(...) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، ابْنَا بِشْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ. فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
(...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهِ ﵎: " إِنِّى حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِى الظُّلْمَ وَعَلَى عِبَادِى، فَلَا تَظَالَمُوا ". وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ وَحَدِيثُ أَبِى إِدْرِيسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَتَمُّ مِنْ هَذَا.
٥٦ - (٢٥٧٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِى ابْنَ قَيْسٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ ".
٥٧ - (٢٥٧٩) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
ــ
شيء لصقالتها.
قوله: " الظلم ظلمات يوم القيامة ": قيل: ظاهره أنه ظلمات على صاحبه [حتى] (١) لا يهتدى يوم القيامة سبيلاً حيث يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم. وقد تكون الظلمات هنا: الشدائد، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٢) أي شدائدهما. وقد تكون الظلمات هاهنا عبارة عن الاتكال بالعقوبات عليه، وقابل بهذه اللفظة قوله: " الظلم " لمجانسة الكلام، كما قال تعالى: ﴿مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (٣).
وقوله: " اتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم ": يحتمل أن هذا هو الهلاك الذى أخبر عنهم فى الدنيا، ويحتمل أنه أراد هلاك الآخرة. وهذا الشح: الحرص على ما ليس عندك والبخل بما عندك، قال الله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ (٤). قيل: يأتون الحرب معكم لأجل الغنيمة.
стр. 4482
٥٨ - (٢٥٨٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِى حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِى حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
٥٩ - (٢٥٨١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
ــ
وقوله: " مَنْ فرّج عن مسلم كربة [من كرب الدنيا] (١) فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ": فى هذا فضل معونة المسلم للمسلم فى كل خير، وفعله المعروف إليه، وستره عليه. وهذا الستر فى غير المستهترين، وأما المنكشفون المستهترون الذين يقدم إليهم فى الستر وستروا غير مرة فلم يرعوا وتمادوا، فكشف أمرهم وقمع شرهم مما يجب؛ لأن كثرة الستر عليهم من المهادنة على معاصى الله - تعالى - ومصانعة أهلها. وهذا - أيضاً - فى ستر معصية [انقضت وفاتت] (٢)، وأما إذا عرف انفراد رجل بعمل معصية واجتماعهم لذلك فليس الستر هاهنا السكوت على ذلك وتركهم إياها، بل يتعين على من عرف ذلك إذا أمكنه بتغييرهم عن ذلك كل حال وتغييره، وإن لم يتفق ذلك إلا بكشفه لمن يعينه أو للسلطان. وأما إيصاء حال من يضطر إلى كشف حاله من الشهود والأمناء والمحدثين، فبيان حالهم ممن يقبل منه ذلك وينتفع به مما يجب على أهله.
فأما فى الشاهد فعند طلب ذلك منه لتجريحه، أو إذا رأى حكماً يقطع بشهادته وقد علم منه ما يسقطها، فيجب رفعها.
وأما فى أصحاب الحديث وحملة العلم المقلدين فيه، فيجب كشف أحوالهم السيئة لمن عرفها ممن يقلد فى ذلك، ويلتفت إلى قوله؛ لئلا يغتر بهم ويقلد فى دين الله من لا يجب. على هذا اجتمع رأى الأئمة قديمًا وحديثًا. وليس الستر هنا بمرغب فيه ولا مباح.
وفيه أن المجازاة فى الآخرة قد تكون من جنس العمل فى الدنيا من خير أو شر. وليس فى الحديث ما يدل على الإثم فى كشفه ورفعه إلى السلطان، وإنما فيه الترغيب على ستره. ولا خلاف أن رفعه له وكشفه معصية الله مباح له غير مكروه ولا ممنوع، إن كانت له نية من أجل عصيانه لله، ولم يقصد كشف ستره والانتقام منه مجردًا فهذا يكون (٣) له.
стр. 4483
" أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ ". قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: " إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِى، يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِى قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا. فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِى النَّارِ ".
ــ
وقوله: فى المفلس: " هو الذى يأتى بصلاة وصيام وزكاة، وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا " الحديث، يعنى: أن هذا هو حقيقة المفلس خاصة؛ لأنه فى استعمال الناس فيمن قل ماله وعدمه حتى صار فلوسًا، وهذا لمن ينقطع وقد تنقلت به الحال، ويرجو الانجبار لحاله، وإذا بقيت له صحته وسلم له دينه لم يهلك فى الدنيا ولا فى الآخرة. فأعلمهم أن حقيقة المفلس هو الهلاك التام والعدم المتصل المهلك، مثل هذا الذى كانت له حسنات وللناس عليه تباعات، فأخذوا حسناته كما يؤخذ من الغريم ما بيده، ثم لما لم يكن (١) له حسنات طرحت عليه سيئاتهم، وطرح فى النار؛ ليتم هلاكه وتأبد فلسه، وأيس من فلاحه وانجبار حاله، إلا ما يكون بعد، مما تفضل الله به من إخراج المذنبين وإدخالهم الجنة، بعد الأمر الذى قدره الله فى هذا البوار، نعوذ بالله من فلس الدنيا والآخرة.
وقد ردت المبتدعة هذا الحديث، وقالوا: يعارضه قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، وقد غلطوا فى النظر والتأويل، وهذا إنما عوقب بوزره وظلمه أخاه ولا حبط عمله، كما احتجت به المعتزلة لمذهبها، لكنه سقطت حسناته لما قوبلت سيئاته ومظالمه وزادت عليها فى الوزر (٣)، واستوجب العقوبة بما زاد وكان ثواب حسناته الساقطة فى الوزن للمظلوم ثوابًا على صبره ومحنته به، [و] (٤) فضلاً زاده الله من عنده. وإنما عوقب بما اجترح وعلى وزره، ولم يظلم، ولا أخذ شىء من عمله، ولا أحبط إلا بحكم الموازنة والمحاسبة، ورجحان السيئات، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٥).
فمعنى أخذ الحسنات وطرح السيئات نوع من العقوبات التى أعدها الله للظالمين، وزيادة فى ثواب المظلومين الصابرين، لا أنه مؤاخذ بذنب لم يعمله من ذنوب غيره، ولا أُحبطت حسناته لسيئاته، ولا دفعت لغيره، بل زيد المظلوم على أجره مثل ثواب حسنات ظالمه،
стр. 4484
٦٠ - (٢٥٨٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ ".
ــ
فضلاً من الله تعالى.
هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وعليه يتأول ظاهر هذا الحديث، حتى لا يجد ملحد فيه مطعناً ولا له به حجة.
وقوله: " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء "، قال الإمام: اضطرب العلماء فى إعادة البهائم، ووقف الشيخ أبو الحسن الأشعرى فى ذلك، وجوز أن يُعاد المجانين ومن لم يبلغه الدعوة وجواز أن يعادوا ولم يرد عنده قطع فى ذلك. والمسألة موقوفة على السمع.
وأقوى ما يتعلق به من يقطع بإعادة البهائم قوله : ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (١). ومن لم يقطع على الإعادة يقول: معنى ﴿حُشِرتْ﴾: أى ماتت، والأحاديث الواردة فى ذلك عنده من أخبار الآحاد إنما توجب الظن، والمراد من المسألة القطع.
وقد قال بعض شيوخنا فى قوله: " تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء ": أن المراد به ضرب مثل؛ ليشعر البارى - سبحانه - الخليقة أنها دار قصاص ومجازاة، وأنه لا يبقى لأحد عند أحد حق، فضرب المثل بالبهائم التى ليست مكلفة حتى يستحق فيها القصاص، ليفهم منه أن بنى آدم المكلفين أحق وأولى بالقصاص منهم.
ويصح عندى أن يخلق البارى - سبحانه - هذه الحركة في البهائم فى الآخرة ليشعر أهل المحشر بما هم صائرون إليه من العدل بينهم.
وسمى ذلك قصاصًا لا على معنى قصاص التكليف، ولكن على معنى قصاص المجازاة.
والقطع فى هذا لا سبيل إليه، وإجراء الكلام على ظاهره إذا لم يمنع منه عقل ولا سمع أولى وأوجب.
والجلحاء: هى الجماء التي لا قرن لها، ويقال: قرية جلحاء لا حصن لها. والأجلح من الناس: الذى انحسر الشعر عن جانبى رأسه، وسطح أجلح: الذى لم يحجب بجدار ولا غيره، ومنه حديث أبى أيوب: " مَنْ بات على سطح أجلح فلا دية له "، وهودج أجلح: الذى لا رأس له.
стр. 4485
٦١ - (٢٥٨٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يُمْلِى لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ "، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١).
ــ
قال القاضى: توقف مَنْ توقف [من الأئمة] (٢) فى إعادتها، إنما هو على القطع بذلك على الله، كما يقطع بإعادة أهل الثواب والعقاب ومن يجازى، ولم تكن الظواهر الواردة في ذلك نصًا ولا أخبارًا متواترة، ولا هى مما تحتها عمل، فيجب العمل بها (٣)، كما يجب بالظواهر وأخبار الآحاد، والمسألة علمية مجردة، والأظهر حشر المخلوقات كلها مجموع ظواهر الآيات والأحاديث، وإنه ليس من شرط الإعادة المجازاة والعقاب والثواب، فقد وقع الإجماع على أن أولاد الأنبياء فى الجنة ولا مجازاة على الأطفال. واختلف الناس فيمن بعدهم اختلافاً كثيراً [بإمضاء] (٤) ذكره، ويأتى منه إن شاء الله.
قال الإمام: وقوله: " إن الله يملى للظالم ": أى يمهل ويؤخر ويطيل له المدة. قال ابن الأنبارى: اشتقاقه من الملوة، وهى المدة والزمان قال غيره: يقال: ملوة [بفتح الميم وضمها] (٥) وكسرها.
وقوله: " حتى إذا أخذه لم يفلته "، قال القاضى: قيل: أى لم ينفلت منه، وقيل: يكون معناه: أى لم يخلصه أحد منه. يقال: انفلت الرجل من الآخر وأفلت وأفلته أنا.
стр. 4486
(١٦) باب نَصْرِ الْأَخِ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا
٦٢ - (٢٥٨٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اقْتَتَلَ غُلَامَانِ؛ غُلَامٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَنَادَى الْمُهَاجِرُ أَوْ الْمُهَاجِرُونَ: يَالَ الْمُهَاجِرِينَ! وَنَادَى الْأَنْصَارِىُّ: يَالَ الْأَنْصَارِ! فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ! ". قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا أَنَّ غُلَامَيْنِ اقْتَتَلَا، فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ. قَالَ: " فَلَا بَأْسَ، وَلْيَنْصُرْ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ ".
٦٣ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ
ــ
وقوله ﵊ حين سمع: يا للأنصار، يا للمهاجرين، من الرجلين اللذين اقتتلا -: " ما هذا؟ أدعوى الجاهلية ": نهى النبى ﷺ عن الدعوى (١) بالقبائل كما كانت الجاهلية تفعل، وأن تناصفها إنما كان بالعصبة. والإسلام جاء بالقضاء والفصل بالحق فى الأمور، وقد قال ﵊: " دعوها، فإنها منتنة ": أى قبيحة ودنيئة.
لكن قوله هاهنا لما قيل له القصة: " لا بأس ". دليل على الرخصة فى ذلك إذا كان لنصرة الحق، كما قال فى حلف الفضول: " لو دعيت فيه لأجبت " (٢). وقد يكون قوله: " لا بأس ": أى لم يقع تحت هذه الدعوة بأس كان خافه قبل، وهو (٣) أظهر.
وقوله: " فكسع أحدهما الآخر "، قال الإمام: كسعت الرجل: إذا ضربت مؤخره فاكتسع، [أى سقط على قفاه. وفى حديث آخر: " فضرب عرقوب فرسه حتى اكتسعت "] (٤) أى سقطت من مؤخرها. قال الهروى: " كسع رجل من الأنصار ": أى [أى] (٥) ضرب دبره.
стр. 4487
فِى غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ الْأَنْصَارِىُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِىُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ: " دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ " فَسَمِعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا. وَاللَّهِ، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ.
قَالَ عُمَرُ: دَعْنِى أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ: " دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ".
٦٤ - (...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ
ــ
قال القاضى: قال الطبرى: والكسع: هو ضرب الرجل عجزة الآخر بظهر الرجل. وقال: هو ضرب الدبر. وقيل: هو ضربه بالسيف على مؤخره. وقال الخليل: هو ضربك دبر الرجل بيدك أو رجلك.
وقوله: " ولينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً، إن كان ظالماً فلينهه، فإنه له نصر، وإن كان مظلوماً فلينصره ": وفسره فى الحديث كما تراه. قال بعضهم: هذا من فصيح الكلام ووجيزه، وتسمية الشىء بما يؤول إليه؛ لأنه لو لم ينهه ففعل ما لا يجب أدى ذلك إلى القصاص منه، فنهيه له كمنعه أن يقتص منه، ونصره على ذلك، وليس عندى هذا بين.
والكلام أبين من أن يحتاج إلى هذا التكلف، وهو على وجهه. فنصره بكفه عن الظلم ونهيه عنه نصره له بالحقيقة على الشيطان، والهوى، وخلق السوء الذى يحمل على الظلم، ومعونة لدينه وعقله، ونصره على الرجوع إلى الحق والوقوف عنده.
وقوله: " لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ": فيه ترك تغيير بعض الأمور التي يجب تغييرها، مخافة أن يؤدى تغييرها إلى أكثر منها. وقد مضى من ذلك أول الكتاب.
وكان النبى ﵊ يستألف على الإسلام النافرين عنه، فكان يعفو عن أشياء كثيرة أول الإسلام لذلك؛ لئلا يزدادوا نفارًا، وكانت العرب من حمية الأنف،
стр. 4488
الْأَنْصَارِ. فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ ".
قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِى رِوَايَتِهِ: عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا.
ــ
وإباءة الضيم، حيث كانوا، فكان ﵊ يستألفهم بطلاقة وجهه، ولين كلمته، وبسط المال لهم، والإغضاء عن هناتهم، حتى يتمكن الإيمان فى قلوبهم، ويراهم أمثالهم فيدخل فى الإسلام ويتبعهم أتباعهم عليه.
ولهذا لم يقتل المنافقين، ووكل أمرهم إلى ظواهرهم، مع علمه ببواطن كثير منهم، وإطلاع الله - تعالى - إياه على ذلك. ولما كانوا معدودين فى الظاهر فى جملة أنصاره وأصحابه ومن تبعه، وقاتلوا معه غيرهم حمية أو طلب دنيا أو عصبية لمن معهم من عشائرهم، وعلمت بذلك العرب، فلو قتلهم لارتاب بذلك من يريد الدخول فى الإسلام ونفره ذلك عنه، وتوقع أن يكون ذلك لأمنه وعرض آخر.
وقد اختلف: هل بقى حكم جواز ترك قتلهم والإغضاء عنهم؟ أو نسخ ذلك آخرًا عند ظهور الإسلام عند قوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (١) وأنها ناسخة لما كان قبلها؟ وقيل: إنما العفو عنهم ما لم يظهروا نفاقهم، فإذا أظهروه قتلوا، قاله غير واحد من أئمتنا وغيرهم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ (٢).
عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِي، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . نَحْوَهُ.
ــ
" بالجسد إذا شكا (١) بعضه شكا (٢) سائره كله " تمثيل صحيح، وتقريب للأفهام فى إظهار المعانى فى الصور المرتبة، فيجب على المسلمين امتثال ما حض ﵇ عليه [من ذلك] (٣) والتخلق به.
стр. 4491
(١٨) بَاب النَّهْيِ عَنْ السِّبَابِ
٦٨ - (٢٥٨٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ ".
ــ
وقوله: " المستبان ما قالا، فعلى البادئ، ما لم يعتد المظلوم ": أى يجاوز القدر الذى قال الآخر له، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِى السَّبْتِ﴾ (١) قيل: جاوزوا المقدار الذى حد لهم. فيه جواز الانتصار من الظالم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٣) قيل: هذا على ظاهره، والآية محكمة والانتصار من الظالم محمود حسن وقيل: نسختها آية السيف، فهى منسوخة، وأبعد بعضهم النسخ فى مثل هذا، قال: لأنه خبر ولا يبعد النسخ فيه؛ لأنه وإن كان خبرًا لمدح من هو بهذه الصفة، فقد حض على العمل بها قوله، ثم [نسخ ذلك] (٤)، وأن الخبر الذى لا يدخله النسخ فهو ما كان خبرًا عن شىء وقع وأمر كان لا مثل هذا. ومع هذا كله فالعفو والصفح أفضل، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٦) وقال ﵊ فى الحديث بعد هذا: " ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا " (٧) وسباب المؤمن فسوق محرم كما قال ﵇.
جعل هذا الإثم على البادئ إذا لم يتعد الثانى، ومعناه: أن الثانى رد عليه مَنْ سبه مثله ما لم يتعدى إلى غيره من سلف، وإنما سبه فى نفسه بمثل ما سبه به ونحوه، مما هو أيضاً غير بهتان ولا كذب. وقد يكون التعدى الذى منع منه هذا من ذكر ما لا يباح له ذكره بحال من سبه بكذب وبهتان، وإن كان الأول قد رماه به، أو من ذكر سلفه وغير نفسه فى سبه، أو بالزيادة فى نوع سبه، وإن كان مما قد يجوز سب المربى عند التأديب كالأحمق والجاهل والظالم؛ لأن أحدًا لا ينفك من بعض هذه الصفات إلا الأنبياء والأولياء فهو إذا كافأه بسبه فلا حرج عليه، وبقى الإثم على الأول بابتدائه وتعرضه (٨) لذلك. وقد يقال: إنما يرتفع عنه حق صاحبه وتباعته، ويبقى حق الله - تعالى - فى تعديه لعرض أخيه. وقد يقال: إن الإثم يرتفع بانتصاف هذا منه، ويكون قوله: " على البادئ ": أى اللوم والذم لتعرضه لذلك.
стр. 4492
(١٩) بَاب اسْتِحْبَابِ الْعَفْوِ وَالتَّوَاضُعِ
٦٩ - (٢٥٨٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ ".
ــ
قوله: " ما نقصت صدقة من مال ": فيه وجهان:
أحدهما: أنه بقدر ما نقص منه يزيده الله فيه وينميه ويكثره.
والثانى: أنه وإن نقص فى نفسه ففى [الثواب والأجر] (١) عنها ما يجبر ذلك النقص بإضعافه.
وقوله: " ما زاد الله [عبدًا] (٢) بعفو إلا عزًا ": فيه - أيضًا - وجهان:
أحدهما: ظاهره أن من عرف بالصفح والعفو ساد وعظم فى القلوب وزاد عزه.
الثانى: أن يكون أجره على ذلك فى الآخرة وعزته هناك (٣).
" وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ": فيه وجهان كذلك:
أحدهما: أن الله - تعالى - يمنحه ذلك فى الدنيا جزاء على تواضعه له، وأن تواضعه يثبت له فى القلوب محبة ومكانة وعزة.
والثانى: أن يكون ذلك ثوابه فى الآخرة على تواضعه.
وهذه الوجوه كلها فى الدنيا ظاهرة موجودة، وقد صدق ﵇ فيما أخبر منها. وقد يكون جمع الوجهين فى جميعها. وكان هذا كله تنبيهًا على رد [قول] (٤) من يقول (٥): الصبر والحلم الذل. ومن قاله من الجملة فإنما أراد به [شبهه] (٦) فى الاحتمال وعدم الانتصار.
стр. 4493
(٢٠) بَاب تَحْرِيمِ الْغِيبَةِ
٧٠ - (٢٥٨٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ". قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِى أَخِى مَا أَقُولُ؟ قَالَ: " إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ ".
ــ
قوله: " أتدرون ما الغيبة؟ " إلى قوله: " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن [فيه] (١) فقد بهته ": كذا هو بفتح الهاء مخففة، وأخطأ من شددها.
قال الإمام: يقال: بهت فلان فلاناً: إذا كذب عليه فبهته، أى يخبر فى كذبه عليه ﴿[فَبُهِتَ] (٢) الَّذِي كَفَرَ﴾ (٣): أى قطع حجته [فتحير] (٤). والبهتان: الباطل الذى يتحير فى بطلانه.
قال القاضى: والأولى فى تفسير هذا الحديث أن يكون من البهتان، أى قلت فيه البهتان، ويفسره الحديث الآخر: " وإن قلت باطلاً فذلك البهتان " (٥). وقيل (٦): بهته وأبهته بما لم يفعل، وهو قريب من الأول. قال صاحب الأفعال: بهت الرجل دهش، على ما لم يسم فاعله، وهى لغة القرآن الفصيحة. وبهت بضم الهاء جائز. وبهته بهتاً وبهتاناً: قذفه.
الاغتياب محرم، وأصله: ذكر الإنسان بما يسوؤه فى غيبته، والبهت فى وجهه، وكلاهما مذموم كان بحق أو باطل، إلا أن يكون لوجه شرعى، أن يقول له ذلك فى وجهه على طريق الوعظ والنصيحة. ويستحب فيمن كانت منه زلة التعريض دون التصريح؛ لأن التصريح يهتك حجاب الهيبة، وقد كان ﵊ كثيراً ما يقول: " ما بال أقوام يفعلون كذا " (٧). ولا يواجه به. وأما فى الظهر والغيبة ففى مثل تجريح الشاهد والعالم المقتدى به إذا دعت إليه ضرورة، أو فى النصيحة عند المشورة، وإن اكتفى فى المشورة بالتعريض وتركه تعيين العيب فحسن.
стр. 4494
(٢١) بَاب بِشَارَةِ مَنْ سَتَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَيْبَهُ فِى الدُّنْيَا بِأَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ فِى الْآخِرَةِ
٧١ - (٢٥٩٠) حَدَّثَنِى أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ الْعَيْشِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِى الدُّنْيَا، إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
٧٢ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِى الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
ــ
قوله: " [لا يستر الله عبدًا] (١) فى الدنيا إلا ستره يوم القيامة ": يكون ستره له ستر عيوبه ومعاصيه عن إذاعتها على أهل المحشر، وقد يكون ترك محاسبته عليها وذكرها له. والأول أظهر؛ لما جاء فى الحديث الآخر: " سترك بذنوبه "، يقول: " سترتها عليك فى الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم " (٢).
стр. 4495
(٢٢) بَاب مُدَارَاةِ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ
٧٣ - (٢٥٩١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ؛ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ: " ائْذَنُوا لَهُ، فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ "، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ لَهُ الَّذِى قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ؟ قَالَ: " يَا عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ وَدَعَهُ - أَوْ تَرَكَهُ - النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِه ".
(...) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ فِى هَذَا الْإِسْنَادِ. مِثْلَ مَعْنَاهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " بِئْسَ أَخُو الْقَوْمِ وَابْنُ الْعَشِيرَةِ ".
ــ
قوله ﵊ للذى قال له: " بئس ابن العشيرة ": فيه أنه لا غيبة فيمن جاهر بفسقه، ولا كافر، ولا أمير جائر، ولا صاحب بدعة، وهذا الرجل هو عيينة ابن حصن، وكان حينئذ - والله أعلم - لم يسلم، فلم يكن القول فيه غيبة، أو أراد ﵊ إن كان قد أظهر الإسلام أن يبين حاله لئلا يغتر به من لم يعرف باطنه، وقد كان منه فى حياة النبى ﵊ وبعده من هذه الأمور ما دلت على ضعف إيمانه.
وإلانة النبى ﵊ له بالقول بعد هذا القول، تألفاً لمثله على الإسلام، بل فيه من أعلام النبوة قول النبى أنه: " بئس ابن العشيرة " علم من أعلام نبوته، وقد ظهر ذلك منه؛ إذ هو ممن ارتد وجىء به أسيرًا إلى أبى بكر، وله مع عمر بن الخطاب خبر - والله أعلم - بما ختم له به.
هذا من المداراة وهو بذل الدنيا [لصلاح الدنيا والدين. وهى مباحة مستحسنة فى بعض الأحوال، خلاف المداهنة المذمومة المحرمة، وهو بذل الدين لصلاح الدنيا] (١) والنبى ﵊ هنا بذل له من دنياه حسن عشيرته، ولا سيما كلمته وطلاقة وجهه،
стр. 4496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولم يمدحه بقول، ولا روى ذلك فى حديث فيكون خلاف قوله فيه لعائشة، فلا يعترض على هذا بالمداهنة ولا بحديث ذى الوجهين، والنبى ﵊ منزه عن هذا كله، وحديثه أصل فى المداراة وغيبة أهل الفسوق والكفار وأهل البدع والمجاهرة.
ومعنى قوله: " ابن العشيرة وأخو العشيرة ": أى القبيلة والجماعة، والعرب [تستعمل] (١) مثل هذا القول: نعم ابن العشيرة وأخو العشيرة، يريدون قومه. وعشيرة الرجل: جماعته وقومه. وقد مضى تفسيره قبل.
وقوله ﵇: " إن من شر الناس منزلة عند الله، من ودعه الناس أو - تركه - اتقاء فحشه "، قال الإمام: قال شمر: زعمت النحوية أن العرب أماتوا مصدر يدع وماضيه، والنبى ﵊ أفصح العرب، وقال: " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعة " (٢) أى تركهم.
قال القاضى: مذهب النحوية فى قولهم: " أماتوه " لم يكثروا استعماله، واستعملوا أمثال من ترك ورفض والرفض والنزل. وقولهم: " أماتوه " يدل عليه، فإن تكلم به متكلم منهم فليس لكثرة كلامهم بعده، ألا ترى أن هذين اللفظين من المصدر والفعل لا يكاد يوجد عن النبى ﵊ فى غير هذين الحديثين، مع شك الراوى فى لفظ النبى كيف كان على ما فى الحديث، ولم يقل النحوية: إنه خطأ؛ إذ لا يجوز قوله فيكن منهم الاعتراض. قوله: " اتقاء فحشة ": أى قبيح كلامه؛ لأنه كان من جفاة الأعراب وحمقائها وسادتها، وكان يسمى الأحمق المطاع.
стр. 4497
(٢٣) بَاب فَضْلِ الرِّفْقِ
٧٤ - (٢٥٩٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ ".
٧٥ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ - كُلُّهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا - جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ الْعَبْسِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ ".
٧٦ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ حُرِمَ الرِّفْقَ حُرِمَ الْخَيْرَ، أَوْ مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ ".
ــ
قوله: " من يحرم الرفق يحرم الخير": دل أن الرفق خير كله، ودليل على فضله؛ لأنه سبب كل خير، وجالب كل نفع، بضد الخوف والعنف، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١). وقد ذكر فى الحديث أن الله يعطى على الرفق ما لا يعط على العنف، أى يتأتى به من الأعراض ويسهل من المطالب به ما لا يتأتى بغيره. وقال فى الحديث الآخر: " ما يكون فى شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه "؛ لأن التهور ليس من محاسن الأخلاق، وهو من مذامها. والعنف هو ضد الرفق بضم العين. قال أبو مروان بن سراج: ويقال بفتحها وكسرها.
وقوله فى حديث جابر فى هذا الباب: حدثنا يحيى بن يحيى، أنبانا عبد الواحد بن زياد عن محمد بن إسماعيل. كذا عند جماعة شيوخنا وسائر النسخ، وفى كتاب القاضى
стр. 4498
٧٧ - (٢٥٩٣) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ، حَدَّثَنِى ابْنُ الْهَادِ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ - يَعْنِى بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِى عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِى عَلَى مَا سِوَاهُ ".
٧٨ - (٢٥٩٤) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْمِقْدَامِ - وَهُوَ ابْنُ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِى شَىْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا شَانَهُ ".
٧٩ - (...) حَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَزَادَ فِى الْحَدِيثِ: رَكِبَتْ عَائِشَةُ بَعِيرًا. فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ، فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ ". ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
ــ
أبو عبد الله بن عيسى: عبد الرحمن بن زياد، والأول الصواب. وعبد الواحد ذكره البخارى والحاكم، قد اتفقا عليه، وهو أبو بشر العبدى.
وقوله فى هذا الحديث: " إن الله رفيق يحب الرفق "، قال الإمام: البارى لا يوصف إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسول الله ﷺ ، أو أجمعت الأمة عليه. قال الشيخ أبو الحسن الأشعرى: أو على معنى وما لم يرد فيه إذن فى إطلاقه، ولا ورد فيه منع ولم يستحل وصف البارى تعالى به، ففيه اختلاف، هل يبقى على حكم العقل لا يوصف بتحليل ولا تحريم، أو يمتنع لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ (١) فأثبت كون أسمائه حسنى، ولا حسن إلا ما ورد الشرع به.
وبين المتأخرين من الأصوليين اختلاف - أيضاً - فى تسمية البارى - سبحانه - بما ورد عن رسول الله ﷺ من جهة أخبار الآحاد، فقال بعض المتأخرين من حذاق الأشعرية: يجوز أن يسمى بذلك؛ لأن خبر الواحد عنده يقتضى العمل، وهذا [عنده] (٢) من باب العمليات، لكن يمنع من استعمال الأقيسة الشرعية، وإن كانت يعمل بها فى المسائل الفقهية.
стр. 4499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومال بعض المتأخرين منهم إلى المنع من ذلك، ولم ير خبر الواحد عائداً عن الواحد بخبر إطلاق التسمية على الله - سبحانه.
والأصل فى قبول خبر الواحد [والعمل به إجماع الصحابة - رضى الله عنهم - وما فهم عنهم فى المسائل منقولة عنهم استعمال خبر الواحد] (١) فيها، فكان من أجاز قبول خبر الواحد فى تسمية الله - سبحانه -[فهم من مسالك الصحابة قبولهم ذلك فى مثل هذا، ومن منع منه لم يفهم من مسالكهم قبول مثل هذا] (٢)، ولا يثبت الإجماع عنده على قبوله ملحق ما لم يقم عليه دليل. فقوله فى هذا الحديث: " إن الله رفيق " أنه لم يرد فى الشريعة بإطلاقه، سواء هذا جرى على ما أصلته لك هاهنا من الاختلاف، ويحتمل أن يكون رفيق بعبد صفة فعل، وهو ما يخلقه الله - تعالى - من الرفق لعباده، كأحد التأويلين فى تسميته لطيف أنه بمعنى ملطف. وإلى هذا مال بعض أصحابنا. وقال بعضهم: يحتمل أن يريد: أنه ليس بعجول. وهذا يقارب معنى الحلم.
стр. 4500
(٢٤) بَاب النَّهْى عَنْ لَعْنِ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا
٨٠ - (٢٥٩٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَامْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: " خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ ".
قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّى أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِى فِى النَّاسِ، مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ.
٨١ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِىُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ. بِإِسْنَادِ إِسْمَاعِيلَ. نَحْوَ حَدِيثِهِ. إِلَّا أَنَّ فِى حَدِيثِ حَمَّادٍ: قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهَا نَاقَةً وَرْقَاءَ. وَفِى حَدِيثِ الثَّقَفِىِّ: فَقَالَ: " خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَأَعْرُوهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ ".
٨٢ - (٢٥٩٦) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا التَّيْمِىُّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى بَرْزَةَ الْأَسْلَمِىِّ، قَالَ: بَيْنَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ، عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ الْقَوْمِ، إِذْ بَصُرَتْ بِالنَّبِىِّ ﷺ ، وَتَضَايَقَ بِهِمْ الْجَبَلُ. فَقَالَتْ: حَلْ. اللَّهُمَّ الْعَنْهَا. قَالَ: فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " لَا تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ ".
٨٣ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ. ح وحَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ
ــ
وقوله فى الناقة التى لعنتها المرأة: " دعوها فإنها ملعونة "، " ولا تصاحبنا ناقة عليها لعنة "، " خذوا ما عليها وأعروها فإنها ملعونة "، وقول عمران بن حصين: " فكأنى أنظر إليها ناقة ورقاء، تمشى فى الناس وما يعرض لها أحد "، قال القاضى: الورقاء من النوق التى يخالط بياضها سواد، والذكر أورق.
وقوله: فقالت: " حل ": هى كلمة يزجر بها الإبل. يقال: حل يحل بسكون اللام فيهما، ويقال: حل حل بكسر اللام وتنوينها وبغير تنوين أيضاً.
وأمر النبى ﵊ فى هذه الناقة بما أمر من أخذ ما عليها وإعرائها من أداتها؛ لأنها لعنتها صاحبتها لأمر أطلعه الله عليه فيها من لزوم اللعنة لها، أو لمعاقبة
стр. 4501
ابْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ - جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ: " لَا، أَيْمُ اللَّهِ، لَا تُصَاحِبْنَا رَاحِلَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ مِنْ اللَّهِ " أَوْ كَمَا قَالَ.
٨٤ - (٢٥٩٧) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ - عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَنْبَغِى لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا ".
(...) حَدَّثَنِيهِ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
٨٥ - (٢٥٩٨) حَدَّثَنِى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِى حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ
ــ
صاحبتها؛ لنهيه قبل عن اللعن. فإن كان هذا وجهه ففيه العقاب فى المال ليزجر غيرها عن ذلك. وأصل اللعن: الترك، وقيل: البعد، كذا قال أهل اللغة. فلما دعت عليها باللعنة وكانت غير مكلفة ممن تدركها لعنة العقاب استعمل فيها معنى اللعنة اللغوية من الترك والإبعاد والخروج عن الملك؛ معاقبة لقائلها - والله أعلم.
وقوله: " لا ينبغى لصديق أن يكون لعاناً ولا يكون اللاعنون شفعاء يوم القيامة ولا بشهداء ": كله تعظيم لإثم اللعن وتجنبه، وأنه ليس من أخلاق المؤمنين والصديقين ولا الشهداء والشفعاء يوم القيامة، وأن مَنْ تخلق به فليس من هذه الطبقات العزيزة الرفيعة؛ لأن اللعنة - وإن كان أصلها فى اللغة الترك والإبعاد - فصار استعمالها فى الدعاء الإبعاد من رحمة الله، وليس هذه خلق المؤمنين، الذين وصفهم الله بالرحمة بينهم والتعاون على البر، وأنهم كالجسد الواحد، وكالبنيان يشد بعضه بعضاً، وأن المسلم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومثله قوله ﷺ فى الحديث بعده: " إنى لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة "، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة، وهى البعد (١) من رحمة الله، وهى بمثابة المتناطعة والعداوة ومحبة الشر أجمعه له، وهو ضد الشفاعة والشهادة المتنتضية للإشفاق والرحمة وهى (٢) غاية ما يرده الكافر، وغاية مآله وعاقبة أمره، فكيف يجوز لمسلم وقر الإيمان فى قلبه أن يحبه لأخيه ويدعو عليه به؟! ولذا جاء فى الحديث الآخر: " فكأنه قتله "، قيل: لأن القائل قطع منافعه الدنيوية وحياته فيها عنه، وهذا باللعنة سعى فى قطع منافعه الأخروية وحياته فى النعيم الدائم، بإبعاده من الجنة وإلحاقه بأصحاب النار المبعدين، إذ هى مآل
стр. 4502
أَسْلَمَ؛ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَعَثَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ اللَّيْلِ، فَدَعَا خَادِمَهُ، فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَلَعَنَهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَتْ لَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ لَعَنْتَ خَادِمَكَ حِينَ دَعَوْتَهُ. فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
(...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ وَعَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِىُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِى هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ.
٨٦ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَبِى حَازِمٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
٨٧ - (٢٥٩٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِيَانِ الْفَزَارِىَّ - عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: " إِنِّى لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ".
ــ
الملعونين ودار المبعدين.
وفيه يحتمل أن يكون معنى: " فكأنما قتله، فى الإثم، أى أن له من الإثم على لعنه كالإثم على قتله، وقد يكون هذا فى اللعانين عقاباً لهم ونقصاً من منازلهم؛ لأن الشفاعة فى الآخرة والشهادة إنما هى من الشفقة (١)، على المذنبين والرحمة لهم، فحرمها هؤلاء بفعلهم ضدها من اللعنة لهم المتنتضية للقسوة عليه. وما روى عن النبى ﵊ فى لعن من لعنه بذكره بعد هذا ومعناه.
وقوله فى أول هذا الحديث: " بعث إلى أم الدرداء بخادم ": كذا لابن ماهان، وللجلودى: بأنجاد، بفتح الهمزة، وهو جمع نجد، وهو متاع البيت الذى ينجد به من فرش وستور ووسائد. والتنجيد: التزيين، وبيت منجد: مزين بمتاعه.
стр. 4503
(٢٥) بَاب مَنْ لَعَنَهُ النَّبِىُّ ﷺ أَوْ سَبَّهُ أَوْ دَعَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ أَهْلًا لِذَلِكَ، كَانَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا وَرَحْمَةً
٨٨ - (٢٦٠٠) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَانِ، فَكَلَّمَاهُ بِشَىْءٍ لَا أَدْرِى مَا هُوَ، فَأَغْضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا. فَلَمَّا خَرَجَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَصَابَ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا مَا أَصَابَهُ هَذَانِ. قَالَ: " وَمَا ذَاكِ؟ ". قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا. قَالَ: " أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّى؟ قُلْتُ: اللَّهُمَّ، إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَىُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا ".
(...) حَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَاه عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ. وقَالَ فِى حَدِيثِ عِيسَى: فَخَلَوَا بِهِ فَسَبَّهُمَا، وَلَعَنَهُمَا، وَأَخْرَجَهُمَا.
٨٩ - (٢٦٠١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ، إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ، أَوْ لَعَنْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً ".
ــ
قوله: " اللهم إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، وإنى اتخذت عندك ربى عهدًا لن تخلفنيه، فأىّ مسلم لعنته أو سببته أو جلدته - وفى رواية: أو آذيته - فاجعله له زكاة وأجرًا "، وفى رواية: " وكفارة ورحمة وقربة، تقربه إليك يوم القيامة " على اختلاف ألفاًظ الحديث، وزيادة بعضها على بعض، قال الإمام: فإن قيل: قوله ﵊: " [اللهم] (١) إنى أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، وأيما أحد دعوت عليه من أمتى بدعوة ليس لها بأهل ". الحديث، قال الإمام - وفقه الله -: إن قيل: كيف يدعو النبى ﵊
стр. 4504
(٢٦٠٢) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ: " زَكَاةً وَأَجْرًا ".
(...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، مِثْلَ حَدِيثِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ عِيسَى جَعَلَ " وَأَجْرًا " فِى حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ.
ــ
بدعوة على من ليس لها بأهل، وهذا مما لا يليق به ﷺ ؟
قيل: المراد بقوله: ليس لها بأهل عندك فى باطن أمره، لا على ما يظهر إليه ﵊ مما يقتضيه حاله حين دعائه عليه، فكأنه ﵊ يقول: من كان باطن أمره عندك أنه ممن يرضى عنه فاجعل دعوتى عليه الذى اقتضاها ما ظهر إلى من مقتضى حاله حينئذ طهوراً وزكاة. وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه وهو ﵊ متعبد بالظواهر، وحساب الناس فى البواطن على الله تعالى.
فإن قيل: معنى قوله: " وأغضب كما يغضب البشر " وهذا يشير إلى أن تلك الدعوة وقعت بحكم سورة الغضب، لا على أنها من مقتضى الشرع، فبقى السؤال على حاله؟ قيل: يحتمل أن يكون ﵊ أراد أن دعوته ﵊ أو سبه أو جلده كان مما خير بين فعله له عقوبة به للجانى (١)، أو تركه. والزجر له بما سوى ذلك، فيكون الغضب لله تعالى على لعنته أو جلده، ولا يكون ذلك خارجاً عن شرعه ولا موقعاً له فيما لا يجوز.
ويحتمل أن يكون خرج هذا مخرج الإشفاق منه ﵊ وتعليم أمته الخوف مِنْ تعدى حدود الله تعالى، فكأنه ﵊ يظهر الإشفاق من أن يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة فى عقوبة الجانى لولا الغضب ما زادها ولا أوقعها، ويكون ذلك من الصغائر على القول بجواز وقوعها من (٢) الأنبياء ﵈ وإشفاقاً منه ﵊ وإن لم يقع منه. وقد وقع اللعن والسباب من غير قصد إليه، فلا يكون فى ذلك نازل منزلة اللعنة الواقعة رغبة منه إلى الله سبحانه وطلباً للاستجابة، فمثل هذه الطرائق ينبغى أن تسلك فى [مثل] (٣) هذا الحديث.
قال القاضى: [قد] (٤) يحتمل أن يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود ولا
стр. 4505
وَجَعَلَ " وَرَحْمَةً " فِى حَدِيثِ جَابِرٍ.
٩٠ - (٢٦٠١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِىِّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " اللَّهُمَّ، إِنِّى أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَىُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ، شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً، تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
(...) حَدَّثَنَاه ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: " أَوْ جَلَدُّهُ ".
قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: وَهِىَ لُغَةُ أَبِى هُرَيْرَةَ. وَإِنَّمَا هِىَ " جَلَدْتُهُ ".
(...) حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
ــ
منوى، لكن بما جرت به عادة العرب فى دغم كلامها وصلة خطابها، وإيراد بعض ألفاًظها عند حرجها وتأكيدها وعينها، ليس على نية إجابة ذلك، كقوله: " تربت يمينك "، و " عقرى حلقى "، ونحوه مما جاء فى الحديث من قوله: " لا كبر سنك "، " ولا أشبع الله بطنك "، وقد يسمون السب لعناً، فأشفق ﵇ من موافقة أمثالها، فعاهد ربه ودعاه ورغب إليه بأن يجعل ذلك القول رحمة وقربة كما قال، ولم يكن صفته ﵇ الفحش ولا التفحش، ولا بعث سباباً ولا لعاناً.
ومثل هذا إنما كان يجرى على لسانه فى الليل، وقد تقدم فى الحديث أن يدعو على دوس؛ لأنها كفرت، فقال: " اللهم اهد دوساً "، وقال للذى جرحه وأدمى وجهه يوم أحد: " اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون ".
وقد يكون فعله (١) هذا ﵇ ودعاؤه ربه إشفاقاً على المدعو عليه وتأنيساً، لئلا يلحقه من الخوف والحذر من ذلك ومن يقبل دعائه ما يحمله على اليأس والقنوط، وقد يكون سؤالاً منه لربه فيمن جلده أو سبه بوجه حق وعقاب على جرم، أن يكون ذلك عقوبة فى الدنيا وكفارة له لما فعله، [وتمحيصاً] (٢) له عن عقابه عليه فى الآخرة، كما جاء فى الحديث الآخر، وهو أحد معانى الصلاة فى اللغة.
وقوله: " وفدية ": أى اجعل لعنتى وجلدى له فدية من عذابك فى الآخرة.
وأما قوله: " أغضب كما يغضب البشر ": فهو ﵊ لا يقول ولا
стр. 4506
عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.
٩١ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ سَالِمٍ - مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ، إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّى قَدْ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ، أَوْ سَبَبْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً، وَقُرْبَةً، تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
٩٢ - (...) حَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ، فَأَيُّمَا عَبْدٍ مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
٩٣ - (...) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ، إِنِّى اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
٩٤ - (٢٦٠٢) حَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنِّى اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّى أَىُّ عَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا ".
ــ
يفعل فى حال غضبه ورضاه إلا صدقاً وحقاً، لكن غضبه لله تعالى قد يحمله على الشدة فى أمره، وتعجيل عقوبة مخالفه، وترك ما قد أبىح له من الإغضاء عنه والصفح، فقد جاء فى الحديث: أنه " ما انتقم لنفسه قط إلا أن ينتهك حرمة الله " (١).
وفى الباب: عن سالم مولى النصريين، بالصاد المهملة، وعند العذرى بالمعجمة، وهو خطأ، والصواب الأول وهو سالم الملقب بسيلان، أبو عبد الله مولى مالك بن أوس ابن الحدثان البصرى، ويقال: مولى شداد البصرى (٢)، وكذا قاله البخارى وغيره.
فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِىَ: " اذْهَبْ فَادْعُ لِى مُعَاوِيَةَ ". قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ فَقَالَ: " لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ ".
قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: قُلْتُ لِأُمَيَّةَ: مَا حَطَأَنِى؟ قَالَ: قَفَدَنِى قَفْدَةً.
٩٧ - (...) حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَبَأْتُ مِنْهُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
ــ
وضحك النبى ﷺ من خوف أم سليم وهيبتها من إجابة دعوته، قيل: إنه ﵊ لم يقصد الدعاء عليها، إلا كما تقدم من الجارى على لسان العرب.
وقوله: " تلوث خمارها ". أى تديره على رأسها.
وقوله: " كنت ألعب مع الصبيان ": فيه جواز ترك الصبيان لذلك.
وقوله: فجاء رسول الله ﷺ فحطأنى حطأة - بحاء وطاء مهملة والطاء ساكنة مهموز - وقال: " اذهب فادع لى معاوية " فجئت، فقلت: هو يأكل إلى قوله: " لا أشبع الله بطنه "، قال الإمام: يحمل على أنه من القول السابق إلى اللسان من غير قصد إلى وقوعه، ولا رغبة إلى الله تعالى فى استجابته.
وأما قوله: " فحطأنى حطأة " ذكر مسلم عن أمية - يعنى ابن خالد - فى معناه: " قفدنى قفدة " بتقديم القاف. قال الهروى فى حديث ابن عباس هذا: " فحطانى حطوة " جاء به الراوى غير مهموز، وقال ابن الأعرابى: الحطو: تحريك الشىء مزعزعاً له، ورواه شمر بالهمز، وحكى عن غيره: لا تكون الحطأة إلا ضربة بالكف [على] (١) بين الكتفين.
قال القاضى: الحطاة، قيل: لا تكون إلا [بالضرب باليد] (٢) مبسوطة. وتفسير أمية لها بالقفد قريب منه، وهو صفح القفا، وقيل: صفح الرأس، ويحتمل أن فعل النبي به ذلك ليس على طريق الصفع والعقاب؛ إذ لم يتقدم بالخبر ما يوجب ذلك، ولكنه على طريق ما يفعل بالصغار والشباب من الملاعبة والتأنيس لهم، كما قيل: أذَّن ابن عباس فى الصلاة. ويحتمل أنه قصد تأديبه على أمر فرّط فيه لمن أمره واشتغل باللعب عنه. ولذلك يحتمل أن دعاءه على معاوية كان على طريق جد وتحقيق وضجر عليه؛ إذ لم يبادر بإجابة دعوته المرة بعد الثانية، ولعله ظن أنه أمر على تراخ وغير معجل، أو كان محتاجاً إلى الطعام.
стр. 4509
(٢٦) بَاب ذَمِّ ذِى الْوَجْهَيْنِ، وَتَحْرِيمِ فِعْلِهِ
٩٨ - (٢٥٢٦) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِى يَأْتِى هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ".
٩٩ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِى يَأْتِى هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ".
١٠٠ - (...) حَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . ح وحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَجِدُونَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِى يَأْتِى هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ".
ــ
وقوله: " من شر الناس ذو الوجهين ": تقدم الكلام فيه وهو بين وهذا فيما ليس طريقه الإصلاح والخير بل فى الباطل والكذب وتزيينه لكل طائفة عملها وتقبيحه عند الأخرى، وذم كل واحدة عند الأخرى [بخلاف المداراة والإصلاح المرغب فيه، وإنما يأتى لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى] (١)، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى وينقل لها الجميل عنها.
стр. 4510
(٢٧) بَاب تَحْرِيمِ الْكَذِبِ وَبَيَانِ الْمُبَاحِ مِنْهُ
١٠١ - (٢٦٠٥) حَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ أُمَّهُ - أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِى مُعَيْطٍ - وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِىَّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: " لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِى يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِى خَيْرًا ".
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِى شَىْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِى ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا.
ــ
وقوله: " ليس الكذاب الذى يصلح بين الناس ويقول خيرًا وينمى خيرًا " بعد هذا فى الأم يبين ما قلناه.
وقول ابن شهاب فى الحديث: " لم أسمع أحدًا يرخص فى شىء مما يقول الناس كذب إلا فى ثلاث: الحرب، والإصلاح [بين الناس] (١)، وكذب الرجل امرأته وكذب المرأة زوجها "، قال القاضى: لا خلاف فى جواز الكذب فى هذا.
واختلف فى الصورة الجائزة فيه (٢)، وما هو هذا الكذب المباح فى هذه الأبواب؟ فحمله قوم على الإطلاق، وأجازوا قول ما لم يكن فى ذلك لما فيه من الصلاحِ، وأن الكذب المذموم إِنما هو ما فيه مضرة المسلمين، واحتجوا بقول: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٣) وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٤)، وقوله: " فإنها أختى " (٥)، وقول منادى يوسف: ﴿أَيَّتُهَا العِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٦)، وقالوا: لا خلاف أن من رأى رجلاً يريد أن يقتل مسلمًا، أو يقدر على أن ينجيه منه بالكذب، أنه واجب عليه مثل أن يقول: ليس [هو] (٧) هاهنا، أو ليس هو فلان، ونحو هذا. فإذا كان واجبًا هنا فهو جائز فيما فيه الصلاح.
وقال آخرون - وهو مذهب الطبرى -: لا يجوز الكذب في شىء من الأشياء، ولا
стр. 4511
(...) حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ،
ــ
الخبر عن شىء بخلاف مخبره عن شىء، وما جاء فى هذا من الإباحة فإنما هو مما لا يجوز فى غيره للضرورة هنا، إنما هو على التورية وطريق المعاريض لا تصريح الكذب، مثل أن يعد زوجته بأن يغفر لها ويحسن إليها، ونيته في ذلك إنّ قدر الله أو إلى مدة ذلك وثناؤه وإثابتها فى غير هذا بكلمات مشتركة وألفاًظ متحملة (١)، يفهم منها ما يطيب قلبها، وكذلك فى الإصلاح بين الناس ونقل ما ينقل لها ولا عن هؤلاء من كلام جميل، وقول حسن، وعذر محتمل، وكذلك فى الحرب، كما كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، مثل أن يقول: هل لكم فى قتال بنى فلان [غزو بلد] (٢) كذا، أو تأهبوا لغزو [بلد] (٣) كذا، وقد وجب غزو بنى فلان، [أو] (٤) أنا أغزو بلد (٥) كذا ونيته وقتاً آخر، وكذلك أن يقول لمبارزة الخيل: سرجك، ويريد فيما مضى، ويقول للجيش من عدوه: مات إمامكم الأعظم ليدخل الذعر قلوبهم ويريد النوم، وشبه (٦) هذا، [أو يقول: غدًا يقدم علينا مدد، وهو قد أعدَّ قومًا من عسكره ليأتوا فى صورة المدد] (٧).
فهذا من الخدع الجائزة والمعاريض المباحة، فمثل هذا كله من المعاريض التى فيها مندوحة عن الكذب. وتأولوا قصة إبراهيم ويوسف منها أنها معاريض، ووجوه أخر معروفة.
وأما قوله: " والمرأة تحدِّث زوجها ": فيحتمل أن هذا فيما يحدث كل واحد منهما الآخر من ودِّه له واغتباطه له، وإن كان أكثر مما يعتقده لما فى ذلك من الصلاح ودوام الألفة بينهما، والله أعلم.
وأما إذا كانت المخادعة مع العدو، أو المواعدة مع الزوجة بالأيمان والعهود، أو أخذ عوض من مال الزوجة على ما وعدها به، فلا يحل شىء من ذلك عند الجميع، وهو عاص كاذب، آثم فيما لم يف به من ذلك.
وقوله فى هذا الباب: فى كتاب مسلم من حديث عمرو الناقد بسنده عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بهذا الإسناد، [هذا] (٨) هو الصواب، وكذا سمعناه فى الكتاب، وكان فى بعض نسخ مسلم فيه: محمد بن عبد الله بن [عبيد الله] (٩)
стр. 4512
مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ صَالِحٍ: وَقَالَتْ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِى شَىْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلَّا فِى ثَلَاثٍ. بِمِثْلِ مَا جَعَلَهُ يُونُسُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ.
(...) وحَدَّثَنَاه عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. إِلَى قَوْلِهِ: " وَنَمَى خَيْرًا "، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
ــ
ابن شهاب، وهو خطأ، وعلى الصواب قرأناه وسمعناه من شيوخنا، لكن كتبنا فيه عن أبى بحر الرواية: ابن عبد الله بن عبيد الله، وهو خطأ، والصحيح ما فى الكتاب.
стр. 4513
(٢٨) بَاب تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ
١٠٢ - (٢٦٠٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: " أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِىَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ ". وَإِنَّ مُحَمَّدًا قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ يَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، وَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا ".
ــ
وقوله: " ألا أنبئكم ما العضه؟ هى النميمة القالة بين الناس ": كذا روايتنا عن أكثر شيوخنا: " العضدة " مثل العدة. وعند الجيانى: " العضه " مثل الوجه. جاء فى الحديث مفسرًا بالنميمة، ثم فسرها بالقالة بين الناس، أى نقل القول بينهم عن بعضهم البعض.
قال الإمام: قيل فى قوله: ﴿جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ (١): هو جمع عضه، من: عضيت الشىء: أى مزقته. قال ابن عباس: آمنوا ببعض وكفروا ببعض، فلعل النميمة سميت عضة؛ لأنها تفرق بين الناس.
قال القاضى: قد جاء مفسرًا فى الحديث بما لا يحتاج إلى غيره. وقد قيل فى تفسير العضة: إنها السحر. وقيل: قول البهتان، وقد تقدم تفسيره فى قوله: " لا يعضه بعضاً بعضاً ". وقد قيل فى قوله: ﴿جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ أى سحرًا؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (٢).
стр. 4514
(٢٩) بَاب قُبْحِ الْكَذِبِ، وَحُسْنِ الصِّدْقِ، وَفَضْلِهِ
١٠٣ - (٢٦٠٧) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا ".
١٠٤ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ــ
قوله: " إن الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ويكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ": فيه تحريض على تحرى الصدق وتجنب الكذب وترك التساهل فيه؛ فإن ذلك يؤدى إلى أمثاله، ويقع فيه ويكثر منه إذا لم يتحفظ من الكذب حتى يعرف به، ويكتب عند الله بالمبالغة فى الصدق إذا اعتاده، أو بالكذب إذا اعتاده، فإن فعيل وفعال من " صديق، وكذاب " من أبنية المبالغة والكثرة. ومعنى كتبنا هنا: أى حكم عليه وله بذلك وحق له منزلة الصديقين وثوابهم، أو صفة الكذابين وعقابهم. وقيل فى قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ (١): أى حكم، ويكون هذا إظهار حكمه فيها وإنفاذ قدرة له بالشقاوة والسعادة بمقتضى الصفتين، أو كتب ذلك فى كتاب ليشهر (٢) بالصفتين فى الملأ الأعلى، أو يلقى ذلك فى ألسنة الناس، كما يوضع القبول والبغضاء، وإلا فقضاؤه المتقدم وكتابه السابق قد سبق فيه بما كان ويكون فيه هذا.
ثم الحديث عندنا فى جميع النسخ الواصلة إلينا والروايات المتصلة بمسلم والبخارى عندنا، إلا أن أبا مسعود الدمشقى زاد عن مسلم فى حديث ابن المثنى وابن بشار فى هذا الباب: وإن شر الروايا روايا بالكذب وإن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ولا بعد الرجل مبيته ثم يحلفه. وذَكر الدمشقى أن مسلماً أخرج هذه الزيادة وقد ذكرها أيضاً فى الحديث أبو بكر البرقانى، قال أبو عبيد الله الحميدى: وليست عندنا فى كتاب مسلم.
ومعنى " الروايا " هنا قيل: جمع روية، وهو ما يرويه المرءُ يعده أمام عمله أو قوله،
стр. 4515
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا ".
قَالَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ فِى رِوَايَتِهِ: عَنْ النَّبِىِّ ﷺ .
١٠٥ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ".
(...) حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِى حَدِيثِ عِيسَى: " وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ ". وَفِى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: " حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ ".
ــ
وقيل: جمع رواية، أى حامل وناقل له، وقد يكون عندى استعارة من راوية الماء، ومنه سمى راوية الحديث والعلم؛ لحمله إياه كحمله الماء والانتفاع بما عنده كما ينتفع بمائها، وكما قيل لحامل العلم: وعاء عِلم وكنيف علم (١).
وقوله: " وإن الصدق يهدى إلى البر (٢)، وإن البر يهدى إلى الجنة. وإن الكذب يهدى إلى الفجور وإن الفجور يهدى إلى النار "، معناه: أن الصدق يهدى إلى البر بالعمل الصالح الخالص من الإثم. والبر اسم جامع للخير كله، وقيل: البر: الجنة، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ (٣) ويوصل إليه، والبر يوصل إلى الجنة ويرشد إليها، والكذب يوصل إلى الفجور وأصله الميل عن القصد، وقيل: الانبعاث فى المعاصى، ومنه قيل للفاجر: كاذب، وللمكذب بالحق: فاجر. ومعنى: " يتحرى الصدق ويتحرى الكذب ": أى يقصده ويعتمده، والحرى: ناحية الشىء.
стр. 4516
(٣٠) بَاب فَضْلِ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَبِأَىِّ شَىْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ
١٠٦ - (٢٦٠٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ " قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ. قَالَ: " لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا ". قَالَ: " فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ ". قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ. قَالَ: " لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ".
(...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَاهُ.
١٠٧ - (٢٦٠٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَا كِلَاهُمَا: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ".
١٠٨ - (...) حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ الزُّبَيْدِىِّ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
ــ
قال الإمام: قوله: " ما تعدّون الرقوب فيكم؟ " قلنا: الذى لا يولد له قال: " ليس ذلك بالرقوب، [ولكنه الرجل] (١) الذى لم يقدم من ولده شيئاً " الحديث. قال أبو عبيد: معناه فى كلامهم: فقدُ الأولاد فى الدنيا، فجعله الله فقدهم فى الآخرة، فكأنه حول الموضع إلى غيره.
قال القاضى: لما كان الرقوب عندهم ذا مصيبة لفقد بنيه، كثير الأسف على ذلك، أعلمهم ﵇ أن الذى أصيب بفقدهم فى الآخرة هو المصاب حقيقة؛ لما فاته من
стр. 4517
يَقُولُ: " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ". قَالُوا: فَالشَّدِيدُ أَيُّمَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: " الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ".
(...) وحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِهْرَامَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
١٠٩ - (٢٦١٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - قَالَ يَحْيَى أَخْبَرَنَا. وقَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّى لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِى يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَهَلْ تَرَى بِى مِنْ جُنُونٍ؟
قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: فَقَالَ: وَهَلْ تَرَى. وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّجُلَ.
ــ
آخر تقديمهم كما وصل به من قوله: " ما تعدون الصرعة؟ " فقالوا: الذى يصرع الرجال، قال: " ليس بذلك، ولكنه الذى يملك نفسه عند الغضب "، فكأنه قال: ليس الرقوب بالحقيقة ولا الصرعة بالحقيقة من ذكرتم، لكنه هذان الآخران، ذلك لما فقده فى أخراه، وهذا لما ملك نفسه وصرعها عند غضبه، ولم ينف اسم اللغة عن المسمين.
قيل: وفى هذا فضل كظم الغيظ وأن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو؛ لأن النبى ﵇ جعل غلبته لنفسه أشد من غلبته لمناوئه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١) قيل فيه: جهاد النفس، وفى الحديث: " رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " (٢).
والصرعة بضم الصاد وفتح الراء الذى يكثر صرع الناس وغلبتهم، وكذلك كل من يكثر منه الشىء، يقال فيه: فعله مثل ضحكه وهزوه وخدعه وصرعه، فإذا سكنت ثانيها فعلى
стр. 4518
١١٠ - (...) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَدِىَّ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ؛ فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَغْضَبُ وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: " إِنِّى لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: أَتَدْرِى مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آنِفًا؟ قَالَ: " إِنِّى لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَجْنُونًا تَرَانِى؟.
(...) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
ــ
العكس، أى الذى يفعل به ذلك كثيرًا يضحك به ويستهزأ به ويخدع.
قوله فى الذى [رآه] (١) غضب: " إنى لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ": فيه أن الغضب فى غير الله من نزغ الشيطان، وما يحمل عليه من موافقته هوى النفس وطبعها المركب فيها، وأن الاستعاذة من الشيطان كفته وسكن غضبه. وقول الآخر: " هل ترى فىّ من جنون " كلام مَن لم يفقه فى دين الله، وظن أنه لا يستعاذ من الشيطان إلا من المس، ولم يعلم أن الغضب من أوائل مسه؛ ولهذا يخرج به عن صورته وخلقه، ويحفه بقبح الحركات والكلام والأفعال، حتى يزين له إفساد ماله، وتمزيق ثيابه، وكسر ما حوله من آنية، وقتل من نازعه أو غضب عليه، أو إفساده أو الحلف والنذر على الانتفاع به، ولعله كان من جفاة الأعراب أو ممن لم يخلص إيمانه من المنافقين.
стр. 4519
(٣١) بَاب خَلْقِ الْإِنْسَانِ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ
١١١ - (٢٦١١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِى الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ، يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ ".
(...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ــ
وقوله: " لما صور الله آدم فى الجنة جعل إبليس يطيف حوله "، قال الإمام: يقال: طاف بالشىء طوفاً وأطاف: استدار حوله.
وقوله: " فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقاً لا يتمالك "، قال القاضى: أى ذا جوف، وقد يكون معناه: خالى الداخل، وبه سمى الجوف وكل مقعر أجوف، وجوف كل شىء قعره وداخله.
وقوله: " لا يتمالك ": [يعنى] (١) يحبس نفسه ويملكها عن الشهوات.
стр. 4520
(٣٢) بَاب النَّهْى عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ
١١٢ - (٢٦١٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِى الْحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ ".
(...) حَدَّثَنَاه عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَقَالَ: " إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ ".
١١٣ - (...) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ ".
ــ
قوله: " إذا قاتل أحدكم أخاه "، وفى رواية أخرى: " إذا ضربه فليتجنب الوجه "، وفى رواية: " فلا يلطمن الوجه ": فيه تشريف هذه الصورة عن الشين؛ إذ الضرب فيها واللطم مما يظهر الشين فيها سريعاً؛ ولأن فيها المحاسن وأعضاء نفيسة، وأكثر الإدراكات، فقد يبطلها بفعله والتشويه فيها أشد؛ لأنها شيما الإنسان والبادى منه والمتميز به من أمثاله، والصورة التى خلقه الله عليها وكرّم بها بنى آدم وفضلهم على كثير من خلقه تفضيلاً.
قوله آخر الحديث: " فإن الله خلق آدم على صورته "، قال الإمام: هذا حديث ثابت عند أهل النقل، وقد رواه بعضهم: " أن الله خلق آدم على صورة الرحمن " (١) ولا يليق هذا عند أهل النقل، ولعله نقل من رواه بالمعنى الذى يوهمه، وظن أن الضمير عائد على الله - سبحانه - فأظهره وقال: " على صورة الرحمن ".
واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره، وقال: فإن الله سبحانه له صور لا كالصور، وأجرى الحديث على ظاهره، والذى قال لا يخفى فساده؛ لأن الصورة تفيد التركيب، وكل مركب محدث، والبارى ليس بمحدث فليس بمركب، وما ليس بمركب فليس بمصور، وهذا من جنس قول المبتدعة: إن البارى - جلّ وعز - جسم لا كالأجسام، لما رأوا أهل السنة قالوا: شىء لا كالأشياء طرد واحد، فقالوا: جسم لا كالأجسام. وقال ابن قتيبة: صورة لا كالصور.
والفرق بين ما قلناه وما قالوه: أن لفظة " شىء " لا تفيد الحدوث ولا تتضمن ما