيل الصدر، الذى [لا] (٣) يطبق صدره على صدر المرأة عند الحاجة لها وهو من مذام الرجال. وأنكر أبو عبيد رواية غياياء بالمعجمة، وقال: ليس بشىء ويظهر له وجه حسن بين لاسيما وأكثر الرواة أثبتوه، ولم يشكوا فيه، وهو أن يكون مأخوذاً من الغياية، وهو كل ما أظل الإنسان فوق رأسه، فكأنه غطى عليه وسترت أموره، ويكون بمعنى طباقا، وقد تقدم من تفسيره بهذا النحو ما يؤيده. أو يكون غيايا منٍ الغى، وهو الانهماك فى الشر، ومن الغى وهو الخيبة قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٤) قيل: خيبة.
وقولها: " شجك أو فلك أو جمع كلالك ": شجك: جرحك. والشجاج: مما يختص بالرأس، والجراح فيه وفى سائر الجسد والقلب مثله.
وقول الثامنة: " المس مس أرنب، والريح ريح زرنب "، قال الإمام: تصفه بحسن الخلق ولين الجانب، كمس الأرنب إذا وضعت يدك عليها. وقولها: " والريح ريح زرنب " معناه: يمكن أن تريد به طيب ريح جسده، ويمكن أنها تريد [به] (٥) طيب ثيابه فى الناس فى انتشاره فيهم كريح الزرنب؛ وهو نوع من أنواع الطيب معروف.
قال القاضى: ومعنى ثالث: إنما أرادت به لين خلقه، وحسن عشرته، فيكون بمعنى الفقرة الأولى.
قال الإمام: وقول التاسعة: " زوجى رفيع العماد ": تصفه بالشرف وسناء الذكر، وأصل العماد: عماد البيت، وجمعه عمد. وهى العيدان التى تعمد بها البيوت، وإنما هذا مثل، تقول: إن بيته فى حسنه رفيع فى قومه.
стр. 4307
قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِى رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِى.
ــ
وأما قولها: " طويل النجاد ": فإنما تصفه بامتداد القامة. والنجاد: حمائل السيف، فهو يحتاج إلى قدر ذلك من طوله، وهذا مما تمدح به الشعراء.
وقولها: " عظيم الرماد ": تصفه بالجود، وكثرة الضيافة من لحم الإبل ومن غيرها من اللحوم، فإذا فعلت ذلك عظمت ناره وكثر وقودها، فيكون الرماد فى الكثرة على قدر ذلك. قال الخطابى: قد يكون إيقاد النار بمعالجة الطعام، واشتواء اللحم ليطعمه الأضياف كرماً. وأمدح له أن يكون ناره لا تطفأ لئلا يهتدى به الضيفان فيكثر عشاؤهم إليه. والأجواد يَطْعِمُون ويُطْعَمُونَ (١) النيران فى ظلم الليل، ويوقدونها على التلال ومشارف الأرض، ويرفعون على الأيدى الأقباس ليهتدى بسنائها الأضياف.
قال القاضى: قد قيل فى " رفيع العماد " إيهاماً، وأرادت به ظاهره، وهو عماد بيته، وصفته بالعلو والكبر، وكذلك بيوت الأشراف وأهل السؤدد؛ لسعة أحوالهم، وكثرة من يغشاهم فيها ولترى وتقصد وقد وصف غيرهم بضد ذلك، فقيل: قصار البيوت لا يرى أصواتها (٢) من اللؤم يجتاحون عند الشدائد؛ وقيل: أرادت برفيع العماد: أنه طويل فى نفسه، كما جاء فى رواية " طويل العماد "، وكما قالت: " طويل النجاد ". وهو مُما كانت تتمادح به العرب وتهجو بضده، قال الشاعر:
كأنما عمامته بين الرجال لواء
وقولها: " قريب البيت من النادى ": النادى، والندى، والمنتدى: مجلس القوم، قال الله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَر﴾ (٣)، وبذلك سميت دار الندوة للاجتماع للمشورة فيها. ووصفته بالكرم والسؤدد؛ لأنه [لا يقرب] (٤) من النادى إلا من هو بهذه الصفة؛ لأن المجتمع عنده يكون فى فناء بيته بثبات، هاليه هو يعتمد فى ذلك ولأن الضيفان إنما يقصدون مجتمع الحى ليقوم بهم كرماؤهم، واللئام يبعدون بيوتهم عن ذلك ويخفونها لئلا ترى وتظهر ناره فيقصد كما قال الشاعر:
له نار تشب على بقاع (٥) ... إذا النيران ألبست القناعا
стр. 4308
قَالَتْ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِى مَالِكٌ وَمَا مَالِكُ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِك، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارك، قَلِيلاَتُ الْمَسَارِحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ.
ــ
أى: سترته بوقودها فى الغيطان، وبطون الأرض.
قال الإمام: وقول العاشرة: " زوجى مالك " الحديث، تقول: إنه لا يوجه إبله تسرح نهاراً إلا قليلاً ولكنهن يتركن بفنائه فإن نزل به ضيف لم تكن الإبك غائبة عنه، ولكنها بحضرته فيقريهم من ألبانها ولحومها. والمزهر: العود الذى يضرب به، أرادت: أن زوجها عود (١) إبله إذا نزل به الضيفان أن ينحر لهم ويسقيهم الشراب، ويأيتهم بالمعازف، فإذا سمعت الإبل ذلك الصوت علمن أنهن منحورات فذلك قولها: " أيقن أنهن هوالك ".
قال القاضى: المسارح: المراعى البعيدة، يقال: سرحت الإبل فسرحت اللازم والواقع واحد فعلت فيها، قال الله تعالى: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (٢). قال بعضهم فى معنى قولها: " كثيرات المبارك، قليلات المسارح ": أنها كثيرة فى حال بروكها، قليلة إذا سرحت لكثرة ما تسار فتحلب ثم تعزل (٣)، فلكثرة (٤) ما يفعل ذلك بها كثرت مباركها، وهى " قليلات المسارح "؛ لقلتها فى ذاتها، وقيل: بل مباركها كثيرة ما ينحر منها للأضياف. قال: ولو كان كما تقدم لماتت هزالاً، وقيل: بل معناها: " كثيرة المبارك ": أى مباركها فى الحقوق والعطايا والحملان والأضياف كثيرة. ومراعيها قليلة، أى أنها تكثر فى مباركها بمن ينتابها من الضيفان [والمعمقين] (٥). وإلى هذا ذهب يعقوب بن السكيت واحتج عليه بقول عروة بن الورد:
بريح على الليل قربان ماجد ... كريم ومالى سارحا مال معسر
قال: تقول: إذا راحت بالعشى راح فيها الضيفان، وإذا سرحت كانت قليلة؛ لأنه لا أحد فيها منهم يكثر سوادها، ونحوه لابن الأنبارى.
وذهب أبو سعيد النيسابورى فى قولها: " إذا سمعن صوت مزهر " أنه مزهر النار للأضياف، أى موقدها، ويكون بضم الميم، تريد صوت معمعة النار فى وقيدها به للضيفان. قال: ولم تكن العرب تعرف المزهر الذى هو العود، إلا من خالط الحضر
стр. 4309
قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِى أَبُو زَرْعٍ، فَمَا أَبْو زَرْعٍ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِىٍّ أُذُنَىَّ، وَمَلأَ مِنْ شَحْمِ عَضُدَىَّ، وَبَجَّحَنِى فَبَجَحَتْ إِلَىَّ نَفْسِى، وَجَدَنِى فِى أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ،
ــ
منهم، ولم يقل: " سامع " أنه لم يروه أحد بضم الميم، وقد جاء ذكر المزهر والعود والكيران (١) فى أشعار العرب كثير. ومن يقول: إن هؤلاء النسوة من غير أهل الحضر، فكيف وفى بعض الروايات: أنهن من قرية من قرى اليمن، فهؤلاء أهل حاضرة.
وقول " الحادية عشرة " كذا فى رواية بعض شيوخنا، وهو ضبط الجيانى، وعند السجزى: " الحادية عشر " بغيرها، وعند العذرى والسمرقندى: " الحادى عشرة "، ووجه الكلام والمعروف والصحيح الرواية الأولى. وفى الشين وجهان: الإسكان والكسر (٢). والكلمتان مفتوحتان الآخر؛ لأنهما كالكلمة الواحدة [كحضرمرت] (٣). واختلف أهل العربية إذا لم تدخل عليها الألف واللام، فأجاز بعضهم أحد الإعراب فى الكلمة الأولى وأباه سيبويه.
قال الإمام: قال أبو عبيد: قول الحادية عشر: " أناس من حلى أُذنى ": تريد حلانى قرطة وشنوفا فهى تنوس بأذنى، والنوس: الحركة من كل شىء متدل، يقال منه: ناس ينوس نوساً وأناسه غيره أناس. قال ابن الكلبى: إنما سمى ملك اليمن [دانواس] (٤) لضفيرتين كانتا له تنوسان على عاتقه.
وقولها: " وملأ من شحم عضدى ": لم ترد العضد خاصة، إنما أرادت الجسد كله، تقول: إنه أسمننى بإحسانه إلى، فإذا سمن العضد سمن سائر الجسد.
وقولها: " وبجحَنى فبجحت ": أى فرحنى ففرحت. وقال ابن الأنبارى: معناه: عظمنى فعظمت عند نفسى، يقال: فلان يتبجح بكذا، أى يتعظم ويترفع ويفتخر.
[قال] (٥): ومنه قول الشاعر:
وما الفقر من أرض العشيرة ساقنا ... إليك ولكنا بقرباك نبجح
أى نفخر ونعظم بقرابنا منك.
قال أبو عبيد: وقولها: " وجدنى فى أهل غنيمة بشق ": يعنى أن أهلها كانوا أصحاب غنم ليسوا بأصحاب خيل ولا إبل؛ لأن الصهيل أصوات الخيل والأطيط أصوات
стр. 4310
فَجَعَلَنِى فِى أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَصط، وَدائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ.
أُمُّ أَبِى زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِى زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيَتها فَسَاحٌ.
ــ
الإبل وحنينها، وقد يكون الأطيط أيضاً غير صوت الإبل، واحتج بحديث عتبة بن غزوان: " ليأتين على باب الجنة وقت له فيه أطيط "؛ أى صوت بالزحام. قال: و" شق " موضع.
قال القاضى: بالكسر ضبطناه فى الصحيح، قال أبو عبيد: والمحدثون يقولون: " شق " وبالكسر والفتح، وهو موضع. قال الهروى: وهو الصواب، وقال ابن الأنبارى: هما بالفتح والكسر موضع. قال ابن أبى أويس وابن حبيب: يعنى شق جبل لقلتهم وقلة غنمهم، وشق الجبل بالكسر: ناحيته. وقال القتبى: ويقطونه بشق [بالكسر] (١)، أى بشظف من العيش وجهد، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُس﴾ (٢). وهذا عندى أشبه بمعنى الحديث.
قال الإمام: وقولها: " ودائس ومنق ": تريد أنهم أصحاب زرع، فهم يدرسونه إذا حصد [وينقونه] (٣) من خلط وزوان ونحو ذلك.
قال القاضى: قال يعقوب: الدائس: الذى يدوس الطعام. قال الهروى: داس الطعام ودوسه. وقال غيره: الداس: [الأبذر] (٤). وقال بعضهم: الدياس: الطعام الذى أهله فى دياسه [وعند غيره] (٥) [فجعل] (٦) خيرهم متصل.
وأما قولها: " منق " فروايتنا فيه بالفتح. قال أبو عبيد: والمحدثون يقولونه بالكسر، ولا أدرى معناه، وأحسبه بالفتح تريد من يبقى الطعام، وحكى الهروى: المنقى بالغربال، وقاله ابن أبى أويس بالكسر، قال: وهو نقيق أصوات المواشى والأنعام، تصف كثرة ماله. وقال النيسابورى: تريد الدجاج يقال: أنقى الرجل، إذا كان له دجاج منقى ونقيق. وقال أبو مروان بن سراج: يجوز أن يكون " منق " بالإسكان إن كان روى، أى أصحاب أنعام سمان ذات نقى.
وقولها: " فعنده أقول فلا أقبح "، قال الإمام: تقول: لا يقبح قولى فيرد بل يقبل