← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ، وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ. وَزَادَ وَنَقَصَ. ٢٦٣ - (١٦٣) وحدثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِى وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﷺ ، فَفَرَجَ صَدْرِى، ثُمَّ غَسَلَهُ منْ مَاء زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِى صَدْرِى، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِى فَعَرَجَ بِى إِلَى السَّمَاء، فَلَمَّاَ جِئْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ ﵇ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَد؟ قَالَ: نَعَمْ. مَعِى مُحَمَّدٌ ﷺ . قَالَ: فَأرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَم. فَفَتَحَ. قَالَ: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ. قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. قَالَ: فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ ﷺ ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ ــ قال القاضى: الحق والذى عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء، والمحدثين والمتكلمين أنه أسرَى بالجسد، والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل، ولا استحالة فى حملها عليه فيحتاج إلى تأويل. وقد جاء فى مسلم من رواية شَرِيك فى هذا الحديث اضطراب وأوهامٌ، أنكرها عليه العلماء، وقد نبَّه مسلم على ذلك بقوله: " فقدَّم وأخَّرَ وزاد ونقص منها " (١). قوله: " وذلك قبل أن يوحى إليه ": وهو غلطٌ لم يوافق عليه، فإن الإسراء أقلُّ ما قيل فيه: إنه كان بعد مبعثه بخمسة عشر شهراً، وهو قول الزهرى (٢). وقال الحربى: كان ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال الزهرى: كان ذلك بعد مبعث النبى ﷺ بخمس سنين، وقال ابن إسحاق: أسرى به وقد فشى الإسلام بمكة والقبائل (٣). وأشبه هذه الأقاويل قول الزهرى وابن إسحاق، إذ لم يختلفوا أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة عليه، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة بمدة، قيل: بثلاث سنين

стр. 492

وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجنةِ، وَالأَسْوِدَةُ التى عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِى جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا. فَفَتَحَ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِى السَّمَاوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَعِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ ﵇ فى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بإدْرِيسَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِح. قَالَ: ثُمَّ مَرَّ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ. قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى ﵇ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِح. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى. قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِح. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِح. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ. ــ وقيل: بخمس، كما أن العلماء مجمعون أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون هذا كله قبل أن يُوحى إليه؟ وكذلك ذكره فى الحديث شرح صدره وغسله. وقوله: " انطلقوا به إلى زمزم " مع قوله فى الحديث الآخر: " إن ذلك فُعِلَ به وهو مع الغلمان " وما ذكر فى كتاب مسلم: " إن ذلك كان وهو عند مرضعته فى بنى سعد " ويصحح هذا قوله فى كتاب مسلم: " وجاء الغلمان إلى أمه - يعنى ظئره - وهى حليمة بنت أبى ذؤيب " وهذا أصح من كون ذلك بمكة، وأنه كان فى صغره وقبل نبوته وفى غير حديث الإسراء، وأن صح ذكر غسله عند زمزم فلا يبعد ذهاب الملائكة به كذلك ثم ردّه إلى موضعه ويجمع بين الحديثين. وقد وافق شريكاً فى هذا عن أنس غيرُه، وقد جوَّد الحديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وأتقنه وفصَّله [فجعله] (١) حديثين، وجعل شق البطن فى صغره والإسراء بعد ذلك بمكة - وهو المشهور الصحيح.

стр. 493

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِى ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِىَّ كَانَا يَقُولانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ثُمَّ عَرَجَ بِى حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ ". قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِى خَمْسِينَ صَلاةً ". قَالَ: " فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى فَقَالَ مُوسَى ﵇: " مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ " قَالَ: " قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلاةً، قَالَ لِى مُوسَى ﵇: فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ ". قَالَ: " فَرَاجَعْتُ رَبِّى فَوَضَعَ شَطْرَهَا ". قَالَ: " فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ﵇ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ ". قَالَ: " فَرَاجَعْتُ رَبِّى، فَقَالَ: هِىَ خَمْسٌ وَهِىَ خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ ". قَالَ: " فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: قَدْ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّى ". قَالَ: " ثُمَّ انْطَلَقَ بِى جِبْرِيلُ حَتَّى نَأتِى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، ــ وأما قوله فى رواية شريك: " وهو نائم " وقوله فى الرواية الأخرى: " أنا عند البيت بين النائم واليقظان " فقد يحتج به من يجعلها رؤيا نوم، ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك حالة أوَّل وصول الملك إليه، وليسَ فى الحديث ما يدلُّ على كونه نائماً فى القصة كلها. وقوله فى صفة البراق: " وهو دابةٌ طويل " جاء بوصف المذكر لأنه وصف البراق، ولو أتى به على لفظ الدابة لقال: طويلة. قال ابن دريد: البراق الدابة التى حُمِل عليها النبى ﷺ ، اشتقاقها من البرق إن شاء الله تعالى. قال القاضى: كأنه يعنى لما وُصِفت به من السرعة، ويحتمل عندى أن تُسمى بذلك لكونها ذات لونين يقال: شاةٌ برقاء إذا كان فى خلال صوفها الأبيض طاقات سود، وجاء وصف البراق فى الحديث: " أنه أبيض "، فقد يكون من نوع الشاة البرقاء وهى معدودة فى البيض؛ ولهذا قال ﷺ : " أبرقوا فإنّ دم عفراء عند الله أزكى من دم سوداوين " (١)، أى ضحوا بالبرقاء وهى البيضاء، وهى هنا " العفراء ".

стр. 494

فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لا أَدْرِى مَا هِىَ ". قَالَ: " ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤلُؤ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ ". ٢٦٤ - (١٦٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ - لَعَلَّهُ قَالَ - عَنْ مَالِك بْنِ صَعْصَعَةَ - رَجلٍ مِنْ قَوْمِهِ - قَالَ: قَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، إِذْ سَمِعْتُ قَائِلاً يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِى، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاء زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِى إِلَى كَذَا وَكَذَا - قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِى مَعِى: مَا يَعْنِى؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ - فَاسْتَخْرِجَ قَلْبِى، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمُ حُشِى إِيمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ: البُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ البَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﷺ ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ ﷺ . قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ ". قَالَ: " فَفَتِحَ لَنَا، وَقَالَ: مَرْحَبًا بِهِ. وَلَنِعْمَ المَجِىءُ جَاءَ ". قَالَ: " فَأَتَيْنَا عَلَى آدَمَ ﷺ ". وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِىَ فِى السَّمَاءِ الثَّانِيةِ عِيسَى وَيَحْيَى - عَلَيْهِمَا ــ وقوله: " فجاء جبريل بإناءٍ من خمرٍ وإناءٍ من لبن، فاخترت اللبن، فقال: [اخترت] (١) الفطرة ". أصل الفطرة فى كلام العرب: الخلقة ومنه: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٢): أى خالقها، وقيل: الفطرة: الابتداء، وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٣): أى أقم وجهك للدين الذى فطر الناس عليه، قيل: الجبلةُ التى جبلهم عليها من النّهى، لمعرفة الله، والإقرار به، وقيل: ما أخذ عليهم فى ظهر آدم ﵇ من الاعتراف بربوبيَّته، وقيل: معناها: الاستقامة؛ لأن الحنيف عند بعضهم المستقيم، [وسمى] (٤) الأحنف على القلب، كما سمى اللديغ [سليماً] (٥)، والحنيفية المستقيمة عن الميل لأديان [أهل] (٦) الشرك، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صَرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧)، وكما قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (٨).

стр. 495

السَّلامُ. وَفِى الثَّالِثَةِ يُوسُفَ. وَفِى الرَّابعَةِ إِدْرِيسَ. وَفِى الْخَامِسَةِ هَارُونَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ قَالَ. " ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِىِّ الصَّالِح، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِىَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ، هَذَا غُلامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِى، يَدْخُلُ مِنْ أُمتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِى ". قَالَ: ثُمَّ " انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَأَتيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ". ــ وقيل فى قوله: " كل مولود يولد على الفطرة " (١) هذه الأقوال كلها، وقيل: ما كتب عليه فى بطن أمه، وقيل: الإسلام، وسيأتى الكلام على هذا الحديث. ويحتمل أنَّ المراد بالفطرة فى قوله: " اخترت الفطرة " بعض هذه المعانى - الإسلام أو الاستقامة أو الحنيفية. أو يكون - أيضاً - لما كان اللبن كله حلالاً فى هذه الشريعة والخمر كله حراماً فعدَل عمَّا حُرّم فيها إلى ما أحِلَّ فيها (٢) دَلَّ ذلك على هدايته لها، وقيل: هو من باب التفاؤل الحسن لما كان أول شىء يدخل جوف الرضيع، ويفتح فمه عليه يسمى فِطْرَةً، لشقه الأمعاء. وما تقدم أوجه. وقوله فى الرواية الأخرى: " أصبتها أصاب الله بك ": أى أصبت الفطرة أو الملة، ومعنى أصاب الله بك: أى قصدَ بك طريق الهداية، وقد يكون أصاب هنا بمعنى: أراد الله بك الخير، واعتمدك به. وقوله فى الخمر: " لو أخذته لغوَت أُمَّتُك " دليلٌ على تحريمها وأنها من الغى وسبَبُ الغى، وضد الهُدى، وليست منه. [و] (٣) ذكر فى الحديث أبواب السماء واستفتاحها وسؤال ملائكتِها لجبريل، فيه دليل على أن للسماء أبواباً حقيقية، وحفظةً موكَّلين بها، ودليلٌ على الاستئذان، وأن ما

стр. 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ينزل من الوحى وعلم الغيب بها لا يعلمه إلا من أعلمهُ الله به، لاستفهام الملائكة جبريل عن بعث محمد ﷺ وقد كان بُعِث منذ مدةٍ، وقيل: بل معنى قوله: " أوَ قَدْ أُرْسِل إليه؟ ": أى للعروج إلى السماء (١)، إذا كان إرساله بالنبوة قبل مُستفيضاً، فجاء أنهم قد علموا بعضاً دون بعض، علموا بنبوته وأنه سيُرسَل ولم يعلموا وقت إرساله، أو علموا جميع ذلك ولم يعلموا إسراءه. وفيه لقاء أهل الفضل بالترحيب والبشر والكلام الحسن لقول الأنبياء والملائكة له: مرحباً ونعم المجىء جاء ودعائهم له، وقولهم: " الابن الصالح والأخ الصالح ". وانتصب " مَرْحباً " على إضمار فعل أى صادفت رُحباً وسعة بر. وقوله عن إدريس فى قوله لنبينا ﷺ : " والأخ الصالح " مخالف لما يقوله أهل النسب والتاريخ من أنه أبٌ وأنّه جدٌّ أعلى لنوح، وأن نوحاً هو ابن لامك بن متشولح (٢) ابن خنوخ، وهو عندهم إدريس بن برد بن مهلايل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇. ولا خلاف عندهم فى عدد هذه الأسماء وسردها على ما ذكرناه، وإنما الخلاف فى ضبط بعضها وصورة لفظه. وجاء جواب الآباء هاهُنا - كنوح وإبراهيم وآدم -: " مرحباً بالابن الصالح "، وإنما قال عيسى عن إدريس بالأخ الصالح - كما ذكر عن موسى وعيسى ويوسُفَ وهارون ويحيى ممن ليس بأب باتفاق للنبى ﷺ . قال بعضهم: وقد قيل عن إدريس إنه إلياس، وهذا يدُل أيضاً أنه ليس بِجَدّ لنوح، واحتج لصحة ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣)، وبقوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِه﴾ (٤) يعنى إبراهيم ﵇ وذكر فيهم إلياس، وفى حديث الشفاعة: أنَّ نوحاً أوَّل رسول لأهل الأرض، وسيأتى الكلامُ بعد على هذا إن شاء الله تعالى. وقوله: " وإذا إبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور ": يُستَدلُّ به على جواز الاستناد إلى القبلة وتحويل الظهر إليها. وقوله فى آدم: " عن يمينه أسَوِدَةٌ وعن يساره أسْوِدَةٌ " الحديث، قال الإمام: أسْوِدةٌ جمع سوادٍ، مثل قذال وأقذلة، وزمان وأزمنة، وسنام وأسْنمة. قال الهروى: السَّوَاد

стр. 497

وَقَالَ فِى الحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِىُّ الله ﷺ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرانِ وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ " فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الأَنْهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِى الجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالفُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِىَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فقُلْتُ: يا ــ الجماعات (١). قال غيره: فكأنه قال: فإذا رجل عن يمينه جماعة وعن يساره جماعةٌ، والسَّواد - أيضاً - الشخص، يقال: لا يفارق سوادُك سوادى، أى شخصك شخصى. قال القاضى: ذكر فى الحديث نفسه أن الأسْوِدة نسَمُ بنيه، فأهل اليمين أهل الجنة، فلذلك قال: " إذا نظر إليهم ضَحِك " وذكر أن أهل الشمال أهل النار، فلذلك قال: " إذا نظر إليهم بكى ". والنسمُ جمع نَسَمة، قال الخطابى: وهى تفسير الإنسان، يريد أرواح بنى آدم، وذكر أنَّه وجد آدمَ فى السماء الدنيا ونسم بنيه من أهل الجنة والنار، وقد جاء أن أرواح الكفَّار فى سجين (٢)، قيل: فى الأرض السابعة، وقيل: تحتها، وقيل: فى سجن، وأن أرواح المؤمنين مُنعَّمةٌ فى الجنة، فتُحمل أنها تُعرَض على آدمَ أوقاتاً فوافق وقت عرضها مرور النبى ﷺ به، ويحتمل أن كونهم فى النار والجنة أوقاتًا دون أوقاتٍ، بدليل قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية (٣)، وبقوله فى المؤمن: " وعُرض منزله من الجنة عليه هذا مقعدك حتى يبعثك اللهُ إليه " ويحتمل أن الجنة كانت فى جهة يمين آدم، والنار فى جهة شماله، وكلاهما حينئذ حيث يشاء الله. وفيه دليل على وجود الجنة والنار، وخلقهما على ما ذهب إليه أهل السنة والحديث، وأن الجنة فى السماء أو فوقها وجهتها على ما جاءت به ظواهر الأحاديث وأن العرش سقفها. وقوله فى ذكر الأنهار الأربعة، وأنه رآها تخرج من أصلها، كذا جاء فى الأم، أى من أصل سدرة المنتهى، وكذا جاء مُبينًا فى البخارى (٤). وقوله: " وأما النهران الظاهران (٥) فالنيل والفرات ": يُشْعِرُ أن أصْلَ سدرة المنتهى فى الأرض، والله أعلم.

стр. 498

جِبْرِيلُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا خَمْرٌ والآخَرُ لَبَنٌ، فَعُرِضَا عَلَىَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقِيلَ: أَصَبْتَ، أَصَابَ اللهُ بِكَ، أُمَّتُكَ عَلَى الْفِطْرَةِ. ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَىَّ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلاةً " ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. ــ وقوله: فى موسى ﵇: " فبكى "، وقوله: " رجل، يدخُلُ من أمته الجنة أكثر من أمتى "، بكاؤه هذا إشفاق على قومه وأمته، وما تقدَّم من ضلالهم وعدم توفيقهم وهدايتهم، وما فاته من ثواب كثرة من يؤمن به منهم، ومن ذريتهم، ويُدَّخَرُ له (١) [من أجورهم] (٢) لذلك، لو وفقهم الله. وقوله: " ففَرض علىَّ فى كل يوم وليلة خمسين صلاةً " ثم ذكر مراجعته ربَّهُ حتى ردَّها إلى خمس صلوات، قال الإمام: هذا يُستَدلُّ به على من منع نسخ الشىء قبل فعله، إذ لم تفعل من هذه الصلوات شىء بعد (٣). قال القاضى: ذكر مسلم فى حديث ثابِتٍ عن أنسٍ أنَّه حطَّ عنه أولاً خمس صلوات، ثم لم يزل يرجع بين ربه وبين موسى حتى قال: يا محمد، إنَّها خمس، وذكر من رواية الزهرى عن أنس أنه حطَّ أوَّلاً من الخمسين شطرها، ثم ردَّها إلى خمسٍ، وقد ذكر البخارى الحديثين جميعاً (٤). وقد يجمع بينُهما أن يجعَل الشطر فى الحديث الآخر بمعنى الجزء لا بمعنى النصف، وإن كان أصله النصف فقد يعَبَّر به عن غير النصف، كما قالوا: أشطارُ الناقة، وهى أربع (٥) وأشطار (٦) الدهر، وهى كثيرة (٧). واختصاص نبينا [ ﷺ ] (٨) بموسى (٩) فى هذه القصة لأنه كما قال: وجده فى السماء

стр. 499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السادسة (١)، فكان أول من لقيه من الأنبياء صلوات الله عليهم. وفيه إشفاقهم على عباد الله، ورفقهم بهم، وحبهم هدايتهم، ونصيحتهم لجميعهم. وقوله فى شرح صدره: " فاستخرج منه علقةً، وقال هذا حظُّ الشيطان منك ": دليل بَيِّنٌ على عصمة نبينا من الشيطان، وكفايته إياه أن يُسَلَّط عليه، لا فى علمه ولا يقينه، ولا جسمه ولا شىء من أمره، لا بالأذى والوساوس (٢) ولا غيره، وقد ادَّعى بعض العلماء الإجماع على ذلك (٣). ويصحح ما قلناه ما جاء من الآثار الصحيحة أنه قد أعانه الله عليه فلا يأمره إلا بخير، أو أنه أسلَمَ، على من رواه بفتح الميم، أو أسلمُ، على من رواه بضم الميم (٤)، أو استسلم على من رواه كذا، وأنه قد أخذه حين تعرض له فى صلاته، ولقوله (٥): " لم يكن ليُسلَّط علىَّ " (٦). وعلى هذا لا يصح أن يحمل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (٧) على الإغواء والوسوسة، بل على ما قاله بعض المحققين: أنه راجع إلى قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٨) ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ الآية: أى يستخفَّنَّك غضباً يحملك على ترك الإعراض، وقيل: النزغ أدنى الوسوسة، فأمره تعالى بالاستعاذة من ذلك فيكفيه له، إذ لم يُسلَّط على أكثر من ذلك (٩). وكذلك أنكر محققو المفسرين والعلماء أن يكون الشيطان تسلَّط على ملك سليمان وأهله، وردُّوا ما حكاه بعضهُم وذكره المؤرخون من ذلك (١٠)، وكذلك لا يصح قصة

стр. 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تلك] (١) الغرانقة العلى، وما ذكر (٢) من إلقاء الشيطان لها على فم النبى ﷺ وتأويل من تأوَّل ذلك فى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِي﴾ الآية (٣)، إذ تلك الأحاديث لا أصل لها، والآية مختلف فى تأويلها ومعناها، فقد قيل: ألقى فى أمنيته، أى سها فى تلاوته، ولإجماع المسلمين أنه لا يجوز أن تُسَلَّط عليه فى شىء من أمور شريعته، ولا شىء أعظم من مدح آلهة غير الله وتشريكها معه، لا سهواً ولا عمداً، وقد بسطنا الكلام فى هذا وشبهه فى كتاب الشفا، بما لا مزيد عليه وتقصَّينا فيه ما لا يكاد تجده فى سواه والحمد لله (٤). وقوله: " وغسَلَه فى طست من ذهب ": يقال: طستٌ بفتح الطاء - وهو أشهرها - وقيل: بكسرها، وطَسٌّ وطَسَّةٌ وطِسَّةٌ. استدل به بعض فقهائنا على جواز تحلية ما كان من آلات الطاعات بالذهب والفضة، كالمصحف والسيف وشبهه، ويرد قوله ما وقع عليه الاتفاق من منع تحلية المحابر والأقلام، وكتب العلم - ما عدا المصاحف (٥)، إذ خلاف العلماء فى الأسلحة الحربية وآلاتها ما عدا السيف (٦)، وما استمر عليه عمل المسلمين من تحلية الكعبة والمساجد وآلاتها بالذهب والفضة (٧). وقوله: " ثم لأمه " أى جمعه وألزقه، وضمّ بعضه إلى بعض حتى التأم.

стр. 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: " منتقع اللون ": قال الهروى: يقَال: انْتَقَع لَوْنُه وانتُقِع والْتُمِع واستُنْقع والتُمئ (١) بمعنًى واحد كلها عن الفراء. وقال الأزهرى: التُمِغ بالغين المعجمة أيضاً، وانتُشِفَ بالمعجمة أيضاً (٢). قال القاضى: وأصل انتُقع - والله أعلم - من النقع، وهو التراب، أى تغير وجهه وزال عنه نور الحياة حتى أشبه التراب، وكأنما ذُرَّ عليه. وفى هذه القِصَّة أدلُّ حُجَّةٍ وأوضح بُرهان، وأصح دليل على مذهب أهل الحق من أن الموت والحياة وسائر الأشياء من فعل الله تعالى وخلقه محضاً ليس يوجبهما سبب ولا تقتضيهما طبيعة، ولا يشترط لوجودهما شَرْطٌ لا يوجدَان إلا معَه البتَّة - إلا من حيثُ أجرى الله العادة، حتى إذا شاء خَرَقها وأنفذ قدرته كيف شاء وكانت بمجرد قدرته وإرادته - خلافاً للفلاسفة ومن ضارع مذهبهم من المعتزلة (٣)، فإنَّ شق الجوف وإخراج الحشوة (٤)، وإخراج القلب وشقه ومعاناته وغسله، وإخراج شىء منه كل (٥) ذلك مقتل فى العادة وسبب يوجد معه (٦) الموت لا محالة، وقد اجتمعت هذه كلها فى هذه القصة ولم يمُت صاحُبها، إذ لم يُرد الله موته ولا قضاه، بل كانت هذه المهالك فى حق غيره أسباباً لحياة نفسه وقوة روحه وكمال أمره. ويحتمل أن تكون هذه العلقةُ التى استُخْرجِتْ من قلبه هى أحدُ أجزاء القلب المختص بها حبُّ الدنيا والنزوع للشهوات التى منها يأتى الشيطان، [أو ما تختص بها عوارض السهو والغفلة، كل ذلك بتدبير العزيز الحكيم - وهى الأبواب التى يأتى منها الشيطان - فطُرِحت عنه] (٧) فلا يجد الشيطان إليه سبيلاً، كما طُرح عن يحيى شهوة النساء (٨). أو تكون تلك العلقة - إذا كانت فى القلب - هى القابلة لوِسْواسِ الشيطان والمحركة للنفس بما ركب اللهُ فيها من القُوى لما يوافقه، فأُزيحت عنه ﷺ ليسلم من دواعيه الخبيثة، ونُقى القلبُ وغُسِل منها حتى لا يبقى لها أثر فى القلب جملةً.

стр. 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: " مملوءة حكمة وإيماناً ": فالحكمة قد جاءت بمعنى النبوَّة، كما قيل فى قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَة﴾ (١) وفى قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٢) أنَّه الحكمة ومعناها: النبوَّة، والحكمة - أيضاً - ما منع من الجهل، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ (٣). فإن قيل: الحكمة والإيمان مَعْنيان ووصفان، فكيف يملأ بهما طسْتٌ وهذه صورة الأجسام؟ فاعلم أنه قد يكون أن الله تعالى [لما طَهَّر قلبه] (٤) عن مضغة [الشر] (٥) وغفلة (٦) الشيطان القابلة لغير العلم والحكمة، عَوَّضه منها بفضله ما شاء ممَّا أودعه قلبَه، وما جعله متعلقاً لقبول حكمته وألطاف نبوته، والإيمان بمجامع (٧) غيبه وشهادته، [و] (٨) عبَّر عن ذلك بمتعلَّقه وهو الإيمان والحكمة، فسمَّاها بذلك إذ كانت تقوم به، وأما قولهم فى الرواية الأخرى: " ثم حشى إيمانًا وحكمةً " فعلى طريق الاستعارة (٩) لعظيم ما علَّمه الله من ذلك. وفى هذا دليل على صحة قول المحققين: إن الكفر لا يصح قبل النبوة على الأنبياء وإن نبينا وسائرهم معصومون منه ومن سائر المعاصى، ثابتو الإيمان من صغرهم، ألا ترى كيف حُشِى صدرهُ وقلبُه حكمة وإيماناً من صغره وهو عند ظئره!؟ وقد أشرنا إلى هذه النكتة قبل. وقوله: " إلى مراق البطن "، قال الإمام: قال ابن قتيبة: هو بتشديد القاف، قال غيره: مراق البطن هو ما سفل منه (١٠). قال القاضى: أصله كل ما رق من الجلد، وقد عبَّر عنه فى غير هذا الحديث بلفظ آخر بمعنى: أسفل البطن. وقوله فى [هذا] (١١) من رواية عبد الله بن هاشم المختصرة عن ثابت عن أنس قال: قال النبى ﷺ : " انطلَقوا بى إلى زمزم، فشرح عن صدرى، ثم غُسِل بماء زمزم، ثم أُنزِلتُ " كذا رويناه عن جميعهم بضم الهمزة وكسر الزاى وضم التاء، وحكى لنا بعض

стр. 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شيوخنا عن القاضى أبى الوليد الوقشى - وكان أكثر اعتناء بأمثال هذه الألفاظ المشكلة والجسارة على تقويمها بزعمه وإصلاحها - أن اللفظة وَهْمٌ من الرواة وتصحيف، وصوابها: ثم تركت، فعَرَضت هذا على شيخنا أبى الحسين بن سراج الحافظ اللغوى فقال لى: هذا تكلف، وأُنْزلْتُ بمعنى تركت فى كلام العرب معروف، فاتفقا فى المعنى واختلفا فى صحة اللفظ، ثم ظهر لى أنا بعد [ذلك] (١) أن أنزلت على بابها المستعمل الذى هو ضد رفعت، ألا تراه (٢) كيف قال فى أول الحديث: " انطلقوا بى ": أى رفعوه من مضجعه وحملوه إلى حيث فُعِلَ به هذا، ثم رُدَّ إلى مكانه وأنزل فى مضجعه، ولم أزل أعُد هذا وما قبله أنا وغيرى من غرائب المعانى ودقائق أسرار كشف المشكل، إلى أن أوقفتنى المطالعة على الجلاء فيه، وإذا اللفظة طرف من الحديث الطويل المتقدم وقف عليها الراوى معلقاً بقية الحديث بما تقدم ومحيلاً عليه، فذكرها الإمام أبو بكر الخوارزمى المعروف بالبرقانى (٣) فى الصحيح فقال فيه: " ثم أنْزِلَتْ طستٌ مملوءة حكمة وإيماناً فحشى بها صدرى، ثم عُرِج بى " وذكر الحديث. وقوله: " حتى ظهرت لمستوى (٤) أسمع فيه صريف الأقلام ": ومعنى " ظهرت ": أى علوت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (٥) و ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٦) وقول النابغة: وإنا لنبغى فوق ذلك مظهرا والمستوى يكون بمعنى العلو والمصْعَد، قال ابن عباس فى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ﴾ (٧)

стр. 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: صعد أمره، وقد تكون بمعنى موضع متوسط مما شاء الله من ملكوته، وقيل فى قوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ (١): أى متوسطاً، وقد يكون مستوى أى حيث يظهر عدل الله وحكمته لعباده هناك، ويقال للعدل: سواء - ممدود مفتوح - وسوِى - مكسورٌ مقصور - وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾ (٢). وصريف الأقلام: تصْوِيتُها فيما يكتب بها، وكذلك صريف الفحل بأنيابه: صوت حكِّ بعضها بِبَعْض. وفيه حجة لمذهب أهل السنة فى الإيمان بصحة كتابة الوحى والمقادير فى كتاب الله من اللوح المحفوظ وما شاء بالأقلام، التى هو تعالى يعلم كيفيتها على ما جاءت به الآيات من كتاب الله والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذلك على ظاهره، لكن كيفية ذلك وجنسه وصورتُه مما لا يعلمُه إلا اللهُ أو من أطلعه على غيبه من ذلك من ملائكته ورُسلِه، ومما لا يتأوله ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان، إذ جاءت به الشريعة، ودلائل العقول لا تحيله، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، حكمةً من الله تعالى [وإظهار] (٣) لما شاء من غيبه لمن شاء من ملائكته وخلقه، وإلا فهو الغنى عن الكتب والاستذكار (٤)، لا إله غيره. وفى علو منزلة نبينا وارتفاعه فوق منازل سائر الأنبياء وبلوغه حيث بلغ من ملكوت السماوات - دليل على عُلُوّ درجته وإبانة فضله، بل ذكر البزَّار خبراً فى الإسراء عن على (٥)، وذكر فيه مسير جبريل بالنبى ﷺ على البُرَاق حتى أتى الحجاب، وذكر كلمة، وقال: " خرج ملك من وراء الحجاب، فقال، جبريل: والذى بعثك بالحق، إِنَّ هذا الملك ما رأيتُه منذُ خُلِقْتُ، وإنى أقربُ الخلق مكاناً " وفى حديث آخر: " فارقنى جبريل، وانقطعت عنى الأصْواتُ ". وقوله: " ثم أُدخلتُ الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ "، قال الإمام: قال الهروى: قال ابن الأعرابى: الجُنْبذَةُ القبة ويجمعها جنابِذُ، قال الإمام: ووقع فى كتاب البخارى: " حبايل اللؤلؤ "، وقيل: إن الصواب ما فى كتاب مسلم.

стр. 505

٢٦٥ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَزَادَ فِيهِ: " فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنْ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ ــ قال القاضى: قد وقع فى كتاب البخارى: " جنابذ " كما ذكره (١) فى كتاب الأنبياء، وإنما وَقَع له " حبايل " فى كتاب الصلاة (٢)، قيل: هو تصحيف، والصواب: " جنابذ "، وهى شبه القباب. وقال ثابت عن يعقوب: هو ما ارتفع من البناء، وقد وقع المعنى مفسّراً بالقباب فى بعض طرق حديث الإسراء من رواية أبى جعفر محمد بن جرير الطبرى قال: " فإذا بنهر بجنبتيه قباب اللؤلؤ ". وقول ابن عباس: " فأبى حبَّة الأنصارى " كذا فى الأم - بالباء بواحدة - ووقع فى البخارى من رواية القابسى عن المروزى " حيَّة " - بالياء باثنتين - وليس بشىء، واختلف أصحاب المغازى فى أبى حبة الأنصارى وفى أبى حبة البدرى، وهل هما بالباء أو بالنون، وهل هو واحد أو أثنان، والأكثر فيه بالباء بواحدة والاختلاف فيه كثير (٣). وقوله: فى حديث محمد بن المثنى بسنده عن أنس، لعله عن مالك بن صعصعة، قال الإمام: قال بعضهم: هذا الحديث محفوظ عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة دون شك ولا ارتياب، قال الدارقطنى: لم يروه عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة إلا قتادة. ذكر فى الحديث (٤) صفة موسى: " ضربٌ من الرجال "، قال الإمام: الضرب الرجلُ الذى له جسم بين جسمين ليس بالضخم ولا بالضئيل، قال طَرَفَة: أنا الرجُل الضَّربُ الذى تعرفونه ... خِشاشٌ كرأس الحيَّةِ المتوقِدِ

стр. 506

الْبَطْنِ، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ". ٢٦٦ - (١٦٥) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيةِ يَقُولُ: حَدَّثَنِى ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ يَعْنِى ابْنَ عَبَّاسٍ - قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُسْرِىَ بِهِ فَقَالَ: " مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ ". وَقَالَ: " عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ " وَذَكَرَ مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ وَذَكَرَ الدَّجَّالَ. ٢٦٧ - (...) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ ــ الخشاش، بكسر الخاء وفتحها وضمها، كلها بمعنى واحد، وهو اللطيف الرأس، قال ابن السكيت: وقال أبو عبيد فى مصنفه: الخشاش: الرجل الخفيف، وأيضاً الحية، وأيضاً ما يُخش (١) به أنفُ البعير، فأما الخَشاش، بالفتح، فَشِرار الطير. قال القاضى: غيرهُ يقول صغار الطير، وكذا ذكره صاحب العين، قال: والخشاش - أيضاً - صغار دواب الأرض، وقال الأصمعى: الخشاش النذل من كل شىء كالرخم وما لا يصاد (٢) من الطير، وأما الشجاع من كل شىء فبكسر الخاء، والخشاش من دواب الأرض، والطير ما لا دماغ له، وقال غيره: الخشاش، بفتح الخاء، الصغير الرأس اللطيف من الدواب. قال أبو حاتم: هذا بالكسر. وقوله: الخشاش: ما يُخَش (٣) به أنف البعير، هو عود يدخُل فى أنف البعير الصَّعب عَرْضاً ويُخَرج طرفاه من الجهتين فيُشَدُّ بهما حبلٌ يقاد به، فإذا استصْعَبَ شُدَّ به فعقره وألمه فانقاد، ومنه قوله فى حديث أبى اليسر آخر الكتاب فى خبر الشجرة: " فانقادت عليه كالبعير المخشوش الذى يُصانَع قائده " (٤). وقوله: فى صفته: " جَعْدٌ " من رواية شيبان عن قتادة ومن رواية مجاهد عن ابن عباس، وذكره البخارى أيضاً عن قتادة، وورد ذلك - أيضاً - فى الحديث الآخر من رواية

стр. 507

عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ ابْنُ عَبَّاسٍ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِى عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ﵇ رَجُلٌ آدَمُ طُوَالٌ جَعْدٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ، إِلَى الْحُمْرَة والْبَيَاضِ، سَبِطَ الرَّأسِ ". وَأُرِىَ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، وَالدَّجَّالَ، فِى آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللهُ إِيَّاهُ ﴿فَلا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ﴾ (١) قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرُهَا أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ قَدْ لَقِىَ مُوسَى ﵇. ٢٦٨ - (١٦٦) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَسُرَيْجُ بْنَ يُونُسَ قَالا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِى هِنْدٍ عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِى الأَزْرَقِ، فَقَالَ: " أَىُّ وَادٍ هَذَا؟ ". فَقَالُوا: هَذَا وَادِى الأَزْرَقِ. قَالَ: " كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى ــ شعبة عن قتادة فى صفة عيسى، وإنما ذلك فى سائر الأحاديث فى صفة الدجَّال (٢)، وورَد فى أكثر الروايات فى صفة عيسى سبْط الرأس، وهو الصحيح، لكن يصح حمله هنا فى صفتهما على جعودة الجسم والنَّزارة، كما قال فى موسى: " ضربٌ من الرجال "، وهو الرجل بين الرجلين فى كثرة اللحم وقلته، لكن ذكر البخارى فيه [من] (٣) بعض الروايات فيه " مضطرب " وهو الطويل غير الشديد، وهو ضد الجعد اللحم المكتنز، لكن يحتمل أن الرواية الأولى أصح لقوله فى هذه [فى] (٤) الأم: حسبتُه قال مضطربٌ، فقد ضعف هذه الرواية الشك ومخالفة الأخرى التى لا شك فيها، وفى الرواية الأخرى: " جسيم (٥) سبْط " وهذا يرجع إلى الطول، قال الشاعر: فجاءت به سَبْط البنان كأنما ... عمامتُه بين الرجال لواءَ ولا يتأول جسيم بمعنى سمين؛ لأنه ضد ضرب، وهذا إنما جاء فى صفة الدجال من حديث ابن عمر، ويكون فى موسى - أيضاً - الجعْدُ هنا إذا صَرَفْناه للشعر، نحو الرجلُ

стр. 508

مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِنْ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُوارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ "، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: " أَىُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ " قَالُوَا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى. قَالَ: " كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ ــ ليسَ بالقططِ ولا بالسَّبِط كما جاء فى صفة شعر نبينا ﷺ ، وكما ذكر البخارى فى بعض الطرق عن موسى: " رَجِلُ الشعْر "، وقوله من رواية أبى هريرة: " أحمر كأنما خرج [من] (١) ديماس " وهو الحمَّام. وقد أنكر هذا ابن عمر وحَلَف أن النبى ﷺ لم يقله، خرَّجه البخارى وفيه [و] (٢) فى كتاب مسلم عنه: " أنه آدَمُ كأحسن ما أنت راءٍ من أدْمِ الرجال ". وذكر أحمر فى صفة الدجَّال. وقوله: " ينطِفُ رأسُه ": أى يقطرُ، والنطفُ: القَطْرُ، يقال: نَطَفَ ينطِفُ وينطُف. بضم الطاء وكسرِها فى المستقبل. وجاء فى الحديث الآخر: " يقطُرُ رأسُهُ ماءً "، قال الإمام: وقوله فى صفة الدجال: " جعد قَطط ": أى شديد الجعُودةِ، يقال: شعر جعْد ورجلٌ جعدٌ. قال الهروى: الجعدُ فى صفات الرجال يكون مَدْحاً ويكون ذماً، فإذا كان ذماً فله معنيان: أحدهما القصير المتردِّدُ، والآخر: البخيل. يقال: رجلٌ جعدُ اليدين وجعد الأصابع، أى بخيل. والجعْدُ إذا كان مَدْحاً له أيضاً معنيان: أحدهما: أن يكون شديد الخلق، والآخر: أن يكون شعره جعداً غير سَبط، فيكون مدحاً لأن السُبوطة أكثرها فى شعور العجم. قال غيره: فالجعد فى صفة الدجَّال ذمٌّ وفى صفة موسى ﵇ مدحٌ. قال القاضى: رويناه " القطِطَ " بفتح الطاء الأولى وكسرها، وقول قتادة فى آخر الحديث (٣): ﴿فَلا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ﴾ (٤) أى [إنَّ نبى الله] (٥) - يعنى محمداً - لقى موسى ﵉ يعنى ليلة الإسراء - فالهاء على هذا عائدة على موسى، وقال غيره من المفسرين: الهاء عائدة على الكتاب، أى فلا تكن فى مِرْيةٍ من تلقى موسى الكتاب الذى أوتى، وعن الحسن معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب فأوذى وكُذِّب فلا تكن فى مرية إنَّك ستلقى مثل ما لقيه من الأذى والتكذيب، وقيل: فى الآية تقديم وتأخير يعود

стр. 509

مَتّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، وَهُوَ يُلَبِّى ". قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ فِى حَدِيثِهِ: قَالَ هُشَيْمٌ: يَعْنِى لِيفًا. ٢٦٩ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، فمَرَرْنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: " أَىُّ وَادٍ هَذَا؟ " فَقَالُوا: وَادِى الأَزْرَقِ. فَقَالَ: " كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﷺ ــ إلى الرجوع للآخرة والبعث وما تقدم من قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ (١) إلى قوله: ﴿تُرْجَعونَ﴾ (٢) واعترضت قصَّة موسى بين كلامين (٣). وقوله: فى وصف يونس بن متى: " على ناقة حمراء جعْدَةٍ ": قال الإمام: هى المجتمعة الخلق الشديدة الأَسْر. وقوله: " خطامها خُلْبَةٌ "، قال الإمام: الخُلْبة، بخاء معجمة مضمومةٍ، وهو اللِّيف، وفيه لغتان بإسْكان اللام وضمِّها، قاله ابن السكيت: قال القاضى: جاء مفسرًا فى الحديث الآخر: " خطامها ليف خُلْبة ". وقوله: " ثنيَّة هَرْشَى " بفتح الهاء وسكون الراء: جبَل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الْجحفة (٤)، ولقد سمعنا هذا الحرف من القاضى الشهيد بفتح اللام والفاء، ومن الشيخ أبى بحر هنا بفتح اللام فقط وسكون الفاء، ومن الحافظ

стр. 510

فَذَكَرَ منْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظهُ دَاوُدُ - وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِى أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ، مَارًّا بَهَذَا الْوَادِى ". قَالَ: " ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّة، فَقَالَ: " أَىُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ ". قَالُوا: هَرْشَى أَوْ لِفْتٌ. فَقَالَ: " كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ، مَارًّا بَهَذَا الْوَادِى مُلَبِّيًا ". ٢٧٠ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ. قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ، وَلَكِنَهُ قَالَ: " أَمَّا إِبْرَاهِيمُ، فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأمَّا مُوسَى، فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَهٍ، كَأَنِّى أَنْظُرُ ــ أبى الحسين بكسر اللام وسكون الفاء، وأنشدنا بعضهم فى ذلك: مررنا بلفْتٍ والثُريَّا كأنها ... قلائد [دُ] (١) رّ حُلَّ عنها نظامها وروينا هذا البيت فى كتاب مشاهد ابن هشام عن أشياخنا التميمى والأسدى وابن سراج: ولِفْتًا شدَدْناه وفجَّ صلاح كذا رويناه (٢) بالكسر، وكذا كان فى المشاهد عن أبى بحر، وكذا قيدناه عنه. وقوله فى موسى: " له جؤار إلى الله بالتلبية "، قال الإمام: الجؤار: رفع الصوت، مهموز، من قول الله تعالى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (٣): أى ترفعون أصواتكم وتستغيثون، يقال: جأر يجأر، قال عدى بن زيد: إننى والله فاقبل حَلْفتى ... بأبيل كلما صلى جأر قال القاضى: ذكر هذا فى موسى وذَكر نحوه فى يونس، وأكثر الروايات فى وصفه لهم يدل أن ذلك رآه ليلة أُسْرِىَ به، وقد وقع ذلك مبينًا فى رواية أبى العالية عن ابن عباس وفى رواية ابن المسيب عن أبى هريرة، وليس فيها ذكر التلبية. فإن قيل: كيف يتوجه ما ذكر من حجَّهم وتلبيتهم وهم أموات، وفى الأخرى، وليست دار عَمَلٍ، فاعْلَمْ وفَقَكَ الله أن للمشايخ وفيما ظهر لنا عن هذا أجوبة:

стр. 511

إِلَيْهِ إِذَا انْحَدَرَ فِى الْوَادِى يُلَبِّى ". ٢٧١ - (١٦٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " عُرِضَ عَلَىَّ الأَنْبِيَاءُ، فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنْ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه - فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ - يَعْنِى نَفْسَهُ - وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ ﵇ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دَحْيَةُ ". وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: " دَحْيَةُ ابْنُ خَلِيفَةَ ". ٢٧٢ - (١٦٨) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَتَقَارَبَا فِى اللَّفْظِ. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ المُسيِّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " حِينَ أُسْرِىَ بِى لَقِيتُ ــ أحدها: أنا إذا قلنا: إنهم كالشهداء، بل هُم أفضلُ من الشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبْعُدُ أن يحجُوا ويُصلوا كما ورد فى الحديث الأخر، وأن يتقربوا إلى الله بما استطاعوا وكُتب لهم؛ لأنهم بعدُ وإن كانوا فى الأخرى فهم فى هذه الدنيا التى هى دارُ العَمَل، حتى إذا فنيت مُدَّتُها وأعقبتها الأخرى التى هى دار الجزاء انقطع العمل. والوجه الثانى: أن عمل الآخرة ذكر ودعاءٌ، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ (١). الوجه الثالث: أن يكون هذه رؤية منام فى غير ليلة الإسراء، أو فى بعض ليلة الإسراء كما قال فى رواية عبد الله بن عُمَر: " بينا أنا نائم رأيتنى أطوف بالكعبة .. " وذكر الحديث فى قصَّة عيسى. الوجه الرابع: أنه ﷺ أُرِى حالهم قبل هذا ومُثِلوا له فى حال حياتهم وكيف تلبيتهم حينئذ وحجهم كما قال فى الحديث: " كأنى أنظر إلى موسى، وكأنى أنظرُ إلى يونس، وكأنى أنظر إلى عيسى ".

стр. 512

مُوسَى ﵇ فَنَعَتَهُ النَّبِىُّ ﷺ فَإِذَا رَجُلٌ - حَسِبْتُهُ قَالَ - مُضْطَرِبٌ، رَجِلُ الرَّأسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَال شَنُوءَةَ ". قَالَ: " وَلَقِيتُ عِيسَى - فَنَعَتَهُ النَّبِىُّ ﷺ فَإِذَا رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ " يَعْنِى حَمَّامًا. قَالَ: " وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ ". قَالَ: " فأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِى أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِى الآخَرِ خَمْرٌ. فَقِيلَ لِى: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ. فَقَالَ: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ - أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ - أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ ". ــ الوجه الخامس: أن يكون أُخبر بتحقيق حال ما أوحى إليه من أمرهم وما كان منهم، وإن لم يرهم رؤية عين، ويدل عليه قوله: " كأنى أنظر " فصار يقينه بذلك كالمشاهدة. وفى هذه الجملة من الفقه رفع الصوت بالتلبية لقوله: [له] (١) جُؤار إلى الله بالتلبية، وهى سنَّتُهَا فى شرعنا للحاجّ (٢) من غير إسراف إلا فى المساجد فليخفض بها صوتَه ويسمع من يليه إلا مسجدى مكة ومنى، فليرفع [فيهما] (٣) بها صوتَه عند مالك ﵀ لاستواء كل من فى ذينك المسجدين فى ذلك الحكم، بخلاف غيرهما من مساجد البلاد الذى الحاجّ فيه قليل، فتشتهر بذلك فيها، فتحدث فساد عملك. وفيه من الفقه التلبية ببطن المسيل؛ وأنه من سنن المرسلين وشرائعهم، وبه احتج البخارى فى المسألة لقوله: " إذا انحدر من الوادى "، ووقع فى كتاب مسلم وبعض روايات البخارى: " إذا انحدرا " بفتح الدال وألف بعدها، فتوهم بعضهم فيه أنه لما يستقبل، ووَهم راويه وقال: الصواب رواية من روى: " إذا انحدِر " بكسر الدال، قال: أو يكون وَهِم وجعل موسى موضع عيسى، فإن موسى بعد لا يحج البيت وإنما يحج عيسى، وهذا من هذا القائل تعسُّفٌ بعيدٌ وجَسرٌ على التوهيم لغير ضرورة وعدم فهم لمعانى (٤) الكلام، إذ لا فرق بين إذ وإذا هنا؛ لأنه إنما وصف حاله حين انحداره فيما مضى. وفيه من الفقه جواز وضع الأصبع فى الأذن عند الأذان، ورفع الصوت لقوله عن موسى ﵇.

стр. 513

(٧٥) باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال ٢٧٣ - (١٦٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَرَانِى لَيْلَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أَدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَم، قَدْ رَجَّلَهَا فَهِىَ تَقْطُرُ مَاءَ، مُتَّكِئاً عَلى رَجُلَيْنِ - أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ - يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ، أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّها عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ". ٢٧٤ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَّيبِىُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ - يَعْنِى ابْنَ عِيَاضٍ - عَنْ مُوسَى - وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ - عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْماً، بَيْنَ ظَهْرانِى النَّاسِ، الْمَسِيحَ الدَّجَّال، فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبةٌ طَافِيَةٌ ". قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ــ وقوله فى عيسى: المسيح، وكذلك فى الدَّجال، قال الإمام: قال عيسى بن دينار (١) وغيره: سُمى الدجال مسيحاً؛ لأنه ممسوح إحدى العينين، فهو فعيل بمعنى مفعول، وسمى عيسى مسيحاً من أجل سياحته فى الأرض، وأنه لم يكن له موضع يستقر فيه من أرض. قال الهروى: قال ابن الأعرابى: المسيح الصِّديق، وبه سمى عيسى، والمسيح الأعور، وبه سمى الدَّجال. قال الحربى: سمى عيسى مسيحاً بمسح زكريا إياهُ، أو يكون اسماً خصَّه الله به، وقال ابن عباس: سُمى بذلك لأنه لا يمسح ذا عاهةٍ إلا برأ، قال غيره: من قال فى الدجَّال مسيح - على وزن فعيل - بكسر اليم فليس بشىء. قال القاضى: وقيل فى تسمية عيسى مسيحاً ما ذكر، وقول ابن الأعرابى: المسيح الصِّديق، هو فى صحيح البخارى من قول إبراهيم، وقيل: لأنه كان ممسوح القدمين لا أخمص له، وقيل: لأن الله مسحه، أى خلقه خلقاً حسناً، فيكون بمعنى: جميل

стр. 514

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَرَانِى اللَّيْلَةَ فِى الْمَنَامِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ، يَقْطُرُ رَأسُهُ مَاءً، وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَىْ رَجُلَيَنِ، وَهُوَ بَيْنَهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيَحُ ابْنُ مَرْيَمَ. وَرَأَيْتُ وَرَاءهُ ــ وحسنٍ، وقيل: سُمى بذلك لمسحه الأرض، أى قطعها، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وقيل: مُسِح بالبركة حين وُلد. وأما تسمية الدَّجال بذلك فقيل ما تقدم، وقيل: بمسحه الأرض حين خروجه، وقال أبو الهيثم (١): المسيح - بالحاء - ضد المسيخ بالخاء - فبالحاء مسحه الله، أى خلقه حسناً وبالخاء مسخه، أى خلقه خلقاً ملعوناً. ولا خلاف عند أحد من الرواة فى اسم عيسى أنه بفتح الميم وكسر السين مخففة، واختلف فى الدَّجال، فأكثرهم [يقول: هو] (٢) مثله، وأنه لا فرق بينهما، وأن عيسى مسيح هدى والدجَّال مسيح ضلالة، وكان عند بعض شيوخنا - وهو أبو إسحاق بن جعفر (٣) فى كتابه - المسيِّح - بكسر الميم والسين وتشديدها، وكذلك عند غير واحد، وبعضهم يقوله كذا - بالخاء المعجمة - وبعضهم بكسر الميم وتخفيف السين، وكذا وجدت الأصيلى ضبط هذا الحرف بخطه فى صحيح البخارى، ورأيت بخط شيخنا القاضى أبى عبد الله بن أحمد التجيبى (٤) عن أبى مروان بن سراج مَن كسر الميم شدَّد السِّين. وأما تسميتُه دَجَّالا فقال ثعلب: سُمى بذلك لضربه فى الأرض وقطعه أكثر نواحيها، يقال منه دَجَل. وهذا مثل أحدِ التأويلات فى تسميته مسيحاً، وقيل: بل لتمويهه على الناس وتلبيسه، يقال: دَجَل إذا مَوَّه، وقيل: كل كذَّاب دَجَّالٍ، وهو من هذا المعنى وقريب منه. وقوله: فى صفة عيسى من رواية ابن عمر: " آدَم " ومن رواية غيره: " أحمر " وقد تقدَّم. وقد يحتجُّ لكونه أحمر بقوله: " كأنما خَرج من ديماس " يعنى لحُمرته وإنما ورد " أدَمَ " فى صفة موسى، والأدمُ الأسْمَرُ، وهو خلاف الأحمر، وقد يرجع قوله: " كأنما خرَج

стр. 515

رَجُلاً جَعْداً قَطَطاً، أَعْوَرَ عَيْن الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بَابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَىْ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الْمَسيِحُ الدَّجَّالُ ". ٢٧٥ - (...) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ عَنْ سَالِمٍ، عَن ابْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَال: " رَأَيْتُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ رَجُلاً آدَم، سَبِطَ الرَّأسِ، وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى رَجُلَيْنِ، يَسْكُبُ رَأسُهُ - أَوْ يَقْطُرُ رَأسُهُ - فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالوا: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أَوِ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ - لَا نَدْرِى. أَىَّ ذَلِكَ قَالَ - وَرَأَيْتُ وَرَاءهُ رَجُلاً أَحْمَرَ، جَعْدَ الرَّأسِ، أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، أَشْبهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ ابْنُ قَطَنٍ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ". ــ من ديماس " إلى ما يأتى بعده من ذكره: " أنَّ لِمَّتَه تقطر ماءً " واللِمّةُ الشعر (١) بكسر اللام، وهى التى تُلِمُّ بالمنكبين. وقوله: " رجَّلها ": يريد - والله أعلم - بالماء وبالمشط، يقال: شَعر مُرَجَّلٌ إذا مُشِّط، وشعر رَجِل إذا كان فى خلقته وتكسيره على هيئة الممشوط. وقوله: " تقطر ماء ": يحتمل أن يكون على ظاهره، أى يقطر بالماء الذى رجّلها به لقرب ترجيله إياه، وإلى هذا نحا القاضى الباجى وقال: لعله نبه بذلك على أن ذلك مشروع لطواف الورود. ومعناه عندى: أن يكون ذلك عبارةً عن نضارته (٢) وحُسْنِه وترجيله واستعارة لجماله. وقوله فى حديث الدجّال: " إنَّه أعور، وإن الله ليس بأعور " تنبيه على سَماتِ الحدث والنقص على الدجال وعلى تنزيه الربِّ جل اسمه عن النقائص، وأن من يعتريه النقائص وتحلُ به الآفات لا يستحق الربوبية، وأنه أوضح دليل على حدَثِه. وقوله فيه: " أعور العين اليمنى " وهو المشهور، وفى رواية أخرى: " أعور العين اليسرى " وقد ذكرهما معاً مسلم آخر الكتاب وقوله: " كأنَّ عينَهُ عنبة طافية "، قال الإمام: قال الأخفش: طافيةٌ بغير همز، أى ممتلئة قد طفَّت وبرزت، قال غيره: " وطافئةٌ " بالهمز، أى قد ذهب ضوؤها وتقبَّضت. قال القاضى: روايتنا فى هذا الحرف عن أكثر شيوخنا بغير همز وتفسيرها بما تقدَّم وهو الذى صحَّحه أكثرهم وأنها ناتئةٌ كنتوء حبَّة العنب من بين صواحبها، ووقع عند بعض شيوخنا مهموزاً، وأنكره بعضهم ولا وجه لإنكاره، وقد وصف فى الحديث أنه

стр. 516

٢٧٦ - (١٧٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَمَّا كَذَّبَتْنِى قُرَيْشٌ، قُمْتُ فِى الْحِجْرِ فجَلَا اللهُ لِى بَيْتَ الْمَقْدَسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ". ٢٧٧ - (١٧١) حدّثنى حرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: " بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِى أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبِطُ الشَّعْرِ، بَيْنَ رَجُلَيْنِ، يَنْطِفُ رَأسُهُ مَاء - أَوْ يُهَرَاقُ رَأسُهُ مَاءً - قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ، جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأسِ، أَعْوَرُ الْعَيْنِ، كَأَنَّ عَيْنَه عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ. أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً ابْنُ قَطَنٍ ". ــ ممسوخ العين وأنها ليست حجراءَ (١) ولا ناتئة، وأنها مطموسة، وهذه صفة حبة العنب إذا طفئت وسال ماؤها، وبهذا فسَّر الحرف عيسى بن دينار، وهذا يُصحِّحُ رواية الهمز، وعلى ما جاء فى الأحاديث الأخَر: " جاحظ العين، [و] (٢) وكأنها كوكب "، وفى رواية: " عوراء نحفاء ولها حدقةٌ جاحظةٌ كأنها نُخاعةٌ فى حائط مجصَّصٍ " تصح رواية غير الهمز، لكن يجمع بين الأحاديث. وتصح الروايتان جميعاً بأن تكون المطموسَة والممسوحة والتى ليست بحجراء ولا ناتئة هى العوراء الطافئة بالهمز، والعين اليُمنى على ما جاء هنا، وتكون الجاحظة والتى كأنها كوكبٌ وكأنها نخاعة هى الطافية بغير همز [العين الأخرى] (٣)، فتجتمع الروايات والأحاديث ولا تختلف، وعلى هذا تجتمع رواية أعور العين اليمنى مع أعور العين اليسرى، إذ كل واحدة منهما بالحقيقة عوراء، إذ الأعور من كل شىء المعيب ولا سيما بما يختص بالعين، وكلا عينى الدجال معيبة عوراء، فالممسوحة والمطموسة والطافئة بالهمز عوراء حقيقة، والجاحظة التى كأنها كوكب وهى الطافية - بغير همز - معيبة عوراء لعيبها، فكل واحدة منهما عوراء، إحداهما بذهابها، والأخرى بعيبها. قال القاضى: وأما طواف عيسى بالبيت فإن كانت رؤيا عين فعيسى ﵇ حىُّ لم يمت، وإن كانت رؤيا منام كما بيَّنه ابن عُمرَ فى حديثه فهو محتمل، لما تقدَّم وللتأويل للرؤيا، وعلى هذا يحمل ما ذُكر من طواف الدجال بالبيت وأن ذلك رؤيا إذ ورد

стр. 517

٢٧٨ - (١٧٢) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْزِ - وَهُوَ ابْنُ أَبِى سَلَمَةَ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَة؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَقَدْ رَأَيْتُنِى فِى الْحِجْرِ، وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِى عَنْ مَسْرَاىَ، فَسَأَلَتْنِى عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ ". قَالَ: " فَرَفَعَهُ اللهُ لِى أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِى عَنْ شَىءِ إِلَّا أَنْبَأتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُنِى فِى جَمَاعَةٍ منَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائمٌ يُصَلى، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّى، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِىُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّى، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِى نَفْسَهُ - فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ قَاَئِلٌ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِى بِالسَّلَامِ ". ــ فى الصحيح أنه لا يدخل مكة ولا المدينة، مع أنه فى رواية مالك لم يذكر طواف الدَّجال، وهو أثبت ممَّن رووا طوافه لما قلناه، وقد يقال: إن تحريم دخول المدينة عليه إنما هو زمن فتنته، وقد يحتج به من يجيز الطواف على الدابة وللمحمول بغير عُذرٍ، لما ذكر من طواف عيسى على مناكب رجلين. ومالك لا يجيزه إلا لعذر، وجوابه عن طواف النبى ﷺ على الراحلة أن ذلك كان لعذر، ففى كتاب أبى داود أنه (١) ﷺ ورد مكة وهو يشتكى .. " (٢) وساق الحديث، وقد يقال: لأنه كان يعلم الناس أمور حجهم فركب ليظهر لجميعهم، ولا يخفى عمله عليهم، كما أراهم صلاته على المنبر لئلا يخفى على جميعهم والله أعلم، ولقوله: " خذوا عنى مناسككم " (٣) و" صلوا كما رأيتمونى أصلى " (٤) ويُجابُ عنه فى قصة عيسى بأنها منام أو محتملة للمنام، أو أنه ليس فى الواجب، أو لعله لعذر، أو لأن شرع مَنْ قبلنا غير لازم لنا. وقوله فى الحديث الآخر: " فإذا بموسى قائم يصلى " وذكر مثله عن عيسى وإبراهيم ﵉ وفى آخر كتاب مسلم بعد هذا: " مررت على موسى وهو قائم فى قبره

стр. 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يصلى "، فالجواب عن صلاتهم قد تقدم فى ذكر حج موسى وعيسى، وقد يكون الصلاة هنا بمعنى الدعاء والذكر، وهى من أعمال الآخرة، ويؤكد أحد التأويلات فيه، وأنها الصلاة المعهودة. ما ذُكر من أنَّه أمَّ ﷺ الأنبياء، وقد قال بعضُهم: يحتمل أن موسى لم يَمُت وأنَّه حىٌّ، فتكون صلاته حقيقة كصلاة عيسى بدليل قوله ﷺ : " أكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا موسى آخذ بساق العرش، فلا أدرى أفاق قبلى أم جوزى بصعقة الطور " (١) لكن يرد هذا التأويل قوله ﷺ : " يصلى فى قبره عند الكثيب الأحمر "، والقبر لا يكون إلا للميت، والحديث الوارد فى قصة وفاته وخبره مع ملك الموت، وسيأتى آخر الكتاب. فإن قيل: فكيف رأى موسى فى قبره يصلى، وكيف صلى بالأنبياء فى حديث الإسراء ببيت المقدس على ما جاء فى الحديث، [وقد] (٢) جاء فى [الحديث] (٣) نفسه أنه وجدهم على مراتبهم فى السماوات عليه ورحبوا به؟ قيل: يحتمل أن رؤيته لموسى فى قبره وعند الكثيب الأحمر كانت قبل صعوده إلى السماء وفى طريقه إلى بيت المقدس ثم وجد موسى قد سبقه إلى السماء، ويحتمل أنه رأى الأنبياء وصلى بهم على تلك الحال لأول ما رآهم ثم سألوه ورحَّبوا به، أو يكون اجتماعه بهم وصلاتُه ورؤيته موسى بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى فلا تتناقض الأحاديث وتستمر على الصواب.

стр. 519

(٧٦) باب فى ذكر سدرة المنتهى ٢٧٩ - (١٧٣) وحدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ - قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٍّ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: لَمَّا أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ انْتُهِىَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِىَ فِى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِى مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ. فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِى مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا، فيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ (١) قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: فَأُعْطِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثاً: أُعْطِىَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، ــ وقوله فى حديث عبد الله فى سدرة المنتهى (٢): " إليها ينتهى علمُ ما يعرج من الأرض وما يهبط من فوقها فيقبض فيها "، وذكر أنها فى السماء السادسة، وقد قيل: إنها فى الجنة وإنها فى السماء الرابعة، وتقدم فى حديث أنس أنها فوق السماء السابعة - وهو الأصح - وهو الأكثر والذى يقتضيه المعنى. وتسميتها بالمنتهى قال كعب: هى فى أصل العرش إليها ينتهى علم [كل] (٣) ملك مقرب أو نبى مُرْسَل، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله، وقيل: إليه تنتهى أرواح الشهداء، وقال ابن عباس: هى عن يمين العرش (٤) وقيل: إليها ينتهى كل من كان على سنة محمد ﷺ ، وقال الخليل: هى سدرة فى السماء السابعة لا يجاوزها ملك ولا نبى قد أظلت السماوات والجنة، وفى الحديث: " نبقها مثل قلال هجر وورقها كآذان الفيلة " (٥). وقوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: فراش من ذهب، وفى رواية ابن جريج. غشيها فراش من ذهب، وأرخيت عليها ستور من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، وزاد بعضهم فى روايته: فلما غشيها من أمر الله (٦) ما غشى تحولت ياقوتاً أو نحو هذا، والفراش كل ما يطير من الحشرات الصغار والديدان.

стр. 520

وَأُعْطِىَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبقَرَةِ، وَغُفِرَ، لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا، الْمُقْحِمَاتُ. ٢٨٠ - (١٧٤) وحدّثنى أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ. حَدَّثَنَا عبَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّامَ - حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللهِ : ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (١) قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاح. ٢٨١ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٢) قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاح. ــ وقوله: " وغُفِر لمن لم يُشرك بالله شيئاً المقحمات " بكسر الحاء، أى غفر الذنوب العظام المهلكات أصحابها أى التى تقحمهم النار وتُوردهم إياها، قال ابن دريد: يقالُ اقتحم اقتحاماً إذا هوى من عُلوٍ إلى سُفل ودخل فى شىء [عن] (٣) غير هداية، ولذلك سميت المهالك قُحماً، قال الهروى: والقُحَم الأمورُ الشاقة، وقال شمر: التقحم التقدُّم والوقوع فى أهوية. وقول عائشة للذى سألها: هل رأى محمدٌ ربَّه؟: " لقد قفَّ شعرى لما قلت .. " (٤) الحديث، قال الإمام: قال ابن الأعرابى: تقول العرب عند إنكار الشىء: قف شعرى، واقشعر جلدى، واشمأزَّت نفسى. قال القاضى: قال الهروى فى " قف شعرى ": قام من الفزع، قال أبو زيد: قفَّ الرجل من البرد [وعلتْهُ] (٥) قُفَّة، والقفوف أيضاً، القشعريرةُ من الحُمَّى، وقال النضر: القَفَّةُ كهيئة القُشَعريرَةُ، وعلته قفة أى رعَدةٌ، قال الخليل: القَفْقَفَةُ الرِعْدَةُ، وهو كَما قال، وأصله الانقباض والاجتماع؛ لأن الجلد ينقبض عند البرد والفزع والاستهوال، فيقوم الشعر بذلك، وبذلك سميت القُفّةُ لضم بعضها إلى بعض ولما يُضَمُّ فيها (٦). قال الإمام: وإنكارُها فى هذا الحديث وفى غيره على من سألها عن الرؤية محتملة عند أهل العلم، على أنها إنما أنكرت الرؤية فى الدنيا لا أنها ممن يحيل جواز رؤيته سبحانه - كما قالت المعتزلة.

стр. 521

٢٨٢ - (...) حدَّثنا عُبيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِىِّ، سَمِعَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (١) قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ فِى صُورَتِهِ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ. ــ قال القاضى: اختلف السلف والخلف: هل رأى نبينا ﷺ ربَّه ليلة الإسراء فأنكرته عائشة - كما تقدم ووقع هنا - وأنها سألت النبى ﷺ عن آية النجم فقال: " ذاك جبريل " ونحوه عن أبى هريرة وجماعة من السلف. والمشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلمين، من امتناع رؤيته تعالى فى الدنيا على ظاهر قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ الآية (٢)، وذكر عن ابن عباس أنه رآه بعينه (٣)، وقال: اختص الله موسى بالكلام، ومحمداً بالرؤية، وإبراهيم بالخُلَّة، وحجته ظاهر (٤) قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٥) الآيات، ومثله عن كعب وأبى ذر والحسن (٦)، وكان يحلف على ذلك وحُكى مثله عن ابن مسعود وأبى هريرة أيضاً، وحكى عن ابن حنبل (٧) وغيره أنه رآه، وحكى أصحاب المقالات (٨) عن أبى الحسن الأشعرى وجماعة أصحابه أنه رآه، ووقف بعض مشايخنا فى هذا وقال: ليس عليه دليلٌ واضحٌ ولكنه جائز، ورؤية الله تعالى فى الدنيا جائزة غير مستحيلة، وسؤال موسى إيَّاها أدَلُّ دليل على جوازها، إذ لا يجْهل نبىٌّ ما يجوز على ربَّه ويمتنع، وجواب الله له: ﴿لَن تَرَانِي﴾ (٩) عند بعضهم نفى الاستطاعة على ذلك والاحتمال.

стр. 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكذلك اختلفوا فى تأويل قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَار﴾، وقد اختلفوا فى رؤية موسى ربه ومقتضى الآية ورؤية الجبل. ففى جواب القاضى أبى بكر (١) ما يقتضى أنهما رأياه تعالى، ولبعض المفَسِّرين نحوٌ منه، والكلام فى هذه الفصُول يتسع، وهو مُتَّسعٌ فى كتب أئمتنا، وقد ذكرنا نخبةً منه فى كتابنا الشفا (٢). وكذلك اختلفوا هل كلم محمدٌ ربَّه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟ فَحُكِىَ عن الأشعرى وقوم من المتكلمين أنه كلمه، وعزا بعضُهم هذا إلى جعفر بن محمد وابن مسعود وابْن عباس (٣)، وحجتهم ظاهر قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (٤) والأكثر على القول بغير هذا، وأن المُوحى [ها هنا] (٥) إلى العبد اللهُ إلى جبريل (٦) وجبريل إلى محمد. وكذلك اختلفوا فى تأويل قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٧) فأكثر المفسرين أن هذا الدنو والتدلى مُقَسَّمٌ ما بين جبريل [ومحمد] (٨)، أو مختص بأحدهما من الآخر، أو من [سدرة المنتهى] (٩)، وذكر عن ابن عباس والحسن ومحمد بن كعب وجعفر ابن محمد وغيرهم أنه دنوٌّ من محمد إلى ربه أو من الله إلى محمد (١٠)، وعلى هذا القول فيكون الدنو والتدلى متأوَّلاً ليسَ على وجهه، كما قال جعفر بن محمد: الدنو من الله لا حَدَّ له، ومن العباد بالحدود، فيكونُ معنى دنو النبى ﷺ من ربه وقربه منه ظهور عظيم منزلته لديه، وإشراق أنوار معرفته عليه، وإطلاعه [من غيبه] (١١) وأسرار ملكوته على ما لم يطلع سواه عليه. والدنُو من الله له إظهار ذلك له وعظيم بِرِّه وفضله العظيم لدَيه،

стр. 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويكون قوله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ على هذا عبارة عن لطفِ الحل واتضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبينا، ومن الله إجابة الرغبة وإنافة المنزلة، ويتأول فى ذلك ما يتأول فى قوله ﷺ عن ربه: " من تقرب منى شبراً تقربت منه ذراعاً ... " (١) الحديث.

стр. 524

(٧٧) باب معنى قول الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ وهل رأى النبى ﷺ ربه ليلة الإسراء ؟ ٢٨٣ - (١٧٥) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (١) قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ. ٢٨٤ - (١٧٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: رآهُ بِقَلْبِهِ. ٢٨٥ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ الأَشَجُّ: حَدَثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَبِى جَهْمَةَ، عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قَالَ: رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْن. ٢٨٦ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو جَهْمَةَ بِهذَا الإِسْنَادِ. ٢٨٧ - (١٧٧) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنْتُ مُتَّكِئاً عِنْدَ عَائِشَةَ. فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ، ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفرِيَةَ. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّداً ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَد أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ. قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئاً فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤمِنِين، أَنْظِرِينِى وَلَا تَعْجَلِبنِى، أَلَمْ يَقُلِ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِين﴾ (٢)، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ فَقَالتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: " إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِى خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطاً مِنَ السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ". فَقَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾ (٣) أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 525

يَقُولُ: ﴿وَمَا كَانَ لَبِشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١) قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ كَتَمَ شَيْئاً منْ كِتَابِ اللهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ. وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِى غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ. وَاللهُ يَقُولُ: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣). ٢٨٨ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ. وَزَادَ: قَالَتْ: وَلَوْ كَانَ مَحَمَّدٌ ﷺ كَاتِماً شَيْئًا مِمَّا أُنزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسَكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أن تَخْشَاهُ﴾ (٤). ــ وقول عائشة واحتجاجها بالآية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ الآية، قد استدل بالآية نفسها بعض المشايخ أن محمداً ﷺ رأى ربه دون حجاب، وكلمه دون واسطةٍ ولا رسولٍ، وقال: هى ثلاثة أقسام: من وراء حجاب كتكلم موسى، وبإرسال الملائكة بالوحى كحال جميع الأنبياء وأكثر أحوال نبينا ﷺ ، الثالث: قوله: " وحياً " ولم يبق من تقسيم صُوَر المكالمة إلا كونها مع المشاهدة. وقد قيل: الوحى هنا هو: ما يلقيه فى قلب النبى دون واسطة (٥). وقولها: " لو كان كاتماً شيئاً لكتم قوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْه﴾ " الآية، قال القاضى: لا يجب أن يُتأوّل فى قول عائشة وفى الآية ما ذكر عن بعض من لم يحقق من المفسرين فيها من الشناعة، من أن النبى ﷺ أمَرَ زيداً بإمساكها وهو يحب تطليقَها، وأنه الذى أخفى فى نفسِه (٦)، إذْ لا يَصحُّ عنه فلا تسترب أنه ﷺ مُنزَّهٌ عن مثل هذا، ومن مدِّ عيْنيه إلى ما نهاهُ الله عنه ممَّا متَّع الله بِه غيرهَ من زهرة الدنيا (٧). وأصح ما فى هذا ما حُكى عن على بن حسين أن الله تعالى أعلم نبيه ﷺ بكونها له زوجاً، فلما شكاها زيدٌ قال له: أمْسِك، وأخفى فى نفسه ما أعلمه الله به مما الله مبديه بطلاق

стр. 526

٢٨٩ - (...) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِى. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ عُائِشَةَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله! لَقَدْ قَفَّ شَعْرِى لِمَا قُلْتَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَحَدِيثُ دَاوُدَ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ. ٢٩٠ - (...) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ ابْنِ أَشْوعَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَالَ: قُلْتُ لِعَائشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (١) قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ ﷺ . كَانَ يَأْتِيِهِ فِى صُورَةِ الرِّجَالِ. وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِى هَذِهِ الْمَرَّةِ فِى صُوَرتِهِ الَّتِى هِىَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ. ــ زيد لها وتزويج النبى ﷺ بَعْدُ لها (٢) ونحوه عن الزهرى وغيره، والذى خشيه إرجافَ المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج زوجة ابنه، وألفاظ الآية تدلُ على صحة هذا الوجه لقوله (٣): ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (٤)، ولو كان ما ذكر أولئك لكان فيه أعظم الحرج، وبقوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرَا﴾ (٥)، وإلى ما قلناه نحا القاضى بكر بن العلاء القشيرى وغيره من المحققين، وأنكروا سواه. وكتم النبى ﷺ لهذه الآية لو كتمها وقد نزهه الله عن ذلك - كما قالت عائشة لما اشتملت عليه من عتبه وإبداء ما أسَرَّه من زواجها وأمره زيدًا بإمساكها، وقد أعلمه الله أنه سيطلقها، وخشيته تشنيع المنافقين عليه - كما تقدم - لا لغير ذلك.

стр. 527

(٧٨) باب فى قوله ﵇: " نور أنى أراه " وفى قوله: " رأيت نورًا " ٢٩١ - (١٧٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَة، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٌ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ. " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ". ٢٩٢ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، كِلَاهُمَا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِى ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَسأَلْتُهُ. فَقَالَ: عَنْ أَىِّ شَىءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْألُهُ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدْ سَأَلْتُ، فَقَالَ: " رَأَيْتُ نُوراً ". ــ وقوله ﷺ حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربَّك؟ قال: " نورٌ أَنّى أراه "، قال الإمام: وفى نسخة: " نُورانىُّ "، وفى طريق آخر: أنهُ قال له: " رأيت نوراً " قال الإمام: إن قيل: ظاهر الخبرين متناقضٌ لأن الأول فيه أن النور يمنع رؤيته والثانى أن النورَ مرئىّ، قلنا: يصح أن يكون الضمير فى قوله: " أراه " عائداً على الله - سبحانه - وقوله: " أنَّى أراه " يعنى أن النور أغشى بصرى ومنعنى من الرؤية، كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائى وبينه، فيكون انتهاءُ رؤيته ﷺ إلى النور خاصة، وهو الذى أدرك. فإذا أمكن هذا التأويل لم يكن ذلك مناقضاً للخبر الأول بل هو مطابق له؛ لأنه أخبر فيه أنه رأى نوراً، وكذلك فى الأول، والرواية التى فيها نورَانِىُّ أشكلُ، يحتمل أن يكون معناه راجعاً إلى ما قلنا، أى خالق النور المانع من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال. قال القاضى: هذه الرواية لم تقع إلينا ولا رأيتُها فى شىء من الأصول إلا ما حكاهُ الإمام أبو عبد الله، ومن المستحيل أن تكون ذات الله نوراً، إذ النور من جملة الأجسَام والله تعالى يتعالى عن الاتصاف بذلك، هذا مذهب جميع أئمة المسلمين خلافاً لبعض المجّسمة هشام الجُوالقى ولَمَّتِه (١) ممن قال: نورٌ لا كالأنوار، ومعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ

стр. 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ (١) وما جاء فى الحديث المأثور من تسميته بالنور فمعناه: ذُو نُورِهما وربُّه وخالِقُه، وقيل: هادى السماوات والأرض، وقيل: مُنَوِّرُ قلوُب عباده المؤمنين، وقيل: معناه: ذو البهجة والجمال، وهذا يرجع إلى المعنى الأول، أى مالكهما وربُّهما، أو لنفى النقائص والغِير والحوادث.

стр. 529

(٧٩) باب فى قوله ﵇: " إن الله لا ينام "، وفى قوله: " حجابه النور لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ٢٩٣ - (١٧٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، حَدَّثَنَا الأَعمشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: " إنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَملُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلَ، حِجَابُهُ النُّورُ - وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ: النَّارُ - لَوْ كَشْفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ". وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ عَنِ الأَعْمَشِ وَلَمْ يَقُلْ: حَدَّثَنَا. ٢٩٤ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعَمْشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، ــ وقوله: " حجابه النور - وفى رواية أخرى النار - لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه " (١)، قال الإمام: الهاء فى " وجهه " تعود على المخلوق لا على الخالق، إذ الحجاب بمعنى السَّتر إنما يكون على الأجسام المحدودة، والبارى - جلت قدرتُه - ليس بجسم ولا محدود، والحجاب فى اللغة: المنع، ومنه سمى المانع من الأمير حاجباً؛ لمنعه الناس عنه، ومنه الحاجب فى الوجه؛ لأنه ممنع الأذى عن العين، والإنسان ممنوع من رؤية الخالق فى الدنيا فسُمى منعه حجاباً، ولما كان النور والنار مانعين فى العادة من الإدراك - وهما من أشرف الأشياء المانعة - أخبر ﷺ أنه لو كشف عن النار والنور المانعين من الإدراك فى العادة لأحرقت وجوه المخلوقين، وإن البارى - سبحانه - لا تقابله الأنوار وتقابل المخلوقين وتمنعهم من الرؤية. وأما تفسير السُبُحات، فقال الهروى: سبُحات وجهه: نور وجهه، وفى كتاب العين: سُبْحَةُ وجهه هى نور وجهه وجلاله، وإنما نقلنا هذا لتعلم قول أهل اللغة فى هذا اللفظ لا على اتّباعه فيما يرجع الضميرُ إليه، وإطلاق هذا اللفظ الذى قالوه. قال القاضى: ما قاله الإمامُ ﵀ صحيح، لكنه يضيق حمله على وجه

стр. 530

قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ " مِنْ خَلْقِهِ " وَقَالَ: " حِجَابُهُ النُّورُ ". ــ المخلوق مع اتفاق الرواية على رفع السبُحات، وأنها المحرقة لما انتهى إليها البصرُ، كما قال: " ما انتهى إليه بصرُه من خلقه " فالخلقُ هنا هُوَ المحروق (١) وسُبحات الوجه هى المُحرقَة، والسُبُحات، بضم السين والباء، جمعُ سبحة، وهى النور والجلال - كما قالوا - وما فى معناها من البهاء والجمال والكبرياء والعظمة ونعوتِ التعالى، وبمعنى (٢) ذلك قوله فى الحديث الآخر: " وما منَعهُم أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه " (٣)، فإضافتها إلى الله تعالى وعود الضمير إليه هو مقتضى نظم الكلام ووجه اللفظ العربى، وإلا اختل الكلام وتناقض مفهوم اللفظ، وإذا كان هذا نظرنا إلى تأويل ذلك، فإذا جعلنا معنى " وجه الله " ذاته ووجوده، على ما اختاره الجوينى وغيره من أئمتنا، كانت إضافة السُبُحات إليها على معنى إضافة النور إليه فى الآية (٤)، وفى قوله: " أعوذ بنور وجهك (٥) إِمَّا على المِلْكِ أو الاختصاص (٦) وتكون هذه السبحات هى تلك الحجبُ التى ذُكر من النور و (٧) النار وجلال الملكوت وعظيم القدرة لو كشفها لأحرقت كل من رآها وأدركها، وهو معنى قوله إن شاء الله تعالى: " ما انتهى إليه بصرُه من خلقه ". الهاء فى بصره عائدة على خلقِه، أى لأحرقت من خلقه كل من انتهى إليه بصرهُ منهم ورأى ذلك، ويُتأوّل فى ذلك ما يتأول فى قوله: ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ (٨) وفى تسميته نوراً ويستقيم المعنى الحقيقى وينطبق على اللفظ العربى، وعلى تفسير أهل اللغة التى لابد لنا من الرجوع إليهم فى معانى هذه الألفاظ، ومن سلك من مشايخنا فى الوجه أنه صفة (٩) - وهو قول شيخنا أبى الحسين - كانت إضافة السُبُحات إليها، والمراد الذات، لاسيما على القول بتقسيم القول فى الصفات، وأن منها ما يقال: هو نفس الذات، وإذا جعلنا الوجه بمعنى الجهة حسُن - أيضاً - أن يقال: لأحرقت السُبُحات والأنوار أو النار التى فى الجهة التى ينظرُ إليها الناظِرُ، إذا كشفها الله له وأراه إياها كلَّ من نَظَرَ إليها. وهذه وجوهٌ كلها بينة حسنةٌ ظهَرَت بعون الله وتوفيقه. وقد قال بعض المشايخ - فى تصحيح كون الضمير فى بصره عائداً على الله تعالى -: إن الكلام إشارة إلى العموم لقوله:
следующие страницы →