← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِى الرِّيحُ ريحُ زَرْنَبٍ، وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ. ــ قال: والعياياء من الإبل الذى لا يحسن الضراب، ولا يقال ذلك للرجل. وأما الطباقا فيقال فى الإبل والرجال؛ وهو الذى لا يحسن الضراب أيضاً. قال أبو عبيد: قولها: " كل داء [له] (١) داء ": أى كل شىء [من] (٢) دواء الناس فهو فيه ومن أدوائه. قال القاضى: ما حكاه عن ابن ولاد فى تفسير الطباقا والعيايا لم نجده كذلك فى كتابه بعضه معبر وبعضه مفسر للفظ آخر فانظره. والطباقا: الذى لا يلقح ولا يضرب النوق. قاله الأصمعى، والخليل؛ وحكاه أبو على عن بعضهم: أنه الثقيل الصدر، الذى [لا] (٣) يطبق صدره على صدر المرأة عند الحاجة لها وهو من مذام الرجال. وأنكر أبو عبيد رواية غياياء بالمعجمة، وقال: ليس بشىء ويظهر له وجه حسن بين لاسيما وأكثر الرواة أثبتوه، ولم يشكوا فيه، وهو أن يكون مأخوذاً من الغياية، وهو كل ما أظل الإنسان فوق رأسه، فكأنه غطى عليه وسترت أموره، ويكون بمعنى طباقا، وقد تقدم من تفسيره بهذا النحو ما يؤيده. أو يكون غيايا منٍ الغى، وهو الانهماك فى الشر، ومن الغى وهو الخيبة قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٤) قيل: خيبة. وقولها: " شجك أو فلك أو جمع كلالك ": شجك: جرحك. والشجاج: مما يختص بالرأس، والجراح فيه وفى سائر الجسد والقلب مثله. وقول الثامنة: " المس مس أرنب، والريح ريح زرنب "، قال الإمام: تصفه بحسن الخلق ولين الجانب، كمس الأرنب إذا وضعت يدك عليها. وقولها: " والريح ريح زرنب " معناه: يمكن أن تريد به طيب ريح جسده، ويمكن أنها تريد [به] (٥) طيب ثيابه فى الناس فى انتشاره فيهم كريح الزرنب؛ وهو نوع من أنواع الطيب معروف. قال القاضى: ومعنى ثالث: إنما أرادت به لين خلقه، وحسن عشرته، فيكون بمعنى الفقرة الأولى. قال الإمام: وقول التاسعة: " زوجى رفيع العماد ": تصفه بالشرف وسناء الذكر، وأصل العماد: عماد البيت، وجمعه عمد. وهى العيدان التى تعمد بها البيوت، وإنما هذا مثل، تقول: إن بيته فى حسنه رفيع فى قومه.

стр. 4307

قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِى رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِى. ــ وأما قولها: " طويل النجاد ": فإنما تصفه بامتداد القامة. والنجاد: حمائل السيف، فهو يحتاج إلى قدر ذلك من طوله، وهذا مما تمدح به الشعراء. وقولها: " عظيم الرماد ": تصفه بالجود، وكثرة الضيافة من لحم الإبل ومن غيرها من اللحوم، فإذا فعلت ذلك عظمت ناره وكثر وقودها، فيكون الرماد فى الكثرة على قدر ذلك. قال الخطابى: قد يكون إيقاد النار بمعالجة الطعام، واشتواء اللحم ليطعمه الأضياف كرماً. وأمدح له أن يكون ناره لا تطفأ لئلا يهتدى به الضيفان فيكثر عشاؤهم إليه. والأجواد يَطْعِمُون ويُطْعَمُونَ (١) النيران فى ظلم الليل، ويوقدونها على التلال ومشارف الأرض، ويرفعون على الأيدى الأقباس ليهتدى بسنائها الأضياف. قال القاضى: قد قيل فى " رفيع العماد " إيهاماً، وأرادت به ظاهره، وهو عماد بيته، وصفته بالعلو والكبر، وكذلك بيوت الأشراف وأهل السؤدد؛ لسعة أحوالهم، وكثرة من يغشاهم فيها ولترى وتقصد وقد وصف غيرهم بضد ذلك، فقيل: قصار البيوت لا يرى أصواتها (٢) من اللؤم يجتاحون عند الشدائد؛ وقيل: أرادت برفيع العماد: أنه طويل فى نفسه، كما جاء فى رواية " طويل العماد "، وكما قالت: " طويل النجاد ". وهو مُما كانت تتمادح به العرب وتهجو بضده، قال الشاعر: كأنما عمامته بين الرجال لواء وقولها: " قريب البيت من النادى ": النادى، والندى، والمنتدى: مجلس القوم، قال الله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَر﴾ (٣)، وبذلك سميت دار الندوة للاجتماع للمشورة فيها. ووصفته بالكرم والسؤدد؛ لأنه [لا يقرب] (٤) من النادى إلا من هو بهذه الصفة؛ لأن المجتمع عنده يكون فى فناء بيته بثبات، هاليه هو يعتمد فى ذلك ولأن الضيفان إنما يقصدون مجتمع الحى ليقوم بهم كرماؤهم، واللئام يبعدون بيوتهم عن ذلك ويخفونها لئلا ترى وتظهر ناره فيقصد كما قال الشاعر: له نار تشب على بقاع (٥) ... إذا النيران ألبست القناعا

стр. 4308

قَالَتْ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِى مَالِكٌ وَمَا مَالِكُ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِك، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارك، قَلِيلاَتُ الْمَسَارِحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ. ــ أى: سترته بوقودها فى الغيطان، وبطون الأرض. قال الإمام: وقول العاشرة: " زوجى مالك " الحديث، تقول: إنه لا يوجه إبله تسرح نهاراً إلا قليلاً ولكنهن يتركن بفنائه فإن نزل به ضيف لم تكن الإبك غائبة عنه، ولكنها بحضرته فيقريهم من ألبانها ولحومها. والمزهر: العود الذى يضرب به، أرادت: أن زوجها عود (١) إبله إذا نزل به الضيفان أن ينحر لهم ويسقيهم الشراب، ويأيتهم بالمعازف، فإذا سمعت الإبل ذلك الصوت علمن أنهن منحورات فذلك قولها: " أيقن أنهن هوالك ". قال القاضى: المسارح: المراعى البعيدة، يقال: سرحت الإبل فسرحت اللازم والواقع واحد فعلت فيها، قال الله تعالى: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (٢). قال بعضهم فى معنى قولها: " كثيرات المبارك، قليلات المسارح ": أنها كثيرة فى حال بروكها، قليلة إذا سرحت لكثرة ما تسار فتحلب ثم تعزل (٣)، فلكثرة (٤) ما يفعل ذلك بها كثرت مباركها، وهى " قليلات المسارح "؛ لقلتها فى ذاتها، وقيل: بل مباركها كثيرة ما ينحر منها للأضياف. قال: ولو كان كما تقدم لماتت هزالاً، وقيل: بل معناها: " كثيرة المبارك ": أى مباركها فى الحقوق والعطايا والحملان والأضياف كثيرة. ومراعيها قليلة، أى أنها تكثر فى مباركها بمن ينتابها من الضيفان [والمعمقين] (٥). وإلى هذا ذهب يعقوب بن السكيت واحتج عليه بقول عروة بن الورد: بريح على الليل قربان ماجد ... كريم ومالى سارحا مال معسر قال: تقول: إذا راحت بالعشى راح فيها الضيفان، وإذا سرحت كانت قليلة؛ لأنه لا أحد فيها منهم يكثر سوادها، ونحوه لابن الأنبارى. وذهب أبو سعيد النيسابورى فى قولها: " إذا سمعن صوت مزهر " أنه مزهر النار للأضياف، أى موقدها، ويكون بضم الميم، تريد صوت معمعة النار فى وقيدها به للضيفان. قال: ولم تكن العرب تعرف المزهر الذى هو العود، إلا من خالط الحضر

стр. 4309

قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِى أَبُو زَرْعٍ، فَمَا أَبْو زَرْعٍ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِىٍّ أُذُنَىَّ، وَمَلأَ مِنْ شَحْمِ عَضُدَىَّ، وَبَجَّحَنِى فَبَجَحَتْ إِلَىَّ نَفْسِى، وَجَدَنِى فِى أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، ــ منهم، ولم يقل: " سامع " أنه لم يروه أحد بضم الميم، وقد جاء ذكر المزهر والعود والكيران (١) فى أشعار العرب كثير. ومن يقول: إن هؤلاء النسوة من غير أهل الحضر، فكيف وفى بعض الروايات: أنهن من قرية من قرى اليمن، فهؤلاء أهل حاضرة. وقول " الحادية عشرة " كذا فى رواية بعض شيوخنا، وهو ضبط الجيانى، وعند السجزى: " الحادية عشر " بغيرها، وعند العذرى والسمرقندى: " الحادى عشرة "، ووجه الكلام والمعروف والصحيح الرواية الأولى. وفى الشين وجهان: الإسكان والكسر (٢). والكلمتان مفتوحتان الآخر؛ لأنهما كالكلمة الواحدة [كحضرمرت] (٣). واختلف أهل العربية إذا لم تدخل عليها الألف واللام، فأجاز بعضهم أحد الإعراب فى الكلمة الأولى وأباه سيبويه. قال الإمام: قال أبو عبيد: قول الحادية عشر: " أناس من حلى أُذنى ": تريد حلانى قرطة وشنوفا فهى تنوس بأذنى، والنوس: الحركة من كل شىء متدل، يقال منه: ناس ينوس نوساً وأناسه غيره أناس. قال ابن الكلبى: إنما سمى ملك اليمن [دانواس] (٤) لضفيرتين كانتا له تنوسان على عاتقه. وقولها: " وملأ من شحم عضدى ": لم ترد العضد خاصة، إنما أرادت الجسد كله، تقول: إنه أسمننى بإحسانه إلى، فإذا سمن العضد سمن سائر الجسد. وقولها: " وبجحَنى فبجحت ": أى فرحنى ففرحت. وقال ابن الأنبارى: معناه: عظمنى فعظمت عند نفسى، يقال: فلان يتبجح بكذا، أى يتعظم ويترفع ويفتخر. [قال] (٥): ومنه قول الشاعر: وما الفقر من أرض العشيرة ساقنا ... إليك ولكنا بقرباك نبجح أى نفخر ونعظم بقرابنا منك. قال أبو عبيد: وقولها: " وجدنى فى أهل غنيمة بشق ": يعنى أن أهلها كانوا أصحاب غنم ليسوا بأصحاب خيل ولا إبل؛ لأن الصهيل أصوات الخيل والأطيط أصوات

стр. 4310

فَجَعَلَنِى فِى أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَصط، وَدائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ. أُمُّ أَبِى زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِى زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيَتها فَسَاحٌ. ــ الإبل وحنينها، وقد يكون الأطيط أيضاً غير صوت الإبل، واحتج بحديث عتبة بن غزوان: " ليأتين على باب الجنة وقت له فيه أطيط "؛ أى صوت بالزحام. قال: و" شق " موضع. قال القاضى: بالكسر ضبطناه فى الصحيح، قال أبو عبيد: والمحدثون يقولون: " شق " وبالكسر والفتح، وهو موضع. قال الهروى: وهو الصواب، وقال ابن الأنبارى: هما بالفتح والكسر موضع. قال ابن أبى أويس وابن حبيب: يعنى شق جبل لقلتهم وقلة غنمهم، وشق الجبل بالكسر: ناحيته. وقال القتبى: ويقطونه بشق [بالكسر] (١)، أى بشظف من العيش وجهد، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُس﴾ (٢). وهذا عندى أشبه بمعنى الحديث. قال الإمام: وقولها: " ودائس ومنق ": تريد أنهم أصحاب زرع، فهم يدرسونه إذا حصد [وينقونه] (٣) من خلط وزوان ونحو ذلك. قال القاضى: قال يعقوب: الدائس: الذى يدوس الطعام. قال الهروى: داس الطعام ودوسه. وقال غيره: الداس: [الأبذر] (٤). وقال بعضهم: الدياس: الطعام الذى أهله فى دياسه [وعند غيره] (٥) [فجعل] (٦) خيرهم متصل. وأما قولها: " منق " فروايتنا فيه بالفتح. قال أبو عبيد: والمحدثون يقولونه بالكسر، ولا أدرى معناه، وأحسبه بالفتح تريد من يبقى الطعام، وحكى الهروى: المنقى بالغربال، وقاله ابن أبى أويس بالكسر، قال: وهو نقيق أصوات المواشى والأنعام، تصف كثرة ماله. وقال النيسابورى: تريد الدجاج يقال: أنقى الرجل، إذا كان له دجاج منقى ونقيق. وقال أبو مروان بن سراج: يجوز أن يكون " منق " بالإسكان إن كان روى، أى أصحاب أنعام سمان ذات نقى. وقولها: " فعنده أقول فلا أقبح "، قال الإمام: تقول: لا يقبح قولى فيرد بل يقبل

стр. 4311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منى. وقولها. " وأشرب فأتقمح ": النقح فى الشرب مأخوذ من الناقة المقامح. قال الأصمعى: وهى التى ترد الحوض فلا تشرب. قال أبو عبيد: وأحسب قولها: " ما يقمح ": أى أروى حتى أدع الشراب من شدة الرى. قال: ولا أراها قالت هذا إلا من عزة الماء عندهم. قال: وبعض الناس يروى هذا الحرف " فاتقنح " بالنون، ولا أعرف هذا الحرف ولا أرى المحفوظ إلا بالميم. قال القاضى: لم نروه فى كتاب مسلم والبخارى إلا بالنون، وقال البخارى فى حاشية الكتاب: وقال بعضهم: " فأتقمح " بالميم وهو أصح. قال القاضى: والنون صحيحة. قال أبو على القالى فى كتابيه " البارع والآمال، [وشمر بن حميد ويه] (١): [قنحت الإبل قنحاً] (٢): إذا كرهت الشرب، وأكثر كلامهم: تقنحت نقحاً. قاله أبو زيد. وقال نحوه ابن السكيت وأبو حنيفة. فالميم إذًا والنون بمعنى، وكثيراً ما يتوارد كقولهم: امتقع وانتقع، وقال شمر: التقنح الشرب فوق الرى. قال ابن حبيب: عن ابن أبى أويس: هو الذى بعد الرى. وقال النيسابورى: هو الشرب على رسل لكثرة اللبن فليس يتاميها غيرها. وقال يعقوب: " فاتقنح ": أى فلا يقطع على شربى. وقولها: " وأرقد فأتصبح ": أى أنام الصبحة، وهى يوم أول النهار، تريد أنها مرفهة، عندها من يخدمها ويكفيها مؤونة بيتها، إذ لا ينام الصبحة إلا من هو بهذه الصفة. قال امرؤ القيس: نؤوم الضحى لم تنطق عن تفضل وقولها: " أم أبى زرع فما أم أبى زرع "، وفى رواية العذرى: " أم زرع "، وهو وهم. وقولها: " عكومها رداح "، قال الإمام: قال أبو عبيد: العكوم: الأحمال والأوعية والأعدال، التى فيها طرف الأطعمة والمتاع، واحدها عكم. " ورداح ": عظام كثيرة الحشو، ومنه قيل للمرأة إذا كانت عظيمة الأكفال: رداح. وللكثيبة إذا عظمت: رداح. قال القاضى: قد يحتمل أنه أراد بعكومها هنا كفلها وعظمه. وقولها: " رداح " وهو واحد خبراً عن العكوم، وهى جمع والجمع لا يوصف بالمفرد، ولا يخبر به عنه، والمراد كل عكم منها رداح، أو يكون رداح هنا مصدراً

стр. 4312

ابْنُ أَبِى زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِى زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ. بِنْتُ أَبِى زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أَبِى زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا، وَمِلْءُ كِسَائهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا. جَارِيَةُ أَبِى زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِى زَرْعٍ؟ لا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلاَ تُنقِّثُ مِيرَتَنَا ــ كالذهاب والطلاق، أو يكون على التشبيه، كقوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ (١) أى ذات انفطار، على مذهب من قال ذلك، أو تكون أرادت الكفل فوصفته برداح، حملاً على المعنى، كما قال: " ثلاث شخوص كأعبان ومعصر ". وقولها: " وبيتها فساح ": يعنى متسع، يقال: بيت فسح وفساح، وقد يحتمل أن تريد أنها كثيرة الخير والنعمة، فكنّت بالبيت عن ذلك. وقولها فى ابن أبى زرع: " مضجعه (٢) كمسل المشطبة " بفتح الشين والميم، قال الإمام: المشطبة: أصلها ما شطب من جريد النخل، وهو سعفه، وذلك أنه يشقق منه قضبان رقاق ينسج منه الحصر، فأخبرت المرأة أنه مهفهف ضرب اللحم، شبه بتلك الشطبة، وهو مما يمدح [منه] (٣) به الرجال (٤). وقولها: " تشبعه ذراع الجفرة ": هى الأنثى من أولاد الغنم، والذكر جفر، والعرب تمدح بقلة الأكل والشرب. قال القاضى: قال ابن الأعرابى وغيره: أراد تمثيل الشطبة هنا بالسيف يستل من غمده. واختلف أهل اللغة فى الجفر، هل هو من ولد الضان؟ وهو قول [ابن] (٥) الأنبارى، وابن دريد، أو ولد المعز، وهو قول أبى عبيد وغيره، وهو إذا استجفر وفصل عن أمه، وأخذ فى الرعى وصار له بطن. وقولها: فى ابنة أبى زرع: " ملء كسائها ": أى أنها ممتلئة الجسم. وقولها فى الحديث الآخر: " صفر ردائها " (٦): أى خالية، والصفر: الشىء الفارغ. قال الهروى: أى ضامرة البطن، والرداء ينتهى إلى البطن، وقال غيره: تريد أنها خفيفة أعلى اليد من البدن، وهو موضع الرداء ممتلئة أسفله، وهو موضع الكساء والإزار، ويؤيد هذا قولها فى بعض روايات الحديث: " ملء إزارها " والأولى أنها أرادت أن امتلاء منكبيها، وقيام نهديها يرفعان الرداء عن أعلى جسدها، فهو لا يمسه، فهو كالفارغ منها، بخلاف أسفلها كما قال الشاعر: أبت الروادف والثدى لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا

стр. 4313

تَنْقِيثًا، وَلا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا. قَالَت: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالأَوْطَابُ تُمخّضُ، فَلَقِىَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفهْدَيْنِ، يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِى وَنَكَحَهَا، فَنَكَحَتُ بَعْدَهُ رَجُلاً سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيا، وَأَخَذَ خَطبَّا، وَأَرَاحَ عَلَىَّ نَعَما ثَرِيا، وَأَعْطَانِى مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا. قَالَ: كُلِى أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِى أَهْلَكِ. ــ وقولها: " وغيظ جارتها ": تريد ضرتها، يغيظها ما ترى من حسنها وجمالها وعفتها، وفى الرواية الأخرى: " وعقر جارتها " كذا ضبطناه عن جميع شيوخنا بفتح العين والقاف، وقيده الجيانى: " عُبْر " بضم العين وسكون الباء، وكذا ذكره ابن الأنبارى، وأرى الجيانى أصلحه من كتابه، وفسره ابن الأنبارى بوجهين: أحدهما: أنه من الاعتبار أى إنما يرى من عفتها وحسنها ما تعتبر به. والثانى: من العبرة والبكاء أى يرى من ذلك ما يبكى عينها حسداً وغيظاً لذلك، كما تقدم فى الرواية الأخرى، وعلى رواية: " عقر " فمن هذا، أى دهش جارتها، يقال: عقر إذا دهش أى أن ذلك يدهشها. أو يكون من القتل أو الجرح، ومنه: صيد عقير، أى قتيل أو مجروح. وعقر فلان إبله: قتلها، وكلب عقور: أى جارح. وقولها فى جارية أبى زرع: " لا تبث حديثنا تبثيثاً ": رويناه هنا بالباء، قال الإمام: معناه: لا تشيعه ولا تظهره، ويروى: " لا تنبث " بالنون، ومعناه قريب من الأول، أى لا تظهر سرنا. وقولها: " ولا تنقث ميرتنا تنقيثاً ": يعنى الطعام، لا تأخذه فتذهب به. تصفها بالأمانة. والتنقيث: الإسراع بالشىء. قال القاضى: روايتنا فيه هنا فى الحديث الأول بضم التاء وفتح النون وكسر القاف، وفى الحديث بعده [بفتح التاء وضم القاف] (١) لكافتهم. قال ابن حبيب: ومعناه: لا تفسده وتفرقه وتسرع فيه، وليس من الإسراع فى السير. والميرة: ما يمتاره البدوى من الحضر من طعام، ولبعض شيوخنا فى هذا الحديث عندنا ضبط غير ما تقدم، وكله تصحيف ووهم. وقولها: " ولا تملأ بيتنا تعشيشاً "، قال الإمام: قال الخطابى: لم يفسره أبو عبيد. والتعشش - بالعين المهملة - مأخوذ من قولهم: عشش الخبز: إذا فسد، يريد

стр. 4314

فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَىْءٍ أَعْطَانِى مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِى زَرْعٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُنْتُ لَكِ كَأَبِى زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ ". (...) وَحَدَّثَنِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هَشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: عَيَايَاءُ طِبَاقَاءُ. وَلَمْ يَشُكَّ. وَقَالَ: قَلِيلاتُ الْمَسَارِحِ. وَقَالَ: وَصِفْرُ رِدَائِهَا، وَخَيْرُ نِسَائِهَا، وَعَقْرُ جَارَتِهَا. وَقَالَ: وَلا تَنْقُثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا. وَقَالَ: وَأَعْطَانِى مِنْ كُلِّ ذَابِحَةٍ زَوْجًا. ــ أنها تحسن مراعاة الطعام والمخبوز. قال القاضى: إنما يصح هذا على رواية من يروى: " ولا تفسد ميرتنا تعششاً "، وأما على ما فى الأم: " ولا تملأ بيتنا تعشيشاً " بالعين المهملة فيهما فمعناه: أنها مصلحة للبيت معتنية بتنظيفه، وإلقاء كناسته، ولا تتركها فيه مجتمعة هنا وهنا كأعشاش الطير. وقال: إنها تكنسه وتنظفه ولا تتركه مثل عش الطائر فى قذره، وقيل: لا تخوننا فى طعامنا فتخبزه فى زوايا المنزل كأعشاش الطيور. ومن روى " تغشيشاً " بالمعجمة فمن الغش والخيانة، قيل: فى الطعام وقيل: من النميمة. وقولها: " والأوطاب تمخض ": جمع هنا وطباً على أوطاب، وهو نادر، ولم يأت فعل على أفعال إلا فى حروف قليلة فى الصحيح، وهى فى المعتل كثير، وجمع وطب فى المعلوم وطاب فى القلة، وأوطب فى الكثرة. وقد جاء فى رواية ابن السكيت: " وطاب " على الأصل. وفى النسائى: " أطاب بالتمر " كأنه بدل من الواو، وكما قالو ا: وشاح وأشاح، ووكاف وأكاف. قال الإمام: قال أبو عبيد: الأوطاب أسقية اللبن، واحدها وطب. وقولها: " يلعبان من تحت خصرها برمانتين ": يعنى أنها ذات كفل عظيم، فإذا استلقت نتأ الكفل بها من الأرض حتى تصير تحت خصرها فجوة يجرى فيها الرمان. قال القاضى: ذهب بعضهم أن المراد بالرمانتين هنا الثديين. ورد أبو عبيد هذا وقال: ليس هنا موضعه، وذكر نحو ما تقدم. وما أنكره أبو عبيد عندى أظهر وأشبه، لاسيما وقد روى: " من تحت صدرها ومن تحت درعها "؛ ولأن العادة لم تجر برمى الصبيان الرمان أصلاب أمهاتهم ولا استلقاء النساء لهن لذلك حتى يشاهد ذلك منهم الرجال، والأشبه أنها رمانتا النهدين، شبهها كذلك لنهودها. ودل [ذلك] (١) على صغرها وقياسها.

стр. 4315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقولها: " فنكحت بعده رجلاً سريا ": أى شريفاً، وقيل: سخياً. وسراة كل شىء خياره، فهذه بالسين المهملة، ويقال بالشين المعجمة أيضاً، حكاهما يعقوب. وقولها: " ركب شريا " هنا بالمعجمة لا غير، قال الإمام: الشرى يعنى به الفرس الذى يستشرى فى سيره، أى يلح ويمضى بلا فتور وانكسار. والخطى: الرمح، يقال له ذلك لأنه يأتى من بلاد ناحية البحرين يقال لها الخط. قال القاضى: [قال يعقوب] (١): فرس شرى خيار فائق، وقيل: الخط الساحلى، وكل الساحل خط. وفى الجمهرة نحوه. وقال عن بعض اللغويين: الخط سيف البحرين وعمان، وقيل: إن سفينته فى أول الزمان مملؤة رماحاً قذفها البحر مرة إلى ناحية البحرين، فخرجت رماحها فيها، فنسبت إليها. ولا يصح قول من قال: إن الخط منبت الرماح. وقولها: " أراح على نعماء ": أى أتى بها إلى منزلى للمراح، وهو موضع مبيتها، ومنه: وأعطانى من كل رائحة، أى: مما يروح من إبل وبقر وغنم وعبيد زوجاً، والزوج يعنى اثنين، وهذا يرد على من أنكر أنه لا يقع على الاثنين؛ لأنه يعلم أنها لم ترد هنا واحداً، وقد يقع الزوج على الفرد، ولكن إذا ثنى قيل: زوجان. وقد يريد بقولها زوجها صنفا، والزوج الصنف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ (٢). وأما قولها: " من كل ذى رائحة " ولا يضاف " ذو " عند أهل العربية إلا إلى الأجناس، يقال: ذو مال، وذو إبل، وذو غنم (٣). ولا يجيزون: ذو عاقل، ولا ذو عالم؛ لأنهم استغنوا بوصفها بعاقل عن زيادة ذى، وأما ذو عقل فأجروه مجرى عاقل، لكنه قد جاء ذو عين وذو كلاع ونحوه. وهو عندهم شاذ؛ ولذلك قالوا: ذا صباح وذا مساء، وذو رائحة من هذا، كأنه جاء دعماً للكلام وصلة له، والمعنى: من كل رائحة، ولا أعلم فى الشعر ولا فى كلام العرب لهذه اللفظة التى جاءت فى الحديث مثلاً. وقد يكون كل ذى رائحة بمعنى الذى يأتى من كل الذى هو رائحة، كما قالوا: افعل بذى تسلم، أى سلامتك، أى الذى هو سلامتك. والنعم، بفتح النون: الإبل خاصة، هذا قول أكثرهم، وذهب بعضهم إلى أنه يطلق على جماعة المواشى إذا كان فيها إبل، وقال بعضهم: النعم والأنعام بمعنى واحد. وقولها: " ثريا "، قال الإمام: الثرى الكثير من المال وغيره، ومنه: الثروة فى المال، وهو الوفور والكثرة فيه.

стр. 4316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال القاضى: وقوله: " ميرى أهلك ": أى تفضلى عليهم وصليهم من الميرة، وقد تقدم. وقوله ﵊: " كنت لك كأبى زرع لأم زرع ": تطييباً لنفسها، ومبالغة فى حسن عشرتها، ومعناه: أنا لك، وتكون " كان " زائدة، أو تكون على بابها، ويراد بها الاتصال، أى كنت لك فيما مضى وأنا كذلك، أو على بابها. أو كنت لك فى قضاء الله وسابق علمه كأبى زرع فى إحسانه ومحبته لها. قال الإمام: قال بعضهم: فيه من الفقه (١) حسن العشرة مع الأهل، واستحباب محادثتهن، بما لا إثم فيه، وفيه أن [بعضهم] (٢) بعضهن قد ذكر (٣) عيوب أزواجهن فلم يكن ذلك غيبة إذا كانوا لا يعرفون بأعيانهم وأسمائهم، وإنما الغيبة أن يقصدن عيان من الناس فيذكروا بما يكرهون من القول ويتأذون به، وإنما يفتفر عندى إلى الاعتذار [عندى فى القول] (٤) عن هذا لو كان سمع إليه ﵊ امرأة تغتاب زوجها من غير تسمية فأقرها على ذلك. فأما حكاية عائشة - رضى الله عنها - عن نساء مجهولات لا تدرى من هن فى العالم، أو ليس بحاضرات ينكر عليهن، فلا يكون حجة على جواز ذلك وحالها فى ذلك كحال من يقول (٥): فى العالم من يعصى الله، ومن سرق، فإن ذلك لا يكون غيبة لرجل معين، وهذا يغنى عن الاعتذار الذى حكيناه عن بعضهم. لكن المسألة لو تركت ووصفت امرأة زوجها بما هو غيبة وهو معروف عند السامعين فإن ذلك ممنوع، ولا فرق بين قولها: فلان ابن فلان من صفته كذا وكذا وهو معروف، لكن لو كان مجهولاً وممن لا يعرف بعد البحث عنه، وهذا الذى لا حرج فيه على رأى بعضهم الذى قدمناه، وكأنه ينزل عنده بمنزلة من قال: فى العالم من يعصى ويسرق، وللنظر فيما قال مجال. قال القاضى: قد صدق فيما قال: إن تحقيق مسألة الغيبة تؤذى المغتاب بما قيل عنه وينقص به وإذا كان مجهولاً عند القائل والسامع أو ممن يبلغه الحديث عنه فليس بغيبة؛ إذ لا يتأذى إلا بتعيينه، وقد قال إبراهيم: لا تكون غيبة ما لم يسم صاحبها، يريد أن ينبه بأمر يفهم عينه. وهؤلاء نساء مجهولات الأعيان والأزواج بائدات الزمان لم يثبت لهم إيمان يحكم فيهم بالغيبة. لو تعين جميعهم، فكيف مع الجهالة بهم، ولو كن معروفات مؤمنات لكان ذكرهن لأزواجهن - وإن جهلوا - غيبة؛ إذ قد تعينوا بهن، كما لو قيل:

стр. 4317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إن ابن فلان ولم يسم لكان غيبة، وإن جهله السامع. قال القاضى: قد ألَّفنا كتاباً فى حديث أم زرع [قديماً] (١) كتابا مفرداً كبيراً، وذكرنا فيه [وجميع زياداته، وبسطنا شرح معانيه] (٢) اختلاف رواياته وتسمية رواته ولغاته، وخرجنا فيه من مسائل الفقه نحو عشرين مسألة، ومن غريب العربية مثلها، وهو كثير بأيدى الناس. وقد ترجم البخارى عليه: " باب حسن المعاشرة مع الأهل " (٣). وفيه - أيضاً - جواز الحديث عن الأمم الخالية والأجيال الماضية بملح الأخبار وطرف الحكايات؛ لتسلية النفس. وكذا ترجم عليه الترمذى فى شمائله: " باب ما جاء فى كلام رسول الله ﷺ فى السمر". وفيه من الفقه أن الشبه بالشىء لا ينزل منزلته فى كل شىء، وأن اللازم بكنايات الطلاق والعتق ونحوه إنما ذلك مع النيات، أو الألفاظ الصريحة، والكنايات البينة. والنبى ﵊ شبه نفسه النقية مع عائشة فى حسن الصحبة بأبى زرع [مع] (٤) أم زرع ومن أفعال أبى زرع معها الطلاق يدخل فيه، ولا أراده، ولو أن رجلاً ذكر امرأة له طلقها فوصفها لزوجة أخرى بأوصافها المحمودة والمكروهة، ثم ذكر أنه قد طلقها، وقال لها: أنت كذلك لم يلزمه الطلاق، إلا أن يريد ذلك، ويفهم من مقصوده بقرينة الحال، أو لم يذكر شيئاً سوى طلاقه لها [ثم قال لها] (٥): وأنت كذلك.

стр. 4318

(١٥) باب فضائل فاطمة، بنت النبىّ، عليها الصلاة والسلام ٩٣ - (٢٤٤٩) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ الْقُرَشِىُّ التَّيْمِىُّ؛ أَنَّ الْمِسْورَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوْ يَقُولُ: " إِنَّ بَنِى هِشَامِ بْنِ اْلمُغِيرةِ اسْتَأذَنُونِى أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالَبٍ، فَلا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لاَ آذَنُ لَهُمْ، إِلا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِى طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِى وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا ابْنَتِى بَضْعَةٌ مِنِّى، يَرِيبُنىِ مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِى مَا آذَاهَا ". ٩٤ - (...) حدّثنى أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا فَاطِمَةُ بضْعَةٌ مِنِّى، يُؤْذِينِى ما آذَاهَا ". ٩٥ - (...) حدّثنى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِىُّ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ الحُسَيْنِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، مَقْتَلَ الْحُسَينِ بْنِ عَلِىٍّ رضى الله عنهما، لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ. فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَىَّ منْ حَاجَةٍ تَأمُرُنِى بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لا. قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِى سَيْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَإِنِّى أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ. وَايْمُ اللهِ، لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَدًا، حَتَّى تَبْلُغَ ــ وذكر مسلم خطبة النبى ﵊ فى شأن فاطمة، وخطبة على بنت أبى جهل، وقوله: " لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبى طالب أن يطلق ابنتى "، وقوله: " فإنها ابنتى، بضعة منى، يؤذينى ما آذاها "، وقوله فى الحديث الآخر: " إنى لست أحل حراماً ولا أحرم حلالاً، ولكن والله، لا تجتمع بنت عدو الله وابنة رسول الله مكاناً واحداً [أبداً] (١) "، وقوله: " وإنما أخاف أن تفتن فى دينها ": قال أهل العلم: فيه تحريم أذى النبى ﵊ بكل وجه وإن كان ما يباح للرجل فى الشرع

стр. 4319

نَفْسِى. إِنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِى جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِى ذَلِكَ، عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: " إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّى، وَإِنِّى أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِى دِينِهَا ". قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِى عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِى مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ فَأَحْسَنَ. قَالَ: " حَدَّثَنِى فَصَدَقَنِى، وَوَعَدَنِى فَأَوْفَى لِى، وَإنِّى لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلالاً وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللهِ، لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا ". ٩٦ - (...) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنٍ؛ أَنَّ الْمِسْوَرَ بَنْ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَلِىَّ ابْنَ أَبِى طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِى جَهْلٍ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثونَ أَنَّ لا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِىٌّ، نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِى جَهْلٍ. ــ فعله، وأنه فى ذلك بخلاف غيره؛ لأنه من فعل ما يجوز له فتأذى به غيره فلا حرج عليه، وحق النبى ﵊ بخلاف هذا، لا يحل فعل شىء يتأذى به، ولو كان مباحاً فعله فى حق المؤذى. وفيه غيرة الرجل وجواز غضبه لقريبه وحرمته، وذبه عما يؤذيها بما يقدر عليه. وقد أعلم ﵊ بإباحة هذا لعلى، لكنه مغ جمعهما لعلتين: إحداهما: أن ذلك يؤدى إلى أذى فاطمة فيتأذى النبى ﵊ بأذاها، كما قال. والأخرى: كراهة فتنتها فى دينها؛ لفرط ما تحملها الغيرة عليه، وعداوة بنت عدو أبيها ومشاركتها لها. وفيه فى أن الشىء وإن لم يكن محرماً فى نفسه ولكن يخشى أن يكون ذريعة إلى ما لا يجوز فينبغى اجتنابه وترك الوقوع فيه ومنعه. وفيه أن ولد العدو عدو، وأن أولاد المتعاديين لهم حكم آبائهم، وابنة أبى جهل وإن كانت مسلمة فقد خاف منها النبى ﵊ على ابنته. وقد اختلف المذهب عندنا فى ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: إطلاق حكم العداوة لولد العدو لعداوة أبيه فى حياة أبيه وموته. الآخر: أن ذلك غير مراعٍ فى الولد، إلا أن تظهر فى نفسه عداوة.

стр. 4320

قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ. ثُمَّ قَالَ: " أمَّا بَعْدُ، فَإِنِّى أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَحَدَّثَنِى فَصَدَقَنِى، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنّى، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا. وَإنَّهَا، وَاللهِ، لا تَجْتمعُ بِنْتُ رَسُولَ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا ". قَالَ: فَتَرَكَ عَلِىٌّ الْخِطْبَةَ. (...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مَعْنٍ الرَّقاَشِىُّ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ - يَعْنِى ابْنَ جَرِيرٍ - عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّعْمَانَ - يَعْنِى ابْنَ رَاشِدٍ - يُحَدِّثُ عَنْ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوهُ. ٩٧ - (٢٤٥٠) حدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِى مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ فَسَارَّهَا فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ: مَا هَذَا الَّذِى سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَكَيْتِ، ثُمَّ سَارَّكَ فَضَحِكْتِ؟ ــ الثالث: مراعاة [ذلك فى حياة أبيه دون موته. قال: وفيه من الفقه مراعاة] (١) الكفاءة فى المناكح؛ إذ لم ير ﵇ جواز اجتماع هاتين لتباين مراتبهما؛ لكون هذه بنت نبى الله، وهذه بنت عدو الله. وإن كانتا حرتين مسلمتين فقس عليهما من تباين منازلهما كالحرة مع الأمة، وفى هذا المأخذ عندى ضعف شديد. وقوله: " إنما فاطمة بضعة منى " [بفتح] (٢) الباء، وفى الرواية الأخرى: " مضغة " بضم الميم، وهما بمعنى. المضغة: قطعة من اللحم. وقوله: " يريبنى ما رابها ": قال الحربى: الريب: ما رابك من شىء خفت عقباه. وقال الفراء: راب وأراب بمعنى. وقال أبو زيد: رابنى الأمر: تيقنت منه الريبة، وأرابنى: شككنى وأوهمنى، ولم أستيقنه. وحكى عن أبى زيد وغيره مثل قول الفراء.

стр. 4321

قَالَتْ: سَارَّنِى فَأَخْبَرَنِى بِمَوْتِهِ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِى فَأَخْبَرَنِى أَنِّى أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَضَحِكْتُ. ٩٨ - (...) حدّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ فَضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ ﷺ عِنْدَهُ، لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِى، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا. فَقَالَ: " مَرْحَبًا بِابْنَتِى "، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ. فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِيَنَ؟ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَأَلْتُهَا مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِى عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سِرَّهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا تُوفِى رَسُولُ اللهِ ﷺ قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ، بِمَا لِى عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ، لَمَا حَدَّثْتِنِى مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَتْ: أَمَّا الآنَ، فَنَعَمْ. أَمَّا حِينَ سَارَّنِى فِى الْمَرَّةِ الأُوَلَى، فَأَخْبَرَنِى أَنَّ جَبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِى كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنِّى لا أُرَى الأَجَلَ إِلا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِى اللهَ وَاصْبِرِى، فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ". قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِى الَّذِى رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِى سَارَّنِى الثَّانِيَةَ فَقَالَ: " يَا فَاطِمَةُ، أَمَا تَرْضِى أَنْ تَكُونِى سَيِّدَةَ نِسَاءِ اْلمُؤْمِنِينَ - أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ "؟ قَالَتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِى الَّذِى رَأَيْتِ. ــ وقول فاطمة: " إنه ﵇ أخبرها أنها أول من تتبعه من أهله ": من علامات نبوته ﵊ وإخباره بالغيوب، فكانت كما أخبر: " ونعم السلف أنا لك ". السلف: المتقدم فى الشىء، أى تقدمنى قبلك بالموت، لا مشفع لك وتردين على. ومنه سلف الرجل متقدمو بابه. وضحكها لذلك سروراً بلحاقها به، ودليل على إيثارهم الآخرة على الأولى. وقوله: " أما ترضين أن تكونى سيدة نساء هذه الأمة ": حجة لمن رأى فضلها على عائشة - رضى الله عنها. وقوله: " كان جبريل يعارضه القرآن فى كل سنة مرة - أو مرتين - وأنه عارضنى الآن مرتين ": ذكر " أو مرتين، هذا وهم ليس فى الحديث، والصواب إسقاطه كما جاء

стр. 4322

٩٩ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ فِرَاس، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِىِّ ﷺ . فَلَمْ يُغاَدِرْ مِنْهُنَّ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِى، كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةِ رسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " مَرْحَبًا بِابْنَتِى "، فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ أَيْضًا. فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكَيكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِىَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ، مَا رَأَيْتُ كَالْيَوم فَرَحًا أَقْرَبُ مِنْ حُزْنٍ، فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكْتَ: أَخَصكِ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِحَدِيثِهِ دُونَنَا ثُمَّ تَبْكِينَ؟ وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِىَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِى " أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَه بِهِ فِى الْعَامِ مَرَّتَيْنِ، وَلا أَرَنِى إِلا قَدْ حَضَرَ أَجَلِى، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِى لُحُوقًا بِى، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ". فَبَكَيْتُ لذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِى فَقَالَ: " أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِى سَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ. أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذَهِ الأُمَّةِ "؟ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ. ــ فى الحديث بعده وفى سائر الأحاديث؛ لأنه ﵊ إنما استدل على اقتراب أجله مخالفته عادته، قيل: فى معارضته مرة ومعارضته الآن مرتين.

стр. 4323

(١٦) باب من فضائل أم سلمة، أم المؤمنين، رضى الله عنها ١٠٠ - (٢٤٥١) حدّثنى عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِىُّ، كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ. قَالَ ابْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ سَلْمَانَ. قَالَ: لا تَكُونَنَّ، إِنِ اسْتَطَعْتَ، أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ. قَالَ: وَأُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيل ﵇ أَتَى نَبِىَّ اللهِ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ. قَالَ: فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ قَامَ. فَقَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ: " مَنْ هَذَا؟ " أَوْ كَمَا قَالَ. قاَلَتْ: ــ وقوله فى السوق: " معركة الشيطان ": المعركة موضع القتال لتعارك الأبطال فيها، ومصارعة بعضهم بعضاً، يشبه السوق وفعل الشيطان بأهلها، ونيله منهم فيها أكثر مما ينال فى غيرها، من حمله على الخديعة، والخلابة، والعقود الفاسدة، والأيمان الكاذبة، وبلوغه أهله فيهم بمعركة الحرب، ومن يصرع فيها. وقوله: " وبها ينصب رايته ": إعلاماً بثبوته هناك ومجتمع أعوانه إليك، وأن السوق مطية (١) إغوائه، ومقام (٢) نزغه وكيده. ورؤية أم سلمة جبريل فى صورة دحية الكلبى دليل على جواز رؤية بعض البشر للملائكة. ووجود ذلك، ولكن لا يعلمون حينئذ أنهم الملائكة، وأن رؤيتهم لهم إذا كانوا على صورة الآدميين، إذ لا تحتمل القوى البشرية الضعيفة غالباً رؤيتهم على غير ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعْلَنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ (٣). وفيه أن الملائكة يجبل الله خلقها متى شاء، فى أى صورة شاء، وأن لهم فى ذاتهم صوراً خلقهم الله عليها، وهذا النبى ﵊ أكثر ما كان [يرى] (٤) الملائكة فى صورة الإنس ليأنس إليه، وتطمئن نفسه،، ولا يهوله عظيم صورته الحقيقية، وإنما رأى جبريل فى صورته كما قال فى الحديث " مرتين " (٥).

стр. 4324

هَذَا دِحْيَةُ. قَالَ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللهِ! مَا حَسِبْتُهُ إِلا إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِىِّ اللهِ ﷺ يُخْبِرُ خَبَرَنَا، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِى عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. ــ وقولها: " ايم الله! ما حسبته إلا دحية، حتى سمعت خطبة رسول الله ﷺ يخبر جبريل ": كذا فى رواية الكسائى وابن الحذاء، وعند العذرى والسمرقندى مكان " يخبر جبريل ": " يخبر خبرنا "، والصواب الأول؛ بدليل سياق الكلام والحديث. وعلى الصواب وقع فى كتاب البخارى (١)، وتقدم الكلام على " ايم الله " فقهاً ولغة.

стр. 4325

(١٧) باب من فضائل زينب أم المؤمنين، رضى الله عنها ١٠١ - (٢٤٥٢) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِىُّ، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَة بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنينَ، قَالتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِى، أَطْوَلُكُنَّ يَدًا ". قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطاَوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَداً. قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَداً زَيْنَبُ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ. ــ وقوله: " أسرعكن لحاقاً بى أطولكن يداً ": بين أنه أراد بالصدقة، وهذا اللفظ يعبر به عن الكرم والجود. قال الإمام: قال أبو عبيد الهروى: يقال: فلان طويل اليد طويل الباع: إذا كان سمحاً جواداً، وفى ضده: قصير اليد والباع، وجعد الأنامل. قال القاضى: " فكن يتطاولن ": يريد: أن يتقايسن أيتهن أطول يداً، أى جارحة، وكانت سودة أطولهن يداً، وكانت تحسب ذلك حتى انكشف ذلك بموت زينب. وفيه من علامات نبوته أيضاً، وإعلامه بما يكون فكان كذلك.

стр. 4326

(١٨) باب من فضائل أم أيمن رضى الله عنها ١٠٢ - (٢٤٥٣) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَناَوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ. قَالَ: فَلا أَدْرِى أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا أَوْ لَمْ يُرِدْهُ، فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ. ١٠٣ - (٢٤٥٤) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلابِىُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ رَضِى اللهُ عَنْهُ، بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزُورُهَا. فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ. فَقَالا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ . فَقَالَتْ: مَا أَبْكِى أَلا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ . وَلَكَنْ أَبِكِى أَنَّ الْوَحْىَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ. فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا. ــ وقوله فى حديث أم أيمن حين ناولت النبى ﵊ إناء فيه شراب: " فلا أدرى أصادفته صائماً أو لم يرده، فجعلت تصخب عليه وتذمر عليه ": معنى " تصخب ": تصيح وترفع صوتها، " وتذمر " أى تتكلم بكلام مغضب. قال الأصمعى: تذمر الرجل: إذا تغضب وتكلم أثناء [ذلك] (١). وقال غيره: تذمر الرجل: لام نفسه، يريد بالحديث أنها غضبت ولامته إذ ردّ ذلك عليها، ولم يشربه، وكانت منزلتها منه حيث علم، وحيث كان يقول: " أم أيمن أمى بعد أمى "؛ لأنها ربته وحضنته بعد موت أمه. وفى زيارة أبى بكر وعمر لها اقتداء بفعل النبى ﵊ ومراعاة لأنسابه ﵇ وحفظاً لأهل وده. وفيه جواز زيارة النساء جماعة، وزيارة المتخالات منهن، ومحادثتهن.

стр. 4327

(١٩) باب من فضائل أم سليم، أم أنس بن مالك وبلال رضى الله عنهما ١٠٤ - (٢٤٥٥) حدّثنا حَسَن الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ لا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إلا عَلَى أَزْوَاجِهِ، إِلا أُمِّ سُلَيْمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا. فَقِيل لَهُ فِى ذَلِكَ. فَقَالَ: " إِنَّى أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِى ". ١٠٥ - (٢٤٥٦) وحدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنَ السَّرِىِّ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " دَخَلْتُ اْلجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَةً. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ، أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ". ١٠٦ - (٢٤٥٧) حدّثنى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ ــ وفى قوله: " كان ﵊ لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه إلا أم سليم ": فعل ذلك ﵊ لتقتدى به أمته فى تجنبه زيارة النساء والخلوة بهن. وأما أم سليم فقد جاء أنها كانت ذات محرم منه من الرضاع. وقد بيّنا هذا فى الجهاد عند ذكر أختها أم حرام. وقوله: " إنى أرحمها، قتل أخوها معى " مما أكد عنده حقها، وأوجب تأسيها ورعايتها. وقوله فيها: " هذه الغميضاء ": كانت أم سليم تعرف بذلك بالرميصاء أيضاً، وكذا ذكره البخارى (١). قال الدارقطنى: ويقال بالسين. قال أبو عمر بن عبد البر: أم سليم هى الغميضاء والرميصاء، وقيل: مشهور فيها الغين، وأما بالراء فأختها أم حرام بنت ملحان. وذكر أبو داود فى رواية معمر فى غزو البحر: أن أخت أم سليم الرميصاء (٢). قال أبو داود: [الرميصا] (٣) أخت أم سليم من الرضاعة، وهذا وهم،

стр. 4328

رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةَ أَبِى طَلْحَةَ، ثُمَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِى، فَإِذَا بِلالٌ ". ــ والأول الصواب، ولعله وصف لها ومعناهما متقارب. قال صاحب العين: الغمص فى العين غمص أبيض، تلفظه العين. وقال ابن دريد: غمصت العين من البكاء: إذا كثرت منه حتى انكسرت. والرمص: قذا يابس يجف فى هدب العين. قوله: " فسمعت خشفة " بسكون الشين المعجمة، وبالخاء المعجمة، هى: حركة المشى وصوته، ومثله فى حديث بلال الآخر: " سمعت خشف نعليك فى الجنة "، وفى الرواية الأخرى: " ثم سمعت خشخشة أمامى، فإذا بلال "، الخشخشة: صوت الشىء اليابس إذا حك بعضه بعضاً. قال الإمام: قال أبو عبيد: الخشفة: الصوت ليس بالشديد، يقال: خشف يخشف خشفاً: إذا سمعت له صوتاً أو حركة. وقال شمر: يقال: خَشْفة وخَشَفة. وقال الفراء: الخشفة الصوت الواحد، والخشفة: الحركة إذا وقع السيف على اللحم. وقوله: " ثم سمعت خشخشة ": أى حركة، قال الهروى: فى حديث على وفاطمة - رضى الله عنهما -: دخل علينا رسول الله ﷺ فتخشخشنا، أى تحركنا.

стр. 4329

(٢٠) باب من فضائل أبى طلحة الأنصارىّ رضى الله تعالى عنه ١٠٧ - (٢١٤٤) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لأَبِى طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ. فَقَالَتْ لأَهْلِهَا: لا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ. قَالَ: فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً، فَأَكَلَ وَشَرِبَ. فَقَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا، قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَاروا عَارِيَتَهُمْ أَهْل بَيْتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لا. قَالَتْ فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ. قَالَ: فَغَضِبَ وَقَالَ: تَرَكْتِنِى حَتَّى تَلَطَّخْتُ ثُمَّ أَخْبَرَتِنِى بِابْنِى! فاَنْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " باَرَكَ اللهُ لَكُمَا فِى غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا ". قَالَ: فَحَمَلَتْ. قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى سَفَرٍ وَهِىَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهُ ﷺ ، إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ، لا يَطْرُقُهَا طُروُقًا. فَدَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَاحْتُبِسَ ــ قال القاضى: وحديث أبى طلحة مع زوجه أم سليم تقدم الكلام عليه فى كتاب الأدب. وضربها له المثل بمن أعار عارية وما فعلته دليل على علمها وفضلها وصحة إيمانها ووفور عقلها. ويقال: إن الغلام الذى مات لها هو أبو عمير صاحب النفير. وقول النبى ﵊: " بارك الله لكما فى غابر ليلتكما ": أى ماضيها. وفيه إجابة دعاء النبى ﵊ فيما ولد لهما فى ذلك الوقت فى الولد الذكور فى الحديث الذى سماه النبى ﵊ عبد الله، وولد لعبد الله عشرة كلهم حمل عنهم العلم، منهم إسحاق بن عبد الله الفقيه شيخ مالك بن أنس، ونالهم دعاء النبى ﵊ لهما بالبركة فى ليلتهما. وقوله: " كان إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقاً " هو المجىء بالليل، وقد تقدم الكلام عليه والنهى عنه. وقوله: " فضربها المخاض ": هو طلق الولادة. ومناجاة أبى طلحة ربه فى ذلك وكراهيته تخلفه بعد النبى ﵊ بسبب ذلك، وذهاب ما تجد امرأته حتى دخل مع النبى ﵊ كرامة عظيمة لأبى طلحة. وبقية الحديث مضى الكلام عليه.

стр. 4330

عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ، ياَرَبِّ، إِنَّهُ يُعْجِبُنِى أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ، وَأَدْخُلَ مَعَهَ إِذَا دَخَلَ، وَقَدِ احْتُبَسْتُ بِمَا تَرَى. قَالَ: تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، مَا أَجِدُ الَّذِى كُنْتُ أَجِدُ، انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا. قَالَ: وَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ حِينَ قَدِمَا، فَوَلَدَتْ غُلاَمًا. فَقَالَتْ لِى أُمِّى: يَا أَنَسُ، لا يُرْضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ، فَانطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَصَادْفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ. فَلَمَّا رَآنِى قَالَ: " لَعَلَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. فَوَضَعَ الْمِيسَمَ. قَالَ: وَجِئْتُ بِهِ فَوَضَعْتُهُ فِى حَجْرِهِ، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَجْوَةٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ، فَلاكَهاَ فِى فِيهِ حَتَّى ذَابَتْ، ثُمَّ قَذَفَهَا فِى فِى الصَّبِىِّ، فَجَعَلَ الصَّبِىُّ يَتَلَمَّظُهَا. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " انْظُرُوا إِلَى حُبِّ الأَنْصَارِ التَّمْرَ ". قَالَ: فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ. (...) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُليْمَانُ ابْنُ المُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثاَبِتٌ، حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لأَبِى طَلْحَةَ. وَاقْتصَّ الْحَدِيثَ بِمَثْلِهِ. ــ قال الإمام: وقوله: " ومعه ميسم ": والميسم: ما يوسم به البعير. والسمة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُوم﴾ (١) أى سنجعل على أنفه سواداً يوم القيامة يعرف به. وقيل: عبر عن الوجه بالخرطوم؛ لأنه منه. والمعنى: سنسم وجهه. والخرطوم من الإنسان الأنف، ومن السباع موضع الشفة.

стр. 4331

(٢١) باب من فضائل بلال رضى الله عنه ١٠٨ - (٢٤٥٨) حدّثنا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ اْلهَمْدَانِىُّ، قاَلا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِى حَيَّانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُميْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبى، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِىُّ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِبِلالٍ، عِنْدَ صَلاةِ الْغَدَاةِ: " يَا بِلالُ، حَدَّثَنِى بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِى الإِسْلامِ مَنْفَعَةً، فَإِنِّى سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَىَّ فِى الْجَنَّةِ ". قَالَ بِلَالٌ: مَا عَمِلَتُ عَمَلاً فِى الإِسْلامِ أَرْجى عِنْدِى مَنْفَعَةً، مِنْ أَنِّى لا أَتَطهَّرُ طُهُورًا تَامًّا، فِى سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلا نَهَارٍ، إِلا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهورِ، مَا كَتَبَ اللهُ لِى أَنْ أُصَلِّىَ. ــ وذكر مسلم فى فضائل بلال: حدثنا عبيد بن يعيش (١) ومحمد بن العلاء، كذا لهم. وعند العذرى: عبيد الله بن يعيش، وهو خطأ، إنما هو عبيد بن يعيش الكوفى أبو محمد. وسؤال النبى ﵊ لبلال عن أرجى عمل عمله فى الإسلام وقوله: " إنى لا أتطهر طهوراً تاماً من ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهر كما كتب لى " دليل على فضل الصلاة وعظيم ثوابها.

стр. 4332

(٢٢) باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه رضى الله تعالى عنهما ١٠٩ - (٢٤٥٩) حدّثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِىُّ وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِىُّ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ - قَالَ سَهْلٌ وَمِنْجَابٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَوُنَ: حَدَّثَنَا - عَلَىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فَيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ (١) إِلَى آخِرِ الآيَة. قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " قِيلَ لِى: أَنْتَ مِنْهُمْ ". ١١٠ - (٢٤٦٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا - يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِى مِنَ الْيَمَنِ، فَكُنَّا حِينًا وَمَا نُرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُزُومِهِمْ لَهُ. (...) حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمَ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، أَنَّهُ سَمِعَ الأَسْوَدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: لَقَدْ قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِى مِنَ الْيَمَنِ. فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. ــ وقوده: " فكنا حيناً وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل البيت من كثرة دخولهم ولزومهم له " قال الإمام: الحين: اسم كالوقت، يصلح لجميع الأزمان كلها، طالت أو قصرت. وقال ابن عرفة: هو القطعة من الدهر، كالساعة فما فوقها. قال القاضى: وقوله: لما نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ : " قيل لى: أنت منهم " يعنى عبد الله بن مسعود،

стр. 4333

١١١ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِى مُوسَى. قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَنَا أُرَى أَنَّ عَبْدَ اللهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ. أَوْ مَا ذَكَرَ مِنْ نَحْوِ هَذَا. ١١٢ - (٢٤٦١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا مُوسَى وأَبَا مَسْعُودٍ حِينَ مَاتَ ابْنُ مَسْعُودٍ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَتُرَاهُ تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ؟ فَقَالَ: إِنْ قُلْتَ ذَاكَ، إِنْ كَانَ لَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا، ويَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا. ١١٣ - (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا قُطبَة - هَوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ قَالَ: كُنَّا فِى دَارِ أَبِى مُوسَى مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ فِى مُصْحَفٍ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ. فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: مَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ بَعْدَهُ أَعْلَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ هَذَا الْقَائِمِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ كَانَ يَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا، وَيُؤْذَنَ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا. (...) وحدّثنى الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ - هُوَ ابْنُ مُوسَى - عَنْ شَيْبَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا مُوسَى فَوَجَدْتُ عَبْدَ اللهِ وَأَبَا مُوسَى. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ حُذَيْفَةَ وَأَبِى مُوسَى. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ قُطْبَةَ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ ". ١١٤ - (٢٤٦٢) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءَةَ مَن تَأمُرُونِى أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّى أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّى لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ. ــ وله قال ﵊: " أنت منهم " أى من الذين آمنوا وعملوا الصالحات الموصوفين بما فى الآية.

стр. 4334

قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِى حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلا يَعِيِبُهُ. ١١٥ - (٢٤٦٣) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا قُطْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: وَالَّذِى لا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا مِنْ كِتَابِ اللهِ سُورَةٌ إِلا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّى، تَبْلُغُهُ الإِبِلُ، لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ. ــ وقوله: " فى حلق أصحاب محمد " بفتح الحاء واللام جمع حَلْقة بسكون اللام. وقال الخطابى فى جمعها: حِلِق بكسر الحاء، مثل ندرة وندر. وقال الحربى (١): حَلق بالفتح والسكون، مثل تمرة وتمر، والواحدة بالسكون وفتح الحاء لا غير، هذا المعروف، وحكى فيها فتح اللام. ذكر مسلم حديث ابن مسعود أنه قال: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢) قال: على قراءة من تأمرونى، أن أقرأ؟ لقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، ولقد علم أصحاب محمد أنى أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحدًا أعلم به منى لرحلت إليه ": فيه ذكر الرجل حال نفسه، ومنزلته من العلم وشبهه من الفضائل إذا دعت إلى ذلك ضرورة. وليس من باب ثناء الإنسان على نفسه والإعجاب بها، وفيه الرحلة فى العلم والتزيد منه. قال القاضى: وهذا الحديث ملفق مختصر محذوف مبتور فى الأم. إنما ذكر منه أطرافاً لا تشرح مقصد الحديث وبيانه فى سياق آخر ذكره غيره بها يفهم المراد بقوله: ﴿ومَن يَغْلُلْ﴾ [وبقوله] (٣): ولقد قرأت على رسول الله ﷺ سبعين سورة، وقد كان ممن جمع القرآن، فروى ابن أبى خيثمة بسنده عن أبى وائل، وهو شقيق راوى الحديث فى الأم، لما أمر فى المصاحف بما أمر، يعنى أمر عثمان بتحريقها، ما عدا المصحف المجتمع عليه الذى وجّه منه النسخ إلى الآفاق، ورأى هو والصحابة أن بقاء تلك تُدخل اللبس والاختلاف. ذكر ابن مسعود الغلول وتلا الآية، ثم قال: غلوا المصاحف. وفى طريق: إنِّى غال مصحفى، فمن استطاع أن يغل مصحفه فليفعل، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ثم قال: على قراءة من تأمرونى، أقرأ على قراءة زيد بن ثابت؟ لقد

стр. 4335

١١٦ - (٢٤٦٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قاَلا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا نَأَتِى عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو فَنَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ - وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: عِنْدَهُ - فَذَكَرْنَا يَوْمًاً عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ. فَقَالَ: لَقَدْ ــ أخذت من فى رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يلعب مع الغلمان (١). وفى رواية أخرى: صبى من الصبيان. ودخل بعض الحديث فى الآخر، فبتمام هذا الحديث يفهم كلام عبد الله وما فى الكتاب لا يفهم منه هذا. قال الإمام: قوله: " قرأت على رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة ": البضع والبضعة واحد، ومعناهما: القطعة من العدد قال ابن السكيت: البِضع والبَضع لغتان بمعنى واحد فى العدد، بكسر الباء وفتحها. وقال الهروى (٢): العرب تستعمل البضع فيما بين الثلاث إلى التسع. وقال ابن الأنبارى: قال قتادة: البضع يكون بين الثلاث والتسع والعشرة. وقال أبو عبيد: البضع ما بين ثلاث وخمس. وحكى عنه غير [ابن] (٣) الأنبارى: البضع من الواحد إلى الأربعة. قال ابن الانبارى: وقال الأخفش: البضع من واحد إلى عشر. وقال الفراء: البضع ما دون العشرة. قال غير بن الأنبارى: قال ابن عباس: البضع من الثلاث إلى العشر. وقال مجاهد: من الثلاث إلى السبع. وحكى ابن الأنبارى: أن رسول الله ﷺ قال لأبى بكر - رضى الله عنه - لما نزلت ﴿سَيَغْلِبُون. فِي بِضْعِ سِنِين﴾ (٤): " البضع ما بين السبع والتسع " (٥). وقال ابن سلام فى التفسير: فلما مضت سبع سنين ظفرت الروم على فارس. قال ابن الأنبارى: [ويقال] (٦) فى عدد المؤنث: بضع، وفى عدد المذكر: بضعة، فمجراه مجرى خمس وخمسة وست وستة. وقال: وأما البضعة من اللحم فمفتوحة الباء، وجمعها بَضعْ وبِضَع. قال الهروى: البضاعة: القطعة من المال يتجر فيها. يقال: بضعت الشىء: أى قطعته. قال الزجاجى: البضائع: قطع الأموال، مشتق من البضع وهو القطع. وقول شقيق: " فجلست فى حلق أصحاب محمد، فما سمعت أحدًا يرد ذلك عليه ولا يعيبه ": يعنى: يعيب. فيه اعتراف الصحابة له بما قال؛ من أنه لا يعلم أحدًا أعلم منه بكتاب الله. وقوله: " ما أعلم ترك رسول الله ﷺ بعده أعلم بما أنزل إليه من هذا ": يعنى ابن

стр. 4336

ذَكَرْتُمْ رَجُلاً لا أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَىْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " خُذُوا الْقُرَآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَمُعَاذ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبِىِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ ". ١١٧ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَذَكَرْنَا حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ لا أَزالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ شَىْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ. سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " اقْرَؤوا الْقُرَآنَ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: مِنِ ابْنِ أُمَّ عَبْدٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَمِنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمِنْ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ، وَمِنْ مُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ ". وَحَرْفٌ لَمْ يَذْكرْهُ زُهَيْرٌ. قَوْلُهُ: يَقُولُهُ. (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ وَوَكِيعٍ. فِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ عَن أَبِى مُعَاوِيَةَ: قَدَّمَ مُعَاذًا قَبْلَ أُبَىٍّ. وَفِى رِوَايَةِ أَبِى كُرَيْبٍ: أُبِىّ قَبْلَ مُعَاذٍ. (...) حدّثنا ابْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ عَدِىٍّ. ح وَحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِهِمْ. وَاخْتَلَفَا عَنْ شُعْبَةَ فِى تَنْسِيقِ الأَرْبَعَةِ. ١١٨ - (...) حدّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: ذَكَرُوا ابْنَ مَسْعُودٍ ــ مسعود إنما خصه بما أنزله الله، كما قال، ويعلم القرآن. ولا يقال: إنه أعلم من أبى بكر وعمر وعثمان وعلى، على الجملة وقد يكون أحد الرجلين أعلم من الآخر بالجملة، والأقل علماً أعلم بباب من العلم، ألا تراه كيف قال عن نفسه فى الحديث الآخر: " لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أنى أعلم بكتاب الله، وما من كتاب الله آية إلا أعلم فيمن نزلت، ولا سورة إلا أعلم حيث نزلت ". وقوله: " خذوا القرآن من أربعة " وسماهم، ذلك - والله أعلم - لعلمه ﵊ أن هؤلاء أضبط لألفاظه وأتقن لآدابه، وإن كان غيرهم من المتقنين فيه أيضاً، وأكثر

стр. 4337

عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لا أَزَالُ أُحِبُّهُ، بَعْدَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " اسْتَقْرِئوُا الْقُرَآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ، وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ". (...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: بَدَأَ بِهَذَيْنِ. لا أَدْرِى بِأَيِّهِمَا بَدَأَ. ــ فقهاً فيه منهم، أو يكون هؤلاء تفرغوا لأخذه عنه مشافهة ﵊ وبعضهم اقتصر على أخذه بعضهم من بعض، أو يكون هؤلاء انتصبوا لأن يؤخذ عنهم وتفرغوا لذلك، وغيرهم شغل نفسه بغير ذلك، وقد يكون هذا من أعلام نبوته ﵊ وأمره بما أفضت إليه أحوال أصحابه، وإن كانوا فى حياته يأخذون عنه القرآن كلهم، ويأخذ بعضهم عن بعض، فأعلم أن هؤلاء بعده ممن يلجأ الناس إليهم فى أخذ القرآن والقراءة عليهم، ومنتصبون لذلك - رحم الله جميعهم.

стр. 4338

(٢٣) باب من فضائل أبىّ بن كعب وجماعة من الأنصار رضى الله تعالى عنهم ١١٩ - (٢٤٦٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: جَمَعَ الْقُرآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ ــ وقوله: " جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة "، وذكر معاذاً وأبيًّا وزيد بن ثابت وأبا زيد، قال الإمام: هذا الحديث مما ذكره بعض الملحدة فى مطاعنها وحاولت بذلك القدح فى الثقة بنقل القرآن، ولا مستروح لها فى ذلك؛ لأنا لو سلمنا أن الأمر كما ظنوه وأنه لم يكمل القرآن سوى أربعة، فإنه قد حفظ جميع أجزائه فيكون لا يحصون وما من شرط كونه متواتراً أن يحفظ الكل الكل، بل الشىء الكثير إذا روى عن جزء منه خلق كثير علم ضرورة وحصل متواتراً، ولو أن " قفا نبك " روى كل بيت مائة رجل مثلاً لم يحفظ كل مائة سوى البيت الذى روته لكانت متواترة، فهذا الجواب عن قدحهم. وأما الجواب عن سؤال من سأل عن وجه الحديث من الاسلاميين، فإنه يقال له: قد علم ضرورة من تدين الصحابة - رضى الله عنهم - ومبادرتهم إلى الطاعات والقرب - التى هى أدنى منزلة من حفظ القرآن - ما يعلم منه أنه محال مع كثرتهم ألا يحفظه منهم إلا أربعة، كيف ونحن نرى أهل عصرنا يحفظه منهم ألوف لا تحصى مع نقص رغبتهم فى الخير عن رغبة الصحابة - رضى الله عنهم - فكيف بالصحابة على جلالة أقدارهم؟ هذا معلوم بالعادة. ووجه ثان وهو: أنا نعلم أن القرآن كان عندهم من البلاغة بحيث هو، وكان الكافرون فى الجاهلية يعجبون من بلاغته ويحارون فيها، حتى ينسبوها تارة إلى السحر، وتارة إلى أساطير الأولين، ونحن نعلم من عادة العرب شدة حرصهم على الكلام البليغ وتحفظها له، ولم يكن لها شغل ولا صناعة (١) سوى ذلك، فلو لم يكن للصحابة باعث على حفظ القرآن سوى هذا، لكان من أدل الدلائل على أن الخبر ليس على ظاهره. فإذا ثبت بهذين (٢) العادتين أن الخبر متأول، وثبت ذلك - أيضاً - بطريقة أخرى، وهى ما نقله أهل السير، وذكره أهل الأخبار؛ من كثرة الحافظين له فى زمان النبى ﵊ وقد عددنا من حفظنا منهم وسمينا نحو خمسة عشر صاحباً، ممن نقل

стр. 4339

الأَنْصَارِ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثاَبِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لأَنَسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِى. ــ عنهم [حفظ] (١) جميع القرآن فى كتابنا " المترجم بقطع لسان النابح فى المترجم بالواضح "، وهو كتاب نقضنا فيه كلام رجل وصف نفسه بأنه كان من علماء المسلمين، ثم ارتد وأخذ يلفق قوادح فى الإسلام، فنقضنا أقواله فى هذا الكتاب، وأشبعنا القول فى هذه المسألة، وضبطناه فى أوراق، فمن أراد مطالعته فليقف عليه هناك. وقد أشرنا فيه إلى تأويلات لهذا الخبر، وذكرنا اضطراب الرواة فى هذا المعنى، فمنهم من زاد فى هذا العدد، ومنهم من نقص منه ومنهم من أنكر أن يجمعه أحد، وأنه قد يتأول على أن المراد يعلم بجميعه: بجميع قراءاته السبع، وفقهه، وأحكامه والمنسوخ منه سوى أربعة. ويحتمل - أيضاً - أن - يراد به أنه لم يذكر أحد عن نفسه أنه أكمله فى حياة النبى ﵊ سوى هؤلاء الأربعة؛ لأن من أكمله سواهم كان يتوقع نزول القرآن ما دام ﵊ حيًّا، فقد لا يستجيز النطق بأنه أكمله واستجازه هؤلاء، ومرادهم أنهم أكملوا الحاصل منه. ويحتمل - أيضاً - أن يكون من سواهم لم ينطق بإكماله خوفاً من المراءاة به، وأحتياطاً على النيات، كما يفعل الصالحون فى كثير من العبادات، وأظهر هؤلاء الأربعة ذلك؛ لأنهم أمنوا على أنفسهم، أو لرأى اقتضى ذلك عندهم، وكيف تعرف النقلة أنه لم يكمله سوى أربعة؟ وكيف يتصور الإحاطة بهذا وأصحاب النبى - عيه الصلاة والسلام - متفرقون فى البلاد؟ وهذا لا يتصور حتى يلقى الناقل كل رجل منهم فيخبره عن نفسه أنه لم يكمل القرآن، وهذا بعيد تصوره فى العادة، كيف وقد نقل الرواة إكمال بعض النساء لقراءته، وقد اشتهر حديث عائشة - رضى الله عنها - وقولها: " كنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن " ولم يذكر فى هؤلاء الأربعة أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب - رضى الله عنهما - وكيف يظن بهذين اللذين هما أفضل الصحابة أنهما لم يحفظاه وحفظه من سواهما؟ وهذا كله يؤكد ما قلناه؛ على أن الذى رواه مسلم ليس بنص جلى فيما أراده القادح، وذلك أنه قصارى ما ذكر أن أنساً قال: " جمع القرآن على عهد النبى ﵊ أربعة، كلهم من الأنصار " فقد يكون المراد: أنى لا أعلم سوى هؤلاء الأربعة، ولا يلزمه أن يعلم كل الحافظين لكتاب الله، أو يكون أراد من أكمله من الأنصار، وإن كان قد أكمله من المهاجرين خلق كثير، فإذا كان فى الخبر هذه الطرائق

стр. 4340

١٢٠ - (...) حدّثنى أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: قَلْتُ لأَنَس بْن مَالِكٍ: مِنْ جَمَعَ الْقُرآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثاَبِتٍ، وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ. ١٢١ - (٧٩٩) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لأُبَىٍّ: " إِنَّ الله أَمَرَنِى أَنْ أَقْرَأَ عَلَيكَ ". قَالَ: آللهُ سَمَّانِى لَكَ؟ قَالَ: " اللهُ سَمَّاكَ لِى ". قَالَ: فَجَعَلَ أُبِىٌّ يَبْكِى. ــ الكثيرة التى أوضحناها لم يبق للخصم تعلق. قال القاضى: لو لم يكن فى بيان الغرض من هذا الحديث ورفع إشكاله إلا ما تواتر به الخبر أنه قتل يوم اليمامة فى خلافة أبى بكر سبعون ممن جمع القرآن، وهى سنة وفاة النبى ﵊ أول سنين خلافة أبى بكر الصديق، فانظر من بقى ممن جمعه ممن لم يقتل فيها، وممن لم يحضرها وبقى بالمدينة ومكة وغيرها من أرض الإسلام حينئذ. وقوله: " قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتى ": أبو زيد هذا هو سعد ابن عبيد بن النعمان الأوسى من بنى عمرو بن عوف، بدرياً، يعرف بسعد القارى، توفى شهيداً بالقادسية سنة خمس عشرة. قال أبو عمر: هذا قول أهل الكوفة، وخالفهم [غيرهم] (١). قال أبو زيد: هذا هو قيس بن سكن (٢) الخزرجى، من بنى عدى ابن النجار، بدرى قال ابن عقبة: قتل يوم جسر أبى عبيد سنة خمس عشرة. وقوله ﵊ لأبى - رضى الله عنه -: " إن الله قد أمرنى أن أقرأ عليك [القرآن] (٣) " الحديث، قال الإمام: مجمل هذا الحديث على أن الله - سبحانه - أمره أن يقرأ عليه ليعلمه لا ليعلم (٤) منه، وقد يعلم العلم القرآن ويروى الحدث الحديث إما بقراءته على المتعلم، وتكرير ذلك عليه حتى يضبطه وهو أصل التعليم، أو بقراءة المتعلم عليه، وهى الحالة الثانية فى التعليم، الذى يكون للضبط وأخبار حال المتعلم أو يكون المراد: أن الله أمره بالقراءة عليه ليعلمه زينة القراءة، ومواضع المواقف، وصنعة النغم، فإن نغمات القرآن على أسلوب ونظام قد ألفه

стр. 4341

١٢٢ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأُبِىِّ بْنِ كَعْبٍ: " إِنَّ اللهَ أَمَرَنِى أَن أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) قَالَ: وَسَمَّانِى؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: فَبَكَى. (...) حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأُبَىٍّ. بِمِثْلِهِ. ــ أهل الشرع، وقرأه عليه، بخلاف ما سواها من النغم المستعملة فيما سواه، ولكل حزب من النغم تأثير فى النفس يختص به، وإلى هذا أشار بعض أهل العلم فى تأويل هذا الحديث. قال القاضى: يرفع الاحتمال ما رواه ابن مجاهد عن [ابنٍ (٢) أبى سند رفعه، أنه قال: ليقرأ على. فأخذ ألفاظه، فتفسير أبىّ له بذلك يقطع كل احتمال؛ إذ هو المسمى المأمور به، المقروء عليه، العارف بسبب ذلك ومعناه. وبكى أبى لذلك [بكاء] (٣) سرور.

стр. 4342

(٢٤) باب من فضائل سعد بن معاذ رضى الله عنه ١٢٣ - (٢٤٦٦) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَجَنَازَةُ سَعْدِ ابْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ -: " اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَن ". ١٢٤ - (...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِىُّ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ". ١٢٥ - (٢٤٦٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاء الْخَفَّافُ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتاَدَةَ، حَدَّثَنَا أنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ قَالَ - وَجِنَازَتُهُ مَوْضُوعَةٌ - يَعْنِى سَعْدًا -: " اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَن ". ١٢٦ - (٢٤٦٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ ــ وقوله: " اهتز عرش الرحمن "، قال الإمام: ذهب بعض أهل العلم إلى إجراء هذا الحديث عن حقيقته، وزعم أن العرش تحرك لموته، وهذا الذى قال لا ينكر من ناحية العقل؛ لأن العرش جسم من الأجسام يقبل الحركة والسكون، ولكنه لا يحصل المراد به من تفضيل سعد، إلا أن نقول بأن حركة العرش علم على فضله عند الله تعالى، وأن الله - سبحانه - يحركه على عظمته؛ إشعاراً للملائكة بفضل هذا الميت فيصح. وحمله بعض أهل العلم على أن المراد به حملة العرش، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١)، وقال ﵊ فى أحد: " [جبل] (٢) يحبنا ونحبه " (٣) والمراد بهذين الأهل، ويكون الاهتزاز بمعنى الاستشعار والقبول، والعرب تقول: فلان يهتز للمكارم، ولا يعنى اضطرأب جسمه،

стр. 4343

حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلمِسُونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِها. فَقَالَ: " أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِى الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ ". (...) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنِى أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: أُتِىَ رَسُولُ الله ﷺ بِثَوْبِ حَرِيرٍ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِى قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِنَحْوِ هَذَا أَوْ بِمِثْلِهِ. ــ وإنما يعنى ارتياحه إليها وقبوله عليها، وذلك مشهور [فى الأشعار. وقال بعض أهل العلم: إن المراد بذلك السرير] (١) الذى حمل عليه سعد، وسُمى ذلك عرشاً. وما أدرى هؤلاء تأولوا هذا إلا على ما وقع فى بعض الروايات: " اهتز العرش "، فحذف أسم الرحمن جلت قدرته، وأما مع ذكر اسمه كما رواه مسلم فيبعد هذا التأويل. قال القاضى: روى عن ابن عمر هنا: أن العرش هنا هو سرير الميت. وكذلك جاء فى حديث البراء فى الصحيح: " اهتز السرير " (٢)، وتأوله الهروى فراح يحمله عليه، وقد أنكر جابر بن عبد الله هذه اللفظة قديماً فى الحديث على قائلها، وتأول الحربى (٣) " أهتز العرش " على تعظيم شأن وفاته، قال: والعرب تنسب الأمر إذا عظمته لأعظم الأشياء فيقولون: قامت لموت فلان القيامة، وأظلمت له الأرض. فحمله على مجاز الكلام. وقوله: " أهديت لرسول الله ﷺ حلة حرير ": كذا جاء فى حديث محمد بن الثنى وابن بشار بالحاء واللام، وفى غيره: " جبة " بالجيم والباء، وهو أوجه فى كلام العرب، وعلى مذهب من يرى الحلة إنما هو لباس ثوبين يحل أحدهما على الآخر، وأن الثوب الفرد لا يسمى حلة. ومن يذهب إلى أن الحلة هو الثوب الجديد الذى حل من طيه فيصح، لكن جاء فى السير: إنما قباء من ديباج مخوص [بالذهب] (٤). وقد روى البخارى الوجهين " جبة " (٥) و " حلة " (٦).

стр. 4344

(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا. كَرِوَايَةِ أَبِى دَاوُدَ. ١٢٧ - (٢٤٦٩) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّهُ أُهْدِىَ لِرسُولِ اللهِ ﷺ جُبَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا. فَقَالَ. " وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَنَادِيلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِى الْجَنَّةِ، أَحْسَنُ مِنْ هَذَا ". (...) حدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أُكُيْدِرَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ أَهْدَى لِرَسُولِ الله ﷺ حُلَّةً. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكَرْ فِيهِ: وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ. ــ وقوله: " لمناديلُ سعد فى الجنة خير منها وألين ": إشارة إلى أن أدنى ثيابه هناك، لأن المناديل هو ما يمسح بها الأيدى وغيرها من الدنس والوسخ. والندل: الوسخ، ومنها اشتق اسمها. وقوله: " وكان ينهى عن الحرير " تقدم الكلام عليه و " أكيدر دومة " بفتح الدال وضمها، وأنكر ابن دريد فى الجمهرة الفتح. وقال أهل اللغة بالضم، والمحدثون بالفتح، وهو خطأ. قيدناهما عن ابن سراج. قال ابن دريد: " ودومة الجندل " مجتمعة ومستدارة. وقد ذكر الواقدى فى هذا الحرف فى حديثه: " دوما الجندل " هكذا. قال القاضى: وهو من بلاد الشام، قرب تبوك، وكان " أكيدر " ملكها، وهو أكيدر بن عبد الملك الكندى، أسره خالد بن الوليد فى غزوة تبوك، وسلبه هذه الحلة وكانت قباء من ديباج مخوص بالذهب، فأمنه النبى ﵊ ورده إلى موضعه، وضرب عليه الجزية. وذكر الواقدى أنه أسلم، وكتب له النبى ﵊ حين أسلم كتاباً ذكره.

стр. 4345

(٢٥) باب من فضائل أبى دجانة سماك ابن خرشة رضى الله تعالى عنه ١٢٨ - (٢٤٧٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: " مَنْ يَأخُذُ مِنِّى هَذَا؟ "، فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ، كُلُّ إِنْسانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا، أَنَا. قَالَ: " فَمَنْ يَأخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ ". قَالَ: فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ. فَقَالَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذهُ بِحَقِّهِ. قَالَ: فَأَخَذَهُ فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ. ــ وقوله: " فأجحم القوم ": الرواية هنا بتقديم الجيم، وتقول العرب - أيضاً - بتقديم الحاء، وهما بمعنى، قال الإمام: " أحجم القوم ": أى تأخروا، ويقال: أجحمت عن الأمر: إذا تأخرت عنه.
следующие страницы →