فَإِنَّ أَبِى وَوَالِدَهُ وَعِرْضِى ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
ــ
أحنف، على طريق التفاؤل، وقيل: بل أصل الحنف: الميل، والحنيف: المائل إلى الشىء، والمسلم حنف وملة إبراهيم الحنيفية، لميلها إلى الرشد والخير، والحنيف أيضاً: الذى على دين إبراهيم وملته. وقوله:
شيمته الوفاء
أى خلقه، والشيمة: الخلق.
وقوله:
فإن أبى ووالده وعرضى ... لعرض محمد منكم وفاء
مما احتج به ابن قتيبة على أن عرض الرجل نفسه لا أسلافه لأنه قد ذكر أسلافه مع عرضه وغيره يأبى ذلك، ويذهب إلى أن عرض الرجل أموره كلها التى يحمد بها ويذم من نفسه وأسلافه وكل ما لحقه نقص يعيبه، وحجتهم: قول مسكين الدارمى:
رُبَّ مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
فقد أراد هنا بالعرض الحسب، ومنه قول النبى ﵊: " كل المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه " (١)، فالدم كناية عن النفس، والعرض كناية عن أذاه بالقول. ومعنى " وقاء ": الوقاء ممدود، والوقاية ما وقيت به الشىء وسترته مما يصيبه.
وقوله: " ثكلت وفقدت نفسى ": أى عدمت وفقدت. و" تثير النقع ": أى يقيم الغبار ويهيجه.
وقوله: " موعدها كداء " (٢): كذا رواه العذرى ولغيره: " من كنفى كداء "، أى من جانبيها. ورواه بعضهم: " غايتها كداء ". وكداء موضع ذكرناه فى الحج.
وقوله: " ينازعن الأعنة "، ويروى: " يبارين "، وهو الذى عند أكثر شيوخنا، والمراد [أنها] (٣) لصرامتها وقوة نفوسها تضاهى أعنتها بقوة جبذها لها. وهى منازعتها لها أيضاً، كما قال الآخر:
وعض على بلس اللجام وعَزنى ... على أمره اذودّ أهل الحقائق.
وقد يكون ذلك فى معنى علكها لها ومضغها إياها، وحمل قوتها لقوة الحديد،
стр. 4377
ثَكِلْتُ بُنَيَّتِى إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَىْ كَدَاءِ
يُبَاَرِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ
تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ
فَإِنْ أعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ
ــ
ومباراة صلابة أضراسها وقوة رؤوسها لصلابته، كما قال: وخيل تهلك اللجماء. وقد تكون مباراتها لها فى انعطافها لينها وصبورها. ووقع فى رواية ابن الحذاء: " مبارين الأسنة " وهى الرماح. فإن صحت هذه الرواية بمعناها أنهن يضاهين قوامها واعتدالها وعلو هوادجها.
وقوله: " مصعدات ": أى مقبلات إليكم متوجهات، يقال: يصعد فى الأرض: إذا ذهب مبتدياً للذهاب، ولا يقال ذلك فى الرجوع. ومنه: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَد﴾ (١)، أما فى صعود الجبل فيقال: صعد وأصعد، ووقع فى بعض الروايات: " مصغيات "، وله وجه من الإصغاء والاستماع، أى إنها لحدة نفوسها مستمعة، والخيل توصف بذلك، وفى المثل: أسمع من فرس. وقد جاء بهذا اللفظ فى شعر كعب بن مالك:
ينازعن الأعنة مصغيات ... إذانادى إلى الفزع المنادى
وقوله:
على أكتافها الأسل الظماء
الأسل: الرماح، ومعنى الظماء هنا: الرقاق. واللدنة. [كما سموها ذو إبل، يقال: عير ظمى، أى رقيقة الخفر، ووجه ظمآن: قليل اللحم والماء، وأصله من الظماء، وهو العطش، فكانت هذه لقلة مائها عاطشة.
وقد يكون مراده بالأسل الظماء هاهنا: العاطشة بدماء الأعادى، وهذا مما استعمله العرب فى الرماح والسيوف، كما قال:
وقد نهلت منا المنفقة بالشمر] (٢).
ووقع فى بعض الروايات: الأسد الظما: [أى الرجال المشبهون بالأسد الظما] (٣) إلى دمائكم.
وقوله: " متمطرات ": أى سراع يسابق بعضها بعض.
وقوله:
تلطمهن بالخمر النساء
стр. 4378
وَإِلا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ ... يُعِزُّ اللهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وَقَالَ اللهُ: قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا ... يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ
وَقَالَ اللهُ: قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا ... هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ
لَنَا فِى كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدسْ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
ــ
أى: تضربنها بخمرهن ليذهبن الغبار عنها، ويمسحنها بذلك لعزتها (١). والخمر: جمع خمار، كذا رويناه. وذكره الخليل: " تطلمهن " بتقديم الطاء، بمعنى ما تقدم من نفض (٢) الغبار عنها [قال ابن دريد: الطلم: ضم الخبزة بيدك لتنفض ما عليها من غبار] (٣). قال لى شيخى أبو الحسين: ويروى: " بالخمر " بفتح الميم جمع خمرة، وهى شبه حصير صغير تخمر وجه المصلى إذا سجد عليها.
وقوله: " عرضتها اللقاء " بضم العين: أى قصدها ومذهبها، يقال: اعترضت عرضه، أى قصدت قصده ونحوت نحوه. وقد يكون " عرضها " [بمعنى] (٤) صولتها وقوتها فى اللقاء، يقال: فلان عرضه لكذا، أى قوى عليه.
стр. 4379
(٣٥) باب من فضائل أبى هريرة الدوسىّ رضى الله عنه
١٥٨ - (٢٤٩١) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونسَ الْيَمَامِىُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِى كَثِيرٍ - يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - حَدَّثَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُوَ أُمِّى إِلَى الإِسْلاَمِ وَهِىَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعتْنِى فِى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِى. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى كُنْتُ أَدْعُو أُمىِّ إِلَى الإِسْلاَمِ فَتأبَى عَلَىَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِى فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَهْدِىَ أُمَّ أَبِى هُرَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمَّ، اهْدِ أُمَّ أَبِى هُرَيْرَةَ "، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِىِّ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّى خَشْفَ قَدَمَىَّ. فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ. قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ. ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِى مِنَ الْفَرَحِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِى هُرَيْرَةَ. فَحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا.
ــ
وقوله فى حديث أبى هريرة: " فإذا الباب مجاف ": أى مغلق، و" خشف قدمى ": أى صوت وقعهما بالأرض، وقد فسرناه قبل. و" خضخضة الماء ": صوت تحريكه. وفى خبر أبى هريرة إجابة دعوة النبى ﵊ لأمه.
وقول عائشة: " ألا يعجبك أبو هريرة جاء الحديث "، وكذا ضبطناه عن بعض شيوخنا، ومعناه: ألا نريك العجب أو نسمعك العجب من شأن أبى هريرة، وأبو هريرة هنا مبتدأ، وفى بعض الروايات: " يعجبك أبو هريرة "، وهو هنا فاعل أى تريد العجب من شأنه، والأول أصح. وقد رويناه فى البخارى: " ألا أعجبك " (١).
وقولها: " كنت أسبح فقام قبل أن أقضى سبحتى " (٢): تعنى سبحة الضحى.
قولها: " إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم " (٣): يعنى يكثره ويتابعه.
стр. 4380
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يحَبِّبنِى أَنَا وأُمِّى إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمَّ، حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا - يَعْنِى أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ "، فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِى، وَلا يَرَانِى، إِلاَّ أَحَبَّنِى.
١٥٩ - (٢٤٩٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ. كُنْتُ رَجُلاً مِسِكينًا أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِى، وَكَانَ المُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ يَبْسُطْ ثوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّى "، فَبَسَطْتُ ثَوْبِى حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ، ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَىَّ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
(...) حدّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ
ــ
وقول أبى هريرة: " والله الموعد ": أى لقاء الله ومجازاة الله، ويحتمل أن يريد: وعند الله المجتمع لموعده الحق. وهناك تفتضح السرائر، ويجازى كل أحد بعمله.
وقوله: " وينصفه من صاحبه " وذلك لما قيل: إنه أكثر وعياً بذلك.
قال الإمام: وقوله: " شغلهم الصفق بالأسواق ": قال الهروى (١): يقال: صفق القوم على الأمر، وصفقوا بالسعى والسعة.
قال القاضى: أصله من تصفيق الأيدى بعضها على بعض بين المتبايعين، أو عاقدى البيعة عند عقدهم.
وقوله ﵊: " من يبسط ثوبه فيأخذ منى حديثى هذا ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لن ينسى شيئاً سمعه " وفعل أبو هريرة ذلك، زاد فى البخارى: " وجعل يغرف لى بثوبه، ثم قال: فما نسيت شيئاً بعد " (٢)، من أعلام نبوته ﵊.
(٣٦) باب من فضائل أهل بدر رضى الله عنهم وقصة حاطب بن أبى بلتعة
١٦١ - (٢٤٩٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ الْحَسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِى رَافِعٍ - وَهُوَ كَاتِبُ عَلِىٍّ - قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا - رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ يَقُول: بَعَثَنَا رسُولُ اللهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ. فَقَالَ: " ائْتوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خيْلُنَا، فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ. فَقُلْنَا: أَخْرِجِى الْكِتَابَ. فَقَالَتْ: مَا مَعِى كِتَابٌ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثَّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَينَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِى بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ المشْرِكِين مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟ ". قَالَ: لا تَعْجَلْ عَلَىَّ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى كُنْتُ امْرَأ مُلْصَقًا فِى قُرَيْشٍ - قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا - وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ، إِذْ فَاتَنِى ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِى، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا وَلا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِى، وَلا رِضًا
ــ
وقوله: " حتى يأتوا روضة خاخ " بخائين معجمتين: موضع قرب حمراء الأسد من المدينة. وحكا بعضهم أنه قرب مكة، ورواه البخارى من رواية أبى عوانة " روضة حاج " (١) بالحاء المهملة والجيم، وهو وهم، والصواب ما تقدم أولاً، " فإن بها ظعينة، معها كتاب فخذوه " يريد: امرأة، واسمها سارة، مولاة عمران بن أبى صيفى. قال الإمام: الظعينة الهودج، وسميت المرأة ظعينة لأنها تكون فيه.
قال القاضى: فيه علم من أعلام نبوته ﵊. وفيه جواز التجسس على الجواسيس، وممن يبغى ضرر المسلمين، وجواز الاطلاع على كتبهم.
وقوله: " فانطلقنا تعادى بنا خيلنا " أى تجرى. والعادية: الخيل تعدو عدواً، أى تجرى، والعداء ممدود بفتح العين وكسرها: الطلق من الجرى.
стр. 4383
بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإسْلاَمِ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " صَدَقَ "، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِى يَا رَسُولَ اللهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ. فَقَالَ: " إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتِمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكمْ ". فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (١) وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ أَبِى بَكْر وَزُهَيْرٍ ذِكْرُ الآيَةِ. وَجَعَلَهَا إِسْحَاقُ، فِى روَايَتِهِ، مِنْ تِلاَوَةِ سُفْيَانَ.
(...) حدّثنا أَبَو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فضَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللهِ - كُلُّهُمْ عَنْ حُصَيْن، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِىِّ، عَنْ عَلِىٍّ، قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِىَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ. فَقَالَ: " انْطَلِقُوا حَتَّى تَأتوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا امْرَأةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ ". فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ عَنْ عَلِىٍّ.
ــ
وقولها: " فأخرجته من عقاصها ": أى من ضفير رأسها.
وقول عمر: " دعنى أضرب عنقه ": حجة فى جواز قتل الجاسوس المسلم، فإن النبى ﵊ لم ينكر ذلك من قول عمر، وإنما عذره بغفران الله لأهل بدر ذنوبهم؛ ولأنه لم يكن منه قبل مثلها. فيه حجة لمن لا يرى أن حده القتل بكل حال، وأن للإمام اجتهاد فيه ألا يقتله، وهو قول مالك.
قال الإمام: اختلف المذهب فى المسلم يطلع عليه أنه جاسوس على المسلمين. فقال مالك: يجتهد فيه الإمام، وقال ابن وهب: يقتل إلا أن يتوب. وقال ابن القاسم: يقتل ولا أعرف له توبة. وفرق عبد الملك بين من عرف بالغفلة وكانت منه مرة، وليس من أهل الطعن على [أهل] (٢) الإسلام، وبين المعتاد كذلك، فقتل من اعتاد ذلك، ونكل الآخر. وقال سحنون: قال بعض أصحابنا: يجلد جلداً منكلاً، ويطال حبسه، وينفى عن موضع يقرب فيه من المشركين. واختار بعض شيوخنا اعتبار ما كان من فعله، فإن قتل المسلمون بفعله ولولاه لم يقتلوا، قيل: وإن لم يقتلوا عوقب، وإن خشى أن يعود لمثلها خلد فى السجن.
стр. 4384
١٦٢ - (٢١٩٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبِ جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَشْكُو
ــ
ومذهب الشافعى: التجافى عن ذى الهيئة الغير متهم، الفاعل ذلك بجهالة، ويحتج فى مثل هذه الصورة بحديث حاطب. ولعل من أمر بقتله من أصحابنا رآه كالمحارب الذى طال أمره، وأراق الدماء لعظيم ضرر هذا بالمسلمين، فيقتل إلا أن يتوب. ومن لم تثبت التوبة له رآه كالزنديق والساحر، لما كانا مصرين لفعلهما لم يقبل توبتهما، وكذلك هذا لما كان مصراً لفعله ومن يره بالمحارب؛ لأنه لم يباشر الفعل، وإنما صار كالمغرى بذلك، أو الاَمر به من لا يلزمه طاعته فلا يستوجب القتل.
ومن فرق بين المعتاد وغيره رأى أن باعتياده يعظم جرمه، ويشتد ضرره، فيحسن قياسه على المحارب وإذا كانت منه الغلبة لم يحسن قياسها على المحارب؛ وتجافى الشافعى عن ذى الهيئة الغير متهم أخذاً بظاهر حديث حاطب؛ ولأن الاجتهاد إذا أدى إلى إقالة عثرة مثل هذا لم يكن تضييعاً ولا تفريطاً.
ولما رأى مالك تفاوت الجرم بتفاوت أحوال ما يجنى من ثمرته لم يمكنه تعيين حد فيه، وصرفه للاجتهاد على حسب ما حكيناه عنه.
هذا وجه اختلاف هذه الأقوال، والذى يظهر لى أن حديث حاطب لا يستقل حجة فيما نحن فيه؛ لأنه اعتذر عن نفسه بالعذر الذى ذكر، فقال ﵊: ["صدق "، فقطع على تصديق حاطب لتصديق النبى ﵊ له] (١)، وغيره من يتجسس لا يقطع على سلامة باطنه، ولا يتيقن صدقه فيما يعتذر به، فصار ما وقع فى الحديث قصة مقصورة لا تجرى فيما سواها، إذ لم يعلم الصدق فيه كما علم فيها، ويتنزل هذا عندى منزلة ما قاله العلماء من أهل الأصول فى الحكم إذا كان معللاً بعلة معينة؛ فإنه لا يقاس عليه لتعليله ﵊ فى المحرم، فإنه يحشر ملبياً، إلى غير ذلك مما ذكرناه فى موضعه مما تقدم فى هذا الكتاب.
ولو كان من اطلع على تجسسه كافرًا، فإن كان ذميًّا علم أنه عين لهم مكاتبهم بأمر المسلمين انتقض عهده. وقال سحنون: يقتل ليكون نكالاً. وإن كان حربيًّا نزل بأمان سقط ما كان له من الأمان، وللإمام قتله أو استرقاقه. قال سحنون: ولا يخير فيه إلا أن يسلم، ولا يقتل ويبقى كأسير أسلم.
стр. 4385
حَاطِبًا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كَذَبْتَ، لا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ ".
ــ
قال القاضى: وقوله: " وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ": لا دليل فيه أن غفران الذنب فى الآخرة لا يسقطه حده فى الدنيا، بدليل حد النبى ﵊ ماعزاً والغامدية، وقد أخبر بتوبتهما، والتوبة مسقطة للعقاب، وبإجماع الأمة على إقامة الحدود على كل مذنب، فأقام عمر الحد على بعضهم، وضرب النبى ﵊[مسطحاً] (١) الحد وكان بدريًّا.
قال الطبرى: ومن ظن أن النبى ﵊ إنما ترك [إقامة الحد] (٢) لأن الله أعلمه بصدقه فقد ظن خطأ؛ لأن أحكامه إنما كانت تجرى على الظاهر، كما حكم بالظاهر فى المنافقين وقد أعلمه الله بنفاقهم، وأطلعه عليه من سرائرهم.
وفيه من الفقه، هتك ستر المذنب، إذا كان فى ذلك بعض عقوبته، وفيه أن التجسس لا يخرج عن الإيمان، وأنه لا يتسور أحد على إقامة حد، ولا قتل من وجب قتله إلا بإذن الإمام. وفيه إشارة الوزير على السلطان بالرأى، والاشتداد على أهل المعاصى بالقول والفعل وتأديبهم بالذنب (٣) وإباحة ذلك.
стр. 4386
(٣٧) باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان، رضى الله عنهم
١٦٣ - (٢٤٩٦) حدّثنى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى أَبْو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَاَبِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِى أُمُّ مُبَشِّرٍ؛ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: " لا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا ". قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. فَانْتَهَرَهَا. فَقَالَتْ حَفْصَة: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ (١). فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " قَدْ قَالَ اللهُ : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢) ".
ــ
وقول النبى ﵊: " لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد " على معنى القطع لهم بذلك، بدليل قوله بعد: " لا يدخلها من شهد بدرًا والحديبية " (٣) يعنى النار، فهو أقطع منه ﵊ بالجنة لها ولا على كل حال.
ومعنىِ قوله: " وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون " قد تكلمنا عليه وعلى وجوهه (٤) ولقوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا. إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥).
وقول حفصة: بلى، وانتهار النبى ﵊ لها، وقولها: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ وقول النبى ﷺ : " قد قال الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ ": كله دليل على المناظرة فى العلم، وجواز الاعتراض والسؤال فيه لاستخراج الفائدة، وهو مقصد حفصة إن شاء الله، لا أنها قصدت رد مقال النبى ﵊ ولكن قولها: " بلى " [جاء طلباً لشأن ما أشكل هذا] (٦) عليها، واحتاجت إلى تفسيره من هذا الظاهر المخالف، لما سمعته منه ﵊.
وقد اختلف العلماء فى معنى قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾، وأحسن الوجوه أن
стр. 4387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معناه: أى مواف، وليس كل مواف داخلاً عند العرب، ويدل عليه ظاهر هذا الحديث، وحجته بقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّيِ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ (١)، وقوله فى حديث عائشة أنه ليس بدخول، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٢)، وأن ورودهم وموافاتهم أجمع عليها جوازهم على متنها على الصراط فينجو من سبقت له الحسنى من المؤمنين، ويوقف الكافرون ومن أراد الله - سبحانه - امتحانهم من المذنبين.
стр. 4388
(٣٨) باب من فضائل أبى موسى وأبى عامر الأشعريين رضى الله عنهما
١٦٤ - (٢٤٩٧) حدّثنا أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِىُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى أُسَامَةَ. قَالَ أَبُو عَامِر: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ، عَنْ جَدِّهِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدَينَةِ وَمَعَهُ. بِلاَلٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ: ألا تُنْجِز لِى يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِى؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَبْشِرْ ". فَقَالَ لَهُ الأَعْرَابِىُّ: أَكْثَرْتَ عَلَىَّ مِنْ " أَبْشِرْ "، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِى مُوسَى وَبِلاَلٍ، كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: " إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى، فَاقْبَلاَ أَنْتُمَا "، فَقَالا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْههُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: " اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرا " فَأَخَذَا الْقَدَحَ، فَفَعَلاَ مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَنَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: أَفْضِلاَ لأُمِّكمَا مَّمِا فِى إِنَائِكُمَا. فَأَفْضَلاَ لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً.
ــ
وقوله فى حديث قتل أبى عامر: حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبى بردة، عن أبيه. قال: لما فرغ النبى ﷺ من حنين. كذا لكافة الرواة، وعند العذرى: عن يزيد بن عبد الله، عن أبى بردة، عن أبيه: لما فرغ النبى من حنين، الحديث. وكلاهما صحيح. وكذا ذكره البخارى عن أبى بردة - وهو جد يزيد. وقوله: عن أبيه، هو أبو موسى، وهذا أبين.
وكذا جاءت [أسانيد] (١) هذه فى غير هذا الحديث مبينة قبل هذا وبعده: يزيد بن عبد الله بن أبى بردة عن جده أبى بردة، عن أبى موسى. وقد جاء مثل ما هنا أيضاً فى باب الإملاء للظالم، قال: حدثنا يزيد بن أبى بردة، عن أبيه، فنسبه إلى جده، ثم قال: عن أبيه، يعنى جده، كما قلنا هنا. لكنه قد تصح الرواية الأخرى: يزيد عن أبيه، عن جده أبى بردة، ويريد بأبيه جده أبا بردة، ثم ذكر أبو بردة قصة ابن أبى موسى وسماعه منه معلوم، فيتصل السند وتصح الروايتان، وأنه لم يذكر فى هذه سماعه منه ولا حديثه به عنه.
стр. 4389
١٦٥ - (٢٤٩٨) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِىُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ ابْنُ الْعَلاَءِ - وَاللَّفْظُ لأَبِى عَامِرٍ - قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِىُّ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ، بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقى دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيْدٌ وَهَزَمَ اللهُ أَصْحَابَهُ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِى مَعَ أَبِى عَامِرٍ. قَالَ: فَرُمِىَ أَبُو عَامِرٍ فِى رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى جُشَمٍ بِسَهْمٍ، فَأَثْبَتَهُ فِى رُكْبَتهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَنْ رَمَاَكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِر إِلَى أَبِى مُوسَى. فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ قَاتِلِى، تَرَاهُ ذَلِكَ الَّذِى رَمَانِى. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَقَصَدْتُ لَهُ فَاعْتَمَدْتُهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رآنِى وَلَّى عَنِّى ذَاهِبًا، فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقَولُ لَهُ: أَلاَ تَسْتَحْيِى؟ أَلَسْتَ عَرَبِيًّا؟ أَلاَ تَثْبُتُ؟ فَكَفَّ. فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ، فَاخْتَلَفْنَا أَنَا وَهُوَ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِى عَامِرٍ فَقُلْتُ: إِنَّ اللهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ. قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِى، انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَقْرِئْهُ مِنِّى السَّلاَمَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو عَامِرٍ: اسْتَغْفِرْ لِى.
قَالَ: وَاسْتَعْمَلَنِى أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، وَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ. فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِى بَيْتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ، وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ، وَقَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخبَرتَهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِى عَامِرٍ. وَقُلْتُ لَهُ:
ــ
وقوله: " فنزا منه الماء ": أى ظهر وارتفع.
وقوله: " وهو على [سرير] (١) مرمل " بسكون الراء " عليه فرش، وقد أثر رمال السرير بظهره " هو الذى نسج فى وجهه بالسعف وشبهه وشد شراكه أو شريط، يقال منه: أرملت، وقيل رملت فهو مرمول.
وقوله: " قد أثر رمال السرير فى ظهره ": أى طرق نسجه من الشريط وشبهه. وهذا يدل أنه لم يكن عليه فراش، وأن فى هذا الحديث يبدأ فى قوله: " وعليه فراش ". وكذا جاء فى البخارى (٢).
стр. 4390
قَالَ: قُلْ لَهُ: يَسْتَغفِرْ لِى. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ، أَبِى عَامِرٍ " حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: " اللهُمَّ، اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ مِنَ النَّاسِ ". فَقُلْتُ: وَلِى يَا رَسُولَ اللهِ فَاسْتَغْفِرْ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " اللهُمَّ، اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلاً كَرِيمًا ".
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحْدَاهُمَا لأَبِى عَامِرٍ، وَالأُخْرَى لأَبِى مُوسَى.
ــ
قال القاضى: الذى أحفظ فى غير هذا السند: " ما عليه فراش "، وأحسبها سقطت عن أبى زيد.
قال القاضى: إن كان قائماً سقطت [على] (١) من تقدم على أبى أسامة شيخ شيوخ مسلم والبخارى؛ لاتفاقهما وروايتهما على إسقاطهما وقد ذكر الخبر، وكذا جاء فى حديث عمر فى تخيير النبى ﵊ أزواجه على رمال سرير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه.
стр. 4391
(٣٩) باب من فضائل الأشعريين، رضى الله عنهم
١٦٦ - (٢٤٩٩) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّى لأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رِفْقَةِ الأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ، حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ. وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ إِذَا لَقِىَ الْخَيْلَ - أَوْ قَالَ: الْعَدُوَّ - قَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَصْحَابِى يَأمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظرُوهُمْ ".
١٦٧ - (٢٥٠٠) حدّثنا أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِىُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى أُسَامَةَ. قَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِى بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِى بُرْدةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِى الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِى إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيةِ، فَهُمْ مِنِّى وَأَنَا مِنْهُمْ ".
ــ
وقوله: " إنى لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن، حين يدخلون بالليل ": من الدخول، كذا لكافة شيوخنا، وعند بعضهم: " يرحلون " من الرحيل، وبالوجهين كانا فى كتاب الجيانى، وصوبوا الرواية الأخرى. وكذا اختلف فيه رواة البخارى أيضاً.
قوله: " ومنهم حكيم إذا لقى الخيل - أو قال العدو - قال [له] (١): إن أصحابى يأمرونكم أن تنظروهم ": أى تنتظروهم. واختلف شيوخنا فى قوله: " حكيم "، فكان الحافظ أبو على الجيانى يقول: هو اسم رجل. وأما القاضى أبو على الصدفى فقال لنا: هى صفة من الحكمة.
وقوله: " إن الأشعريين إذا أرملوا فى الغزو، أو قلّ طعام عيالهم فى المدينة، جمعوا ما كان عندهم فى ثوب [واحد] (٢) ثم اقتسموه بينهم بالسوية "، قال الإمام: معنى " أرملوا ": أى فنى زادهم، يقال: أرمل الرجل وأقوى وأنقص: إذا فنى زاده.
قال القاضى: وفى هذا الحديث فضل المواساة والسماحة، وأنها كانت خلق نبينا ﷺ ، وخلق صدر هذه الأمة، وأشراف الناس.
стр. 4392
(٤٠) باب من فضائل أبى سفيان بن حرب رضى الله عنه
١٦٨ - (٢٥٠١) حدّثنى عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيم الْعَنْبَرىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدَ الْيَمَامِى - حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِى ابْنُ عبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لا يَنْظُرونَ إِلَى أَبِى سُفْيَانَ وَلاَ يُقَاعِدُونَهُ. فَقَالَ للنَّبِىِّ ﷺ : يَا نَبِىَّ اللهِ، ثَلاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ. قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: عِنْدِى أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ، أُمُّ حَبِيَبةَ بِنْتُ أَبِى سُفْيَانَ، أُزَوِّجُكَهَا. قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ، تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِى حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ، كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: " نَعَمْ ".
قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: وَلَوْلا أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ مَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا إِلاَّ قَالَ: " نَعَمْ ".
ــ
[وقول أبى سفيان حين سأل النبى ﵇ بعد إسلامه - أن يزوجه ابنته أم حبيبة، كذا ذكره مسلم من رواية أبى زميل عن ابن عباس. والمعروف أن تزويج النبى ﷺ لها كان قبل الفتح. واختلف أين كان؟ فقيل] (١): بالمدينة وهو الأكثر.
واختلف فيمن عقد عليها هناك؟ فقيل: عثمان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص بتقديمها، وقيل: بل عقد عليها عنها وعن النبى ﵊ النجاشى لأنه كان أمير الموضع وسلطانه. والذى وقع فى مسلم من هذا غريب جدًا عند أهل الخبر. وخبرهما مع أبى سفيان عند ورود المدينة فى حال شركه وهى بعد زوج النبى ﵊[معروف] (٢)، والله أعلم.
وقوله: " عندى أحسن العرب وأجمله ": هذا مثل قوله فى صفته ﵊: " كان أحسن الناس وجهاً، وأحسنه خَلْقاً " (٣). قال أبو حاتم: هذا كلام العرب، أى وأحسنهم ولا يتكلمون به، يريد: إذا عطفوه. والنحاة يذهبون أن معناه: أحسن من ثمة، وقد تقدم من هذا ومثله، قوله فى الحديث بعد هذا: " أحناه على ولدٍ وأرعاه لزوج " (٤).
وايْمُ اللهِ، لا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلاَ أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَنَحْنُ كُنَّا نؤْذَى وَنُخَافُ، وَسأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَسْأَلُهُ. وَوَاللهِ، لا أَكْذبُ وَلاَ أَزِيغُ وَلاَ أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ النَّبِىُّ ﷺ قَالَتْ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَيْسَ بِأَحَقَّ بِى مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكَمْ أَنْتُمْ، أَهْلَ السَّفِينَةِ، هِجْرَتَانِ ".
قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأيْتُ أَبَا مُوسَى وَأصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأتُونِى أَرْسَالاً، يَسْأَلُونِى عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ. مَا مِنَ الدُّنْيَا شَىْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلا أَعْظَمُ فِى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّى.
ــ
بذلك عندهم (١)، وخبره معهم فى توريته عن الإسلام معروف.
وقولها لعمر: " كذبت " معناه: أخطأت، وقد استعملوا الكذب بمعنى الخطأ.
وقولها: " ولقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونى أرسالا يسألونى عن هذا الحديث "، قال الإمام: يعنى: أفواجا فرقاً منقطعة، يقال: أورد إبله أرسالاً: إذا أوردها منقطعة، وأوردها عراكاً: إذا أوردها جماعة.
قال القاضى: وقوله: " إن هذا رد على البُشرى " للأعرابى الذى قال له: أكثرت على من أبشر (٢): قول من لم يتمكن الإيمان من قلبه ممن كان يستألفه النبى ﵊ من أشراف العرب، يستألف بهم قومهم وأمثالهم. وقد جاء معنا أنه من بنى تميم وهو - والله أعلم - الذين نادوه من وراء الحجرات وأمثالهم، وقد قال الله تعالى فى أولئك: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٣) ولو صدر [مثل] (٤) هذا الكلام من مسلم لكان قوله هذا كفراً وردّة؛ لأن فيه تهمة للنبى ﵊ واستخفافاً بصدق قوله ووعده.
стр. 4395
(٤٢) باب من فضائل سلمان وصهيب وبلال رضى الله تعالى عنهم
١٧٠ - (٢٥٠٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ عَائذِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبلالٍ فِى نَفَرٍ. فَقَالُوا: وَاللهِ، مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ مَأخَذَهَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسيِّدِهِم؟ فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَأَخبَرَهُ. فَقَالَ: "يا أَبَا بَكْرٍ، لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُم لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ ".
فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ، أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لا، يَغْفِرُ اللهُ لكَ يَا أخَىَّ.
ــ
وقول أبى بكر لسلمان وأصحابه: " يا إخوتاه، أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخى " كذا جاء فى هذا الحديث، وقد روى عن أبى بكر أنه نهى عن مثل هذا، وقال: قل: عافاك الله، رحمك الله، لا. يريد: ألا تقدم " لا " قبل الدعاء، لاقتضائها نفيه فى الظاهر، ولأنه قد يكون مثل هذا ذريعة للمجَّان وغيرهم من قصدهم هذا فى صورة الدعاء. وقد قال بعضهم: قل: لا، ويغفر الله لك، فيزول الإيهام والاحتمال.
(٤٧) باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة وتميم ودوس وطيئ
١٨٨ - (٢٥١٩) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِىُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الأَنْصَارُ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَة وَغِفَارُ وَأَشْجَعُ، وَمَن كَانَ مِنْ بَنِى عَبْدِ اللهِ، مَوَالِىَّ دُونَ النَّاسِ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ مَوْلاَهُمْ ".
١٨٩ - (٢٥٢٠) حدّثنا مُحَمَّدُبْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قُرَيْشٌ وَالَأَنْصَارُ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارُ وَأَشْجَعُ مَوَالِىَّ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللهِ وَرَسُولِهِ ".
(...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِى الْحَدِيثِ: قَالَ سَعْدٌ فِى بَعْضِ هَذَا فِيمَا أَعْلَمُ.
ــ
قوله: " الأنصار ومزينة وجهينة وغفار وأشجع، ومن كان من بنى عبد الله موالى دون الناس، والله ورسوله مولاهم ": أى وليهم والتكفل بهم والمولى يكون الولى، والقائم بأمر الرجل، والناصر له، وعصبته ومعتقه، ومن هو أولى به وأخص. قال أحمد بن نصر: معنى قوله: " هم موالى، لا مولى لهم إلا الله ورسوله ": أى لا ولاء على من سبى منهم. خصهم بذلك كما قال فى قريش: الطلقاء، وقال لغيرهم: العتقاء، لما لم يجر عليهم ملك ولا عتق.
وقوله: " من بنى عبد الله ": يريد بنى عبد العزى من غطفان، وكذلك جاء ذكره من بعد هذا، سماهم النبى بنى عبد الله، فسمتهم العرب بنى محولة؛ لتحويلهم اسم أبيهم. وقوله فى سند هذا الحديث: وحدثنا عبيد (١) الله بن معاذ (٢)، حدثنا أبى، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، بهذا الإسناد مثله، غير أن فى الحديث: " قال سعد فى
(٤٨) باب خيار الناس
١٩٩ - (٢٥٢٦) حدّثنى حَرَمْلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمَسَّيبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، فَخيَارُهُمْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِى الإِسْلاَمِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِى هَذَا الأَمْرِ، أَكْرَهُهُمْ لَهُ، قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وتَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ الَنَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِى يَأتِى هَؤلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤلاءِ بِوَجْهٍ ".
(...) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامىُّ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَجِدُونَ النَّاسَ
ــ
وقوله: " تجدون الناس معادن، فخيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا ": تقدم الكلام عليه، وأصل المعادن الأصول الشريفة، تعقب أمثالها ويسرى كرم أخلاقها إلى نسلها، ولكن لا خيار فى الإسلام إلا بالتُّقى والفقه، ولا فضيلة إلا بخصال الشريعة، لكن من اتفق له ذلك مع أصل فى الجاهلية حميد الأخلاق، شريف الطباع وهو الحسب، كملت فضيلته، وبانت [مرتبته] (١). وأما قوله: " إذا فقهوا " بضم القاف، من الفقه، ويقال فيه - أيضاً - بكسرها، وأما من الفهم فبالكسر.
وقوله: " وتجدون من خير الناس فى هذا الأمر أكرههم له ": فيحتمل أن يريد به الإسلام كما كان من عمر وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبى جهل وسهيل ابن عمرو، وغيرهم من مسلمة الفتح وقبلهم، من عرفت كراهته للإسلام، ثم لما حصل (٢) خلص فيه وأحبه، وجاهد فيه حق جهاده. ويحتمل أنه يريد بالأمر ها هنا: الولايات والإمارة، كما جاء: " من جاء به من غير مسألة أعين عليها ". وقوله: " إن إخوتكم ممن طلبه " (٣).
وأما قوله فى ذى الوجهين: أنه " من شرار الناس " فكما قال؛ لأنه نفاق محض
стр. 4410
مَعَادِنَ " بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِىِّ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ أَبِى زُرْعَةَ والأَعْرَجِ: " تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فِى هَذَا الشَّأنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً حَتَّى يَقَعَ فِيهِ ".
ــ
وكذب، ومخادعة. قال بعضهم: هو الذى يأتى كل طائفة بما يرضيها خيرًا كان أو شرًّا ويظهر لكل أحد من أهل باطل وغيره رضاه لفعلهم وحالهم وهذه هى المداهنة المحرمة.
стр. 4411
(٤٩) باب من فضائل نساء قريش
٢٠٠ - (٢٥٢٧) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، وَعَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ - قَالَ أَحَدُهُمَا. صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَالَ الآخَر: نِسَاَءُ قُرَيْشٍ - أَحْنَاهُ عَلَى يَتيمٍ فِى صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْج فِى ذَاتِ يَدِهِ ".
(...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، يَبْلغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ ، وَابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " أَرْعَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِى صِغَرِهِ " وَلَمْ يَقُلْ: يَتِيمٍ.
٢٠١ - (...) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ، أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِى ذَاتِ يَدِهِ ".
قَالَ: يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ.
(...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَاِفِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَطَبَ أُمَّ هَانِئٍ، بِنْتَ أَبِى طَالِبٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى قَدْ كَبِرْتُ،
ــ
وقوله: " خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد فى صغره، وأرعاه على زوج فى ذات يده ": فيه أن هذه خصال حميدة فى النساء من الحنو على أولادهن، وذلك يقتضى حسن تربيتهم، والرفق بهم، والإحسان والقيام عليهم فى بيتهم، وترك التزويج بعد موت أبيهم، ألا ترى الحديث بعده وقول أم هانئ حين خطبها ﵊ فقالت: " قد كبرت ولى عيال " يشير إلى هذا والله أعلم، ومراعاة [ذات] (١) يد زوجها، وذلك يقتضى الحيطة على ماله والأمانة عليه، وحسن تدبيره فى الإنفاق، وصفة
стр. 4412
وَلِىَ عِيَالٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ " ثُمَّ ذَكَرُ بِمِثْل حَدِيثِ يُونُسَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِى صِغَرِهِ ".
٢٠٢ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِى صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِى ذَاتِ يَدِهِ ".
(...) حدّثنى أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الأَوْدِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ مَخْلَد - حَدَّثنِى سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بِلاَلٍ - حَدَّثَنِى سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثل حَدِيثِ مَعْمَرٍ هَذَا. سَوَاءً.
ــ
مواضعه. وتخصيصه بقوله: " ركبن الإبل " لهن أن المراد نساء العرب؛ ولذلك قال أبو هريرة فى الحديث: " لم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط ". ومعنى " ذات يده ": أى ماله، وتقديره على الشىء الذى يملكه.
قال الإمام: " وأحناه على ولد " يعنى: أشفقه. قال الهروى: [يقال: حنا عليه يحنو، وحنا يحنى وأحنا يحنى: إذا أشفق عليه وعطف] (١). قال الهروى فى الحديث: " أنا وسعفاء الخدين الحانية على ولدها كهاتين يوم القيامة " الحانية: التى تقيم على ولدها لا تتزوج، يقال: حنت عليهم، فإن تزوجت فليست بحانية.
стр. 4413
(٥٠) باب مؤاخاة النبى ﷺ بين أصحابه رضى الله تعالى عنهم
٢٠٣ - (٢٥٢٨) حدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ آخَى بَيْنَ أَبِى عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَبَيْنَ أَبِى طَلْحَةَ.
٢٠٤ - (٢٥٢٩) حدّثنى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، قَالَ: قِيلَ لأَنَس بْنِ مَالكٍ: بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا حِلْفَ فِى الإِسْلاَمِ؟ ". فَقَالَ أَنَسٌ: قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِى دَارِهِ.
٢٠٥ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْن نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِى دَارِهِ التى بِالْمَدِينَةِ.
٢٠٦ - (٢٥٣٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حدّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا حِلْفَ فِى الإِسْلاَم، وَأَيُّمَاَ حِلْفٍ كَانَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلاَمُ إِلا شِدَّةً ".
ــ
قال القاضى: وذكر مسلم مؤاخاة النبى ﵊ بين الأنصار وقريش وحديث لا حلف فى الإسلام، وأيما حلف كان فى الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة وقول أنس: " قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار فى داره بالمدينة ": قال الطبرى: لا يجوز الحلف اليوم فى الإسلام. قال ابن عباس: نسخ حِلف الجاهلية وحلف الإسلام، مؤاخاة البى ﵊ بين المهاجرين والأنصار، وأنهم كانوا يتوارثون بذلك. قوله: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١) فى رد المواريث إلى القرابات. وقال الحسن: كان هذا يعنى الموارثة بالحلف. قيل: إنه الميراث.
ومعنى قوله: " فلم يزده الإسلام إلا شدة ": يعمى فى التناصر وِالتعاون على الحق، وهو تأويل ابن عباس فى قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٢) يعنى من النصر والنصيحة، وقيل: هذه الآية منسوخة بآية المواريث.
стр. 4414
(٥١) باب بيان أن بقاء النبى ﷺ أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة
٢٠٧ - (٢٥٣١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ الْجُعْفِىُّ، عَنْ مُجَمَّعِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رسُولِ اللهِ ﷺ ، ثمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّىَ مَعَهُ الْعِشَاءَ. قَالَ: فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا. فَقَالَ: " مَا زِلْتُمْ هَهُنَا؟ ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّىَ مَعَكَ الْعِشَاءَ. قَالَ: " أَحْسَنْتُمْ - أَوْ أَصَبْتُمْ ". قَالَ: فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. فَقَالَ: " النُّجُومُ أَمَنَةٌ للِسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاء مَا تُوعَدُ. وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِى، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِى مَا يُوعَدُونَ. وَأَصْحَابِى أمَنَةٌ لأُمَّتِى، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِى أَتَى أُمَّتِى مَا يُوعَدُونَ ".
ــ
وقوله: " النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهب النجوم أتى السماء ما توعدون ": يعنى فى القيامة أنها حينئذ تلحقها الانفطار والتغيير وهلاك ساكنها عند تناثر النجوم منها، وإنما هذا تمثيل لقوله بعده: " وأنا أَمَنة لأصحابى، فإذا ذهبت أتى أصحابى ما يوعدون "، يريد من الفتن، وارتداد من ارتد بعده من الأعراب وجهلة الناس، واختلاف قلوبهم، وهو ما أنذر به ﵊ بقوله: " لا ترجعوا بعدى كفارًا " (١)، وقوله: " لم يزالوا مرتدين على اْعقابهم بعدك " (٢) يعنى أهل الردة.
وقوله: " وأصحابى أمنة لأمتى، فإذا ذهب أصحابى أتى أمتى ما يوعدون ": يريد من ظهور البدع، والتخالف، والفتن، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرهم عليهم، وتخريب المدينة مثله، وغير ذلك مما أنذر به، مما كان أكثره، وما بقى لابد من كونه، فإنه لا يقول إلا حقًّا، ودلائل بقاياه ظاهرة بينة.
الأمنة بفتح الهمزة والميم: [الأمن] (٣) والأمان، [وهو] (٤) بمعنى ضد الخوف.
стр. 4415
(٥٢) باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم
٢٠٨ - (٢٥٣٢) حدّثنا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ - وَاللَّفْظُ لزُهَيْرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يُخْبِرُ عَنْ أَبِى سَعِيد الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " يَأتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ الله ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رأَى مَنْ صَحِبَ منْ صَحِب رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ ".
٢٠٩ - (...) حدّثنى سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: زَعَمَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : " يَأتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ، فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ ؟ فَيُوَجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ. ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِى، فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيهِمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِىِّ ﷺ ؟ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ. ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِىِّ ﷺ ؟ ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابِعُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحًدًا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِىِّ ﷺ ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ ".
٢١٠ - (٢٥٣٣) حدّثنا قتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ،
ــ
وقوله: " يأتى على الناس زمان يغزو فئام من الناس " مهموز ويسهل وفى المهموز ذكره غير واحد، وذكره صاحب العين فى حرف الياء فى غير المهموز، وهو بكسر الفاء، هذا المشهور، وفتحها بعضهم، حكاه الخليل. ولا تشدد الياء عند من سهلها، ومعناه: جماعة. قال [ثابت] (١) بن قاسم: هو مأخوذ من القيام كالقطعة من الشىء.