← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

(٣٠) بَاب فَضْلِ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَبِأَىِّ شَىْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ ١٠٦ - (٢٦٠٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ " قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ. قَالَ: " لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا ". قَالَ: " فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ ". قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ. قَالَ: " لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ". (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَاهُ. ١٠٧ - (٢٦٠٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَا كِلَاهُمَا: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ". ١٠٨ - (...) حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ الزُّبَيْدِىِّ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ قال الإمام: قوله: " ما تعدّون الرقوب فيكم؟ " قلنا: الذى لا يولد له قال: " ليس ذلك بالرقوب، [ولكنه الرجل] (١) الذى لم يقدم من ولده شيئاً " الحديث. قال أبو عبيد: معناه فى كلامهم: فقدُ الأولاد فى الدنيا، فجعله الله فقدهم فى الآخرة، فكأنه حول الموضع إلى غيره. قال القاضى: لما كان الرقوب عندهم ذا مصيبة لفقد بنيه، كثير الأسف على ذلك، أعلمهم ﵇ أن الذى أصيب بفقدهم فى الآخرة هو المصاب حقيقة؛ لما فاته من

стр. 4517

يَقُولُ: " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ". قَالُوا: فَالشَّدِيدُ أَيُّمَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: " الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ". (...) وحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِهْرَامَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. ١٠٩ - (٢٦١٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - قَالَ يَحْيَى أَخْبَرَنَا. وقَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّى لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِى يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَهَلْ تَرَى بِى مِنْ جُنُونٍ؟ قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: فَقَالَ: وَهَلْ تَرَى. وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّجُلَ. ــ آخر تقديمهم كما وصل به من قوله: " ما تعدون الصرعة؟ " فقالوا: الذى يصرع الرجال، قال: " ليس بذلك، ولكنه الذى يملك نفسه عند الغضب "، فكأنه قال: ليس الرقوب بالحقيقة ولا الصرعة بالحقيقة من ذكرتم، لكنه هذان الآخران، ذلك لما فقده فى أخراه، وهذا لما ملك نفسه وصرعها عند غضبه، ولم ينف اسم اللغة عن المسمين. قيل: وفى هذا فضل كظم الغيظ وأن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو؛ لأن النبى ﵇ جعل غلبته لنفسه أشد من غلبته لمناوئه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١) قيل فيه: جهاد النفس، وفى الحديث: " رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " (٢). والصرعة بضم الصاد وفتح الراء الذى يكثر صرع الناس وغلبتهم، وكذلك كل من يكثر منه الشىء، يقال فيه: فعله مثل ضحكه وهزوه وخدعه وصرعه، فإذا سكنت ثانيها فعلى

стр. 4518

١١٠ - (...) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَدِىَّ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ؛ فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَغْضَبُ وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: " إِنِّى لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: أَتَدْرِى مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آنِفًا؟ قَالَ: " إِنِّى لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَجْنُونًا تَرَانِى؟. (...) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. ــ العكس، أى الذى يفعل به ذلك كثيرًا يضحك به ويستهزأ به ويخدع. قوله فى الذى [رآه] (١) غضب: " إنى لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ": فيه أن الغضب فى غير الله من نزغ الشيطان، وما يحمل عليه من موافقته هوى النفس وطبعها المركب فيها، وأن الاستعاذة من الشيطان كفته وسكن غضبه. وقول الآخر: " هل ترى فىّ من جنون " كلام مَن لم يفقه فى دين الله، وظن أنه لا يستعاذ من الشيطان إلا من المس، ولم يعلم أن الغضب من أوائل مسه؛ ولهذا يخرج به عن صورته وخلقه، ويحفه بقبح الحركات والكلام والأفعال، حتى يزين له إفساد ماله، وتمزيق ثيابه، وكسر ما حوله من آنية، وقتل من نازعه أو غضب عليه، أو إفساده أو الحلف والنذر على الانتفاع به، ولعله كان من جفاة الأعراب أو ممن لم يخلص إيمانه من المنافقين.

стр. 4519

(٣١) بَاب خَلْقِ الْإِنْسَانِ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ ١١١ - (٢٦١١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِى الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ، يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ ". (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ــ وقوله: " لما صور الله آدم فى الجنة جعل إبليس يطيف حوله "، قال الإمام: يقال: طاف بالشىء طوفاً وأطاف: استدار حوله. وقوله: " فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقاً لا يتمالك "، قال القاضى: أى ذا جوف، وقد يكون معناه: خالى الداخل، وبه سمى الجوف وكل مقعر أجوف، وجوف كل شىء قعره وداخله. وقوله: " لا يتمالك ": [يعنى] (١) يحبس نفسه ويملكها عن الشهوات.

стр. 4520

(٣٢) بَاب النَّهْى عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ ١١٢ - (٢٦١٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِى الْحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ ". (...) حَدَّثَنَاه عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَقَالَ: " إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ ". ١١٣ - (...) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ ". ــ قوله: " إذا قاتل أحدكم أخاه "، وفى رواية أخرى: " إذا ضربه فليتجنب الوجه "، وفى رواية: " فلا يلطمن الوجه ": فيه تشريف هذه الصورة عن الشين؛ إذ الضرب فيها واللطم مما يظهر الشين فيها سريعاً؛ ولأن فيها المحاسن وأعضاء نفيسة، وأكثر الإدراكات، فقد يبطلها بفعله والتشويه فيها أشد؛ لأنها شيما الإنسان والبادى منه والمتميز به من أمثاله، والصورة التى خلقه الله عليها وكرّم بها بنى آدم وفضلهم على كثير من خلقه تفضيلاً. قوله آخر الحديث: " فإن الله خلق آدم على صورته "، قال الإمام: هذا حديث ثابت عند أهل النقل، وقد رواه بعضهم: " أن الله خلق آدم على صورة الرحمن " (١) ولا يليق هذا عند أهل النقل، ولعله نقل من رواه بالمعنى الذى يوهمه، وظن أن الضمير عائد على الله - سبحانه - فأظهره وقال: " على صورة الرحمن ". واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره، وقال: فإن الله سبحانه له صور لا كالصور، وأجرى الحديث على ظاهره، والذى قال لا يخفى فساده؛ لأن الصورة تفيد التركيب، وكل مركب محدث، والبارى ليس بمحدث فليس بمركب، وما ليس بمركب فليس بمصور، وهذا من جنس قول المبتدعة: إن البارى - جلّ وعز - جسم لا كالأجسام، لما رأوا أهل السنة قالوا: شىء لا كالأشياء طرد واحد، فقالوا: جسم لا كالأجسام. وقال ابن قتيبة: صورة لا كالصور. والفرق بين ما قلناه وما قالوه: أن لفظة " شىء " لا تفيد الحدوث ولا تتضمن ما

стр. 4521

١١٤ - (...) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلَا يَلْطِمَنَّ الْوَجْهَ ". ــ يقتضيه، وقولنا: جسم وصورة يتضمن التأليف والتركيب، وذلك دليل الحدوث. وعجباً لابن قتيبة فى قوله: صورة لا كالصور، مع كون هذا الحديث يقتضى ظاهره عنده خلق آدم على صورته، فقد صارت صورة البارى - سبحانه - على صورة آدم ﵇ على ظاهر هذا على أصله، فكيف يكون على صورة آدم، ويقول: إنها لا كالصور. وهذا يناقض. ويقال له أيضاً: إن أردت بقولك: صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب، فليس بصورة على الحقيقة، وأنت [مثبت] (١) تسمية تفيد فى اللغة معنى مستحيلاً عليه تعالى، مع نفى ذلك، فلم يعطِ اللفظ حقه ولم يجره على ظاهره. فإذا سلمت أنه ليس على ظاهره فقد وافقت على افتقاره إلى التأويل وهذا الذى نقول به، فإذا ثبت افتقاره إلى التأويل قلنا: أختلف الناس فى تأويله، فمنهم من أعاد الضمير إلى المضروب، وذكر أن فى بعض طرق الحديث أنه سمعه ﷺ يقول: " قبح الله وجهك ووجه من أشبهك " أو نحو هذا، فقال ﷺ ما قال، أما على هذه الرواية - وهى شتم من أشبهه - فبين وجه هذا التعليل؛ لأنه إذا شتم مَن أشبهه وآدم يشبهه فكأنه شتم آدم وغيره من الأنبياء ﵈[وإنما] (٢) ذكر الأول تنبيهًا عليه وعلى نبيه. وأما على هذا الذى وقع فى كتاب مسلم فيحتمل أن يكون تعبدًا لله - سبحانه - بتخصيص الوجه لهذه الكرامة لشبهه بآدم هنا إجلالاً لآدم ﷺ . ولا يبقى على هذا إلا أن يقال: فيجب أن يجتنب ما سواه من الأعضاء المشبهة لآدم، وجواب هذا: أنه لا يبعد أن يكون الله - سبحانه - يتعبد بما شاء الله، ولا تجعل هذه العلة جارية مطردة. وقد اختص الوجه بأمور جليلة ليست فى غيره من الأعضاء؛ لأن منه (٣) السمع والبصر، وبالبصر يدرك العالم ويرى ما فيه من العجائب الدالة على عظم الله - سبحانه - وبالسمع يدرك الأقوال ويسمع أوامر النبى ﵇ ونواهيه، ويتعلم به سائر العلوم التى منها معرفة الله ومعرفة رسله ﵈ وفيه النطق الذى يميز به عن البهائم، وشرف به الإنسان عن سائر الحيوان، ومثل هذا التمييز لا يبعد أن يجعل سبباً

стр. 4522

١١٥ - (...) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىًّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى. ح وحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىًّ، عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَفِى حَدِيثِ ابْنِ حَاتِمٍ عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ــ فى تمييزه بهذا الحكم. وقال آخرون: إن الضمير عائد على آدم نفسه. وعورض هؤلاء بأن هذا يجعل الكلام عياً لا فائدة تحته، وأى فائدة فى قولك: خلق زيد على صورة نفسه، والشجرة على صورتها نفسها؟ وهذا معلوم بالعقول ولا يقتصر إلى خبر منقول. وأجاب أصحاب هذا التأويل عن هذا الاعتراض بأن الفائدة فيه: التنبيه على من خالف الحق من أصحاب المذاهب كالطبائعيين القائلين بأن تصوير آدم كان عن بعض تأثيرات النجوم أو العناصر أو غير ذلك بما (١) يهزؤون به، فأكذبهم النبى ﷺ . واحتراز الله - سبحانه - خلق آدم على صورته، أو أكذب الدهرية فى قولهم: ليس ثم إنسان [أول، وإنما إنسان من نطفة ونطفة من إنسان] (٢) هكذا أبداً إلى غير أول، فأخبر النبى ﷺ أن الله - سبحانه - اخترع صورة آدم ولم يكن مصوراً عن أب ولا كائناً عن تناسل، أو يكون أكذب القدرية فى قولهم: إن كثيراً من أعراض آدم وصفاته خلق لآدم، وأخبر النبى ﷺ أنه مخلوق بجملة صورته. وهذا التأويل الذى ذهب إليه هؤلاء - من إعادة الضمير إلى آدم بنفسه - إنما يحسن إذا روى لفظ النبى ﷺ مجرداً من السبب، مقتصراً منه على قوله: " إن الله خلق آدم على صورته "، وأما ذكر السبب، أو ذكر جميع ما حكاه مسلم عنه ﵇: " إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته " فإنه لا يحسن صرف الضمير لآدم؛ لأنه ينفى أن يكون بين السبب أو صدر الكلام وآخره ارتباط وتميز الكلام. وما وقع فى كتاب مسلم فى معنى المسافر، وقد ذكر أنه روى مختصراً مقتصراً فيه على ما قلناه. وقال بعض أئمتنا. هو من اختصار بعض الرواة. وقال آخرون: إن الضمير يعود إلى [الله] (٣) - سبحانه - ويكون له وجهان. أحدهما: أن يراد بالصورة الصفة، كما يقال: صورة فلان عند السلطان كذا، بمعنى صفته كذا. ولما كان آدم ﵇ امتاز بصفات من الكمال تميز بالعقل والنطق عن البهائم، والنبوة على سائر بنيه سوى النبيين منهم، وله فضائل اختص بها، فكأنه شبهه من هذه

стр. 4523

عَلَى صُورَتِهِ ". ١١٦ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِى عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ الْمَرَاغِىِّ - وَهُوَ أَبُو أَيُّوبَ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ ". ــ الجهة باختصاص الله - سبحانه - بالرفعة والجلال، لاسيما وقد أمر الملائكة بالسجود له طاعة لله . هذا المعنى ذكره بعض أصحابنا فى التشبيه بعد. والوجه الثانى: عند أصحاب هذا التأويل: أن تكون إضافة الصورة إضافة تشريف واختصاص، كما قيل فى الكعبة: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها له وكما قال تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ (١) إلى غير ذلك مما وقع فى الشريعة من أمثال هذا. وقد تميز آدم ﷺ بأن خلقه الله - جلت قدرته - بيده، ولم يقلبه فى الأصلاب، ولا درجه من حال إلى حال، فتكون الإضافة إضافة اختصاص لهذا المعنى ولغيره. وأما من صرح بهذا الضمير وخرجه للوجود، فإنه يرد من جهة النيل، وأنه ضعيف عند المحدثين. واختلف أصحابنا فى رده من جهة اللسان، فقال بعضهم: ما يحسن مثل هذا فى الكلام؛ لأن اللفظ الظاهر إذا افتتح به، وأُعيد ذكره فإنما يعاد بالضمير، ولهذا يقال: زيد ضرب عبده، ولا يقال: [ضرب زيد عبد زيد] (٢)، ومرادهم بزيد الثانى زيد الأول، قالوا: فلو كان ما قالوه صحيحاً لكانت العبارة عنه: " خلق آدم على صورته " كما وقع فى الطرق الثابتة. وقال بعض أصحابنا: لا يستبعد هذا فى اللسان، وقد قال : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ (٣) ولم يقل: [يوم] (٤) يحشر المتقين إلينا. وقال بعضِ النحاة: من هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ (٥)، وأنشد فى ذلك قول عدى بن زيد: لا أرى الموت يسبق الموت شىء ... يعض الموت ذا الغنى والفقير وفى هذا كفاية. قال القاضى: قد جاء فى هذا الحديث نفسه ما أغنى عما ذكر فى بعض الأحاديث،

стр. 4524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بأن مسلماً قد ذكر فى هذا: " إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته "، فالهاء هاهنا عائدة على الأخ المنهى أن يضرب وجهه ويستقيم الكلام، وتظهر فائدة الحديث ويزول الإشكال. وإنما يبقى الإشكال كله فى الحديث الآخر الذى لم يذكر فيه هذا السبب مثل حديث البخارى فى باب السلام: " إن الله لما خلق آدم على صورته قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة " (١)، وخرجه مسلم - أيضاً - بعد هذا بنصه فى " باب خلق آدم " [ومثل هذا] (٢)، لكن قد تقدم فيه من التأويلات ما يكفى بعضها. وإذا نزهنا الله تعالى عن الصورة الجثمانية [فلا يبالى] (٣) بعد وسلمنا معنى مشكل الحديث للعالم بعينه، على مذهب أكثر السلف من الإيمان بها والتسليم إلى الله فى معناها، وتنزيهه عن ظاهرها، أو تأويله على ما عليه مَنْ رأى التأويل، وعلى مقتضى كلام النبى العربى ولغته العربية، وكلام العرب ومجازاة كلامها ومقاصدها فى استعاراتها (٤) وتمثيلاًتها التى خوطبنا بها، وجاء الشرع والقرآن بها وعلى تصرف وجوهها.

стр. 4525

(٣٣) بَاب الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمَنْ عَذَّبَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٍّ ١١٧ - (٢٦١٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِى الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُؤُوسِهِمْ الزَّيْتُ. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِى الْخَرَاجِ. فَقَالَ: أَمَا إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِى الدُّنْيَا ". ١١٨ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنْ الْأَنْبَاطِ بِالشَّامِ، قَدْ أُقِيمُوا فِى الشَّمْسِ. فَقَالَ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِى الْجِزْيَةِ. فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِى الدُّنْيَا ". ــ وذكر مسلم فى حديث: " إن الله يعذب الذين يعذبون الناس " قال: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد (١)، كذا فى النسخ عند شيوخنا [أو أكثر] (٢) الروايات، وكان فى كتاب شيخنا القاضى أبى على: عمر بن سعيد، وقال لنا: هو وهم، وما عند غيره هو الصواب. وعمير بن سعد هذا أنصارى من بنى عمرو بن عوف من الأوس، ولاه عمر بن الخطاب حمص (٣) فكان يقال له: نسيج (٤) وحده، هو عمير بن سعد بن عبيد القارى، أبوه أبو زيد أحد مَنْ (٥) جمع القرآن. وقد اختلف فى اسم أبى زيد، وقد ذكر مثل هذا أبو عبيدة (٦)، وشك فيه مرة فقال: استعمل على طائفة من الشام عمير بن سعد أو سعيد،

стр. 4526

(...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ جَرِيرٍ: قَالَ - وَأَمِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ -: فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا. ١١٩ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ وَجَدَ رَجُلًا - وَهُوَ عَلَى حِمْصَ - يُشَمِّسُ نَاسًا مِنْ النَّبْطِ فِى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِى الدُّنْيَا ". ــ شك أبو عبيد وذكر خبراً. وأما عمر بن سعيد فمعدود فى الصحابة وهو عمير بن سعد أو سعيد [شك أبو عبيد وذكر خبراً، وأما عمر بن سعيد فمعدود فى الصحابة وهو عمير بن سعد أو سعيد] (١)، ربيب الجلاس ويتيمه، وصاحب القصة التى أنزل فيها: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ (٢) قاله الطبرى وغيره، وجعله الطبرى غير الأول، وأما أبو عمر فجعل صاحب هذه عمير بن سعد الأول وأنهما واحد، والله أعلم.

стр. 4527

(٣٤) بَاب أَمْرِ مَنْ مَرَّ بِسِلَاحٍ فِى مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الْجَامِعَةِ لِلنَّاسِ أَنْ يُمْسِكَ بِنِصَالِهَا ١٢٠ - (٢٦١٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِى الْمَسْجِدِ بِسِهَامٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا ". ١٢١ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو الرَّبِيعِ - قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا. وقَالَ يَحْيَى وَاللَّفْظُ لَهُ: أَخْبَرَنَا - حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِأَسْهُمٍ فِى الْمَسْجِدِ، قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا، فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا، كَىْ لَا يَخْدِشَ مُسْلِمًا. ١٢٢ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا، كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالنَّبْلِ فِى الْمَسْجِدِ، أَنْ لَا يَمُرَّ بِهَا إِلَّا وَهُوَ آخِذٌ بِنُصُولِهَا. وقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ يَصَّدَّقُ بِالنَّبْلِ. ١٢٣ - (٢٦١٥) حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِى مَجْلِسٍ أَوْ سُوقٍ، وَبِيَدِهِ نَبْلٌ، فَلْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا ". قَالَ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَاللَّهِ، مَا مُتْنَا حَتَّى سَدَّدْنَاهَا، بَعْضُنَا فِى وُجُوهِ بَعْضٍ. ١٢٤ - (...) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ ــ وأمره ﵇ للذى مر بالنبل أن يأخذ بنصالها، وفى الرواية الأخرى: " بنصولها " جمع نصل، وهى حدائد السهام. بين العلة والصفة فى الحديث الآخر فقال: " فليمسك - أو فليقبض - على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشىء "، أى مخافة أن يصيب، ولئلا يصيب.

стр. 4528

اللَّهِ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِى مَسْجِدِنَا، أَوْ فِى سُوقِنَا، وَمَعَهُ نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ، أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَىْءٍ ". أَوْ قَالَ: " لِيَقْبِضَ عَلَى نِصَالِهَا ". ــ وقول أبى موسى: " والله ما متنا حتى سددناها بعضنا فى وجوه بعض ": أى قومنا الرمى بها وقصدنا ذلك. والسداد: القصد فى الشىء. يشير إلى ما كان من الفتن بعده ﵇ وقتالهم على التأويل فى الخلافة، وأن النبى ﷺ خشى عليهم برأفته بالمؤمنين، ورحمة لهم (١) ما يصيب بعضهم منها من خدش وشىء عند مروره من غير قصد، وألا يتأذى بعضهم من بعض بمثل هذا القدر، فجاء بعده ما أخبر به أبو موسى من القصد إلى ذلك [على بون ما بين الحالين] (٢).

стр. 4529

(٣٥) بَاب النَّهْى عَنْ الْإِشَارَةِ بِالسِّلَاحِ إِلَى مُسْلِمٍ ١٢٥ - (٢٦١٦) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : " مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ". (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ١٢٦ - (٢٦١٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِى أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِى يَدِهِ، فَيَقَعُ فِى حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ ". ــ وقوله: " من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، وإن كان أخاه لأبىه وأمه ": ظاهر الحديث [أنه] (١) على غير قصد إلا بجهة اللعب والترويع بالهزل بدليل ذكره، لأخيه لأبىه وأمه الذى لا يبهم عليه، وترويع المسلم حرام، وبدليل قوله فى الحديث الآخر: " فإنه لا يدرى لعل الشيطان ينزع فى يده فيقع فى حفرة من النار "، وكذا رويناه بالعين المهملة، قيل: معناه: يرمى فى يده، أى يدفع يده ويحقق ضربته. ومن رواه بالغين المعجمة فمن الإغواء (٢) ونزع الشيطان، أى يحمله على تحقيق الضرب به وقصده وتزيين له ذلك، لاسيما عندما يحدث من جهته عند الملاعبة، أو هجر بغير حال، وأن الهزل قد يفضى إلى الجد.

стр. 4530

(٣٦) بَاب فَضْلِ إِزَالَةِ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ ١٢٧ - (١٩١٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَىٍّ - مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ - عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ ". ١٢٨ - (...) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ، فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ". ١٢٩ - (...) حَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِى الْجَنَّةِ، فِى شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِى النَّاسَ ". ١٣٠ - (...) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ شَجَرَةً كَانَتْ تُؤْذِى الْمُسْلِمِينَ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَطَعَهَا فَدَخَلَ الْجَنَّةَ ". ١٣١ - (٢٦١٨) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَمْعَةَ، حَدَّثَنِى أَبُو الْوَازِعِ، حَدَّثَنِى أَبُو بَرْزَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، عَلِّمْنِى شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ. قَالَ: " اعْزِلْ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ". ــ ذكر مسلم الأحاديث فى الثواب على إماطة الأذى وإزالته عن الطريق كمن قطع شجرة كانت تؤذى، وإزالة غصن شوك، وقد جاء فى الحديث الآخر: أنه من شعب الإيمان (١). فكل ما أدخل نفعًا على المسلمين أو أزال عنهم ضررًا فهو منه، لكنه كله من النصيحة الواجبة على المسلمين بعضهم لبعض، التى بايع عليها النبى ﷺ أصحابه من النصح لكل مسلم، [بنصحه] (٢) فى حضرته وغيبته بكل قول وفعل يعود عليه بمنفعة لدينه ودنياه.

стр. 4531

١٣٢ - (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَبِى الْوَازِعِ الرَّاسِبِىِّ، عَنْ أَبِى بَرْزَةَ الْأَسْلَمِىِّ؛ أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى لَا أَدْرِى، لَعَسَى أَنْ تَمْضِىَ وَأَبْقَى بَعْدَكَ، فَزَوِّدْنِى شَيْئًا يَنْفَعُنِى اللَّهُ بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " افْعَلْ كَذَا، افْعَلْ كَذَا - أَبُو بَكْرٍ نَسِيَهُ - وَأَمِرَّ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ ". ــ وقوله فى حديث يحيى [بن يحيى] (١): " وأمر الأذى عن الطريق ". كذا رويناه عن عامة الرواة براء مشددة، أى نحّه وأزله من المرور. وعند الطبرى: " وأمز " بزاى معجمة؛ وكأنه من الميز، ميزت الشىء عن الشىء: إذا أثبته منه وزلته عنه، وهو قريب من الأول. وعند ابن ماهان: " أخر " مبيناً بمعنى ذلك.

стр. 4532

(٣٧) بَاب تَحْرِيمِ تَعْذِيبِ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا، مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْذِى ١٣٣ - (٢٢٤٢) حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ عُبَيْدٍ الضُّبَعِىُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ أَسْمَاءَ - عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِى هِرَّةٍ، سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِىَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِىَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ". (...) حَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، جَمِيعًا عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ. ١٣٤ - (...) وحَدَّثَنِيهِ نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِى هِرَّةٍ أَوْثَقَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ". ــ وذكر حديث المغيرة فى شأن صاحبة الهرة المعذبة التى ربطتها حتى ماتت، وقد تقدم الكلام عليه، وأنه يحتمل أن يكون عذابها حسابها ومناقشتها على فعلها لذلك، كما جاء فى حديث العصفور قوله: " سل يارب هذا لم قتلتنى؟ "، أو تكون المرأة كافرة فزيدت فى عذابها لذلك. وقوله: " خشاش الأرض ": يقال بفتح الخاء وكسرها، وهو هوام الأرض. وحكى فيه أبو على القالى - أيضاً - ضم الخاء، وقال الجوهرى: هو الحية ونحوها مما فى الأرض، وقيل صغار الطير، [لكنه لا يقال فى صغار الطير إلا بفتح الخاء فقط، وفى المعنى: الخشاش شرار الطير] (١). وقيل: خشاش الأرض: نباتها، والمعروف فى هذا: حشيشها. وقوله: " من جراء هرة ": أى من أجلها، بمد وبقصر، يقال: من جراك وجراتك وجراريك وأجلك وأجلك. بمعنى. وفى رواية الهوزنى: " من أجل " مفسراً.

стр. 4533

(...) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ١٣٥ - (٢٦١٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا - أَوْ هِرٍّ - رَبَطَتْهَا، فَلَا هِىَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِىَ أَرْسَلَتْهَا تُرَمْرِمُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا ". ــ وقوله: " لا هى أرسلتها ترمم "، كذا للعذرى والسجزى، وضبطناه عن بعض شيوخنا بفتح التاء والميم، وعند بعضهم بضم التاء وكسر الميم، وفى رواية السمرقندى: " ترمرم " بضم التاء وكسر الراء الآخرة، ويصح بفتحها أيضاً، وهما بمعنى (١). قال الإمام: قال صاحب الأفعال: رممت الأمر والشىء وما أصلحته، والعظم رمة صار رميماً، والحبل انقطع، والشاة تناولت النبات بشفتيها. ومنه سميت المرمتان. قال القاضى: ورمرم منه، بإظهار التضعيف فى الراء، أو من الرمام وهو الحشيش، [أى] (٢) أكلته فاشتق لها فعلاً، وكله يرجع إلى معنى الأول.

стр. 4534

(٣٨) بَاب تَحْرِيمِ الْكِبْرِ ١٣٦ - (٢٦٢٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى مُسْلِمٍ الْأَغَرِّ؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، وَأَبِى هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِى عَذَّبْتُهُ ". ــ وقوله: " العز إزارى، والكبرياء ردائى فمن نازعنى عذبته "، قال الإمام: هذا مجاز: واتساع على عادة العرب، وهم يقولون: فلان شعاره الزهد والورع، ودثاره التقوى، ولا يريدون بذلك الثوب الذى هو شعار ودثار، وإنما يريدون أنه صفته ونعته، ووجه الاستعارة فى هذا: أن الرداء والإزار يلصقان بالإنسان ويلزمانه بجملته وفيها ستر له وجمال، فضرب ذلك مثلاً لكون العز والكبرياء بالبارى تعالى أحق، وله ألزم وأوجب، واقتضى جلاله لهما آكد. وكذلك العرب يقولون: فلان غمر الرداء، إذا كان واسع العطية تجوزاً أيضاً بذلك، فعلى هذا يحمل هذا الحديث، لأن الدليل العقلى قام على أن اللباس من صفات الأجسام، وهو - سبحانه - ليس بجسم، ولا يمسه جسم، ولا يستره جسم، وهذا واضح لكل متأمل.

стр. 4535

(٣٩) بَاب النَّهْى عَنْ تَقْنِيطِ الْإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ١٣٧ - (٢٦٢١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِىُّ، عَنْ جُنْدَبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ: " أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ، لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِى يَتَأَلَّى عَلَىَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّى قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ " أَوْ كَمَا قَالَ. ــ قال القاضى: وقوله فى الذى قال والله لا يغفر الله لفلان: " من ذا الذى يتألى على الله ": أى يحلف عليه. والتأل: الخلف، والآلية اليمين. وقوله: " قد غفرت لفلان وأحبطت عملك ": فيه الحجة لمذهب أهل السنة فى غفران الله ذنوب عباده، وعفوه عنهم وإن ماتوا مصرين عليها، ولا حجة فيه للمعتزلة ومن يقول بأنَّ الذنوب تحبط الأعمال؛ لأن هذا المتألى قانط من رحمة الله ومكذب بها، والقنوط كفر، والكفر يحبط العمل، وإن لم يكن هذا قانطاً وإنما كان هذا مذهبه إنفاذ الوعيد للعاصين، فيكون هنا قوله: " أحبط عمله " مجازاً لرجحان معصيته بما قال، فاعتقده بطاعاته حتى كأنه لا حسنة له.

стр. 4536

(٤٠) بَاب فَضْلِ الضُّعَفَاءِ وَالْخَامِلِينَ ١٣٨ - (٢٦٢٢) حَدَّثَنِى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِى حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ". ــ وقوله: " رب أشعث مدفوع بالأبواب ": الأشعث: الملبد شعر الرأس، المغبر غير مدهن ولا مصلح الشعر. و " مدفوع بالأبواب ": أى لا قدر له عند الناس فيحجبونه ويردونه عن أبوابهم. وقوله: " لو أقسم على الله لأبره ": أى لفضله، ومنزلته عند الله أنه يجيب رغبته ودعاءه، ولا يخيب أمله وبره لرجائه وعزيمته فى رغبته لربه والقسم هنا عبارة عن قوة العزيمة فى الرغبة والدعاء، أو يكون عن وجهه فيما أقسم عليه من الأمور؛ أن الله قد أجرى قدره وتقدم فى سابق علمه، أنه ممن لا يخالف مجارى القدر قسمه، ويبر خلقه، ويمضى عزيمته. وقيل: معنى القسم هنا: الدعاء، وأبره أجابه.

стр. 4537

(٤١) بَاب النَّهْى عَنْ قَوْلِ هَلَكَ النَّاسُ ١٣٩ - (٢٦٢٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ ". قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا أَدْرِى أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ، أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ. (...) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ. ح وحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، جَمِيعًا عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ــ وقوله: " إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم " وقول الراوى عن مسلم - وهو أبو إسحاق بن سفيان -: لا أدرى أهلكهم، بالنصب أو بالرفع، قال الإمام: يحمل هذا [عند العلماء] (١) أن القائل قال ذلك ازدراء بالناس، واحتقارًا لهم، وإعجابًا بنفسه. فأما قوله على جهة [التفجع والإشفاق، وذهاب الصالحين] (٢)، وتفضيل من مضى من الصالحين، وتفضيل من مضى من الأولين - فإنه خارج عن هذا والقصد (٣) بغير أحكام اللفظ وتصرفه، فالأول عنوانه الكبر والاستهزاء بالناس، [وهو مذموم] (٤)، والثانى: عنوان الإشفاق والتقصير بالنفس وتعظيم السلف، وذلك لا يكون مذمومًا. قال القاضى: وقيل هذا فى الغالين والمبتدعين، الذين يقولون: هلك الناس، أى استوجبوا الخلود فى النار بمعاصيهم، والذىن يؤيسون الناس من ﵀. وقيل: " أهلكهم ": أى أنساهم الله، وقيل: أفشلهم وأرداهم. ومن رواه بالنصب فمعناه: هو الذى قال فيه ذلك، واعتقده فيه من الضلال واستحقاق النار، لا الله تعالى.

стр. 4538

(٤٢) بَاب الْوَصِيَّةِ بِالْجَارِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ ١٤٠ - (٢٦٢٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِى الثَّقَفِىَّ - سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرٍ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ - أَنَّ عَمْرَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَيُوَرِّثَنَّهُ ". (...) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، حَدَّثَنِى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ١٤١ - (٢٦٢٥) حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ". ١٤٢ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ. قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا. وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا - عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ ". ١٤٣ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ خَلِيلِى ﷺ أَوْصَانِى: " إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ ". ــ ذكر مسلم الأحاديث فى الوصية بالجيران ومواساتهم، وأن لهم حقاً يزيد على حق غيرهم من المسلمين، وقد مرّ منه فى أول الديوان. وقوله: " فأصبهم منه بمعروف ": أى ناولهم منه، واجعلهم يصيبون منه، يقال: أصاب من الطعام: إذا أكل منه، وأصله من الأخذ. أصاب الشىء: إذ أخذه.

стр. 4539

(٤٣) بَاب اسْتِحْبَابِ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ ١٤٤ - (٢٦٢٦) حَدَّثَنِى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِى الْخَزَّازَ - عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِىَ النَّبِىُّ ﷺ : " لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ". ــ وقوله: " لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أنْ تلقى أخاك بوجه طلق "، ويروى: " طليق " بكسر اللام فيهما، ويقال: " طلق " بسكونها، وهو المنبسط السهل. فيه الحض على فعلِ الخير، قلّ أو كثر، وألا تحقر منه شيئاً، وهذا كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (١). وفيه أن طلاقة الوجه للمسلمين والانبساط إليهم محمود مشروع مثاب عليه، وبخلافه التجهم [لهم] (٢) والازوراء عنهم إلا لغرض كنبى، وكفى بخُلق نبينا ﵇ فى ذلك، وبما وصفه الله به ونزهه عنه من قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣).

стр. 4540

(٤٤) بَاب اسْتِحْبَابِ الشَّفَاعَةِ فِيمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ ١٤٥ - (٢٦٢٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ، أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ: " اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ ". ــ وقوله: " اشفعوا فلتؤجروا، ويقضى الله على لسان نبيه ما أحب ": الشفاعة لأصحاب الحوائج والرغبات عند السلطان وغيره مشروعة محمودة مأجور عليها صاحبها بشهادة هذا الحديث، وشهادة كتاب الله بقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ (١) على أحد التأويلين. وفيه أن معونة المسلم فى كل حال بفعل أو قول فيها أجر، وفى عموم الشفاعة للمذنبين، وهى جائزة فيما لا حد فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه والعفو عنه إذا رأى ذلك كما له العفو عنه ابتداء، وهذا فيمن كانت منه الذلة والفلتة، وفى أهل الستر والعفاف، ومن طمع بوقوعه عند السلطان والعفو عنه من العقوبة أن يكون له توبة، وأما المُصِرون على فسادهم، المستهزئون فى باطلهم، فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا ترك السلطان عقوبتهم، ليزدجروا عن ذلك، وليرتدع غيرهم بما يفعل بهم وقد جاء الوعيد فى الشفاعة فى الحدود.

стр. 4541

(٤٥) بَاب اسْتِحْبَابِ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَانَبَةِ قُرَنَاءِ السُّوءِ ١٤٦ - (٢٦٢٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ : " قَالَ إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ. فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً. وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً ". ــ وقوله: فى تمثيل الجليس السوء والجليس الصالح بحامل المسك أو نافخ الكير: فيه تجنب خلطاء السوء ومجالسة الأشرار وأهل البدع والمغتابين للناس؛ لأن جميع هؤلاء ينفذ أثرهم إلى جليسهم، والحض على مجالسة أهل الخير وتلقى العلم والأدب، وحسن الهدى والأخلاق الحميدة. وقوله: " فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة "، قال الإمام: جمهور الفقهاء على طهارة المسك وجواز بيعه. وقال قوم بنجاسته والدليل عليهم قوله هاهنا: " وإما أن تبتاع منه "، والنجس لا يباع؛ ولأنه ﷺ استعمله، ولو كان نجساً لم يستعمله، والناس فى الأعصار الماضية ما أحد منهم ينكر استعماله، فدلَّ ذلك كله على طهارته. وقوله: " إما أن يحذيك ": يقال: أحذيت فلاناً، بمعنى أعطيته. قال القاضى: قد ذكر بعض أئمتنا الإجماع على طهارة المسك وطهارة فارغه، وهى جلده التي يوجد فيها، وهى قطعة ميتة أو صيدُ غير مسلم له حكم الميتة. وكذلك توضح قطعها من الغزالة حال الحياة، فما أخذ من الحى وقطع منه فهو ميتة، وكيف ولا يصح أخذها منه حال الحياة، ثم الشىء المجتمع فيه دم متعفن نجس أو مواد حكمها حكم ذلك، كما يجتمع فى الجراحات، ولا معقل عند المحققين من الفقهاء على طهارته إلا على الإجماع باستعماله، والثناء عليه وعلى ريحه وبائعه ومبتاعه ومستعمله؛ ولذلك قال بعض أئمتنا: هى نجسة لكن يصلى بها، يعنى أنه مما خص وعفى عنه شرعاً، والقياس يقضى بنجاسته، وصحة الآثار والاقتداء يقضيان باستعماله، وما روى من كراهة العمرين له فليس فيه نص على نجاسته عندهما، ولا يصح الخبر بذلك عنهما، بل صح قسمة عمر بن الخطاب له على

стр. 4542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نساء المسلمين. والمعروف عن ابن عمر استعماله، ولا تعويل على قول من قال من شيوخنا في تعليل طهارته: إنه متولد من الحيوان، يؤخذ منها حال الحياة كالبيض، فهذا قياس فاسد وتمثيل لا يصح؛ فإن البيض ينفصل بنفسه حال الحياة غير متصل بجسد الحيوان، وهو كالمولود إذا خرج وانفصل كان طاهراً فى نفسه، وأما فارة المسك فقطعة من جلد الحيوان. ولا يعول أيضاً على قول من قال: هو جاف ولا يضره المحل النجس، فإن المسك فى أصله ليس فى صوابه ولو كان جافاً لكانت جلدة الحيوان تنجسه وإنما أصله رطب وإنما يجففه المكث بعد جلبه وبقائه الزمان في صوابه (١)، ولو كان جافاً لكانت جلدة الحيوان تنجسه لأنها رطبة لظاهر جعل في وعاء رطب نجس، ولذلك لا تعويل على قول مَن قال: إنه منقلب عن الدم متحول العين كالخل والخمر، فإنا لو سلمنا هذا لبقى علينا تنجيس طرفه وهو قطعة جلد الميتة الرطبة التى فيها، بخلاف دن الخمر؛ لأن دن الخمر إنما ينجس أولاً بنفس الخمر لا بغير ذلك، فلما انقلبت خلاً انقلبت سائر الأخرى التى داخلته ونجسته. قيل خلاف ذاك الحكم جملة، ولو كان الدن نجسًا بنجاسة أحد لما تطهرت الخمر إذا تخللت (٢) فيه ولا الدن أبدًا، فلم يبق للقياس فى طهارة المسك وفارته مجال إلا التسليم واتباع السنة، وقبول الرخصة، واستثناء طهارته من هذه الأبواب، والاقتداء فى ذلك بصاحب الشريعة، وإجماع أمته على طهارته.

стр. 4543

(٤٦) بَاب فَضْلِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ ١٤٧ - (٢٦٢٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. ح وحَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِهْرَامَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ - زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: جَاءَتْنِى امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا، فَسَأَلَتْنِى فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِى شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتْهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ وَابْنَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَهَا، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " مَنْ ابْتُلِىَ مِنْ الْبَنَاتِ بِشَىْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ ". ١٤٨ - (٢٦٣٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - يَعْنِى ابْنَ مُضَرَ - عَنْ ابْنِ الْهَادِ؛ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِى زِيَادٍ - مَوْلَى ابْنِ عَيَّاشٍ - حَدَّثَهُ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِى مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتْ التَّمْرَةَ، الَّتِى كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِى شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِى صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنْ النَّارِ ". ١٤٩ - (٢٦٣١) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ــ وقوله: " مَنْ ابتلى مِنْ هذه البنات بشىء فأحسن إليهن، كنَّ له ستراً من النار " و " مَنْ عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين " وضم أصابعه، يعنى يقال: قام عليها ومأنها وأنفق عليها، ولعلها مأخوذة من العول وهو العوب، قال الله تعالى: ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١) وقال ﵇: " وابدأ بمن تعول " (٢).

стр. 4544

عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ " وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. ــ قال الإمام: قال صاحب الأفعال: عال الحاكم عولاً: جار، والسهم عن الهدف والميزان: مالا، والفريضة: مالت، والرجل قمت بمؤنته عولاً، والشىء عول عليك: ثقل، وعال الرجل عليه (١) افتقد، والشىء عيلاً: أعجزك، والضالة عيلاً وعيلاناً: لم أدر أين أطلبها، وعيل الصبر: غلب. والذى يصح أن يراد من هذا الحديث: القيام بالمؤنة. قال القاضى: قد جعل ﵇ فى هذه الأحاديث من الفضل لمن قام على البنات ما جعلن له أو لغيره، وقد جاء فى الحديث الثانى فى غير الأم: " مَنْ عال يتيماً ". وقوله: " جاء يوم القيامة أنا وهو " وضم أصابعه، جاء فى غير الحديث: " كهاتين " يريد: رفاقته معه فى الجنة، أو دخوله معه إياها فى أول من يدخل، وكفى بهذا فضلاً ولذلك فى الحديث الآخر: " كُن له حجاباً من النار ".

стр. 4545

(٤٧) بَاب فَضْلِ مَنْ يَمُوتُ لَهُ وَلَدٌ فَيَحْتَسِبَهُ ١٥٠ - (٢٦٣٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ، إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ". (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِىِّ، بِإِسْنَادِ مَالِكٍ وَبِمَعْنَى حَدِيثِهِ. إِلَّا أَنَّ فِى حَدِيثِ سُفْيَانَ: " فَيَلِجَ النَّارَ، إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ". ١٥١ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: " لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبَهُ، إِلَّا دَخَلَتْ الْجَنَّةَ ". فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوْ اثْنَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " أَوْ اثْنَيْنِ ". ١٥٢ - (٢٦٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِىِّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ ــ وقوله: " لا يموت لأحد من المسلمين [ثلاثة] (١) فتمسه النار، إلا تحلة القسم ": أى ما تحلل به القسم وهو اليمين، وجاء تفسير القسم فى الحديث، قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢) وإلى هذا ذهب أبو عبيد وغيره والقاسم قوله عند بعضهم: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ أول الآية (٣)، وقيل فى قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ أى: فو الله إن منكم، وقيل: يدل عليه قوله: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ فسره الحسن وابن مسعود قسماً واجباً وقال ابن قتيبة: معناه: التعليل لأمر ورودها. " وتحلة القسم " تستعمل فى هذا فى كلام العرب، واحتج بهذا وقد يحتمل قوله: " إلا تحلة القسم ": أى ولا تحلة القسم، أي لا يمسه قليلاً ولا مثل تحلة القسم، كما قيل فى قوله: " إلا الفرقدان "، أى: ولا الفرقدان.

стр. 4546

لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ، تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. قَالَ: " اجْتَمِعْنَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ". فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْكُنَّ مِنْ امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا، مِنْ وَلَدِهَا، ثَلَاثَةً، إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّارِ " فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ ". ١٥٣ - (٢٦٣٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِىِّ، فِى هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِ مَعْنَاهُ. وَزَادَا: جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: " ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ ". ١٥٤ - (٢٦٣٥) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى - وَتَقَارَبَا فِى اللَّفْظِ - قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى السَّلِيلِ، عَنْ أَبِى حَسَّانَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِى هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِىَ ابْنَانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: قَالَ: نَعَمْ " صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ - أَوْ قَالَ: أَبَوَيْهِ - فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ - أَوْ قَالَ بِيَدِهِ - كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ ثَوْبِكَ هَذَا، فَلَا يَتَنَاهَى - أَوْ قَالَ: فَلَا يَنْتَهِى - حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ ". وَفِى رِوَايَةِ سُوَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ، وحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ - عَنْ التَّيْمِىِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَقَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: نَعَمْ. ــ وقوله: " فما يتناهى - أو قال: ينتهى - حتى يدخله الله وأبويه الجنة " هما بمعنى، أى: ما يترك أخذه بيد أبويه. قال الإمام: قال بعض أهل العلم: المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) فالمراد هنا الوقوف عليها، وقيل: يمرون عليها وهى خامدة، وقيل: يمرون على الصراط، وهو جسر عليها، وقيل: هو ما يصيبهم فى الدنيا من الحمى، لقوله ﷺ : " إن الحمى من فيح جهنم " (٢). وجعله أبو عبيد أصلاً فى الرجل

стр. 4547

١٥٥ - (٢٦٣٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ - وَاللَّفْظُ لِأَبِى بَكْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنُونَ ابْنَ غِيَاثٍ. ح وحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ جَدِّهِ، طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِىَّ ﷺ بِصَبِىٍّ لَهَا. فَقَالَتْ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَلَقَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً. قَالَ: " دَفَنْتِ ثَلَاثَةً ". قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: " لَقَدْ ــ يحلف ليفعلن كذا بأنه يبوء (١) بالقليل، وهو خلاف مذهب مالك. وأما قوله: " لم يبلغوا الحنث ": قيل: معناه: قبل أن يبلغوا فيكتب عليهم الإثم. وقوله: قلت لأبى هريرة إنه قد مات لى اثنان، فما أنت محدثى عن رسول الله ﷺ بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا. قال: نعم " صغارهم دعاميص الجنة " قال الإمام: أما أطفال المؤمنين الذين لم يبلغوا الحلم فأولاد الأنبياء صلوات الله عليهم منهم، قد تقرر الإجماع على أنهم فى الجنة، وكذلك جمهور العلماء على أن أولاد من سواهم من المؤمنين فى الجنة، وبعضهم ينكر الخلاف فى ذلك ويتعلقون بظاهر القرآن، وما ورد فى بعض الأخبار، وقال عزّ من قائل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢)، وبعض المتكلمين يقف فيهم ولا يرى نصاً قاطعاً مقطوعاً به ورد بكونهم فى الجنة ولم يثبت عنده الإجماع فيقول به. وقوله: " دعاميص الجنة ": قال: الدعاميص دابة الماء. قال القاضى: سيأتى بقية الكلام فى الأطفال بعد هذا ما سيبقى منه، والخلاف فى أولاد المشركين. وهذا الباب ليس من العمليات التى يلزم التعويل فيها على أخبار الآحاد والظواهر وغلبات الظنون والقطع فيها متعذر، ولا يبعد فى دليل العقل على مذهب أهل السنة رحمة الله لجميعهم حتى مؤمنيهم وكافريهم، وتنعيم جميعهم فى الجنة وما شاء من ذلك، وإنما يفسر هذا التجويز والقول على مذاهب أهل البدع فى تحكيم العقول فى هذه الأبواب، وتعويلهم على التحسين والتقبيح والتعديل والتجويز والصلاح والأصلح، وحكمهم على الله بآدابهم فى سلطانه وقدرته ومشيئته وحكمته وطمعهم فى مشاركته فى علم قدره وغيبه. وقوله: " فيأخذ بثوبه كما آخذ بصنفة ثوبك ": وصنفة الثوب: طرفه. وقوله: " فلا يتناهى - أو قال: ينتهى - حتى يدخله الله وأبويه الجنة " أى ما يترك ذلك، يقال: انتهى وتناهى وأنهى بمعنى.

стр. 4548

احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنْ النَّارِ ". قَالَ عُمَرُ، مِنْ بَيْنِهِمْ: عَنْ جَدِّهِ. وقَالَ الْبَاقُونَ: عَنْ طَلْقٍ. وَلَمْ يَذْكُرُوا الْجَدَّ. ١٥٦ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ طَلْقِ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِىِّ أَبِى غِيَاثٍ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ بِابْنٍ لَهَا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَشْتَكِى، وَإِنِّى أَخَافُ عَلَيْهِ، قَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً. قَالَ: " لَقَدْ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنْ النَّارِ ". قَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ طَلْقٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْكُنْيَةَ. ــ وقوله: " احتظرت بحظار شديد من النار " أى امتنعت منها والحظار كالحائط حول البساتين وغيرها، من عيدان وقضبان يصغر ويخطر بها عليها. وقوله: ثم قال بعد ذلك لما سئل: " أو اثنين " يحتمل أنه أوحى إليه أولاً بثلاث، ثم بعد ذلك لما سئل باثنين، وقد جاء أثر أنه سُئل في واحد فقال: " أو واحد " وعليه يدل معانى غيرها من الأحاديث، ويُحتمل أنه ﵇ قاله ابتداء، للأتم لأمته؛ لأن ثلاثاً أول الكثرة، فأخبرهم بذلك الثلاثة كل مَنْ مات له ولد على شفاعته ودخره، وسكت عما وراءه، فلما سئل أعلم بما عنده فى ذلك. وفى قولها: أو اثنان بعد ذكر النبي ﷺ ذلك فى الثلاثة، وهى من أهل اللسان، دليل على أن تعلق الحكم بعدد ما لا ينفيه من جهة دليل الخطاب عمن عداه من العدد كان أقل أو أكثر. قوله: " فتحتسبه ": يدل أن هذا الأجر إنما هو لمن احتسب أجره على الله وصبر. والاحتساب والحسبة والحساب بالكسر: ادخار الأجر عند الله وأن يعتد مصابه ويحسبه من حسناته، وهو مأخوذ من الحساب.

стр. 4549

(٤٨) بَاب إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَبَّبَهُ إِلَى عِبَادِهِ ١٥٧ - (٢٦٣٧) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا، دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّى أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ". قَالَ: " فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِى فِى السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ". قَالَ: " ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِى الْأَرْضِ. وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّى أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ ". قَالَ: " فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِى فِى أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ ". قَالَ: " فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِى الْأَرْضِ ". (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ - وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ. ح وحَدَّثَنَاه سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ. ح وحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ - وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ - كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبُغْضِ. ــ وقوله: " إذا أحب الله عبداً دعا جبريل: إنى أحبه فأحبه " إلى قوله: " فوضع له القبول فى الأرض ": وقال مثله فى البغض. محبة الله عبده: إرادة الخير به فى الدنيا والآخرة، من هدايته له وإنعامه عليه ورحمته له، وبغضه له: أراد به شقاء عقابه وشقاوته فى الدنيا والآخرة، وقد تكون محبة جبريل والملائكة على وجهها من معنى المحبة وظاهرها التى تليق بالمخلوقين، ويتنزه عنها الخالق، وهو ميل النفس ونزوع الروح والقلب إليه وحبه لقاءه، وأنه لما كان ممن أطاع وأحبه الله كان ممن يجب أن يكون مع جبريل والملائكة متحابين فى الله. وقد يكون من جبريل والملائكة استغفارهم له، وذكرهم الجميل فى الملأ الأعلى له ودعائهم له. وقوله: " فيوضع له القبول في الأرض " وهو الرضا والحب فى القلوب، أى تقبله وتميل إليه، ولا تنفر عنه ولا ترده، قال الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ (١)، أى: رضى. قال أبو عمر: هو مصدر، ولم أسمع غيره بالفتح فى المصدر. وقد جاء فى رواية القعنبى مفسراً: فتوضع له المحبة.

стр. 4550

١٥٨ - (...) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ، الْمَاجِشُونُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، قَالَ: كُنَّا بِعَرَفَةَ، فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ. فَقُلْتُ لِأَبِى: يَا أَبَتِ، إِنِّى أَرَى اللَّهَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِمَا لَهُ مِنْ الْحُبِّ فِى قُلُوبِ النَّاسِ. فَقَالَ: بِأَبِيكَ أَنْتَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلٍ. ــ وقوله: " وهو على الموسم " يعنى الحج بالناس، سمى بذلك من الوسم وهى العلامة، ومنه: مواسم الأسواق: علاماتها التى يجتمع إليها الناس، أو تكون إشارة إلى الإهلال الذى هو علامة الحج.

стр. 4551

(٤٩) بَاب الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ١٥٩ - (٢٦٣٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ". ١٦٠ - (...) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ يَرْفَعُهُ. قَالَ: " النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِى الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا. وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ". ــ وقوله: " الأرواح جنود مجندة " أى أجناس مجنسة " فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ": قيل: معنى " أجناد مجندة ": أى جموع مجمعة، وقيل: أجناس مختلفة. هذا التعارف لأمر جعله الله فيها وجبلها عليه، وأشبه ما فيه أن يكون تعارفها موافقة صفاتها التى خلقت عليها، وتشابهها فى شيمها التى خلقت بها، وقيل: تعارفها أنها خلقت مجتمعة، ثم فصلت فى أجسادها كل قسم فى جسدين، فمن وافق قسمه ألفه، ومن باعده نافره، وقيل: هو ما يعرف الله به إليها من صفاته ودلها به عليه من لطفه وأفعاله، فكل زوج عُرفَ من الإجزاء به تعرف إلى الله بمثل ما تعرف هو به إلفه. وقال الخطابى: تآلفها: هو ما خلقها عليه من السعادة أو الشقاوة في المبدأ الأول. وفيه تقدمها على خلق الأجساد، كما جاء فى الحديث، وأخبر أنه قسمها قسمين: مختلفة ومؤتلفة.

стр. 4552

(٥٠) بَاب الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ١٦١ - (٢٦٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ". قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: " أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". ١٦٢ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ " فَلَمْ يَذْكُرْ كَبِيرًا. قَالَ: وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: " فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". (...) حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرٍ أَحْمَدُ عَلَيْهِ نَفْسِى. ١٦٣ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " وَمَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟ " قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: " فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". ــ وقوله فى الذى سأله عن الساعة، فقال: " ما أعددت لها؟ " فقال: ما أعددت لها كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة ولكنى أحب الله ورسوله قال: " فأنت مع مَنْ أحببت "، وفى الحديث الآخر: " المرء مع مَنْ أحبّ " فيه أنَّ محبة الله ومحبة نبيه الاستقامة على طاعتهما وترك مخالفتهما، وإذا أحبهما تأدب بأدب شريعتهما، ووقف عند حدودهما وفى حبه لله ولنبيه ولمن أحبه من الصالحين وميله بقلبه إليهم، إنما ذلك كله لله تعالى، وطاعة له وثمرة صحة إيمانه، وشرح قلبه، وهو من أعظم الدرجات وأرفع منازل الطاعات، ومن أعمال القلوب التى الأجر عليها أعظم من أجر أعمال الجوارح، وإثابة الله على ذلك أن رفع إلى منزلة مَنْ أحبه فيه، وإن لم يكن له أعمال مثل أعماله، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 4553

قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا، بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : " فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ. (...) حَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِىُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَنَسٍ: فَأَنَا أُحِبُّ. وَمَا بَعْدَهُ. ١٦٤ - (...) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَارِجَيْنِ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلًا عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ". قَالَ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: " فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". (...) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْيَشْكُرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، أَخْبَرَنِى أَبِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . بِنَحْوِهِ. (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا. ح وحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - يَعْنِى ابْنَ هِشَامٍ - حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. ١٦٥ - (٢٦٤٠) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ــ وقوله: " ما أعددت لها كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة " يزيد فيما زاد على الفرائض، والله أعلم. لكن في حبه لله تعالى ولرسوله بما ذكرناه من أعظم العبادة وأفضل

стр. 4554

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِى رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ". (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ. ح وحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. (٢٦٤١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: أَتَى النَّبِىَّ ﷺ رَجُلٌ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ. ــ أعمال الطاعات، وهو عمل من أعمال القلب، ومحبة الله تعالى من أفضل مقامات الأولياء وأعلى درجات الأصفياء.

стр. 4555

(٥١) بَاب إِذَا أُثْنِىَ عَلَى الصَّالِحِ فَهِىَ بُشْرَى وَلَا تَضُرُّهُ ١٦٦ - (٢٦٤٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنْ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ ". (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ وَكِيعٍ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِى عَبْدُ الصَّمَدِ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، بِإِسْنَادِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِهِمْ عَنْ شُعْبَةَ، غَيْرَ عَبْدِ الصَّمَدِ: وَيُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْهِ. وَفِى حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ: وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ. كَمَا قَالَ حَمَّادٌ. ــ وقوله للرجل يعمل الخير ويحمده الناس: " تلك عاجل بشرى المؤمن ": أى عنوان الخير له، ودليل على رضا الله عنه وحبه له، بدليل الحديث المتقدم: " ثم يوضع له القبول فى الأرض " وهذا كله إذا كان حمد الناس له عليه من غير طلبه ذلك ويعرضه له، فإن هذا أصل الرياء وأعظم الآفات لإفساد الأعمال وهلاك العاملين لها وتزيين الشرك. وقوله: " تلك عاجل بشرى المؤمن " أى: البشرى المعجلة، ونبه على الموحدة فى الآخرة بقوله: ﴿بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ (١). وقوله: " فلقيت رجلاً عند سدة المسجد (٢) فقال: يا رسول الله "، قال الإمام: قال الهروى فى حديث المغيرة بن شعبة أنه قال: لا يصلى فى سدة المسجد الجامع، يعنى الظلال. ومنه سُمى إسماعيل السدى؛ لأنه كان يتبع فى سدة الجامع. وفى الحديث: أن أم سلمة قالت لعائشة - رضى الله عنها - إنك سدة بين رسول الله ﷺ وأمته، أى باب، فمتى أحبت ذلك الباب بشىء فقد دخل على رسول الله ﷺ فى حريمه، ومنه الحديث: فى الذين يردون الحوض الذين لا يفتح لهم السد (٣) والحديث يقول: " لا يفتح لهم الأبواب ".
следующие страницы →