← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

(٤٩) بَاب الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ١٥٩ - (٢٦٣٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ". ١٦٠ - (...) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ يَرْفَعُهُ. قَالَ: " النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِى الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا. وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ". ــ وقوله: " الأرواح جنود مجندة " أى أجناس مجنسة " فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ": قيل: معنى " أجناد مجندة ": أى جموع مجمعة، وقيل: أجناس مختلفة. هذا التعارف لأمر جعله الله فيها وجبلها عليه، وأشبه ما فيه أن يكون تعارفها موافقة صفاتها التى خلقت عليها، وتشابهها فى شيمها التى خلقت بها، وقيل: تعارفها أنها خلقت مجتمعة، ثم فصلت فى أجسادها كل قسم فى جسدين، فمن وافق قسمه ألفه، ومن باعده نافره، وقيل: هو ما يعرف الله به إليها من صفاته ودلها به عليه من لطفه وأفعاله، فكل زوج عُرفَ من الإجزاء به تعرف إلى الله بمثل ما تعرف هو به إلفه. وقال الخطابى: تآلفها: هو ما خلقها عليه من السعادة أو الشقاوة في المبدأ الأول. وفيه تقدمها على خلق الأجساد، كما جاء فى الحديث، وأخبر أنه قسمها قسمين: مختلفة ومؤتلفة.

стр. 4552

(٥٠) بَاب الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ١٦١ - (٢٦٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ". قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: " أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". ١٦٢ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ " فَلَمْ يَذْكُرْ كَبِيرًا. قَالَ: وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: " فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". (...) حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرٍ أَحْمَدُ عَلَيْهِ نَفْسِى. ١٦٣ - (...) حَدَّثَنِى أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " وَمَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟ " قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: " فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". ــ وقوله فى الذى سأله عن الساعة، فقال: " ما أعددت لها؟ " فقال: ما أعددت لها كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة ولكنى أحب الله ورسوله قال: " فأنت مع مَنْ أحببت "، وفى الحديث الآخر: " المرء مع مَنْ أحبّ " فيه أنَّ محبة الله ومحبة نبيه الاستقامة على طاعتهما وترك مخالفتهما، وإذا أحبهما تأدب بأدب شريعتهما، ووقف عند حدودهما وفى حبه لله ولنبيه ولمن أحبه من الصالحين وميله بقلبه إليهم، إنما ذلك كله لله تعالى، وطاعة له وثمرة صحة إيمانه، وشرح قلبه، وهو من أعظم الدرجات وأرفع منازل الطاعات، ومن أعمال القلوب التى الأجر عليها أعظم من أجر أعمال الجوارح، وإثابة الله على ذلك أن رفع إلى منزلة مَنْ أحبه فيه، وإن لم يكن له أعمال مثل أعماله، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء.

стр. 4553

قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا، بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : " فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ. (...) حَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِىُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَنَسٍ: فَأَنَا أُحِبُّ. وَمَا بَعْدَهُ. ١٦٤ - (...) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَارِجَيْنِ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلًا عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ". قَالَ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: " فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ". (...) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْيَشْكُرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، أَخْبَرَنِى أَبِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . بِنَحْوِهِ. (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا. ح وحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - يَعْنِى ابْنَ هِشَامٍ - حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. ١٦٥ - (٢٦٤٠) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ــ وقوله: " ما أعددت لها كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة " يزيد فيما زاد على الفرائض، والله أعلم. لكن في حبه لله تعالى ولرسوله بما ذكرناه من أعظم العبادة وأفضل

стр. 4554

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِى رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ". (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ. ح وحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. (٢٦٤١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: أَتَى النَّبِىَّ ﷺ رَجُلٌ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ. ــ أعمال الطاعات، وهو عمل من أعمال القلب، ومحبة الله تعالى من أفضل مقامات الأولياء وأعلى درجات الأصفياء.

стр. 4555

(٥١) بَاب إِذَا أُثْنِىَ عَلَى الصَّالِحِ فَهِىَ بُشْرَى وَلَا تَضُرُّهُ ١٦٦ - (٢٦٤٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنْ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ ". (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ وَكِيعٍ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِى عَبْدُ الصَّمَدِ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، بِإِسْنَادِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِهِمْ عَنْ شُعْبَةَ، غَيْرَ عَبْدِ الصَّمَدِ: وَيُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْهِ. وَفِى حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ: وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ. كَمَا قَالَ حَمَّادٌ. ــ وقوله للرجل يعمل الخير ويحمده الناس: " تلك عاجل بشرى المؤمن ": أى عنوان الخير له، ودليل على رضا الله عنه وحبه له، بدليل الحديث المتقدم: " ثم يوضع له القبول فى الأرض " وهذا كله إذا كان حمد الناس له عليه من غير طلبه ذلك ويعرضه له، فإن هذا أصل الرياء وأعظم الآفات لإفساد الأعمال وهلاك العاملين لها وتزيين الشرك. وقوله: " تلك عاجل بشرى المؤمن " أى: البشرى المعجلة، ونبه على الموحدة فى الآخرة بقوله: ﴿بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ (١). وقوله: " فلقيت رجلاً عند سدة المسجد (٢) فقال: يا رسول الله "، قال الإمام: قال الهروى فى حديث المغيرة بن شعبة أنه قال: لا يصلى فى سدة المسجد الجامع، يعنى الظلال. ومنه سُمى إسماعيل السدى؛ لأنه كان يتبع فى سدة الجامع. وفى الحديث: أن أم سلمة قالت لعائشة - رضى الله عنها - إنك سدة بين رسول الله ﷺ وأمته، أى باب، فمتى أحبت ذلك الباب بشىء فقد دخل على رسول الله ﷺ فى حريمه، ومنه الحديث: فى الذين يردون الحوض الذين لا يفتح لهم السد (٣) والحديث يقول: " لا يفتح لهم الأبواب ".

стр. 4556

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٦ - كِتَاب الْقَدَرِ (١) بَاب كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِىِّ، فِى بَطْنِ أُمِّهِ وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ، وَشَقَاوَتِهِ وَسَعَادَتِهِ ١ - (٢٦٤٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِى وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِى ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِى ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِى لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا ". ــ كتاب القدر قال القاضى: وقوله فى حديث ابن مسعود: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم ذكر أنه علقة مثل ذلك ومضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح بأربع كلمات يكتب (١) رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد "، وفى حديث ابن مسعود فى الرواية الأخرى فقال: " إذا مر بالنطفة ثلاث وأربعون - ويروى: ثنتان وأربعون - بعث الله لها ملكاً فيصورها " إلى قوله: " يا رب، أذكر أم أنثى؟ " الحديث، وقال فى حديث حذيفة بن أسيد: " يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأربعين أو خمس وأربعين، فيقول: يا رب، أشقى أم سعيد؟ "، وفى الرواية الأخرى: " أن النطفة تقع فى الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى "، وفى روايته الأخرى: " لبضع وأربعين "، وفى حديث أنس: " إن الله قد وكل بالرحم ملكاً فيقول: أى رب نطفة، أى رب علقة، أى رب مضغة، فإذا أراد أن يقضى خلقاً قال: أى رب، ذكراً أو أنثى؟ شقى أو سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ ": اختلفت ألفاظ هذا الحديث فى مواضع، ولم يختلف أننفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك تمام

стр. 4557

(...) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وحَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، كُلُّهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. قَالَ فِى حَدِيثِ وَكِيعٍ: " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ". وقَالَ فِى حَدِيثِ مُعَاذٍ عَنْ شُعْبَةَ: " أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ". وَأَمَّا فِى حَدِيثِ جَرِيرٍ وَعِيسَى: " أَرْبَعِينَ يَوْمًا ". ٢ - (٢٦٤٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِى الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ، أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَشَقِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ. فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ. وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ ". ٣ - (٢٦٤٥) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ؛ أَنَّ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: الشَّقِىُّ مَنْ شَقِىَ فِى بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ. فَأَتَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ: حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الْغِفَارِىُّ، فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: وَكَيْفَ يَشْقَى رَجُلٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَتَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا. ثُمَّ قَالَ: ــ أربعة أشهر ودخوله فى الخامس، وهذا قد جرب بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام فى الاستلحاق عند التنازع وفى وجوب النفقات على حمل المطلقات، وذلك لتيقنه بحركة الجنين فى الجوف. وقد قيل: إن الحكمة فى عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهو الدخول فى الخامس ليتحقق براءة الرحم ببلوغها هذه المدة وزيادة من زاد فى مجىء الملك أنها بعد زيادة على الأربعين مشعرة أنه لا يأتيها الملك لرأس أربعين، إذ بعدها - كما قال - ثلاث أو خمس أو بضع على اختلاف الروايات، ولم يأت فى غيرها من الأحاديث النص على رأس

стр. 4558

يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِى رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَجَلُهُ. فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، رِزْقُهُ. فَيَقْضِى رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِى يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ ". (...) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. ٤ - (...) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِى خَلَفٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ؛ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ حَدَّثَهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِى سَرِيحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِىِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنَىَّ هَاتَيْنِ، يَقُولُ: " إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِى الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يَتَصَوَّرُ عَلَيْهَا الْمَلَكُ ". قَالَ زُهَيْرٌ: حَسِبْتُهُ قَالَ: الَّذِى يَخْلُقُهَا " فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ فَيَجْعَلُهُ اللَّهُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَسَوِىٌّ أَوْ غَيْرُ سَوِىٍّ؟ فَيَجْعَلُهُ اللَّهُ سَوِيًّا أَوْ غَيْرَ سَوِىٍّ. ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ، مَا رِزْقُهُ؟ مَا أَجَلُهُ؟ مَا خُلُقُهُ؟ ثُمَّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا ". ــ أربعين. وذكره أن لكل حالة وانتقال مدة أربعين يوماً، وأنه إنما ينتقل إلى العلقة بعد الأربعين، أصل فى أنه لا يعول فى السقط إلا إذا كان علقة، وحينئذ يحكم لأمه بأنها أم ولد، وبه تبرأ العدد، ولا يحكم لذلك بالدم المجتمع، وهو قول ابن القاسم؛ لأنه لا يتميز أنه سقط إلا بتخلقه إلى العلقة، وأشهب يرى أن كل ما شهد النساء أنه سقط من دم أو علقة أو غيره حكم له بأنه سقط، وهذا لا يعلمه النساء إلا بعد تخلقه إلى العلقة. وفيه رد على أهل التشريح والطب والطبائعيين، ومَنْ يقول بقولهم؛ من أن الولد إنما يكون من دم الحيض، فإنه [لا حض] (١) للمنى فيه إلا عقده كما تعقد الأنفحة اللبن، وكتاب الله والأحاديث الصحاح ترده. وقوله هنا: " ثم إن النطفة تقع فى الرحم أربعين ليلة، ثم يتسور عليها الملك فيقول: يا رب، أذكر أو أنثى؟ " ومعنى " يتسور عليها ": أى ينزل، مستعارة من تسورت الدار: إذا نزلت فيها من أعلاها، ولا يكون التسور إلا من فوق.

стр. 4559

(...) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ، حَدَّثَنِى أَبِى كُلْثُومٌ، عَنْ أَبِى الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِىِّ - صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " أَنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالرَّحِمِ، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا بِإِذْنِ اللَّهِ، لِبِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً " ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ. ٥ - (٢٦٤٦) حَدَّثَنِى أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - وَرَفَعَ الْحَدِيثَ؛ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا. فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، نُطْفَةٌ. أَىْ رَبِّ، عَلَقَةٌ. أَىْ رَبِّ، مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِىَ خَلْقًا قَالَ: قَالَ الْمَلَكُ: أَىْ رَبِّ، ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِى بَطْنِ أُمِّهِ ". ــ وقوله: " أى رب، نطفة. أى رب، مضغة. أى رب، علقة "، وجاء فى بعض الحديث عن ابن مسعود تفسير " يجمع فى بطن أمه ": أن النطفة إذا وقعت فى الرحم فأراد الله تعالى أن يخلق منها بشراً طارت فى بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تصير دماً فى الرحم، فذلك جمعها، وهذا هو وقت كونها علقة، وكذلك قوله فى الحديث الآخر: " فإذا غلب ماء الرجل ماء المرأة " (١)، وكفى بهذا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (٢)، وقوله: عالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ (٣). وإنما يبقى في هذا الحديث من الإشكال أنه ذكر فى حديث ابن مسعود أن سؤال الملك بعد المضغة ونفخ الروح فيه على ما تقدم. وقوله: " ويؤمر حينئذ بأربع كلمات رزقه وأجله "، وذكر فى حديث حذيفة إتيان الملك إليها بعد ما يستقر فى الرحم بأربعين أو خمس وأربعين، فيقول: " يا رب، أشقى أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ "، وكذلك فى الرواية الأخرى عن ابن مسعود: " إذا مرّ بالنطفة [ثلاث وأربعين] (٤) بعث الله ملكاً يصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ " ثم ذكر أجله ورزقه، وفى حديث أنس: " إن الله وكل بالرحم ملكاً، فيقول: أى رب، نطفة. أى رب علقة. أى رب، مضغة، فإذا أراد الله أن يقضى خلقاً قال الملك: أى رب، ذكر أو أنثى؟ شقى أو

стр. 4560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سعيد ". يظهر من مجموع هذه الأحاديث أن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة، وإعلام الله تعالى بانتقال حالاتها وهو أعلم، وأن لتصرف الملك فى أمرها أوقاتاً؛ أحدها عند تحركها من النطفة إلى العلقة وهو أول انتقال أحوالها إلى حال الحمل، وعلم الملك بأنه ولد؛ إذ ليس كل نطفة تكون ولداً؛ ولهذا رأى أهل العلم أنه ليس لها في الأربعين حكم السقط. ورأى بعضهم أنها ليس لها حرمة ولا لها حكم المراد فى الأربعين. خالفه غيره فى هذا، ولم ير إباحة إفساد المنى ولا سبب إخراجه بعد حصوله فى الرحم بوجه قرب أو بعد، بخلاف العزل قبل حصوله فيه، وهو وقت سؤال الملك ربه حينئذ عن صفة خلقه ورزقه وأجله وشقاوته وسعادته، وذلك قبل تصويره وتخلقه، ألا تراه كيف قال: " أذكر أو أنثى؟ " فيكتبان وتطوى الصحف، وفى الرواية الأخرى: " فيقضى ربك ما شاء ويكتبه "، وليس فى حديث ابن مسعود ما يخالفه لذكر ذلك بعد نفخ الروح فيه؛ لأنه قال: " ويؤمر "، والواو لا تعطى رتبة، فإنما أخبر - والله أعلم - عن حال تقدمت ثم يصرف (١) الملك فيه وقت آخر، [وذلك] (٢) عند التصوير وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه، وكونه ذكراً أو أنثى، وذلك إنما يكون بعد كونه مضغة في الأربعين الثالثة قبل تمام خلقها (٣) ونفخ الروح فيه، إذ لا ينفخ فى الروح إلا بعد تمام صورته، لكنه فى حديث ابن مسعود من رواية عمرو بن الحارث (٤) فى قوله: " إذا مر بالنطفة [ثلاث وأربعين] (٥) بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظمها ولحمها ثم قال: يا رب أذكر أو أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب، ثم يقول: يا رب، أجله " وذكر رزقه، فحمل هذا على ظاهره لا يصح؛ لأنه قد ذكر أن ذلك ما يقضى الله فيه ما شاء ويكتب، فدل أنه يوجد بعد، وإنما هو كتاب كما قال: " ثم خرج الملك بالصحيفة فى يده "؛ ولأن التصوير بأثر النطفة وأول العلقة وفى الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود، وإنما التصوير فى الأربعين الثالثة فى مدة المضغة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْمًا﴾ (٦). فهذا تفسير ما جاء فى الحديث على اختلاف ألفاًظه، ويكون معنى " نطفة " فى هذا الكتاب: تصورها " وخلق سمعها وبصرها ": أى كتب ذلك وما قضى الله منه، بدليل قوله بعد: " أذكر أم أنثى؟ "، وفى الحديث الآخر: " سوى أو غير سوى؟ ".

стр. 4561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله فى الحديث: " فيقضى ربك ما شاء ": فيرجع الكلام كله إلى هذا؛ ولأن خلقه جميع الأعضاء والذكورية والأنوثة على حد سواء ووقت متفق، وهذا يشاهد فيما يوجد من أجنة الحيوان مشاهدة، وهو الذى يقتضى الخلقة واستواء الصورة، ثم يكون للملك فيه تصرف آخر وهو وقت نفخ الروح فيه، وما ذكره فى الحديث من إرسال الملك له فمراده - والله أعلم بمراده - يوجهه (١) للتصرف فى هذه الأحوال وامتثال هذه الأفعال، وإلا فقد ذكر فى حديث أنس أنه موكل بالرحم وأنه يقول: " يا رب نطفة، أى رب علقة، أى رب مضغة " وهو ظاهر حديث ابن مسعود. وقوله فى حديث آخر (٢): " فإذا أراد الله أن يقضى خلقاً قال: يا رب، أذكر أم أنثى؟ شقى أم سعيد؟ " ليس يخالف ما تقدم، ولا يدل أنه يقول ذلك بعد المضغة، بل هو ابتداء كلام وإخبار عن حالة أخرى، أخبر أولاً. بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله - تعالى - إذا أراد إظهار خلق النطفة علقة وإبقاء أثرها لقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (٣)، وذلك يرجع عند تخليق النطفة علقة كما تقدم. ومثل هذا جميع ما ورد فى الرزق والأجل من قوله: " فيقضى ربك ما شاء من ذلك ويكتب " أى يظهر ذلك للملك ويأمره بإنفاذه وكتابته وإلا فقضاؤه سابق، وعلمه بما يكون من ذلك وإرادته فيه متقدمة أزلية لا أول لها، وعلى هذا تتفق الأحاديث وتطابق الآية، ولا يكون بينهما تخالف ولا تعارض، ولا يجد الملحد للكلام فى ذلك سبيلاً. وقوله: " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها " الحديث: هذا راجع إلى [أن الأمر بالخواتيم، فإذا كل أحد يتوفى على ما سبق له فى أم الكتاب، وذهب بعضه إلى أن] (٤) المراد به الحيف فى الوصية وهذا يبعد عن سياق هذا الحديث ولا يدل عليه، وإنما يدل على سوء الخاتمة، بدليل قوله بعده فى حديث أبى هريرة: " إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له بعمل أهل النار "، وفى البخارى: " وإنما الأعمال بالخواتيم " (٥). وفى هذا أن الثواب والعقاب راجع إلى أمر الخاتمة، وأن التوبة تكفر الذنوب، وأن من مات على شيء حكم عليه به من خير أو شر إلا ما عفا الله عنه من السيئات، وسمح فيه لأهل الإيمان من التبعات. وقوله: " ما بينه وبينها إلا ذراع " على طريق التمثيل للقرب من موته ودخولها بأثره مثل من وصل إلى شىء بينه وبين هذا القدر ثم منع منه.

стр. 4562

٦ - (٢٦٤٧) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِىٍّ، قَالَ: كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فِى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً ". قَالَ: فَقَالَ رَجَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: " مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ. وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ " فَقَالَ: " اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١). ــ وقوله فى حديث على: كنا فى جنازة فى بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ ومعه مَخصرة - وفى الرواية الأخرى: وبيده عود - فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: " ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب مكانها من الجنة والنار، وقد كتبت شقية أو سعيدة ". فقال رجل: ألا نمكث على كتابنا وندع العمل " وفى الرواية الأخرى: أفلا نتكل؟ فقال: " من كان من أهل السعادة فيصير إلى عمل أهل السعادة " الحديث، وفيه: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". قال الإمام: قول الرجل للنبى ﷺ لما سمع منه: إن الله سبحانه قد كتب السعادة والشقاوة على ما وقع فى هذا الحديث: " أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ " يلاحظ تشنيع المعتزلة علينا بقولهم: إذا قلتم: إن الله - سبحانه - خلق معصية العاصى فلم يعذبه على ما خلقه فيه وقدره عليه؟ وما فائدة التخليق (٢)، وكيف يطلب الإنسان بفعل غيره؟ وأى فائدة فى العمل وقد وقع فى نفس هذا الرجل شبهة من فائدة العمل، وأراد أن يؤكد ما عنده بقول النبى ﷺ فأجابه ﷺ هذا الجواب، ودفع اعتراضه ولم يقل له: إنه صحيح، بل أخبره أن الله - جلت قدرته - يسر أهل السعادة بعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة بعمل أهل الشقاوة، وتلا ﷺ القرآن مُصدقّاً لما قال، وأخبر أن الله إذا أنفذ قدره بشقاوة عبدٍ يسَّر له عمل أهل الشقاوة وهيأه له وسهله عليه، وأتاح له أسبابه التى تعينه وتبعثه على اكتساب المعاصى، والإنسان عندنا مكتسب لفعله لا مجبور عليه.

стр. 4563

(...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِى مَعْنَاهُ. وَقَالَ: فَأَخَذَ عُودًا. وَلَمْ يَقُلْ: مِخْصَرَةً. وَقَالَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ فِى حَدِيثِهِ عَنْ أَبِى الْأَحْوَصِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ٧ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِىِّ، عَنْ عَلِىٍّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا وَفِى يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: " مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: " لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِىِّ، عَنْ عَلِىٍّ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، بِنَحْوِهِ. ــ وتحقيق القول فى الكسب يتسع، وموضعه كتب الأصول (١). ولا يبعد فى العقل أن يجعل الله هذه الأعمال أمارة عليه استحقاق الجنة والنار، ويسهل لكل عبد ما قضى له أو عليه من ذلك والغرض هاهنا الإشارة إلى ما قلناه من أن الأسلوب الذى يقدح به المعتزلة قد وقع ما يلاحظه من هذا السائل (٢) ولم يصححه ﷺ ، [بل أجاب عنه بما ذكر، ولعل السائل له ﷺ أراد] (٣) أن يعلم حقيقة الانفعال، أو تأكيد (٤) ما وقع فى نفسه منه على ما قلناه، ولم يقصد الاعتراض على قول النبى ﷺ بالرد والتشكك فيه، كما يقصد المعتزلة باعتراضهم (٥) القدح فى الحق الذى بيناه.

стр. 4564

٨ - (٢٦٤٨) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْآنَ، فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ؟ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: " لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ ". قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِشَىْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ. فَسَأَلْتُ: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: " اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ". (...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الْمَعْنَى. وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُلُّ عَامِلٍ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ ". ــ وكذلك قول الرجلين من مزينة بعد هذا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه، أشىء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر سابق، أو فيما يستقبلون به مما آتاهم [به] (١) نبيهم ﵇ وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: " بل شىء قضى عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك فى كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٢) " هذا مطابق لقول الأشعرية وأهل السنة، فى أن كل شىء بقضاء الله وقدره، وأن المعاصى قضاها الله وقدرها، ألا ترى قول السائل: أرأيت ما يعمله الناس [اليوم] (٣) ويكدحون فيه ولم يفرق بين خير وشر، ولا طاعة ولا معصية؛ ولذلك جوابه ﵇ لم يفرق فيه، بل قال: كل شىء قُضى عليهم ومضى فيهم، وتلا كتاب الله تعالى مصدقاً لما قال، ومسوياً بين الفجور والتقوى بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ فأخبر عن النفس وما فعل فيها. وكذلك قوله ﵇[فى كتاب مسلم بعد هذا: " كل شىء بقدر حتى العجز والكيس " (٤) مطابق - أيضاً - لقول الأشعرية فى هذا. وكذلك قوله: جاء قوم مشركون يخاصمون النبى ﷺ ] (٥) فى القدر (٦) فنزل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٧). هكذا الأحاديث كلها مطابقة لقول أهل الحق.

стр. 4565

٩ - (٢٦٤٩) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ الضُّبَعِىِّ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: فَقَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: قِيلَ: فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: " كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ". (...) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، فِى هَذَا الْإِسْنَادِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ. وَفِى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. ١٠ - (٢٦٥٠) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِى الْأَسْوَدِ الدِّئلِىِّ، قَالَ: قَالَ لِى عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ: أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَىْءٌ قُضِىَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ شَىْءٌ قُضِىَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ قَالَ: فَقَالَ: أَفَلَا يَكُونُ ــ وإنما سميت (١) الأشعرية أهل السنة؛ لاتباعهم السنن هكذا، وموافقتهم لها، والمعتزلة تتجاسر على ردها وتصغى إلى شبهة فى عقولها، فيهون عليها معها ركوب العظام من رد السنن الواردة، والازدراء على رواتها، وتكذيب الثقات من المحدثين. وهذا مجانب لفعل أهل التحصيل، [والدين] (٢) أعاذنا الله ضلالة الملحدين. وأما قوله: " ومعه مخصرة " (٣) قال الهروى (٤): قال أبو عبيد: وهو ما خصره الإنسان بيده فأمسكه [من] (٥) عصا أو غيرها أو عكازه، وفى حديث آخر: " فإذا تخصروا بها سجد لهم ". قال القتبى: التخصر: هو إمساك القضيب باليد وكانت الملوك تتخصر بقضبان لها وتشير بها، وتصل كلامها وهى الخاصر، واحدها مخصر، وقد خاصرت فلاناً: إذا أخذت بيده وتماشيتما. وفى حديث: " المتخصرون يوم القيامة، على وجوههم النور " (٦) قال أبو العباس: معناه: المصلون بالليل، فإذا تعبوا وضعوا

стр. 4566

ظُلْمًا؟ قَالَ: فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: كُلُّ شَىْءٍ خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. فَقَالَ لِى: يَرْحَمُكَ اللَّهُ إِنِّى لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ إِلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ، إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَىْءٌ قُضِىَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَوْ ــ أيديهم على خواصرهم من التعب. قال: ويكون معناه: أنهم يأتون يوم القيامة ومعهم أعمال يتكئون عليها. مأخوذ من الخصرة. أخبرنا بذلك الثقة عن أبى عمر وغيره، وفى حديث أبى هريرة: " نهى أن يصلى الرجل مختصراً " (١) قيل: هو أن يأخذ الرجل بيده عصا يتكئ عليها، وقيل: معناه: أن يقرأ من [آخر] (٢) السورة آية أو آيتين ولا يقرأ السورة بكمالها فى فرضه، هكذا رواه ابن سيرين (٣) عنه. ورواه غيره مختصراً. ومعنى: " لأن يصل الرجل واضعاً يده على خصره "، ومنه حديث: " الاختصار راحة أهل النار " (٤)، ونهى عن اختصار السجدة (٥) وتفسيرها على وجهين: أحدهما: أن يختصر الآية التى فيها السجدة، فيسجد فيها. والثانى: أن يقرأ السورة، فإذا انتهى إلى السجدة جاوزها ولم يسجد لها. ومنه أخذ مختصرات الطريق. وقال القاضى: وقوله: " ينكت بها " أى يضرب بها فى الأرض [ويؤثر. والنكت الأثر، نكت فى الأرض] (٦): إذا أثر فيها بقضيب أو نحوه. وقوله: " أفيما جفت به الأقلام ": عبارة عما مضت به المقادير وتم كتابه، وجف القلم الذى كتب به ذلك، أى لم يكتب بها بعد كما عهدنا نحن مما فرغنا من كتابه، فيبقى القلم جافاً للاستغناء عنه لذلك. وكتاب الله لوحه وقلمه وصحيفته التى ذكر فى الحديث من غيبه، وسر علمه الذى يلزمنا الإيمان والتصديق به، وكيفية صفة ذلك فى علم الله ﷻ لا يحاط بشىء من علمه إلا بما شاء.

стр. 4567

فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: " لَا، بَلْ شَىْءٌ قُضِىَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِى كِتَابِ اللَّهِ : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (١) ". ١١ - (٢٦٥١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". ١٢ - (١١٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِىَّ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". ــ وقول عمران بن حصين لأبى الأسود: " أرأيت ما يعمل الناس به ويكدحون فيه "، قال الإمام: الكدح: السعى فى العمل لدنيا كان أو آخرة. قال القاضى: وقوله حين سأله: فيما يعمل الناس؟ فقال: شىء قضى عليهم ومضى عليهم، فقال له: أفلا يكون ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً وقلت: كل شىء خلق الله وملك يده ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢) وجواب مثل أبى الأسود فى علمه وفضله عن اعتراضه عليه بالشبهة التى أضلت القدرية من تحكمهم على حكم الله، والدخول عليه بإرادته فى قضائه وملكه، ونزوعه بالآية موضع الجنة لأهل السنة والوزر من شبهة أهل القدر لان المالك يفعل فى ملكه ما يشاء؛ وإنما يعرض عليه فيما لا يملكه، ولأن الله - تعالى - لا علة لأفعاله بل إليه تنتهى العلل، وعنده تنقطع الأسئلة لا إله غيره ولا معقب لحكمه. وقول عمران له: إنى لم أرد بما سألتك عنه (٣) لأحرز عقلك أى اختبارك ومقدار علمك وثباتك فى ذلك، وقوة بصيرتك فيه. وذلك لما كان تحرك هناك

стр. 4568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من كلام قول القدرية وتشنعهم على أهل السنة. وفيه اختبار العلماء طلبة العلم وإلقاء صعاب المسائل عليهم ليعلموا (١) مقادير علمهم أو ليبينوا لهم مشكل ما تدعوهم ضرورته إليه مما عساهم لا يهتدون لسؤاله، أو يخافون خطأهم وغلطهم فيه. وفيه جواز كلام أهل العلم فى هذا الباب، وتحاججهم، ومناظرتهم لإظهار الحجج لا للجدل. والمراد المغالبة. وأما ما ورد من نهى النبى ﷺ عن الجدال إنما هو فى مثل هذا الوجه المدفوع (٢)، أو لمن ليس من أهل العلم بهذا الشأن أو الجدال بالباطل ومقالات أهل البدع فيه. وفى قوله: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " (٣) واحتجاجه بقوله تعالى فى الآية: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (٤) الحجة القاطعة أيضاً على الجبرية، وشرح لقوله: " إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار ". وقوله فى الحديث الآخر: " بل شىء قُضى عليهم ومضى فيهم " قال أئمتنا المحققون: إن هذه الأحاديث اقتضت أن الله لم يزل عالماً من يطيعه فيدخله الجنة، ومن يعصيه فيدخله النار، وليس استحقاق من استحق منهم الجنة أو النار من أجل سابق علمه (٥) فيه، ولا ذلك عليه ولا اضطر عليه تعالى أحداً منهم للعمل الموجب لذلك من طاعة أو معصية الله تعالى ﷻ . تقدم فيهم علمه وإرادته بما هم عاملون وما هم صائرون إليه قبل خلقهم وبعد خلقهم، وقال فى أهل الجنة: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦)، وفى أهل النار: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (٧) و ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى﴾ (٨). فأخبر أن ثوابه وعقابه على أعمالهم، وكل ذلك فى سابق علمه فيهم فرحمة من رحمه منهم: بهدايته وتيسيره، وخذلان من خذله منهم بعصيانه وكفره. فأمر تعالى ونهى ليطيع المطيع فيدخل الجنة أو يعصى العاصى فيدخل النار، ابتلاء منه تعالى عباده لينظر كيف يعملون وليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وليتم حجته على خلقه بأمره ونهيه وتيسيره له سبيل هداه أو ضلالته، وتزيينه ذلك له، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى

стр. 4569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١)، وكما قال فى المؤمنين: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ (٢)، وقال فى أهل الشقاء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤). فلم يضطر أحد منهم إلى عمله ذلك، فهذا [كما] (٥) يقول الجبرية، فسقط عنهم اللوم والحجة. وهو العدل الذى لا يحيف، ولا فعلوا ما لم يقدره ولم يشأه، ولا سبق فى علمه كما يقول القدرية، فيكون فى ملكه ما لا يريد، ويفعلون ما لم يقدره وهو العليم الخبير، الفعال لما يشاء، الذى خلقهم وما يعملون.

стр. 4570

(٢) بَاب حِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى ﵉ ١٣ - (٢٦٥٢) حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ الْمَكِّىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ وَابْنِ دِينَارٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى. فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنْ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِى عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِى بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ "، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ". وَفِى حَدِيثِ ابْنِ أَبِى عُمَرَ وَابْنِ عَبْدَةَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: خَطَّ. وقَالَ الْآخَرُ: كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ. ــ وقوله: احتّج آدم وموسى، فقال موسى: أنت أبونا: قال أبو الحسن القابسى: التقت أرواحهما فى السماء، فوقع الحجاج بينها. قال القاضى: ويحتمل أنه على ظاهره، وأنهما اجتمعا بأشخاصهما، وقد جاء فى حديث الإسراء (١): أنّ النبى ﷺ اجتمع بالأنبياء فى السماوات وفى بيت المتندس وصلى بهم، ولا يبعد أن الله أحياهم كما جاء فى الشهداء. وقيل: يحتمل أن ذلك كان فى حياة موسى ﷺ ، وأنه سأل ربه أن يريه آدم فحاجه بما ذكر. وذكر الطبرى فى القصة أثرًا عن النبى ﷺ " قال موسى: رب، أبونا آدم الذى أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله إياه، فقال له أنت آدم؟ قال: نعم " وذكر الحديث (٢). وقوله: " أنت الذى خيبتنا وأخرجتنا من الجنة "، وفى الرواية الأخرى: " أغويت الناس " قيل: يحتمل أنك كنت سبب ذلك بإخراجهم من الجنة فعرضهم لإغواء الشياطين، ويحتمل أنه لما غوى هو بمعصيته بقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٣) وهم ذريته. سموا غاوين. والغى: الانهماك فى الشر. وأما فى شأن آدم فقيل: معناه: جهل، وقيل: أخطأ. وقد جاء فى الآية الأخرى: ﴿فَنَسِيَ﴾ (٤).

стр. 4571

١٤ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِى أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَىْءٍ، وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَلُومُنِى عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ ". ١٥ - (...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِىِّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِى الْحَارِثُ بْنُ أَبِى ذُبَابٍ عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ هُرْمُزَ - وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ﵉ عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِى خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِى جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ؟ فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَىْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (١) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِى عَلَى أَنْ عَمِلْتُ ــ وفيه حجة لأهل السنة أن الجنة التى خرج منها آدم هى جنة الفردوس، والتى يدخلها الناس فى الآخرة. خلافًا لقول المبتدعة: إنها جنة أخرى غيرها. وقوله فى الحديث فى الرواية الأخرى: " أنت الذى خلقك الله بيده " وقوله (٢) أيضاً: " وخط لك بيده ": اختلف أئمتنا فيما ورد من ذكر اليد وشبه ذلك مما لا يليق ظاهره بالله تعالى فكثير من السلف يرى إمرارها بتنزيه (٣) الله - تعالى - عن ظاهرها، وترك تأويلها. وذهب أبو الحسن الأشعرى - فى طائفة من أصحابه - إلى أنها صفات سمعية لم نعلمها إلا من جهة الشرع نثبتها صفاتاً ولا نعلم حقيقتها وشرحها. وذهب غير واحد إلى تأويلها على مقتضى اللغة، فيحمل اليد بمعنى القدرة أو النعمة وقد مرّ من هذا فى غير هذا الموضع. وقوله: " أعطاك الله [علم] (٤) كل شىء " عموم، والمراد به الخصوص، أى مما علمك. وقيل: يحتمل مما علمه البشر.

стр. 4572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: " اصطفاك ": أى آثرك بالرسالة واختصك بكلامه [كما] (١) قال فى الرواية الأخرى: " وقربك نجياً "، أى تكلمه وحدك. وفى محاجته له حجه على جواز المحاجة للعلماء كما قدمناه. وفى قول آدم له هذا تقرير له على ما علمه، مما لا يوجب له لومه على ذنبه لقوله [له] (٢): " فأعطاك الألواح فيها علم كل شىء، وقربك نجياً فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين عامًا. قال: فهل وجدت فيها ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٣) قال نعم. قال: أفتلومنى على أن عملت عملاً كتبه الله علىّ أن أعمله قبل أن يخلقنى بأربعين سنة؟ ". قال رسول الله ﷺ : " فحج آدم موسى ". معناه: غلبه بالحجة، وظفر عليه بها. وقيل: بل إن آدم أب لموسى ﵉ ولم يشرع للابن لوم أبيه ومعصيته. وهذا يبعد عن (٤) سياق الحديث، ومفهومه (٥) تذنيبه على لومه، وعلة ذلك. ويحتمل أن غلبة أباه (٦) بالحجة لما علمه من التوراة من تقدير الله - تعالى - ذلك وإرادته. وأن يكون له نسل في الأرض، وأنبياء، وسعداء، وأتقياء وأن الله - تعالى - قد شاء ذلك كله وأراده وقدره، فلم يكن منه بد. وهذا إنما كان بتقدير الله إخراجه من الجنة وإرادته ذلك، ولو شاء الله [ألا يخرج من الجنة ولا فعل سبب خروجه] (٧) لم يكن من ذلك شىء ولا بد من كونه. فلا بد من خروجه من الجنة وسببه الموجب لذلك. فإذا كان موسى ﵇ قد علم هذا من التوراة ففيم اللوم؟ وهذا هو سر القدر الذى أمرنا بالإمساك عنه. فهذا وجه فى غلبة آدم بحجته موسى ﵉ وأيضاً، فإن اللوم على الذنب شرعى ليس للعقل فيه مجال. وإذا تاب الله - تعالى - على آدم وغفر له، ورفع اللوم عنه فمن لام فيه محجوج. قال الإمام: قال بعض أهل العلم: لما كان الله - سبحانه - قد تاب على آدم من معصيته لم يجب لومه عليها، وإلا فالعاصى منا لا ينجيه من اللوم والعقاب. قوله: " إن الله قدر ذلك علىَّ " لأنه أيضًا قدر عليه العقوبة واللوم إذا وقعا به، ولما كان الله تعالى تاب على آدم ﵇ صار ذكر ذلك له إنما يفيد إذا مباحثته عن السبب الذى دعاه إلى ذلك، فأخبر [آدم] (٨) ﵇ أن السبب قضاء الله وقدره. [وهذا جواب صحيح إذا كانت المباحثة عن الموقع فى ذلك. ولم يكن عند آدم] (٩) سبب موقع على [الحقيقة] (١٠) إلا قضاء الله تعالى وقدره؛ ولذلك قال ﷺ : " فحجّ آدم موسى "؛ ولهذا قال آدم لموسى ﵉: " أنت موسى الذى اصطفاك الله بكلامه "،

стр. 4573

عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَىَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِى بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ". (...) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ حَاتِمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِى أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنْ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِى عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ". (...) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ الْيَمَامِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . ح وحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ. (...) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ. ــ وذكر فضائله التى أعطاها الله تعالى، يريد بذلك أن الله - سبحانه - قدر ذلك وقضى به فنفذ ذلك، كما قدر علىَّ ما فعلت، فنفذ فىَّ. وأما قوله: " قدره الله علىّ قبل أن يخلقنى بأربعين عاماً (١) " فالأظهر فيه أن المراد به أنه كتبه قبل خلقه بأربعين عامًا، أو أظهره أو فعل فعلاً ما، أضاف هذا التاريخ إليه وإلا فمشيئة الله - سبحانه - أزلية، وما قضاه وقدره بمعنى شاءه وأراده قديماً لم يزل، ولم يزل - سبحانه - مريداً لما أراده من طاعة المطيع ومعصية العاصى. وأربعون سنة قبل خلق آدم ﵇ زمن محدود مبتدأ، فيجب صرف هذا التاريخ إلى ما قلناه، والأشبه أنه أراد بقوله: " قدره الله على قبل أن يخلقنى بأربعين سنة ". أى كتبه فى التوراة، ألا تراه يقول فى بعض طرقه: " فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٢)؟ " فيصح أن يراد به أن فيها معنى هذا اللفظ مكتوب بلسان غير هذا اللسان العربى؛ إذ كان النبى ﷺ

стр. 4574

١٦ - (٢٦٥٣) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِىُّ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ". قَالَ: " وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ". (...) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ. ح وحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ - يَعْنِى ابْنَ يَزِيدَ - كِلَاهُمَا عَنْ أَبِى هَانِئٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: " وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ". ــ إنما قصد إلى العبارة بلسان قومه عن معنى ذكر بلسان غيرهم. قال الهروى: والحج الغلبة بالحجة، ومنه الحديث: " فحج آدم موسى " أى غلبه بالحجة. قال القاضى: وقوله: " وكتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء ": وهذا حد للكتاب لا للمقادير؛ لأن علم الله تعالى وما قدره على عباده وأراده من خليقته أزلى لا أول له، وقد يكون ذكر الخمسين ألفاً حقيقة على ظاهره، وقد يكون تمثيلاً للتكثير كما قال فى قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (١). وقوله: " وكان عرشه على الماء ": يعنى قبل خلق السماوات والأرض.

стр. 4575

(٣) بَاب تَصْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ كَيْفَ شَاءَ ١٧ - (٢٦٥٤) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ الْمُقْرِئِ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِى أَبُو هَانِئٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِىَّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ قُلُوبَ بَنِى آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ". ــ وقوله: " قلوب بنى آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء "، ثم قال رسول الله ﷺ : " اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك "، قال الإمام: هذا تجوز وتوسع كما يقول القائل: فلان فى قبضتى وبكفى، ولا يريد أنه حال بكفه، وإنما المراد: تحت قدرتى. وكذلك يقال: ما أفعل هذا إلا بإصبعى، أو فلان بين إصبعى أصرفه كيف شئت. ولا يراد: أنه حال بين الإصبعين، وإنما يراد: أنه هين عليه القهر له والغلبة وتصريفه كيف شاء فكذلك المراد بقوله: " إصبعين من أصابع الرحمن " أى أنه متصرف بحسب قدرته ومشيئته سبحانه تعالى، لا يعتاض عليه ولا يفوته ما أراده، كما لا يعتاض على الإنسان ما كان بين إصبعيه ولا يفوته. وخاطب العرب من حيث تفهم ومثل بالمعانى المحسوسة تأكيداً للمعانى فى نفوسها. فإن قيل: فإن قدرة الله - سبحانه - واحدة والإصبعان هاهنا اثنان. قيل: قد أخبرنا أن ذلك مجاز واستعارة وتمثيل، فوقع الكلام على حسب ما اعتادوه فى هذا الخطاب غير مقصود منه إلى تثنية أو جمع. ويحتمل أن يراد بالإصبع هاهنا: النعمة، ويقال: عندى لفلان إصبع حسن، أى يد جميلة، ولكن [لا] (١) يقال على هذا فلمَ ثنى النعمة ونعم الله لا تحصى آحادها، والأجناس قد تحصى، فيكون المراد بالنعمتين اللتين عبر عنهما بالإصبعين: نعمة النفع، ونعمة الدفع. فنعمة النفع هى الظاهرة، ونعمة الدفع هى الباطنة. وقد قيل فى قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٢): أن الظاهرة نعمة النفع، والباطنة نعمة الدفع. وقلب العبد للبارى - سبحانه - عليه نعمة نفع ونعمة دفع، فلا يبعد أن يُراد بالنعمتين هاتان أو غيرهما من الأجناس التي تليق بهذا.

стр. 4576

(٤) بَاب كُلُّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ ١٨ - (٢٦٥٥) حَدَّثَنِى عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ - فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ - عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: كُلُّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ. قَالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُلُّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ أَوْ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ ". ١٩ - (٢٦٥٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِىُّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١). ــ وقوله: " كل شىء بقدر حتى العجز والكيس ": رويناه بالضم على العطف على " كل "، وبالخفض على العطف على " شىء " ويكون على رواية الخفض بمعنى التى خفض ما بعدها وهو أحد وجوه حتى، والعجز هنا يحتمل أن يكون على ظاهره، وهو عدم القدرة. وقيل: هو ترك ما يجب فعله، والتسويف فيه وتأخيره عن وقته. قيل: ويحتمل أن يريد بذلك عمل الطاعة (٢)، ويحتمل أن يريد عموم أمور الدنيا والآخرة. والكيس ضد العجز، وهو النشاط والحذق بالأمور ظاهرة. وإدخال مالك وأهل الصحيح له فى كتاب (٣) القدر دليل على أن المراد بالقدر هاهنا ما قدره تعالى وأراده من خلقه، ومعناه (٤) أن العاجز قد قدر عجزه، والكيس قد قدر كيسه. قال الباجى: ولعله أراد بذلك العجز عن الطاعة والكيس فيها، ويحتمل أنه أراد فى أمر الدين والدنيا. وقوله: جاء مشركو قريش يخاصمون فى القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ظاهره أن المراد بالقدر هاهنا: مراد الله ومشيئته وما سبق به قدره من ذلك، وهو دليل مساق القصة التى نزلت بسببها الآية. وقال الباجى: إنه يحتمل من جهة اللغة معانى أخرى: أن يكون القدر هاهنا بمعنى

стр. 4577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التقدير، أى لا يزاد عليه ولا ينقص، كما قال: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (١)، والثانى: أن يكون المراد: تقدير بقدره كما قال: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (٢)، والثالث: بقدر، أى وقت خلقه فيه.

стр. 4578

(٥) بَاب قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنْ الزِّنَى وَغَيْرِهِ ٢٠ - (٢٦٥٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ - قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَى، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ. فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ ". قَالَ عَبْدٌ فِى رِوَايَتِهِ: ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ. ٢١ - (...) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِىُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنْ الزِّنَى، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ. فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ". ــ وقوله: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبى ﵇: " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة. فزنا العين النظر " إلى قوله: " والفرج يصدق ذلك أو (١) يكذبه " أى إن الفاحشة العظيمة والزنا التام الموجب للحد فى الدنيا وعقاب الزانى فى الآخرة هو للفرج، وغيره له حظه من الإثم، وهو عنده تفسير اللمم الذى هو من الصغائر، ويغفر الإثم وهو عنده باجتناب الكبائر. وأصل اللمم: الميل إلى الشىء وصلته من غير مداومة. وقد اختلف الناس فى اللمم، فقيل هو الرجل يأتى الذنب ثم لا يعاوده. وقيل: هو ما سلف لهم فى الجاهلية قبل الإسلام. وقيل: الصغائر. وقيل: أن يلم بالشىء ولا يفعله. وقيل: الميل إلى الذنب ولا يصر عليه. وقيل: هو ما دون الشرك. وقيل: هو ما بين الحدين لم يشرع فيه [حد فى الدنيا] (٢) ولا نص على عقابه فى الآخرة، تكفره الصلوات الخمس.

стр. 4579

(٦) بَاب مَعْنَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَحُكْمِ مَوْتِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ ٢٢ - (٢٦٥٨) حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ الزُّبَيْدِىِّ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ " ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ (١). (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى. ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَقَالَ: " كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً ". وَلَمْ يَذْكُرْ: جَمْعَاءَ. ــ قال الإمام: قوله ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل يحس فيها من جدعاء " ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ] (٢)﴾ وفى بعض طرقه: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت لو مات قبل ذلك؟ قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين "، وفى بعض طرقه: " ما من مولود [إلا وهو] (٣) يولد على الملة [حتى يعبر عنه لسانه] (٤) "، وفى بعض طرقه: " من يولد يولد على هذه الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتجون الإبل، فهل تجدون فيها جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها ". قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيراً؟ قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين "، وفى بعض الطرق: [سئل عن أولاد المشركين، فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين "، وفى بعض الطرق] (٥): " إن الغلام الذى قتله الخضر ﵇ كان طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً "، وعن عائشة - رضى الله عنها -: توفى صبى فقلت (٦) طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال ﷺ : " أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً "، وفى بعض طرقه: " لم (٧) يعمل السوء ولم يدركه "،

стр. 4580

(...) حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ". ثُمَّ يَقُولُ: اقْرَؤُوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. ٢٣ - (...) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُشَرِّكَانِهِ ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ". (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِى، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. ــ وفيه: " أنّ الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهم "، قال الإمام: ذهب بعض الناس إلى أن [المراد] (١) بالفطرة المذكورة فى الحديث: ما أخذ عليهم وهم فى أصلاب آبائهم، وأن الولادة تقع عليها حتى يقع التغيير بالأبوين. وذهب بعض الناس إلى أنّ الفطرة هى: ما قضى عليه من سعادة وشقاوة يصير إليها. وهذا التأويل إنما [يليق بما] (٢) فى بعض الطرق وهو قوله: " على الفطرة " مطلقاً، وأما ما وقع فى بعض الطرق وهو قوله: " على هذه الفطرة "، وقوله فى أخرى: " إلا وهو على هذه الملة " فإن هذه الإشارة إلى فطرة معينة وملة معينة يمنع هذا التأويل: وقد يتعلق هؤلاء بقوله: " إن الغلام الذى قتله الخضر طُبِعَ كافراً " وظاهر هذا يمنع من كون كل مولود يولد على هذه الفطرة، وقد ينفصل الآخرون عنه بأن المراد به حالة ثانية طرأت عليه من التهيؤ للكفر وقبوله عليه، غير الفطرة التى ولد عليها. وقال آخرون: يحتمل أن يريد بالفطرة ما هى (٣) له وكان مناسباً لما وضع فى العقول، وفطرة الإسلام صوابها كالموضوع فى العقل، وإنما يدفع العقل عن إدراكه آفة وتغيير من قبل الأبوين وغيرهما (٤). وأما قوله: " الله أعلم بما كانوا عاملين "، وقوله مثل هذا لما سئل عن أولاد المشركين، وقوله لعائشة لما قالت: عصفور من عصافير الجنة: " إن الله خلق للجنة أهلاً " الحديث. فقد قدمنا الكلام فى أولاد المؤمنين، [وذكرنا أن الإجماع على أن الصغار من

стр. 4581

فِى حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: " مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ ". وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ: " إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ ". وَفِى رِوَايَةِ أَبِى كُرَيْبٍ عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ: " لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ ". ٢٤ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ يُولَدُ يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تَنْتِجُونَ الْإِبِلَ. فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ؟ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا؟ قَالَ: " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ". ٢٥ - (...) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنْ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَأَبَوَاهُ - بَعْدُ - يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِمٌ. كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ فِى حِضْنَيْهِ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا ". ٢٦ - (٢٦٥٩) حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ وَيُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ. فَقَالَ: " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ". (...) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِهْرَامَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ. ح وحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ - كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِىِّ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ وَابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، مِثْلَ حَدِيثِهِمَا. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ شُعَيْبٍ وَمَعْقِلٍ: سُئِلَ عَنْ ذَرَارِىِّ الْمُشْرِكِينَ. ــ أولاد النبيين فى الجنة] (١)، وذكرنا أن جمهور العلماء على أن أطفال المؤمنين فى الجنة أيضاً، وأن بعض العلماء وقف فيهم، وفى حديث عائشة - رضى الله عنها - هذا.

стр. 4582

٢٧ - (...) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ؛ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ صَغِيرًا. فَقَالَ: " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ". ٢٨ - (٢٦٦٠) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، إِذْ خَلَقَهُمْ ". ٢٩ - (٢٦٦١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَسْقَلَةَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِى قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا، وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ". ٣٠ - (٢٦٦٢) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: تُوُفِّىَ صَبِىٌّ. فَقُلْتُ: طُوبَى لَهُ، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوَ لَا تَدْرِينَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ النَّارَ، فَخَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلًا، وَلِهَذِهِ أَهْلًا ". ٣١ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمَّتِهِ، عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: دُعِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنَازَةِ صَبِىٍّ مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلْ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ. قَالَ: " أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِى أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِى أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ". ــ وقوله ﵇: " أو غير ذلك إن الله خلق للجنة أهلاً " الحديث، مما يقدح عنده فى القطع، كما قطع جمهور العلماء إذا كان الصبى المذكور فى الحديث من أولاد المؤمنين. وأما أولاد الكافرين فاضطرب العلماء فيهم، والأحاديث وردت ظواهرها مختلفة،

стр. 4583

(...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى. ح وحَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ. ح وحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، بِإِسْنَادِ وَكِيعٍ. نَحْوَ حَدِيثِهِ. ــ فمنها: قوله هاهنا: " الله أعلم بما كانوا عاملين " ومنها: " هم من آبائهم " (١)، ومنها: " لو شئت أسمعتك تضاغيهم فى النار " (٢) الحديث كما وقع، ومنها: " أنه تتأجج لهم نار، فيقال لهم: اقتحموها " الحديث أيضاً، واختلاف هذه الظواهر بسبب اضطراب العلماء فى ذلك، والقطع هاهنا يبعد. وقد حاول بعض الناس بناء هذه الأحاديث فجعل الأصل فيها [حديث] (٣) " تأجج لهم نار "، ويقال لهم: اقتحموها، فيكون من عصى ولم يقتحمها هو المراد بقوله: " أسمعتك تضاغيهم فى النار "، وبقوله: " من آبائهم "، ويكون قوله: " الله أعلم بما كانوا عاملين " يشير به إلى عملهم هذا من الاقتحام والإحجام. وأما قوله: " بهيمة جمعاء " (٤) فالجمعاء السليمة من العيوب، سميت بذلك لاجتماع سلامة أعضائها، لا جدع فيها ولا كى، وكأنه ﷺ شبه السلامة التى يولد عليها المولود من الاعتقادات الفاسدة بالبهيمة الجمع (٥) التى هى سليمة من العيوب (٦) ثم يطرأ عليها العيب بفعل يفعل فيها، كما يطرأ إفساد الاعتقاد على المولود بتربية يتربى عليها. قال القاضى: وقوله: " كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحس (٧) فيها من جدعاء ": أى تولد مجتمعة الخلق سالمة من النقص والتغيير، لم يلحقها جدع، وهو قطع الأذن ولا غير ذلك، إلا بعد ولادتها. ومعنى قوله: " تحس (٨) ": أى تجد (٩)، كما جاء فى الرواية الأخرى: " تجدون "، يقال: حسست الشىء كذا وأحسسته: وجدته كذلك، يؤيد تأويل من تأول أن المراد بالفطرة هاهنا: ما فطر عليه العبد فى أصل خلقته وابتدائها قبل معرفته بشىء من قبل بنى آدم، من التهيؤ (١٠) لقبول الهداية والسلامة من ضد ذلك، حتى يدخل عليه من أبويه وقريبه ومربيه وقرينه ما يغيره عن ذلك، ويحمله على ما سبق

стр. 4584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه فى الكتاب، ويجعلانه يعمل بعمل أهل الشقاوة (١)، وكل ذلك مما سبق عليه فى الكتاب كما قال (٢) فى الرواية الأخرى: " حتى تكونوا أنتم تجدعونها ". والفطرة أول الخلقة وابتداؤها، ويعضد هذا التأويل - أيضاً - قوله فى الحديث الآخر: " حتى يعبر عنه لسانه ". وقيل: معنى " أبواه يهودانه أو ينصرانه ": أى يحكمان له بحكمهما من ذلك، كما قال ﵇: " هم من آبائهم ". وقيل: " على الفطرة " على فطرة أبيه، أى على دينه، أى له [بالحكم] (٣) حكمه. واحتجاجه آخر الحديث بقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٤) يدل على أن مذهب أبى هريرة فى الحديث والذى فهم منه أن الفطرة هنا ما سبق له فى القدر من شقاء أو سعادة. وقوله فى الرواية الأخرى: " ما من مولود إلا يلد " (٥) كذا رواية السمرقندى فيه مثل ضرب، ولغيره: " يولد " وقد ذكر الهجرى فى نوادره [يقال] (٦): ولد ويلد بمعنى، ويكون على إبدال الواو ياء لانضمامها. وقوله: " كما ينتجون الإبل " يقال: نتجت الناقة: إذا توليت نتاجها والناتج لها كالقابلة للمرأة ونتجت هى فهى منتوجة، ولا يقال: أنتجت الناقة. وحكى الأخفش أنتجت ونتجت معاً. وقوله: " كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان فى حضنيه إلا مريم وابنها ": تقدم الكلام فيه (٧). والحضن: الجنب. وقيل: الخاصرة، ورواه ابن ماهان: " خصييه " أى أنثييه، وأراه وهماً بدليل قوله: " إلا مريم وابنها ". وقوله فى غلام الخضر: " طبع كافراً ": تكلمنا قبل فى حديث الخضر على الطبع (٨). وقوله: " لو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً " (٩): أى حملهم عليه. قال الهروى: لألحق ذلك لهما. ذكر مسلم الأحاديث كلها فى أطفال المسلمين والمشركين، وقد تقدم من الكلام عليها مجملاً ما يكفى، وكل هذا راجع إلى ما قدره الله تعالى فى سابق علمه وأزلى مشيئته، وأنّ ظاهر أولاد المشركين موكول إلى علمه. وقوله: " الله أعلم بما كانوا عاملين " دليل على علم الله لما لا يكون أن لو كان كيف

стр. 4585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان يكون، وأنّ أمرَهم إلى الله تعالى، يفعل فيهم ما يشاء. وقوله فى الصبى - وهو من ولد الإسلام (١) لما قيل له: عصفور من عصافير الجنة -: " إنّ الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً " وفى الرواية الأخرى: " وهم في أصلاب آبائهم ": كلام مجمل يحتمل لأنهم مع الآباء والأمهات وإن لم يعملوا عملاً يستوجبون بذلك إذ خلقوا له وكتب عليهم، ويحتمل أنهم وهذه (٢) الحال وإن خالفوا حال آبائهم، وليس فى قوله: " وهم فى أصلاب آبائهم " معارضة لقوله: " ثم يكتب شقى أو سعيد " فى الأحاديث الآخر، وهو فى بطن أمه، إذ قد قدمنا أن قدر الله بذلك أزلى لا أول له، وإنما الكتاب هو الذى يكون وهو في بطن أمه. وهذا الحديث إشارة إلى أنّ هذه صفاتهم، من أن القدر قد مضى فيهم وسبق وهم بعد لم يوجدوا خلقاً، ولا حصلوا فى بطون الأمهات، ولا حصل لهم اسم الأولاد.

стр. 4586

(٧) باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولاتنقص عما سبق به القدر ٣٢ - (٢٦٦٣) حدثنا أَبُو بَكْرِ بن أبِى شَيْبَةَ وَأبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأبِى بَكْرٍ - قَالا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَلقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْد الله اليَشْكُرِىِّ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ - زَوْجُ النَّبِىِّ ﷺ : اللهُمَّ، أمْتِعْنِى بِزَوْجِى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَبِأبِى أَبِى سُفْيَانَ، وَبِأخِى مُعَاوِيَةَ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " قَدْ سَألْتِ اللهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أوْ يُؤخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَألتِ اللهَ أنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِى النَّار، أو عَذَابٍ فِى القَبْرِ، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ ". قَالَ: وَذُكِرَتْ عنْدَهُ القِرَدَةُ. قَالَ مِسْعَرٌ: وَأُرَاهُ قَالَ: وَالخَنَازِيرُ مِنْ مَسْخٍ. فَقَالَ: "إِنَّ اللَّه لَمْ يَجْعَلْ لِمَسخٍ نَسْلاً وَلا عَقِبًا. وَقَدْ كَانَتِ القِرَدَةُ والخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ. ــ وقول أم حبيبة - زوج النبى ﵇ اللهم، أمتعنى بزوجى رسول الله ﷺ ، وبأبى [أبى] (١) سفيان، وبأخى معاوية، فقال النبى ﷺ : " سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة أن يعجل (٢) شيئًا منها قبل حله، أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من [عذاب] (٣) النار أو عذاب القبر كان خيراً وأفضل ": كذا رويناه " حله " بفتح الحاء فى الموضعين، وفى الحديث الآخر بعده بغير خلاف من شيوخنا، ومعناه: وجوبه، يقال: حل الشىء يحل حلاً: وجب. وحكاه الإمام أبو عبد الله: قبل أجله وبعد [أجله] (٤). قال الإمام إن قال [قائل] (٥): قد أثبت فى هذا الحديث [أنّ] (٦) الأجل لا يزاد فيه ولا ينقص، وقد قال فى أحاديث أخر: " إنّ صلة الرحم تزيد فى العمر " (٧)، فكيف الجمع بين هذين الحديثين؟ قلنا: أول ما يجب أن يعلم: أنَّ الأجل عبارة عن الوقت الذى قدر موت الميت فيه، فإذا كان عبارة عن هذا وعليه يتكلم هاهنا، فلابد أن يقال: إن البارى - سبحانه - يعلم

стр. 4587

(...) حدثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، بِهذَا الإسْنَاد. غَيْرَ أنَّ فِى حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ بِشْرٍ وَوَكِيعٍ جَمِيعًا: " مِنْ عَذَاب فى النَّارِ، وَعَذَابٍ فِى القَبْرِ ". ــ هذا الوقت أو لا يعلمه، فواضح إحالة القول: إنه لا يعلمه، فإذا ثبت أنه يعلمه فليأخذ (١) العلم وحقيقته: معرفة المعلوم على ما هو به، فإذا فرضنا أنَّ زيداً علم الله أنه سيموت سنة خمسمائة، ثم قدرنا أنه مات قبلها أو مات [بعدها، أليس] (٢) يطلب حقيقة ذلك العلم ولم يكن علماً بل كان جهلاً؛ لأنه تعلق بالأمر على خلاف ما هو عليه، وقد فرضنا أن البارى - سبحانه - يستحيل الجهل عليه، فوجب ضرورة من مقتضى هذه المقدمات أنّ ما علمه البارى من الآجال لا يتبدل ولا يتغير. فإن كان السؤال عن الزيادة فى الأجل الذى علمه البارى - سبحانه - أو النقص منه، فالجواب: أنّ ذلك لا يصح لهذا الذى بيناه. وإن كان السؤال عن الزيادة والنقص فى أجل غير الأجل الذى عند الله - تعالى - وفى غيبه، فذلك مما لا يمنع الزيادة فيه والنقصان؛ لأنّ ما سوى البارى وصفاته من سائر الأشياء مخلوق، والمخلوق يتغير ويتبدل ويزيد وينقص. قال الحذاق من أهل العلم بناء على هذا: ما وقع فى الظواهر من الزيادة فى العمر أو النقصان منه فيحمل ذلك على ما عند ملك الموت أو مَنْ وكله البارى - سبحانه - بقبض الأرواح، وأمره فيها بآجال محدودة، فإنه - سبحانه - بعد أن يأمره (٣) بذلك أو يثبته فى اللوح المحفوظ، لملك الموت ينقص منه ويزيد فيه، على حسب ما شاء حتى يقعِ الموت على حسب ما علم - تعالى - فى الأزل، وقد قال عز من قائل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ اُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٤) [فأثبت المحو والإثبات وأخبر أن عنده أم الكتاب] (٥) وهذا يشير إلى ما قلناه، وإن كَان قد قيل فى الآية: محو الليل بالنهار [ومحو] (٦) النهار بالليل. وقيل: محو الأحكام المنسوخة بالناسخة لها، ولكن لا يبعد دخول ما قلناه تحت العموم إذا ثبت أصله، وتكون الآية مصداقاً لما قلناه على الجملة دون التفصيل. وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (٧) يحل (٨) أن يحمل على ما قلناه، وإن كان قد قيل فيه أيضاً تأويل آخر. كما أن بعض أهل العلم أيضاً تأول قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ (٩) على أنّ المراد ينقص من عمره عن أبناء جنسه وأترابه. وكذلك تأول بعضهم قوله فى صلة الرحم أنها تزيد فى العمر: أنّ المراد به الرزق؛ ولأن الفقر يعبر عنه بالموت. وأنكر بعضهم ذلك وقال: الرزق مفروغ منه كما فرغ من

стр. 4588

٣٣ - (...) حَدثنا إسْحاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ - وَاللَّفْظُ لِحَجَّاجٍ - قَالَ إسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِىُّ، عَنْ عَلقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ اليَشْكُرِىّ، عَنْ مَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالت أُمُّ حَبِيبَةَ: اللهُمَّ، متِّعنِى بِزَوْجِى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَبِأبِى أبِى سُفْيانَ، وَبِأخِى مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إنَّك سَأَلتِ اللهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وآثَارٍ مَوْطوءَةٍ، وَأرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لا يُعَجِّلُ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ حِلِّهِ، ولا يُؤخِّرُ مِنها شَيْئا بَعْدَ حِلِّهِ، وَلَوْ سَألتِ اللهَ أنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِى النَّارِ، وَعَذَابٍ فِى القَبْرِ، لَكَانَ خَيْرًا لَكِ ". ــ الأجل، فلا معنى للاعتذار بما يحتاج [إلى] (١) الاعتذار. وقال آخرون: [إنّ المعنى] (٢): أنّ الله - سبحانه - علم أنه يعمره [مائة] (٣) لأنه علم أنه يصل رحمه، وعلم أنه لو لم يصلها لعمر ثمانين، والبارى - سبحانه - موصوف بأنه يعلم ما لا يكون لو كان كيف كان يكون. وأصل ما فيما ذكرناه من التأويلات هذا التأويل، أو ما قلناه أولاً؛ لأنَّ الزيادة والنقص يرجعان إلى الملك وما كلفه، فيكون التغيير فيه. وصرف ذلك إلى الملك إليه يميل بعض المحققين من أئمتنا، وعلى هذا الذى قررناه عندنا أن المقتول مات بأجله، خلافاً للمعتزلة أنه قطع عليه أجله بالقتل. ولو قيل لنا نحن: هل يقال: إن بقاءه وزيادته على ذلك [القدر من] (٤) الأجل مقدور للبارى - سبحانه؟ لقلنا بذلك مقدور، ولكنه مع كونه مقدوراً لم يمت إلا بأجله. وقولنا - أيضاً - فيه: إنه مقدور جاز على اختلاف أصحابنا فى خلاف المعلوم هل يقال: إنه مقدور أم لا؟ والأصح عندى: أنّ خلافهم قد يرجع إلى عبارة، والأولى إطلاق القول بأنه مقدور، وقد قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ (٥)، فأثبت أنه قادر على خلق مثلهم، ومعلوم أنه لا (٦) يخلق مثلهم. وكذلك اضطرب أصحابنا فى المقتول لو لم يقض البارى [القتل] (٧) عليه ما يكون حكمه بعد زمن القتل الذى فرضنا وقوعه فيه؟ والأصح فى هذا: أن يحال على البارى - سبحانه ويقال: نحن لا نعلم كثيراً مما يكون للأبد، فكيف نعلم ما لا

стр. 4589

قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَارَسُولَ اللهِ، القِرَدَةُ وَالخَنَازِيرُ، هِىَ مِمَّا مُسِخَ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " إنَّ اللهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا، فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلاً، وَإِنَّ القِرَدَةَ وَالخَنَازيرَ كَانُوا قَبْل ذَلِك ". (...) حَدَّثَنِيهِ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حَفصٍ، حَدَّثَنَا سُفيَان، بِهَذَا الإسْنَادِ. غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: " وآثَارٍ مَبْلُوغَةٍ ". قَالَ ابْنُ مَعْبدٍ: وَرَوَى بَعْضُهمْ: " قَبْلَ حِلِّهِ " أىْ نُزُولِهِ. ــ يكون لو كان كيف كان يكون. والبارى - سبحانه - يعلم لو لم يكن قضى بموت هذا عند ثمانين من عمره كيف كان يقضى فيه ويقدر له. وهذا السؤال لا معنى له ولا وجه للتشاغل به لأنا إذا أثبتنا أن المقتول مات بأجله، وأنّ البارى لا يتغير علمه فلا معنى لقولهم هذا إلا كمعنى من يقول: لو لم يكن أجل فلان ستين ماذا يكون من الستين (١)؟ وهذا مما لا جواب لنا عنه إلا إحالته على علم الله - سبحانه. فإن قيل: فما معنى صرفه لها عن الدعاء بالزيادة فى الآجال لأنها فرع منها إلى الدعاء بالعياذة من عذاب النار، وقد فرغ منه كما فرغ من الأجل؟ قلنا: صدقت فى أنّ الله فرغ من الكل، ولكن هذا الاعتراض من جملة (٢) ما قدمناه من قول مَنْ قال للنبى ﷺ : أفلا ندع العمل؟ لما أخبرهم النبى ﷺ أن الله قضى بالسعادة والشقاوة، فأجابه ﷺ لما قدمناه. وقد أمر الله بأعمال [بر] (٣) وطاعات جعلها الله قرباً إليه، ووعد بأنها تنجى من النار، ويسر أهل السعادة لها بالدعاء بالنجاة من النار من جملة العياذات التى ترجى بها النجاة منها، كما يرجى ذلك بالصلاة والصوم، ولا يحسن ترك الصلاة والصوم اتكالاً على القدر السابق، وكذلك هذا. الدعاء ههنا، مع أنه ﷺ إنما قال لها: " لو سألت الله أن يعيذك من عذاب [فى] (٤) النار أو [من] (٥) عذاب [فى] (٦) القبر كان خيراً وأفضل "، [ولا شك أن السؤال بالعياذة من النار خير وأفضل] (٧) من الزيادة فى العمر مع عذاب النار، نسأل الله السلامة والعياذة من ذلك.

стр. 4590

(٨) باب فى الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله ٣٤ - (٢٦٦٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إدْرِيسَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " المؤمِنُ الَقَوِىُّ خَيرٌ وَأحَبُّ إلَى اللهِ مَنَ المؤمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَايَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ باللهِ وَلا تَعْجَزْ، وَإنْ أصَابَكَ شَىْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلكِنْ قُلْ قَدرَ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ". ــ قال القاضى: وقوله: " المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفى كل خير " القوة هنا المحمودة يحتمل أنها فى الطاعة، من شدة البدن وصلابة الأسر، فيكون أكثر عملاً، وأطول قيامًا، وأكثر صياماً وجهاداً وحجاً. وقد تكون القوة هنا فى المنة (١) وعزيمة النفس، فيكون أقدم على العدو فى الجهاد وأشد عزيمة فى تغيير المناكر (٢) والصبر على إيذاء العدو واحتمال المكروه والمشاق فى ذات الله، أو تكون القوة بالمال والغنى فيكون أكثر نفقة فى سبيل (٣) الخير، وأقل ميلاً إلى طلب الدنيا، والحرص على جمع شىء فيها. وكل هذه الوجوه ظاهرة فى القوة. ثم قال ﵇: " وفى كل خير " للإيمان الذى هو صفتهم، لكن الله قد باين بين خلقه فى داره، ورفع بعضهم فوق بعض درجات. وقوله: " إن أصابك شىء فلا تقل: لو أنى فعلت، ولكن قل: قدر الله وما شاء الله فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان ": قال بعض أهل العلم: معنى هذا الحديث والنهى عن قول هذا، إنما هو لمن قاله معتقداً ذلك حتماً فإنه لو فعل ذلك لم يصبه [ذلك] (٤) قطعاً، فأما مَنْ ردّ ذلك إلى مشيئة الله، وأنه لن يصيبه فعل ذلك، أولم يفعله إلا ما شاء الله وقدره فليس من هذا. واستدل بما ورد من قول النبى ﷺ وأصحابه فى هذا، مثل قول أبى بكر فى الغار: " لو أنّ أحدهم رفع رأسه لرآنا " (٥)، وهذا لا حجة له فيه
следующие страницы →