← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

قَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِى مِثْلَهُ. وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيْتِ، وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتِ، وَلَمْ تَسْرِقْ. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ، اجْعَلْنِى مِثْلَهَا. ــ النبوة إنما هو تحدٍّ على النبوة، وهذا إنما هو تحدٍّ على الولاية، [فلا يشبهه] (١) فى ذلك، وكلّ مختص ببابه. وفيه إن الكرامات تجرى على أيدى الأولياء بخرق العادات وغيرها، فى أمتنا وغيرها خلافًا لمن ذهب من شيوخنا أنها لا تصح فى أمتنا منها ما كان من خرق العادات وقلب الأعيان، وإنما يصح فى مثلها إجابة الدعوة، وأن زمن بنى إسرائيل كان زمن خرق عادة وأيام نبوة ولا نبى بعد محمد و [هذا] (٢) ولا تحقيق ورائه. وفيه إجابة دعوة الآباء والأمهات، وتشديد الحذر من ذلك، ومن سخطهم. وفى هذا الحديث فى كتاب البخارى: " فتوضأ وصلى " (٣). ففيه حجة أن الوضوء كان فى غير هذه الأمة. ورد على من ذهب إلى أنه مختص بها، وتصحيح لتأويل اختصاصهم بالغرة والتحجيل به دون غيرهم، وقد بيناه فى كتاب الوضوء. قوله: " مر راكب على دابة فارهة وشارة حسنة "، قال الإمام: الشارة: الهيئة واللباس، يقال: ما أحسن ثوار (٤) الرجل وشارته، أى لباسه وهيئته. قال ابن الأعرابى: الشورة: الجمال بضم الشين. والشورة بالفتح: الخجل. وقوله: " حلقى " مر تفسيره فى الحج. قال القاضى: الشوار هنا بالفتح كما يفسر، وأما الشورة: الجمال، بالفتح والضم معًا. وشوار البيت: متاعه بالكسر، وشوار الرجل: مذاكيره بالفتح. وفى تمثيل النبى رضاع الصبى ودعاء أم جريج له، جواز حكايات الأحوال؛ إذ لم يكن على طريق السخرية والمجون، وكان لبيان علم وزيادة فائدة.

стр. 4447

(٣) بَاب رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ فَلَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ ٩ - (٢٥٥١) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ ". قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، فَلَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ ". ١٠ - (...) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ". قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ ". (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِى سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَغِمَ أَنْفُهُ " ثَلَاثًا. ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ. ــ وقوله: " رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما، فلم يدخل الجنة ": فيه فضل البر وعظيم أجره، وأن برهما يدخله الجنة. فمن فاته ذلك وقصر فيه فقد فاته خير كثير. وظاهره أن برهما مكفر لكبير (١) من السيئات وراجح بها، وأنه لا يمنعه دخول الجنة إلا التقصير فى حقهما، أو التكثير من الكبائر التى ترجح برهما فى ميزانه، لاسيما [إذا] (٢) أدركهما عند الكبر، وضعفا عن الكسب والتصرف، واحتاجا إلى خدمتهما والقيام عليهما. قال الإمام: " رغم أنف ": أى ذل. قال ابن الأنبارى: الرغم: كل ما أصاب الأنف مما يؤذيه، وقال ابن الأعرابى وأبو عمرو: " رغم أنفه ": أى لصق بالرغام، وهو تراب مختلط برمل. والرغم أيضًا: المساءة والغضب. يقال: فعلت ذلك على رغم فلان، أى [على] (٣) غضبته ومساءته. قال القاضى: ويقال: رغم معناه: كره، وقيل: ذل وخزى. ويقال: رغم أنفه، بالكسر والفتح، وهو الرَّغم والرُّغم والرِّغم بالفتح والضم والكسر.

стр. 4448

(٤) بَاب فَضْلِ صِلَةِ أَصْدِقَاءِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَنَحْوِهِمَا ١١ - (٢٥٥٢) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِى الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ! إِنَّهُمْ الْأَعْرَابُ وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ، صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ ". ١٢ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " أَبَرُّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ ". ١٣ - (...) حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، ــ وقوله: " إن أبا هذا كان ودّاً لعمر ": رويناه بالكسر والضم. يقال: هو ود [بالكسر] (١) و " ود " بدل، أى ذو مودة، مثل حبة وحبيبة. والوِد، والوَد كله مصدر ووددت الرجل، ومثله مودة مودودة، وودادة، وودادًا ودادٍ. وقوله: " كان له حمار يتروح عليه إذا ملَّ ركوب الراحلة " بالراء والحاء المهملة، قال الإمام: أى يسير عليه، يقال: تروح القوم: إذا ساروا أىّ وقت كان. وفى الحديث: " من راح إلى الجمعة " (٢)، أى من خف إليها. ولم يرد " رواح النهار ". وهكذا قال الهروى،

стр. 4449

إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ. فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِىٌّ. فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا. وَالْعِمَامَةَ، قَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِىَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ! فَقَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ مِنْ أَبَرَّ الْبِرِّ، صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وِدِّ أَبِيهِ، بَعْدَ أَنْ يُوَلِّىَ "، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ. ــ وقد قدمنا نحن الكلام على مقتضى قوله: " من راح " واختلاف المذهب فيه فى موضعه من الكتاب. قال القاضى: الأشبه عندى فى هذا الموضع أن يكون من الاستراحة، ألا تراه كيف قال: " إذا مثل ركوب الراحلة "؟ وأنه يستريح بتبديل مركبه، وهذا موجود معلوم. والراحة والروح والرواح بمعنى. قاله صاحب العين والجمهرة. وقوله " إن أبر البر، صلة الرجل أهل ود أبيه ": هو مما تقدم، والصلة واللطف والتحفى أحد معانى البر على ما تقدم. ومن أبر البر الوفاء لمن يلزم بره بصلة من كان يبره. هو كما قال ﵇ في خبر خليلة خديجة: " إن حسن العهد من الإيمان " (١)، وفى الرواية الأخرى: " أن يصل ود أبيه "، [بضم الواو] (٢)، أى وداده.

стр. 4450

(٥) بَاب تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ ١٤ - (٢٥٥٣) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِىِّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فَقَالَ: " الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِى صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ". ١٥ - (...) حَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ صَالِحٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ، قَالَ: أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً، مَا يَمْنَعُنِى مِنْ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ. كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَىْءٍ. قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْبِرِّ ــ قوله: عن النواس بن سمعان الأنصارى، كذا فى النسخ كلها فى هذا الحديث، وقد جاء فى غير هذا الموضع " الكلائى ". قال الحافظ أبو على الجيانى: هذا وهم، وصوابه الكلابى. قال الإمام: المشهور فى نسب بن سمعان " الكلابى "، إلا أن يكون حليفًا للأنصار، وهو النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قريط بن عبد الله بن أبى بكر بن كلاب، كذا نسب العلائى عن يحيى بن معين. وقوله: " ما حاك فى صدرك ": قال الليث: الحيك: أخذ القول قلبك، يقال: ما يحيك القول فى فلان، ولا يحيك الفأس والقدوم فى هذه [الشجرة] (١). قال شمر: الكلام الحائك: الراسخ فى القلب. قال القاضى: قيل: معنى " ما حاك ": رسخ، وقيل: تحرك. وقال الحربى: هو ما يقع (٢) فى القلب، ولا ينشرح له الصدر، ويخاف فيه الإثم. كذا الرواية: حاك يحيك، ويقال: حك يحك، واحتك يحتك. قال الخليل: والحكاكات المآثم، وما حاك كلامك فى فلان: أى ما يحصل ولا أثر. و " أحاك " لغة، قالها صاحب العين، وأنكرها ابن دريد. وقال أبو عبيد: " الإثم ما حك فى صدرك " يقال: حك الشىء فى صدرى، أى لم ينشرح به، وبقى فى قلبك منه شىء. وقال بعضهم: حاك ورسخ وحك: وقع ولم

стр. 4451

وَالْإِثْمِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِى نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ". ــ يطمئن إليه قلبك. وقد جاء فى حديث آخر: " الإثم ما حاك فى نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس " إشارة إلى ما استقبحته نفسك، ولم ينشرح لك، على ما تقدم. وقوله: " والبر حسن الخلق ": البر بمعنى الصلة كما تقدم، وبمعنى الصدق، بمعنى اللطف والمبرة، والتحفى وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة. وهذه جماع حسن الخلق. وأما قول النواس: " ما منعنى من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ﷺ عن شىء " فمعناه عندى - والله أعلم -: أن من لم يهاجر من الأعراب كانوا يجهلون (١)، ويجعلهم المهاجرون يسألون لحملهم على الجفاء، وكونهم أعراب. وقد جاء نحو هذا مفسرًا فى حديث ضمام (٢).

стр. 4452

(٦) بَاب صِلَةِ الرَّحِمِ وَتَحْرِيمِ قَطِيعَتِهَا ١٦ - (٢٥٥٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ مُعَاوِيَةَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِى مُزَرِّدٍ، مَوْلَى بَنِى هَاشِمٍ - حَدَّثَنِى عَمِّى أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتْ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنْ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَذَاكِ لَكِ ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ. أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (١) ". ١٧ - (٢٥٥٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِأَبِى بَكْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى مُزَرِّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِى وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِى قَطَعَهُ اللَّهُ ". ١٨ - (٢٥٥٦) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ ". ــ وقوله: " قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة "، وقوله: " الرحم معلقة بالعرش ": اعلم أن الرحم التى توصل وتقطع ويتوجه فيها البر والإثم إنما هى معنى من المعانى، وليست بجسم، وإنما هى القرابة والنسب، واتصال مخصوص تجمعه رحم والدة، فسمى ذلك الاتصال بها. والمعانى لا توصف بقيام ولا كلام ولا يصح منها. وذكر مقامها وتعلقها هنا ضرب مثل، وحسن استعارة على مجاراة كلام العرب لتعظيم شأن حقها، وصلة المتصفين بها المتواصلين بسببها، وعظم إثم مقاطعتهم وعقوقهم؛ ولذلك سمى عقوقها قطعًا وهو معنى العقوق. والعق: الشق، كأنه قطع ذلك النسب الذى يصلهم

стр. 4453

قَالَ ابْنُ أَبِى عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِى قَاطِعَ رَحِمٍ. ١٩ - (...) حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِىُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ الزُّهْرِىِّ؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ ". (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . ــ به، أو قيام ملك من ملائكة الله تعالى وتشبثه بالعرش وكلامه عنها ذلك الكلام بأمر الله تعالى. وأما قوله: " لا يدخل الجنة قاطع رحم " فمعناه: أمرًا ما أن جازاه الله وعاقبه، كما جاء فى غير حديث فى أصحاب الذنوب حتى يعاقبوا عليها إما بدخول النار أولاً، [وإما] (١) بإمساكه مع أصحاب الأعراف، أو بطول حسابه ومناقشته على ذلك، والسابقون وأصحاب الجنة يتنعمون حينئذ، أو يكون فعل ذلك [مستحلاً، كما] (٢) قيل فى غير ذلك من قاتل النفس، وغيره من المذنبين. وقوله: " من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ": الصلة: العطف والحنان والرحمة. وصلة الله لعباده رحمتُه لهم وعطفه بإحسانه، ونعمه عليهم، أو صلته له بأهل ملكوته، والرفيق الأعلى، وقربه منهم جل اسمه بعظيم منزلته عنده، وشرح صدره لمعرفته. ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة على الجملة، وقطعها (٣) كبيرة. والأحاديث فى هذا الباب من منعه الجنة يشهد لذلك، ولكن الصلة درجات، بعضها [فوق] (٤) بعض، وأدناها ترك المهاجرة. وصلتها ولو بالسلام كما قال ﵊. وهذا بحكم القدرة على الصلة وحاجتها إليها، فمنها ما يتعين ويلزم، ومنها ما يستحب ويرغب فيه، وليس من لم يبلغ أقصى الصلة يسمى قاطعًا، ولا من قصر عما ينبغى له ويقدر عليه يسمى واصلاً. واختلف في حد الرحم التى يجب صلتها، فقال بعض أهل العلم: هى كل رحم محرميّة مما لو كان أحدهما ذكراً حرم عليه [نكاح (٥) الآخر، فعلى هذا لا يجب فى بنى

стр. 4454

٢٠ - (٢٥٥٧) حَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ فِى أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ". ٢١ - (...) وحَدَّثَنِى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِى رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ". ٢٢ - (٢٥٥٨) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ــ الأعمام وبنى الأخوال وبنى العمات. واستدل على قوله بتحريم الجمع بين الأختين والمرأة وعمتها وخالتها مخافة التقاطع، وجواز ذلك بين بنى العم والخال. وقيل: بل هذا فى كل ذى رحم ممن ينطلق عليه ذلك فى ذوى الأرحام فى المواريث، محرميًّا كان أو غيره. وقد جاء في أثر: أن الله يسأل عن الرحم ولو بأربعين، ويدل على هذا قوله ﵊: " ومولاك، ثم أدناك فأدناك " (١). وقوله: " من سره أن يبسط له فى رزقه، وينسأ فى أثره، فليصل رحمه ": بسط الرزق: سعته، قيل ذلك بتكثيره، وهو الأظهر، وقيل بالبركة فيه. والنسأ: التأخير. والأثر: الأجل. سمى بذلك لأنه تابع الحياة. ومعنى التأخير هنا فى الأجل - مع أن الآجال لا يزاد فيها ولا ينقص، وهى مقدرة فى علم الله - قيل: هو بقاء ذكره الجميل بعده على الألسنة موجودًا، فكأنه لم يمت. وقيل: هذا على ما سبق به العلم والقدر أنه إن وصل رحمه فأجله كذا، وإن لم يصل فكذا. وفى علم الله - تعالى - أنه لابد له من أحد الحالين، على ما سبق له فى أم الكتاب. وهذا مثل ما سبق من السعادة والشقاوة، مع تكليف العمل والطاعة، ونهيه عن المعصية، وقد سبق له في أم الكتاب ما سبق من سعادة أو شقاوة؛ ولذلك قال العامل: فلم العمل؟ فقال ﵊: " اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له " (٢). وهذا هو الوجه الصحيح فى الحديث. قوله [فى] (٣) الذى قطعه أهل رحمه وهو يصلهم: " كأنما تسفهم المل ": أى

стр. 4455

يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى قَرَابَةً، أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِى، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَىَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَىَّ. فَقَالَ: " لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ ". ــ يسقيهم الرماد [أى] (١) الحار. سفهم من السفوف. كذا ضبطنا هذا الحرف عن شيوخنا، وفى بعض نسخ مسلم القديمة: " كأنما يسقيهم الماء "، وهو خطأ وتصحيف لا معنى له. والمل: التراب المحمى الذى يدفن فيه الخبز وهو المل أيضًا. وقيل: المل: الجمر. وروى فى غير هذا الحرف: " كأنما يسفيهم " بالفاء، أى يرمى فى وجوههم ذلك، يريد: أنك بإحسانك إليهم تخزيهم وتحقرهم فى أنفسهم، [وتبلى قلوبهم برؤيتهم حسن فعلك معهم، وقبح مكافأتهم، فهم من الخزى عند أنفسهم] (٢) عند ذلك كمن يرمى فى وجهه التراب والرماد المحمى. ونكاية القلوب كمن سقا الجمر أو الرماد المحمى، أو أن ذلك الذى يأكلونه من رفدك وإحسانك كمن يأكل ذلك ويحرق به أحشاءه. وقوله: " ولا يزال معك ظهير من الله عليهم ": أى معين وكاف لأذاهم. وقوله: " وأحلم عنهم ويجهلون ": أى يسبوننى. والجهل: القبح من القول فى مثل هذا.

стр. 4456

(٧) بَاب تَحْرِيمِ التَّحَاسُدِ وَالتَّبَاغُضِ وَالتَّدَابُرِ ٢٣ - (٢٥٥٩) حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ ". (...) حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِىُّ عَنْ الزُّهْرِىُّ، أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ. ح وحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. (...) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِىِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: " وَلَا تَقَاطَعُوا ". (...) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِىِّ بِهَذَا ــ قوله: " لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا " الحديث، قال الإمام: قوله ﵊: " لا تباغضوا، ولا تدابروا ": التدابر: المعاداة، يقال: دابرت الرجل: عاديته. وقيل: معناه: لا تقاطعوا ولا تهاجروا؛ لأن المتهاجرين إذا ولى أحدهما عن صاحبه فقد ولاه دبره. وقوله: " ولا تجسسوا، ولا تحسسوا " (١): التحسس عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال فى الشر. والجاسوس: صاحب سر الشر. قال ثعلب: التحسس بالحاء: أن تطلبه لنفسك، وبالجيم طلبه لغيرك. وقال غيره: التجسس بالجيم: البحث عن العورات، وبالحاء: الاستماع. قال القاضى: قال بعض أصحاب المعانى: " لا تباغضوا " إشارة الى النهى عن الأهواء المضلة الموجبة للتباغض والتخالف.

стр. 4457

الْإِسْنَادِ. أَمَّا رِوَايَةُ يَزِيدَ عَنْهُ فَكَرِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ الزُّهْرِىِّ. يَذْكُرُ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَةَ جَمِيعًا. وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: " وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا ". ٢٤ - (...) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ". ــ ومعنى " تنافسوا ": أى ساروا في الحرص على الدنيا وأسبابها والرغبة في ذلك لا فى غيرها من سبل الخير. وقيل: " لا تدابروا ": أى لا تجادلوا ولا يبغى بعضكم لبعض الغوائل، [بل] (١) تعاونوا على البر والتقوى، وكونوا عباد الله إخواناً فى التعاون على ذلك، لا يترفع بعضكم على بعض. وقيل: التحسس والتجسس سواء، وفى المنافسة معنى من معانى المحاسدة. وفيه: " لا تناجشوا ". [من النجش] (٢)، وهو هنا - والله أعلم - فى غير البيع؛ لأنه فى البيع: الزيادة فى ثمن السلعة ولا يريد شراءها، [فإنما هو] (٣) من ذم بعضهم بعضاً. وقد قيل: النجش: التنفير عن الشىء. والنجش: الإطراء. ومنه: نجش الوحش، وهو تنفيرها من مكان إلى غيره، فكأنه ينفر القلوب عنه، أو يكون بمعنى تتنافر قلوبكم، مثل تقاطعوا وتدابروا سواء. لكن فى بعضها: "ولا يبع بعضكم على بيع بعض" فهذا يوافق [معناه؛ لمناجشته] (٤)، ويكون من الزيادة أو من التنفير عن سلعة غيره باطراء سلعته. قوله: " لا تهاجروا " (٥): كذا عند ابن ماهان، ورويناه من طرقنا عن الجلودى: " تهجروا "، وضبطناه عن أبى بحر: " تهجروا " بكسر التاء والهاء والجيم. ومعنى الكلمة: لا تهتجروا، أو يكون تقولوا (٦) من الهجر بمعنى: تهاجروا، ومن هجر الكلام وهو

стр. 4458

(...) حَدَّثَنِيهِ عَلِىُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِىُّ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَزَادَ: " كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّهُ ". ــ الفحش منه، أى لا تتساببوا (١) وتتقابحوا، وكذلك جاء بعد هذا فى رواية قتيبة " إلا المتهاجرين " (٢) على ما ذكرناه. وعند الهوزنى: " المتهجرين ".

стр. 4459

(٨) بَاب تَحْرِيمِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ، بِلَا عُذْرٍ شَرْعِىٍّ ٢٥ - (٢٥٦٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الْأَنْصَارِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِى يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ ". (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ. ح وحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ الزُّبَيْدِىِّ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِىِّ. بِإِسْنَادِ مَالِكٍ، وَمِثْلِ حَدِيثِهِ. إِلَّا قَوْلَهُ: " فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا " فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا قَالُوا فِى حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ مَالِكٍ: " فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا ". ٢٦ - (٢٥٦١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ - وَهُوَ ابْنُ عُثْمَانَ - عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ". ــ وقوله: " لا هجرة بعد ثلاث "، " ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ": مقتضاه من دليل الخطاب أن الهجرة فى الثلاث معفو عنها، وإنما الحرج فيما بعد ثلاث؛ إذ لابد للبشر من مغاضبة، وسوء خلق، ووجد لأمر يقع بينهم، فعفى عن الثلاث. وقد يحتمل السكوت عن حكمها لتتلطف فى الشرع والنهى على ما ورائها، وهذا على من لا يقول بدليل الخطاب من الأصوليين. وقوله: " وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ": يحتج به من يرى أن السلام يقطع الهجرة، ويزيل الحرج، وإن لم يكلمه. وهو قول مالك وغيره. وقال أحمد بن حنبل وابن القاسم: إن [كان] (١) يؤذيه فلا يقطع السلام هجرته. وعندنا أنه إذا اعتزل كلامه لم تقبل شهادته

стр. 4460

٢٧ - (٢٥٦٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ ". ــ عليه وإن سلم عليه. ومعنى قوله: " وخيرهما الذى يبدأ بالسلام ": أى أفضلهما وأكثرهما ثواباً. وقوله: " يصد هذا ويصد هذا " مثل قوله: " يعرض هذا ويعرض هذا "، وأصله أن يولى كل واحد منهما الآخر عرضه، وهو جانبه. والصد أيضاً: الجانب والناحية.

стр. 4461

(٩) بَاب تَحْرِيمِ الظَّنِّ وَالتَّجَسُّسِ وَالتَّنَافُسِ وَالتَّنَاجُشِ، وَنَحْوِهَا ٢٨ - (٢٥٦٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ". ٢٩ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا تَهَجَّرُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ". ٣٠ - (...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ". (...) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ وَعَلِىُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِىُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: " لَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا، كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّهُ ". ٣١ - (...) وحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ". ــ وقوله: " إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ": قيل: يريد الظن السوء بالناس. قال الخطابى: هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس، فإن ذلك لا يملك، وقال سفيان: الظن الذى يأثم به أن يظن ظناً ويتكلم به، فإن لم يتكلم [لم] (١) يأثم. وقيل: يحتمل الحكم فى دين الله بالظن المجرد دون بناء على أصل ولا تحقيق نظر واستدلال. قال الإمام: خرج مسلم فى بعض طرق هذا الحديث: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس؛ أن النبى ﵊ قال: " لا

стр. 4462

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تحاسدوا " ثم عقب بعد بقوله (١): حدثنيه على بن نصر الجهضمى (٢)، كذا عند أبى أحمد وهو الصواب، وفى نسخة أبى العلاء: حدثنيه نصر بن على، جعل بدل على بن نصر ابن على. وذكر مسلم بعد هذا بأحاديث: حدثنا الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، ثم أردف على هذا حديث على بن نصر: حدثنا وهب بن جرير، ولم يختلف الشيخ فى هذا الموضع فى هذه المتابعة أنها [عن] (٣) على بن نصر، وهو أبو الحسن على بن نصر بن على بن نصر الجهضمى، ومات على بن نصر هذا مع أبيه نصر بن على في سنة واحدة سنة خمسين ومائتين، مات الأب في ربيع الآخر، ومات ابنه في شعبان من السنة المذكورة. قال القاضى: هذا ما لخصه من كلام الجيانى ﵀ وقد وافق ابن ماهان على الرواية الأولى فيما قيدناه عن شيوخنا العذرى عن الرازى، والطبرى عن الفارسى، كلاهما عن الجلودى. وإنما قيدنا على بن نصر عن السمرقندى عن الفارسى عن السجزى عن الجلودى. وأما الحديث [الآخر] (٤) الذى لم تختلف عنده (٥) فيه النسخ (٦) [فى] (٧) على بن نصر عن وهب بن جرير، فأكثر الرواة فيها على ما قال. لكن قيدنا وسمعنا هذا الموضع على القاضى أبى على عن العذرى، وعلى الفقيه أبى محمد عن الطبرى: نصر بن على، كما تقدم لابن ماهان والعذرى والطبرى. قيل: وهم يخطئون قول من قال فى هذين الحديثين: نصر بن على، وإن كان مسلم يروى عن نصر بن على والد على بن نصر [كثيراً، ولم يقع له عن أبيه إلا مواضع قليلة، وروى عن والده على بن نصر] (٨) أيضاً، وروى البخارى عن على الأسفل نظر، وعلى هذا الأسفل هو على بن نصر بن على بن نصر بن على الجهضمى. وله ذكر قبل وفاة على هذا وابنه نصر وأما جده على بن نصر، فتوفى سنة تسع وثمانين ومائة. ومات أبوه نصر بن على جدهم الأعلى فى آخر أيام أبى جعفر المنصور. ذكر ذلك كله البخارى. وقد كتبنا عن شيوخنا توهيم من قال فى هذين الحديثين: نصر بن على، ولا أدرى لم ذلك. ومسلم قد روى عنهما جميعاً إلا ألا يجعلوا لنصر سماعاً لابن وهب، فليس هذا،

стр. 4463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو مذهب مسلم وهو معاصر لوهب، وقد سمع منه ابنه على ووفاتهما واحدة على ما تقدم، ففى توهيمهم لهذه الرواية نظر. وقد جاء عنه - أيضاً - فى حديث: " عُذبت امرأة في هرة " (١): حدثنا نصر بن على، حدثنا عبد الأعلى. كذا فى كتاب أبى عيسى، وعند أبى بحر وغيره: حدثنا على بن نصر، وفى الباب: حدثنا أبو كامل، حدثنا يزيد بن زريع، وحدثنا محمد بن رافع. وعند ابن حميد كلاهما عن عبد الرزاق وعن معمر عن الزهرى بهذا الإسناد. وأما فى رواية يزيد عنه كذا لأكثر شيوخنا: يزيد عن معمر، وعند الهوزنى وهى رواية ابن ماهان. وأما فى رواية يزيد وعبد بن حميد فالأول إن شاء الله الصواب؛ لقوله: وأما حديث عبد الرزاق. وعنه إنما روى عن عبد الرزاق، فدل أنه لم يذكره قبل. ونهيه عن الهجرة وتأكيده فى ذلك؛ لأنها على الجملة بين المؤمنين محرمة، والألفة واجبة، وفى تقاطعهم فساد أمرهم، وانحلال عقدهم، واضطراب أمر دينهم ودنياهم.

стр. 4464

(١٠) بَاب تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ وَخَذْلِهِ وَاحْتِقَارِهِ وَدَمِهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ ٣٢ - (٢٥٦٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِى ابْنَ قَيْسٍ - عَنْ أَبِى سَعِيدٍ - مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا " وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ". ٣٣ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ - مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ - يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ دَاوُدَ. وَزَادَ وَنَقَصَ. وَمِمَّا زَادَ فِيهِ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى ــ وقوله: " المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله " أى لا يترك نصره إذا احتاج إليه، ومعونته فى الحق. وقوله: " ولا يحقره ": كذا رواية السجزى والسمرقندى بالحاء المهملة والقاف، أى لا يتكبر عليه ويستصغره ويذله. ورواه العذرى: " يخفره " بالخاء المعجمة والفاء، وضم الياء أوله. ومعناه: يغدره. يقال: خفرت الرجل إذا أجرته وأمنته، وأخفرته إذا لم تف بذمته وأسلمته وغدَرْته. وبحسب ذلك اختلفوا فى قوله آخر الحديث: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه "، والصواب من ذلك أن يكون بالقاف من الاستحقار، وكذلك وقع فى غير مسلم بغير خلاف. وروى: " يحتقر ". وقوله: " التقوى هاهنا " وأشار إلى صدره، وفى الحديث الآخر بعده: " إن الله لا ينظر إلى صوركم [وأموالكم] (١)، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ": نظر الله هنا: هو رؤية الله لذلك ليجازى عليه ويثيبه، ونظر الله ورؤيته محيطة بكل شىء، وإنما المراد من ذلك [هنا] (٢) بالتخصيص ما يثيب عليه ويجازى من ذلك، فكل هذا إشارة إلى النيات

стр. 4465

قُلُوبِكُمْ " وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ. ٣٤ - (...) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ". ــ والمقاصد، وأن المجازى عليه ما كان للقلب فيه عمل من قصد ونية وذكر. قال الإمام: جعل بعض الناس هذا الكلام حجة على أن الفعل محله القلب، وقد تقدم الكلام عليه وذكر كلام الناس فيه مبسوطاً.

стр. 4466

(١١) بَاب النَّهْى عَنْ الشَّحْنَاءِ وَالتَّهَاجُرِ ٣٥ - (٢٥٦٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ". (...) حَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِىِّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِإِسْنَادِ مَالِكٍ. نَحْوَ حَدِيثِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ الدَّرَاوَرْدِىِّ: " إِلَّا الْمُتَهَاجِرَيْنِ " مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ. وقَالَ قُتَيْبَةُ: " إِلَّا الْمُهْتَجِرَيْنِ ". ٣٦ - (...) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِى مَرْيَمَ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ مَرَّةً قَالَ: " تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِى كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ". (...) حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِى مَرْيَمَ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ــ قوله: " تفتح أبواب الجنة يوم الخميس، فيغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبن أخيه شحناء "، قال القاضى: قال الباجى: معنى فتح أبوابها: كثرة الصفح والغفران فى هذين اليومين، ورفعة المنازل، وإعطاء الجزيل من الثواب، ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن فتح أبوابها علامة على ذلك ودليل عليه. وقوله: " اركوا هذين حتى يفيئا "، قال الإمام: أى أخروهما. قال ابن الأعرابى: يقال: ركاه يركوه: إذا أخره.

стр. 4467

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِى كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا - أَوْ ارْكُوا - هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا ". ــ قال القاضى: يؤيد هذا [ما] (١) فى الرواية الأخرى: " أنظروا " بمعنى: أخروا. وقد رواه السمرقندى هنا: " اتركوا "، وفى الموطأ (٢): " اركوا واتركوا ". والشحناء: العداوة والشنآن، كأنه شجن قلبه بغضاً له؛ أى ولاه.

стр. 4468

(١٢) بَاب فِى فَضْلِ الْحُبِّ فِى اللَّهِ ٣٧ - (٢٥٦٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِى الْحُبَابِ، سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِى، الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِى ظِلِّى يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّى ". ٣٨ - (٢٥٦٧) حَدَّثَنِى عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ : " أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِى قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِى فِى هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّى أَحْبَبْتُهُ فِى اللَّهِ . قَالَ: فَإِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ ". (...) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ: أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُويَهَ الْقُشَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا ــ قوله: " أين المتحابون لجلالى ": أى لعظيم حقى وطاعتى، لا لغرض كساء. وقوله: " اليوم أظلهم فى ظلى، يوم لا ظل إلا ظلى " إضافة ملك وتشريف. والظلال كلها لله. وقد جاء مفسرًا: " ظل عرشى ". وظاهره كونه فى ظله من الحر والشمس، ووهج الموقف، وأنفاس الخلق، وهو تأويل الأكثر. وذهب عيسى [بن كيسان] (١) أن معناه: كفه عن المكاره وإكرامه، وجعله في كنفه وستره. ومنه قولهم: السلطان ظل الله فى الأرض. وقيل: خاصته. وقد يصح فى الحديث الأول هذا التأويل أيضاً، يقال: فلان فى ظل فلان، أى فى كنفه وعزته. وقد يكون هذا الظل عبارة عن الراحة والتنعم، يقال: هو [فى] (٢) عيش ظليل، أى طيب. وقوله: " إن أخاً زار أخاً له، فأرصد الله له ملكاً على مدرجته ": أى جعله يرقبه على طريقه حتى يمر به، ومدرجة الطريق: قارعته. وقوله: " هل لك عليه من نعمة تربها ": أى تقوم عليها وتسعى فى صلاحها،

стр. 4469

عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. ــ وتنهض له بسبب ذلك. فقال: لا. وقوله: " فإن الله أحبك كما أحببته ": [فيه] (١): محبة الله - تعالى - لعبيده رحمتُه لهم، ورضاه عنهم، وإرادته لهم، وفعله بهم فى ذلك [فعل] (٢) المحب بحبيبه، ومراده له من الخير. وأصل المحبة: الميل، والله تعالى منزه عن ذلك (٣).

стр. 4470

(١٣) بَاب فَضْلِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ ٣٩ - (٢٥٦٨) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِيَانِ ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ - قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ وَفِى حَدِيثِ سَعِيدٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَائِدُ الْمَرِيضِ فِى مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ ". ــ قوله: " عائد المريض فى مخرفة الجنة " بفتح الميم والراء، وفى الرواية الأخرى: " فى خرفة الجنة " بضم الخاء، وجاء فى الأم من تفسيره: قيل: ما خرفة الجنة يا رسول الله؟ قال: " جناها "، قال الإمام: قال أبو عبيد: قال الأصمعي: واحد المخارف مخرف. وهو جناء النخل، سُمى بذلك لأنه يخترف، أى يجنى. قال شمر: المخرفة: سكة بين صفين من نخل يخترف من أيهما شاء. وقال غيره: المخرفة: الطريق، فمعنى الحديث: أنه على طريق تؤديه إلى الجنة، ومنه قول عمر: " تركتكم على [مثل] (١) مخرفة النعم "، أى مثل طريقتها. قال القاضى: وقد قيل: المخرف: البستان الذى فيه الفاكهة تخترف. وقيل: القطعة من النخل. وقال الخطابى (٢): المخرف بالفتح: الفاكهة نفسها. والمخرف بالكسر: وعاء يجمع فيه ذلك. ومنهم من يفتح الميم فيجعله كالمسجد، والمسجد لموضع السجود ومنهم من يكسرها فيجعله كالمربد. وعيادة المريض من الطاعات المرغب فيها، العظيمة الأجر. وقد جاء فيها هذا الحديث وغيره. وقد يكون من فروض الكفاية، لا سيما المرضى من الغرباء ومن لا قائم عليهم ولا كافل لهم، فلو تركت عيادتهم لهلكوا، وماتوا ضرًا وعطشًا وجوعًا، فعيادتهم تطلع على أحوالهم ويتذرع بها إلى معونتهم، وإعانتهم، وهى كإغاثة الملهوف، وإنجاء الهالك، وتخليص الغريق. من حضرها لزمته، فمتى لم يعادوا لم يعلم حالهم فى ذلك. ولفظة " العيادة " تقتضى التكرار والعود والرجوع إليه مرة بعد أخرى لافتقاد حاله. والعودة: الرجوع، ومنه: العود أحمد. وجاء: عودًا بعد بدء، أى رجع. ويقال: عدت المريض عودًا وعيادة، والياء عندهم منقلبة عن واو.

стр. 4471

٤٠ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ - مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ عَادَ مَرِيضًا، لَمْ يَزَلْ فِى خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ ". ٤١ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ الرَّحَبِىِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، لَمْ يَزَلْ فِى خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ ". ٤٢ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ - وَهُوَ أَبُو قِلَابَةَ - عَنْ أَبِى الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىِّ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ الرَّحَبِىِّ، عَنْ ثَوْبَانَ - مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ عَادَ مَرِيضًا، لَمْ يَزَلْ فِى خُرْفَةِ الْجَنَّةِ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " جَنَاهَا ". ــ قال الإمام: خرج مسلم حديث: " من عاد مريضاً لم يزل فى خرفة الجنة حتى يرجع "، خرجه عن حماد بن زيد عن أبى قلابة، ومن حديث هاشم ويزيد بن زريع كلاهما عن خالد الحذاء، عن أبى قلابة أيضاً، عن أبى أسماء. [وذكره مسلم أيضاً من حديث يزيد بن هارون عن عاصم الأحول (١) عن قلابة عن أبى أسماء. قال الترمذى: سألت البخارى عن إسناد هذا الحديث فقال: رواه] (٢) عن عاصم الأحول وأبى غفار عن أبى قلابة، عن أبى الأشعث، عن أبى أسماء، قال: وأحاديث أبى قلابة عن أبى أسماء ليس فيها أبو الأشعث إلا هذا الحديث الواحد. قال الإمام: وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه قال: وقع أبو قلابة إلى الشام وهو يروى عن أبى الأشعث [وأبى أسماء، وأراه قد سمع منهما، وروى أيضاً عن أبى الأشعث] (٣) عن أبى أسماء.

стр. 4472

(...) حَدَّثَنِى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. ٤٣ - (٢٥٦٩) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِى. قَالَ: يَارَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِى فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِى عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِى. قَالَ: يَارَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِى؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِى. قَالَ: يَارَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِى فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِى ". ــ وقوله ﵊: " إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدنى. قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدى فلاناً مرض فلم تعده، أما [علمت] (١) أنك لو عدته لوجدتنى عنده. يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمنى؟ قال: يا رب، كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى "، قال الإمام: قد فسر فى هذا الحديث معنى المرض، وأن المراد به مرض العبد المخلوق. وإضافة البارى - سبحانه -[ذلك] (٢) إلى نفسه تشريفاً للعبد، وتقريباً له. والعرب إذا أرادت تشريف أحد حلته محلها، وعبرت عنه كما تعبر عن نفسها. وأما قوله: " لو عدته لوجدتنى عنده " فإنه يريد ثوابى وكرامتى، وعبر عن ذلك بوجوده على جهة التجوز والاستعارة، وكلاهما [سائغ] (٣) شائع في لسان العرب. وقد قدمنا ذكر أمثاله. وعلى هذا المعنى يحمل قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ (٤) يعنى مجازاة الله - تعالى - ومثل هذا كثير. قال القاضى: وقد جاء فى آخر الحديث فى الإطعام: " لو أطعمته لوجدت ذلك عندى " وكذلك قال فى السقى أى ثواب ذلك وجزاؤه. وهذا تفسير: " لوجدتنى عنده ".

стр. 4473

(١٤) بَاب ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حُزْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ٤٤ - (٢٥٧٠) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفِى رِوَايَةِ عُثْمَانَ - مَكَانَ الْوَجَعِ - وَجَعًا. (...) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، أَخْبَرَنِى أَبِى. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ. ح وحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ. ح وحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ، مِثْلَ حَدِيثِهِ. ٤٥ - (٢٥٧١) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ وقوله: " ما رأيت رجلاً أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ ": تريد المرض. والعرب تسمى كل مرض وجعاً، وهذا يفسره قوله فى الحديث الآخر: ذلك بأن لك أجرين قال: " أجل "، وقوله فى الحديث الآخر: " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل " إلى قوله: " فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشى على الأرض ما عليه خطيئة " (١). وقوله: " إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا [البلاء كما يضاعف] (٢) الأجر " قالوا: يخص الله أنبياءه وأولياءه بذلك بحسب ما خصهم به من قوة العزم والصبر والاحتساب ليتم

стр. 4474

أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ ". قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَجَلْ "، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ". وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ زُهَيْرٍ فَمَسِسْتُهُ بِيَدِى. (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى غَنِيَّةَ، كُلُّهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ. نَحْوَ حَدِيثِهِ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ. قَالَ: " نَعَمْ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ ". ٤٦ - (٢٥٧٢) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، قَالَ: دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِىَ بِمِنًى وَهُمْ يَضْحَكُونَ. فَقَالَتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ، فَكَادَتْ عُنُقُهُ أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ. فَقَالَتْ: لَا تَضْحَكُوا، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ ". ــ لهم الخير، ويعظم لهم به الأجر، ويستخرج منهم حالات الصبر والرضى [والشكر والتسليم، والتوكل والتفويض، والتضرع والدعاء، إعظاماً لأجرهم] (١) وتوفية لثوابهم [وتأكيداً] (٢) لتصابرهم فى رحمة الممتحنين، والشفقة على المبتلين، ويذكره به عن دونهم، وموعظة لمن ليس فى درجتهم ليتأسوا بهم ويقتدوا برضاهم وصبرهم. ومحو السيئات التى سلفت منهم، لاسيما لمن اجترأ الصغائر على الأنبياء. وقول عائشة للذين ضحكوا من الذى سقط: " لا تضحكوا ": الضحك فى (٣) مثل هذا غير مستحسن ولا مباح، إلا أن يكون من غلبة مما طبع عليه البشر. وأما قصداً ففيه شماتة بالمسلم وسخرية بمصابه، والمؤمنون إنما وصفهم الله بالرحمة والتراحم بينهم ومن خلقهم الشفقة بعضهم لبعض.

стр. 4475

٤٧ - (...) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِىُّ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً ". ٤٨ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا قَصَّ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطِيئَتِهِ ". (...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. ٤٩ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ إِلَّا كُفِّرَ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ". ٥٠ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ قوله: " وطنب الفسطاط ": حباله التي يشتد بها. والفسطاط: الخباء ونحوه، ويقال: بضم الفاء وكسرها، ويقال أيضاً: فسياط بضم الفاء وكسرها فيهما أيضاً. وقوله: " ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة، [ومحيت عنه بها خطيئة "، وفى الرواية الأخرى: " رفعه الله بها درجة "] (١)، وفى الأخرى: " إلا كتب الله له بها حسنة " أى تصيبه شوكة وهو أدنى الأذى. ومصائب الدنيا ورفعة الدرجات وزيادة الحسنات بذلك خلاف، من ذهب أنها (٢) تكفر فقط، وقد روى نحوه عن ابن مسعود، قال: الوجع لا يكتب به الأجر ولكن يكفر به الخطايا، واعتمد على الأحاديث التي جاءت فيها تكفير الخطايا فقط، ولعله لم يبلغه قوله فى هذا الحديث: " إلا كتب الله له بها حسنة "، وقوله: " إلا قص الله بها من خطيئته "، وفى رواية السمرقندى: " نقص " وكلاهما متقارب المعنى، أى حوسب بقدرها وحط عنه مثلها، كما جاء فى الرواية الأخرى: " حط وكفر " وأصل القص: الأخذ، ومنه: القصاص أخذ حق المقتص من صاحبه.

стр. 4476

قَالَ: " لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ، حَتَّى الشَّوْكَةِ، إِلَّا قُصَّ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ، أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ". لَا يَدْرِى يَزِيدُ أَيَّتُهُمَا قَالَ عُرْوَةُ. ٥١ - (...) حَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ شَىْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ، حَتَّى الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ ". ٥٢ - (٢٥٧٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ وَأَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ". ــ وقوله: " لا يصيب المؤمن من وصب ولا نصب "، قال الإمام: الوصب: لزوم الوجع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ (١) أى لازم ثابت، والنصب: التعب. قال القاضى: الأشبه هنا أن يكون النصب بمعنى الوصب. قال الخليل: النصب: الداء، يعنى بسكون الصاد، ففتحه على اتباع وصب، والله أعلم، وليس هذا موضع الإعياء. وقوله: " حتى الهم يهمه " بضم الياء وفتح الهاء على ما لم يسم فاعله. وقوله: حدثنا سفيان - يعنى ابن عيينة، عن ابن محيصن شيخ من قريش. كذا هو بتنوين الصاد فى رواية أكثرهم فى سند الحديث. وعند العذرى: ابن محيص بغير نون فى آخره. قال مسلم: عمر بن عبد الرحمن بن محيصة من أهل مكة، كذا رواية السمرقندى والعذرى: " عبد الرحمن بن محيص " كذا لكافة شيوخنا عنه. وعند ابن عيسى: " ابن محيصن " بزيادة نون، وصوابه: عمر بن عبد الرحمن [بن محيص] (٢) كذا ذكره البخاري (٣)، وقال: هو أبو حفص (٤) المكى السهمى القرشى روى عنه سفيان بن عيينة وعبد الله بن مؤمل، وقال عن ابن جريج: أخبرنى عمر بن عبد الرحمن، وكانت أمه بنت المطلب بن أبى وداعة.

стр. 4477

(٢٥٧٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبْى شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (١). بَلَغَتْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا أَوْ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ". قَالَ مُسْلِم: هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. ٥٣ - (٢٥٧٥) حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ، أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ. فَقَالَ: " مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ - أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ - تُزَفْزِفِينَ؟ " قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا. فَقَالَ: " لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ". ــ وقوله: [لما] (٢) نزلت: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً، فقال ﵊: " قاربوا وسددوا، ففى كل ما يصاب به المؤمن كفارة " الحديث، قيل فى معنى الآية: ما جاء فى هذا الحديث، من أن المسلم يجزى عن سيئاته بالمصائب فى الدنيا. وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين. وقال الحسن: نزلت فى الكفار خاصة. وقوله: " قاربوا ": أى اقتصدوا ولا تغلوا ولا تقصروا، ولكن حالاً بين حالين. " وسددوا ": أى اقتصدوا السداد، وهو الصواب. وقوله: " حتى النكبة ينكبها ": وهى مثل العثرة بالرجل، وقد ينجرح منه أصبعه. وأصل النكب: القلب، وهو مثل اللب. وقوله: " مالكِ يا أم السائب تزفزفين (٣) " بالزاي (٤) [المعجمة] (٥) والفاء فيهما والتاء مضمومة ومفتوحة معًا، كذا روينا فى هذا الحرف هنا عن جميع رواة مسلم، وقد رواه بعض الرواة بالقاف والراء. قال أبو مروان بن سراج: بالقاف والفاء معًا بمعنى واحد صحيحان، بمعنى: ترعدين. والزفزفة بالزاي والفاء: صوت خفيف الريح، ومنه زفزفت الريح الحشيش: حركته، وزفزف النعام فى طيرانه: حرك جناحيه.

стр. 4478

٥٤ - (٢٥٧٦) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ أَبُو بَكَرٍ، حَدَّثَنِى عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: قَالَ لِى ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّى أُصْرَعُ، وَإِنِّى أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِى. قَالَ: " إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ ". قَالَتْ: أَصْبِرُ. قَالَتْ: فَإِنِّى أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ أَلَّا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. ــ قال الإمام: قوله: " ترفرفين " قال أبو عبيد: قوله فى الحديث: " إن الشمس ترفرف " معناه: تدور وتجىء وتذهب، ورفرفت الثريد بالسمن: كثرته. قال القاضى: كأنه فسر بهذا الحديث المتقدم على رواية من رواه بالقاف، ولعله لم يرو الأخرى المشهورة، ومنه: رفراف السحاب، وهو ما اضطرب منه. ورفرف الخمر بالماء مزجها به. وهو من الاضطراب.

стр. 4479

(١٥) بَاب تَحْرِيمِ الظُّلْمِ ٥٥ - (٢٥٧٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِىَّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىِّ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ عَنْ النَّبِىِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: " يَا عِبَادِى، إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِى وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِى، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِى أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِى، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِى أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِى، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِى أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِى، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ ــ وقوله تعالى: " يا عبادى، إنى حرمت الظلم على نفسى " الحديث، قال الإمام: معنى قوله: " حرمت الظلم على نفسى ": أى تقدست عنه وتعاليت، والظلم مستحيل منه جده؛ لأنه إنما يكون إذا تعديت الحدود وتجوزت المراسم، والبارى - جلت قدرته - ليس فوقه أحد يحد له حداً أو يرسم له رسماً، حتى يكون متجاوزاً لذلك ظالماً، ولا فوقه من يستحق أن يطيعه حتى يحلل له الحلال ويحرم عليه الحرام، ولكن تحريم الشىء يقتضى المنع منه والكف عنه، فسمى البارى تقدسه عن الظلم بهذا اللفظ فقال: " حرمت على نفسى الظلم ". أما قوله: " يا عبادى كلكم ضال إلا من هديته " فكان ظاهره أن الناس على الضلال يُخلقون إلا من هداه الله - سبحانه - وقد ذكر فى الحديث أنهم على الفطرة مولدون، وقد يراد بهذا [هاهنا] (١): وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة النبى ﵊ إليهم، أو إنهم إن تركوا وما فى طباعهم من إيثار الراحة وإعمال النظر ضلوا، إلا مَنْ هداه الله - سبحانه. وظاهر هذا يطابق مذهب الأشعرية؛ فى قولهم: إن المهتدى بهدى الله اهتدى، وأنه - سبحانه - إنما أراد هداية مَنْ اهتدى مِنْ خلقه خاصة. والمعتزلة تقول بأنه - سبحانه - أراد من سائر الخليقة أن يهتدوا، ولكن منهم من استحب العمى على الهدى. وقوله ﵊ هاهنا: " كلكم ضالٌ إلا مَنْ هديته " فجعل من هداه

стр. 4480

جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِى أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِى، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّى فَتَضُرُّونِى، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِى فَتَنْفَعُونِى. يَا عِبَادِى، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِى مُلْكِى شَيْئًا. يَا عِبَادِى، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِى شَيْئًا. يَا عِبَادِى، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِى، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِى إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِى، إِنَّمَا هِىَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ". قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىُّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ. (...) حَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ مَرْوَانَ أَتَمُّهُمَا حَدِيثًا. ــ مستثنى من الجملة يدل على بطلان قولهم: إنه أراد [هدايته بالجملة. قال القاضى: وقول أبى ذر فى أول الحديث] (١): فيما يرويه عن ربه، وقد جاء مثل هذا فى غير حديث عن ابن عباس وغيره، حجة فى جواز إطلاق هذا اللفظ في حق النبي ﵊ فيما أوحى إليه. وقوله: " ما نقص ذلك مما عندى إلا كما نقص المخيط إذا أدخل فى البحر ": معناه: إنه لم ينقص شيئاً، كما قال فى الحديث الآخر له: " لا يغيضها نفقة " (٢) أى لا ينقصها؛ لأن ما عند الله لا يدخله نقص، وإنما يدخل النقص المقدر المحدد الفانى، وما عند الله هو (٣) رحمته وأفضاله على عباده، وهى صفاته الباقية التي لا تفنى، ولا يأخذها حد ولا حصر. وقوله: " إلا ما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ": غاية فى باب التمثيل فى هذا، ويقرب لك أفهام بما يشاهد؛ فإن ماء البحر من أعظم المرئيات عياناً وأكثرها. ودخول المخيط فيه، وهى الإبرة التي يخاط بها، وخروجها لا ينقص شيئاً؛ إذ لا يعلق بها من ماء البحر

стр. 4481

(...) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، ابْنَا بِشْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ. فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. (...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهِ ﵎: " إِنِّى حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِى الظُّلْمَ وَعَلَى عِبَادِى، فَلَا تَظَالَمُوا ". وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ وَحَدِيثُ أَبِى إِدْرِيسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَتَمُّ مِنْ هَذَا. ٥٦ - (٢٥٧٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِى ابْنَ قَيْسٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ ". ٥٧ - (٢٥٧٩) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". ــ شيء لصقالتها. قوله: " الظلم ظلمات يوم القيامة ": قيل: ظاهره أنه ظلمات على صاحبه [حتى] (١) لا يهتدى يوم القيامة سبيلاً حيث يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم. وقد تكون الظلمات هنا: الشدائد، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٢) أي شدائدهما. وقد تكون الظلمات هاهنا عبارة عن الاتكال بالعقوبات عليه، وقابل بهذه اللفظة قوله: " الظلم " لمجانسة الكلام، كما قال تعالى: ﴿مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (٣). وقوله: " اتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم ": يحتمل أن هذا هو الهلاك الذى أخبر عنهم فى الدنيا، ويحتمل أنه أراد هلاك الآخرة. وهذا الشح: الحرص على ما ليس عندك والبخل بما عندك، قال الله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ (٤). قيل: يأتون الحرب معكم لأجل الغنيمة.

стр. 4482

٥٨ - (٢٥٨٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِى حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". ٥٩ - (٢٥٨١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ــ وقوله: " مَنْ فرّج عن مسلم كربة [من كرب الدنيا] (١) فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ": فى هذا فضل معونة المسلم للمسلم فى كل خير، وفعله المعروف إليه، وستره عليه. وهذا الستر فى غير المستهترين، وأما المنكشفون المستهترون الذين يقدم إليهم فى الستر وستروا غير مرة فلم يرعوا وتمادوا، فكشف أمرهم وقمع شرهم مما يجب؛ لأن كثرة الستر عليهم من المهادنة على معاصى الله - تعالى - ومصانعة أهلها. وهذا - أيضاً - فى ستر معصية [انقضت وفاتت] (٢)، وأما إذا عرف انفراد رجل بعمل معصية واجتماعهم لذلك فليس الستر هاهنا السكوت على ذلك وتركهم إياها، بل يتعين على من عرف ذلك إذا أمكنه بتغييرهم عن ذلك كل حال وتغييره، وإن لم يتفق ذلك إلا بكشفه لمن يعينه أو للسلطان. وأما إيصاء حال من يضطر إلى كشف حاله من الشهود والأمناء والمحدثين، فبيان حالهم ممن يقبل منه ذلك وينتفع به مما يجب على أهله. فأما فى الشاهد فعند طلب ذلك منه لتجريحه، أو إذا رأى حكماً يقطع بشهادته وقد علم منه ما يسقطها، فيجب رفعها. وأما فى أصحاب الحديث وحملة العلم المقلدين فيه، فيجب كشف أحوالهم السيئة لمن عرفها ممن يقلد فى ذلك، ويلتفت إلى قوله؛ لئلا يغتر بهم ويقلد فى دين الله من لا يجب. على هذا اجتمع رأى الأئمة قديمًا وحديثًا. وليس الستر هنا بمرغب فيه ولا مباح. وفيه أن المجازاة فى الآخرة قد تكون من جنس العمل فى الدنيا من خير أو شر. وليس فى الحديث ما يدل على الإثم فى كشفه ورفعه إلى السلطان، وإنما فيه الترغيب على ستره. ولا خلاف أن رفعه له وكشفه معصية الله مباح له غير مكروه ولا ممنوع، إن كانت له نية من أجل عصيانه لله، ولم يقصد كشف ستره والانتقام منه مجردًا فهذا يكون (٣) له.

стр. 4483

" أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ ". قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: " إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِى، يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِى قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا. فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِى النَّارِ ". ــ وقوله: فى المفلس: " هو الذى يأتى بصلاة وصيام وزكاة، وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا " الحديث، يعنى: أن هذا هو حقيقة المفلس خاصة؛ لأنه فى استعمال الناس فيمن قل ماله وعدمه حتى صار فلوسًا، وهذا لمن ينقطع وقد تنقلت به الحال، ويرجو الانجبار لحاله، وإذا بقيت له صحته وسلم له دينه لم يهلك فى الدنيا ولا فى الآخرة. فأعلمهم أن حقيقة المفلس هو الهلاك التام والعدم المتصل المهلك، مثل هذا الذى كانت له حسنات وللناس عليه تباعات، فأخذوا حسناته كما يؤخذ من الغريم ما بيده، ثم لما لم يكن (١) له حسنات طرحت عليه سيئاتهم، وطرح فى النار؛ ليتم هلاكه وتأبد فلسه، وأيس من فلاحه وانجبار حاله، إلا ما يكون بعد، مما تفضل الله به من إخراج المذنبين وإدخالهم الجنة، بعد الأمر الذى قدره الله فى هذا البوار، نعوذ بالله من فلس الدنيا والآخرة. وقد ردت المبتدعة هذا الحديث، وقالوا: يعارضه قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، وقد غلطوا فى النظر والتأويل، وهذا إنما عوقب بوزره وظلمه أخاه ولا حبط عمله، كما احتجت به المعتزلة لمذهبها، لكنه سقطت حسناته لما قوبلت سيئاته ومظالمه وزادت عليها فى الوزر (٣)، واستوجب العقوبة بما زاد وكان ثواب حسناته الساقطة فى الوزن للمظلوم ثوابًا على صبره ومحنته به، [و] (٤) فضلاً زاده الله من عنده. وإنما عوقب بما اجترح وعلى وزره، ولم يظلم، ولا أخذ شىء من عمله، ولا أحبط إلا بحكم الموازنة والمحاسبة، ورجحان السيئات، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٥). فمعنى أخذ الحسنات وطرح السيئات نوع من العقوبات التى أعدها الله للظالمين، وزيادة فى ثواب المظلومين الصابرين، لا أنه مؤاخذ بذنب لم يعمله من ذنوب غيره، ولا أُحبطت حسناته لسيئاته، ولا دفعت لغيره، بل زيد المظلوم على أجره مثل ثواب حسنات ظالمه،

стр. 4484

٦٠ - (٢٥٨٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ ". ــ فضلاً من الله تعالى. هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وعليه يتأول ظاهر هذا الحديث، حتى لا يجد ملحد فيه مطعناً ولا له به حجة. وقوله: " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء "، قال الإمام: اضطرب العلماء فى إعادة البهائم، ووقف الشيخ أبو الحسن الأشعرى فى ذلك، وجوز أن يُعاد المجانين ومن لم يبلغه الدعوة وجواز أن يعادوا ولم يرد عنده قطع فى ذلك. والمسألة موقوفة على السمع. وأقوى ما يتعلق به من يقطع بإعادة البهائم قوله : ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (١). ومن لم يقطع على الإعادة يقول: معنى ﴿حُشِرتْ﴾: أى ماتت، والأحاديث الواردة فى ذلك عنده من أخبار الآحاد إنما توجب الظن، والمراد من المسألة القطع. وقد قال بعض شيوخنا فى قوله: " تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء ": أن المراد به ضرب مثل؛ ليشعر البارى - سبحانه - الخليقة أنها دار قصاص ومجازاة، وأنه لا يبقى لأحد عند أحد حق، فضرب المثل بالبهائم التى ليست مكلفة حتى يستحق فيها القصاص، ليفهم منه أن بنى آدم المكلفين أحق وأولى بالقصاص منهم. ويصح عندى أن يخلق البارى - سبحانه - هذه الحركة في البهائم فى الآخرة ليشعر أهل المحشر بما هم صائرون إليه من العدل بينهم. وسمى ذلك قصاصًا لا على معنى قصاص التكليف، ولكن على معنى قصاص المجازاة. والقطع فى هذا لا سبيل إليه، وإجراء الكلام على ظاهره إذا لم يمنع منه عقل ولا سمع أولى وأوجب. والجلحاء: هى الجماء التي لا قرن لها، ويقال: قرية جلحاء لا حصن لها. والأجلح من الناس: الذى انحسر الشعر عن جانبى رأسه، وسطح أجلح: الذى لم يحجب بجدار ولا غيره، ومنه حديث أبى أيوب: " مَنْ بات على سطح أجلح فلا دية له "، وهودج أجلح: الذى لا رأس له.

стр. 4485

٦١ - (٢٥٨٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يُمْلِى لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ "، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١). ــ قال القاضى: توقف مَنْ توقف [من الأئمة] (٢) فى إعادتها، إنما هو على القطع بذلك على الله، كما يقطع بإعادة أهل الثواب والعقاب ومن يجازى، ولم تكن الظواهر الواردة في ذلك نصًا ولا أخبارًا متواترة، ولا هى مما تحتها عمل، فيجب العمل بها (٣)، كما يجب بالظواهر وأخبار الآحاد، والمسألة علمية مجردة، والأظهر حشر المخلوقات كلها مجموع ظواهر الآيات والأحاديث، وإنه ليس من شرط الإعادة المجازاة والعقاب والثواب، فقد وقع الإجماع على أن أولاد الأنبياء فى الجنة ولا مجازاة على الأطفال. واختلف الناس فيمن بعدهم اختلافاً كثيراً [بإمضاء] (٤) ذكره، ويأتى منه إن شاء الله. قال الإمام: وقوله: " إن الله يملى للظالم ": أى يمهل ويؤخر ويطيل له المدة. قال ابن الأنبارى: اشتقاقه من الملوة، وهى المدة والزمان قال غيره: يقال: ملوة [بفتح الميم وضمها] (٥) وكسرها. وقوله: " حتى إذا أخذه لم يفلته "، قال القاضى: قيل: أى لم ينفلت منه، وقيل: يكون معناه: أى لم يخلصه أحد منه. يقال: انفلت الرجل من الآخر وأفلت وأفلته أنا.
следующие страницы →