(٨) باب فضل مجالس الذكر
٢٥ - (٢٦٨٩) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ للِهِ ﵎ مَلائِكَةً سَيَّارَةً، فُضْلا يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ، حَتَّى يَمْلَؤُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ ". قَالَ: " فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِى الأَرْضِ، يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ. قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِى؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِى؟ قَالُوا: لا. أىْ رَبِّ. قَالَ: " فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِى؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ. قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِى؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ. يَارَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِى؟ قَالُوا: لا.
ــ
وقوله: " إن لله ملائكة سيارة، فضلا، يتبعون مجالس الذكر ": كذا الرواية عند جمهور شيوخنا فى مسلم والبخارى، بفتح الفاء وسكون الضاد، وبعضهم بضم الضاد، وعند العذرى والهوزنى: " فضل " برفع اللام على خبر المبتدأ وضم الفاء، وكذا رواه بعض الشيوخ، والصواب الأول كما بيناه. ومعنى " سيارة فى الأرض " كما قال فى بعض الروايات " سياحين " (١).
وقوله: " فإذا وجدوا مجلس ذكر قعدوا معهم، وحظ بعضهم بعضًا بأجنحتهم ": كذا للعذرى [وللطبرى] (٢) فيما وجدته بخطى: " حظ " بالظاء المعجمة، ولا أعلم له هنا وجهاً. وكذلك رواه بعضهم من طريق [ابن] (٣) الحذاء: " خص " بالخاء المعجمة والصاد المهملة وهو بعيد، ورواه بعضهم: " حض " بالضاد المعجمة وله وجه.
وفى كتاب ابن عيسى: " حط " بحاء وطاء مهملتين، وكذا قيل عن شيخنا القاضى [أبو] (٤) على، وهو الصواب. قيل: معناه: أشار بعضهم إلى بعض بالنزول أو دعائه إلى النزول ويدل عليه قوله بعده فى البخارى: " هلموا إلى حاجتكم " (٥).
وفى رواية السجزى والسمرقندى: " حف بعضهم بعضًا بأجنحتهم "، ويدل على هذه الرواية قوله فى البخارى: " يحفونهم بأجنحتهم " (٦) أى يحدقون بهم ويطوفون حولهم،
стр. 4622
قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِى؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ ". قَالَ: "فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا ". قَالَ: "فَيَقُولُونَ: رَبِّ، فِيهِمْ فُلانٌ، عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ ". قَالَ: " فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ".
ــ
ويجتمعون فى جميع جوانبهم، ويحدق بعضها بعضاً. وحفاف الشىء: جانباه، كما قال: " حتى يملؤوا ما بين السماء والأرض ".
وقوله: " ويستجيرونك من النار " وقوله: " قد أجرتهم مما استجارونى ": كله من الأمان، والجوار يأتى بمعنى الأمان.
وقوله فى الذى مر بينهم فجلس - زاد فى البخارى: لحاجة -: " قد غفرت لهم، هم القوم لا يشقى جليسهم " (١) فيه فضل مجالس الذكر وإن لم يكن الجالس فيها من أهلها. [وفيه] (٢) فضل مجالسة الصالحين وتزكيتهم.
والذكر ذكران: ذكر الله بالقلب: وهو الذكر الخفى، وذكر القلب - أيضاً - عند أوامره ونواهيه. وذكر باللسان: كما جاء عن عمر بن الخطاب، فذكره بالقلب، وهو الذكر الخفى وهو أرفع الأذكار، الفكرة فى عظمة الله وجلاله وجبروته وملكوته وآياته فى أرضه وسماواته، وفى الحديث: " خير الذكر الخفى " (٣)، وبعده ذكره بالقلب عند أوامره ونواهيه، فينتهى عما نهى عنه، ويمتثل ما أمر به، ويتوقف عما أشكل عليه. وذكره باللسان مجرداً هو أضعف هذه الأذكار الثلاث، لكن له فضل عظيم، كما جاء فى الآثار: لكل فضل بقدر مرتبته.
وقد ذكر أبو جعفر الطبرى وغيره اختلاف السلف: أيهما أفضل الذكر باللسان أو بالقلب؟ والخلاف عندنا (٤) إنما يتصور فى تحديد (٥) الذكر بالقلب من التسبيح والتهليل وشبهه من أذكار اللسان إذا لم ينطق بها اللسان وعليه يدل كلامهم، لأنهم مختلفون فى الذكر الخفى للذى ذكرناه أولاً من الفكر وإحضار دلائل المعارف والعظمة، فتلك لا يتلونها (٦) ذكر اللسان، فكيف يتفاضل معها، وإنما الخلاف فيما ذكرناه، وكل ذلك مع حضور الثلاث بذكر اللسان، فأما والقلب لاهٍ فلا.
فمن رأى ذكر القلب أفضل قال: لأن عمل السر أفضل. ومن قال: ذكر اللسان أفضل قال: لأن فيه زيادة أعمال الجوارح على عمل ذلك بالقلب، ففيه زيادة عمل [منه] (٧) تقتضى زيادة أجر، ولذلك اختلف فى ذكر القلب، هل تكتبه الملائكة ويعمل؟ فقيل ذلك، وأن الله يجعل لها على ذلك علامة، وقيل: إنه لا يكتب؛ لأنهم لا يطلعون عليه.
(١٠) باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء
٢٨ - (٢٦٩١) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّة، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مَائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِىَ، وَلَمْ يَأتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ".
ــ
وذكر حديث فضائل (١) من قال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شىء قدير فى يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب وكتبت (٢) له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسى، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك. ومن قال: سبحان الله وبحمده فى يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، ثم ذكر بعد فى فضل من قال: لا إله إلا الله " المتقدم " كان كمن أعتق أربعة [أنفس] (٣) من ولد إسماعيل " ثم ذكر حديث: " من سبح مائة تسبيحة كتبت له ألف حسنة، وحطت عنه ألف سيئة " ذكر هذا العدد من المائة، وهذا الحصر لهذه الأذكار لا (٤) دليل على أنها غاية وحد لهذه الأجور. ثم نبه ﵇ بقوله: " إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك " أنه جائز أن يزاد على هذا العدد فيكون لقائله من الفضل بحسابه، لئلا يظن أنها من الحدود التى نهى عن اعتدائها، وأنه لا فضل فى الزيادة عليها كالزيادة على ركعات السنن المحدودة أو أعداد الطهارة.
وقد قيل: يحتمل أن هذه الزيادة من غير هذا الباب، أى ألا يزيد أحد أعمالاً أخر من البر غيرها، فيزيد له أجرها على هذا.
وقوله فى حديث التهليل: " محيت عنه مائة سيئة "، وفى حديث التسبيح: " حطت
стр. 4625
٢٩ - (٢٦٩٢) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالَحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِى: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِأَفْضَلِ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلاَّ أحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ ".
٣٠ - (٢٦٩٣) حدّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِى الْعَقَدِىَّ - حَدَّثَنَا عُمَرُ - وَهُوَ ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ - عَنْ أَبِى إسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِير، عَشْرَ مِرَارٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِى السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ. بِمِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ للِرَّبِيعِ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: مِنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ. قَالَ: فَأَتَيْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: مِنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى. قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِى لَيْلَى فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: مِنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ، يُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
٣١ - (٢٦٩٤) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ
ــ
خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر " ظاهره أن التسبيح أفضل. وقد جاء فى [تهليل التسبيح] (١) حديث التهليل: " ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به " فيحتمل الجمع بينهما أن يكون حديث التهليل أفضل، وأنه إنما زيد من الحسنات ومحى من السيئات المحصورة، ثم جعل له من فضل عتق الرقاب ما قد زاد على فضل التسبيح، وتكفيره جميع الخطايا لأنه قد جاء أنه: " من أعتق رقبة، أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار " (٢) فهنا قد حصل بهذا العتق تكفير جميع الخطايا عمومًا بعد حصر ما عد منها خصوصًا مع زيادة مائة درجة، وما زاده عتق الرقاب الزائدة على الواحدة.
وقد جاء فى الحديث هنا أيضًا: أفضل الذكر التهليل، وأنه أفضل ما قاله ﵇ والنبيون من قبله (٣). وقد قيل: إنه اسم الله الأعظم، وهى كلمة الإخلاص.
وقد مضى شرح التسبيح، وأنه بمعنى التنزيه عما لا يليق به ﷻ من الشريك
(١١) باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، وعلى الذكر
٣٨ - (٢٦٩٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ الْهَمْدَانِىُّ - وَاللَّفْظ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِح، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَة. وَاللهُ فِى عَوْنِ الْعَبْدِ مَاكَانَ الْعَبْدُ فِى عَوْنِ أَخِيهِ. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُوَنَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهُمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلائكَةُ، وَذَكَرَهمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ".
ــ
وقوله: " من نفس عن مسلم كربة ": أى أزالها عنه وفرجها، وقد تقدم الكلام على فصول هذا الحديث.
وقوله: " ونزلت عليهم السكينة " أى الرحمة، وهو أحد الوجوه فى تأويل السكينة فى القرآن، وهذا أليق الوجوه هنا. وقيل: السكينة أيضًا فى ذلك، وفى قوله: ﴿ثم أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) أى الوقار والطمأنينة.
قال الإمام: وقوله: " وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ": ظاهره يبيح الاجتماع لقراءة القرآن فى المساجد، وإن كان مالك قد قال فى المدونة بالكراهة بنحو ما قضى هذا الظاهر جوازه وقال: يُقامون، ولعله لما صادف العمل لم يستمر عليه ورأى السلف لم يفعلوه مع حرصهم على الخير كره إحداثه، ويراه من محدثات الأمور، وكان كثير الاتباع لعمل أهل المدينة وما عليه السلف، وكثيرًا ما يترك بعض الظواهر بالعمل.
قال القاضى: قد يكون هذا الاجتماع للتعلم بعضهم من بعض، بدليل قوله: " ويتدارسونه بينهم "، ومثل هذا لم ينه عنه مالك ولا غيره.
وقوله: " ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ": يريد آخرة عمله السيئ أو تفريطه فى الحسنات المعلية للدرجات عن اللحاق بمنازل المتقين والأبرار، وعن دخول الجنة فى أول زمرة لم ترفعه رفعة نسبه ومكانته فى الدنيا، ولا جبر هذا النقص الذى ثلم حاله.
(١٢) باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه
٤١ - (٢٧٠٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِىُّ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنِ الأَغَرِّ الْمُزْنِىِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِى، وِإِنِّى لأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِى الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ".
ــ
وقوله: " إنه ليغان على قلبى، وإنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة "، قال الإمام: قال أبو عبيد: يعنى أنه يغشى (١) القلب ما يلبسه، يقال غُينت السماء غينًا وهو إطباق الغيم السماء [والغيم] (٢) والغين واحد.
قال القاضى: قيل: ذلك عبارة عن الفترات والغفلات عن الذكر الذى كان دأبه فيستغفر منه؛ إذ كان أبداً فيمن يدمن ذلك، فرأى الغفلة عنه ذنبًا. وقيل: ذلك الغين همه بسبب أمته، وما اطلع عليه من أحوالها بعده، حتى يستغفر لهم. وقيل: إن ذلك لما يشغله عن عظيم مقامه من النظر فى أمور أمته ومصالحهم، ومجابهة (٣) عدوه، ومداراتهم للاستئلاف، فيرى شغله لذلك - وإن كان من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال - نزولاً عن علىِّ درجته، ورفيع مقامه، من حضوره بهمه كله مع الله، ومشاهدته عنده، وفراغه عن غيره إليه، وخلوصه له عمن سواه، فيستغفر (٤) لذلك. وقيل: قد يكون هذا الغين السكينة التى تغشى قلبه، لقوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ (٥). واستغفاره إظهار للعبودية والافتقار وملازمة الخضوع، شكراً لما أولاه به.
قال المحاسبى: خوف الملائكة والأنبياء خوف إعظام، وإن كانوا آمنين من عذاب الله. وقيل: يحتمل أن يكون حال خشية وإعظام يغشى القلب، ويكون استغفاره هذا على ما تقدم شكراً وإعظامًا، ولا يعتقد أن استغفاره لأجل الغين، بل ذكر الغين قصة، والاستغفار أخرى غير مرتبطة بها، وعليه يدل حديث مسلم: " إنى ليغان على قلبى، وإنى لأستغفر الله " كما قال (٦) فى الحديث الآخر: " أيها الناس، توبوا إلى الله، فإنى أتوب إليه فى اليوم مائة مرة "، وكما كان يقول فى سجوده: " أستغفرك وأتوب إليك " بتأول القرآن.
стр. 4631
٤٢ - (...) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ الأَغَرَّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ يُحَدِّثُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا أَيُّها النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِى أَتُوبُ - فِى الْيَوْمِ - إِلْيهِ مِائَةَ مَرَّةٍ ".
(...) حدثناه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ.
٤٣ - (٢٧٠٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِى سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ - ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ - كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ. ح وحَدَّثَنِى أَبُو خَيْثَمَةَ، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيريِنَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ ".
ــ
وعلى من يجيز الصغائر على الأنبياء، فيجعل استغفاره لما عساه يتوقعه أن يجرى على لسانه أو جوارحه فيها، وإن كان ﵇ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فاستغفاره لذلك شكر لله وإعظام لجلاله كما تقدم. وقيل: هو شىء يعترى القلوب الصافية مما يحدث فى النفس من اللمم وحديثها، أو الغفلة فيشوشها.
وقوله: " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ": هذا حد للتوبة جعله الله تعالى، ولها باب يسد عند هذه الآية كما جاء فىِ الحديث (١)، وقد جاء فى التفسير أنه معنى قوله: ﴿يَوْمَ يأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (٢)، وعلى ظاهره حمله أهل الفقه والحديث، خلاف ما تأوله عليه بعض الغالين من الباطنية. وقوله: " تاب الله عليه " قيل: معناه: قبل توبته ورضيها. قيل: توبة الله على عباده رجوعه بهم إليها، وقد تكون توبته تثبيتاً لهم وتصحيحاً، ويأتى بعد هذا معنى التوبة.
(١٤) باب التعوذ من شر الفتن، وغيرها
٤٩ - (٥٨٩) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأبِى بَكْر - قَالا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ: "اللَّهُمَّ، فَإنِّى أعُوذ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَفتْنَة الْقَبْرِ، وَعَذَاب الْقَبْرِ، وَمِنْ شَرِّ فتْنَةِ الْغِنَى، وَمِنْ شَرِّ فتْنَةِ الْفَقْرِ، وأعَوذُ بِكَ مِنْ شرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. اللَّهُمَّ، اغسِلْ خَطَايَاىَ بِمَاء الثَّلْجِ وَالْبرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِىَ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِى وَبَيْنَ خَطَايَاىَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغرِبِ. اللَّهُمَّ، فَإِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَأثَمِ وَالْمَغْرَمِ ".
(...) وحدثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
ــ
ومضى الكلام فى تعوذه ﵇ من فتنة القبر، وفتنة المسيخ، وغسل الخطايا بالثلج قبل هذا فى مواضع (١).
واستعاذته من فتنة الغنى وفتنة الفقر لأنهما حالتان يخشى الفتنة معهما بالسخط وقلة الصبر، والوقوع بالضرورة فيما لا يحل عند الحاجة، [وبالعجب] (٢) والأشر والبطر، والبخل بحق المال عند الغنى، وإنفاقه فى الإسراف وما لا يحل.
والكسل: عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة فيه، مع إمكان فعله. والعجز: عدم القدرة على فعله. قال الخطابى: استعاذة النبى من الفقر أى يعنى به فقر النفس، وقد يكون استعاذته من سوء احتماله، وقلة الرضا به. والفقر المستعاذ منه: هو ما يخشى من فتنته وهو المذموم، وأما الاستعاذة منه خوف انحطاط القدر فمذموم، وقد جاءت أحاديث بفضل الفقر [وأخر بذمه، فمحملها على ما ذكرناه، ويدل عليه قوله: " من [شر] (٣) فتنة الفقر "] (٤).
стр. 4636
(١٥) باب التعوذ من العجز والكسل وغيره
٥٠ - (٢٧٠٦) حدثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمىُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " اللهُمَّ، إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ".
(...) وحدثنا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَّمَدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ. كِلاهُمَا عَنِ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ يَزِيدَ لَيْسَ فِى حَدِيثِهِ قَوْلُهُ: " وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ".
٥١ - (...) حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَنْسِ بْن مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ تَعَوَّذَ مِنْ أَشْيَاءَ ذَكَرَهَا، وَالْبُخْلِ.
ــ
وقوله: " وأعوذ بك من العجز والكسل ": تقدم تفسير العجز، وأنه يحتمل أن يكون على ظاهره من عدم القدرة. وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به، ويحتمل أن يريد به عمل الطاعات، ويحتمل عموم أعمال الدنيا والآخرة، والكسل يكون بهذا المعنى. وقيل: هو فترة تقع بالنفس تثبط عن العمل.
استعاذ منهما، لأنهما يمنعان من أداء الحقوق والمسارعة إلى الخيرات، وترك الاكتساب للعيال وداعيه إلى الحاجة إلى الناس.
واستعاذته من الهرم وأن يرد إلى أرذل العمر؛ لما فيه من الخوف، واختلال الحواس والعقل، وعدم العلم، وتشويه النظر، والعجز عن آداء الطاعات، وربما أدى ذلك إلى التساهل فيها، ويعذر نفسه بتركها. فاستعاذته ﵇ من جملة هذه الأشياء ليكمل حاله فى كل حين وشرعه تعليمه لأمته الاستعاذة منها، وسؤالاً لله تعالى ألا يغير ما به من نعمة، ودليل على جواز الدعاء بما يشاء العبد على التفصيل والجملة.
واستعاذته من الغرم من هذا الباب، وهو إما من مغرم لزمه لم يقدر على قضائه، أو من مغرم فى غير ما يجب اكتسابه ولا يباح التداين فيه، أو من مغرم [لديه أحبه] (١)
стр. 4637
٥٢ - (...) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ الْعَمِّىُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ الأَعْوَرُ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَدْعُو بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ: " اللَّهُمَّ، إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ وَأَرْذلِ الْعُمُرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالمَمَاتِ ".
ــ
ومطله به. والنبى ﷺ فى كل هذا معلم لأمته هذه الأدعية.
وكذلك استعاذته من الجبن والبخل؛ لما فيهما من التقصير عن أداء الواجبات، والقيام فى حقوق الله، والغلظة على أهل المعاصى، وتغيير المناكير، وأداء حقوق المال؛ إذ بشجاعة النفس المعتدلة يقيم الحقوق، وينصر المظلوم، وبسخاء النفس يؤدى حقوق المال ويواسى منه، ويلم به عند الضرورات شعث المساكين، ويؤدى واجب المضطرين.
стр. 4638
(١٦) باب فى التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره
٥٣ - (٢٧٠٧) حدثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهِيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، حَدَّثَنى سُمَىٌّ عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَمِنْ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَمِنْ جُهْدِ الْبَلاءِ.
قَالَ عَمْرٌو فِى حَدِيثِهِ: قَالَ سُفْيَانُ: أَشُكُّ أَنّى زِدْتُ وَاحِدَةً مِنْهَا.
ــ
وقوله: " كان يتعوذ من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء، وجهد البلاء ": جهد البلاء: مشقته، والجهد: ما لا طاقة لحمله ولا يقدر على دفعه؛ فهو المستعاذ به، يقال بالضم والفتح. قال نفطويه (١): بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المبالغة والغاية. وقال الشعبى (٢): بالفتح: فى العمل، وبالضم: فى الفتنة، يعنى العيش. وقال غيره: إذا كان من الاجتهاد والمبالغة ففيه الوجهان. قال ابن دريد: هما لغتان صحيحتان لمعنى جهده، وجَهَده. وفى كتاب العين: الجهد بالضم: الطاقة، وبالفتح: المشقة. وروى عن ابن عمر قال: جهد البلاء: قلة المال وكثرة العيال (٣).
ودرك الشقاء، بفتح الراء: اسم للإدراك كما يلحق من اللحاق، وضبطه بعضهم بالإسكان، والوجه بالفتح هنا. وقال بعضهم: درك الشقاء يكون فى أمور الدنيا والآخرة وكذلك سوء القضاء فى النفس وفى المال، ويكون ذلك فى سوء الخاتمة. ودرك الشقاء عند الموت، ويكون ما يدرك من عقوبة الله فى الآخرة. وقد يكون من الشقاء أيضاً: ما يدرك من ذلك فى الجهد وقلة المعيشة فى الدنيا.
(١٧) باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع
٥٦ - (٢٧١٠) حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأ وُضُوءَكَ للِصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شقِّكَ الأيْمَنِ، ثُمَّ قُل: اللهُمَّ، إِنِّى أَسْلَمْتُ وَجْهِى إلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِى إِلَيْكَ، وَأَلْجَأتُ ظَهْرِى إِلَيْكَ، رَغبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلجَأَ وَلا
ــ
وقوله: " إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن " فيه: " وقل: اللهم إنى اسلمت نفسى إليك " الحديث: فيه ثلاث سنن:
إحداها: الوضوء للنوم مخافة أن يتوفاه الله على غير طهارة. وليكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به فى منامه وترويعه، وليكون إن مات آخر عمله من الدنيا الطهارة وذكر الله، ولما جاء: أنه فى صلاة أو ذكر حتى يستيقظ. وقد اختلف العلماء فى مذهبنا وغيرهم، هل يستباح بهذا الوضوء صلاة أم لا؟ والصحيح أنه متى ما نوى بها ليكون على طهارة - كما قدمنا - فهو كنية رفع الحدث واستباحة ما يمنع منه، ويجوز له استباحة كل ما يمنع الحدث منه.
والثانية: النوم على الشق الأيمن، ففيها فى التيامن من البركة، وفى اسمه من الخير، واستعماله فى موارد الشرع، وأيضاً فإن فى نومه على شقه الأيمن حكمة لسرعة انتباهه، ولئلا يستغرقه النوم استغراقاً كلياً؛ وذلك أن النائم إذا نام كذلك كان قلبه - وهو فى جهة اليسار - قلقاً متعلقاً، فكان الانتباه إليه أسرع، والاستغراق منه أبعد. وإذا نام على شقه الأيسر كان مستقراً فى جنبه فيستغرقه النوم كثيراً، ولا ينتبه منه إلا بعد جهد.
الثالثة: ذكر الله تعالى عند النوم؛ ليكون خاتمة عمله، إذ هو أحد الموتتين، ومخافة أن يتوفى فى نومته تلك فيكون آخر كلامه كما قال فى الحديث الآخر (١): " واجعله من آخر ما تتكلم به ".
وقوله: " قل: اللهم، إنى أسلمت نفسى إليك " وفى الرواية الأخرى: " وجهى ": أى استسلمت وصيرتها منقادة لك، طائعة لحكمك. والوجه والنفس هنا بمعنى الذات، يقال: أسلم وسلم واستسلم سواء. " وألجأت ظهرى إليك " بمعنى: توكلت عليك واعتمدت فى أمرى عليك، كما يعتمد الرجل بظهره لما يسنده إليه.
стр. 4641
مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِى أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِى أَرْسَلْتَ. واجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرِ كَلامِكَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتَكَ، مُتَّ وَأَنْتَ عَلَى الْفِطَرَةِ ".
قَالَ: فَرَدَّدْتهُنَّ لأَسْتَذْكِرهُنَّ فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِى أَرْسَلْتَ. قَالَ: " قُلْ: آمَنْتُ بِنَبِيِّكَ الَّذْى أَرْسَلْتَ ".
(...) وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ - يَعْنِى ابْنَ إِدْرِيسَ - قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنًا عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّ مَنْصُوراً أَتَمُّ حَدِيثًا. وَزَادَ فِى حَدِيثِ حُصَيْنٍ: " وَإِنْ أَصْبَحَ أَصَابَ خَيْرًا ".
٥٧ - (...) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو دَاوُدَ، قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلاً - إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ - أَنْ يَقُولَ: " اللهُمَّ، أَسْلَمْتُ نَفْسِى إلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِى إِلَيْكَ، وَأَلْجَأتُ ظَهْرِى إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِى إِلَيْك، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِى أَنْزَلْتَ، وبِرَسُولِكَ الَّذِى أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مَاتَ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ " وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ بَشَّارٍ فِى حَدِيثِهِ: مِنَ اللَّيْلِ.
٥٨ - (...) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ: " يَا فُلان، إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ "
ــ
وقوله: " رغبة ورهبة ": أى طمعاً فى ثوابك، وخوفاً من عقابك.
وقوله: " اللهم لك أسلمت نفسى. فإنك إن مت من ليلتك مت وأنت على الفطرة ": الفطرة: الإسلام، والمراد هنا به وإن كان لم يزل مسلماً فيما قيل، نحو ما روى عن ابن عباس: " لا تنامن إلا على وضوء، فإن الأرواح تبعث على ما قبضت عليه "، ويكون معنى " مت على الفطرة ": أى على الإسلام، نحو ما جاء فى الحديث: " من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة " (١) بدليل قوله: فى [هذا] (٢) الحديث: " واجعلهن من آخر كلامك ".
стр. 4642
بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ. غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: " وَبِنَبِيِّكَ الَّذِى أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، مُتَّ عَلَىَ الْفِطْرَةِ، وَإنْ أصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا ".
(...) حدثنا ابْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاق؛ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ بْن عَازِبٍ يَقُولُ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً. بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: " وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا ".
٥٩ - (٢٧١١) حدثنا عُبَيْدُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى السَّفَرِ، عَنْ أَبِى بَكُرِ بْنِ أَبِى مُوسَى، عَنِ الْبَرَاءِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: "اللهُمَّ، بِاسْمِكَ أَحْيَا، وباسْمِكَ أَمُوتُ ". وَإذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِى أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أمَاتَنَا، وَإلَيْهِ النُّشُورُ ".
ــ
وقوله: " وإن أصبحت أصبت خيراً " أى: أخذت من الأجر بنصيب وافر، وحصلت من العمل الصالح والخير ذخراً غير ناقص.
وقوله: فرددتهن لأستذكرهن، فقلت: آمنت برسولك الذى أرسلت، فقال: " قل: آمنت بنبيك الذى أرسلت ": فيه العرض على العالم ما علمه ولقنه، واستذكار ما سمعه ورواه.
قال الإمام: يحتمل أن يكون أراد ﵇ أن يقول ما علمه من غير تغيير وإن كان المعنى لا يختلف فى المقصود، ولعله ﷺ أوحى إليه بهذا اللفظ فاتبع ما أوحى إليه به، لأنه لا يغير ما أوحى إليه به، لاسيما والموعود به على هذه الدعوات أمر لا يوجبه العقل وإنما يعرف بالسمع، فينبغى أن يتبع السمع به على ما وقع. على أن قوله: " ورسولك الذى أرسلت " لا يفيد من جهة لفظه إلا معنىً واحداً وهو الرسالة، وقوله: " ونبيك الذى أرسلت " يفيد من جهة نطقه النبوة والرسالة. وقد يكون نبى ليس برسول. واعتمد على ما قلناه من اتباع اللفظ المسموع من الشرع، وإنما ذكرنا هذا الفرق ليشير إلى معنى ما يفترق فيه اللفظان.
قال القاضى: وقيل: بل خص هذا اللفظ ليشعر أنّ المراد به محمد ﷺ ؛ إذ (١) قوله: " ورسولك الذى أرسلت " يعم جبريل وغيره؟ إذ ليس بنبى، وليس ما قال بالبين. وفيه حجة لمن لا يجيز الحديث بالمعنى إلا بلفظه، وقد تقدم الكلام فيه.
٦٣ - (...) وحدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبِى، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَتْ فَاطِمَةُ النَّبِىَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا. فَقَالَ لَهَا: " قُولِى: اللَّهُمَّ، رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ " بِمِثْلِ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ.
٦٤ - (٢٧١٤) وحدثنا إسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعِيدٍ المتنْبُرِىُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " إِذَا أَوَىَ أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلْيَأخُذْ دَاخَلَةَ إِزَارِهِ، فَليَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ، وَلْيُسَمِّ الله، فَإِنَّهُ لا يَعْلَمُ مَا خَلفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ فَلْيَضطجِعْ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، وَلْيَقُلْ: سُبْحَانكَ اللهُمَّ، رَبِّى بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِى، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِى فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بمَا تَحْفَظْ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ ".
(...) وحدثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " ثُمَّ ليَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّى وَضَعْتُ جَنْبِى، فَإِنْ أَحْيَيْتَ نَفْسِى فَارْحَمْهَا ".
٦٤ - (٢٧١٥) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِى أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِى لَهُ وَلا مُؤْوِى ".
ــ
وقوله: " أوى إلى فراشه ". أى انضم إليه، يقال بالمد والقصر. وقوله: " آوانا " ممدود، وقد ذكر فيه القصر أيضاً، وقد يكون معنى " وآوانا ": أى رحمنا. وقال فى الحديث الآخر: " حتى نأوى له " أى نرحمه [ونرق] (١) له.
وقوله: " فكم ممن لا مؤوى له ": أى لا راحم ولا عاطف عليه، أو يكون معناه على الوجه الأول: لا موطن له ولا مسكن يأوى إليه ويسكن إياه، وهو ضائع الأمر.
وقوله: " اللهم أنت خلقت نفسى وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها ": أى إنّ الكل منك وبقدرتك.
стр. 4645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: " الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ": يريد بالموت هنا: النوم. وأصل الموت فى كلام العرب: السكون، فنبه ﵇ بإعادة اليقظة بعد النوم على إثبات البعث بعد الموت. والنشور مصدر، أنشر الله الميت: إذا أحياه.
وحكمة الدعاء إذا أراد أن ينام - قدمناه - ليكون ذكر الله آخر كلامه، وفائدته إذا أصبح ليكون أول عمله تجديد الإيمان بالله وذكره، والاعتراف بأنّ الأمور كلها له وبيده، ويفتح يومه بالكلام الطيب.
وقوله: " فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه ": [أى] (١) طرف إزاره.
وقوله: " فإنه لا يدرى ما خلفه بعده على فراشه " أى صار عليه بعد قيامه عنه من الهوام، وما لعله يؤذيه، وكل من صار فى شىء بعد أمر فقد خلفه.
стр. 4646
(١٨) باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل
٦٥ - (٢٧١٦) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالا: أَخْبَرَنَا جَرِيِرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلالٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الأَشْجَعِىِّ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو بِهِ. قَالَتْ: كَانَ يَقُولُ: " اللهُمَّ، إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتَ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ ".
(...) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْن، عَنْ هِلالٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ دُعَاءٍ كَانَ يَدْعُو بِهِ رَسُولُ الله ﷺ . فَقَالَتْ: كَانَ يَقُولُ: " اللهُمَّ، إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَشَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ ".
(...) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىَّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ جَعْفَرٍ - كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَن حُصَيْنٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: " وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ ".
٦٦ - (...) وحدثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، عَنْ عَبْدَةَ ابْنِ أَبِى لُبَابَةَ عَنْ هِلالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان
ــ
وقوله: " أعوذ بك من شر ما علمت (١) وما لم أعمل ": أى من شر ما اكتسبته أو أتيته من عمل، وأعوذ من شر ما عملت وما لم أعمل يقتضى شراً فى الدنيا، أونسيته (٢) وإن لم أقصده أو فى الآخرة، ويكون قصده بذلك تعليم أمته ما يدعون به، ويجوز لهم الدعاء به وقد جاء فى بعض الروايات فى الكتاب فى حديث يحيى بن يحيى، وليست فى روايتنا: " من شر ما علمت وشر ما لم أعلم "، وهذا أيضاً له وجه بين. استعاذ من كل شر انتهى إليه علمه واطلع عليه أو لم يعلمه، وهو أعم فى الدعاء. وقد يكون قوله: " من شر ما علمت " أى بما علمت فأتيت وذكرته الآن، كما قال فى الحديث الآخر: " ما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به منى ".
стр. 4647
يَقُولُ فِى دُعَائِهِ: " اللهُمَّ، إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَشَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ ".
٦٧ - (٢٧١٧) حدثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِى ابْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: " اللهُمَّ، لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللهُمَّ، إِنِّى أَعُوذ بِعِزَّتِكَ، لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِى، أَنْتَ الْحَىُّ الَّذِى لا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ ".
٦٨ - (٢٧١٨) حدثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ وهْبٍ، أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ - إِذَا كَانَ فِى سَفَرٍ وَأَسْحَرَ - يَقُولُ: " سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللهِ وَحُسْنِ بَلائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا، عَائِذًا بِاللهِ مِنَ النَّارِ ".
٧٠ - (٢٧١٩) حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إسْحَاقَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: " اللهُمَّ، اغْفِر لى خَطيِئَتِى وَجَهْلِى، وَإِسْرَافِى فِى أمْرِى، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى. اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِى جِدِّى وَهَزْلِى، وَخَطَئِى وَعَمْدِى، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِى.
ــ
وقوله: " كان إذا كان فى سفر فأسحر ": أى قام فى السحر وركب فى السحر، أو انتهى فى سيره إلى السحر، وهو آخر الليل.
وقوله: " يقول: سمع سامع بحمد الله وحُسن بلائه علينا " أى بلغ من سمع قولى وقال مثله، ودعا بمثل ما دعوت به، تنبيهاً لهم على الذكر والدعاء فى ذلك الوقت. وضبطه الخطابى (١): " سمع سامع " قال: ومعناه: شهد شاهد، أى استمع سامع وشهد شاهد بحمدنا ربنا على نعمه. وكذا ضبطه بعض رواة مسلم.
وقوله: " اغفر لى خطيئتى وجهلى، وإسرافى [فى] (٢) أمرى، وما أنت أعلم به منى. اللهم، اغفر لى جدى وهزلى وخطئى وعمدى، وكل ذلك عندى " الحديث: اعترافًا منه ﵇ وتواضعًا لربه واستكانة وعبادة بالدعاء، وشكرًا لربه، وقد علم
стр. 4648
اللهُمَّ، اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِه مِنِّى، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ".
(...) وَحَدَّثْنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ.
٧١ - (٢٧٢٠) حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ، عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ الْقُطَعِىُّ، عَنْ عبْدِ الْعَزِيزِ بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " اللهُمَّ، أَصْلِحْ لِى دِينِى
ــ
أنه مغفور له ما تقدم وما تأخر، ومثله قوله: " اغفر لى ما قدمت وما أخرت ". وقيل: يحتمل على ما كان منه على سهو وغفلة، وقد يحتمل: ما تقدم وأخّر مما مضى، ويحتمل أن يريد بقوله: " خطئى وجهلى، وإسرافى " ما كان قبل النبوة، وقد يحتمل أن يقال فيه ما قيل فى قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (١)؛ أن المتقدم ذنب أبيه آدم، والمتأخر ذنوب أمته.
وقوله: " أنت المقدم وأنت المؤخر ": قيل: معناه: المنزل للأشياء منازلها، يقدم منها ما شاء من مخلوقاته ويؤخر، وقدم من شاء من عباده بتوفيقه، وأخر من شاء بخذلانه.
وقوله: " لك أسلمت، وبك آمنت ": أى لك انقدت وأطعت، وبك صدقت. وظاهر هذا التفريق بين الإسلام والإيمان، وقد تقدم الكلام فيه فى أول الكتاب.
وقوله: " وإليك أنبت ": أى تبت ورجعت بهمتى وطاعتى، وانصرفت عن الالتفات إلى غيرك وعن مخالفتك. والإنابة: الرجوع.
وقوله: " بك خاصمت ": قيل: يحتمل من خاصمه فيه وحاكمه بلسان أو سيف، قال الله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَق﴾ (٢) وقال: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ (٣)، وما جاء فى هذه الأدعية مما هو على سجع يحتج به فى إجازة السجع فى الدعاء والذكر وأن ما كره منه ما جاء بتكلف وشغل بين بطلبه؛ لأن الشغل به يذهب الإخلاص والخشوع، ويلهى عن الضراعة وفراغ القلب، أو على ما يأتى من نوع سجع الكهان الذى ذمه ﵇. وأما ما جاء من نمط كلامه السهل البليغ المستعذب الذى يلقيه الطبع، فهو مستحسن غير مذموم، كقوله: " رب آتِ نفسى تقواها وزكها، وأنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها ".
стр. 4649
الَّذِى هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِى، وَأَصْلِحْ لِى دُنْيَاىَ الَّتِى فِيهَا مَعَاشِى، وَأَصْلِحْ لِى آخِرَتى الَّتِى فِيهَا مَعَادِى، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِى فِى كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِى مِنْ كُلِّ شَرٍّ ".
٧٢ - (٢٧٢١) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " اللهُمَّ، إِنِّى أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالْتُقَى، والْعَفَافَ وَالْغَنَى ".
(...) وحدثنا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنْ ابْنَ الْمُثَنّى قَالَ فِى رِوَايَتِهِ: " وَالْعِفَّةَ ".
٧٣ - (٢٧٢٢) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ ابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ نُمَيْرٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ؛ وَعَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: لا أَقُولُ لَكُمْ إِلا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: كَانَ يقُولُ: " اللهُمَّ، إِنِّى
ــ
وقوله: " أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع " وقوله: " لا إله إلا الله، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شىء بعده ". ومعنى قوله: " نفس لا تشبع ": استعاذة من الطمع والحرص على الدنيا، وتعليق (١) النفس بالآمال منها.
وقوله: " أنت الأول فليس قبلك شىء، وأنت الآخر فليس بعدك شىء ": هذا تفسير معنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِر﴾ (٢).
وقوله: " [وأنت] (٣) الظاهر فليس فوقك شىء، و [أنت] (٤) الباطن فليس دونك شىء ": هذا تفسير أن معنى قوله: " الظاهر " أنه من العلو أو الغلبة والقدرة، قال الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٥). وقيل: معناه: الظاهر بالحجج والدلائل، والباطن: المحتجب عن أبصار الخلقِ. وقيل: الظاهر والباطن: القاهر لما ظهر وبطن، قال الله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِين﴾ (٦) أى غالبين قاهرين. وقيل: الظاهر إخبار عن قدرته، والباطن إخبار عن علمه وحكمته. وقيل: الظاهر لقوم فوجدوه، والباطن عن آخرين فجحدوه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى حاله، وأن السهم لا يستقيم الرمى به حتى يسدد ويستقيم. " وهادى الطريق " كذلك، لا يزيغ يميناً ولا شمالاً؛ فلذلك يجب أن يكون عمله فى الاستقامة والتحفظ عن ذلك الزيغ عن السنة، وليتذكر بتلك الألفاظ لئلا ينساها.
وقوله: " ربنا صاحبنا وأفضل علينا " (١): أى احفظنا واكفنا ما يضرنا، وهو معنى حقيقة الصحبة، كما يقال: الله معك.
وقوله: " عائذاً بالله من النار " (٢) انتصب على الحال.
стр. 4653
(١٩) باب التسبيح أول النهار وعند النوم
٧٩ - (٢٧٢٦) حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِى عُمَرَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن عَبْدِ الَرَّحْمَنِ - مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ - عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِىَ فِى مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِىَ جَالِسَةٌ. فَقَالَ: " مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِى فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ ". قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ ".
ــ
وقوله: " سبحان الله وبحمده " إلى قوله: " ومداد كلماته " بكسر الميم، قيل: مثلها ومقدارها وعددها. وقيل: معناه: مددها والمداد مصدر كالمدد، أى الطول والكثرة، وهو هنا مجاز؛ إذ كلمات الله لا يأخذها قدر يقدر، ولا زمان، وإنما المتنصود بهذا المبالغة فى الكثرة لأنه ذكر أولاً ما يأخذه العدد الكثير من عدد الخلق وزنة العرش، ثم عدل إلى ما هو أكثر من ذلك فعبر عنه بهذا، أى ما لا يحصيه عدد كما لا يحصى كلمات الله، وهذا مثل قوله: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١) قيل: كلماته هنا: علمه. وقيل: كلامه.
وقوله: " وزكها أنت خير من زكاها ": أى طهرها. " وخير " هنا ليست للمفاضلة، لكن لإثبات أنّه لا مزكى لها سواه، كما قال بعد: " أنت وليها ومولاها ".
وقوله لفاطمة حين أتته تسأله خادمًا، وتشتكى ما تلقى من الرحاء، وتشفعها بعائشة فى ذلك، وقول النبى ﷺ : " ألا أدلكما على ما هو لكما خير من ذلك، تسبحين ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبرين أربعاً وثلاثين، إذا أخذت مضجعك ": ظاهره أن النبى أعلمهم أن عمل الآخرة على كل حال أفضل من أمور الدنيا، وهذا ما لا شك فيه، وإنما قصد النبى [هذا] (٢) لما لم يمكنه الخادم التى سألت، كما قال فى الحديث الآخر: " ما ألفيته عندنا "، ثم علمهما إذا فاتهما ما طلباه ذكرًا يحصل لهما به أجر أفضل مما سألاه وهذا معنى الحديث.
ولا وجه لمن استدل به على أنّ الفقر أفضل لأنّ النبى إنما عدل لهما عن الخادم إلى
стр. 4654
(...) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى رِشْدِينَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ قَالَتْ: مَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ صَلَّى صَلاةَ الْغَدَاةِ أَوْ بَعْدَ مَا صَلَّى الْغَدَاةَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ الله زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ ".
٨٠ - (٢٧٢٧) وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى لَيْلَى، حَدَّثَنَا عَلِىٌّ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى فِى يَدِهَا، وَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ سَبْىٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، وَلَقِيَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا. فَلَمَّا جَاَءَ النَّبِىُّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةَ بِمَجِىءِ فَاطِمَةَ إِلَيْهَا. فَجَاءَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعنَا، فَذَهبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " عَلَى مَكَانِكِمَا "، فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى صَدْرِى. ثُمَّ قَالَ:
ــ
الذكر، ومنعهما الخادم، فاختار لهما ما هو أفضل، فقد قلنا: العلة لمنعهما أنه لم يجدها عنده. وفيه ما كانوا عليه أول الإسلام من شظف العيش، وقلة ذات اليد وفيه خدمة المرأة زوجها وأمر بيتها.
وقد اختلف أئمتنا فيما على الزوجة من ذلك. فقيل: لا يلزمها من ذلك شىء غير التمكين من نفسها، كانت غنية أو دنيئة (١) حكاه ابن خويز منداد (٢) من أصحابنا. وقيل: ليس ذلك على الغنية والشريفة، ويلزم الدنية أو زوجة المعسر من ذلك ما كان فى البيت من كنس، أو فرش وطبخ قدر، وشبهه هو الذى فى كتاب ابن حبيب (٣) وغيره.
النَّبِىَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا، وَشَكَتِ الْعَمَلَ. فَقَالَ: " مَا أَلْفَيْتِيهِ عِنْدَنَا ". قَالَ: " أَلا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ خَادِم؟ تُسبِّحِينَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ، حِينَ تَأخُذِينَ مَضْجَعَكِ ".
(...) وَحَدَّثَنيهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وَهِيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
ــ
عن النبى ﵇ فيها أحاديث مختلفة، وذلك بحسب أحواله ﵇ واختلاف الأوقات، فيخص كل حالة ووقت بما يطابقه من الدعاء، وكذلك يختلف أحوال الداعين، وأنه ليس فيها شىء معين وفى كل فضل، وقد يدل اختلافها على الإشعار بأنها ندب غير واجبة، وأن العبد موسع فى قول ما شاء من ذلك.
стр. 4657
(٢٠) باب استحباب الدعاء عند صياح الديك
٨٢ - (٢٧٢٩) حدثنى قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَها رَأَتْ مَلَكًا. وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْشَّيْطَان، فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا ".
ــ
وقوله: " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكًا " وذلك - والله أعلم - لتأمين الملائكة على دعاء بنى آدم، واستغفارهم له فرحًا ببركة ذلك، وحسن عون الملك به، إذا دعا بحضرته بالتأمين والاستغفار له، وإشهاده له بالتضرع إلى الله والإخلاص.
وقوله: " أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى " (١) ويروى: " والعفة "، والعفاف: هو التنزه عما لا يباح والكف عنه، والغنى: هو غنى النفس والاستغناء عما فى أيدى الناس.
стр. 4658
(٢١) باب دعاء الكرب
٨٣ - (٢٧٣٠) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنى وَابْنُ بَشَّارٍ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ - وَاللَّفْظُ لابْنِ سَعِيدٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى الْعَالِيِة، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: " لا إِلَهَ إِلا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لا إِلهَ إِلا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، لا إِلهَ إِلا اللهُ رَبُّ السَمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ ورَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ ".
(...) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَحَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ أَتَمُّ.
ــ
وقوله: " كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم [لا إله إلا الله] (١) رب العرش العظيم، لا إله إلا هو رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم ": قال الطبرى: كان السلف يدعون بهذا الدعاء، ويسمونه دعاء الكرب.
فإن قيل: فليس فى هذا الدعاء إلا ذكر؛ من تسبيح (٢) وتهليل. قيل: يحتمل تسميته دعاء المعنيين.
أحدهما: أنّ هذا الذكر به يستفتح الدعاء، ثم يدعو من بعده ما شاء، وقد جاء مثل هذا مفسرًا كذلك فى بعض الطرق: " ثم يدعو ".
والمعنى الثانى: قول ابن عيينة، وقد سئل عن هذا، فقال: أما علمت أنّ الله يقول: " إذا شغل عبدى بثنائه علىَّ عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين "، وقد قال أمية (٣) بن أبى الصلت:
إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء
стр. 4659
(...) وحدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادةَ؛ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِىَّ حَدَّثهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ، وَيَقُولُهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ ".
(...) وحدثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنِى يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنُ الْحَارث، عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، قَالَ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ. وَزَادَ مَعَهُنَّ: " لا إِلَهَ إِلا اللَّه رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ ".
ــ
وقوله: " كان إذا حزبه أمر ": أى غلبه وألم به وشغله.
قال بعض المتكلمين على المعانى: هذه الفضائل التى جاءت فى هذه الأذكار إنما هى لأهل الشرف فى الدين والطهارة من الكبائر، دون المصرين وغيرهم. وفيما قاله نظر، والأحاديث عامة. ولو قال: لمن قالها معظمًا لربه مخلصًا من قلبه، نيته صادقة مطابقة لقوله، كان أولى.