(٤٩) باب من فضائل نساء قريش
٢٠٠ - (٢٥٢٧) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، وَعَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ - قَالَ أَحَدُهُمَا. صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَالَ الآخَر: نِسَاَءُ قُرَيْشٍ - أَحْنَاهُ عَلَى يَتيمٍ فِى صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْج فِى ذَاتِ يَدِهِ ".
(...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، يَبْلغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ ، وَابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " أَرْعَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِى صِغَرِهِ " وَلَمْ يَقُلْ: يَتِيمٍ.
٢٠١ - (...) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ، أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِى ذَاتِ يَدِهِ ".
قَالَ: يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ.
(...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَاِفِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَطَبَ أُمَّ هَانِئٍ، بِنْتَ أَبِى طَالِبٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى قَدْ كَبِرْتُ،
ــ
وقوله: " خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد فى صغره، وأرعاه على زوج فى ذات يده ": فيه أن هذه خصال حميدة فى النساء من الحنو على أولادهن، وذلك يقتضى حسن تربيتهم، والرفق بهم، والإحسان والقيام عليهم فى بيتهم، وترك التزويج بعد موت أبيهم، ألا ترى الحديث بعده وقول أم هانئ حين خطبها ﵊ فقالت: " قد كبرت ولى عيال " يشير إلى هذا والله أعلم، ومراعاة [ذات] (١) يد زوجها، وذلك يقتضى الحيطة على ماله والأمانة عليه، وحسن تدبيره فى الإنفاق، وصفة
стр. 4412
وَلِىَ عِيَالٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ " ثُمَّ ذَكَرُ بِمِثْل حَدِيثِ يُونُسَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِى صِغَرِهِ ".
٢٠٢ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِى صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِى ذَاتِ يَدِهِ ".
(...) حدّثنى أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الأَوْدِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ مَخْلَد - حَدَّثنِى سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بِلاَلٍ - حَدَّثَنِى سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثل حَدِيثِ مَعْمَرٍ هَذَا. سَوَاءً.
ــ
مواضعه. وتخصيصه بقوله: " ركبن الإبل " لهن أن المراد نساء العرب؛ ولذلك قال أبو هريرة فى الحديث: " لم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط ". ومعنى " ذات يده ": أى ماله، وتقديره على الشىء الذى يملكه.
قال الإمام: " وأحناه على ولد " يعنى: أشفقه. قال الهروى: [يقال: حنا عليه يحنو، وحنا يحنى وأحنا يحنى: إذا أشفق عليه وعطف] (١). قال الهروى فى الحديث: " أنا وسعفاء الخدين الحانية على ولدها كهاتين يوم القيامة " الحانية: التى تقيم على ولدها لا تتزوج، يقال: حنت عليهم، فإن تزوجت فليست بحانية.
стр. 4413
(٥٠) باب مؤاخاة النبى ﷺ بين أصحابه رضى الله تعالى عنهم
٢٠٣ - (٢٥٢٨) حدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ سَلَمَةَ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ آخَى بَيْنَ أَبِى عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَبَيْنَ أَبِى طَلْحَةَ.
٢٠٤ - (٢٥٢٩) حدّثنى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، قَالَ: قِيلَ لأَنَس بْنِ مَالكٍ: بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا حِلْفَ فِى الإِسْلاَمِ؟ ". فَقَالَ أَنَسٌ: قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِى دَارِهِ.
٢٠٥ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْن نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: حَالَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِى دَارِهِ التى بِالْمَدِينَةِ.
٢٠٦ - (٢٥٣٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حدّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا حِلْفَ فِى الإِسْلاَم، وَأَيُّمَاَ حِلْفٍ كَانَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلاَمُ إِلا شِدَّةً ".
ــ
قال القاضى: وذكر مسلم مؤاخاة النبى ﵊ بين الأنصار وقريش وحديث لا حلف فى الإسلام، وأيما حلف كان فى الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة وقول أنس: " قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار فى داره بالمدينة ": قال الطبرى: لا يجوز الحلف اليوم فى الإسلام. قال ابن عباس: نسخ حِلف الجاهلية وحلف الإسلام، مؤاخاة البى ﵊ بين المهاجرين والأنصار، وأنهم كانوا يتوارثون بذلك. قوله: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١) فى رد المواريث إلى القرابات. وقال الحسن: كان هذا يعنى الموارثة بالحلف. قيل: إنه الميراث.
ومعنى قوله: " فلم يزده الإسلام إلا شدة ": يعمى فى التناصر وِالتعاون على الحق، وهو تأويل ابن عباس فى قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٢) يعنى من النصر والنصيحة، وقيل: هذه الآية منسوخة بآية المواريث.
стр. 4414
(٥١) باب بيان أن بقاء النبى ﷺ أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة
٢٠٧ - (٢٥٣١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ الْجُعْفِىُّ، عَنْ مُجَمَّعِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رسُولِ اللهِ ﷺ ، ثمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّىَ مَعَهُ الْعِشَاءَ. قَالَ: فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا. فَقَالَ: " مَا زِلْتُمْ هَهُنَا؟ ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّىَ مَعَكَ الْعِشَاءَ. قَالَ: " أَحْسَنْتُمْ - أَوْ أَصَبْتُمْ ". قَالَ: فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. فَقَالَ: " النُّجُومُ أَمَنَةٌ للِسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاء مَا تُوعَدُ. وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِى، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِى مَا يُوعَدُونَ. وَأَصْحَابِى أمَنَةٌ لأُمَّتِى، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِى أَتَى أُمَّتِى مَا يُوعَدُونَ ".
ــ
وقوله: " النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهب النجوم أتى السماء ما توعدون ": يعنى فى القيامة أنها حينئذ تلحقها الانفطار والتغيير وهلاك ساكنها عند تناثر النجوم منها، وإنما هذا تمثيل لقوله بعده: " وأنا أَمَنة لأصحابى، فإذا ذهبت أتى أصحابى ما يوعدون "، يريد من الفتن، وارتداد من ارتد بعده من الأعراب وجهلة الناس، واختلاف قلوبهم، وهو ما أنذر به ﵊ بقوله: " لا ترجعوا بعدى كفارًا " (١)، وقوله: " لم يزالوا مرتدين على اْعقابهم بعدك " (٢) يعنى أهل الردة.
وقوله: " وأصحابى أمنة لأمتى، فإذا ذهب أصحابى أتى أمتى ما يوعدون ": يريد من ظهور البدع، والتخالف، والفتن، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرهم عليهم، وتخريب المدينة مثله، وغير ذلك مما أنذر به، مما كان أكثره، وما بقى لابد من كونه، فإنه لا يقول إلا حقًّا، ودلائل بقاياه ظاهرة بينة.
الأمنة بفتح الهمزة والميم: [الأمن] (٣) والأمان، [وهو] (٤) بمعنى ضد الخوف.
стр. 4415
(٥٢) باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم
٢٠٨ - (٢٥٣٢) حدّثنا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ - وَاللَّفْظُ لزُهَيْرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يُخْبِرُ عَنْ أَبِى سَعِيد الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " يَأتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ الله ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رأَى مَنْ صَحِبَ منْ صَحِب رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ ".
٢٠٩ - (...) حدّثنى سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: زَعَمَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : " يَأتِى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ، فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ ؟ فَيُوَجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ. ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِى، فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيهِمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِىِّ ﷺ ؟ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ. ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِىِّ ﷺ ؟ ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابِعُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحًدًا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِىِّ ﷺ ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ ".
٢١٠ - (٢٥٣٣) حدّثنا قتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ،
ــ
وقوله: " يأتى على الناس زمان يغزو فئام من الناس " مهموز ويسهل وفى المهموز ذكره غير واحد، وذكره صاحب العين فى حرف الياء فى غير المهموز، وهو بكسر الفاء، هذا المشهور، وفتحها بعضهم، حكاه الخليل. ولا تشدد الياء عند من سهلها، ومعناه: جماعة. قال [ثابت] (١) بن قاسم: هو مأخوذ من القيام كالقطعة من الشىء.
стр. 4416
قَالَ: قَاَل رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَيْرُ أُمَّتِى الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِىءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ " لَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ الْقَرْنَ فِى حَدِيثِهِ. وَقَالَ قتَيْبَةُ: " ثُمَّ يَجِىء أَقْوَامٌ ".
٢١١ - (...) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ - قَالَ إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَىُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " قَرْنِى، ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِىءُ قَوْمٌ تَبْدُرُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَتَبْدُرُ يَمِينُهُ شَهَادَتَهُ ".
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَنْهَوْنَنَا، وَنَحْنُ غِلمَانٌ، عَنِ الْعَهْدِ وَالشَّهَادَاتِ.
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلاَهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِ أَبِى الأَحْوَصِ وَجَرِيرٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا. وَلَيْسَ فِى حَدِيثهِمَا: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ .
٢١٢ - (...) وحدّثنى الْحَسَنُ بْنَ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَزْهَر بْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ "، فَلا أَدْرِى فِى الثَّالِثِةِ أَوْ فِى الرَّابِعَةِ قَالَ: " ثُمَّ يَتَخَلَّفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ، تَسْبقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِيَنُهُ شَهَادَتَهُ ".
ــ
وقوله: " خير الناس قرنى، ثم الذين يلونهم " الحديث، قد تقدم الكلام على هذا [قبل] (١). وعقيدة جمهور العلماء: أن من رآه ﵊ وكان فى عداد أصحابه ففد حصل فضيلةً لا يدركها أفضل كل من يأتى بعده.
واختلف الناس فى القرن ما هو؟ وما الراد بقرنى هنا؟ فقال المغيرة: قرنه: أصحابه، والذى يليه: [أبناؤه] (٢) والثالث: أبناء أبنائهم. وقال شمر: قرنه: ما بقيت نفس رأته
стр. 4417
٢١٣ - (٢٥٣٤) حدّثنى يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيق، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَيْرُ أُمَّتِى الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ "، وَاللهُ أَعْلَمُ اذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لا؟ قَالَ: " ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ، يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْثَشْهَدُوا ".
ــ
والثانى: ما بقيت نفس رأت من رآه، ثم كذلك. وقال غير واحد: القرن: كل طبقتين مقترنتن فى وقت. وقيل ذلك لأهل كل مدة بعث فيها نبى طالت أو قصرت. واشتقاقه من الاقتران.
واختلف فى لفظ " القرن "، وذكر فيه الحربى الاختلاف من عشر سنين إلى مائة وعشرين، ثم قال: وليس منه شىء واضح. وأربى القرن: كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد. والحسن وغيره يقول: القرن عشر سنين. وقتادة يقول: سبعون، ونحوه عن على ابن أبى طالب. وغيرهما يقول: ستون. وعن زرارة بن أوفى: فهو مائة وعشرون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: أربعون، وهو قول النخعى، وحكى هذان القولان أيضاً عن الحسن. وقيل: مائة سنة، وذكر عن عبد الملك بن عمير وقال ابن الأعرابى: القرن الوقت من الزمان. قال غيره: لأنه يقرن أمة بأمة.
وقوله: " ثم يتخلف بعدهم خلف "، وفى الرواية الأخرى: " يخلف ": أى يأتون بعدهم. والخلف: ما صار عوضاً عن غيره، بفتح اللام فى الخير والشر، وأما بسكون اللام ففى الشر خاصة، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ (١) وقد قيل فيهما بالوجهين أيضاً.
وقوله: " تبدر شهادة أحدهم يمينه، وتبدر يمينه شهادته ": أى تسبق [كما] (٢) جاء فى الحديث الآخر. احتج به من يبطل الشهادة إذا حلف معها، وهو الذى فى كتاب ابن شعبان، ولا يعرف فى غيره. والجمهور على أن ذلك غير قادح فيها، وهو قول مالك وسائر من يروى عنه العلم، وقد قال تعالى: ﴿أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ (٣)، ومثل هذا كثير فى القرآن والحديث.
وأما قوله فى الحديث الآخر: " يحبون الشهادة "، ويروى: " السمانة " وكلاهما صحيح، فقد جاء الوصفان فى الحديث.
وقوله: " يفشو فيهم السمن "، وقوله: " يشهدون قبل أن يستشهدوا ": احتج به من
стр. 4418
(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِى حَجَّاج بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى بِشْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ شُعْبَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلا أَدْرِى مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً.
ــ
قال بقول ابن شبرمة فى مغ هذه الشهادة على الإقرار حتى يشهده المقر، والجمهور على خلافه وأنه متى استوفى الكلام من إقرار وغيره فى دين أو طلاق [أو حرابة] (١) شهد به. وهو معنى ما وقع فى المدونة، وإليه يرجع كلام مالك وابن القاسم، ويفسر بعضه بعضاً، وإن كان بعضهم أراد تخريج خلاف منه على ظاهره، وقوله فى قوله الأول، وله تأويل قد بسطناه فى تعليقنا على المدونة، وأما ظاهره فى ذم شهادة من لا يستشهد ولم يطلب منه الشهادة، فحمله قوم على ظاهره وقالوا: فعل ذلك مذموم، والجمهور على خلافه، وأنه محمود، وأن معناها فى هذا الحديث: أن يشهد شهادة زور كاذبًا [ويحلف كاذبًا] (٢)، ألا تراه كيف قال: " ويفشو فيهم الكذب " (٣)؟ وقيل؟ يحتمل أن تكون هذه الشهادة قبل سؤالها المذمومة فى الحدود، ورفع الشاهد ذلك من قبل نفسه إلى الإمام، إذ ليس فيه حق لمسلم، وإنما فيه حق لله تعالى، وقد أمر الله تعالى بستر المسلم عورة أخيه، وألا ينتهك حرمته، وقد جاء فى الصحيح: " خير الشهود الذى يأتى بشهادته قبل أن يسألها " (٤)، وفسره مالك بالرجل يكون عنده الشهادة فى الحق تكون للرجل لا يعلمها، فيخبره بها ويرفعها إلى السلطان. قال الطحاوى - رحمه الله تعالى -: والأولى بنا أن نحمل الأحاديث على هذا التأويل حتى لا يتضاد ولا يختلف.
وقد قيل: معنى " يشهدون ولا يستشهدون ": أنها من شهادة اليمين بمعنى قوله فى الرواية الأخرى: " يحلفون ولا يستحلفون ". وقد جاء فى [تفسير] (٥) الحديث: [قال إبراهيم] (٦): " وكانوا ينهونا ونحن غلمان عن العهد والشهادات "، وفى البخارى: " كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ". وفى الرواية الأخرى: " أن يحلف بالشهادة والعهد " قالوا: معناها: الحلف بعهد الله ويشهد بالله.
стр. 4419
٢١٤ - (٢٥٣٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ، حَدَّثَنِى زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ، سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِى، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ". قَالَ عِمْرَانُ: فَلا أَدْرِى أَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً؟ " ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ
ــ
قال بعضهم: فدل أن الشهادة المذمومة هى المحلوف بها، التى يجعلها الإنسان عادته، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ (١)؛ ولأن اليمين بالعهد والشهادة من مغلظ الأيمان. قالوا: لأن فى " أشهد بالله " مقتضى القطع والعلم بما حلف عليه، والعهد لا يقدر أحد على التزامه، والقيام به.
والشهادة تأتى بمعنى اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآية (٢). وقيل: معناه: أن يحلف إذا شهد وإذا عاهد.
و" عهد الله " يمين عند مالك وأبى حنيفة والأوزاعى، نوى بها اليمين أم لا، وليست عند جماعة من السلف من التابعين يمين، إلا أن ينوى بها اليمين وهو قول الشافعى وأبى ثور وأبى عبيد.
وأما " أشهد بالله " فهى عند مالك يمين، وقال الشافعى: ليست بيمين إلا أن ينوى بها اليمين، وعنه - أيضاً - إذا قال: " أشهد " فإن لم يقل: " بالله " فهى يمين، وهو قول النخعى والثورى وأبى [حنيفة] (٣).
وكذلك عند جميعهم " أحلف " وإن لم يقل: " بالله "، ومالك لا يرى " أشهد " يميناً حتى يقول: " بالله "، وكذلك " أقسم ". ويقول فى " أحلف وأعزم ": إنه إن أراد بها " بالله " فهى يمين. واختلف [عنه] (٤) فى " أعزم " فى كتاب ابن جويز منداد، وفى " أقسم وأحلف " فى كتاب ابن شعبان.
وفى قوله: " ويفشو فيهم السمن، ويحبون السمانة " (٥) قالوا: دليل على حرص هؤلاء على الدنيا والتنعم فيها، ومحبة الأكل والشهوات.
стр. 4420
قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُتَّمَنُونَ، وَيِنْذِرُونَ وَلا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ ".
(...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِهِمْ: قَالَ: لا أَدْرِى أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً؟ وَفِى حَديِثِ شَبَابَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ، وَجَاءَنِى فِى جَاجَةٍ عَلَى فَرَسٍ فَحَدَّثَنِى أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ. وَفِى حَدِيثِ يَحْيَى وَشَبَابَةَ: " يَنْذُرُونَ وَلا يَفُونَ ". وَفِى حَدِيثِ بهز: " يُوفُونَ " كَمَا قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ.
٢١٥ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، كِلاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بَهَذَا الْحَدِيثِ: " خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ". زَادَ فِى حَدِيثِ أَبِى عَوَانَةَ قَالَ: وَاللهُ أَعْلَمُ، أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لا؟ بِمِثْلِ حَدِيثِ زَهْدَمٍ عَنْ عِمْرَانَ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ: " وَيَحْلِفُونَ وَلا يُسْتَحْلَفُونَ ".
ــ
وقوله: " وينذرون ولا يوفون ": دليل على وجوب الوفاء بالنذر ولزومه، وذم من لم يفعل ذلك. وقوله فى الرواية الأخرى: " يفون " صحيحان، يقال: وَفَّى وأوفى - وفى هذا الحديث كله دليل وعلم على نبوته ﵊ لوجود ما قاله عياناً.
وقوله فى سند هذا من طريق ابن أبى شيبة وابن مثنى وابن يسار: حدثنا شعبة، قال: سمعت أبا جمرة قال: حدثنا زهدم بن مضرب (١)، كذا ضبطناه بالجيم والراء، وجاء فى بعض النسخ عن ابن الحذاء بالحاء المهملة، وهو وهم، والصواب الأول. وهو أبو جمرة نصر بن عمران الضبعى.
стр. 4421
٢١٦ - (٢٥٣٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَشُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ - وَاللَّفَظُ لأَبِى بَكْرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ - وَهُوَ ابْنُ عَلِىٍّ الْجُعْفِىُّ - عَنْ زَائدةَ، عَنِ السُّدِّىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ الْبَهِىِّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِىَّ ﷺ : أَىُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " الْقَرْنُ اَلَّذِى أَنَا فِيهِ، ثُمَّ الثَّانِى، ثُمَّ الثَّالِثُ ".
ــ
وقوله فى الباب: عن السدى، عن عبد الله البهى (١) عن عائشة. هذا السند مما استدركه الدارقطنى (٢) على مسلم وغيره فى إدخاله، قال: وإنما روى البهى عن عروة عن عائشة.
قال القاضى: قد صححوا روايته عن عائشة وفاطمة بنت قيس، وقد ذكر البخارى (٣) روايته عن عائشة، واسمه عبد الله مولى مصعب بن الزبير، واسم أبيه يسار يكنى أبا محمد، وقيل: مولى الزبير، ونزل الكوفة.
стр. 4422
(٥٣) باب قوله ﷺ : " لا تأتى مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم "
٢١٧ - (٢٥٣٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى سَالِمُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلاَةَ الْعِشَاءِ، فِى آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: " أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأسِ مَائَةَ سَنَةٍ مِنْهَا لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ ".
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ النَّاسُ فِى مَقَالَةِ رَسُول اللهِ ﷺ تلكَ، فيَما يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِه الأَحَادِيثِ، عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ. وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ، يُرِيدُ بِذَلكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ.
(...) حدّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ. وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ. كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ. بإِسْنَادِ مَعْمَرٍ.
ــ
وقوله: " أرأيتكم هذه، فإن على رأس مائة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد"؟ تفسيره فِى الحديث، أى ممن هو اليوم حى، وهو معنى الحديث الآخر: " ما على الأرض من نفس منفوسة " أى مولودة يأتى عليها مائة سنة، وبينه قوله فى الحديث الآخر: " ما من نفس منفوسة اليوم "، وفسرها بقصر العمر، وكل نفس مخلوقة يومئذ.
وقوله فى الباب: ورواه الليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، من جملة مقطوعات مسلم الأربعة عشر، وقد نبه عليها الإمام أبو عبد الله فى هذا الموضع.
قال القاضى: وأما قوله فى الباب بعد هذا بأثر حديث عمر بن حبيب، ثم قال: وعن عبد الرحمن صاحب السقايا عن جابر بن عبد الله عن النبى ﷺ بمثل ذلك، وليس بمقطوع، وإنما هو معطوف على قول معتمر بن سليمان التميمى: سمعت أبى قال: حدثناه وأبو نضرة، ثم قال بعد تمام الحديث: وعن عبد الرحمن قائله. سليمان التميمى والد معتمر بسنده قبل.
وقوله: " فوهل الناس "، قال الإمام: وَهَل بفتح الهاء يهل وهلاً، مثل ضرب يضرب ضرباً. ومعناه: غلط. وأيضاً: الوَهْل بإسكان الهاء: أن يذهب وهمك إلى الشىء،
٢٢٠ - (٢٥٣٨) حدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَخْبَرنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، تَبْلغْ مِائَةَ سَنَةٍ ".
فَقَالَ سَالِمٌ: تَذَاكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَهُ. إِنَّمَا هِىَ كُلُّ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٍ يَوْمَئِذٍ.
ــ
الحسين " وهل " إذا ذهب وهمه إلى الشىء بالكسر] (١)، وقيدناه عليه فى غير المصنف بالفتح.
стр. 4425
(٥٤) باب تحريم سب الصحابة رضى الله عنهم
٢٢١ - (٢٥٤٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَمِيمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَسُبُّوا أَصْحَابِى، لا تَسُبُّوا أَصْحَابِى. فَوَالَّذِى نفْسى بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْركَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلا نَصِيفَهُ ".
ــ
قال الإمام: وخرج مسلم فى الفضائل أيضاً: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبى شيبة ومحمد بن العلاء، كلهم عن أبى معاوية، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تسبوا أصحابى " الحديث [هكذا] (١)، قال مسلم فى إسناده هذا الحديث عن شيوخه عن أبى هريرة، قال أبو مسعود الدمشقى، هذا وهم، والصواب: من حديث أبى معاوية عن أبى صالح عن أبى سعيد الخدرى، لا عن أبى هريرة، وكذلك رواه يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبى شيبة وأبو كريب.
وسئل الدارقطنى عن إسناد هذا الحديث فقال: يرويه الأعمش، واختلف عنه، فرواه زيد بن أبى أنيس، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة. [قال أبو مسعود عن أبى داود، عن سعيد، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، (٢) كذلك أيضاً واختلف على أبى عوانة، فرواه [عفان ويحيى بن حمادة عن أبى عوانة] (٣) عن الأعمش، وأبو كامل وشيبان عن أبى عوانة فقالوا عن أبى هريرة وأبى سعيد، وكذلك قال نصر بن على عن أبى (٤) داود الحربى عن الأعمش. وقال مسدد عن الحربى عن أبى سعيد وحده بغير شك، وهو الصواب عن الأعمش، ورواه زائدة عن عاصم عن أبى صالح عن أبى هريرة. والصحيح عن [أبى صالح] (٥) عن أبى سعيد.
قال القاضى: كان فى النسخ من المعلم فى بعض ما ذكر تغيير حياته على نصه من موضع نقله من كتاب أبى على الجيانى وأصلحناه.
قال الإمام قوله ﵊: " ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ":
стр. 4426
٢٢٢ - (٢٥٤١) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَليدِ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَىءٌ، فَسَبَّهُ خَالِدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِى، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ
ــ
العرب تسمى النصف النصيف، كما قالوا فى العشر عشير، وفى الخمس: خميس، وفى الثمن: ثمين، وفى التسع: تسيع. قال أبو زيد والأصمعى: قال أبو عبيد: واختلفوا فى السبع والسدس والربع، فمنهم من يقول: [سبع وسدس] (١) وربيع. ومنهم من لا يقول ذلك، ولا أسمع أحدًا منهم يقول فى الثلث شيئاً.
قال القاضى: يقال: نِصْف ونُصْف ونَصف ونصيف، ومعناه: نصيفه، أى نصف مدة المذكور فى الصدقة، أى أجرهم هم مضاعف لمكانهم من الصحبة، حتى لا يوازى إنفاق مثل أحد ذهبا صدقة اْحدهم بنصف مد، وما بين هذا التقدير لا يحصى.
وهذا يقتضى ما قدمناه من قول جمهور الأمة من تفضيلهم على من سواهم بتضعيف أجورهم؛ ولأن اتفاقهم كان فى وقت الحاجة والضرورة وإقامة الأمر وبدء الإسلام،، وإيثار النفس، وقلة ذات اليد ونفقة غيرهم بعد الاستغناء عن كثير منها مع سعة الحال، وكثرة ذات اليد؛ ولأن إنفاقهم كان فى نصرة ذات النبى ﵊ وحمايته، وذلك معدوم بعده، وكذلك جهادهم وأعمالهم كلها، وقد قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ﴾ الآية (٢). هذا فرق ما فيهم أنفسهم من الفضل وبينهم من البون، فكيف لمن يأتى بعدهم؟ فإن فضيلة الصحبة واللقاء ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا ينال درجتها شىء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ (٣).
وقد ذهب بعض أصحاب الحديث والنظر إلى هذا كله فى خاصة أصحابه، وجوز هذه الفضيلة لن أنفق معه وقاتل، وهاجر، ونصر، لا لمن زاره مرة ولقيه مرة من القبائل أو صحبه آخر مرة وبعد فتح مكة، واستقرار الإسلام ممن لم يقر بهجرة ولا حض بنصرة ولا اشتهر بمقام محمود فى الدين، ولا عرف باستقلال بأمر من أمور الشريعة ومنفعة المسلمين والقول الأول لظاهر الآثار أظهر، وعليه الأكثر.
وسب أصحاب النبى ﵇ وتنقصهم أو أحد منهم من الكبائر المحرمة، وقد لعن النبى ﵊ فاعل ذلك، وذكر أنه من آذاه وآذى الله فإنه لا يقبل منه صرف ولا عدل. واختلف العلماء: ما يجب عليه؟ فعند مالك ومشهور مذهبه إنما فيه
стр. 4427
لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ ".
(...) حدّثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بإِسْنَادِ جَرِيرٍ وَأَبِى مُعَاوِيَةَ. بِمِثْلِ حَدِيثهِمَا. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ شُعْبَةَ وَوَكِيعٍ ذِكْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
ــ
الاجتهاد بقدر قوله والمقول فيه [قال] (١): وليس له فى الفىء حق، وأما من قال فيهم: إنهم كانوا على ضلالة وكفر، وحكى عن سحنون مثل هذا فيمن قاله فى الأئمة الأربعة، قال: وينكل فى غيرهم. وحكى عنه: يقتل فى الجميع لقول مالك.
стр. 4428
(٥٥) باب من فضائل أويس القرنى رضى الله عنه
٢٢٣ - (٢٥٤٢) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنِى سَعِيدٌ الْجُرَيْرِىُّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ؛ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ، وَفِيهمْ رَجُلٌ مَّمِنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأوَيْسٍ. فَقَالَ عُمَرَ: هَلْ هَهُنَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَنِيِّينَ؟ فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ قَالَ: " إِنَّ رَجُلاً يَأتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، لا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَان بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا اللهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ، إِلا مَوْضِعَ الدَّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِبَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ ".
٢٢٤ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، قَالا: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ
ــ
قصة أويس القرنى هى من أعلام نبوته ﵊ وإخباره عنه بما وجد حقيقة.
ذكر مسلم فى نسبه فى الحديث: أويس بن عامر. قال الأمير أبو نصر: ويقال: ابن عمرو، قال غيره: ويكنى بأبى عمر، وقتل بصفين.
وقول النبى ﵊ للصحابة: " فمن لقيه منكم فليستغفر [لكم] (١) ": يحتج به من ذكرناه من أهل (٢) الحديث والنظر إلى أن فى التابعين والقرن الثانى من يفضل بعض من فى القرن الأول.
وقوله: " أكون فى غبراء الناس ": كذا قيدناه عن شيوخنا بفتح الغين المعجمة، وسكون الباء الموحدة ممدودة، ومعناه: ضعفاؤهم وأخلاطهم ومن لا يؤبه به منهم، يقال للفقراء: بنى غبرا، وغثرا بالناس أيضاً مثلثة مثله عامتهم وجهلتهم. والغثرة والغبرة واحد بمعنى الجهالة. ورواه بعض [من] (٣) رواة مسلم: " غبر للناس " بضم الغين وتشديد الباء الموحدة أى بقاياهم.، والأول أوجه وأصح معنى. وقال أبو على القالى: غبراء الناس: الصعاليك.
قال الإمام: و" قرن " بفتح القاف والراء: حى من مراد، وهو قرن بن رومان بن ناجية بن مراد. قال الكلبى: ومراد اسم لجابر بن مالك بن أرد بن محب بن يعرب بن زيد
стр. 4429
مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهْوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنْ عُمَرَ ابن الْخَطَّابِ قَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ ".
٢٢٥ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثنَا - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ. فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِر؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرِأتَ مِنْهُ إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نعَمْ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يَأتِى عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْل الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ " فَاسْتَغْفِرْ لِى. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ.
ــ
ابن كهلان بن سبأ.
قال القاضى: وقوله: " وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس ": أى يستحقره ويستهزئ به. وكذلك قول الآخر: " تركته رث الهيئة قليل المتاع " كله دليل على احتقار أويس نفسه وستره أمره.
وقول النبى ﵊ فيه: " له والدة، هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره ": إشارة إلى إجابة دعوته وعظيم مكانته عند ربه، وأنه لا يخيب أمله فيه، ولا يكذب ظنه به، ولا يرد دعوته ورغبته وعزيمته وقسمه فى سؤاله بصدق توكله عليه وتفويضه إليه، وقيل: معنى " أقسم على الله ": وعى، و" أبره " أجابه، وفيه فضل بر الوالدين، وعظيم أجر البر بهما.
وقوله فى آخر خبره: " ففطن له الناس، فانطلق على وجهه ": أى أخفى أمر نفسه لئلا يشتهر مخافة الفتنة.
(٥٦) باب وصية النبى ﷺ بأهل مصر
٢٢٦ - (٢٥٤٣) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَرْمَلَةُ. ح وَحَدَّثَنِى هَارُون بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ - وَهُوَ ابْنُ عِمَرَانَ التُّجِيبِىُّ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شمَاسَةَ الْمَهْرِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ فِى مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا ".
قَالَ: فَمَرَّ بِرَبِيَعَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَىْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ، يَتَنَازَعَانِ فِى مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجَ مِنْهَا.
٢٢٧ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالا. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَريِرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِىَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَمَاسَةَ، عَنْ أَبِى بَصْرَةَ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهىَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِها، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا " أَوْ قَالَ: " ذِمَّةً وَصِهْرًا، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِى مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَاخْرُجْ مِنْهَا ".
ــ
قوله: " وستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط ": يريد مصر. والقيراط: وزن من أوزان الأشياء، وهو هنا بعض الدرهم.
وقوله: " فإن لهم ذمةً ورحماً " أو قال: " صهراً ": فأما الذمة، فيحتمل أن الذمام للرحم وللصهر الذى ذكر، ويحتمل أنه أراد ذمة العهد التى دخلوا بها فى ذمة الإسلام أيام عمر، فإن مصر فتحت صلحاً إلا الأسكندرية. وقد تكون الذمة من الذمام للصهر والرحم المذكور فى الحديث.
فأما الرحم، فيكون هاجر أم إسماعيل ﵇ أبى العرب منهم. وأما الصهر، فيكون مارية أم إبراهيم، ولد النبى ﵇ منهم، قاله الزهرى.
وفى هذا الحديث أعلام من نبوته ثلاثة وجدت كلها، منها افتتاحها، ومنها إعطاء أهلها العهد، ودخولهم فى الذمة، ومنها قوله: " فإذا رأيتم رجلين يختصمان فى لبنة
стр. 4432
قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ، يَخْتَصِمَانِ فِى مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجْتُ مِنْهَا.
ــ
فاخرج منها " فكان ذلك.
ومعنى قوله فى الرواية الأخرى: " يقتتلان ": أى يختصمان كما قال فى الأخرى.
وقوله فى سند الحديث: عن عبد الرحمن بن شماسة (١)، عن أبى بصرة عن أبى ذر، كذا لهم بياء بواحدة وصاد مهملة وهو الصواب. وعند العذرى: عن أبى نضرة، بنون وضاد معجمة، وهو خطأ.
стр. 4433
(٥٧) باب فضل أهل عمان
٢٢٨ - (٢٥٤٤) حدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِىُّ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِى الْوَازِعِ جَابِرِ بْنِ عَمْرٍو الرَّاسِبِىِّ، سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً إِلَى حَىٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَسَبُّوهُ وَضَرَبُوهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ، مَا سَبُّوكَ وَلاَ ضَرَبُوكَ ".
ــ
وقوله: " لو أن أهل عُمَان أتيت ما سبوك ولا ضربوك " (١): بفتح العين وتشديد الميم ضبطنا هنا هذا الحرف على القاضى الشهيد، وقيدناه عن غيره بضم العين وتخفيف الميم، وهما " بلدان " قد ذكرناهما فى حديث الحوض.
стр. 4434
(٥٨) باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها
٢٢٩ - (٢٥٤٥) حدّثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِىَّ - أَخْبَرَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِى نَوْفَلٍ، رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ، حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ. أَمَا وَاللهِ، لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا. أَمَا وَاللهِ، لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا. أَمَا وَاللهِ، لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا. أَمَا وَاللهِ، إِنْ كُنْتَ، مَا عَلِمْتُ، صَوَّامًا، قَوَّامًا، وَصُولاً لِلرَّحِمِ. أَمَا وَاللهِ، لأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لأُمَّةٌ خَيْرٌ.
ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسلَ إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، فَأُلْقِىَ فِى قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَأتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ: لَتَأتِيَنِّى أَوْ لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ. قَالَ: فَأَبَتْ
ــ
وقول ابن عمر فى حديث ابن الزبير: " السلام عليك أبا خبيب ": هى كنية عبد الله ابن الزبير، بخاء معجمة مضمومة، هى إحدى كناه، كنى بابن خبيب، وكان أكبر ولده، ويكن أيضاً بأبى بكر، وقال أبو أحمد الحافظ: أبو بكير. وقد ذكر البخارى فى تاريخه (١) كناه الثلاث.
فيه جواز السلام على الموتى وشبهه، وقد مضى هذا فى الطهارة، والجنائز، وثناؤه عليه لما علمه منه فى جواز الثناء على الميت بما يعلم منه من خير.
وقوله فيه: " وصولاً للرحم ": أصح من قول من بخله ونسبه لذلك من أصحاب الأخبار، لإمساكه مال الله عمن لا يستحق، وقد عده صاحب كتاب الأجواد فيهم، وهو الذى يشبه أفعاله وشيمته، وفيه قول ابن عمر للحق، وقلة خوفه من الحجاج وهو يعلم أنه سيبلغه مقامه كما (٢) بلغه، كما جاء فى الحديث. وأنه لم يصده بسطوة الحجاج عن شهادته بالحق وقوله؛ ليبين للناس أنه مظلوم، ويكذب وصف الحجاج وأصحابه له بعدو الله وبالكافر والمحل، وغير ذلك مما كانوا يصفونه به.
стр. 4435
وَقَالَتْ: وَاللهِ لا آتيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَىَّ مَنْ يَسْحَبُنِى بِقُرُونِى. قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِى سِبْتَىَّ. فَأَخَذَ نَعْلَيَهِ، ثَمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِى صَنَعْتُ بعَدُوِّ اللهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وأَفْسَدَ علَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلغَنِى أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ. أَنَا وَاللهِ، ذَاتُ النِّطَاقَيْن. أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَطَعَامَ أَبِى بَكْر مِنَ الدَّوَابِّ. وَأَمَّا الآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِى لا تَسْتَغْنِى عَنْهُ. أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّثَنَا " أَنَّ فِى ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا "، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلا إِخَالُكَ إِلاَّ إِيَّاهُ. قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا.
ــ
قوله: " لأُمَّة أنت شرها لأُمَّة خيار " ويروى: " خير ": يريد ما كانوا يصفونه به. وفى رواية السمرقندى: " لأمة سوء ". وهو خطأ وتصحيف.
وقوله: " من يسحبك بقرونك ": أى يجرك بشعر رأسك.
وقوله: " أرونى سِبتى ": أى نعلى، بكسر السبن، وهى النعال التى لا شعر عليها، وقد مضى تفسيرها فى الحج بأشبع من هذا والخلاف فيها.
قال الإمام: وقوله: " فانطلق يتوذف ": قال أبو عبيد: معناه: يسرع. والتوذف الإسراع. وقال أبو عمرو: هو التبختر.
قال القاضى: حكى ابن السكيت عن أبى عمرو أنها مشية فيها تقارب وتبجح وهو قريب مما تقدم، قال: يقال منه: ذاف يذوف، وإنما يصح يذوف منه على القلب.
وقول أسماء فى تفسير: " ذات النطاقين " ما قالته فى الحديث من أن أحدهما: الذى أرفع فيه طعام رسول الله ﷺ واْبى بكر، والثانى: نطاق المرأة. وقد وقع مفسراً أبين من هذا فى البخارى (١) وغيره (٢). وأنها لما صنعت سفرة رسول الله ﷺ وأبى بكر حين هاجرا شقت نطاقها بنصفين، فربطت السفرة بأحدهما وانتطقت بالآخر.
وقولها: " إن فى ثقيف كذابًا ومبيرًا، أما الكذاب فرأيناه ": تعنى المختار بن أبى عبيد، " وأما المبير فإخالك هو ": تريد لكثرة قتله. والمبير: المهلك. والبوار: الهلاك، وفيها تأول الناس الحديث. وبذلك فسره أبو عيسى الترمذى (٣).
(٦٠) باب قوله ﷺ : " الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة "
٢٣٢ - (٢٥٤٧) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظ لِمُحَمَّدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ، لا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً ".
ــ
قوله: " تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة "، قال الإمام: قال القتبى: الراحلة: [هى التى] (١) يختارها الرجل لمركبه، ورحله على النجابة، وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت فى جماعة الإبل عرفت. يقول: فالناس متساوون ليس لأحد منهم فضل فى النسب؛ ولكنهم أشباه كإبل مائة ليس فيها راحلة. قال الأزهرى: الراحلة عند العرب تكون للجمل النجيب، والناقة النجيبة، والهاء فيها للمبالغة، كما يقال: رجل داهية ونسَّابة، قال: وليس المعنى الذى ذهب إليه ابن قتيبة من التساوى فى النسب [شىء] (٢)، والمعنى عندى: أنه أراد ﵊ أن الزهد فى النادر القليل من الناس، والكامل منهم فى الزهد فى الدنيا والرغبة فى الآخرة قليل. قال: والراحلة سميت بذلك لأنها ترحل، فهى فاعلة بمعنى مفعولة، كعيشة راضية، أى مرضية، وماء دافق، [أى] (٣) مدفوق.
стр. 4438
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٥ - كِتَاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ
(١) بَاب بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ بِهِ
١ - (٢٥٤٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفٍ الثَّقَفِىُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِى؟ قَالَ: " أُمُّكَ ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " ثُمَّ أُمُّكَ ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " ثُمَّ أُمُّكَ ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " ثُمَّ أَبُوكَ ".
وَفِى حَدِيثِ قُتَيْبَةَ: مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِى؟ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّاسَ.
٢ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ
ــ
قال القاضى: قوله للذى قال له: من أحق الناس بحسن صحابتى؟ قال: " أمك ". قَالَ: ثم من؟ قال: " أمك " قالها ثلاثًا، قال ثم [من] (١)؟ قال: " أبوك، ثم أدناك فأدناك " لكنه تأكيد حق الأم وأمانة مبرتها على مبرة الأب؛ لكثرة تكلفها له من الحمل، ومشقة الوضع، ومعاناة الرضاع والتربية، ثم الأب ثم تنزيل ذلك فى القرابة على الأقرب فالأقرب.
وفيه تنزيل الناس منازلهم، وأن يوفى كل أحد حقه على قدر قرباه وحرمته ورحمه. وقد اختلف العلماء فيما بين الأب والأم، فقيل: يجب أن يكون برهما سواء، وتأول أن هذا اختيار مالك، ومذهبه، وروى الليث أن حق الأم آكد، وأن لها ثلثى البر. وذكر المحاسبى أن تفضيل الأم على الأب فى البر إجماع العلماء. ولا خلاف أن الآباء والأمهات آكد حرمة فى البر ممن عداهما.
وتردد بعضهم بين الأجداد والإخوة لقوله: " ثم أدناك فأدناك ". قال الإمام أبو بكر الطرطوشى: ولم أجد نصًا للعلماء فى الأجداد، والذى عندى أنهم لا يبلغون مبلغ الآباء، واستدل سلف اسم الأبوة عنهم فى الحقيقة، ولقوله تعالى: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا﴾ (٢)،
стр. 4439
أَبِيهِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: " أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ ".
٣ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عُمَارَةَ وَابْنِ شُبْرُمَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ: وَزَادَ: فَقَالَ: " نَعَمْ، وَأَبِيكَ، لَتُنَبَّأَنَّ ".
٤ - (...) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ح وحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
فِى حَدِيثِ وُهَيْبٍ: مَنْ أَبَرُّ؟ وَفِى حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ: أَىُّ النَّاسِ أَحَقُّ مِنِّى بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ.
٥ - (٢٥٤٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ
ــ
ولو كان حكم الأجداد حكم الآباء لقاله بلفظ الجمع، ولقوله: " أمك، ثم أباك فأدناك "، وفى حديث آخر: " أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك، ثم أدناك فأدناك ". قال: فتقبل ﵊ الجواب ورتب الإخوة بعد الآباء.
واحتج أيضًا بقوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١)، قال: والتربية لا تكون إلا للوالدين.
قال القاضى: والذى عندى خلاف ما ذهب إليه كله، والمعروف من قول مالك - ومن وافقه من أهل العلم من أصحابه وغيرهم - لزوم بر الأجداد، وتقديمهم وقربهم من بر الآباء. وقد رأى مالك وأصحابه أنه لا يقتص من الجد فى ابن ابنه إلا أن يفعل به مالا يشك في قصده قتله كالأب سواء. وكذلك قالوا فى الجهاد بغير إذنهما لا يجوز كالآباء.
وكذلك اختلفوا فى تغليظ الدية عليه فى عمد قتله، وفى قطعهم فى السرقة من مال فقرائهم.
وأما الحديث الذى احتج به من قوله: " أمك وأباك، وأختك وأخاك ومولاك " فهو
стр. 4440
الْقَطَّانَ - عَنْ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِى الْجِهَادِ. فَقَالَ: " أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ".
(...) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبٍ، سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
قَالَ مُسْلِم: أَبُو الْعَبَّاسِ اسْمُهُ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ الْمَكِّىُّ.
٦ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ. ح وحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ. ح وحَدَّثَنِى الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ الْجُعْفِىُّ، عَنْ زَائِدَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ، جَمِيعًا عَنْ حَبِيبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(...) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ؛ أَنَّ نَاعِمًا - مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ - حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
ــ
حجة عليه؛ لأنه لما لم يذكر الأجداد وقد ذكر الموالى، دل أنهم داخلون في عموم الآباء.
قوله ﵇ للذى قال له: أبايعك على الهجرة والجهاد، وقوله له: " أبتغى الأجر؟ ارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما "، وفى الحديث الآخر: " وفيهما (١) فجاهد ": يحتمل أن هذا كان بعد الفتح وسقوط فرض الهجرة والجهاد، وظهور الدين، أو كان ذلك من الأعراب وغيره كانت تجب عليه الهجرة، فرجح بر والديه (٢) وعظيم حقهما، وكثرة الأجر على برهما، وأن ذلك أفضل من الجهاد، وحسبك بهذا، ولم ير أهل العلم الجهاد إلا بإذنهما.
واختلف إذا كانا مشركين. فقال الثورى: هما كالمسلمين. وقال الشافعى: له الغزو بغير إذنهما. قال أهل العلم: وهذا ما لم يتعين فرضه ويلزم النفير. وهذا لا إذن فيه لهما. ولا خلاف فى وجوب بر الوالدين وأن عقوقهما من الكبائر. وقد مرَّ منه أول الكتاب.
وقوله فى الباب حديث أبى كريب: أنبأنا ابن بشر عن مسعر. كذا لهم، وفى كتاب
стр. 4441
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِىِّ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِى الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ. قَالَ: " فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَىٌّ؟ ". قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا. قَالَ: " فَتَبْتَغِى الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا ".
ــ
بشر بن أبى على عن العذرى: حدثنا ابن يونس، وهو وهم وغلط. وابن بشر هذا هو محمد بن بشر بن الفرافضة أبو عبد الله العبدى، من عبد قيس كوفى، خرج عنه البخارى ومسلم.
стр. 4442
(٢) بَاب تَقْدِيمِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا
٧ - (٢٥٥٠) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِى صَوْمَعَةٍ. فَجَاءَتْ أُمُّهُ.
قَالَ حُمَيْدٌ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِى هُرَيْرَةَ لِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ، كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، أَنَا أُمُّكَ، كَلِّمْنِى. فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّى. فَقَالَ: اللَّهُمَّ، أُمِّى وَصَلَاتِى. فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ. فَرَجَعَتْ ثُمَّ عَادَتْ فِى الثَّانِيَةِ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، أَنَا أُمُّكَ، فَكَلِّمْنِي. قَالَ: اللَّهُمَّ، أُمِّى وَصَلَاتِى. فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ. فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ، إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ، وَهُوَ ابْنِى، وَإِنِّى كَلَّمْتُهُ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِى. اللَّهُمَّ، فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ.
ــ
قوله: وذكر مسلم حديث جريج العابد وأن أمه دعته ليكلمها وهو يصلى، فلم يقطع صلاته، وأنها فعلت ذلك ثلاثة أيام، فدعت عليه، قال الإمام: ذكر أنها دعت عليه [أنه] (١) لا يموت حتى تريه المومسات. قال: " ولو دعت عليه أن يفتن لفتن ". وهذا مما ينبغى أن يتأصل؛ لأنه إن كان تماديه على الصلاة هو أولى من إجابة أمه، فإنه غير عاصٍ فى فعله، ولا ملوم فكيف تدعو عليه فيستجاب دعوتها فيه، وهو لم يظلمها، وإن كان عنده أنَّ قطع الصلاة هو الواجب فى شرعه، فحينئذ يكون ملومًا. على أن قوله: " اللهم أمى وصلاتى " يؤذن بتردده فى هذا، وإنه لم يكن ذلك عنده شرعًا بينًا، ولعل أمه تأولت أنه عقها؛ فدعت عليه فوافق القدر.
وكذلك قوله ﵊: " لو دعت عليه أن يفتتن لفتن " يكون ذلك بمعنى أنه كان سبق فى معلوم الله تعالى أن يفتن بدعائها، إلا أن يكون عاصيًا بالتمادى فلا يحتاج ذلك إلى اعتذار.
وهذا الحديث على صحته يؤكد قول الأشعرية فى إثبات كرامات الأولياء. وانخراق العادة لهم.
стр. 4443
قَالَ: وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ.
قَالَ: وَكَانَ رَاعِى ضَأْنٍ يَأْوِى إِلَى دَيْرِهِ. قَالَ: فَخَرَجَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْقَرْيَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِى، فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا. فَقِيلَ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: مِنْ صَاحِبِ هَذَا الدَّيْرِ. قَالَ: فَجَاؤُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلِّى، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ. قَالَ: فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ. فَقَالُوا لَهُ: سَلْ هَذِهِ. قَالَ: فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِىِّ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَبِى رَاعِى الضَّأْنِ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ قَالُوا: نَبْنِى مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَابًا كَمَا كَانَ. ثُمَّ عَلَاهُ.
٨ - (...) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَمْ يَتَكَلَّمْ فِى الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. فَقَالَ: يَارَبِّ، أُمِّى وَصَلَاتِى. فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّى. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. فَقَالَ: يَارَبِّ، أُمِّى وَصَلَاتِى. فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ. فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّى. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. فَقَالَ: أَىْ رَبِّ، أُمِّى وَصَلَاتِى. فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ. فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ، لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا
ــ
قال القاضى: ليس فى الحديث أنه كان فى فريضة من صلاته، أو لعل شرعهم كان لا يحل فيه قطع النافلة لشىء من الأشياء، ودليله قوله: " أمى وصلاتى "، وظاهره عندى تقابل الفرضين عنده من إيثار الصلاة. وقد كان يقدر على تخفيف ذلك وإجابتها لو لم يكن كلامها، لكنه لعله خشى أن يدعوه إلى النزول عن صومعته وكونه معها. أو خشى أن مفاتحتها بالكلام تسبب الأنس لغير من انقطع له، ويحل عزمه ويضعف عقده فيما التزمه. ولعل شرعه كان حينئذ يوافق ذلك أو يخالفه.
ولا شك عندنا أن بر أمه فرض [والعزلة] (١) وصلوات النوافل طول نهاره وليله ليست بفرض، والفرض مقدم. ولعله غلط فى إيثار صلاته وعزلته على إجابة أمه، فكذلك
стр. 4444
وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِىٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا. فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ. قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا. فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِى إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ. فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِىِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ. فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِىُّ؟ فَجَاؤُوا بِهِ. فَقَالَ: دَعُونِى حَتَّى أُصَلِّىَ. فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِىَّ فَطَعَنَ فِى بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِى. قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ. وَقَالُوا: نَبْنِى لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا.
وَبَيْنَا صَبِىٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ، وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ. فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ، اجْعَلْ ابْنِى مِثْلَ هَذَا. فَتَرَكَ الثَّدْىَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، لَا تَجْعَلْنِى مِثْلَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ.
قَالَ: فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَحْكِى ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِى
ــ
أجاب الله دعوتها فيه عقاباً له.
وقوله: " ديره ": الديرة: كنائس ينقطع فيها عباد النصارى، وهو نحو من قوله: " صومعته "، والصومعة: منارة للرهبان، ينفردون فيها وينقطعون عن الوصول إليهم والدخول عليهم. والمومسات: الفواجر مجاهرة، واحدها مومسة، ويجمع مياميس أيضًا.
وقوله: " امرأة يتمثل بحسنها ": أى يضرب به المثل.
وقولهم: " نبنى لك صومعتك بالذهب والفضة. قال: لا، ولكن أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا ": احتج به من يرى أن فى المتلفات كلها أمثالها، وأن من هدم حائطًا فعليه بناء مثله، وهو مذهب الكوفيين والشافعى وأبى ثور فى الحائط. وفى العتبية عن مالك مثله. ومذهب أهل الظاهر فى كل متلف. هذا ومشهور مذهب مالك وأصحابه، وجماعة من العلماء إلى أن فيه وفى سائر المتلفات المضمونات القيمة، إلا ما يرجع إلى الوزن والكيل.
ولا حجة لأولئك بهذا الحديث؛ لأنه فى شرع غيرنا، وليس فيه أن نبينا أمر بذلك. ولعله بتراضيهما، ألا ترى قولهم: " نبنيها لك بالذهب ": وهذا كان من طيب أنفسهم،
стр. 4445
فَمِهِ، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا.
قَالَ: وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ. وَهِىَ تَقُولُ: حَسْبِىَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ، لَا تَجْعَلْ ابْنِى مِثْلَهَا. فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، اجْعَلْنِى مِثْلَهَا. فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ. فَقَالَتْ: حَلْقَى، مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ، اجْعَلْ ابْنِى مِثْلَهُ. فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ، لَا تَجْعَلْنِى مِثْلَهُ. وَمَرُّوا بِهَذِهِ الْأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ، لَا تَجْعَلْ ابْنِى مِثْلَهَا. فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ، اجْعَلْنِى مِثْلَهَا.
ــ
وكذلك بناؤها بالطين. واحتج بعضهم به على المطالبة بالدعوة ولا دليل فيه؛ إذ لم [يطلب] (١) بذلك نبى ولا من يقتدى به، ولو كان ذلك لعله فى شرع غيرنا.
والظاهر من الحديث ظلم جميعهم له أولاً، وأن من سعى فى ذلك لم يكن ممن يتقى الله، فلا حجة فيه، ألا ترى كيف قالت لهم البغى: " إن شئتم لأفتننه لكم " فلم ينكروا عليها، ومثل هذا لا يرضاه ذو دين فى أحد من الناس، ولا يحل له المساعدة عليه، فكيف فى عابد متبتل، ألا تراهم كيف بادروا إلى تصديقها وضربوه وآذوه ولم يسمعوا قوله حتى أراهم الآية!
ولو ادعت امرأة مثل هذا عندنا على أحد من المسلمين حدت له؛ للقذف ولزناها، ولم يقبل منها دعواها، ولم يلحقه تبعة بقولها، إلا أن تأتى به متعلقة تدمى مستغيثة لأول حالها، وكان ممن لم يشهر بخير ولا عرف بزنا. وأما إن جاءت متعلقة بمن لا يليق به ذلك فلا شىء عليه.
واختلف عندنا فى حدها لقذفه، فقيل: تحد. وقيل: لا تحد لما بلغت من فضيحة نفسها، ولا حد عليها للزنا. ولبعض أصحابنا فى المشتهرة بذلك - مثل صاحبة جريج - أنها تحد للزنا على كل حال، ولا تصدق بتعلقها وفضيحتها نفسها؛ لأنها لم تزل مفتضحة بحالها وهذا صحيح بيّن فى النظر.
[وفى] (٢) حديث جريج استنقاذ الله عباده الصالحين من أيدى ظلمتهم بآية يظهرها لهم. وفيه أن الكرامات تأتى باختيار الأولياء وطلبهم لها، خلاف مقالة من قال: إنها تكون على غير الاختيار.
واختلف شيوخنا، هل يصح أن يأتى التحدى على الولاية؟ فمنعه بعضهم لإختصاص التحدى بالنبوة، وأجازه آخرون. والصحيح جوازه؛ لأن التحدى الذى هو من شرط آية
стр. 4446
قَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِى مِثْلَهُ. وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيْتِ، وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتِ، وَلَمْ تَسْرِقْ. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ، اجْعَلْنِى مِثْلَهَا.
ــ
النبوة إنما هو تحدٍّ على النبوة، وهذا إنما هو تحدٍّ على الولاية، [فلا يشبهه] (١) فى ذلك، وكلّ مختص ببابه.
وفيه إن الكرامات تجرى على أيدى الأولياء بخرق العادات وغيرها، فى أمتنا وغيرها خلافًا لمن ذهب من شيوخنا أنها لا تصح فى أمتنا منها ما كان من خرق العادات وقلب الأعيان، وإنما يصح فى مثلها إجابة الدعوة، وأن زمن بنى إسرائيل كان زمن خرق عادة وأيام نبوة ولا نبى بعد محمد و [هذا] (٢) ولا تحقيق ورائه.
وفيه إجابة دعوة الآباء والأمهات، وتشديد الحذر من ذلك، ومن سخطهم.
وفى هذا الحديث فى كتاب البخارى: " فتوضأ وصلى " (٣). ففيه حجة أن الوضوء كان فى غير هذه الأمة. ورد على من ذهب إلى أنه مختص بها، وتصحيح لتأويل اختصاصهم بالغرة والتحجيل به دون غيرهم، وقد بيناه فى كتاب الوضوء.
قوله: " مر راكب على دابة فارهة وشارة حسنة "، قال الإمام: الشارة: الهيئة واللباس، يقال: ما أحسن ثوار (٤) الرجل وشارته، أى لباسه وهيئته. قال ابن الأعرابى: الشورة: الجمال بضم الشين. والشورة بالفتح: الخجل.
وقوله: " حلقى " مر تفسيره فى الحج.
قال القاضى: الشوار هنا بالفتح كما يفسر، وأما الشورة: الجمال، بالفتح والضم معًا. وشوار البيت: متاعه بالكسر، وشوار الرجل: مذاكيره بالفتح.
وفى تمثيل النبى رضاع الصبى ودعاء أم جريج له، جواز حكايات الأحوال؛ إذ لم يكن على طريق السخرية والمجون، وكان لبيان علم وزيادة فائدة.
стр. 4447
(٣) بَاب رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ فَلَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ
٩ - (٢٥٥١) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ". قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، فَلَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ ".
١٠ - (...) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ". قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ ".
(...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِى سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَغِمَ أَنْفُهُ " ثَلَاثًا. ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ.
ــ
وقوله: " رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما، فلم يدخل الجنة ": فيه فضل البر وعظيم أجره، وأن برهما يدخله الجنة. فمن فاته ذلك وقصر فيه فقد فاته خير كثير.
وظاهره أن برهما مكفر لكبير (١) من السيئات وراجح بها، وأنه لا يمنعه دخول الجنة إلا التقصير فى حقهما، أو التكثير من الكبائر التى ترجح برهما فى ميزانه، لاسيما [إذا] (٢) أدركهما عند الكبر، وضعفا عن الكسب والتصرف، واحتاجا إلى خدمتهما والقيام عليهما.
قال الإمام: " رغم أنف ": أى ذل. قال ابن الأنبارى: الرغم: كل ما أصاب الأنف مما يؤذيه، وقال ابن الأعرابى وأبو عمرو: " رغم أنفه ": أى لصق بالرغام، وهو تراب مختلط برمل. والرغم أيضًا: المساءة والغضب. يقال: فعلت ذلك على رغم فلان، أى [على] (٣) غضبته ومساءته.
قال القاضى: ويقال: رغم معناه: كره، وقيل: ذل وخزى. ويقال: رغم أنفه، بالكسر والفتح، وهو الرَّغم والرُّغم والرِّغم بالفتح والضم والكسر.
إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ. فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِىٌّ. فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا. وَالْعِمَامَةَ، قَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِىَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ! فَقَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ مِنْ أَبَرَّ الْبِرِّ، صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وِدِّ أَبِيهِ، بَعْدَ أَنْ يُوَلِّىَ "، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ.
ــ
وقد قدمنا نحن الكلام على مقتضى قوله: " من راح " واختلاف المذهب فيه فى موضعه من الكتاب.
قال القاضى: الأشبه عندى فى هذا الموضع أن يكون من الاستراحة، ألا تراه كيف قال: " إذا مثل ركوب الراحلة "؟ وأنه يستريح بتبديل مركبه، وهذا موجود معلوم. والراحة والروح والرواح بمعنى. قاله صاحب العين والجمهرة.
وقوله " إن أبر البر، صلة الرجل أهل ود أبيه ": هو مما تقدم، والصلة واللطف والتحفى أحد معانى البر على ما تقدم. ومن أبر البر الوفاء لمن يلزم بره بصلة من كان يبره. هو كما قال ﵇ في خبر خليلة خديجة: " إن حسن العهد من الإيمان " (١)، وفى الرواية الأخرى: " أن يصل ود أبيه "، [بضم الواو] (٢)، أى وداده.
стр. 4450
(٥) بَاب تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ
١٤ - (٢٥٥٣) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِىِّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فَقَالَ: " الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِى صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ".
١٥ - (...) حَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ صَالِحٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ، قَالَ: أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً، مَا يَمْنَعُنِى مِنْ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ. كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَىْءٍ. قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْبِرِّ
ــ
قوله: عن النواس بن سمعان الأنصارى، كذا فى النسخ كلها فى هذا الحديث، وقد جاء فى غير هذا الموضع " الكلائى ". قال الحافظ أبو على الجيانى: هذا وهم، وصوابه الكلابى.
قال الإمام: المشهور فى نسب بن سمعان " الكلابى "، إلا أن يكون حليفًا للأنصار، وهو النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قريط بن عبد الله بن أبى بكر بن كلاب، كذا نسب العلائى عن يحيى بن معين.
وقوله: " ما حاك فى صدرك ": قال الليث: الحيك: أخذ القول قلبك، يقال: ما يحيك القول فى فلان، ولا يحيك الفأس والقدوم فى هذه [الشجرة] (١). قال شمر: الكلام الحائك: الراسخ فى القلب.
قال القاضى: قيل: معنى " ما حاك ": رسخ، وقيل: تحرك. وقال الحربى: هو ما يقع (٢) فى القلب، ولا ينشرح له الصدر، ويخاف فيه الإثم. كذا الرواية: حاك يحيك، ويقال: حك يحك، واحتك يحتك. قال الخليل: والحكاكات المآثم، وما حاك كلامك فى فلان: أى ما يحصل ولا أثر. و " أحاك " لغة، قالها صاحب العين، وأنكرها ابن دريد. وقال أبو عبيد: " الإثم ما حك فى صدرك " يقال: حك الشىء فى صدرى، أى لم ينشرح به، وبقى فى قلبك منه شىء. وقال بعضهم: حاك ورسخ وحك: وقع ولم