← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

يُعَذِّبَنِى. قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، وَربِّى. فَقَالَ الله: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُك. قَالَ: فَمَا تَلاَ فَاهُ غَيْرُهَا ". ٢٨ - (...) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ حِبيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا مُعتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ لِى أَبِى: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، كِلاَهُمَا عَنْ قَتَادَةَ. ذَكَرُوا جَمِيعًا بِإِسْنَادِ شُعْبَةَ نَحْوَ حَدِيثِهِ. وَفِى حَدِيثِ شَيْبَانَ وَأَبِى ــ ماله ناميًا كثيرًا، ولذلك هو فى الحسب وغيره. وأما قوله فى بعض طرقه: " فلم يبتئر، عند الله خيراً " قال مسلم: فسرها قتادة: لم يدخر عند الله خيرًا. وفى بعض طرقه: " ما ابتار عند الله خيرًا "، وفى بعض طرقه: " ما امتأر " بالميم، قال الهروى (١): " لم يبتهر خيرًا ": أى لم يقدم [حسنة] (٢) خيرًا لنفسه ولم يدخرها، يقال: بأرت الشىء وابتأرته، إذا ادخرته وخبأته، ومنه قيل للحفرة: البؤرة، ويقال أيضاً: ائتبرت بمعنى. قال القاضى: أكثر روايات شيوخنا فيه فى حديث عبيد الله بن معاذ: " لم أبتهر " بالهاء، وعند ابن ماهان: " ابتأر " بالهمزة كما تقدم، وهو المعروف، لكن قد تبدل الهمز من الهاء والهاء منها، فإن صحت الرواية فتخرج على هذا، كما تأولوا رواية: " امتأر " بالميم أنها مبدلة من الباء. وقوله فى حديث معاذ هذا: " وإن الله يقدر على أن يعذبنى " كذا الرواية عند جميعهم، وفى الكلام تلفيف، فإن أخذ على ظاهره ونصب الاسم العزيز وكان يقدر موضع خبر إن، استقام اللفظ وصح المعنى، لكنه مخالف لما تقدم من قوله قبل فى صورة شك فى ذلك وتردده. قال بعض المشايخ: صواب الكلام بإسقاط " إن " الآخرة وتخفيف "إن " الأولى ورفع الاسم، وكذلك قيدناه عن بعضهم، فيكون: وإن الله يقدر على تعذيبى، وتوافق قوله فى سائر الروايات: " فإن قدر الله على عذبنى ". وقوله بعده: " فأخذ منهم ميثاقاً، ففعلوا ذلك به وربى ". كذا فى كتاب مسلم على القسم من المخبر بذلك عنهم على صحة ما ذكر، وفى البخارى: " فأخذ منهم ميثاقاً وربى، ففعلوا ذلك به " (٣). قال بعضهم: وهو الصواب.

стр. 4692

عَوَانَةَ: " أَنَّ رَجُلاً مِنَ النَّاسِ رَغَسَهُ الله مَالاً وَوَلَدًا ". وَفِى حَدِيثِ التَّيْمِىِّ: " فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئرْ عِنْدَ الله خَيْرًا ". قَالَ: فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا. وَفِى حَدِيثِ شَيْبَانَ: " فَإِنَّهُ، والله، مَا ابْتَأَرَ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا ". وَفِى حَدِيثِ أَبِى عَوَاَنَةَ: " مَا امْتَأَرَ " بِالْمِيمِ. ــ قال القاضى: وكلاهما عندى متقارب فى المعنى والقسم، ووجدته فى بعض نسخ مسلم، ولم يكن عند أحد من شيوخنا إلا فى أصل القاضى التميمى صت طريق ابن الحذاء: " وفعلوا ذلك وذرى "، فإذا صحت هذه الرواية فهو وجه الكلام، لأنه قد أمرهم فى الحديث أن يذروه فى الريح، وتكون الذال قد سقطت على [الكاتب] (١) للحديث فتغير اللفظ، ويكون " وربى " قد غير من لفظ اشتق من الرباب بالكسر وهو العهد، أى أخذ منهم ميثاقًا وعهدًا. والإربة، بكسر الراء وتشديد الباء: المعاهدون. وقد رأيت بعض الشارحين مال إلى تفسير الحرف بهذا، لكنه لم يقدم الحرف على هذا، والله أعلم. وذكر ابن شهاب بإثر حديثه بغير هذا الحديث: " دخلت امرأة النار فى هرة " الحديث (٢)، قد فسرناه قبل. وقوله: " آخره لئلا يتكل رجل ولا ييأس " لا ذكر الحديث الأول وفيه من رحمة الله لهذا الذى أسرف وجهل صفة ربه، خشى على سامعيه الاتكال والاعتماد على الرجاء، وتعطيل الأعمال، فجاء فى الحديث الآخر [الخوف بعذاب الهرة لأجل هذه ربطتها] (٣)، فظاهر الأمر أنه من صغائر الذنوب (٤) ليمزج الرجاء بالخوف ليعتدل حال المطيع. فعبادة الخلق لله بين الرجاء والخوف، وهكذا يجب للواعظ والمذكر مزج أمره ومعاناة ذكره، ويكون الغالب التخويف؛ لأن النفوس إلى الرجاء والدعة أميل، ومن العمل والتكاليف أثقل.

стр. 4693

(٥) باب قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة ٢٩ - (٢٧٥٨) حدّثنى عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى عَمْرَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ فِيمَا يَحْكِى عَنْ رَبِّهِ قَالَ: " أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللهُمَّ، اغْفِرْ لِى ذَنْبِى. فَقَالَ: بَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِى ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأخُذ بالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَىْ رَبِّ، اغْفِرْ لِى ذَنبِى. فَقَالَ: بَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِى أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَىْ رَبِّ، اغْفِرْ لِى ذَنْبِى. فَقَالَ: بَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِى ذَنْبًا، فَعَلِمَ أن له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأخُذُ بِالذَّنبِ. اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ ". قَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: لاَ أَدْرِى أَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: " اعْمَلْ مَا شِئْتَ ". (...) قَالَ أَبُو أَحْمَدَ: حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُوَيةَ الْقُرَشِىُّ الْقُشَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرسِىُّ، بَهذَا الإِسْنَادِ. ٣٠ - (...) حدّثنى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِى أَبُو الْولِيدِ، حَدَّثَنَا همَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، قَالَ: كَان بِالْمَدِينَةِ قَاصٌّ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى عَمْرَةَ. قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا " بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. وَذَكَرَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ: " أَذْنَبَ ذَنْبًا ". وَفِى الثَّالِثَةِ: " قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِى فَليَعْمَلْ مَا شَاءَ ". ٣١ - (٢٧٥٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الله يَبْسُط يَدهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِىءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ ــ وقوله: " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب

стр. 4694

مُسِىءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ منْ مَغْرِبِهَا ". (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ــ مسىء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها "، قال الإمام: المراد بهذا القبول على التائب؛ لأنه قد جرت العادة أن الإنسان إذا نول ما يقبله بسط يده إليه، وإذا رأى من يحبه بسط يده إليه، وإذا نول ما يكره قبض يده عنه. فخاطب العرب من حيث تفهم، وذكر أمثالاً محسوسة ليوكد معنى ما يريده فى النفس وأما يد الجارجة فمستحيلة على الله - سبحانه. والبسط والقبض من صفات الأجسام، واليد قد تطلق فى اللغة على النعمة، وهذا المعنى الشهور فى اللسان يقارب ما قلناه؛ لأن ما يقبله - سبحانه - من قبول توبة عباده من إحدى نعمه عليهم، وكذلك ما يفعله من النعم بالتائبين. وأما إثبات اليدين لله - سبحانه - من غير أن تكون يدى جارجة، بل صفتين من الصفات قديمة أزلية فأثبتهما القاضى أبو بكر بن الطيب وغيره من أئمتنا؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١)، فأثبت اليدين هنا صفتين قديمتين، لأن صرف اليد هاهنا عنده إلى النعمة لا يليق بهذا الموضع؛ لأن النعمة مخلوقة ولا يخلق مخلوق بمخلوق، وصرفها إلى القدرة يمنع منه التثنية، والقدرة واحدة بلا خلاف. وأبو المعالى مال إلى نفى ذلك، وحمل القرآن على التجوز، وأن المراد أن الله - سبحانه - خلق آدم بغير واسطة، بخلاف غيره من بنيه، فكنى عن ذلك بأنه خلقه بيديه؛ لأنا إذا لم يكن بيننا وبين ما يكون من الأفعال وسائط عبر عن ذلك بأن يقال: فعلته بنفسى، وتوليته بيده. والقصد تميز آدم بالاختصاص. وقد يجمع الشىء تفخيماً وإن كان واحدًا، والعرب تفعل ذلك وهذا المعنى سلك الأئمة فى هذه الآية. وإن قلنا بإثبات اليد على طريقة القاضى، فلابد من تأويل الحديث على نحو ما قلناه لذكر البسط فيه، وإنما يبقى النظر فى معنى اليد وإضافة هذا الأمر إليها. قال القاضى: وقيل (٢) يحتمل أن اختصاصه النهار هنا والليل - وإن كانت التوبة مقبولة أى وقت كانت - فالمراد بذلك أوقات مخصوصة كثلث الليل، وبعد الزوال، والوقتين المشهودين وحضرة النداء؛ لما جاء من أن أبواب السماء تفتح فيها.

стр. 4695

(٦) باب غيرة الله تعالى، وتحريم الفواحش ٣٢ - (٢٧٦٠) حدّثنا عُثْمَان بْنُ أبِى شَيْبَةَ وَإسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - قَالَ إسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ - حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ الله، مِنْ أجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أحَدٌ أغْيَرَ مِنَ الله، مِنْ أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ ". ٣٣ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظ لَهُ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لاَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ الله، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَا حِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ الله ". ٣٤ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: سَمِعْت عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ - قُلْتُ لَهُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ الله؟ قَالَ: نَعَمْ. وَرَفَعَهُ - أَنَّهُ قَالَ: " لاَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ الله، وَلذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِن الله، وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ ". ٣٥ - (...) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِليْهِ الْمَدْحُ مِنَ الله ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ الله، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ الله، مِنْ أَجْلِ ــ وتقدم الكلام على قوله: " ليس أحد أغير من الله " (١) وقد جاء فى نفس الحديث تفسير غيرة الله بما رفع الإشكال فى رواية عمرو الناقد قال: " وغيرة الله أن يأتى المؤمن ما

стр. 4696

ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ ". ٣٦ - (٢٧٦١) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّهَ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِى عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إنَّ الله يَغارُ، وَإنَّ المُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ الله أنْ يَأتِىَ المُؤْمِن مَا حَرَّمَ عَلَيهِ ". (٢٧٦٢) قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ، أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أنَّ أسْمَاءَ بِنْتَ أبِى بَكْرٍ حَدَّثَتْهُ، أنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " لَيْسَ شَىْءٌ أغْيَرَ مِنَ الله ". (٢٧٦١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أبَان بْنُ يَزِيدَ وَحَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى بنِ أبِى كَثِيرٍ، عَنْ أبِى سَلَمَةَ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ رِوَايَةِ حَجَّاج. حَدِيثَ أبِى هُرَيْرَةَ خَاصَّةً. وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ أسْمَاءِ. ٣٧ - (٢٧٦٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِى بَكْرٍ المُقَدِّمِىُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِى كَثِيرٍ، عَنْ أبِى سَلَمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أسْمَاءَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أنَّهُ قَالَ: " لا شَىْءَ أغْيَرُ مِنَ الله ". ٣٨ - (٢٧٦١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنِ العَلاء، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: " المُؤْمِنُ يَغَارُ، وَالله أشَدُّ غَيْرًا". ــ حرم عليه " أى: منعه ذلك وتحريمه له. وقوله: " والله أشد غيرة ": الغير والغار والغيرة بمعنى واحد، كله بفتح الغين، وقيل: معنى " لا شىء أغير من الله ": يحتمل ألا ينبغى لشىء ألا يكون أغير منه فيتعدى بأخذه، فى ذلك، ويبطش من يجده فيما يكره لحينه بما لا يجب، دون المجىء بما حده الله من البينة، ويعجل بالعقوبة، والله تعالى يعذر ويمهل، ولذلك ذكر بعده: " ولا أحد أحب إليه العذر من الله " والله أعلم. وقد كان منه ﵇ هذا الكلام بإثر قول سعد ما قال: لأضربنه بالسيف غير مصفح.

стр. 4697

(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ العَلاءَ، بِهَذَا الإسْنَادِ. ــ وفى قوله: " ليس أحد أحب إليه المدح من الله " فيه تنيه على عظم الثواب وكثرة الرغبة فى تسبيح الله وتقديسه، والثناء عليه واجب هنا على ما تقدم من إرادة الثواب [للحامد له] (١) والمثنى عليه والمحمد، وإنما يجب ذلك منه ويأمرهم به ويريهم أجرهم عليه. وقوله: " لا أحد أحب إليه العذر من الله ": يحتمل أن يريد للإعذار والحجة، قال الله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ (٢) وكذلك قال بعده: " من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل " وِيحتمل أن يريد به الاعتذار من خلقه إليهم؛ لعجزهم وتقصيرهم فيغفر لهم، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٣).

стр. 4698

(٧) باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ ٣٩ - (٢٧٦٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الجَحْدَرِىُّ، كِلاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ - وَاللَّفْظ لأبِى كَامِلٍ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا التيْمِىُّ، عَنْ أبِى عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ؛ أنَّ رَجُلاً أصَابَ مِنِ امْرَأةٍ قُبْلَةً، فَأتَى النَّبِىَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (١) قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: ألِىَ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتى ". ٤٠ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الأَعْلَى، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ، عَنْ أبِىهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعودٍ، أنَّ رَجُلاً أتَى النَّبِىَّ ﷺ فَذَكَرَ أنَّهُ أصَابَ منِ امْرَأةٍ إِمَّا قُبْلَةً، أوْ مَسًّا بِيَدٍ، أوْ شَيْئًا. كأنَّهُ يَسْألُ عَنْ كَفَّارَتِهَا. قَالَ: فَأنْزَلَ اللهُ . ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ. ٤١ - (...) حدّثنا عُثْمَانَ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيْمِىِّ، بِهذا الإسْنَادِ. قَالَ أصابَ رَجُلٌ مِنِ امْرَأَة شَيْئًا دُونَ الفَاحِشَةِ، فَأتَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَعَظَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أتَى أَبَا بَكْر فَعَظَّمَ عَلَيْهِ، ثمَّ أتَى النَّبِىَّ ﷺ . فَذَكًرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ وَالمُعْتَمِرِ. ــ وقوله: فى الذى أصاب من امرأة قبلة، فذكر ذلك للنبى ﷺ ، فنزلت: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ الآية، وفى الحديث الآخر: " أصاب من امرأة دون الفاحشة "، وفى الحديث الآخر: " عالجت امرأة فى أقصى المدينة، وإنى أصبت منها ما دون أن أمسها ": يريد بالمعالجة التناول منها، ولكن بمدافعة ومشقة والمعالجة: المصارعة. وقوله: " ما دون أن أمسها " يريد به: الجماع، بدليل الحديث الذى قبله. والمس والمساس: الجماع، قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٢). واختلف الناس فى معنى قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهْبِنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فعن جماعة من الصحابة والتابعين: أن المراد بالحسنات: الصلوات، بدليل أول الآية. قالوا: والصلاة كفارة لصغار الذنوب، ودل أن القُبلة وشبهها من الصغائر المكفرة بذلك، وقد جاء فى

стр. 4699

٤٢ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّى عَالَجْتُ امْرَأةً فِى أَقْصَى المَدِينَةِ، وَإنَّى أصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أنْ أمَسَّهَا، فَأنَا هَذا، فَاقْضِ فِىَّ مَا شِئْتَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ، لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ. قَالَ: فَلَمْ يَرُدّ النَّبِىُّ ﷺ شَيْئًا. فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ، فَأتْبَعَهُ النَّبِىُّ ﷺ رَجُلاً دَعَاهُ، وَتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (١) فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَوْمِ: يَا نَبِىَّ اللهِ، هَذا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: " بَلْ للِنَّاسِ كَافَّةً ". ٤٣ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ العِجْلِىُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ خَالِهِ الأسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ أبِى الأحْوَصِ. وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ: فَقَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا لِهَذا خَاصَّةً، أوْ لَنَا عَامَّةً؟ قَالَ: " بَلْ لَكُمْ عَامَّةً ". ٤٤ - (٢٧٦٤) حدّثنا الحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِى طَلْحَةَ، عَنْ أنَسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أصَبْتُ حَدًّا فأقِمْهُ عَلَىَّ. قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّى أصَبْتُ حَدًّا فَأقِمْ فِىَّ كِتَابَ اللهِ. قَالَ: " هَلْ حَضَرْتَ الصَّلاةَ مَعَنَا؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " قَدْ غُفِرَ لَكَ ". ــ الحديث الآخر أنها " كفارة لمن اجتنب الكبائر " (٢) وروى عن مجاهد حسنات هنا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. قال الطبرى: والصواب قول من قال: إنها الصلوات الخمس؛ لثبوت الخبر بذلك عن النبى ﵇. وقد مضى فى كتاب الإيمان (٣) الفرق بين الصغائر والكبائر، ومعنى تسميتها بذلك، وفى كتاب الصلاة ما تكفره الصلاة من الذنوب.

стр. 4700

٤٥ - (٢٧٦٥) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الجَهْضَمِىُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لزُهَيْرٍ - قَالا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى المسْجِدِ، وَنَحْنُ قُعُودٌ مَعَهُ، إذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ، إنِّى أصَبْتُ حدًّا، فَأقِمْهُ عَلَىَّ. فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ثُمَّ أعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ، إنِّى أصَبْتُ حدًّا، فَأقِمهُ عَلَىَّ. فَسَكَتَ عَنْهُ، وَأقِيمَتِ الصَّلاةُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ قَالَ أَبُو أمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ، وَاتَبَعْتُ رَسُولَ الله ﷺ أنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ. فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّى أصَبْتُ حدًّا، فَأقِمْهُ عَلَىَّ. قَالَ أَبُو أمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : " أرَأيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ، ألَيْسَ قَدْ تَوَضَّأتَ فَأحْسَنْتَ الوُضُوءَ؟ " قَالَ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " ثُمَّ ــ وفى قوله فى الحديث الآخر: " إنى أصبت حدًّا فأقمه علىّ " فسكت، إلى قوله: " أليس قد توضأت؟ " ثم قال: " وشهدت الصلاة معنا؟ ". قال: نعم. قال: " إن الله قد غفر لك حدك - أو قال - ذنبك " يحتمل أن هذا الحديث بمعنى الأول، وأن ذكر الحد هنا عبارة عن الذنب، لا [على] (١) حقيقة ما فيه حد من الكبائر. وقد أجمع العلماء أن التوبة لا تسقط حدًّا من حدود الله إلا الحرابة. فلما لم يحده النبى ﵇ حمله (٢) على أنه كان مما لا حد فيه، ولأن الصلاة إنما تكفر غير الكبائر. وقيل: هو على وجهه، وإنما لم يحده لأنه لم يفسر الحد فيما لزمه، فسكت عنه النبى ﷺ ولم يستفسره لئلا يجب عليه الحد. قالوا: وفيه حجة على ترك الاستفسار، وأنه لا يلزم ذلك للإمام إذا كان الكلام محتملاً والإقرار غير بين، طلباً [للتستر] (٣)، بل نبه عنه ﵇ المتنر فى غير هذا الحديث على الرجوع والنزوع عن قراره بقوله: " لعلك مسست أو قبلت " (٤) مبالغة فى الستر على المسلمين، وقد كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيمًا، صلوات الله عليه. واختلف فى معنى قوله: ﴿طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ (٥)، قيل: طرفاً النهار: الغداة والعشى، فالغداة الصبح، والعشى الظهر. وقيل: الظهر والعصر. وقيل: العشى والمغرب.

стр. 4701

شَهِدْتَ الصَّلاةَ مَعَنَا؟ " فَقَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَإنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ - أوْ قَالَ - ذَنْبَك ". ــ و ﴿وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾: قيل (١): هى المغرب والعشاء. وقيل: العشاء. وقد قرأ بعضهم ﴿وَزُلْفَى﴾ بسكون اللام مقصورة.

стр. 4702

(٨) باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله ٤٦ - (٢٧٦٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفُظُ لابْنِ المُثَنَّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أبِى الصِّدِّيقِ، عَنْ أبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ؛ أنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ قَالَ: " كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَألَ عَنْ أعْلَمِ أهلِ الأرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ. فَأتَاهُ فَقَالَ: إنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لا. فَقَتَلَهُ، فَكمَّلَ بِهِ مِائَةً. ثُمَّ سَألَ عَنْ أعْلَمَ أهْلِ الأرْضِ، فَدُلَّ ــ وقوله فى الذى قتل تسعة وتسعين، وسؤاله: هل له من توبة؟ وقول العالم له: نعم: هذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ أنّ التوبة تكفّر القتل كسائر الذنوب، وهو قول كافة السلف. وما روى عن بعضهم من خلاف ذلك فشديد فى الزجر وتورية فى القول، لئلا يجترئ الناس على الدماء. وقد اختلف فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (١) معناه: قتله مستحلاً لأجل إيمانه، وقيل معناه: جزاؤه جهنم إن جازاه. فيكون الخلود طول الإقامة لا التأبىد، وقيل: الآية فى رجل بعينه قتل رجلاً له عليه دم بعد أخذه الدية، ثم ارتد (٢). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (٣) تفسير مجملها، والآية الثانية التى فى الفرقان بقوله: ﴿إلاَّ مَن تَابَ﴾ (٤). وقول العالم له: " انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنه فيها [أناس] (٥) يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فيه الحض على مفارقة الإنسان المواضع التى أصاب فيها الذنوب والأقران الذين ساعدوه عليها، ومعاداتهم لله تعالى، مبالغة فى التوبة وقطع علائقها، والاستبدال [بذلك] (٦) صحبة أهل الخير والصلاح ومن يقتدى به، ويتأكد بمشاهدته توبته. وقوله: " حتى إذا نصف الطريق ": أى بلغ نصفه، يقال: نصف الماء وغيره الشجرة، أى بلغ نصفها. وقوله: " نأى بصدره ": أى نهض وتقدم ليقرب بذلك القدر من الأرض الصالحة. وأما قياسه إلى إحدى القريتين والحكم بذلك له بعد اختصام ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فيه فذلك - والله أعلم - علامة جعلها الله لهم عند اختلافهم مع

стр. 4703

عَلى رَجُلٍ عَالِمٍ. فَقَالَ: إنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إلى أرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإنَّ بِهَا أنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إلى أَرْضِكَ فَإنَّهَا أرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أتَاهُ المَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ، فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً مُقْبِلاً بقَلْبِهِ إِلَى اللَّه. وَقَالَتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ. فَأتَاهُمْ مَلكٌ فِى صُورَةِ آدَمِىٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأرْضَيْنِ، فإلَى أيَّتِهما كَانَ أدْنَى، فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أدنَى إلى الأرْضِ الَّتِى أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائكَةُ الرَّحَمَةِ ". قَالَ قَتَادةُ: فَقَالَ الحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا؛ أنَّهُ لَمَّا أتَاهُ المَوْتُ نَأى بِصَدرِهِ. ٤٧ - (...) حدّثنى عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا الصِّدِّيقِ النَّاجِىَّ، عَنْ أبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : " أنَّ رَجُلاً قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَجَعَلَ يَسْألُ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَة؟ فَأتَى رَاهِبًا فَسَألَهُ فَقَالَ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ، فَقَتَلَ الرَّاهِبَ. ثُمَّ جَعَلَ يَسْألُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ إلى قَرْيَةٍ فِيها قَوْمٌ صَالِحُونَ، فَلَمَّا كَانَ فِى بَعْضِ الطَّرِيقِ أدْرَكَهُ المَوْتُ، فَنأى بصَدْرِهِ، ثُمَّ مَاتَ. فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحَمَةِ وَمَلاِئكَةُ العَذَابِ، فَكَانَ إلى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا ". ٤٨ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أبِى عَدِىٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذا الإسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ مُعاذٍ. وَزَادَ فِيهِ: " فَأوْحَى اللهُ إلى هَذِهِ: أنْ تَبَاعَدِى، وَإلى هَذِهِ: أَنْ تَقَرَّبِى ". ٤٩ - (٢٧٦٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحيَى، عَنْ أبِى بُرْدَةَ، عَنْ أبِى مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، دَفَعَ اللهُ ــ عدم معرفة حقيقة باطنه التى اطلع الله عليها؛ لأنه عليم بذات الصدور، ولو تحققوا توبته هم لم يختلفوا ولا احتاجوا للمقايسة بالأرض، ألا ترى كيف قال: " فأوحى الله إلى هذه الأرض أن تباعدى، وإلى هذه أن تقربى " إذا كان تعالى عَلِمَ ما لم تعلم الملائكة. قوله فى آخر الحديث: " لكل مسلم فداؤه من النار ": حدثنا قتادة بهذا الإسناد نحو حديث عفان، وقال عون بن عقبة (١). كذا عند العذرى، وهو خطأ، والصواب ما عند

стр. 4704

عَزَّ وَجَلَّ إلى كُلِّ مُسْلِمٍ، يَهُودِيًّا أوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ ". ٥٠ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّان بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ؛ أَن عَوْنًا وَسَعِيدَ بْنَ أبِى بُرْدَةَ حَدَّثَاهُ؛ أنَّهُمَا شَهِدَا أَبَا بُرْدَةَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزيزِ عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، إلا أدْخَلَ اللهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرَانِيًّا ". قَالَ: فَاسْتَحْلَفَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ باللهِ الَّذِى لا إلَهَ إلا هُوَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ؛ أنَّ أبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ. فَحَلَفَ لَهُ. قَالَ: فَلَمْ يحَدِّثْنِى سَعِيدٌ إنَّهُ اسْتَحْلَفَهُ. وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى عَوْنٍ قَوْلَهُ. (...) حدّثنا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوَارِثِ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ عَفَّانَ. وَقَالَ: عَوْنُ ابْنُ عُتْبَةَ. ٥١ - (...) حدّثنا مُحَمدُ بْنْ عَمْرِو بْنِ عُبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا حَرَمِىُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةَ الرَّاسِبِىُّ، عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " يَجِىء يَوْمَ القِيامَةِ نَاسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أمْثَالِ الجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا الله لَهُمْ، وَيَضَعُها عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ". فِيمَا أحْسَبُ أنَا. ــ سائر الرواة: عون بن عتبة بالتاء، هو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أخو عبد الله ابن عتبة أحد السبعة الفقهاء. وقوله فى هذا الحديث: " يدفع الله إلى كل مسلم يهوديًّا أو نصرانيًّا، فيقال: هذا فكاكك من النار " وفى الحديث الآخر: " ما من مسلم يموت إلا أدخل الله مكانه النار يهوديًّا أو نصرانيًّا " وفى الآخر: " يأتى قوم بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى ": معنى ذلك: أن من استوجب النار لذنوبه من المؤمنين تفضل الله عليه برحمته، وغفر [له] (١) ذنوبه، وعافاه من النار، وإن من لم يكن أهلاً للعقوبة فهو معافى منها ابتداء لفضل الله، فإنما يصلاها الأشقى الذى كذّب وتولى، فهم أهلها وعوض هؤلاء الذين هم فى النعيم فتسميتهم فكاك لذلك. وقوله: " أدخل الله مكانه يهوديًّا أو نصرانيًّا " على هذا المعنى، إذ الكافر لابد له منها وهو مستحق للعقاب لنفسه لا بسبب غيره. وقوله: " ويضعها على اليهود والنصارى ": معناه - والله أعلم -: أنه يزيدهم

стр. 4705

قَالَ أَبُو رَوْحٍ: لا أدْرِى مِمَّنِ الشَّكُّ. قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَالَ: أبُوكَ حَدَّثَكَ هَذَا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. ٥٢ - (٢٧٦٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيم، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائىِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فى النَّجْوَى؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " يُدْنَى المُؤمِنُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ ، حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ. فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أىْ ــ عذاباً فوق العذاب لما كانوا يفسدون، ويخصهم بالعذاب على سوء أفعالهم دون المؤمنين، وإلا فلا تزر وازرة وزر أخرى، لكن لما أسقط الله هذه التباعات عن هذا المسلم، وأبقى تباعات الكافر وضاعف عذابه بكفره، وزاده فى ذلك بقدر ما كان يستحق المؤمن على ذنوبه - كان كمن عوقب بتلك الذنوب، وإلا فالأصل أنّ الله لا يعذب أحدًا إلا على ما اكتسبه، وقد خلق الله تعالى للنار أهلاً وللجنة أهلاً، وجعل لكل واحدة ملئها، كما جاء فى الحديث، [فالذى هى لكبارهم فكاك الذى غير للجنة، ولو شاء لقلب الأمر ولم يبال، كما جاء فى الحديث] (١)، ولكن تمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً، يفعل ما يشاء، فقوله على هذا: " هذا فكاكك من النار " وإلا أدخل الله مكانه يهوديًّا أو نصرانيًّا بيّن المعنى على ما قررناه، أى أنك خلقت للجنة وخلق هذا للنار مكانك [للجنة أنت المخلوق] (٢) وجعله هو ممن يملؤها وفك رقبتك أنت من ذلك [وخاصك] (٣) وجعلك ممن يملأ الجنة. وفكاك الشىء: خلاصه. وفكاك الرقبة: إخراجها من الرق [وتخليصها] (٤) للحرية. وكذلك فكاك الرهن: تخليصه من يد مرتهنه. وقوله: " يدنى المؤمن من ربه [يوم القيامة] (٥) حتى يضع عليه كنفه، فيقرره [بذنوبه] (٦)، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب، أعرف. قال: فإنى قد سترتها عليك فى الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم " الحديث، قال الإمام: الدنو هاهنا: دنو كرامة لا دنو مسافة؛ لأن البارى - سبحانه فى غير مكان، فلا يصح منه دنو مسافة ولا بعدها. والمراد بقوله: " حتى يضع عليه كنفه " أى: ستره وعفوه، وما يتفضل عليه به حينئذ. وقد صحفها بعض الرواة فرواها بالتاء، وهو تصحيف لا ينبغى أن يشغل (٧) به. وقد قال

стр. 4706

رَبِّ، أعْرِفُ. قَالَ: فَإنِّى قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِى الدُّنْيَا، وَإنِّى أغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ. وَأمَّا الكُفَّارُ وَالمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ: هَؤلاءِ الَّذِى كَذَبُوا عَلى اللهِ ". ــ بعض أهل العلم: لو كان ثابتاً لكان استعارة، وتأولناه كما تأولنا ما وقع فى أمثاله مما ذكر من أسماء الجوارح. قال القاضى: ذكر مسلم بعد هذا سنداً آخر لهذا الحديث فقال: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا ابن عدى، إلى آخر ما ذكر. وصح عند الكسائى والسجزى، وسقط لغيره هنا.

стр. 4707

(٩) باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه ٥٣ - (٢٧٦٩) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ - مَوْلَى بَنِى أُمَيَّةَ - أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: ثمَّ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ - وَهُوَ يُرِيدُ الرَّومَ وَنَصَارَى العَرَبِ بِالشَّامِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْب بْنِ مَالِكٍ، أنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ كَعْبٍ كَانَ قَائَدَ كَعْبٍ، مِنْ بَنِيِهِ، حِينَ عَمِىَ. قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى غَزْوَةِ تَبُوَكَ. قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ، إلا فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّى قَدْ تَخَلَّفْتُ فِى غَزَوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهُ، إنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالمُسْلمُونَ يُريدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلى الإسْلامِ، وَمَا أُحِبُّ أنَّ لِى بِها مَشّهَد بَدْرٍ، وَإِنْ كَانتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِى النَّاسَ مِنْهَا. وَكَانَ مِنْ خَبَرِى، حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ، أنِّى لَمْ أكُنْ قَطُّ أقْوَى وَلا أيْسَرَ مِنِّى حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِى تِلْكَ ــ حديث كعب بن مالك والثلاثة الذين خلفوا، فيه: هجران أهل الذنوب، وقطع مكالمتهم، والإعراض عنهم، وترك رد السلام عليهم؛ إذ كان ثم من يرده غيرك أو رده سراً، تأديباً لهم، كما نهى النبى ﷺ عن كلام هؤلاء الثلاثة، واجتناب الناس لهم، وتركه النظر إلى كعب إذا رآه، وأمره لهم باعتزال نسائهم. وفيه حجة أن السجون يضيق عليه. وفيه حجة لقول مَنْ قال من أئمتنا: إن المسجون فى الذنوب لا تترك معه زوجته تضييقاً عليه، وهو قول سحنون؛ لأمره ﵇ لهم باعتزال نسائهم. وابن عبد الحكم من أئمتنا يرى ألاّ يفرق بينه وبين زوجته إذا كان السجن خالياً، أو فيه موضع تنفرد فيه معه المرأة عن الرجال. وفيه سنة ركعتى المسافر إذا قدم كما كان يفعل ﵇ وقد ذكرنا ذلك. وفيه فضل الصدق وحسن عقباه الذى نجا كعباً وصاحبيه، وكان سبب التوبة [عليهم] (١) وكان أمرهم يعد زيادة فى فضلهم [ومتعته] (٢) لهم، بخلاف غيرهم ممن كذب وخلف من أهل النفاق، وفضيحة الله لهم وذمهم ووعيدهم.

стр. 4708

الغَزْوَةِ. وَاللهِ، مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِى تِلْكَ الغَزْوَةِ. فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقَبَلَ سَفَرًا بَعيدًا وَمَفَازًا، وَاستَقَبَلَ عَدُوًّا كَثيرًا، فَجَلا لِلمُسلِمِينَ أمْرَهُمْ لِيتَأهَّبُوا أهُبّةَ غَزْوِهِمْ، فأخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِى يُرِيدُ. وَالمسلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَثيرٌ وَلا يَجْمَعُهُمْ كِتَابُ حَافِظٍ - يُرِيدُ، بِذَلِكَ، الدِّيوَانَ - قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ، يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْىٌ مِنَ اللهِ ، وَغَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تِلْكَ الغَزْوَةَ حِينَ طَابَتْ الثِّمَارُ وَالظِّلالُ، فَأنَا إلَيْهَا أصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ والمُسلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفقْتُ أغْدُو لِكَىْ أتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأرْجِعُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئًا، وأقُولُ فِى نَفْسِى: أنَا قَادِرٌ عَلَىَ ذَلِكَ، إذَا أرَدْتُ. فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِى حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ، فَأصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَادِيًا وَالمُسْلمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أقْضِ مِنْ جَهَازِى شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِى حَتَّى أسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أنْ أَرْتَحِلَ فأُدْرِكَهُمْ، فَيَالَيْتَنِى فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِى، فَطَفِقْتُ، إذَا خَرَجْتُ فِى النَّاس، بَعْدَ خُرُوجِ رسُولِ اللهِ ﷺ ، يَحْزُنُنِى أنِّى لا أرَى لِى أُسْوَةً، إلا رَجُلاً مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِى النِّفَاقِ، أوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكًا. فَقَالَ - وَهُوَ جَالسٌ فِى القَوم بِتَبُوكَ -: " مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ ". قَالَ رَجُلٌ منْ بَنِى سَلَمَةَ: يَا رَسُولُ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِى عِطْفيْهِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئسَ مَا قُلْتَ. وَاللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلا خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَبَيْنَمَا هُوَ عَلى ذَلِكَ رَأى رَجُلاً مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ "، فَإذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الأنْصَارىُّ. وَهُوَ الَّذِى تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ. ــ قال الإمام: وقوله: " فأنا إليه أصعر ": أى أميل. وقوله: " وتفارط الغزو ": أى فات وتقدم. وقوله: " إلا رجلاً مغموصاً عليه ": أى متهماً مستحقراً. يقال: غمصت فلاناً واغتمصته: إذا استحقرته واستصغرته. وقوله [وهو] (١) ينظر فى عطفيه: قال الهروى: عطفا الإنسان: ناحيتا جسده،

стр. 4709

فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَد تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ، حَضَرَنى بَثِّى، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ وَأقولُ: بِمَ أخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ وَأسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِى رَأى مِنْ أهلِى. فَلَمَّا قِيلَ لِى: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّى البَاطِلُ، حَتَّى عَرَفْتُ أنِّى لَنْ أنْجُوَ مِنْهُ بِشَىْء أبَدًا، فَأجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَصَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَادِمًا، وَكَانَ - إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ - بَدَأ بِالمسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكَعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائرَهُمْ إلَى اللهِ، حَتَّى جِئْتُ. فَلَمَّا سَلَّمَّتُ، تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ: " تَعَالَ "، فَجِئْتُ أَمْشِى حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ لِى: " مَا خَلَّفَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ قَد ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّى، وَاللهِ، لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غيرِكَ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا لَرَأيْتُ أنِّى سَأخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذرٍ، وَلَقَدْ أعْطَيتُ جَدَلاً، وَلَكِنِّى، وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّى، لَيُوشِكَنَّ اللهُ أنْ يُسْخِطَكَ عَلَىَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلىَّ فِيهِ، إنَّى لأرجُو فِيهِ عُقْبَى اللهِ. وَاللهِ، مَا كَانَ لِى عُذْرٌ. وَاللهِ، مَا كُنْتُ قُطُّ أقْوَى وَلا أيْسَرَ مِنِّى حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أمَّا هَذَا، فَقَدْ صَدَقَ. فَقُمْ حَتَّى يَقْضِىَ اللهُ فِيكَ ". فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِى سَلَمَةَ فَاتَّبَعُونِى. فَقَالُوا لِى: وَاللهِ، مَا عَلِمْنَاكَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ فِى ألا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بِما اعْتَذَرَ بِهِ إلَيْهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ، استِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكَ. ــ وقال فى موضع آخر: العطفان: ناحيتا العنق، ومنكب الرجل: عطفه. وقال المبرد: العطف: ما انثنى من العنق، قال غيره: العرب تضع الرداء موضع البهجة والحسن والبهاء، ويسمى الرداء عطافاً لوقوعه على عطفى الرجل. قوله: " توجه قافلاً ": راجعاً من سفره، يقال: قفل الرجل قفولاً: إذا رجع من السفر. والقافلة: التى [هى] (١) راجعة من سفرها، وما دامت ذاهبة فى السفر فلا تسمى قافلة حتى ترجع. قوله: " حضرنى بثى " البث: أشد الحزن.

стр. 4710

قَالَ: فَوَاللهِ، مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِى حَتَّى أرَدْتُ أنْ أرْجِعَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فأُكَذِّب نَفْسِى. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِىَ هَذَا مَعِى مِنْ أحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ. لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ، قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ العَامِرِىُّ، وهلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِىُّ. قَالَ: فَذَكَرُوا لِى رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِما أُسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِى. قَالَ: وَنَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِنَا، أيُّهَا الثَّلاثَةُ، مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ. قَالَ: فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ. وَقَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِى فِى نَفْسِى الأرْضُ، فَمَا هِىَ بِالأرْضِ الَّتِى أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأمَّاَ صَاحِباىَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِى بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأمَّا أنَا فَكُنْتُ أشَبَّ القَوْمَ وَأجْلَدهُمْ، فَكُنْتُ أخْرُجُ فَأشْهَدُ الصَّلاةَ وَأطُوفُ فِى الأسْوَاقِ، وَلا يُكلِّمُنِى أَحدٌ، وَآتِى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِى مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأقولُ فِى نَفْسِى: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ، أمْ لا؟ ثُمَّ أصَلِّى قَرِيبًا مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإذَا أقْبَلْتُ عَلى صَلاتِى نَظَرَ إلَىَّ، وَإذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّى، حَتَّى إذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَىَّ مِنْ جَفْوَةِ المُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطٍ أَبِى قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّى، وَأحَبُّ النَّاسِ إلَىَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ. فَوَاللهِ، مَا رَدَّ عَلَىَّ السَّلامَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أنْشُدكَ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمَنَّ أنِّى أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: ــ قوله: " قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامرى ": هكذا قال العامرى، إنما هو العمرى، من بنى عمرو بن عوف. قال القاضى: كذا ذكره مسلم: " العامرى " من رواية أكثرهم، ورواه بعضهم " العامرى " والصواب: " العمرى ". وكذا ذكره البخارى (١). وكذا نسبه ابن إسحاق وأبو عمرو بن عبد البر وغيرهما، وإن كان القابسى قال: لا أعرفه إلا العامرى، فالذى عرفه غيره أصح. وقوله فى نسبه: " ابن ربيعه " كذا ذكره مسلم، وذكره البخارى (٢): " ابن الربيع ". وقال أبو عمرو بالوجهين فى نسبه. قال الإمام: وقوله: " حتى تسورت الجدار ": أى علوت سوره وهو أعلاه. وقوله: " فتيممت بها التنور فسجرتها ": أى قصدت التنور، يقال: قصدت الشىء

стр. 4711

فَسَكَتَ. فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَسَكَتَ فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ. فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَاىَ، وَتَولَّيْتُ، حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَار. ــ وعمدته واعتمدته بمعنى واحد، ومعنى " سجرتها ": أحرقتها. قال مجاهد فى قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (١) معناه: الموقد. قال القاضى: بقى فى الحديث من الغريب والمعانى والفقه مما يحتاج إلى تفسيرها ما لم يذكره. قوله: " فجلا للمسلمين أمرهم ": أى كشفه، وبينه. وقوله: " ليتأهبوا أهبة غزوتهم " بضم الهمزة أى ما يحتاجون إليه ويستعدون كذلك. وقوله: " وأخبرهم بوجههم الذى يريد ": أى بمقصدهم، ورواه بعضهم. " بوجهتهم التى يريد " أى: بنحوهم ومقصدهم. وقوله: " تفارط الغزو " قيل معناه: تأخر وقته وفات من أراده. أصل الفرط السبق، كأنه سبق الغزاة فلم يلحقهم غيرهم ممن تأخر عنهم. وقوله: " طفقت أعد ": وقيل معناه: جعلت. وقيل: مثل: ما زلت، ولا يقال فيه: ما طفق، إنما يقال فى الإيجاب. ومعنى " يؤنبوننى ": أى يوبخوننى ويلوموننى. وقوله: " رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب ": أى يتحرك وينهض، ويروى: " يزول فى التراب "، وكل متحرك زائل والسراب: الذى يظهر فى الهواجر فى القفار كأنه ماء. وقوله: " كن أبا خيثمة " أى أنت، أو هو أبو خيثمة، قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ (٢) أى أنتم [خير أمة] (٣) قال ثعلب: العرب تقول: كن زيداً، أى أنت زيد، وأبو خيثمة هذا اسمه: عبد الله بن خيثمة. وقيل: مالك بن قيس، والأشبه عندى هنا أن [تكون] (٤) " كن " بمعنى التحقيق والوجود، أى لتوجد تحقيقاً أبا خيثمة. وقوله: " حتى لمزه المنافقون ": أى عابوه ووقعوا فيه. قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ (٥). قيل: هما بمعنى، وقيل: اللمز فى الوجه، والهمز فى الظهر. وقيل: كلاهما فى الظهر كالغيبة. وقيل: اللمز بغير التصريح والإشارة كالشفتين والرأس ونحوه. وقوله: " قد أظل قادماً " بظاء معجمة، أى أشرف ودنا وغشى. وأصله من الظل،

стр. 4712

فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى فِى سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبطِىٌّ مِنْ نَبَط أَهْلِ الشَّامِ - مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ - يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَىَّ، ــ كأنه ألبسه ظله لدنوه منه. وقوله: " راح عنى الباطل ": أى ذهب [ذنوبه] (١). " فأجمعت صدقه " أى عزمت عليه، يقال: أجمع الرجل مكره وجمع عليه وعزم عليه بمعنى، قاله سيبويه. وقال أبو الهيثم: أجمع أمره: جعله جميعاً بعد أن كان متفرقاً. وقوله: " ولقد أوتيت جدلاً ". قيل: الجدل: مقابلة الحجة بالحجة. وقيل: جدل الفرد فى الخصام. وكانت العرب تتفاخر بذلك أنه من فصاحة اللسان وقوة العارضة، وحضور النفس، وحدة الذهن، قال الله تعالى فى قريش: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٢)، قال: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ (٣). وقوله: " ليوشكن الله أن يسخطك على " بكسر الشين، ولا يقال بفتحها. قال أبو على: هو كما قالوا حتى أن يفعل. وقال الخليل (٤): معناه: أسرع. وقوله: " أرجو عقبى الله ": أى ثوابه. والعقبى: ما يكون بعد الشىء وعلى أثره، وما يكون كالعوض منه، ومنه العقاب على الذنب؛ لأنه بدل من فعله ومكافأة عليه. وقوله: " ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة " بالرفع، وموضعه النصب على الاختصاص. قال سيبويه عن العرب: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وهذا مثله. وقوله: " فأما صاحبى [فاستكانا " أى خضعا. وقوله: " وتسورت جدار حائط أبى] (٥) قتادة ": فيه جواز مثل هذا والدخول بغير إذن على من يدل عليه، ويعرف أنه لا عورة له هناك. وقوله: " إنه سلم عليه فلم يرد عليه " بعموم نهى النبى ﷺ عن كلامهم. وقوله: " أنشدك بالله " أى أسألك بالله، وأصله من رفع الصوت بذلك. وقول أبى قتادة: " والله ورسوله أعلم " لعله لم يقصد بذلك سماعه فيكون مكلماً له، وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده الله، وقد أمر النبى ﷺ فى ذلك بما أمر. قال ذلك أبو قتادة مظهراً [لما] (٦) اعتقد لا لسمعه. ولو أن رجلاً حلف لا يكلم رجلاً فسأله عن شىء فقال له: الله أعلم يريد لسمعه ذلك لكان مكلماً له.

стр. 4713

حَتَّى جَاءَنِى فَدَفَعَ إِلَىَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنتُ كَاتِبًا، فَقَرأتُهُ فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نَواسِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ - حِينَ قَرَأتهَا -: وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْبَلاءِ، فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّوَرَ فَسَجَرْتُهَا بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلبَثَ الْوَحْى، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَأَتِينِى. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَك. قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعُل؟ قَالَ: لاَ، بَلِ اعْتَزِلْهَا. فَلاَ تَقْرَبَنَّهَا. قَالَ فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَىَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ لامْرأَتِى: الْحَقِى بِأَهْلِكِ فَكُونِى عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِىَ اللهُ فِى هَذَا الأَمرِ. قَالَ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ــ وقوله فى الصلاة: " وأسارقه النظر ": دليل أنّ خفيف الالتفات والنظر فى الصلاة غير مفسد لها. وقوله: " فأقول: هل رد علىَّ السلام أم لا؟ " يحتمل لرده عليه سراً، وأن هذا [يخرجه] (١) من الحرج فى ترك رده، أو يكون ترك الرد على هؤلاء جملة خصوصاً. ونبط أهل الشام ونبيطها وأنباطها: نصاراها الذين عمروها. وقوله: " ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة " بكسر الضاد وسكونها أيضاً، أى حال إيضاع، أى حيث يضاع حقك ولا يهتبل بك. وقوله: " فتيممت بها التنور فسجرتها ": أى قصدته فاحرقتها. وأصله: تأممت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢). وأنث الكتاب هنا على معنى الصحيفة. وفيه جواز حرق ما فيه اسم الله تعالى لعلة توجب ذلك. وقد أحرق عثمان والصحابة المصاحف بعد أن غسلوا منها ما قدروا عليه. وقوله: " واستلبث الوحى ": أى أبطأ، وبقى لم ينزل لكل المدة. وقوله: " وكنت أشد القوم وأجلدهم ": أى أصغرهم سناً وأقواهم. والجلد: القوة والشدة بالفتح، ورجل جلد - بالسكون - وجليد: بين الجلادة والجلد. وقوله: " الحقى بأهلك وكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر ": دليل على أنه ليس من ألفاظ الطلاق ولا كناياته الصريحة، وإنما هو من الكنايات التى لا يلزم بها الطلاق إلا مع نية، لا سيما مع بيان قوله: " حتى يقضى الله فى هذا الأمر " ومع قوله: ففلت: أطلقها؟ قال: " لا ". وفى قول امرأة هلال: " هل تكره أن أخدمه " دليل على الترغيب فى خدمة المرأة

стр. 4714

هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَه أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: " لا، وَلَكِنْ لاَ يَقْرَبَنَّكِ " فَقَالَتْ: إِنَّهُ، وَاللهِ، مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَىءٍ. وَوَاللهِ، مَا زَالَ يَبْكِى مُنْذُ كَانَ مِنّ أَمْرِهِ مَا كَانَ، إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ لِى بَعْضُ أَهْلِى: لَوِ اسْتَأذَنتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِى امْرَأَتِكَ؟ فَقَدْ أَذِنَ لاِمْرأَةِ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ. قَالَ فَقُلْتُ: لاَ أَسْتأذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَمَا يُدْرِينِى مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا اسْتأذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ. قَالَ: فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِىَ عَنْ كَلاَمِنَا. قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبيَنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الحَالِ الَّتِى ذَكَرَ اللهُ مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَىَّ نَفْسِى وَضَاقَتْ عَلَى الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعتُ صَوْتَ صارخٍ أَوْفَى عَلَى سَلعٍ، يَقُولُ بِأعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ. قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِداً وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. قَالَ: فآذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسِ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَينَا، حِينَ صَلَّى صَلاةَ الْفَجرِ. فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَىَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَىَّ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِى، وَأَوْفَى الْجَبَل، فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ. فَلَمَا جَاءَنِى الَّذى سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِى، فَنَزَعْتُ لهُ ثَوْبَىَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ. وَاللهِ، مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، ــ لزوجها، وأنه من حسن عشرتها [له] (١) وحقه عليها، وإن لم يقض به. وقوله: " قد ضاقت [علىّ الأرض بما رحمت " أى بما اتسعت، أى على سعتها والرحب] (٢): السعة، ومنزل رحب ورحيب ورحاب. وقوله: " سمعت صارخاً أوفى على سلع ": أى أشرف وعلا عليه. و " سلع " جبل بالمدينة معروف، بفتح السين وسكون اللام. وقوله: " أبشر يا كعب. وذهب الناس يبشروننا "، وكسوته ثوبيه للبشير: دليل على جواز البشارة والتهنئة بين الناس فيما يسر من أمر الدنيا والآخرة، وجواز إعطاء البشير جعلاً على بشارته ومكافأته. وقوله: " واستعرت ثوبين فلبستهما ": فيه جواز عارية الثياب عند الضرورة وقد كره

стр. 4715

وَاسْتعرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، فَانْطَلَقتُ أَتَامَّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . يَتَلَقَّانِى النَّاسُ فَوْجًا فَوجًا، يُهَنِّئُونِى بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ. حَتَّى دَخَلتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِى المَسْجِدَ، وَحَوْلَهُ النَّاسُ. فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِى وَهَنَّأَنِى. وَاللهِ، مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ. قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبُ: فَلَمْا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ - وَهُوَ يَبْرقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وَيَقُولُ -: " أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ ". قَالَ: فَقُلْتُ: أَمِنْ عِندِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ فَقَالَ: " لاَ، بَلِ مِنْ عِندِ اللهِ ". وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتنَارَ وَجْهُهُ، كَأَنَّ وَجَههُ قِطْعَةُ قَمَرٍ. قَالَ: وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِى صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ " قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّىَ أُمْسِكُ سَهْمِىَ الِّذى بِخَيْبَرَ. قَالَ: وَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ إِنَّمَا أَنْجَانِى بِالصِّدْق، وَإنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَلاَّ أُحَدَّثَ إِلاَّصِدْقًا مَا بَقِيتُ. قَالَ: فَوَ اللهِ، مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أَبْلاهُ اللهُ فِى صِدْقِ الحَدِيثِ، مُنْذَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى يَوْمِى هَذَا، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِى اللهُ بِهِ. وَاللهِ، مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِلَى يَوْمِى هَذَا، وَإنِّى لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِى اللهُ فِيمَا بَقِىَ. ــ ذلك مالك فى العتبية، يريد: لأنه ليس من مكارم الأخلاق، لا من المعير ولا من المستعير. وأما عند الضرورة فحال آخر منهما. وقوله: " فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ ": أى أقصده " وتلقانى الناس فوجاً فوجاً " أى جماعة جماعة، يهنئونه بالتوبة. وقيام طلحة له حتى صافحه دليل على جواز التهنئة والقيام والتلقى للقادم من سفر ولمن عزاه أمر عظيم، مثل هذا، وجواز المصافحة. وقوله: " إن من توبتى أن أنخلع من مالى ": فيه شكر نعم الله تعالى بالعمل الصالح والصدقة، قال الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١).

стр. 4716

قَالَ: فَأنْزَلَ اللهُ : ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِىِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ علَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين﴾ (١). قَالَ كَعْبُ: وَاللهِ، مَا أَنْعَمِ اللهُ عَلَىَّ مِنْ نعْمَةٍ قَطُّ، بَعْدَ إِذْ هَدَانِى اللهُ للإِسْلاَمِ، أَعْظَمَ فِى نَفْسِى، مِنْ صِدْقِى رَسُولَ اللهِ ﷺ . أَلاَّ أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا. إِنَّ اللهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا - حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْىَ - شَرَّ مَا قَالَ لأحَدٍ. وَقَالَ الله: ﴿سَيَحْلِفونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأَوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢) قَالَ كعْبُ: كُنَّا خُلِّفْنَا - أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ - عَنْ أَمْرَ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ حَلَفَوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمرنَا حَتَّى قَضَى اللهُ فِيهِ. فَبِذَلِكَ قَالَ اللهُ : ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَلَيْسَ الَّذِى ذَكَرَ اللهُ مِمَّا خُلِّفنَاَ تَخَلُّفَنَا عَنِ الْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا، عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِليه فَقَبِلَ مِنهُ. ــ وقوله: " أمسك بعض مالك فهو خير لك ": دليل على كراهة صدقة الرجل جميع ماله ويبقى عالة. وقوله: " فوالله ما علمت أحداً أبلاه الله فى صدق الحديث أحسن مما أبلانى الله به ": أى أنعم الله عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٣) أى نعمة. والابتلاء ينطلق على الخير والشر. وأصله: الاختبار، وأكثر ما يأتى مطلقاً فى الشر، فإذا جاء فى الخير جاء مقيداً، كما قال تعالى: ﴿بَلاءً حَسَنًا﴾ (٤)، وكما قال هنا: أحسن مما أبلانى. قال ابن قتيبة: يقال: أبلاه الله يبليه إبلاء حسنًا، وبلاه الله يبلوه فى السوء. وقال صاحب الأفعال: بلاه الله بالخير والشر بلاء: اختبره به، وصنعه له، وابتلاه (٥) بلاء حسنًا: فعله به. وقوله: " وأرجى رسول الله ﷺ أمرنا ": أى أخره، قال الله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ (٦) قرئ بالهمز والتسهيل.

стр. 4717

(...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حجَيْنُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب بإِسْنَادِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ. سَوَاءً. ٥٤ - (...) وحدّثنى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِى يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، ابْنُ أخِى الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَمِّهِ، مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الَرَّحْمَن بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ قَائدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِى - قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ، حِينَ تَخَلَّف عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. وَزَادَ فِيهِ، عَلَى يُونُسَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلَّمَا يُريدُ غُزْوَةً إلا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلكَ الْغَزْوَةُ. وَلَمْ يَذْكُرْ، فِى حَدِيثِ ابْنِ أَخِى الزُّهْرِىِّ أَبَا خَيْثَمَةَ وَلُحُوقَةُ بِالنَّبِىِّ ﷺ . ــ وقوله: " لا يريد غزوة إلا ورى بغيرها ": أى ستر وراء ظهره. قالوا: وأصله من وراء، كأنه جعل البيان وراء ظهره. وقوله: " وكان أوعاهم لأحاديث أصحاب رسول الله ﷺ ": أى أحفظهم. وقوله فى حديث مسلمة بن شبيب: " لم يتخلف فى غزوة غزاها قط غير غزوتين " وذكر الحديث، وفى رواية العذرى: " غير غزوة تبوك " [هذا لأنه أحال على الحديث المقدم. قال فيه: " غير غزوة تبوك] (١)، غير أنى تخلفت فى غزوة بدر، ولم يعاقب الله أحداً تخلف عنها؛ لأنه خرج يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ". وقد يحتمل صحة الرواية الأخرى لأنهما غزوتان كما تراه. وقوله فى أول الحديث: " فقلّ رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له " كذا فى جميع نسخ مسلم، وصوابه: " ألا يظن أن ذلك سيخفى له " وكذا فى البخارى (٢). وقوله: " ما أنعم الله على من نعمة قط غير أن هدانى للإسلام أعظم فى نفسى من صدقى رسول الله ﷺ ، ألا أكون كذبته " بفتح الهمزة وتشديد اللام " فأهلك كما أهلك الذين كانوا " كذا فى نسخ مسلم وكثير من روايات البخارى، ومعناه: أن أكون كذبته فأهلك، كما قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك﴾ (٣) [أى] (٤) أن تسجد، و" لا "

стр. 4718

٥٥ - (...) وحدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ - وَهُوَ ابْنُ عُبَيدِ الله - عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ الرَّحَمنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بنِ مَالكِ، عَنْ عَمِّه عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ - وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ أُصِيبَ بَصَرُهُ، وَكَانَ أَعلَمَ قَوْمِهِ وَأَوْعَاهُمْ لأَحَاَدِيثِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى - كَعْبَ بْنَ مَالِكِ - وَهُو أَحَدُ الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ تِيب عَلَيْهِمْ، يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى غَزوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ، غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. وَقَالَ فِيهِ: وَغَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بنَاسٍ كَثِيرٍ يَزِيدُونَ عَلَى عَشَرَةِ آلاَفٍ، وَلاَ يَجْمَعهُم دِيوَانُ حَافِظٍ. ــ زائدة. وفى رواية الأصيلى عن البخارى: " إلا أن أكون كذبته " والأول الصواب وذكر مسلم فى سند الحديث من رواية يونس عن الزهرى، وفيه: أنّ عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بيته حين عمى، قال: سمعت كعب بن مالك، ثم ذكر مثله من رواية عقيل عن الزهرى، وذكر الحديث من رواية ابن أخى الزهرى، وقال فيه: أنّ عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بيته وكذلك ذكره من رواية معقل بن عبيد الله، قال أبو الحسن الدارقطنى (١): وتابع معقلاً على قوله هذا صالح بن أبى الأخضر، وكلاهما لم يحفظا، والأول الصواب، يريد قول من قال: عبد الله غير مصغر، ولم يذكر البخارى فى التاريخ عبد الله بن كعب بن مالك، وإنما ذكر عبيد الله فقط، ولم يذكر فى الصحيح رواية مَنْ روى عبيد الله.

стр. 4719

(١٠) باب فى حديث الإفك ، وقبول توبة القاذف ٥٦ - (٢٧٧٠) حدّثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَاركِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ ابْنُ يَزِيدَ الأَيْلىُّ. ح وَحَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا معْمَرٌ والسِّيَاقُ حَديِثِ معمرٍ مِنْ رِوايَةِ عِبدٍ وابنِ رافعٍ، قَالَ يُونُسَ ومَعْمَر جَمِيعًا عَنْ الزُّهَريِّ: أخْبَرَنى سَعِيدُ بْنُ المُسَيّبِ وَعُرْوَةٍ بْنُ الزُّبيْر وَعَلْقَمَةُ بْن وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - زَوْجُ النَّبِىِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أهْلُ الإفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِمَّا قَالُوا. وَكُلُّهُمْ حَدَّبْنِى طَائِفَة مِنْ حَدِيثِها، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَأثْبَتَ اقْتِصاصًا، وَقَدْ وَعيتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الحَدِيثَ الَّذِى حَدَّبْنِى. وَبَعْضُ حَدِيثِهمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا. ذَكَرُوا: أنَّ عَائِشَةَ، زَوْجُ النَّبَىِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أرَادَ أنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَه. ــ حديث الإفك والإفك: الكذب، وكذلك الإفك مثل النجس والنجس. وقول ابن شهاب فيه حدثنى: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة - إلى قوله - وكلهم حدثنى طائفة من الحديث، وبعضهم أوعى لحديثها من بعض - إلى قوله - وبعض حديثهم ليصدق بعضها، هو مما قد انتقد قديماً على الزهرى لجمعه الحديث عنهم، وإنما عند كل واحد منهم [بعضه، وقيل: كان الأولى أن يذكر حديث كل واحد منهم] (١) بجهته، ولأدرك على الزهرى فى شىء منه؛ لأنه قد بين ذلك فى حديثه، والكل ثقات أئمة لا مطعن فيهم، فقد علم صحة الحديث، ووثق كل لفظة منه، إذ هى عن أحدها ولا الأربعة الأقطاب عن عائشة. وقوله: " وبعضهم أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصاً " أى أحفظ وأحسن إيراداً وسرداً وقصصاً لحديثها. وقوله: " كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه "، وذكر أنه أقرع بينهن فى غزوة، فخرج سهمها فخرجت معه: فيه أولاً جواز القرعة فى القسمة بين الشركاء وما يجرى مجراها من العتق فى الوصايا عند ضيق الثلث، وهى سنة بحالها

стр. 4720

قَالتْ عَائِشَةُ: فَأقْرَعَ بَيْنَنَا فِى غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِى، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ ــ خارجة عن القياس. قال أبو عبيد (١): وقد عمل بها ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ومحمد ﵈. قال ابن المنذر: واستعمالها كالإجماع بين أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، ولا معنى لقول من ردها. وحكى عن أبى حنيفة إجازتها، قال: ولا يستقيم فى القياس لكنا تركنا القياس للآثار، وحكى غيره عنه ترك القول بها. وقد اختلف العلماء فى جوازها فى المشكلات جملة لا جاء من السنة فيها، وهو مذهب الشافعى وغيره، ومشهور مذهب مالك وأصحابه منعها جملة، لأنها من باب الخطر والقمار، وهو قول بعض [أهل الكوفة] (٢)، وقالوا: وهى كالأزلام، وحكى عن أبى حنيفة (٣) جوازها فى هذه الوجوه المذكورة، التى وردت فيها السنة، وقصرها عليها دون تعديتها، وهو قول مالك والمغيرة وبعض أصحابنا على اختلاف بينهم فيما ثبت فيه السنة من ذلك، والتفريق بين الوصية وعتق البتل (٤) وتسويتهما فيهما. واختلف فى هذا قول مالك وقد تقدم فى الوصايا (٥) منه. وفيه القرعة بين النساء فى السفر، وقد اختلف العلماء فى ذلك، فذهب مالك فى أحد قوليه وقاله الشافعى وأبو حنيفة: أنه لا يخرج منهن إلا من خرجت عليها القرعة، وأنه من العدل فى [القسمة] (٦) بينهن. وقال مالك أيضاً: له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة، وأن القسمة هنا سقطت بحكم الضرورة؛ إذ قد تكون إحداهن أخف محملاً وأقل مؤنة للسفر؛ لخفة جسمها، وانفرادها عن ولدها، ونشاطها وتكون أخرى خلاف ذلك، أو يكون إحداهما أولى بالترك بالقيام على ماله وحشمه والنظر فى ذلك؛ لعقلها وحسن نظرها وغيرها بخلاف ذلك. ولم يختلفوا أنها كيف كان الأمر فيها لا تحاسب بمدة السفر، بل يستأنف القسمة ليلة قدومه بين جميعهن. وقد مر بنا هذا فى النكاح كفاية. وفى حديث عائشة هذا فقه كثير وغريب تفسير، فمن فقهه سوى ما تقدم: جواز ركوب النساء فى الهوادج، وجواز [حرمة] (٧) الرجل لهن فى ذلك وفى الأسفار، وخروجهن لضروراتهن من حاجة الإنسان بغير إذن أزواجهن، إذ لو استأذنت

стр. 4721

اللهِ ﷺ ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أُنزِلَ الحِجَابُ، فَأنَا أُحْمَلُ فِى هَوْدَجِى، وأنْزَلُ فِيهِ، مَسِيرنَا. ــ النبى ﷺ فى ذلك لعلم مغيبها، ومنع خروجهن إلى بيوت آبائهن وقرابتهن إلا بإذن؛ لاستئذان عائشة فى ذلك النبى ﷺ . وفيه حسن الأدب والمعاملة والعشرة مع النساء الأجانب، لا سيما فى الخلوة بهن عند الضرورة، كما فعل صفوان من تركه مكالمة عائشة وسؤالها، وأنه لم يزد على الاسترجاع وتقديم مركبها وإعراضه بعد ذلك حتى ركب، ثم [تقدمه] (١) يقود بها. وفيه إغاثة الملهوف، [وعون] (٢) الضعيف، وإكرام من له قدر، كما فعل صفوان فى ذلك كله. وفيه ستر ما يقال فى المرء عنه إذا لم يكن لذكره فائدة، كما عامل الجميع به عائشة حتى أعلمته بها أم مسطح. وفيه تشكى السلطان وغيره للناس لمن يؤذيه فى نفسه وأهله والاستعذار منه. وقوله: " استعذر "، " ومن يعذرنى "، " فأنا أعذرك منه ": قيل: مَنْ يعذرنى إن كأفاته على ما فعل ولا يلومنى، وقيل: معناه: من [يقصدنى] (٣)، وهو أليق بهذا المكان، قاله أبو على فى البارع، قال: والعذير الناصر. وقال الداودى: قوله: " أنا أعذرك منه ": أى أنتصف لك وأقوم بما يجب لك. وفيه مشاورة الرجل بطانته فيما فيه مصلحته من فراق أهله أو غير ذلك، كما فعل النبى ﷺ مع على وأسامة. وفيه الكشف عن الأمور المسموعة والبحث عنها لمن يهمه ذلك ويعنيه. وأمَّا مِنْ غَيره فتحسس وفضول ممنوع، كما سأل ﵇ زينب وبريرة. قالوا: وفيه جواز تعديل النساء والشهود، وتعديل بعضهم بعضاً. وقد ترجم البخارى (٤) على هذا، وهذا ليس بيّن؛ إذ لم يكن شهادة. والمسألة التى اختلف فيها العلماء إنما هى فى تعديلهن للشهادة، فمنع من ذلك مالك (٥) والشافعى ومحمد بن الحسن، وأجازه أبو حنيفة فى المرأتين والرجل، كشهادتهما فى المال. واحتج الطحاوى (٦)

стр. 4722

حَتَّى إذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوِهِ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلةً بِالرَّحِيلِ. ــ لذلك بقول زينب فى عائشة، وقول عائشة فى زينب: " يعصمها الله بالورع ". قال ومن كانت بهذه الصفة جازت شهادتها. وهذا ركيك من الكلام جداً، ولأنه وإمامه أبا حنيفة لا يجيزون شهادة النساء إلا فى مواضع مخصوصة، فكيف يطلقون جواز تزكيتهن، وفى هذا من التناقض ما فيه. وفيه فضلية من شهد بدراً، دانكار ذمهم والدعاء عليهم، وكذلك يجب فى جميع المسلمين لإنكار عائشة ذلك على أم مسطح. وفيه معاداة الولى وليه فى الله، كما فعلت أم مسطح من دعائهن [بها] (١) على ابنها، وحلف أبى بكر ألا ينفق عليه. وفيه الحكم بالظاهر، وحسن الظن بالمسلمين، لا سيما بأهل الفضل، وأنه لا يلتفت إلى افتراء مفتر عليهن، كما اعتقده جمهور المسلمين فى شأن عائشة. وفيه تنزيه منصب النبوة عن مثل هذا فى عياله وحريمه، وقد قال ابن عباس: ما زنت امرأة نبى قط. وفيه تقرير من رفع إليه أمر وتوفيقه على ما يقال فيه، وأمره بالتوبة إن كان فعله. وفيه إقامة الحدود على القاذفين. قيل: وفيه ترك ذلك فى جهة من له منعة ويخشى من إقامته عليه تفريق كلمة وظهور فتنة، كما لم يحد عبد الله بن أبى، وهو كان رأس أصحاب الإفك ومتولى كبره. وعندى أنه ترك حد ابن أبى لغير هذا؛ لأنه لم يأت فى الحديث أنه [ممن] (٢) افترى، إنما ذكر [أنه] (٣) كان يستوشيه ويتحدث عنده به ويجمعه. وقد قيل فى الذى تولى كبره: إنه غيره ممن حدّ. والحد إنما يجب على من تكلم به. واستعذار النبى ﷺ منه لجمعه عنده وإشادته بحضرته وبحثه عنه، كما قال فى البخارى (٤) أخبرت أنه كان يشاع عنده فيقره (٥) ويسمعه ويتحدث به عنده ويستوشيه، ومثل هذا لا يلزمه حد عند الجميع حتى يقذف بنفسه. وفيه غضب المسلمين لعرض نبيهم وسلطانهم وحرمته، كما قال فى ذلك سعد بن معاذ وأسيد بن حضير. وفيه أن من آذى النبى ﵇ فى نفسه أو ذويه كافر يجب قتله؛ لقول سعد وأسيد: قتلناه، فلم ينكر ذلك النبى ﷺ ، ولو كان باطلاً لم يقر عليه ولأنكره. وقال قوم: إن من سب أزواج النبى ﷺ يقتل لهذه الحجة وليس ببين، إنما

стр. 4723

فَقُمْتُ حِينَ آذنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأنِى أقْبَلْتُ ــ يستوجب قتله لأذى النبى ﵇ فى حياته وتأذيه بقوله، ولم يكن بعد نزول القرآن فيكون مكذباً له، فأما اليوم فمن قال ذلك فى عائشة قتل لتكذيبه القرآن وكفره بذلك، وأما غيرها من أزواجه فالمشهور أنه يحد لما فيه من ذلك حد، ويعاقب لغيره. وحكى ابن شعبان (١) قولاً آخر: أنه يقتل على كل [حال] (٢) وكان هذا التفات إلى أذى النبى ﷺ بذلك حياً أو ميتاً - والله أعلم. وفيه أن التعصب فى الباطل يقدح فى العدالة، ويخرج عن اسم الصلاح؛ لقول عائشة: فاجتهلته الحمية وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً. والصلاح: القيام بحقوق الله تعالى وما يلزم من حقوق عباده، وتجنب مخالفته. وفيه جواز سب المتعصب فى الباطل والعاصى، والمتكلم بمنكر القول، والإغلاظ فى سبه يشبه صفته، فإن لم يكن فيه حقيقة كقول أسيد: كذبت، إنك منافقٌ تجادل عن المنافقين، وحاش لسعد من صفة النفاق، لكن لما كان منه من ظاهر التعصب لابن أبى المنافق استحق التعرض له والسب والتأديب كمثل هذا القول الغليظ. وقال الداودى: إنما أنكر سعد بن عبادة من قول سعد بن معاذ بحكمه فى قومه بحكم أنفة العرب، وما كان قديماً بين الحيين من الأنصار، لا أنه رضى فعل ابن أبى. وقوله: " كذبت، لعمر الله، لا تقتله ": أى لا يجعل النبى حكمه إليك، قال الإمام: قول أسيد لسعد: يا منافق، قد تقدم الكلام على أمثال هذا اللفظ الذى يقع بين الصحابة، وأنه يجب أن يحمل على ما يليق بهم، والأشبه أن أسيداً إنما وقع ذلك منه على جهة الغيظ والحنق، وبالغ فى زجر سعد، ولم يرد النفاق الذى هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر. ولعله أراد أن سعداً كان يظهر [إليه] (٣) وإلى الأوس من المودة ما يقتضى عنده ألا يقول فيهم ما قال، فاستلوح من هذا الكلام أن باطنه فيهم خلاف ما ظهر إليه. والنفاق فى اللغة يطلق على إظهار ما يبطن خلافه ديناً كان أو غيره، ولعله ﷺ لأجل هذا لم ينكر عليه أنه كان يسمع قوله هذا. قال القاضى: وفيه حمد عاقبة الصبر، وفيه شكر الله على إحسانه بالعمل الصالح، كما رد أبو بكر النفقة لمسطح. ولقوله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٤).

стр. 4724

إلى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِى فَإذَا عِقْدِى مِنْ جَزعِ ظَفَار قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالتَمَسْتُ ــ وفيه جواز النزوع بالقرآن والاحتجاج به فى النوازل، والتأسى بالأنبياء والصالحين لقول عائشة: " ما أجد لى ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (١) ". وفيه جواز التسبيح عند استعظام الأمر والتعجب، كما قالت عائشة: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا. وقالت بريرة مثله، وصفوان مثله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوه﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ (٢). وفيه جواز الحلف بقوله: " لعمر الله " وقول ذلك، ومعناه: بقاء الله والعُمَر والعَمْر واحد، فإذا استعمل فى القسم فالفتح لا غير، ورفعت الراء على الابتداء المحذوف، أى لعمرك ما أقسم. وقال الأزهرى: كأنهم أظهروا يميناً ثانية، أى وعمرك، فلعمرك عظيم. واختلف هل هى يمين أم لا؟ [وهل يجوز الحلف بها؟ فكره مالك (٣) مرة الحلف بها وشك: هل هى يمين أم لا] (٤) وعلى أصله [وأصل] (٥) الكافة فى الحلف بالصفات أنها يمين، وعلى أصل الشافعى فى الصفات إذا لم ينو بها يميناً لم يلزم (٦). وفيه من الغريب مما فسره فى المعلم. قال الإمام: قولها: " من جزع ظفار "، قال ابن السكيت: الجزع، بفتح الجيم وإسكان الزاى: الخرز اليمانى. وظفار بفتح الظاء وكسر الراء: قرية باليمن (٧). وقول عائشة: " لم يهَبَّلْن ": أى لم يكثر شحومهن ولا لحومهن. وقوله: " العلقة من الطعام ": أى الشىء القليل منه، ومثله البلغة. وقولها: " نزلوا موغرين ": أى وقت الوغرة، هو شدة الحر. قولها: " فتأتى الداجن ": يقال لكل ما ألف الثبوت من الطير والشاه وغيرها: دواجن، وقد دجن فى بيته: إذا لزمه، وكلب داجن: ألف البيت. والمداجنة حُسْن المخالطة. قوله ﷺ : " من يعذرنى من رجل ": أى من يقوم بعذرى، [أى] (٨) كافأته على

стр. 4725

عِقْدِى فَحَبَسَنِى ابْتِغَاؤُهُ، وَأقْبَلَ الرَّهْط الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِى فَحَمَلُوا هَوْدَجِى، فَرَحَلُوهُ ــ سوء صنيعه فلا يلمنى. وقولها: " يستوشينى ": [أى يستخرجه بالبحث والمسألة كما يستوشى] (١) الرجل جرى الفرس، وهو ضربه جنبيه بعقبيه وتحريكه ليجرى، يقال: أوشى فرسه واستوشاه بمعنى واحد. قولها: " من البرحاء " تعنى الشدة. قال [ابن ولاد] (٢): البرحاء بضم الباء وهو ممدود: من التبريح، وهو بلوغ الجهد من الإنسان. قوله: " أبنوا أهلى ": أى اتهموها. قاله أبو العباس. وقول أم مسطح: " تعس مسطح ": قال أبو الهيثم: معناه: انكب وعثر. قال القاضى: ضبطنا هذا الحرف هنا " يهبلن ولم يغشهن اللحم " بضم الياء وفتح الهاء وتشديد الياء على ما لم يسم فاعله من رواية العذرى [وضبطناه من طريق الطبرى " يهبلن " بفتح الياء والباء وسكون الهاء] (٣)، وضبطناه فى غير مسلم بضم الياء وفتحها وهو بعيد لأن ماضيه هُبل بالضم. وفى بعض الروايات عن ابن الحذاء: " يهبلهن ولم يمسهن اللحم ". ورواه البخارى " يثقلن " (٤) وهو بمعنى ما تقدم، أى لم يثقلن باللحم، وهو بمعنى يغشهن أيضاً، أى يلزمهن ويحمل بهن. وكذلك " أبنوا أهلى " ضبطناه هنا بالتحقيق، وقد ضبطه الأصيلى فى البخارى بالتشديد، وأنكره بعضهم، وصححه ثابت (٥) وغيره، فبالتخفيف ما تقدم: اتهموها، وذكروها بالسوء. وبالتشديد قال ثابت: التأبين: ذكر الشىء وتتبعه، وأنشد (٦): فرفع أصحابى المطى وأبنو هنيدة

стр. 4726

عَلَى بَعِيرىَ الَّذِى كُنْتُ أرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أنِّى فِيهِ. قَالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاء إذْ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلْنَ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجَمَلَ وَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِى بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِى الَّذِى كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أنَّ الَقَوْمَ ــ قال ابن السّكيت: جدوا بها وذكروها. وقولها: " معرسين فى نحر الظهيرة " وعرس من وراء الجيش، التعرس النزول، ونحر الظهرية: أول القائلة، وأصل التعريس [النزول آخر الليل عند الخليل وغيره؛ وقال أبو زيد] (١): أى وقت كان. وقد ذكر مسلم اختلاف الرواة [عن] (٢) " موغرين " بالغين المعجمة والراء، وفسرها فى الأم عبد الرازق نحو ما تقدم. قال: الوغرة: شدة الحر فى الهاجرة. وذكر - أيضاً - مسلم فيه " موعرين " بالعين المهملة، والراوى فى حديث يعقوب وإبراهيم بن سعد، كذا روايتنا فيه وفى بعض النسخ بالعين والراء المهملتين، وقال أبو مروان بن سراج (٣): لا وجه له هنا. قال القاضى: وكذلك بالراء والوجه ما تقدم. وتفسير قولها: " [العلقة من الطعام " بأنه القليل منه، وأصله من الأكل والعلوقة والعلوق: الأكل والرعى] (٤). وقولها: " فحبسنى ابتغاؤه ": أى طلبه، يعنى عقدها. وتيممت منزلى: قصدته.

стр. 4727

سَيَفْقِدُونِى فَيَرْجِعُونَ إلىَّ، فَبَيْنَا أنَا جَالِسَةٌ فِى مَنْزِلِى غَلَبَتْنِى عَيْنِى فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ ابْنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِىُّ، ثُمَّ الذَّكْوَانِىُّ، قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاء الجَيْشِ فَدَّلَجَ، فَأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِى، فَرَأى سَوَادَ إنْسَانٍ نَائمٍ، فَأتَانِى فَعَرفَنى حِينَ رَآنِى، وَقَدْ كَانَ يَرَانِى قَبْلَ أنْ يُضْرَبَ الحِجَابُ عَلَىَّ، فَاسْتَيْقَظتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِى، فَخَمَّرْتُ وَجْهِى بِجِلْبَابِى. وَوَاللهِ، مَا يُكَلِّمُنِى كَلِمَةً وَلا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْر اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِى الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أتَيْنَا الجَيْشَ، بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِى نَحرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِى شَأنِى، وَكَانَ الَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْن سَلُولَ. فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا المَدِينَةَ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِى قَوْلِ أهلِ ــ وقوله: " فأدلج ": أى مشى بليل، يقال منه: أدلج وادَّلج. وقيل: لا يشدد إلا فى سير آخر الليل، وقد تقدم مستوفى الكلام فيه. وقوله: " فاستمر الجيش ": أى ذهب، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (١) أى ذاهب وهو استفعل من مر. وقوله: " فرأى سواد إنسان ": أى شخصه، وكل شخص سواد. وقولها: " فاستيقظت باسترجاعه ": أى بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا من صفوان لمعنيين: أحدهما: أنها مصيبة يجب الاسترجاع فيها؛ لنسيان امرأة عورة، وبقائها منفردة فى قفر وليل مظلم. والثانى: ليقيمها استرجاعه من نومها إذ صان حرمة النبى عن أن يناديها ويكلمها، وقد كان كما قالت: نزل الحجاب كما فعل عمر بتكبيره لينتبه النبى ﵇ ولم يناده إكباراً له، وحرجاً من عموم النهى عن ذلك؛ ولأنه ﵇ كان يوحى إليه فى نومه. وقولها: " وظننت أن القوم سيفقدوننى فيرجعون إلى " الظن هنا بمعنى العلم، قال الله تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾ (٢). وقوله: " فخمرت وجهى بجلبابى " أى سترته والجلباب كالمقنعة، تغطى به المرأة رأسها يكون أعرض من الخمار، قاله النضر وقال غيره: هو ثوب واسع دون الرداء، تغطى به المرأة ظهرها وصدرها وقال ابن الأعرابى: هو الإزار، وقيل: الخمار. وقيل: هو كالملاة والملحفة وبعض هذا قريب من بعض. وقولها: " والناس يفيضون فى حديث أهل الإفك " أى يأخذون فيه.

стр. 4728

الإفْكِ، وَلا أشْعُرُ بِشَىْء مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يُريبُنِى فِى وَجَعِى أنِّى لا أعْرِفُ منْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَلُّطْفَ الَّذِى كُنْتُ أرَى مِنْهُ حِينَ أشْتَكِى، إنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: " كَيْفَ تِيكُمْ؟ " فَذَاكَ يُرِيبُنِى. وَلا أشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِى أَمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ - وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا - وَلا نَخْرُجُ إلا لَيْلاً إلى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أمْرُ العَرَبِ الأوَلِ فِى التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأذَّى بِالكُنُفِ أنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا. فَانْطَلَقْتُ أنَا وَأُمُّ مسْطَحٍ - وَهِىَ بِنْتُ أبِى رُهْمِ بْن المُطَّلِب بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ ابْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ المُطَّلِبِ - فَأقْبَلْتُ أنَا وَبِنْتُ أبِى رهْمٍ قِبَلَ بَيْتِى حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأنِنا، فَعَثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ فِى مِرْطِها. فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أتَسبَّينَ ــ وقولها: " يريبنى فى وجع (١) " أى أنكرنى مرضى، العرب تسمى كل مرض وجعاً، ومعنى " يريبنى ": يوهمنى ويشككنى حتى أنكر ذلك من اختلاف حاله، يقال: أرابنى (٢) الأمر يريبنى: إذا توهمته وشككت فيه، فإذا استيقنته قلت: رابنى منه كذا يريبنى، وقال الفراء وأبو زيد: هما بمعنى واحد فى الشك. وقولها: " لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف " بفتح اللام والطاء، أى البر والتحفى. زاد بعضهم: إذ كان ذلك برفق، ويقال فيه اللطف بالضم وسكون الطاء أيضاً. وقوله: " كيف تيكم؟ " هى إشارة تنبيه للمؤنث مثل " ذاكم " للمذكر. وقولها: " بعدما نقهت " بفتح القاف، أى أفقت من المرض. وقولها: " وخرجت قبل المناصع وهو متبرزنا ": قال الأزهرى: أراها مواضع خارج المدينة، وعليه يدل قوله فى الحديث نفسه فى غير كتاب مسلم، وهى صعيد أفيح خارج المدينة. وقال غيره: هى مواضع التخلى للحدث، وهو معنى قولها: " متبرزنا " والبراز، بالفتح الحدث، وأصله الفضاء من الأرض، وسمى الحدث به لقصدهم قضاه فيه، كما قالوا فيه: الغائط لذلك. وقولها: " وأمرنا أمر العرب الأول فى التنزه " كذا لجمهور الرواة، أى فى البعد بذلك عن المنازل. وعند ابن ماهان: فى التبرز بمعناه، أى فى الخروج للبراز. وقولها: " تعس مسطح " بكسر العين، معناه: هلك، وقيل: سقط، والتعس

стр. 4729

رَجُلاً قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. قَالَتْ: أىْ هَنْتَاهُ، أوَلَمْ تَسْمَعِى مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ: فأخْبَرَتْنِى بِقَوْلِ أهلِ الإفْك، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إلى مَرَضِى، فَلمَّا رَجَعْتُ إلى بَيْتِى، فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: " كَيْفَ تِيكُمْ؟ ". قُلْتُ: أتأذَنُ لِى أنْ آتِىَ أبَوَىَّ؟ قَالَتْ - وَأنَا حِينَئِذٍ أُريدُ أنْ أتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِنْ قبَلِهِمَا - فأذِنَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجِئْتُ أبَوَىَّ فَقُلْتُ لأمِّى: يَا أمَّتَاهْ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنى عَلَيْكِ. فَوَاللهِ، لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائرُ، إلا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ، فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أصْبَحْتُ لا يَرْقَأ لِى دَمْعٌ وَلاَ أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. ثمَّ أصْبَحْتُ أبْكِى، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِىَّ بْنَ أبِى طَالِبٍ وَأسَامَة بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْىُ، يَسْتَشِيرُهُمَا فِى فِرَاقِ أهْلِهِ. قَالَتْ: فأمَّا أسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالَّذى يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءةِ أهْلِهِ، وَبِالَّذِى يَعْلَمُ فِى نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الوُدِّ. فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ، هُمْ أهْلُكَ وَلا نَعْلَمُ إلا خَيْرًا. وَأمَّا عَلِىُّ بْنُ أبِى طَالِبٍ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاء سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإنْ تَسْأل الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: " أىْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأيْتِ مِنْ شَىْء يَريبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ ". قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إنْ رَأيْتُ عَلَيْهَا أمْرًا قَطُّ أغْمِصُهُ عَلَيْهَا، أكْثَرَ مِنْ أنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أهْلِهَا، فَتَأتِى الدَّاجِنُ فَتَأكُلُهُ. قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبرَ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَىٍّ ابْنَ سَلُولَ: قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنْبَر -: " يَا مَعْشَرَ المُسْلِمينَ، مَنْ يَعْذُرنِى مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ ــ السقوط على وجهه خاصة، وقيل: لزمه الشىء، وقيل: بعد. وقولها: " يا هنتاه ": أى يا امرأة أو يا هذه، وهى كلمة يعبر بها عن كل شىء، وقد تقدم شرحها ولا يقال: هنتاه، إلا فى النداء. ومن العرب من يسكن نون " هن " فى كل حال، مثل " منْ " ومنهم من ينونها فى الوصل. وكذلك الأنثى " هنة " فى الوصل " وهنة " فى الوقف، وحكى الهروى عن بعضهم أن: " هن، وهنة " مشددة النون، وأنكره الأزهرى، والمعروف تخفيف النون. وحكى الخليل أنهم إذا أدرجوها فى المؤنث سكنوا التاء فقالوا: هذه هنتْ جاءت. وقولها: " ما كانت قط امرأة (١) وضيئة " ممدوداً أى جميلة، والوضاءة: الحسن

стр. 4730

أذَاهُ فِى أهلِ بَيْتِى. فَوَاللهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِى إلا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أهْلِى إلا مَعِى ". فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأنْصَارِىُّ فَقَالَ: أنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ كَانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإنْ كَانَ مِنْ إخْوَانِنَا الخَزْرَجَ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَجَ، وَكَانَ رَجُلاً صَالِحًا، وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الحَمِيَّةُ - فَقَالَ لِسْعدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ. لَعَمْرُ اللهِ، لا تَقْتُلُهُ وَلا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِه. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْر - وَهُوَ ابْنُ عمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ. لَعَمْرُ اللهِ، لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عن المُنَافِقِينَ. فَثَارَ الحَيَّانِ الأوْسُ والخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائمٌ عَلى المِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَفِضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ: وَبَكَيْتُ يَوْمِى ذَلِكَ، لا يَرْقَأ لِى دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. ثمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِى المُقْبِلَةَ، لا يَرْقَأ لِى دَمْعٌ وَلا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَأبَوَاىَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِى. فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عَنْدِى، وَأنَا أبْكِى، اسْتأذَنَتْ عَلَىَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأنْصَارِ فَأذنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِى قَالَت: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ. قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِى مُنْذُ قِيلَ لِى مَا قِيلَ. وَقَدْ لَبِثَ شَهرًا لاَ يُوحَى إليْهِ فِى شَأنِى بِشَىْءٍ. قَالَت: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: " أمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ، فَإنَّهُ قَدْ بَلَغَنِى عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإنْ كُنْتِ بَريئَةً فَسَيُبَرَئُكِ اللهُ، وَإنْ كُنْتِ ــ ممدود. وفى رواية ابن ماهان: " حظية " من الحظوة ورفعة المكانة وبُعده " عند رجل يحبها ولها ضرائر " أى شرائك وزوجات لزوجها، سُمين بذلك لاستضرار كل واحدة بالأخرى؛ لأجل الغيرة التى بينهن على الزوج، ومقاسمتهن (١) أموره. والاسم منه الضر بالكسر، وحكى الضم كغيره. وقولها: " إلا كثرن عليها " يعنى القول بعيبها. وقولها: " من شىء أغمصه " بكسر الميم، أى أعيبه وأنتقصه والغمص العيب، وأصله: الطعن والقول السيئ. وقولها: " ولكن اجتهلته الحمية ": كذا رواية الجلودى بالجيم والهاء فى حديث معمر عن ابن شهاب، وفى حديث فليح عنه وعند ابن ماهان وفى رواية معمر: " احتملته " بالحاء والميم، وهى رواية البخارى (٢). وكذا ذكره مسلم عن يونس وصالح، وصوب
следующие страницы →